وقوله صلى الله عليه وسلم :" إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه، ولا عن يمينه ،فإن الله قبل وجهه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه" (1) متفق عليه............
(1) هذا الحديث في إثبات كون الله قبل وجه المصلى:
*" قبل وجهه" يعني : أمامه.
قال الله تعالى : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة:115).
*" يمينه": ورد فيه حديث:" فإن عن يمينه ملكاً" ، ولأن اليمين أفضل من الشمال، فيكون اليسار أولى بالبصاق ونحوه، ولهذا قال" ولكن عن يساره أو تحت قدمه".
فإن كان في المسجد؛ قال العلماء : فإنه يجعل البصاق في خرقه أو منديل أو ثوبه ، ويحك بعضه ببعض، حتى تزول صورة البصاق، وإذا كان الإنسان في المسجد عند الجدار، والجدار قصير عن يساره؛ فإنه يمكن أن يبصق عن يساره إذا لم يؤذ أحداً من المارة.
*يستفاد من هذا الحديث: أن الله تبارك وتعالى أمام وجه المصلي، ولكن يجب أن نعلم أن الذي قال: إنه أمام وجه المصلى؛ هو الذي قال إنه في السماء، ولا تناقض في كلامه هذا وهذا؛ إذ يمكن الجمع من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الشرع جمع بينهما ، ولا يجمع بين متناقضين.
الوجه الثاني: أنه يمكن أن يكون الشيء عالياً، وهو قبل وجهك؛ فها هو الرجل يستقبل الشمس أول النهار، فتكون أمامه وهي في السماء؛ فإذا كان هذا ممكناً في المخلوق؛ ففي الخالق من باب أولى بلا شك.
الوجه الثالث: هب أن هذا ممتنع في المخلوق؛ فإنه لا يمتنع في الخالق؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته.
يستفاد من هذا الحديث من الناحية المسلكية وجوب الأدب مع الله عز وجل ويستفاد أنه متى آمن المصلي بذلك فإنه يحدث له خشوعاً وهيبة من الله عز وجل.
وقوله صلى الله عليه وسلم :" اللهم رب السماوات السبع والأرض ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك م شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها . أنت الأول ؛ فليس قبلك شيء، وأنت الآخر؛ فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر؛ فليس فوقك شيء، وأنت الباطن؛ فليس دونك شيء؛ اقض عني الدين، وأغنني من الفقر". رواه مسلم(1).........................................
(1)هذا الحديث : في إثبات العلو وصفات أخرى:
*وهو حديث عظيم ، توسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى بربوبيته في قوله:" اللهم رب السماوات السبع والأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء" ، وهذا من باب التعميم بعد التخصيص في قوله:" ورب كل شيء" وهذا التعميم بعد التخصيص؛ لئلا يتوهم واهم اختصاص الحكم بما خصص به. وانظر إلى قوله تعالى : (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ )(النمل: من الآية91) حيث قال : (وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ) ؛ حتى لا يظن ظان أنه ليس رباً إلا لهذه البلدة.
*" فالق الحب والنوى": حب الزرع. و "النوى" : نوى العرس؛ فالأشجار التي تخرج: إما زروع أصلها النوى؛ فما للأشجار يسمى نوى، وما للزروع يسمى حباً ؛( فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى)(الأنعام: من الآية95).
هذا الحب والنوى اليابس الذي لا ينمو ولا يزيد ، يفلقه الرب عز وجل؛ أي: يفتحه حتى تخرج منه الأشجار والزروع ، ولا يستطيع أحد أن يفعل ذلك؛ مهما بلغ الناس في القدرة؛ ما استطاعوا أن يفلقوا حبة واحدة أبداً! والنوى كذلك الذي كالحجر؛ لا ينمو، ولا يزيد ؛ يفلقه الله عز وجل، وينفرج، ثم تكون منه الغريسة التي تنمو، ولا أحد يستطيع ذلك ؛ إلا الذي فلقها سبحانه وتعالى.
ولما ذكر الآية الكونية العظيمة؛ ذكر الآيات الشرعية، وهي:
قوله:" منزل التوراة والإنجيل والقرآن" : وهذه أعظم كتب أنزلها الله عز وجل، وبدأها على الترتيب الزمني: التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم .
وفي هذا نص صريح على أن التوراة منزلة كما جاء في القرآن: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ )(المائدة: من الآية44) ، وقال في أول سورة آل عمران: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ) (3) (مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ )(آل عمران: 3-4).
قوله:" أعوذ بك من شر نفسي": أعتصم بالله من شر نفسي.
إذاً ؛ في نفسك شر؛ (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء)(يوسف: من الآية53)
لكن النفس نفسان:
1- نفس مطمئنة طيبة تأمر بالخير.
2- نفس شريرة أمارة بالسوء.
والنفس اللوامة؛ هل هي ثالثة، أو وصف للثنتين السابقتين؟!
فيه خلاف: بعضهم يقول: أنها نفس ثالثة. وبعضهم يقول : هي وصف للثنتين السابقتين؛ فالمطمئنة تلومك والأمارة بالسوء تلومك؛ فيكون قوله تعالى : (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة:2)؛ يشمل النفسين جميعاً.
فالمطمئنة تلومك على التقصير في الواجب؛ إذا أهملت واجباً؛ لامتك، وإذا فعلت محرماً ؛ لامتك.
والأمارة بالعكس ؛ إذا فعلت الخير؛ لامتك وتلومك إذا فوت ما تأمرك به من السوء.
إذاً؛ صارت اللوَّامة على القول الراجح وصفاً لنفسين معاً.
وقوله هنا:" أعوذ بك من شر نفسي": المراد بها النفس الأمارة بالسوء.
قوله:" ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها": الدابة : كل ما يدب على الأرض، حتى الذي يمشي على بطنه داخل في هذا الحديث؛ كقوله تعالى : (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ )(النور: من الآية45) ، وقوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا )(هود: من الآية6) .
وإن كانت الدابة تطلق في العرف على ذوات الأربع، فوفي عرف أخص تطلق على الحمار فقط، لكنها في مثل هذا الحديث يراد بها كل ما يدب على الأرض، وما يدب على الأرض فيه شرور، أما بعضه فشر محض بالنسبة لذاته، وأما بعضه ففيه خير وفيه شر، وحتى الذي فيه خير ؛ لا يسلم من الشر.
*قوله :" أنت آخذ بناصيتها " : مقدم الرأس، وإنما نص على الناصية؛ لأنه هو المقدم ، وهو الذي يمسك به لقيادة البعير وشبهه وقيل : خص ذلك؛ لأن المخ الذي فيه التصور والتلقي يكون في مقدمة الرأس ، والعلم عند الله.
*قوله:" أنت الأول؛ فليس قبلك شيء": هذا تفسير من النبي صلى الله عليه وسلم لقوله :" الأول" والأول من أسماء الله.
وقد ذكرنا عند تفسير الآية أن أهل الفلسفة يسمون الله : القديم، وذكرنا أن القديم ليس من أسماء الله الحسنى، وأنه لا يجوز أن يسمى به، لكن يجوز أن يخبر به عنه، وباب الخبر أوسع من باب التسمية؛ لأن القديم ليس من الأسماء الحسنى، والقديم فيه نقص؛ لأن القدم قد يكون قدماً نسبياً ؛ ألم تر إلى قوله تعالى : (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يّـس:39)، والعرجون القديم حادث، لكنه قديم بالنسبة لما بعده.
*قوله:" " وأنت الظاهر ؛ فليس فوقك شيء": الظاهر من الظهور، وهو العلو؛ كما قال تعالى : (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً) (الكهف:97)؛( يَظْهَرُوهُ) ؛ أي : يعلو عليه.
وأما من قال : الظاهر بآياته؛ فهذا خطأ؛ لأنه لا أحد أعلم بتفسير كلام الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال:" الظاهر ؛ فليس فوقك شيء": بل هو فوق كل شيء سبحانه.
قوله:" وأنت الباطن؛ فليس دونك شيء": المعنى : ليس دون الله شيء؛ لا أحد يدبر دون الله ، ولا أحد ينفرد بشيء دون الله، ولا أحد يخفى على الله ؛ كل شيء؛ فالله محيط به ، ولهذا قال:" ليس دونك شيء" يعني : لا يحول دونك شيء، ولا يمنع دونك شيء، ولا ينفع ذا الجد منك الجد... وهكذا.
قوله:" اقض عني الدين": الدين: ما يستحق على الإنسان من مال أو حق؛ اشتريت منك حاجة، ولم أنقدك الثمن؛ فهذا يسمى ديناً، وإن كان غير مؤجل.
قوله:" أغنني من الفقر": الفقر: خلو ذات اليد، ولا شك أن الفقر فيه إيلام للنفس ، والدين فيه ذل؛ والمدين ذليل للدائن، والفقير معوز ربما يجره الفقر إلى أمر محرم.
ألم يأتكم نبأ الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فتوسل كل واحد منهم بصالح عمله، وكان لأحدهم ابنة عم أعجبته، وكان يراودها عن نفسه، ولكنها كان تأبى ذلك، فألمت به سنة من السنين، واحتاجت ، وجاءت إليه تطلب منه أن يعينها، فأبى عليها إلا أن تمكنه من نفسه ، من أجل ضرورتها ؛ وافقت على هذا، فما جلس منها مجلس الرجل من امرأته؛ قالت له: يا هذا! اتق الله! ولا تفض الخاتم إلا بحقه! وأثرت هذه الكلمة في الرجل عندما كانت نابعة من القلب، فقام عنها. قال: فقمت عنها وهي أحب الناس إلي. لكن ذكرته هذه الموعظة الكريمة؛ فأقلع.
فانظر إلى الفقر ؛ فإن هذه المرأة أرادت أن تبيع عرضها بسبب الفقر.
إذاً ؛ قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" أغنني من الفقر"
: سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يغنيه من الفقر؛ لأن الفقر له آفات عظيمة.
*وفي هذا الحديث أسماء وصفات:
- فمن الأسماء: الأول، والآخر، والظاهر ، والباطن.
- ومن الصفات: الأولية والآخرية، وفيهما الإحاطة الزمانية.
والظاهرية والباطنية، وفيهما الإحاطة المكانية. ومنها : العلو، وعموم ربوبيته، وتمام قدرته. ومنها: كما رحمته وحكمته بإنزال الكتب؛ لتحكم بين الناس وتهديهم صراط الله.
*ومن غير الأسماء والصفات: التوسل إلى الله بصفات الله، والتحذير من شر النفوس، وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضى الله دينه ويغنيه من الفقر، وبيان ضعف الحديث الذي فيه سؤال النبي صلى الله عليه وسلم أن يحييه ربه مسكينا.
وفيه من الفوائد المسلكية : التحذير من شر النفس، وتعظيم شأن الدين، وأن يحرص على تلافي الدين بقدر الإمكان، ويقتصد في ماله طلباً وتصرفاً؛ لأنه إذا اقتصد في ذلك ؛ سلم غالباً من الفقر والدين.
* * *
وقوله صلى الله عليه وسلم لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر:" أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً؛ إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"(1) متفق عليه......
(1)هذا الحديث : في إثبات قرب الله تعالى :
كان الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذا علوا نشزاً ؛ كبروا، وإذا نزلوا وادياً؛ سبحوا؛ لأن الإنسان إذا ارتفع؛ قد يتعاظم في نفه، ويرى أنه مرتفع عظيم؛ فناسب أن يقول: الله أكبر! تذكيراً لنفسه بكبرياء الله عز وجل، وأما إذا نزل؛ فهذا سفول ونزول، فيقول: سبحان الله! تذكيراً لنفسه بتنزه الله عن اسفل. فكان الصحابة رضي الله عنهم يرفعون أصواتهم بالذكر جداً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام:
" أيها الناس اربعوا على أنفسكم"؛ يعني : هونوا عليها.
" فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً"؛ لا تدعون أصم لا يسمع ، ولا غائباً لا يرى.
" إنما تدعون سميعاً"؛ يسمع ذكركم، " بصيرا"؛ يرى أفعالكم.
" إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته": عنق الراحلة للراكب قريب جداً؛ فالله تعالى أقرب من هذا إلى الإنسان، ومع هذا؛ فهو فوق سماواته على عرشه.
ولا منافاة بين القرب والعلو؛ لأن الشيء قد يكون بعيداً قريباً؛ هذا بالنسبة للمخلوق؛ فكيف بالخالق؟! فالرب عز وجل قريب مع علوه، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته.
هذا الحديث فيه فوائد:
- فيه شيء من الصفات السلبية: نفي كونه أصم أو غائباً؛ لكمال سمعه ولكمال بصره وعلمه وقربه.
- وفيه أيضاً انه ينبغي للإنسان إلا يشق على نفسه في العبادة؛ لأن الإنسان إذا شق على نفسه؛ تعبت النفس وملت، وربما يتأثر البدن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا".
حتى إن الرسول صلى الله عليه وسمل أمر من نعس في صلاته أن ينام ويدع الصلاة؛ قال : " فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه".
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقول القائل : لا يفطر ، ويفطر حتى يقول القائل: لا يصوم كذلك في القيام والنوم
- وفيه ايضاً أن الله قريب، وقد دل عليه قوله تعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )(البقرة: من الآية186).
* ونستفيد من هذا الحديث من الناحية المسلكية:
- أنه لا ينبغي لنا أن نشق على أنفسنا بالعبادات، وأن يكون سيرنا إلى الله وسطاً؛ لا تفريط ولا إفراط.
- وفيه أيضاً: الحذر من الله ؛ لأنه سميع وقريب وبصير، فنبتعد عن مخالفته.
- وفيه أيضا من الناحية الحكمية: جواز تشبيه الغائب الحاضر للإيضاح؛ حيث قال:" إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته".
- وفيه أيضاً انه ينبغي أن يراعي الإنسان في المعاني ما كان أقرب على الفهم ؛ لأن هؤلاء مسافرون، وكل منهم على راحلته، وإذا ضرب المثل بما هو قريب؛ فلا أحسن من هذا المثل الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام.
وقوله صلى الله عليه وسلم :" إنكم سترون ربكم كمـا ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها ؛ فافعلوا (1) متفق عليه....................................
(1) هذا الحديث : في إثبات رؤية المؤمنين لربهم.
· قوله :" إنكم سترون ربكم ": السين للتحقيق، وتخلص الفعل المضارع إلى الاستقبال بعد أن كان صالحاً للحال والاستقبال؛ كما أن (لم) تخلصه للماضي، والخطاب للمؤمنين.
· قوله :" كما ترون القمر:" هذه رؤية بصرية؛ لأن رؤيتنا للقمر بصرية، وهنا شبه الرؤية بالرؤية؛ فتكون رؤية بصرية.
· قوله :" كما ترون" : (ما) هذه مصدرية، فيحول الفعل بعدها إلى مصدر، ويكون التقدير : كرؤيتكم القمر؛ فالتشبيه حينئذ للرؤية بالرؤية وليس للمرئي بالمرئي، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقرب المعاني أحياناً بذكر الأمثلة الحسية الواقعية؛ كما سأله أبو رزين العقيلي لقيط بن عامر؛ قال : يا رسول الله ! أكلنا يرى ربه يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" كلكم ينظر إلى القمر مخلياً به" قال: بلى قال النبي صلى الله عليه وسلم :" فالله أعظم"
وقوله :" مخلياً به"؛ يعني : خالياً به.
وكما ثبت به الحديث في " صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه :" إن الله يقول :قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قال : الحمد لله رب العالمين. قال: حمدني عبدي...." الخ.
وهذا يشمل كل مصل، ومن المعلوم أنه قد يتفق المصلون في هذه الآية جميعأً ، فيقول اله لكل واحد:" حمدني عبدي"، في آن واحد
قال :" كما ترون القمر ليلة البدر" أي: ليلة إبداره، وهي الليلة الرابعة عشرة والخامسة عشرة والثالثة عشرة أحياناً، والوسط الرابعة عشرة، كما قال ابن القيم : كالبدر ليل الست بعد ثمان.
*قوله:" لا تضامُون في رؤيته" ، وفي لفظ : لا تضامون" وفي لفظ:" لا تضارون":
- " لا تضامون": بضم التاء وتخفيف الميم ، أي : يلحقكم ضيم، والضيم الظلم، والمعنى: لا يحجب بعضكم بعضاً عن الرؤية فيظلمه بمنعه إياه. لأن كل واحد يراه.
- " لا تضامون" : بتشديد الميم وفتح التاء وضمها : يعني : لا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته؛ لأن الشيء إذا كان خفياً ؛ ينضم الواحد على صاحبه ليريه إياه.
- أما " لا تضارون" أو "لا تضارُون" فالمعنى: لا يلحقكم ضرر؛ لأن كل إنسان يراه سبحانه وتعالى وهو في غاية ما يكون من الطمأنينة والراحة.
- قوله :" فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غربوها ؛ فافعلوا": الصلاة قبل طلوع الشمس هي الفجر، وقبل غروبها هي العصر.
- والعصر أفضل من الفجر؛ لأنها الصلاة الوسطى التي خصها الله بالأمر بالمحافظة عليها بعد التعميم ، والفجر أفضل من العصر من وجه؛ لأنها الصلاة المشهودة؛ كما قال تعالى (ِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً)(الاسراء: من الآية78) وجاء في الحديث الصحيح:" من صلى البردين ؛ دخل الجنة، وهما الفجر والعصر.
إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به (1) فإن الفرقة (2) الناجية (3) أهل السنة والجماعة(4).............................................................................
*في هذا الحديث من صفات الله: إثبات أن الله يرى، وقد سبق شرح هذه الصفة عند ذكر الآيات الدالة عليها ، وهي أربعة آيات، والأحاديث في هذا متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم فثبوتها قطعة، ودلالتها قطعية.
ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن من أنكر رؤية الله تعالى ؛ فهو كافر مرتد، وان الواجب على كل مؤمن أن يقر بذلك. قال: وإنما كفرناه؛ لأن الأدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، ولا يمكن لأحد أن يقول : إن قول الرسول عليه الصلاة والسلام :" إنكم سترون ربكم" إنه ليس قطعي الدلالة؛ إذ ليس هناك شيء أشد قطعاً من مثل هذا التركيب.
لو كان الحديث :" إنكم ترون ربكم": لربما تحتمل التأويل، وأنه عبر عن العلم اليقيني بالرؤية البصرية، ولكنه صرح بأنا نراه كما نرى القمر، وهو حسي.
وسبق لنا أن أهل التعطيل يؤولون هذه الأحاديث ويفسرون الرؤية برؤية العلم، وسبق بطلان قولهم.
(1)* قوله: " إلى أمثال هذه الأحاديث ..." إلخ؛ يعني : انظر إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه؛ فما كان مثلها ثبوتاً ودلالة؛ فحكمه حكمها.
(2) الفرقة "؛ أي: الطائفة.
(3) " الناجية" التي نجت في الدنيا من البدع، وفي الآخرة من النار.
(4) أي: الذين أخذوا بالسنة واجتمعوا عليها .
يؤمنون بذلك(1) كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز (2) من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل (3)...............................................................................................
(1) أي: بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسمل .
(2) لأن ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام يجب علينا أن نؤمن به كما يجب علينا أن نؤمن بما أخبر الله به في كتابه ؛ إلا أنه يختلف عن القرآن في الثبوت؛ فإن لنا نظرين بالنسبة لما جاءت به السنة:
النظر الأول: في ثبوته.
والنظر الثاني: في دلالته.
أما ما في القرآن؛ فلنا نظر واحد، وهو النظر في الدلالة.
وقد سبق لنا بيان الأدلة الدالة على وجوب قبول ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسمل .
(3) سبق شرح هذا.
* * *
بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم (1)..........................................
فصل
مكانة أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة
واتصافهم بالوسطية
(1) يعني: الأمم السابقة، وذلك من عدة أوجه:
- ففي حق الله تعالى: كانت اليهود تصف الله تعالى بالنقائص، فتلحقه بالمخلوق. وكانت النصارى تلحق المخلوق الناقص بالرب الكامل. أما هذه الأمة؛ فلم تصف الرب بالنقائص ولم تلحق المخلوق به.
- وفي حق الأنبياء ؛ كذبت اليهود عيسى بن مريم ، وكفرت به . وغلت النصارى فيه، حتى جعلته إلهاً. أما هذه الأمة؛ فأمنت به بدون غلو، وقالت: هو عبد الله ورسوله.
- وفي العبادات ؛ النصارى يدينون لله عز وجل بعدم الطهارة؛ بمعنى انهم لا يتطهرون من الخبث؛ يبول الواحد منهم، ويصيب البول ثيابه، ويقوم، ويصلي في الكنيسة!! واليهود بالعكس؛ إذا أصابتهم النجاسة؛ فإنهم يقرضونها من الثوب؛ فلا يطهرها الماء عندهم؛ حتى إنهم يبتعدون عن الحائض لا يؤاكلونها ولا يجتمعون بها. أما هذه الأمة؛ فهم وسط فيقولون: لا هذا ولا هذا؛ لا يُشق الثوب ، ولا يُصلى بالنجاسة، بل يغسل غسلاً حتى تزول النجاسة منه، ويصلى به، ولا يبتعدون عن الحائض؛ بل يؤاكلونها ويباشرها زوجها في غير الجماع.
- وكذلك أيضاً في باب المحرمات من المآكل والمشارب؛ النصارى استحلوا الخبائث وجميع المحرمات، واليهود حرم عليهم كل ذي ظفر؛ كما قال تعالى : (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (الأنعام:146) ، أما هذه الأمة ؛ فهم وسط؛ أحلت لهم الطيبات؛ وحرمت عليهم الخبائث.
- وفي القاص ؛ فرض على اليهود ، والتسامح عن القصاص فرض على النصارى، أما هذه الأمة؛ فهم وسط؛ أحلت لهم الطيبات؛ وحرمت عليهم الخبائث.
- و في القصاص؛ القصاص فرض على اليهود ، والتسامح عن القصاص فرض على النصارى، أما هذه الأمة؛ فهي مخيرة بين القصاص والدية والعفو مجاناً.
فكانت الأمة الإسلامية وسطاً بين الأمم بين الغلو والتقصير.
فأهل السنة والجماعة بين فرق الأمة كالأمة بين الديانات الأخرى؛ يعني : أنهم وسط.
ثم ذكر المؤلف – رحمه الله- اصولاً خمسة كان أهل السنة والجماعة فيها وسطاً بين فرق الأمة:
فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة (1) .............
الأصل الأول: باب الأسماء والصفات
(1) هذان طرفان متطرفان: أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة.
- فالجهمية: ينكرون صفات الله عز وجل، بل غلاتهم ينكرون الأسماء ويقولون: لا يجوز أن نثبت لله اسماً ولا صفة؛ لأنك إذا أثبت له اسماً ؛ شبهته بالمسميات، أو صفة؛ شبهته بالموصوفات!! إذاً ؛ لا نثبت أسماً ولا صفة!! وما أضاف الله إلى نفسه من الأسماء؛ فهو من باب المجاز، وليس من باب التسمي بهذه الأسماء!!
- والمعتزلة ينكرون الصفات ويثبتون الأسماء.
- والأشعرية يثبتون الأسماء وسبعاً من الصفات.
(1) كل هؤلاء يشملهم اسم التعطيل ، لكن بعضهم معطل تعطيلاً كاملاً ؛ كالجهمية، وبعضهم ، وبعضهم تعطيلاً نسبياً ؛ مثل المعتزلة والأشاعرة.
(2) وأما أهل التمثيل المشبهة؛ فيثبتون لله الصفات، ويقولون: يجب أن نثبت لله الصفات؛ لأنه أثبتها لنفسه، لكن يقولون: إنها مثل صفات المخلوقين.
فهؤلاء غلو في الإثبات، وأهل التعطيل غلو في التنزيه.
فهؤلاء قالوا: يجب عليك أن تثبت لله وجهاً، وهذا الوجه مثل وجه أحسن واحد من بني آدم قالوا: لأن الله خاطبنا بما نعقل ونفهم؛ قال : (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ) (الرحمن:27)، ولا نعقل ونفهم من الوجه إلا ما نشاهد، وأحسن ما نشاهد الإنسان.
فهو على زعمهم – والعياذ باله – على أحسن واحد من الشباب الإنساني، ويدعون أن هذا هو المعقول معقول!!
وأما أهل السنة والجماعة؛ فقالوا: نحن نأخذ بالحق الذي مع الجانبين؛ فنأخذ بالحق في باب التنزيه؛ فلا نمثل، ونأخذ بالحق في جانب الإثبات؛ فلا نعطل؛ بل إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل؛ نحن نثبت ولكن بدون تمثيل، فنأخذ بالأدلة من هنا ومن هنا.
والخلاصة: هم وسط في باب الصفات بين طائفتين متطرفتين: طائفة غلت في التنزيه والنفي، وهم أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم وطائفة غلت في الإثبات، وهم المثلة.
وأهل السنة والجماعة يقولون: لا تغلو في الإثبات ولا في النفي، ونثبت بدون تمثيل ؛ لقوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11)
الأصل الثاني: أفعال العباد
وهم وسط في باب أفعال اله تعالى بين القدرية والجبرية (1)...........................................
(1) في باب القدر أنقسم الناس إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: آمنوا بقدر الله عز وجل وغلوا في إثباته، حنة سلبوا الإنسان قدرته واختياره، وقالوا: إن الله فاعل كل شيء، وليس للعبد اختيار ولا قدرة، وإنما يفعل الفعل مجبراً عليه، بل إن بعضهم ادعى أن فعل العبد هو فعل الله ، ولهذا دخل من بابهم أهل الاتحاد والحلول، وهؤلاء هم الجبرية.
القسم الثاني قالوا: إن العبد مستقل بفعله ، وليس لله فيه مشيئة ولا تقدير، حتى غلا بعضهم ، فقال إن الله لا يعلم فعل العبد إلا إذا فعله، أما قبل؛ فلا يعلم عنه شيئاً ، وهؤلاء هم القدرية، مجوس هذه الأمة.
فالأولون غلوا في إثبات أفعال الله وقدره وقالوا: إن الله عز وجل يجبر الإنسان على فعله، وليس للإنسان اختيار.
والآخرون غلوا في إثبات أفعال الله وقدره وقالوا: إن الله عز وجل يجبر الإنسان على فعله، وليس للإنسان اختيار.
والآخرون غلوا في إثبات قدرة العبد، وقالوا: إن القدرة الإلهية والمشيئة الإلهية لا علاقة لها في فعل العبد؛ فهو الفاعل المطلق الاختيار.
القسم الثالث: أهل السنة والجماعة؛ قالوا: نحن نأخذ بالحق الذي مع الجانبين؛ فنقول: إن فعل العبد واقع بمشيئة الله وخلق الله ، ولا يمكن أن يكون في ملك الله ما لا يشاءوا أبداً ، والإنسان له اختيار وإرادة، ويفرق بين الفعل الذي يضطر إليه والفعل الذي يختاره؛ فأفعال العباد باختيارهم وإرادتهم ، ومع ذلك ؛ فهي واقعة بمشيئة الله وخلقه.
لكن سيبقى عندنا إشكال: كيف تكون خلقاً لله وهي فعل الإنسان؟!
الجواب: أن أفعال العبد صدرت بإرادة وقدرة، والذي خلق فيه الإرادة والقدرة هو الله عز وجل، لو شاء الله تعالى ؛ لسلبك القدرة؛ فلم تستطع، ولو أن أحداً قادراً لم يرد فعلاً ؛ فإنه بإرادته، اللهم إلا من أكره.
الأصل الثالث : الوعيد
وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم (1).....................................
(1) المرجئة: أسم فاعل من أرجَأ ؛ بمعنى: أخر، ومنه قوله تعالى (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهَُ) (لأعراف:111)، وفي قراءة: (أرجئه) ؛ أي: آخره وأخر أمره، وسموا مرجئه: إما من الرجاء؛ لتغليبهم أدلة الرجاء على أدلة الوعيد، وإما من الإرجاء؛ بمعنى التأخير ؛ لتأخيرهم الأعمال عن مسمى الإيمان.
ولهذا يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، والإيمان هو الاعتراف بالقلب فقط.
ولهذا يقولون: إن فاعل الكبيرة كالزاني والسارق وشارب الخمر وقاطع الطريق لا يستحق دخول النار لا دخولاً مؤبداً ولا مؤقتاً؛ فلا يضر مع الإيمان معصية؛ مهما كانت صغيرة أم كبيرة؛ إذا لم تصل إلى حد الكفر.
وأما الوعيدية؛ فقابلوهم، وغلبوا جانب الوعيد، وقالوا: أي كبيرة يفعلها الإنسان ولم يتب منها، فإنه مخلد في النار بها : إن سرق؛ فهو من أهل النار خالداً مخلداً، وإن شرب الخمر؛ فهو في النار خالداً مخلداً… وهكذا.
والوعيدية يشمل طائفتين: المعتزلة، والخوارج. ولهذا قال المؤلف: " من القدرية وغيرهم" ؛ فيشمل المعتزلة- والمعتزلة قدرية؛ يرون أن الإنسان مستقل بعلمه، وهم وعيدية- ويشمل الخوارج.
فاتفقت الطائفتان على أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، لا يخرج منها أبداً، وأن من شرب الخمر مرة؛ كمن عبد الصنم ألف سنة؛ كلهم مخلدون في النار؛ لكن يختلفون في الأسم؛ مما سيأتي إن شاء الله في الباب الثاني.
وأما أهل السنة والجماعة؛ فيقولون: لا نغلب جانب الوعيد كما فعل المعتزلة والخوارج، ولا جانب الوعد كما فعل المرجئة، ونقول: فاعل الكبيرة مستحق للعذاب ، وإن عذب؛ لا يخلد في النار.
وسبب الخلاف بين الوعيدية وبين المرجئة: أن كل واحد منهما نظر إلى النصوص بعين عوراء؛ ينظر من جانب واحد.
هؤلاء نظروا نصوص الوعد، فأدخلوا الإنسان في الرجاء ، وقالوا نأخذ بها ، وندع ما سواها ،وحملوا نصوص الوعيد على الكفار.
- والوعيدية بالعكس؛ نظروا إلى نصوص الوعيد، فأخذوا بها ، وغفلوا عن نصوص الوعد.
فلهذا اختل توازنهم لما نظروا من جانب واحد.
(3) وأهل السنة والجماعة أخذوا بهذا وهذا، وقالوا: نصوص الوعيد محكمة ؛ فنأخذ بها ، ونصوص الوعد محكمة؛ فنأخذ هبا ، فأخذوا من نصوص الوعد ما ردوا به على الوعيدية، ومن نصوص الوعيد ما ردوا به على المرجئة، وقالوا: فاعل الكبيرة مستحق لدخول النار؛ لئلا نهدر نصوص الوعيد؛ غير مخلد فيها لئلا نهدر نصوص الوعد.
فأخذوا بالدليلين ونظروا بالعينين.
الأصل الرابع: أسماء الإيمان والدين
وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية (1)
(1) هذا في باب الأسماء والدين، وهو غير باب الأحكام الذي هو الوعد والوعيد؛ ففاعل الكبيرة ماذا نسميه؟! مؤمن أم كافر؟!
(4) وأهل السنة وسط فيه بين طائفتين: الحرورية والمعتزلة من وجه، والمرجئة الجهمية من وجه:
- فالحرورية والمعتزلة أخرجوه من الإيمان، لكن الحرورية قالوا: إنه كافر يحل دمه وماله، ولهذ1 خرجوا على الأئمة، وكفروا بالناس.
- وأما المرجئة الجهمية، فخالفوا هؤلاء، وقالوا: هو مؤمن كامل الإيمان!! يسرق ويزني ويشرب الخمر ويقتل النفس ويقطع الطريق ؛ ونقول له : أنت مؤمن كامل الإيمان!! كرجل فعل الواجبات والمستحبات وتجنب المحرمات!! أنت وهو في الإيمان واحد!!
فهؤلاء وأولئك على الضد في الاسم وفي الحكم.
وأما المعتزلة؛ فقالوا: فاعل الكبيرة خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر؛ فهو في منزلة بين منزلتين؛ لا نتجاسر أن نقول: إنه كافر! وليس لنا أن نقول: إنه مؤمن؛ وهو يفعل الكبيرة؛ يزني ويسرق ويشرب الخمر! وقالوا: نحن أسعد الناس بالحق!
حقيقة أنهم إذا قالوا: إن هذا لا يتساوى مع مؤمن عابد؛ فقد صدقوا.
لكن كونهم يخرجونه من الإيمان ثم يحدثون منزلة بين منزلتين: بدعة ما جاءت لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله، كل النصوص تدل على أنه لا يوجد منزلة بين منزلتين: كقوله تعالى( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(سـبأ: من الآية24).
وقوله: ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ )(يونس: من الآية32). وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) (التغابن:2) وفي الحديث : "القرآن حدة لك أو عليك".
فأين المنزلة بين المنزلتين؟!
هم يقولون: في منزلة بين منزلتين!! وفي باب الوعيد ينفذون عليه الوعيد، فيوافقون الخوارج في أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، أما في الدنيا؛ فقالوا: تجرى عليه أحكام الإسلام؛ لأنه هو الأصل ؛ فهو عندهم في الدنيا بمنزلة الفاسق العاصي.
فيا سبحان الله ! كيف نصلي عليه ، ونقول : اللهم افر له وهو مخلّد في النار؟!
فيجب عليهم أن يقولوا في أحكام الدنيا: إنه يتوقف فيه! لا نقول: مسلم ، ولا: كافر، ولا نعطيه أحكام الإسلام، ولا أحكام الكفر!! إذا مات ؛ لا نصلي عليه ، ولا نكفنه، ولا نغسله، ولا يدفن مع المسلمين، ولا ندفنه مع الكفار ؛ إذاً ؛ نبحث له عن مقبرة بين مقبرتين !!
- وأما أهل السنة والجماعة؛ فكانوا وسطاً بين هذه الطوائف ؛ فقالوا: نسمي المؤمن الذي يفعل الكبيرة مؤمناً ناقص الإيمان، أو نقول : مؤمن بإيمانه ، فاسق بكبيرته، وهذا هو العدل ؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم.
ويترتَّب على هذا : أن الفاسق لا يجوز لنا أن نكرهه كرهاً مطلقاً، ولا أن نحبه حباً مطلقاً ، بل نحبه على ما معه من الإيمان، ونكرهه على ما معه من المعصية.
الأصل الخامس : في الصحابة رضي الله عنهم
وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج (1)..............................
(1)* "أصحاب" ": جمع صاحب، والصحب اسم جمع صاحب والصاحب : الملازم للشيء.
والصحابي : هو الذي اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك
وهذا خاص في الصحابة، وهو من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أن الإنسان يكون من أصحابه، وإن لم يجتمع به إلا لحظة واحدة؛ لكن بشرط أن يكون مؤمناً به.
(5) وأهل السنة والجماعة وسط فيهم بين الرافضة والخوارج.
فالرافضة: هم الذين يسمون اليوم : شيعة، وسموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي ينتسب إليه الآن الزيدية؛ ورفضوه لأنهم سألوه: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ يريدون منه أن يسبهما ويطعن فيهما! ولكنه رضي الله عنه قال لهم : نعم الوزيران وزيرا جدي. يريد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأثنى عليهما، فرفضوه، وغضبوا عليه ، وتركوه! فسموا رافضة.
هؤلاء الروافض- والعياذ بالله- لهم أصول معروفة عندهم، ومن أقبح أصولهم: الإمامة التي تتضمن عصمة الإمام، وأنه لا يقول خطأ، وأن مقام الإمامة أرفع من مقام النبوة؛ لأن الإمام يتلقى عن الله مباشرة، والنبي بواسطة الرسول ، وهو جبريل، ولا يخطئ الإمام عندهم أبداً، بل غلاتهم يدعون أن الإمام يخلق؛ يقول للشيء : كن فيكون!!
وهم يقولون: إن الصحابة كفار، وكلهم ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين وماتا على النفاق والعياذ بالله ، ولا يستثنون من الصحابة إلا آل البيت ، ونفراً قليلاً ممن قالوا: إنهم أولياء آل البيت.
وقد قال صحاب كتاب"الفصل": " إن غلاتهم كفروا على بن أبي طالب؛ قالوا: لأن عليّاً أقر الظلم والباطل حين بايع أبا بكر وعمر، وكان الواجب عليه أن ينكر بيعتهما، فلما لم يأخذ بالحق والعدل، ووافق على الظلم ؛ صار ظالماً كافراً".
- أما الخوارج ؛ فهم على العكس من الرافضة؛ حيث أنهم كفروا علي بن أبي طالب، وكفروا معاوية بن أبي سفيان، وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم، واستحلوا دماء المسلمين، فكانوا كما وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام:" يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِية" ، وإيمانهم لا يتجاوز حناجرهم.
فالشيعة غلوا في آل البيت وأشياعهم، وبالغوا في ذلك ، حتى إن منهم من أدعىّ ألوهية علي، ومنهم من ادعى انه أحق بالنبوة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والخوارج بالعكس.
أما أهل السنة والجماعة؛ فكانوا وسطاً بين الطائفتين؛ قالوا: نحن ننزل آل البيت منزلتهم، ونرى أن لهم حقين علينا: حق الإسلام والإيمان، وحق القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقالوا : قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها الحق علينا، لكن من حقها علينا أن ننزلها منزلتها، وأن لا نغلو فيها . ويقولون في بقية أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم: لهم الحق علينا بالتوقير والإجلال والترضي، وأن نكون كما قال الله تعالى: ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(الحشر: من الآية10)، ولا نعادي أحداً منهم أبداً؛ لا آل البيت، ولا غيرهم؛ فكل منهم نعطيه حقه؛ فصاروا وسطاً بين جفاة وغلاة.
فصل
وقد دخل ذكرناه من الإيمان بالله :الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه علىّ على خلقه(1)...................
فصل
في المعية وبيان الجمع بينهما
وبين علو الله واستوائه على عرشه
(1) سبق أن مما يدخل في الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وصفاته ومن ذلك الإيمان بعلو الله واستوائه على عرشه، والإيمان بمعيته، وفي هذا الفصل بين المؤلف رحمه الله الجمع بين العلو والمعية ؛ فقال :" وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليّ على خلقه".
هذه ثلاثة أدلة على علو الله تعالى : الكتاب، السنة؟، والإجماع.
ومر علينا دليل رابع وخامس، وهما : العقل ، والفطرة.
(6) "من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليّ على خلقه" تقدم لنا أن علو الله عز وجل نوعان: علو صفة، وعلو ذات، وأن علو الذات دلّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، والعقل والفطرة وكذلك علو الصفة.
(7) فالكتاب مملوء من ذلك : تارة بالتصريح بالفوقية، وتارة بالتصريح بالعلو ، وتارة بالتصريح بأنه في السماء، وتارة بنزول الأشياء من عنده، وتارة بصعودها إليه، ونحو ذلك.
(8) والسنة جاءت بالقول والفعل والإقرار، وسبق ذكر ذلك.
(9) أما الإجماع ؛ فقد أجمع السف على ذلك، وطريق العلم بإجماعهم عدم نقل ضد ما جاء في الكتاب والسنة؛ فإنهم كانوا يقرؤون القرآن وينقلون الأخبار ويعلمون معانيها، ولما لم ينقل عنهم ما يخالف ظاهرها؛ علم أنهم لا يعتقدون سواه، وأنهم مجمعون على ذلك. وهذا طريق حسن لإثبات إجماعهم، فاستمسك به ينفعك في مواطن كثيرة.
(10) وأما العقل؛ فمن وجهين:
الوجه الأول: أن العلو صفى كمال ، والله تعالى قد ثبت له كل صفات الكمال، فوجب إثبات العلو له سبحانه.
الوجه الثاني: إذا لم يكن عالياً؛ فإما أن يكون تحت أو مساوياً، وهذا صفة نقص؛ لأنه يستلزم أن تكون الأشياء فوقه أو مثله؛ فلزم ثبوت العلو له.
أما الفطرة؛ فلا أحد ينكرها؛ إلا من انحرفت فطرته؛ فكل إنسان يقول: يا الله ! يتجه قلبه إلى السماء، لا ينصرف عنه يمنة ولا يسرة، لأن الله تعالى في السماء.
* * *
وهو سبحانه معهم إينما كانوا؛ يعملُ ما هم عامِلونَ (1).................................................
(1)هذا من الإيمان بالله، وهو الإيمان بمعيته لخلقه.
*وقد سبق أن معية الله تنقسم إلى عامة وخاصة، وخاصة الخاصة.
- فالعامة: التي تشمل كل أحد من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، ومثالها قوله تعالى : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(الحديد: من الآية4).
- والخاصة: مثل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128).
- والتي أخص بها : مثل قوله تعالى لموسى وهارون: (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طـه:46)، وقوله عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)(التوبة: من الآية40).
وسبق أن هذه المعية حقيقية، وأن من مقتضى المعية العامة العلم والسمع والبصر والقدرة والسلطان وغير ذلك، ومن مقتضى الخاصة النصر والتأييد.
كما جمع بين ذلك (1) في قوله: ( هو الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ في ................................
(1) قوله :"بين ذلك"؛ أي : بين العلو والمعية، ففي قوله:( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) إثبات العلو، وفي قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)إثبات المعية، فجمع بينهما في آية واحدة، ولا منافاة بينهما كما سبق ويأتي.
ووجه الجمع من وجوه ثلاثة:
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وليس معنى قوله : (وَهُوَ مَعَكُمْ) أنه مختلط بالخلق (1) فإن هذا لا توجبه اللغة (1) وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق (3)
الأول: أنه ذكر استواءه على العرش، ثم قال: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) ، وإذا جمع الله لنفسه بين وصفين؛ فإننا نعلم علم اليقين أنهما لا يتناقضان؛ لأنهما لو تناقضا؛ لاستحال اجتماعهما؛ إذ المتناقضين لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فلا بد من وجود أحدهما وانتفاء الثاني، ولو كان هناك تناقض؛ لزم أن يكون أول الآية مكذباً لأخرها أو بالعكس.
الثاني: نه قد يجتمع العلو والمعية في المخلوقات ؛ كما سيذكره المؤلف في قول الناس: ما زلنا نسير والقمر معنا.
الثالث: لو فرض تعارضهما بالنسبة للمخلوق؛ لم يلزم ذلك بالنسبة للخالق؛ لأن الله ليس كمثله شيء.
(1) * قوله " ليس معنى قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ ) ؛ أنه مُختلط بالخلق: لأن هذا المعنى نقص، وقد سبق أنه لو كان هذا هو المعنى؛ لزم أحد أمرين: إما تعدد الخالق، أو تجزؤه؛ مع ما في ذلك أيضاً من كون الأشياء تحيط به، وهو سبحانه محيط بالأشياء.
(2) * قوله :" فإن هذا لا توجبه اللغة"؛ يعني: وإذا كان اللغة لا توجبه؛ لم يتعين، وهذا أحد الوجوه الدالة على بطلان مذهب الحلولية من الجهمية وغيرهم؛ القائلين بأن الله مع خلقه مختلطاً بهم.
ولم يقل : لا تقتضيه اللغة؛ لأن اللغة قد تقتضيه ، وفرق بين كون اللغة تقتضي ذلك وبين كونها توجب ذلك.
فالمعية في اللغة قد تقتضي الاختلاط؛ مثل الماء واللبن؛ تقول: ماء مع لبن مخلوطاً.
(3)* قوله "وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق" وذلك لأن الإنسان مفطور على أن الخالق بائن من المخلوق ، ليس أحد إذا قال: يا الله! إلا ويعتقد أن الله تعالى بائن من خلقه، لا يعتقد أنه حالٌ في خلقه؛ فدعوى أنه مختلط بالخلق مخالف للشرع ومخالف للعقل ومخالف للفطرة.
بل (1) القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان (2)
(1)* "بل" للإضراب الانتقالي.
(2)* هذا مثل ضربه المؤلف رحمه اله تقريباً للمعنى وتحقيقاً لصحة كون الشيء مع الإنسان حقيقة مع تباعد ما بينهما، وذلك أن القمر من أصغر المخلوقات، وهو في السماء، ومع المسافر وغيره أينما كان.
فإذا كان هذا المخلوق، وهو من أصغر المخلوقات؛ نقول: إنه معنا، وهو فيا لسماء. ولا يعد ذلك تناقضاً، ولا يقتضي اختلاطاً ؛ فلماذا لا يصح أن نجري آيات المعية على ظاهرها، ونقول: هو معنا حقيقة ، وإن كان هو في السماء فوق كل شيء؟!
وكما قلنا سابقاً: لو فرض أن هذا ممتنع في الخلق؛ لكان في الخالق غير ممتنع، فالرب عز وجل هو في السماء حقيقة، وهو معنا حقيقة، ولا تناقض في ذلك، حتى وإن كامن بعيداً عز وجل في علوه؛ فإنه قريب في علوه.
وهذا الذي حققه شيخ الإسلام في كتبه، وقال: إنه لا حاجة إلى أن نؤول الآية على ظاهرها، لكن مع اعتقادنا بأن الله تعالى في المساء على عرشه؛ فهو معنا حقاً، وهو على عرشه حقاً؛ كما نقول: إنه ينزل إلى السماء الدنيا حقاً، وهو في العلو، ولا أحد من أهل السنة ينكر هذا أبداً ؛ كل أهل السنة يقولون: هو ينزل حقاً، متفقون على أنه في العلو؛ لأن صفات الخالق ليست مثل صفات المخلوق.
وقد عثرت على تقرير للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله يبين هذا المعنى تماماً؛ إي أن المعية حق على حقيقتها، ولا تستلزم أن يكون مختلطاً بالخلق ، أو أنه في الأرض؛ قال جواباً على قول بعض السلف :" معهم بعلمه".
" إذا جاءت هذه الكلمة؛ فهي تفسير للمعية بالمقتضى، ليس تفسيراً لحقيقة الكلمة، والذي يحمل ويحدو على التفسير بهذا أن المنازع في هذا المبتدعة الذين يقولون: إنه مختلط بهم، فيأتي البعض من السلف بالمراد بالسياق، وهو أنه بكمال علمه، ولكن لا يريدون أن كلمة (مع) مدلولها بكل شيء عليم، بل اجتمعت معها في العلم ، وزادت المعية في المعنى، وهو كونه معهم؛ فتفسيرها بالمقتضى لا يدل على أن معناها باطل ، فالكل حق...".
إلى أن قال:" ولهذا ؛ شيخ الإسلام في عقيدته الأخرى المباركة المختصرة؛ بين أن قوله معهم حق على حقيقته؛
؛ فمن فسرها من السلف بالمقتضى؛ فلحاجة دعت إلى ذلك، وهو الرد على أهل الحلول بالجهمية الذين ينكرون العلو كما تقدم، والقرآن يفسر بالمطابقة وبالمفهوم وبالاستلزام والمقتضى وغير ذلك من الدلالات، وهؤلاء العلماء الذين روى عنهم التفسير بالمقتضى لا ينكرون المعية، بل هي عندهم كالشمس " أ هـ " من الفتاوى" ؛ تقريراً على الحموية. ( مجموع فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 1/212).
(11) سؤال: هل يصح أن نقول : هو معنا بذاته؟
الجواب: هذا اللفظ يجب أن يبعد عنه؛ لأنه يوهم معنى فاسداً يحتج به من يقول بالحلول، ولا حاجة إليه، لأن الأصل أن كل شيء أضافه الله إلى نسفه؛ فهو له نفسه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : (وَجَاءَ رَبُّكَ ) هل يحتاج أن نقول: جاء بذاته؟! وإلى قوله صلى الله عليه وسلم :" ينزل إلى السماء الدنيا" ، وهل يحتاج أن نقول: ينزل بذاته؟ّ إننا لا نحتاج إلى ذلك؛ اللهم إلا في مجادلة من يدعى أنه جاء أمره أو ينزل أمره؛ لرد تحريفه.
وهو سبحانه فوق العرش (1) رقيب على خلقه (2)* مهيمن عليهم (3) مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته (4).
وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا: حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف" ولكن يصان عن الظنون الكاذبة مثل أن يظن أن ظاهر قوله : "في السماء" أن السماء تقله أو تظله وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان (5)..............................................................................
(1) يقول رحمه الله :" وهو سبحانه فوق عرشه": مع أنه مع الخلق، لكنه فوق عرشه.
(2) يعني: مراقباً حافظاً لأقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم.
(3) أي: حاكم مسيطر على عباده؛ فله الحكم، وإليه يرجع الأمر كله، وأمره إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن! فيكون.
(4) يعني بذلك ما تضمنه معنى الربوبية من ملك وسلطان وتدبير وغير ذلك؛ فإن معاني الربوبية كثيرة؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر ، وهذه تحمل معاني كثيرة جداً.
(5) هذه الجملة تأكيد لما سبق، وإنما كرر معنى ما سبق لأهمية الموضوع؛ فبين رحمه الله أن ما ذكره الله من كونه فوق العرش حق على حقيقته، وكذلك ما ذكره من كونه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف ، يني: لا يحتاج أن نصرف معنى الفوقية إلى فوقية القدر كما ادعاه أه التحريف والتعطيل، بل هي فوقية ذات وقدر، كما لا يحتاج أن نصرف معنى المعية عن ظاهرها ، بل نقول: هي حق على ظاهرها، ومن فسرها بغير حقيقتها ؛ فهو محرف ؛ لكن ما ورد من تفسيرها بلازمها ومقتضاها، وارد عن السلف لحاجة دعت إلى ذلك، وهو لا ينافي الحقيقة؛ لأن اللازم الحق حق.
(12) ثم استدرك المؤلف رحمه الله، فقال:" ولكن يصان عن الظنون الكاذبة" مثل أن يظن أن ظاهر قوله: ( فِي السَّمَاءِ )(الملك:17) أن السماء تقله أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان".
(13) الظنون الكاذبة هي الأوهام التي ليس لها أساس من الصحة؛ فيجب أن يصان عنها كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
(14) مثال ذلك أن يظن أن ظاهر قوله: (فِي السَّمَاء)ِ ؛ أن السماء تُقله؛ أي: تحمله كما يحمل سقف البيت من كان على ظهره" أو تظله"؛ يعني : تكون فوقه؛ كالسقف على الإنسان.
(15) إذا ظن الإنسان هذا؛ فهو كاذب، يجب صون الأدلة الدالة على أن الله في السماء عن ذلك.
(16) قال المؤلف :" وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان".
تنبيه:
قد يقول قائل: كان على المؤلف أن يقول: ومثل أن يظن أن ظاهر قوله: ( وَهُوَ مَعَكُم) أنه مختلط بالخلق؛ لأن هذا الظن كاذب أيضاً.
وجوابه أن نقول : إن المؤلف رحمه الله ذكر ذلك سابقاً في قوله: وليس معنى قوله ( وَهُوَ مَعَكُم )؛ "أنه مختلط بالخلق".
(1) "الكرسي": كما يروى عن ابن عباس : موضع القدمين
وسع كرسيه السماوات والأرض؛ يعني : أحاط بالسماوات والأرض؛ السماوات السبع والأرضين السبع.
فكيف يظنُ ظانُ أن السماء تظل الله أو تقله؟!
فإذا كان قد وسع كرسيه السماوات والأرض؛ فلا يظن أحد أبداً هذا الظن الكاذب، وهو أن السماء تقله أو تظلُه.
(2) * يمسكها أن تزولا عن أماكنهما، ولولا إمساك الله لهما؛ لاضطربتا ومادتا وزالتا، ولكن الله عز وجل بقدرته وقوته يمسك السماوات والأرض أن تزولا، بل قال تعالى: ( وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِه)(فاطر: من الآية41)، ما أمسكهما أحد من بعد الله أبداً.
لو تزول نجمة من النجوم؛ لا يستطيع أحد أن يمسكها؛ فكيف لو زالت السماوات والأرض؟! ما يمسكهما إلا الله الذي خلقهما، الذي يقول للشيء: كن! فيكون. سبحانه وتعالى ، بيده ملكوت السماوات والأرض.
قوله: ( وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه" السماء فوق الأرض ، ووالله؛ لولا إمساك الله لها؛ لوقعت على الأرض؛ لأنها أجرام عظيمة؛ كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) (الأنبياء:32)، وقال: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذريات:47)؛ فلولا أن الله يمسكها؛ لوقعت على الأرض، وإذا وقعت على الأرض؛ أتلفتها.
فالذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؛ هل يتصور متصور أن السماء تقلُّه أو تظلُّه؟!
لا أحد يتصور ذلك.
ومن آيَاتِه)(2) أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ )(2)......................................................
(1) يعني: من العلامات الدالة على كماله عز وجل من كل وجه.
(2) )ِ( أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ )(الروم: من الآية25): الكوني والشرعي؛ لأن أمره مبنى على الحكمة والرحمة والعدل والإحسان؛(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ)(المؤمنون: من الآية71) والأهواء فساد للسماوات والأرض، وهي مخالفة للأمر الشرعي.
إذاً فالسماوات والأرض تقوم بأمر الله الكوني والشرعي، ولو أن الحق اتبع أهواء الخلق؛ لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، ولهذا قال العلماء في قوله تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)(لأعراف: من الآية56) ، أي: " لا تفسدوا فيها بالمعاصي".
فصل
في قرب الله تعالى وإجابته وأن ذلك
لا ينافي علوه وفوقيته
فصل
وقد دخل في ذلك(2) الإيمان بالله بأنه قريب من خلقه مجيب (2)..................................
(1) يعني: فيما وصف به نفسه.
(2) الإيمان بأنه قريب في نفسه، ومجيب؛ يعني : لعباده.
ودليل ذلك قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )(البقرة: من الآية186)
في هذه الآية ستة ضمائر تعود على الله ، وعلى هذا ؛ فيكون القرب قربه عز وجل، ولكن نقول في (قَرِيبٌ) كما قلنا في المعية؛ أنه لا يستلزم أن يكون في المكان الذي فيه الإنسان.
وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول:" إنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" ولا يلزم أن يكون الله عز وجل نفسه في الأرض بينه وبين عنق راحلته.
وإذا كان قول الرسول عليه الصلاة والسلام:" فإن الله قبل وجه المصلي" : لا ستلزم أن يكون الله بينه وبين الجدار ، إن كان يصلي إلى الجدار، ولا بينه وبي الأرض إن كان ينظر إلى الأرض.
فكذلك لا يلزم من قربه أن يكون في الأرض؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جمع صفاته، وهو محيط بكل شيء.
واعلم أن من العلماء من قسم قرب الله تعالى إلى قسمين؛ كالمعية، وقال: القرب الذي مقتضاه الإحاطة قرب عام، والقرب الذي مقتضاه الإجابة والإثابة قرب خاص.
ومنهم يقول: إن القرب خاص فقط؛ مقتض لإجابة الداعي وإثابة العابد، ولا ينقسم.
- ويستدل هؤلاء بقوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )(البقرة: من الآية186)، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم :" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وأنه لا يمكن أن يكون الله تعالى قريباً من الفجرة الكفرة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى.
- ولكن أورد على هذا القول قوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (قّ:16) ؛ فالمراد ب (الْأِنْسَانَ): كل إنسان ، ولهذا قال في آخر الآية: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (قّ:22)....) إلى أن قال (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) (قّ:24) (ق: 22-24)؛ فهو شامل.
- وأورد عليه أيضاً قوله تعالى (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) (83)(وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) (84)(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ) (الواقعة:83-85) ثم قسم هؤلاء الذين بلغت أرواحهم الحلقوم إلى ثلاثة أقسام، ومنهم الكافر.
- وأجيب عن ذلك بأن قوله : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(قّ: من الآية16) ؛ يعني بملائكتنا، واستدل لذلك بقوله: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ)(قّ:17)
- فإن ( إِذْ ) ظرف متعلق ب(أَقْرَبُ )؛ يعني: ونحن أقرب إليه حين يتلقى المتلقيان، وهذا يدل على أن المراد بقربه تعالى قرب ملائكته.
وكذلك قوله في المحتضر: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) المراد: قرب الملائكة، ولهذا قال (وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ)(الواقعة 85)، وهذا يدل على أن هذا القريب موجود عندنا، لكن لا نبصره، وهذا يمتنع غاية الامتناع أن يكون المراد به الله عز وجل؛ لأن الله في السماء.
- وما ذهب إليه شيخ الإسلام ؛ فهو عندي أٌقرب، ولكنه ليس في القرب بذاك.
* * *
كما جمع بين ذلك(1) في قوله (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) الآية. وقوله صلى الله عليه وسلم للصحابة لما رفعوا أصواتهم بالذكر:" أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته".
وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقبته؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علِي في ذُنُوِه، قريب في عُلُوِه (2).
(1) قوله:" كما جمع بين ذلك": المشار غليه القرب الإجابة.
(2) "نعوته" ؛ يعني: صفاته. وهو على مع أنه داني، قريب مع أنه عال، ولا تناقض في ذلك، وقد سبق بيان ذلك قريباً في الكلام على المعية.
فصل
في الإيمان بأن القرآن
كلام الله حقيقة
فصل
من الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن(1) كلام الله(2) منزل(3) غير مخلوق(4).........................
(1) وجه كون الإيمان بالقرآن على هذا الوجه من الإيمان بالله أن القرآن من كلام الله ، كلام الله صفة من صفاته، وأيضاً ؛ فإن الله وصف القران بأنه كلامه، وأنه منزل؛ فتصديق ذلك من الإيمان بالله.
(2) والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ )(التوبة: من الآية6).
(3) قول المؤلف :"منزل" أي من عند الله تعالى:
لقوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)
وقوله(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر:1)
(4) أي : ليس من مخلوقات الله التي خلقها .
والدليل على ذلك قوله تعالى : ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)(لأعراف: من الآية54) . والقرآن من الأمر؛ لقوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا )(الشورى: من الآية52) ولأن الكلام صفة المتكلم، والمخلوق مفعول للخالق، بائن منه؛ كالمصنوع ؛ بائن من الصانع.
منه بدا (1) وإليه يعود (2) وأن الله تعالى تكلم به حقيقة (3)
(1) يعني : أن ابتداء تنزيله من الله ، لا من جبريل ولا غيره؛ فجبريل نازل به من عند الله تعالى (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (192)( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء:193)وقال (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ )(النحل: من الآية102)، وقال تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (الزمر:1) .
(2) سبق الكلام عن معناها والدليل عليها في شرح الآيات عند البحث عن كلام الله.
(3) قوله : " وأن الله تكلم به حقيقة": بناء على الأصل؛ أن جميع الصفات حقيقية، وإذا كان كلام الله حقيقة؛ فلا يمكن أن يكون مخلوقاً؛ لأنه صفته، وصفة الخالق غير مخلوقة؛ كما أن صفة المخلوق مخلوقة.
وقد قال الإمام أحمد :" من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومن قال : غير مخلوق؛ فهو مبتدع".
فنقول : اللفظ يطلق على معنيين : على المصدر الذي هو فعل الفاعل، وعلى الملفوظ به:
اما على المعنى الأول الذي هو المصدر؛ فلا شك أن ألفاظنا بالقرآن وغير القرآن مخلوقة.
لأننا إذا قلنا: إن اللفظ هو التلفظ؛ فهذا الصوت الخارج من حركة الفم واللسان والشفتين مخلوق.
فإذا أريد باللفظ التلفظ؛ فهو مخلوق ، سواء كان الملفوظ به قرآناً أو حديثاً أو كلاماً أحدثته من عندك.
- أما إذا قصد باللفظ الملفوظ به ؛ فهذا منه مخلوق، ومنه غير مخلوق. وعليه ؛ إذا قصد باللفظ الملفوظ به؛ فهذا منه مخلوق، منه غير مخلوق، وعليه؛ إذا كان الملفوظ به هو القرآن؛ فليس بمخلوق.
هذا تفصيل القول في هذا المسألة.
- لكن الإمام أحمد رحمه الله قال:" من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي" قال ذلك لأحد احتمالين:
- إما أن هذا القول من شعار الجحهمية؛ كان الإمام أحمد يقول: إذا سمعت الرجل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فاعمل أنه جهمي.
- وإما أن يكون ذلك حين يريد القائل باللفظ الملفوظ به، وهذا أقرب؛ لأن الإمام أحمد فسه فسره؛ قال:" من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ يريد بالقرآن ؛ فهو جهمي".
- وحينئذ يتضح معنى قوله:" من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي" لأنه أرد الملفوظ به، ولا شك أن الذي يريد باللفظ هنا الملفوظ به جهمي.
- أما من قال : غير مخلوق؛ فالإمام أحمد يقول : مبتدع؛ لأن هذا ما عهد عن السلف، وما كانوا يقولون مثل هذا القول؛ يقولون: القرآن كلام الله ؛ فقط.
وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة (1)......................
(1) كرر المؤلف هذا ؛ لأن المقام مقام عظيم؛ فإن هذه المسألة حصل فيها على علماء المسلمين من المحن ما هو معلوم، وهلك فيها أمم كثيرة، ولكن حمى الله بالحق بالإمام أحمد وأشباهه، الذين أبوا أن يقولوا إلا أن القرآن غير مخلوق.
لا كلام غيره (1) ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه (2)....................
(1) قوله :" لا كلام غيره" : خلافاً لمن قال: إن القرآن من كلام جبريل؛ ألهمه الله إياه، أو من محمد ... أو ما أشبه ذلك .
فإن قلت: قول المؤلف هنا :" لا كلام غيره" معارض بقول الله تعالى : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (40)( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ) (الحاقة:40-41) (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (19) (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) (التكوير:19-20) ، والأول محمد صلى الله عليه وسلم ، والثاني جبريل؟!
فالجواب عن ذلك نقول: لا يمكن أن نحمل الآيتين على أن الرسولين تكلما به حقيقة، وأنه صدر منهما؛ لأن كلاماً واحداً لا يمكن أن يصدر من متكلمين.
(2) قال :