|
باب صلاة الجماعة
تَلْزَمُ الرِّجَالَ ........
قوله: «باب صلاة الجماعة» .
الظَّاهرُ: أنَّ هذا مِن باب إضافة الموصوف إلى صِفته، يعني: بابُ الصَّلاةِ التي تُجمعُ وتُفعلُ جماعةً.
وصلاةُ الجماعةِ مشروعةٌ بإجماعِ المسلمين، وهي مِن أفضلِ العبادات وأجَلِّ الطَّاعات، ولم يُخالفْ فيها إلا الرَّافضةُ الذين قالوا: إنَّه لا جماعةَ إلا خَلْفَ إمامٍ مَعصومٍ. ولهذا لا يُصلُّون جُمُعةً ولا جماعةً، قال فيهم شيخُ الإسلام رحمه الله: إنهم هجروا المساجدَ وعَمَرُوا المشاهدَ. أي: القبورَ فهم يتردَّدُون إليها للتوسُّل بها ودعائها. وأما المساجد فلا يعمرونها بالجماعة فيها، وإلا فإنَّ المسلمينَ جميعاً اتَّفقوا على مشروعيَّتها. ولم يقلْ أحدٌ بأنها غيرُ مشروعةٍ، ولا بأنها جائزةٌ، ولا بأنها مكروهةٌ، لكن اختلفوا في فرضيَّتها هل هي فَرْضُ عَيْنٍ، أم فَرْضُ كِفايةٍ، أم سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ؟.
وعلى القولِ بأنَّها فَرْضُ عَيْنٍ، هل هي شَرْطٌ لصحَّةِ الصلاةِ أم لا؟
قوله: «تلزم الرجال» .
اللزومُ: الثبوتُ، فلزومُ الشَّيءِ، يعني: ثبوتَه، وشيءٌ لازمٌ، أي: ثابتٌ لا بُدَّ منه، والفقهاءُ رحمهم الله تارةً يعبِّرون بـ (تلزم) وتارة يعبِّرون بـ (تجب) وتارة يعبِّرون بـ (فرض) وما أشبه ذلك، وكلُّها عبارات مختلفة اللَّفظِ متَّفقةُ المَعنى، واللَّفظُ المختلفُ مع اتِّفاقِ المعنى يُسمَّى عند علماءِ اللغة: مترادفاً.
فنبدأُ أولاً بذِكْرِ دليلِ الحُكمِ الذي هو اللُّزوم. فدليلُ وجوبها مِن كتابِ الله وسُنَّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وعَمَلِ الصحابةِ رضي الله عنهم.
أما الكتابُ فقول الله تعالى: {{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}} فاللامُ للأمْرِ، والأصلُ في الأمْرِ: الوجوبُ. ويؤكِّد أنْ الأمْرَ للوجوب هنا: أنَّه أمَرَ بها مع الخوفِ مع أنَّ الغالبَ أنَّ الناسَ إذا كانوا في خَوْفٍ يشُقَّ عليهم الاجتماع ويكونون متشوِّشين يحبُّون أنْ يبقى أكثرُ النَّاسِ يرقبُ العدوَّ {{فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ}} سَجَدوا بمعنَى: أتمُّوا صلاتَهم.
{{وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا}} أي: لم يصلُّوا مع الأُولى.
{{فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}}. فهنا أَمَرَ اللهُ عزّ وجل بصلاةِ الجماعةِ وتفريقِ الجُندِ إلى طائفتين، فيُستفادُ منه أنَّ صلاةَ الجماعةِ فَرْضُ عينٍ.
ووجه ذلك: أنَّها لو كانت فَرْضُ كِفايةٍ لسَقَطَ الفرضُ بصلاةِ الطائفة الأُولى.
أما السُّنَّةُ: فالأدَّلةُ فيها كثيرةٌ منها:
1- حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لقد هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بالصَّلاةِ فتُقامَ. ثم آمُرَ رَجُلاً فيصلِّيَ بالنَّاسِ. ثم انطلقَ معي برِجَالٍ معهم حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يشهدُون الصَّلاةَ؛ فأُحَرِّقَ عليهم بيوتَهم بالنَّارِ» [(252)] فقد هَمَّ بذلك؛ لكنَّه لم يفعلْ، ولم يمنعْهُ مِن الفِعْلِ أنَّ الصَّلاةَ ليست بواجبةٍ؛ إذ لو كانت غيرَ واجبةٍ ما صَحَّ أنْ ينطِقَ بهذا اللفظِ، ولكان هذا الكلامُ لغواً لا فائدةَ منه، لكن الذي مَنَعَهُ ـ والعِلْمُ عند اللهِ ـ أنَّه لا يُعاقِبُ بالنَّارِ إلا رَبُّ النَّارِ عزّ وجل، وإنْ كان قد رَوى الإمامُ أحمدُ أنَّه قال: «... لولا ما فيها مِن النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ» [(253)] وهذه الزيادةُ ضعيفةٌ، ولسنا بحاجةٍ لها، بل الذي مَنَعَهُ أنَّه لا يعاقُب بالنَّارِ إلا اللهُ.
2- «استأذَنه رجُلٌ أعمى أن لا يُصلِّيَ في المسجدِ، قال: هل تسمعُ النداءَ؟ قال: نعم، قال: فأجِبْ» [(254)].
3- أخرجَ أصحابُ السُّنَنِ أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ سَمِعَ النِّداءَ فلم يُجبْ؛ فلا صلاةَ له إلا مِن عُذْرٍ» [(255)].
4- وأمَّا عَمل الصحابة فقد جاء في «صحيح مسلم» عن ابنِ مسعود رضي الله عنه أنَّه قال: «لقد رَأيتُنَا ـ يعني: الصحابة مع رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم ـ وما يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلومُ النِّفاقِ، ولقد كان الرَّجلُ يُؤتَى به يُهادَى بين الرَّجُلينِ حتى يُقامَ في الصَّفِ» [(256)]. كان الرَّجُلُ يُؤتَى به يمشي بين الرَّجلُين حتى يقامَ في الصَّفِّ دَلَّ ذلك على اهتمامهم بها، وأنَّهم يَرون وجوبَها وامتناعَ التخلُّفِ عنها.
ويُضافُ إلى ذلك: ما فيها مِن المصالحِ والمنافعِ التي تدلُّ على أنَّ الحِكمةَ تقتضي وجوبَها ومنها:
1 ـ التوادُّ بين النَّاسِ؛ لأنَّ ملاقاةَ النَّاسِ بعضهم بعضاً واجتماعهم على إمامٍ واحدٍ في عبادةٍ واحدةٍ ومكان واحدٍ يؤدِّي إلى الألفة والمحبة.
2 ـ التَّعارفُ، ولهذا نَجِدُ أنَّ النَّاسَ إذا صَلَّى عندَهم رَجُلٌ غريبٌ في المسجدِ، فإنَّهم يسألون عنه مَن هذا؟ مَن الذي صَلَّى معنا؟ فيحصُلُ التَّعارفُ، والتَّعارفُ فيه فائدةٌ وهي: أنَّه قد يكون قريباً لك فيلزمُك مِن صِلَتِهِ بِقَدْرِ قرابته، أو غريباً عن البلد، أو غير ذلك، فتقومُ بحقِّهِ.
3 ـ إظهارُ شعيرةٍ مِن شعائر الإسلام، بل مِن أعظمِ شعائرِ الإسلامِ وهي الصَّلاةُ، لأنَّ النَّاسَ لو بقوا يصلُّون في بيوتهم ما عَرَفَ أنَّ هنالك صَلاةً.
4 ـ إظهارُ عِزِّ المسلمين إذا دخلوا المساجدَ ثم خرجوا جميعاً بهذا الجَمْعِ.
5 ـ تعليمُ الجَاهلِ، فإنَّ كثيراً مِن النَّاسِ يستفيد ما يُشرع في الصَّلاةِ بواسطة صلاةِ الجماعة، حيث يقتدي بمَن على جانبه، ويقتدي بالإمام وما أشبه ذلك.
6 ـ تعويدُ الأمَّةِ الإسلاميةِ على الاجتماعِ وعدم التفرُّق؛ لأنَّ هذا الاجتماعَ يُشكِّلُ اجتماع الأمَّة عموماً؛ إذ إن الأمَّةَ عموماً مجتمعة على طاعةِ ولي أمرِها وقائدِ مسيرتها حتى لا يختلفوا ويتشتَّتوا، فهذه الصَّلاةُ في الجماعة وِلاية صُغرى؛ لأنهم يقتدون بإمامٍ واحدٍ يتابعونه تماماً، فهي تشكِّلُ النَّظرةَ العامةَ للإسلامِ.
7 ـ ضبطُ النَّفسِ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا اعتادَ على أن يتابعَ إماماً متابعةً دقيقةً، إذا كبَّرَ يكبِّرُ، لا يتقدَّمُ ولا يتأخَّرُ كثيراً، ولا يوافق، بل يتابعُ، تعوَّدَ على ضَبْطِ النَّفسِ.
8 ـ استشعارُ النَّاسِ بهذا وقوفهم صفًّا في الجهاد، كما قال الله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا}} [الصف: 4] ، وهؤلاء الذين صاروا صَفًّا في الجهاد؛ لا شَكَّ أنهم إذا تعوَّدوا ذلك في الصلواتِ الخمسِ سوف يكون وسيلةً إلى ائتمامِهم بقائِدهم في صَفِّ الجِهادِ حيث لا يتقدَّمون ولا يتأخَّرون عن أوامره.
9 ـ تذكرُ المصلين صفوف الملائكة عند الله تبارك وتعالى فيزدادون بذلك تعظيماً لله ومحبة لملائكة الله.
10 ـ شعورُ المسلمين بالمساواة في عبادة الله تعالى؛ لأنه في هذا المسجدِ يجتمعُ أغنى النَّاسِ إلى جَنْبِ أفقرِ النَّاسِ، والأميرُ إلى جَنْبِ المأمورِ، والحاكمُ إلى جَنْبِ المحكومِ، والصغيرُ إلى جَنْبِ الكبير، وهكذا فيشعرُ الناسُ بأنهم سواء في عبادة اللهِ، ولهذا أمَرَ بمساواةِ الصُّفوفِ حتى قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا تختلفوا فتختَلِفَ قلوبُكم» [(257)].
11 ـ ما يحصُلُ مِن تفقُّدِ الأحوالِ أحوال الفقراء، والمرضَى والمتهاونين بالصَّلاةِ، فإنَّ الإنسانَ إذا رُئيَ مع النَّاسِ وعليه ثيابٌ بالية ويبدو عليه علامة الجوعِ رحِمَهُ النَّاسُ، ورَقُّوا له، وتصدَّقوا عليه، وكذلك إذا تخلَّفَ عن الجماعة عَرَفَ النَّاسُ أنه كان مريضاً مثلاً أو غير ذلك فيسألون عنه، وكذلك إذا علموه متخلِّفاً عن الصَّلاة بلا عُذْرٍ اتَّصلُوا به ونصحوه.
12 ـ الأصلُ الأصيل وهو التعبُّد لله تعالى بهذا الاجتماع.
13 ـ استشعارُ آخِرِ هذه الأمة بما كان عليه أولُها، أي: بأحوال الصَّحابةِ، كأنما يستشعرُ الإمامُ أنَّه في مقامِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم في إمامةِ الجماعة فيتأسَّى به فيما ينبغي أن يكون عليه في الإمامة، ويستشعرُ المأمومون أنهم في مقام أصحابِ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام، فلا يتخلَّفُون عن الجماعة إلا لعذر ولا يفرِّطون في متابعة الإمام، ولا شَكَّ أنّ ارتباطَ آخِرِ الأمةِ بأوّلِها يعطي الأمةَ الإسلاميَّةَ دُفعةً قويةً إلى اتِّباعِ السَّلفِ واتِّباعِ هديهم، وليتنا كُلَّما فعلنا فِعْلاً مشروعاً نستشعرُ أننا نقتدي برسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم وبأصحابِهِ الكرام، فإنَّ الإنسانَ لا شَكَّ سيجِدُ دُفعةً قويةً في قلبِهِ تجعلُه ينضمُّ إلى سِلْكِ السَّلفِ الصَّالحِ، فيكون سلفيًّا عقيدةً وعملاً، وسُلوكاً ومنهجاً.
هذه أدلة من قال إنَّ صلاة الجماعة فَرْضُ عَيْنٍ، وهي أدلَّةٌ مَن اطَّلعَ عليها لم يسعه القول بغير هذا.
وقال بعض العلماء: إنها فرض كفاية.
وقال آخرون: إنها سُنَّةٌ.
واستدلَّ مَن قالَ بأنَّها سُنَّةٌ بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلاةُ الجَماعةِ أفضلُ مِن صَلاةِ الفَذِّ بسَبْعٍ وعِشرينَ دَرجةً» [(258)] فقالوا إنه قال: «أفضل» والأفضل ليس بواجب.
ولكن هذا الاستدلالُ ضعيفٌ جداً؛ لأنَّ المرادَ هنا: بيانُ ثوابِ صلاةِ الجماعةِ، وأنَّ أجرَها أفضلُ وأكثرُ، لا حُكمَ صلاةِ الجماعةِ، وذِكْرُ الأفضليَّة لا ينفي الوجوب.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنَجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *}{تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ}} [الصف: 10 ـ 11] يعني: أخْيَر وأفضل، فهل تقولون: إن الإيمانَ بالله والجهاد في سبيله سُنَّةٌ؟ لا أَحَدَ يقول بذلك.
وهل تقولون: إنَّ صلاة الجُمُعة سُنَّة، لأنَّ الله قال: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *}} [الجمعة] .
الجواب : لا أَحَدَ يقول بأنَّ صَلاةَ الجُمُعة سُنَّةٌ.
لِلصَّلَوَاتِ الخَمْسِ ..........
وقوله: «تلزم الرجال للصلوات الخمس» .
«الرجال» جَمْع رَجُل، والرَّجُلُ هو الذَّكرُ البالغُ، فيخرجُ بذلك النساءُ، فالنساءُ لا تلزمهنَّ صلاةُ الجماعةِ؛ لأنهنَّ لسنَ مِن أهلِ الاجتماعِ، ولا يُطلبُ منهنَّ إظهارُ الشعائرِ، لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «بُيوتُهنَّ خيرٌ لَهُنَّ» [(259)].
ولكن اختلفَ العلماءُ: هل الجماعةُ سُنَّةٌ للنِّساءِ ـ والمرادُ المنفردات عن الرِّجَال ـ أو مكروهةٌ، أو مباحةٌ على ثلاثة أقوال:
فالقول الأول : أنها سُنَّةٌ؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ أُمَّ وَرَقَةَ أَنَّ تَؤُمَّ أهلَ دَارِها [(260)].
القول الثاني : أنَّها مكروهةٌ، وضَعَّفَ الحديثَ، وقال: إنَّ المرأةَ ليست مِن أهلِ الاجتماع وإظهارِ الشَّعائرِ، فيُكره لها أنْ تُقيمَ الجَماعةَ في بيتِها، ولأنَّ هذا غيرُ معهودٍ في أمهاتِ المؤمنين وغيرِهنَّ.
القولُ الثَّالثُ : أنَّها مباحةٌ، وقال: إنَّ النِّساءَ مِن أهلِ الجماعةِ في الجُملةِ، ولهذا أُبيحَ لها أنْ تحضرَ إلى المسجدِ لإقامةِ الجماعةِ، فتكونُ إقامةُ الجماعةِ في بيتها مباحةً مع ما في ذلك مِن التستُّرِ والاختفاءِ.
وهذا القولُ لا بأس به، فإذا فعلتْ ذلك أحياناً فلا حرجَ.
وقوله: «الرجال» أخرجَ به أيضاً الصبيانَ غيرَ البالغين، وخَرجَ بذلك أيضاً صِنفٌ ثالثٌ وهم الخُناثى، والخُنثى هو: الذي لا يُعلم أذكرٌ هو أم أُنثى، فلا تجب عليهم الجماعةُ، وذلك لأن الشَّرطَ فيه غير متيقَّن، والأصلُ براءةُ الذِّمَّةِ وعدمُ شغلِها.
وقوله: «الرِّجال» يدخُلُ فيه العبيدُ، فتلزم صلاةُ الجماعةِ العبيدَ؛ لأنَّ النصوصَ عامةٌ، ولم يُسْتَثْنَ منها العبدُ، ولأنَّ حَقَّ اللهِ مقدَّمٌ على حقِّ البشرِ، ولهذا لو أمرَه سيِّدُه بمعصيةٍ أو بترِك واجبٍ حرم عليه أن يطيعَه، فإذا كان لا يجوزُ للعبد أن يفعلَ المعصيةَ أو يتركَ الواجبَ بأمْر سيِّده، فكيف إذا لم يأمره؟ وهو إذا تَرَكَ الجماعةَ فقد ترك واجباً، وهذا أحد القولين: أنها تلزم العبيد، كما تلزم الأحرار.
وكذلك الجمعة تلزم العبيدَ كما تلزم الأحرارَ من باب أَولى، لأنه إذا وجبَ عليه حضورُ الجماعةِ التي تتكرَّرُ في اليوم والليلة خمس مرات، فوجوبُ الجُمعةِ التي لا تكرَّرُ إلا في الأسبوع مرَّة مِن باب أَولى، ولأنَّ الجماعةَ شرطٌ في الجُمعة بالاتِّفاق وليست شرطاً في صلاة الجماعة إلا على قولٍ ضعيفٍ، فإذا سقطَ حقُّ السيدِ في الصلوات الخمس، وأوجبنا على العبدِ أنْ يصلِّي جماعةً فإننا نوجب عليه أيضاً أن يصلِّي الجُمعةَ.
وقال بعضُ العلماءِ: تلزمُ العبدَ بإذن سيِّدهِ، وهذا هو الأقرب[(261)].
وعمومُ كلامِ المؤلِّفِ في قوله: «تلزم» أنها لازمة حتى في السَّفَرِ؛ لأنَّه لم يقيِّدها في الحَضَرِ، فإذا لم يقيدها أخذنا بالعموم والإطلاق، فتجِبُ صلاةُ الجماعةِ حتى في السَّفرِ. ودليلُ ذلك: عمومُ أدلَّةِ الوجوبِ.
وأيضاً: أنَّ اللهَ أمَرَ نبيَّه صلّى الله عليه وسلّم إذا كان فيهم في الجهادِ أنْ يُقيمَ لهم الصَّلاةَ جماعةً، ومِن المعلومِ أنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم لم يقاتلْ إلا في سَفَرٍ. فعليه؛ تجبُ الجـمـاعـةُ في السَّفرِ كما تجبُ في الحَضَرِ. وأيضاً: مداومةُ النَّبي صلّى الله عليه وسلّم في السَّفَرِ على الصَّلاةِ جماعةً حتى في قضائها حين غلبهم النَّومُ فلم يستيقظوا إلا بعد الوقت[(262)]. وقد قال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلي»[(263)].
وقوله: «للصلوات الخمس» أي: أنَّها واجبةٌ للصَّلاةِ، وليست واجبةً في الصَّلاةِ، لأنَّ الواجبَ تارةً يكون واجباً للصَّلاةِ، وتارةً يكون واجباً فيها، فالواجبُ فيها: يكون مِن ماهيَّتِها مثل: التشهُّدِ الأولِ، والتكبيرِ، والتَّسميعِ، والتَّحميدِ، والواجبِ لها: ما كان خارجاً عنها مثل: الأذانِ، والإقامةِ، والجماعةِ، لأنَّ هذا خارجٌ عن ماهيَّةِ الصَّلاةِ، فيكون واجباً لها، وليس واجباً فيها.
وقوله: «للصَّلوات الخمس» هي الفجرُ، والظُّهرُ، والعصرُ، والمغربُ، والعشاءُ.
إذاً؛ لا تجبُ الجماعةُ للمنذوْرةِ، أي: لو نَذَرَ الإنسانُ أنْ يصلِّيَ لله ركعتين، ونذَرَ آخرٌ مثله فإنَّه لا تلزمهما الجماعة؛ لأنها ليست مِن الصلوات الخمس.
ولا تجبُ للنَّوافلِ، فلو أراد الإنسانُ أنْ يصلي تطوُّعاً فإنَّه لا يجبُ عليه أنْ تكون جماعةً؛ لأنَّها ليست مِن الصَّلواتِ الخمسِ.
ولكن؛ هل تجوزُ صلاةُ النافلةِ جماعةً، أو نقول: إنَّ ذلك بدعة؟
الجواب : في هذا تفصيل:
فمِنَ النَّوافلِ ما تُشرعُ له الجماعةُ، كصلاةِ الاستسقاءِ، والكسوفِ، إذا قلنا: بأنَّ صلاةَ الكسوفِ سُنَّةٌ، وقيامَ الليلِ في رمضان.
ومِن النَّوافِل ما لا تُسَنُّ له الجماعةُ، كالرَّواتبِ التَّابعةِ للمكتوبات، وكصلاةِ الليلِ في غيرِ رمضان، لكن لا بأسَ أنْ يصلِّيَها جماعة أحياناً.
ودليلُ ذلك: أنَّ الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم كان يصلِّي أحياناً جماعةً في صلاةِ الليلِ كما صَلَّى معه ابنُ عباس[(264)]، وصَلَّى معه حذيفةُ بنُ اليمَان[(265)]، وصَلَّى معه عبدُ الله بن مسعود[(266)]. وأحياناً يُصلِّي حتى غير صلاةِ الليلِ جماعةً، كما صَلَّى بـ«أنس... وأمِّ سُليم ويتيم مع أنس»[(267)]. وكما صَلَّى جماعة في عِتْبَانَ بن مالك رضي الله عنه في بيته؛ حين طلبَ مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يأتيَ إليه ليصلِّيَ بمكانٍ يتَّخِذُه عِتْبَانُ مُصلًّى، فَفَعَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم[(268)].
وقوله: «للصلوات الخمس»، ظاهره: أنَّه لا فَرْقَ بين أنْ تكون مؤدَّاةً أو مقضيَّة.
فالمؤدَّاة: ما فُعِلتْ في وقتِها، والمقضيَّة: ما فُعِلتْ بعدَ وقتِها، فلو أنَّ جماعةً في سَفَرٍ ناموا في آخر اللَّيلِ، ولم يستيقظوا لصلاةِ الفجرِ إلا بعدَ طلوعِ الشَّمسِ، فالصَّلاةُ في حقِّهم قضاءٌ؛ لأنَّها بعدَ الوقتِ، فظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّ الصَّلاة جماعةٌ تجبُ عليهم.
وهذا الظاهرُ هو الصَّحيحُ أنَّها تجبُ للصَّلوات الخمس، ولو مقضيَّةً، على أنَّ الإنسانَ الذي يؤخِّرُ الصَّلاةَ عن وقتِها لعُذْرٍ شرعيٍّ لا تكون الصَّلاةُ في حَقِّهِ قضاءً، بل هي أداءً على القولِ الصَّحيحِ، لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نَامَ عن صلاةٍ أو نسيَها فليصلِّها إذا ذكرَها لا كفَّارةَ لها إلا ذلك»، وتلا قولَه تعالى: {{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}}[(269)].
والدَّليلُ على الوجوب: عمومُ الأدلَّةِ. ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمَّا نامَ عن صلاةِ الفَجْرِ هو وأصحابُه في سَفَرٍ ـ كما في حديثِ أبي قتادة ـ أَمَرَ بلالاً فأذَّنَ، ثم صَلَّى سُنَّةَ الفجرِ، ثم صَلَّى الفَجْرَ كما يصلِّيها عادةً جماعةً، وجَهَرَ بالقِراءةِ[(270)] . فإذا نامَ قومٌ في السَّفرِ، ولم يستيقظوا إلا بعدَ طلوعِ الشمسِ، قلنا لهم: افعلوا كما تفعلون في العَادةِ تماماً، أذِّنوا، وقولوا: «الصَّلاةُ خيرٌ مِن النومِ» وصَلُّوا سُنَّةَ الفَجرِ، وأقيموا الصَّلاةَ واجهروا فيها بالقِراءةِ.
قوله: «لا شرط» عندي في نسختي «لا شرطاً» بالنصب؛ وفي نسخٍ أخرى، «لا شرط» بالرفع والصحيحُ من حيث العربية «لا شرطٌ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره لا هي شرطٌ»، أما لا شرطاً فلا تصح؛ لأن «لا» لا تتحمَّلُ الضَّميرَ حتى نقولَ: إنَّ اسمَها مستترٌ، وإن «شرطاً» خبرُها، والمعنى: أنَّ الجماعةَ ليست شرطاً في صِحَّةِ الصلاةِ، فلو صلّى الإنسانُ وحده بلا عُذرٍ فصلاتُه صحيحةٌ، لكنَّه آثمٌ.
لاَ شَرْطٌ ............
وقوله: «لا شرط»، قد يقول قائلٌ: لماذا قال «لا شرطٌ»؟
فنقول: إن قوله: «لا شرطٌ» كان دَفْعاً لقولِ مَن يقول: إنَّها شرطٌ لصحَّة الصلاةِ، وممَن قال: «إنَّها شرطٌ لِصحَّةِ الصلاةِ» شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله، وابنُ عقيل. وكلاهما مِن الحنابلةِ، وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمد وعلى هذا القول: لو صَلَّى الإنسانُ وحدَه بلا عُذْرٍ شرعيٍّ فصلاتُه باطلةٌ كما لو تَرَكَ الوضوءَ مثلاً.
وهذا القولُ ضَعيفٌ، ويضعِّفُه أنَّ النَّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صَلاةُ الجماعةِ أفضلُ مِن صلاةِ الفَذِّ بسبعٍ وعِشرين درجةً» [(271)] والمفاضلةُ: تدلُّ: على أنَّ المُفَضَّلَ عليه فيه فَضَلٌ، ويلزمُ مِن وجودِ الفَضْلِ فيه أنْ يكون صحيحاً؛ لأن غيرَ الصحيحِ ليس فيه فَضْلٌ، بل فيه إثمٌ، وهذا دليل واضحٌ على أنَّ صلاةَ الفَذِّ صحيحةٌ، ضرورةَ أنَّ فيها فضلاً؛ إذ لو لم تكن صحيحةً لم يكن فيها فَضْلٌ، لكن شيخُ الإسلام رحمه الله أجاب: بأنَّ هذا الحديثِ في حَقِّ المعذور، أي: مَن صَلَّى وحده لعُذرٍ، فصلاةُ الجماعةِ أفضلُ مِن صلاتِهِ بسبعٍ وعِشرين درجةً، قال: ولا مانعَ مِن وجودِ النقصِ مع العُذرِ، فهذه المرأةُ وَصَفَها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بأنَّها ناقصةُ دِيْنٍ؛ لتركها الصَّلاةَ أيامَ الحيضِ[(272)]، مع أن تركَهَا للصَّلاةِ أيام الحيضِ لعُذرٍ شرعيٍّ، ومع ذلك صارت ناقصةً عن الرَّجُل، وهي لم تأثم بهذا التَّرْكِ، قال: فالمعذورُ إذا صَلَّى في بيته فإنَّ صلاةَ الجماعةِ أفضلُ مِن صلاتِهِ بسبعٍ وعِشرين درجةً.
ولكن يَرِدُ عليه: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا مَرِضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً» [(273)]، فهذا دليلٌ على أنَّ مَن تَرَكَ الطاعةَ لعُذرِ المرضِ كُتبت له.
ويمكن أن يجيب عنه: بأن المُرادَ مَن كان مِن عادتِهِ أن يفعلَ؛ لأنه قال: «كُتِبَ له ما كان يعملُ صحيحاً مقيماً» ، ولكن مع كلِّ هذا؛ فإن مأخذَ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ رحمه الله في هذه المسألةِ ضعيف.
والصَّوابُ ما عليه الجمهور: وهو أنَّ الصلاةَ صحيحةٌ، ولكنه آثمٌ لتَرْكِ الواجبِ، وأما قياسُ ذلك على التشهُّدِ الأولِ وعلى التكبيراتِ الواجبةِ والتسبيحِ، في أنَّ مَن تَرَكها عمداً بلا عُذرٍ بطلت صلاتُهُ، فهو قياسٌ مع الفارقِ، لأنَّ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ للصَّلاةِ، وأما التشهُّدُ الأولُ والتسميعُ والتكبيرُ فهذا واجبٌ في الصَّلاةِ ألصقُ بها مِن الواجبِ لها.
وَلَهُ فِعْلُهَا فِي بَيْتِهِ .........
قوله: «وله فعلها في بيته» .
«له» أي: للإنسان.
«فعلها» أي: فِعْلَ الجماعةِ في بيتِهِ، أي: يجوزُ أن يُصلِّيَ الجماعةَ في بيتِهِ ويَدَعَ المسجدَ، ولو كان قريباً منه، ولكن المسجدَ أفضلُ بلا شكِّ، وإنما لو فعلَها في بيتِهِ فهو جائز، وإذا قلنا بأنها تنعقد باثنين ولو بأُنثى فيلزمُ منه أن يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وزوجتُه في البيت، ولا يحضُرُ المسجد.
وهذا مقتضى كلام المؤلِّفِ. واستدلَّ أصحابُ هذا القول:
بأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «جُعِلت لي الأرضُ كلُّها مسجداً وطَهوراً» [(274)]. فالأرضُ كلُّها مسجِدٌ، والمقصودُ الجماعةُ، والجماعةُ تحصُلُ ولو كان الإنسانُ في بيتِهِ، لكنَّها في المسجدِ أفضلُ.
وذهبَ بعضُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ كونها في المسجدِ مِن فُروضِ الكفايات، وأنَّه إذا قامَ بها مَن يكفي سقطت عن الباقين، وجازَ لمن سواهم أنْ يصلِّيَ في بيتِهِ جماعة.
وذهبَ آخرون إلى أنَّه يجبُ فِعْلُها في المسجدِ على كلِّ مَن تلزمُه.
وأما الذين قالوا: إنَّها فَرْضُ كفاية، فقالوا: إنَّها مِن شعائر الإسلامِ الظَّاهرةِ، وما زال المسلمون يقيمونها في المساجدِ، ولو تعطَّلت المساجدُ، لم يتبيَّن أنَّ هذه البلدَ بلدُ إسلامٍ، فكما أنَّ الأذانَ مِن شعائرِ الإسلامِ الظاهرةِ، وتُقاتل الطَّائفةُ إذا لم تؤذِّنْ، وهو فَرضُ كفاية، فكذلك الصَّلاةُ في المساجد، فإذا صَلَّى في المسجدِ مَن تقومُ بهم الكفايةُ، فالباقون لهم أنْ يصلُّوا في بيوتِهم.
وأما الذين قالوا: إنَّها تجبُ في المسجدِ.
فاستدلُّوا: بقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لقد هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بالصَّلاةِ فتقامَ، ثم آمُرَ رجُلاً فيصلِّيَ بالناسِ، ثم أنطلقَ إلى قومٍ لا يشهدون الصَّلاةَ فأحرِّقَ عليهم بيوتَهم بالنَّارِ» [(275)] وكلمة «قوم» جمعٌ تحصُلُ بهم الجماعة، فلو أمكن أن يصلُّوا في بيوتهم جماعة لقال: إلا أن يصلُّوا في بيوتِهم، واستثنى مَن يصلِّي في بيتِهِ، فعُلِمَ بهذا أنَّه لا بُدَّ مِن شهودِ جماعةِ المسلمين، وهذا القولُ هو الصَّحيحُ: أنَّه يجبُ أن تكون في المسجدِ، وأنَّه لو أُقيمت في غير المسجدِ، فإنَّه لا يحصُلُ بإقامتها سقوطُ الإثمِ، بل هم آثمون، وإنْ كان القول الرَّاجح أنَّها تصحُّ.
أما القائلون: بأنَّها مِن شعائرِ الإسلام الظَّاهرةِ، فنقول: هي من شعائرِ الإسلامِ الظَّاهرةِ، ومِن تمام ذلك أن تُوجبَ على كلِّ واحدٍ في المسجدِ، لأنَّنا لو قلنا: إنها فَرْضُ كفاية لكان لكلِّ واحدٍ أنْ يبقى في بيتِهِ، ويقول: لعلَّ في المسجدِ مَن يقومُ بصلاةِ الجماعةِ.
وأما الذين استدلُّوا بقوله: صلّى الله عليه وسلّم: «جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهوراً» [(276)] فلا دليل فيه أصلاً، لأنَّ فيه بيان أنَّ الأرضَ كلَّها مسجدٌ، وهو مِن خصائصِ هذه الأمة، بخلافِ غيرِها، فإنَّها لا تصلِّي إلا في الكنائسِ والصَّوامع والبيَع، لكن هذه الأُمَّة جُعلت لها الأرضُ كلُّها مسجداً؛ فليس المقصودُ أنَّ الجماعةَ تصحُّ في كُلِّ مكان، بل بيان أنَّ الصلاة تصحُّ في كلِّ مكان، وهذا لا نِزاعَ فيه.
ثم على فَرْضِ أَنَّه عامٌّ، فإنه مُخصَّصٌ بالأدلَّةِ على وجوبِ صلاةِ الجَماعةِ في المساجد.
مسألة : الدَّوائرُ الحكوميَّةُ التي فيها جماعةٌ كثيرةٌ، ولهم مصلًّى خاصٌّ يصلُّون فيه، والمساجدُ حولَهم، فهل نقول لهم: اخرجُوا مِن هذه الدَّائرةِ جميعاً، وصَلُّوا في المسجدِ، أو نقول: صَلُّوا في مكانِكم ولا حَرَجَ عليكم؟
الجواب : الذي نرى أنَّه إذا كان المسجدُ قريباً، ولم يتعطَّلْ العمل بخروجهم للمسجد، فإنَّه يجبُ عليهم أنْ يصلُّوا في المسجدِ، أما إذا كان بعيداً أو خِيفَ تعطُّلُ العملِ؛ بأن تكون الدائرةُ عليها عَمَلٌ ومراجعون كثيرون، أو كان يخشى مِن تسلُّلِ بعضِ الموظَّفين؛ لأنَّ بعضَ الموظَّفين لا يخافون الله، فإذا خرجوا إلى الصَّلاة خَرجوا إلى بيوتِهم، وربَّما لا يرجِعون، ففي هذه الحال نقول: صَلُّوا في مكانِكم، لأنَّ هذا أحفظُ للعمل وأقومُ، والعملُ تجبُ إقامتُه بمقتضى الالتزامِ والعهدِ الذي بين الموظَّفِ والحكومةِ. فهذا هو التفصيل في هذه المسألة، ولهذا ينبغي ـ إنْ لم نقلْ يجبُ ـ أنْ يُجعلَ هناك مسجدٌ في الدَّوائرِ الكبيرةِ يكون له بابٌ على الشَّارعِ تُقامُ فيه الصَّلواتُ الخمسُ، حتى يكون مسجداً لعمومِ النَّاسِ ويُصلِّي فيه أهلُ هذه الدَّائرةِ.
وَتُسْتَحَبُّ صَلاَةُ أَهْلِ الثَّغْرِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ. وَالأَفْضَلُ لِغَيْرِهِمْ فِي المَسْجِدِ الَّذِي لاَ تُقَامُ فِيْهِ الجَمَاعةُ إِلاَّ بِحُضُورِهِ...........
قوله: «تستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد» .
يبيِّنُ المؤلِّفُ رحمه الله الأفضلَ مِن المساجدِ والأماكنِ التي تُصلَّى فيها الجماعةُ.
فأهلُ الثَّغرِ: هم الذين يقيمون على حُدودِ البلادِ الإسلامية، يحمونها مِن الكُفَّارِ.
فالأفضلُ لهم: أن يصلُّوا في مسجدٍ واحدٍ؛ لأنَّهم إذا صَلُّوا في المسجدِ الواحدِ؛ صاروا أكثر جمعاً؛ وحصلت بهم الهيبةُ فهابَهم الأعداءُ وتفقَّدَ بعضُهم بعضاً، وسأل عن الكُفَّارِ الذين حولَه، وهل مكانُه يحتاجُ إلى زيادةِ رجالٍ وسلاحٍ، بشرطِ أن يأمنوا العدوَّ، فإن كانوا يخشون مِن العدوِّ إذا اجتمعوا في المسجد الواحد؛ فصلاةُ كُلِّ إنسانٍ في مكانِهِ أَولى أو أوجب.
قوله: «والأفضل لغيرهم في المسجد الذي لا تقامُ فيه الجماعةُ إلا بحضوره» .
يعني: أنَّ الأفضل لغير أهل الثَّغر أنْ يصلِّي في المسجدِ الذي تُقام فيه الجماعةُ إذا حضر ولا تُقام إذا لم يحضر مثال ذلك: إذا كان هناك مسجدٌ قائمٌ يصلِّي فيه الناسُ، لكن فيه رَجُلٌ إن حَضَرَ وصار إماماً أُقيمت الجماعةُ، وإنْ لم يحضُرْ تفرَّقَ الناسُ، فالأفضلُ لهذا الرَّجُلِ أنْ يصلِّيَ في هذا المسجدِ مِن أجلِ عِمارته، لأنَّه لو لم يحضُرْ لتعطَّلَ المسجدُ، وتعطيلُ المساجدِ لا ينبغي، فصلاةُ هذا الرَّجُلِ في هذا المسجدِ، أفضلُ مِن صلاتِهِ في مسجدٍ أكثرَ جماعةٍ.
لكن ينبغي أن يقيَّد هذا بشرطٍ، وهو أن لا يكون المسجدُ قريباً مِن المسجدِ الأكثرِ جماعةً، فقد يُقال: إنَّ الأفضلَ أن يجتمعَ المسلمون في مسجدٍ واحدٍ، وأنَّ هذا أَولى مِن التفرُّق، فإذا قُدِّرَ أن هذا مسجدٌ قديمٌ ينتابه خمسةٌ أو عشرةٌ من الناسِ، وحولَه مسجدٌ يجتمعُ فيه جمعٌ كثيرٌ، ولا يشقُّ على أهلِ المسجدِ القديمِ أنْ يتقدَّموا إلى المسجدِ الآخرِ، فرُبَّما يُقال: إنَّ الأفضلَ أن ينضمُّوا إلى المسجدِ الآخر، وأن يجتمعوا فيه، لأنَّه كلَّما كَثُرَ الجمعُ كان أفضل.
ثُمَّ مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةً، ثُمَّ المَسْجِدِ العَتِيْقِ. وَأَبْعَدُ أَوْلَى مِنْ أَقْرَب.........
قوله: «ثم ما كان أكثر جماعة» .
مثال ذلك أي: ثم يلي ما سبق الصلاة في مسجد أكثر جماعة مثال ذلك لو قدر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثرُ جماعة مِن الآخر فالأفضلُ أن يذهبَ إلى الأكثرِ جماعة؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «صَلاةُ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أزكى مِن صلاتِهِ وحدَهُ، وصلاتُهُ مع الرَّجُلَين أزكى مِن صلاتِهِ مع الرَّجُلِ، وما كانوا أكثرَ فهو أحبُّ إلى اللهِ» [(277)]، وهذا عامٌّ، فإذا وُجِدَ مسجدان: أحدُهما أكثرُ جماعة مِن الآخرِ، فالأفضلُ أن تُصلِّيَ في الذي هو أكثر جماعة.
قوله: «ثم المسجد العتيق» .
المسجد العتيق: أي القديم أولى مِن الجديد، لأن الطَّاعةَ فيه أقدم فكان أَولى بالمراعاة مِن الجديد، مثال ذلك: إذا صار عندك مسجدان يتساويان في الجماعة، لكن أحدُهما جديد، والثاني عتيق، فالأفضل العتيق، وهذا الفضل باعتبار المكان.
وعللوا: بأن الطاعة فيه أقدم.
قوله: «وأبعد أولى من أقرب» يعني: إذا استوى المسجدان فيما سبق، وكان أحدُهما أبعد عن مكان الرجل فالأبعد أَولى مِن الأقربِ، مثاله إذا كان حولك مسجدان، أحدُهما أبعدُ مِن الثاني، فالأفضلُ الأبعدُ؛ لأنَّ كلَّ خطوةٍ تخطوها إلى الصَّلاة يُرفعُ لك بها درجةٌ، ويُحطُّ بها عنك خطيئةٌ، إذا أسبغت الوضوء وخرجت من البيت لا يخرجك إلا الصلاة، وكلما بَعُدَ المكانُ ازدادت الخُطا فيزداد الأجر، هذا ما قرره المؤلِّفُ.
ولكن في النَّفس مِن هذا شيء، والصَّواب أن يقال: إن الأفضلَ أنْ تُصلِّيَ فيما حولك مِن المساجد؛ لأنَّ هذا سببٌ لعِمارتهِ إلا أن يمتاز أحدُ المساجدِ بخاصِّيَّةٍ فيه فيُقدَّم، مثل: لو كنتَ في المدينة، أو كنت في مكَّة، فإنَّ الأفضلَ أن تصلِّيَ في المسجدِ الحرامِ في مكَّة وفي المسجد النَّبويِّ في المدينة.
أما إذا لم يكن هناك مزيَّة فإنَّ صلاةَ الإنسانِ في مسجدِه أفضلُ؛ لأنَّه يحصُلُ به عِمارته؛ والتأليف للإمام وأهل الحيِّ، ويندفع به ما قد يكون في قلب الإمامِ إذا لم تُصلِّ معه؛ لا سيما إذا كنت رَجُلاً لك اعتبارك.
وأما الأبعد فيجاب عن الحديث بأن المراد في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يخطو خطوةً إلا رَفَعَ اللهُ له بها درجةً، وحَطَّ عنه بها خطيئةً» [(278)] أنَّه في مسجدٍ ليس هناك أقرب منه، فإنَّه كلَّما بَعُدَ المسجدُ وكلَّفتَ نفسك أن تذهبَ إليه مع بُعدِهِ كان هذا بلا شَكٍّ أفضل مما لو كان قريباً، لأنه كلَّما شقَّت العبادةُ إذا لم يمكن فِعْلُها بالأسهل فهي أفضل، كما قال النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام لعائشة: «إنَّ أجْرَكِ على قَدْرِ نَصَبِكِ» [(279)].
فالحاصل : أن الأفضل أن تصلِّيَ في مسجدِ الحَيِّ الذي أنت فيه، سواءٌ كان أكثر جماعة أو أقل، لما يترتَّب على ذلك مِن المصالح، ثم يليه الأكثر جماعة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما كان أكثرُ فهو أحبُّ إلى الله» [(280)]، ثم يليه الأبعدُ، ثم يليه العتيقُ؛ لأن تفضيلَ المكان بتقدُّم الطَّاعة فيه يحتاج إلى دليلٍ بَيِّنٍ، وليس هناك دليلٌ بَيِّنٌ على هذه المسألةِ.
مسألة : إذا قال قائل: إذا كان المسجدُ البعيدُ أحسنُ قِراءة، ويحصُل لي مِن الخشوعِ ما لا يحصُلُ لي لو صَلَّيتُ في مسجدي القريبِ منِّي، فهل الأفضلُ أن أذهبَ إليه وأدعُ مسجدي، أو بالعكس؟
الجواب : الظاهر لي حسب القاعدة: أنَّ الفضلَ المتعلِّقَ بذات العبادةِ أَولى بالمراعاة مِن الفضلِ المتعلِّقِ بمكانِها، ومعلومٌ أنَّه إذا كان أخشعَ فإنَّ الأفضلَ أن تذهبَ إليه، خصوصاً إذا كان إمامُ مسجدِكَ لا يتأنَّى في الصلاةِ أو يلحَنُ كثيراً، أو ما أشبه ذلك مِن الأشياءِ التي توجب أنْ يتحوَّلَ الإنسانُ عن مسجدِه مِن أجلِهِ.
ويَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إِمَامِهِ الرَّاتِبِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ أَوْ عُذْرِهِ.......
قوله: «ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب» .
أي يحرم أن يكون إماماً في مسجد له إمامٌ راتب.
أي: مولًّى مِن قِبَلِ المسؤولين، أو مولًّى مِن قِبَلِ أهلِ الحَيِّ جيران المسجد، فإنَّه أحقُّ الناس بإمامتِهِ، لقولِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلطانه» [(281)] ومعلومٌ أنَّ إمامَ المسجدِ سلطانُه، والنهيُ هنا للتحريمِ، فلا يجوزُ للإنسان أن يؤمَّ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ إلا بإذن الإمام أو عُذره.
وكما أن هذا مقتضى الحديث، فهو مقتضى القواعد الشرعية؛ لأنه لو ساغ له أن يؤمَّ في مسجد له إمام راتب بدون إذنه أو عذره؛ لأدَّى ذلك إلى الفوضى والنزاع.
قوله: «إلا بإذنه» أي: إلاَّ إذا وَكَّلَهُ توكيلاً خاصًّا أو توكيلاً عاماً. فالتوكيل الخاص: أن يقول: يا فلان صَلِّ بالناس، والتوكيل العام أن يقول للجماعة: إذا تأخَّرتُ عن موعدِ الإقامةِ المعتادِ كذا وكذا فصلُّوا.
قوله: «أو عذره» العذر مثل: لو عَلِمنا أنَّ إمامَ المسجدِ أصابَه مرضٌ لا يحتمل أن يحضر معه إلى المسجد فلنا أن نُصلِّيَ، وإنْ لم يأذن.
مسألة : لو أنَّ أهلَ المسجدِ قدَّموا شخصاً يصلِّي بهم بدون إذن الإمامِ ولا عذره وصَلَّى بهم فهل تصحُّ الصلاةُ أو لا تصحُّ؟
فالجواب : في هذا لأهلِ العِلمِ قولان:
القول الأول : أنَّ الصَّلاة تصحُّ مع الإثم.
القول الثاني : أنهم آثمون، ولا تصحُّ صلاتُهم، ويجبُ عليهم أن يُعيدُوها.
والرَّاجح القول الأول: لأنَّ تحريمَ الصَّلاةِ بدون إذن الإمام أو عُذره ظاهرٌ من الحديثِ والتعليل، وأما صِحةُ الصلاةِ؛ فالأصلُ الصحةُ حتى يقومَ دليلٌ على الفسادِ، وتحريمُ الإمامةِ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ بلا إذنِهِ أو عذرِهِ لا يستلزمُ عدمَ صحةِ الصلاةِ؛ لأنَّ هذا التحريمَ يعودُ إلى معنًى خارجٍ عن الصلاة وهو الافتيات على الإمام، والتقدُّم على حَقِّهِ، فلا ينبغي أن تُبطل به الصلاةُ.
وَمَنْ صَلَّى ثُمَّ أُقِيْمَ فَرْضٌ سُنَّ أَنْ يُعِيدَهَا إِلاَّ المَغْرِبَ.........
قوله: «ومن صلى ثم أقيم فرض» يعني: إذا صَلَّى الصَّلاةَ المفروضة ثم حضر مسجداً أقيمت فيه تلك الصلاة وظاهر كلامه سواءٌ صَلَّى في جماعةٍ أو منفرداً.
وقوله: «سن أن يعيدها إلا المغرب» أي: سُنَّ أنْ يعيدَ الصَّلاة التي صَلاَّها أولاً إلا المغرب.
ودليل ذلك : قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «صَلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإن أُقيمت الصَّلاةُ، وأنتَ في المسجدِ فَصَلِّ، ولا تقل: إنِّي صَلَّيتُ فلا أُصَلِّي» [(282)] يعني: إذا أُخرتِ الصَّلاةَ فَصَلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، ثم أُقيمتْ وأنت في المسجد فَصَلِّ، ولا تَقُلْ: إنِّي صَلَّيتُ فلا أُصَلِّي.
ودليل آخر : أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى صلاةَ الفجرِ ذاتَ يومٍ في مسجدِ الخَيْفِ في مِنَى، فلما انصرفَ مِن صلاتِهِ إذا برَجُلين قد اعتزلا، فلم يصلِّيا، فدعا بهما، فجِيءَ بهما ترعدُ فرائصُهُما هيبةً مِن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ما منعكما أنْ تُصلِّيا معنا؟ قالا: يا رسولَ الله، صلَّينا في رِحالِنَا، قال: إذا صَلَّيتُما في رِحالِكما، ثم أتيتُما مسجدَ جماعةٍ، فصلِّيا معهم، فإنَّها لكما نافلة» [(283)] واستفدنا مِن هذا الحديثِ: أنَّ الصَّلاةَ الثانيةَ تقعُ نافلةً، والصَّلاةُ الأُولى هي الفريضة، وعلى هذا؛ فإذا قُدِّرَ أنَّ شخصاً صَلَّى في مسجدِه، ثم جاء إلى مسجدٍ آخرَ لحضور درسٍ، أو لحاجةٍ مِن الحوائجِ، أو لشهودِ جنازةٍ ووجدهم يصلُّون، فالأفضلُ أنْ يُصلِّيَ معهم، وتكون صلاتُهُ معهم نافلةً، والصَّلاةُ الأُولى هي الفريضةُ، ولا تكون الثانيةُ هي الفريضةُ؛ لأنَّ الأُولى سَقَطَ بها الفرضُ، فصارت هي الفريضة، والثانيةُ تكون نافلةً.
مسألة : إذا أدركَ بعضَ المُعادةِ، فهل لا بُدَّ مِن إتمامِها، أو له أنْ يُسلِّمَ مع الإمام؟
الجواب : نقول: إذا سَلَّمَ مع الإمامِ؛ وقد صَلَّى ركعتين؛ فلا بأس؛ لأنَّها نافلةٌ لا يلزمه إتمامُها، وإن أتمَّ فهو أفضلُ؛ لعمومِ قولِهِ صلّى الله عليه وسلّم: «ما أدركتُم فصَلُّوا وما فاتكم فأتِمُّوا» [(284)].
وقوله: «إلا المغرب» أي: فإنَّه لا تُسَنُّ إعادتُها.
وعلَّلوا ذلك : بأن المغربَ وِترُ النَّهار كما جاءَ في الحديثِ[(285)]، والوِترُ لا يُسَنُّ تكرارُه، فإنَّه لا وِتران في ليلةٍ، فكذلك لا وِترانِ في يومٍ، وصلاةُ المغربِ وِترُ النَّهارِ.
ولكن هذا التعليل فيه شيءٌ؛ لأنَّه يمكن أن نقول: الفارقُ بين المغربِ وبين وِترِ الليلِ: أنَّ إعادةَ المغربِ مِن أجلِ السَّببِ الذي حَدَثَ وهو حضور الجماعة، وهذا فَرْقٌ ظاهرٌ.
وأيضاً: عمومُ قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صَلَّيتُما في رِحالِكما، ثم أتيتُما مسجدَ جماعةٍ فصلِّيا معهم» [(286)] يشمَلُ المغربَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يستثنِ شيئاً.
وبهذا صار القولُ الصحيحُ في هذا المسألة: أنَّه يُعيدُ المغربَ، لأنَّ لها سبباً، وهو موافقةُ الجماعةِ.
ولكن؛ هل نقول: إذا سَلَّمَ الإمامُ ائتِ بركعة لتكون الصَّلاةُ شفعاً، أو له أن يُسلِّمَ مع الإمامِ؟ في هذا قولان.
والصَّحيحُ : أنَّه يُسلِّمُ مع الإمامِ، وإذا ضَممتَ هذين القولين إلى قولِ المؤلِّفِ صارت الأقوال ثلاثة:
أحدها : لا تُسنُّ إعادةُ المغربِ.
الثاني : تُسَنُّ؛ ويشفعُها بركعةٍ.
الثالث : تُسنُّ؛ ولا يشفعُها، وهو الصَّحيحُ.
فإنْ قال قائلٌ: هل يُسَنُّ أن يقصدَ مسجداً للإعادة، بمعنى: أنَّه إذا صَلَّى في جماعةٍ مبكِّرةٍ، وهو يعلم أنَّ هناك جماعة متأخِّرة؛ ذهبَ إلى المسجدِ الآخر للإعادة؟
الجواب : لا يُسنُّ؛ لأنَّ ذلك ليس مِن عادةِ السَّلفِ، ولو كان هذا مِن أمور الخير لكان أولَ الناسِ فِعْلاً له الصحابةُ،لكن إذا كان هناك سببٌ استوجب أن تحضرَ إلى المسجدِ، فإذا أُقيمت الصَّلاةُ فَصَلِّ معهم فإنَّها نافلةٌ.
ونأخذ مِن هذا الحُكمِ الشَّرعيِّ: أنَّ للشَّرع نظراً في توافقِ النَّاسِ وائتلافِهم وعدمِ تفرُّقِهم؛ لأنَّه إنَّما أمر أنْ يعيد الصَّلاة مِن أجلِ أن يكون مع المسلمين فلا يبقى وحدَه، ويقول: أنا صَلَّيتُ، نقول: صَلِّ مع المسلمين، فإن هذا أفضلُ، حتى يكون مظهرُ الأمةِ الإسلاميةِ مظهراً واحداً لا اختلافَ فيه.
ونَخلُصُ مِن هذا إلى أنَّ ما يفعلُه بعضُ الناسِ في قيامِ رمضان مِن أنَّهم إذا صَلُّوا عشر ركعات خلف إمام يصلِّي عشرين ركعة جلسوا وتركوا الإمامَ حتى إذا شرعَ في الوِترِ قاموا فأوتروا معه، خلافُ ما دلَّتْ عليه السُّنةُ، وما كان السَّلفُ يتحرَّونَه مِن موافقةِ الإمامِ في اجتهاداتِه.
وإذا كان الصحابةُ رضي الله عنهم وافقوا عُثمانَ في زيادةِ الصَّلاةِ، في نَفْسِ ركعاتها، حيث أتمَّ الصلاةَ الرباعية في مِنَى يقصر فكيف بزيادة صلاة مستقلَّة؟ فالصَّحابةُ رضي الله عنهم تابعوا عُثمانَ حينما أتَمَّ الصَّلاةَ في مِنَى، والمعروفُ مِن سُنَّةِ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم وسُنَّةِ أبي بكرٍ، وسُنَّةِ عُمرَ، وسُنَّةِ عُثمانَ، ثمان سنوات أو ست سنوات مِن خِلافتِهِ أنَّهم كانوا يصلُّون في مِنَى ركعتين، وفي آخرِ خِلافةِ عُثمانَ صار يصلِّي أربعاً، حتى إنَّ ابنَ مسعود رضي الله عنه لما بلغه ذلك استرجع، وقال: «إنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون» فجعلَ هذا أمراً عظيماً، ومع ذلك كانوا يصلُّون خَلْفَه أربعَ ركعات مع إنكارهم عليه، كلُّ هذا مِن أجلِ دَرْءِ الخِلافِ حتى قيل لابن مسعود: يا أبا عبدِ الرحمن، كيف تُصلِّي أربعَ ركعات، وأنتَ تُنكرُ هذا؟ فقال: «إن الخلاف شر» [(287)]، وهذا هو الحقُّ الذي أمَرَ اللهُ به، قال تعالى: {{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}} [المؤمنون: 52] وقال: {{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}} [الشورى: 13] وقال: {{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}} [الأنعام: 159] . فالأمةُ الإسلاميةُ أمةٌ واحدةٌ، وإنِ اختلفتْ آراؤها، فيجبُ أن يكون مظهرُها واحداً لا يختلفُ؛ لأنَّ الأمةَ الإسلاميةَ لها أعداء يعلنون العداوةَ صَراحةً، وهم الكفَّارُ الصُّرحاءُ مثل اليهود والنَّصارى والمجوس والوثنيين والشيوعيين وغيرهم.
ولها أعداءٌ يُخفُونَ عداوتَهم مثل المنافقين، وما أكثرُ المنافقين في زماننا، وإنْ كانوا يتسمَّونَ باسم غير النِّفاق، كحزبٍ معيَّنٍ مثلاً، فهناك طوائفُ كثيرةٌ لها أسماءٌ وأشكالٌ لكن المُسمَّى واحد، وكلُّها حَرْبٌ على الإسلام وعلى أهلِهِ، لذلك يجب على أهلِ الإسلام أن يكونوا أمةً واحدة.
ويؤسفنا كثيراً؛ أنْ نجدَ في الأمةِ الإسلاميةِ فِئةً تختلفُ في أمورٍ يسوغُ فيها الخلافُ، فتجعل الخلافَ فيها سبباً لاختلاف القلوبِ، فالخِلافُ في الأمةِ موجودٌ في عهد الصَّحابةِ، ومع ذلك بقيت قلوبُهم متَّفقةٌ، فالواجب على الشبابِ خاصَّة، وعلى كلِّ المستقيمين أن يكونوا يداً واحدة، ومظهراً واحداً؛ لأنَّ لهم أعداء يتربَّصونَ بهم الدَّوائر.
ونعلم جميعاً أنَّ التفرُّقَ أعظمُ سلاحٍ يفتِّتُ الأمةَ ويفرِّقُ كلمتَها، ومِن القواعدِ المشهورةِ عند النَّاسِ: أنك إذا أردتَ أنْ تنتصرَ على جماعةٍ فاحرصْ على التفرقة بينهم؛ لأنَّهم إذا اختلفوا صاروا سلاحاً لك على أنفسِهم، وليس أحدٌ بمعصوم، لكن إذا خالفك شخصٌ في الرَّأي في آية أو حديث مما يسوغُ فيه الاجتهاد؛ فالواجبُ عليك أنْ تتحمَّلَ هذا الخِلافَ، بل أنا أرى أنَّ الرَّجُلَ إذاخالفَكَ بمقتضى الدليلِ عنده لا بمقتضى العنادِ أنَّه ينبغي أن تزداد محبَّةً له؛ لأنَّ الذي يخالفُكَ بمقتضى الدَّليلِ لم يصانعْك ولم يحابِك، بل صار صريحاً مثلما أنك صريحٌ، أما الرَّجُلُ المعاندُ فإنَّه لم يرد الحقَّ.
وَلاَ تُكْرَهُ إِعَادَةُ الجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالمَدِينَة.........
قوله: «ولا تكره إعادة الجماعة» .
يعني: لو صَلَّى الإمامُ الراتبُ في الجماعة، ثم أتتْ جماعةٌ أُخرى لتُصلِّي في نفسِ المسجدِ، فهل تُكرهُ إعادةُ الجماعةِ هذه أو لا تُكره؟
الجواب : صَرَّحَ المؤلِّفُ بأنها لا تُكره، ونَفْيُ الكراهةِ يدلُّ ظاهُره على أنَّ المسألةَ مباحةٌ فقط، وأنَّها ليست بمشروعةٍ، ولكن الظَّاهرُ أنَّه غيرُ مرادٍ؛ وأن مرادَه بنفي الكراهة دَفْعُ قولِ مَن يقول بالكراهة، وعلى هذا؛ فلا ينافي القول بالاستحباب، بل بالوجوب؛ لأنَّ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ، وقد نبَّه كثيرٌ مِن المتأخِّرين على أنَّ هذا مرادُ المؤلِّفِ وغيرِه ممن قال: لا تُكره. فيكون المعنى: أننا لا نقولُ بهذا القول، وإذا لم نقل به رجعنا إلى الأصل. والأصل: أنَّ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ.
وعلى هذا؛ فتكون إعادةُ الجماعةِ إذا فاتت مع الإمامِ الرَّاتبِ واجبةٌ؛ لأنَّ الجماعةَ واجبةٌ وفواتُها مع الإمام الرَّاتب لا يُسقط الوجوبَ.
وقال بعضُ أهل العِلمِ: إنها مستحبَّةٌ وليست بواجبةٍ؛ لأنَّ الصلاةَ الأُولى هي التي يجب على المكلَّفِ حضورها، وهي التي يحصُلُ بها الفضلُ العظيمُ الذي رتَّبه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم.
وهذه المسألة لها ثلاثُ صور:
الصورةُ الأُولى : أن يكون إعادةُ الجماعةِ أمراً راتباً.
الصورة الثانية : أن يكون أمراً عارضاً.
الصورة الثالثة : أن يكون المسجدُ مسجدَ سوقٍ، أو مسجدَ طريقِ سياراتٍ، أو ما أشبه ذلك، فإذا كان مسجدَ سُوقٍ يتردَّدُ أهلُ السُّوقِ إليه فيأتي الرَّجُلان والثلاثةُ والعشرةُ يصلُّون ثم يخرجون، كما يوجد في المساجد التي في بعض الأسواق، فلا تُكره إعادةُ الجماعة فيه، قال بعضُ العلماء: قولاً واحداً، ولا خِلافَ في ذلك؛ لأنَّ هذا المسجدَ مِن أصلِهِ معدٌّ لجماعاتٍ متفرِّقةٍ؛ ليس له إمامٌ راتبٌ يجتمعُ الناسُ عليه.
فأما الصُّورة الأوُلى، بأن يكون في المسجدِ جماعتان دائماً، الجماعة الأُولى والجماعةُ الثانيةُ، فهذا لا شَكَّ أنَّه مكروهٌ إنْ لم نقل: إنه محرَّمٌ؛ لأنَّه بدعةٌ؛ لم يكن معروفاً في عهدِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه.
ومِن ذلك ما كان معروفاً في المسجدِ الحرامِ سابقاً قبل أن تتولَّى الحكومةُ السعوديةُ عليه، كان فيه أربعُ جماعاتٍ، كلُّ جماعة لها إمامٌ: إمامُ الحنابلةِ يصلِّي بالحنابلة، وإمامُ الشافعيةِ يصلِّي بالشافعيةِ، وإمامُ المالكيةِ يصلِّي بالمالكيةِ، وإمامُ الأحنافِ يصلِّي بالأحنافِ.
ويسمُّونه: هذا مقامُ الشَّافعي، وهذا مقامُ المالكي، وهذا مقامُ الحنفي، وهذا مقامُ الحنبلي، لكن الملك عبد العزيز جزاه اللهُ خيراً لمَّا دخل مكَّة، قال: هذا تفريقٌ للأمَّةِ، أي: أنَّ الأمةَ الإسلاميةَ متفرِّقة في مسجدٍ واحدٍ، وهذا لا يجوز، فجمعهم على إمامٍ واحدٍ، وهذه مِن مناقبه وفضائله رحمه الله تعالى.
فهذا الذي أشار إليه أحدُ المحاذير، وهو تفريقُ الأمة.
وأيضاً: أنه دعوةٌ للكسلِ؛ لأنَّ الناسَ يقولون: ما دامَ فيه جماعةٌ ثانية ننتظر حتى تأتي الجماعةُ الثانيةُ، فيتوانى النَّاسُ عن حضور الجماعةِ مع الإمامِ الرَّاتبِ الأولِ.
وأما الصُّورة الثانيةُ، أن يكونَ عارضاً، أي: أنَّ الإمامَ الرَّاتبَ هو الذي يصلِّي بجماعةِ المسجدِ، لكن أحياناً يتخلَّفُ رَجُلان أو ثلاثةٌ أو أكثرُ لعذرٍ، فهذا هو محلُّ الخِلافِ.
فمِن العلماءِ مَن قال: لا تعادُ الجماعةُ، بل يصلُّون فُرادى.
ومِنهم مَن قال: بل تُعادُ، وهذا القول هو الصَّحيحُ، وهو مذهبُ الحنابلةِ، ودليل ذلك:
أولاً : حديث أُبيّ بن كعب أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلاةُ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أزكى مِن صلاتِهِ وحدَهُ، وصلاتُه مع الرَّجُلين أزكى مِن صلاتِهِ مع الرَّجُلِ، وما كان أكثرُ فهو أحبُّ إلى اللهِ» [(288)]، وهذا نصٌّ صريحٌ بأنَّ صلاةَ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أفضلُ مِن صلاتِهِ وحدَه، ولو قلنا: لا تُقامُ الجماعةُ لزم أَنْ نجعلَ المفضولَ فاضلاً، وهذا خِلافُ النَّصِّ.
ثانياً : أن الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم كان جالساً ذاتَ يومٍ مع أصحابه، فَدَخَلَ رَجُلٌ بعدَ أن انتهتِ الصَّلاةُ، فقال: «مَنْ يَتصدَّقُ على هذا فَيصلِّيَ معه؟» ، فقامَ أَحَدُ القومِ فَصلَّى مع الرَّجُلِ[(289)]. وهذا نَصٌّ صريحٌ في إعادةِ الجماعةِ بعدَ الجماعةِ الراتبةِ حيث نَدَبَ النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام مَن يصلّي مع هذا الرَّجُلِ، وقولُ مَن قال: إنَّ هذه صدقةٌ، وإذا صَلَّى اثنان في المسجدِ وقد فاتتهما الصَّلاةُ فصلاةُ كلِّ واحدٍ منهما واجبٌة؟ فيقال: إذا كان يُؤمرُ بالصَّدقةِ، ويُؤمرُ مَن كان صَلَّى أنْ يصلِّيَ مع هذا الرَّجُلِ، فكيف لا يُؤمرُ مَن لم يُصلِّ أنْ يُصلِّيَ مع هذا الرَّجُلِ؟
قوله: «في غير مسجدي مكة والمدينة» أي: في غيرِ المسجدِ الحرامِ ومسجدِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فَتُكرَهُ إعادةُ الجماعةِ فيهما، قالوا: لئلا يتوانى الناسُ عن حضورِ الصَّلاةِ مع الإمامِ الراتبِ.
ولكن هذا التعليل لو أخذنا به لا انطبقَ على المسجدين وغيرِهما، وهذا هو القولُ الأولُ في هذه المسألةِ.
القول الثاني : أن إعادةَ الجماعةِ لا تُكره في المسجدين، وأنَّ المسجدَ الحرامَ والمسجدَ النبويَّ كغيرِهما في حُكمِ إعادةِ الجماعةِ، وعلى هذا؛ فإذا دخلتَ المسجدَ الحرامَ، وقد فاتتكَ الصَّلاةُ مع الإمامِ الرَّاتبِ أنت وصاحبُك، فصلِّيا جماعةً ولا حرجَ، هذا هو الصَّحيح إذا لم يكن عادة.
قوله: «وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» .
هذا الكلامُ هو لفظُ حديثٍ أخرجَه مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أُقيمتِ الصَّلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ» [(290)] فتكون هذه مسألةً ودليلاً، أي: أنَّ المؤلِّفَ جَمَعَ بين كونِهِ ذكرَها مسألةً مِن مسائلِ العِلمِ، وهي نفسُها دليلٌ، وهذا نادرٌ.
وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ ..........
وقوله: «إذا أُقيمت» هل المراد بإقامة الصَّلاةِ الذِّكرِ المخصوصِ الذي هو الإعلامُ بالقيامِ إلى الصَّلاةِ، أو المرادُ نفسُ الصَّلاةِ؛ لأنَّ اللهَ قال: {{وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ}} [البقرة: 43] أي: إذا شَرَعَ الإمامُ بالصَّلاةِ، فلا صَلاةَ إلا المكتوبةُ؟ في هذا خِلافٌ بين أهل العِلمِ الذين شرحوا الحديثَ:
القول الأول : أنَّ المرادَ بإقامةِ الصَّلاةِ الشروعُ فيها، أي: تكبيرةَ الإحرامِ.
القول الثاني: أنَّ المرادَ بالإقامةِ ابتداءُ الإقامةِ؛ التي هي الإعلامُ بالقيامِ إلى الصَّلاةِ.
القول الثالث : أنَّ المرادَ انتهاءُ الإقامةِ، وهذا القولُ قريبٌ مِن القولِ الأولِ، وإنْ كان الإمامُ قد يتأخَّر عن إتمامِ الإقامةِ إمَّا بتسويةِ الصفوفِ، أو بحدوثِ عُذرٍ له أو ما أشبه ذلك.
ولكن إذا عرفنا الحكمةَ مِن النَّهي؛ أمكننا أنْ نحدِّدَ المرادَ بالإقامةِ، والحكمةُ مِن النَّهي هو: أن لا يتشاغلَ الإنسانُ بنافلةٍ يقيمُها وحدَه إلى جَنْبِ فريضةٍ تقيمُها الجماعةُ؛ لأنه يكون حينئذٍ مخالفاً للنَّاسِ مِن وجهين:
الوجه الأول : أنَّه في نافلةٍ، والنَّاسُ في فريضةٍ.
الوجه الثاني : أَنَّه يُصلِّي وحدَه، والنَّاسُ يصلُّون جماعةً.
ومِن المعلومِ أنَّ الإنسانَ لو شَرَعَ بالنَّافلةِ بعدَ أنْ يبدأَ المقيمُ بالإقامةِ، فإنَّه لن ينتهيَ منها غالباً إلا وقد شَرَعَ النَّاسُ في صلاةِ الجماعةِ. وعلى هذا؛ لا يجوزُ أنْ يبتدىءَ صلاةَ نافلةٍ بعدَ شُروعِ المقيمِ في الإقامةِ، لأنَّ عِلَّة النَّهي موجودةٌ في هذه الصُّورةِ، ومِن بابِ أَولى أن لا يَشرعَ في النَّافلةِ إذا انتهتِ الإقامةُ، أو إذا شَرَعَ الإمامُ في الصَّلاةِ.
وعلى هذا؛ فقولُه صلّى الله عليه وسلّم: «فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ» [(291)] أي: فلا صلاةَ تُبتدأُ إلا المكتوبةُ، فيتعيَّن أنْ يكون المرادُ بالإقامةِ الشروعُ فيها؛ لأنَّ الإنسانَ إذا ابتدأَ النافلةَ في هذا الوقتِ سوف يتأخَّرُ عن صلاةِ الجماعةِ.
مسألة : قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فلا صلاة» هل يشمَلُ الابتداءَ والإتمامَ؟.
الجواب : في ذلك قولان لأهلِ العِلمِ.
القول الأول : أنَّه يشمَلُ الابتداءَ، والإتمامَ، أي: فلا صلاةَ ابتداءً ولا إتماماً، فلا يُتِمُّ صلاةً هو فيها، حتى إنَّ بعضَهم بالغ فقال: لو لم يبقَ عليه إلا التسليمةُ الثانيةُ وأقامَ المقيمُ فإنَّها تبطلُ صلاتُه؛ لأنَّ التسليمتينِ رُكنٌ مِن أركانِ الصَّلاةِ، أو واجبٌ، أو سُنَّةٌ.
القول الثاني : أنه لا صلاةَ ابتداءً وعلى هذا القول يُتِمُّ النَّافلةَ ولو فاتته الجَماعةُ.
والذي يظهر أن قولَه صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ» المرادُ به ابتداؤها، وأنه يَحرُمُ على الإنسانِ أن يبتدىءَ نافلةً بعدَ إقامةِ الصَّلاةِ، أي: بعدَ الشروعِ فيها؛ لأنَّ الوقت تعيَّنَ لمتابعةِ الإمام.
فَإِنْ كَانَ فِي نَافِلَةٍ أَتمها إِلاَّ أَنْ يَخْشَى فَوَاتَ الجَمَاعَةِ فَيَقْطَعُهَا
قوله: «فإن كان في نافلة أتمها» أي: فإن كان شَرَعَ في النَّافلةِ ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ أتمَّها، ولكن يتمُّها خفيفةً مِن أجلِ المبادرةِ إلى الدُّخولِ في الفريضة.
قوله: «إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها» بضم العين استئنافاً أي: فإنَّه يقطَعُها وبماذا تفوتُ الجماعةُ؟
الجواب : تفوتُ الجماعةُ على المذهب بتسليم الإمام قبلَ أن يكبِّرَ المسبوقُ تكبيرةَ الإحرامِ، فإذا سَلَّمَ الإمامُ قبلَ أنْ تكبِّرَ تكبيرةَ الإحرامِ فاتتك الجماعةُ، فإن كبَّرتَ للإحرامِ قبلَ أن يُسلِّمَ التسليمةَ الأُولى فقد أدركتَ الجماعةَ.
وبناءً على ذلك نقولُ لهذا الذي شَرَعَ في النَّافلةِ قبلَ إقامة الصَّلاةِ: استمرَّ إلا إنْ خشيتَ أنْ يُسلِّمَ الإمامُ قبلَ أن تُتِمَّ؛ فحينئذٍ اقْطَعْهَا؛ لأنك إذا خشيتَ أنْ يُسلِّمَ الإِمامُ قبلَ أن تُتِمَّ لزِمَ مِن ذلك تعارضُ نَفْلٍ مع فَرْضٍ؛ لأنَّ صلاةَ الجماعةِ فَرْضٌ والنَّافلةُ نَفْلٌ، والفَرْضُ مقدَّمٌ على النَّفلِ، وهذه المسألة يَنْدُرُ حصولُها إلا في صلاةِ الصُّبحِ مثلاً إذا كان الإمامُ يُسرِعُ وقد شرعتَ في النَّافلةِ قبلَ أن تُقامَ الصَّلاةُ بجزءٍ يسيرٍ فيمكن أنْ تخشى فواتَ الجماعةِ، لكن في الرُّباعيةِ والثُّلاثيةِ الغالب أنك لا تخشى فواتَ الجماعةِ، وعلى كلامِ المؤلِّفِ نقول: أتمَّ النافلةَ حتى لو لم تدركْ إلا تكبيرةَ الإحرامِ قبل تسليم الإمامِ التسليمةَ الأُولى.
والذي نرى في هذه المسألةِ: أنك إنْ كنتَ في الرَّكعةِ الثانيةِ فأتمَّها خفيفةً، وإنْ كنت في الرَّكعةِ الأولى فاقطعْهَا.
ومستندُنا في ذلك قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَن أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاةَ» [(292)] وهذا الذي صَلَّى ركعةً قبلَ أَنْ تُقامَ الصَّلاةُ يكون أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ سالمة مِن المعارضِ الذي هو إقامةُ الصَّلاةِ، فيكون قد أدرك الصلاةَ بإدراكِه الركعةَ قبلَ النهي فليُتمَّها خفيفةً، أما إذا كان في الركعة الأولى ولو في السَّجدةِ الثانيةِ منها فإنَّه يقطعُها؛ لأنه لم تتمَّ له هذه الصَّلاةُ، ولم تخلصْ له؛ حيث لم يدركْ منها ركعة قبلَ النَّهي عن الصَّلاةِ النافلةِ.
وهذا هو الذي تجتمع فيه الأدلَّةُ.
وقوله: «فلا صلاة إلا المكتوبة» ، ظاهرُ كلامِهِ: أنَّه لا فَرْقَ بين أن تقامَ الصَّلاةُ وأنت في المسجدِ أو في بيتِكَ، مع وجوب الجماعةِ عليك. وعلى هذا؛ فلو سمعتَ الإقامةَ وأنت في بيتِك، وقلتَ: سأصلِّي سُنَّةَ الفجرِ؛ لأنَّ الفجرَ تطول فيها القِراءةُ؛ وبيتي قريبٌ مِن المسجدِ؛ ويمكنني أن أدركَ الركعةَ الأولى، فإنَّ ذلك لا يجوزُ لعمومِ الحديثِ: «إذا أُقيمت الصَّلاةُ» [(293)]، ولأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سمعتم الإقامةَ فامشوا إلى الصَّلاةِ» [(294)]، فقوله: «فامشوا» أمْرٌ، وبناءً على ذلك: لا فَرْقَ بين أن تُقامَ الصَّلاةُ وأنت في المسجدِ، وبين أن تُقامَ وأنت في بيتِك، فمتى سمعتَ الإقامةَ وأنت في الركعة الأُولى ـ على ما اخترناه من الأقوال ـ فاقْطَعْهَا واذهبْ، وإن كنت في الثانية فأتمَّها خفيفةً، هذا ما لم تخشَ فواتَ الجماعةِ؛ لأنك إذا كنتَ خارجَ المسجدِ رُبَّما تخشى فواتَ الجماعةِ؛ ولو كنت في الركعة الثانية، فحينئذٍ اقْطَعْها؛ لأنَّ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ والنافلةُ نَفْلٌ.
وقولُ المؤلِّفِ: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، مرادُه إذا كنتَ تريدُ أنْ تصلِّيَ مع هذا الإمامِ، أما إذا كنتَ لا تريدُ أنْ تصلِّيَ معه، فلا حَرَجَ عليك أن تتنفَّلَ، فلو كان بجوارِكَ مسجدان وسمعتَ إقامةَ أحدِهما، وأردت أن تصلِّيَ الرَّاتبةَ؛ لتصلِّيَ في المسجدِ الثاني؛ فلا حَرَجَ عليك.
مسألة : إذا مَرَّ الإنسانُ بمسجدٍ جامعٍ يخطُبُ يومَ الجُمعة وهو لا يريدُ الصلاةَ معه، فهل له أن يتكلَّمَ والإمامُ يخطبُ، أو ليس له أن يتكلَّمَ؟
الجواب : له أن يتكلَّمَ؛ لأنَّه لا يريدُ الائتمامَ بهذا الإمامِ، وكذلك لو أُذِّنَ الأذانُ الثاني في هذا المسجدِ يومَ الجُمُعةِ، والمسجدُ الذي تريدُ أنْ تصلِّيَ فيه لم يؤذِّنْ، وحصلَ منك بيعٌ أو شراءٌ بعدَ نداءِ الجُمُعةِ في المسجدِ الذي لا تريدُ أن تُصلِّيَ فيه، فالبيعُ والشراءُ صحيحٌ وحلالٌ.
وَمَن كَبَّرَ قَبْلَ سَلاَمِ إِمَامِهِ لَحِقَ الجَمَاعَةَ ...........
قوله: «ومن كبّر قبل سلام إمامه لحق الجماعة» .
أي: إذا كَبَّرَ المأمومُ قبلَ سلامِ إمامه التَّسليمةَ الأُولى، فإنه يدركُ الجماعةَ إدراكاً تاماً.
ووجه ذلك: أنه أدركَ جزءاً مِن الصلاةِ، فكان له حكمُ مُدركِ الصَّلاةِ، كمَن أدركَ ركعةً، فإنَّ مَن أدركَ ركعةً، أدركَ الصَّلاةَ بمقتضى الحديثِ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال: «مَن أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاةَ» [(295)].
وقوله: «قبل سلام إمامه» المرادُ التَّسليمةُ الأُولى دون التَّسليمةِ الثانيةِ، ولهذا لو جئتَ والإمامُ قد سلَّمَ التسليمةَ الأُولى فلا تدخلْ معه، حتى إنَّ الفقهاءَ رحمهم الله صَرَّحوا: بأنه لو دَخَلَ معه بعدَ التسليمةِ الأُولى فإنَّ صلاتَهُ لا تنعقدُ ووَجَبَ عليه الإعادةُ، لأنَّه ـ أي: الإمامَ ـ لمَّا سَلَّمَ التسليمةَ الأُولى شَرَعَ في التَّحلُّلِ مِن الصَّلاةِ فلا يصحُّ أنْ تنويَ الائتمامَ به وهو قد شَرَعَ في التَّحلُّلِ مِن الصَّلاةِ.
والقول الثاني : أنَّه لا يدركُ الجماعةَ إلا بإدراكِ ركعة كاملة. وهذا اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية رحمه الله.
ودليلُه قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَن أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاةَ» ، فإنَّ منطوقَ الحديثِ أنَّ مَن أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاةَ، ومفهومُه: أنَّ مَن أدركَ دون ذلك فإنه لم يدركْ الصَّلاةَ، ولا يصحُّ قياسُ إدراكِ ما دون الركعةِ على إدراكِ الرَّكعةِ؛ لأنَّ إدراكَ الرَّكعةِ أكبر وأكثر مِن إدراكِ ما دون الرَّكعةِ، والأقلُ لا يُقاسُ على الأكبرِ والأكثرِ.
ودليلُه من حيث القياس : أنَّه لو أدركَ في الجُمُعةِ أقلَّ مِن الرَّكعةِ لزِمَه أن يتمَّها ظهراً، ولم يكن مُدركاً لها، فأيُّ فَرْقٍ بين الإدراكين[(296)]؟
وينبني على هذا: أنك لو أتيتَ إلى مسجدٍ والإمامُ قد رَفَعَ رأسَه مِن الرُّكوعِ في الركعةِ الأخيرةِ، وأنت تعلمُ أنك ستدركُ مسجداً آخر مِن أول الصَّلاةِ، أو ستدرِكُ ركعةً في المسجدِ الثَّاني فإننا نقول لك: لا تدخل مع هذه الجماعةِ؛ لأنَّك سوف تدرك جماعةً إدراكاً تاماً في مسجدٍ آخر، أما على كلامِ المؤلِّفِ فادْخُلْ مع الإمامِ؛ لأنك سوف تدركُ الجماعةَ ما دمتَ قد أدركتَ تكبيرةَ الإحرامِ قبلَ تسليمةِ الإمامِ الأُولى.
وَإِنْ لَحِقَهُ رَاكِعاً دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ وَأَجْزَأَتْهُ التَّحْرِيْمَةُ ......
قوله: «وإن لحقه» أي: لَحِقَ المأمومُ الإمامَ.
قوله: «راكعاً» حال من الضمير «الهاء» في قوله: «لَحِقَهُ» يعني: إن لَحِقَ الإمامَ راكعاً دخَلَ معه في الرَّكعةِ، ويكون قد أدركَ الرَّكعةَ.
قوله: «وأجزأته التحريمة» أي: تكبيرةُ الإحرامِ وأجزأته عن تكبيرةِ الرُّكوعِ، فيكبِّرُ مرَّةً واحدة وهو قائمٌ، ثم يركعُ بدون تكبير.
وذلك لأنَّهما عبادتان مِن جنسٍ واحدٍ اجتمعتا في آنٍ واحدٍ، فاكتُفِيَ بإحداهما عن الأخرى.
وتعليل آخر : أنه لو اشتغل بالتكبير للرُّكوعِ فرُبَّما فاته الرُّكوعُ، والمحافظةُ على الرُّكوعِ أَولى؛ لأنَّ التكبيرَ واجبٌ للرُّكوعِ، والرُّكوعُ هو الأصلُ؛ لأنه رُكْنٌ. ولهذا قالوا: لا يجب عليه أن يكبِّرَ للرُّكوعِ في هذه الحالِ، ولكن؛ التكبيرُ أفضلُ وأكملُ؛ لأنَّ المقامَ مقامُ احتياط، إذ إنه يمكن أن يقول قائل: ما دليلُكم على سقوطِ تكبيرةِ الرُّكوعِ؟ وقولُكم: «إنَّهما عبادتان مِن جنسٍ اجتمعتا في آنٍ واحدٍ» فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ تكبيرةَ الإحرامِ تكون حالَ القيامِ، وتكبيرةَ الرُّكوعِ حالَ الهويِّ للرُّكوعِ، فالمكان ليس واحداً.
والقول الثاني في المسألة : أنه يجبُ أن يكبِّر للرُّكوعِ.
ولكن هنا أمْرٌ يجبُ أن يُتفَطَّنُ له، وهو أنَّه لا بُدَّ أنْ يكبِّرَ للإحرامِ قائماً منتصباً قبل أنْ يهويَ؛ لأنَّه لو هَوى في حالِ التكبيرِ لكان قد أتى بتكبيرةِ الإحرامِ غير قائمٍ وتكبيرةُ الإحرامِ لا بُدَّ أن يكونَ فيها قائماً.
وقوله: «وأجزأته التحريمة» لم يتكلَّمْ المؤلِّفُ عن قِراءةِ الفاتحةِ، لأنَّ المشهورَ مِن المذهب أنَّه لا قِراءةَ على المأمومِ، ولهذا لو تعمَّدَ تَرْكَ قِراءةِ الفاتحةِ فصلاتُه صحيحةٌ كما سيأتي، إنْ شاءَ اللهُ.
أما على القولِ الرَّاجح؛ مِن أنَّه يجبُ على المأمومِ أنْ يقرأَ الفاتحةَ في كلِّ ركعةٍ، فإنَّ الفاتحةَ هنا تسقطُ عنه بمقتضى الدَّليلِ والتعليلِ.
أما الدليل فهو : ما رواه البخاريُّ مِن حديثِ أبي بكرةَ رضي الله عنه أَنَّه دخلَ مع النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم راكعاً ، ولم يأمرْه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بقضاءِ تلك الرَّكعةِ، فإنَّه جاءَ مسرعاً، وكَبَّرَ قبلَ أنْ يدخلَ في الصَّفِّ ورَكَعَ، ولمَّا سَلَّم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سأَلَ: مَن الفاعلُ؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال له: «زَادكَ الله حِرصاً ولا تَعُدْ»[(297)] . وقد جاءَ هذا الحديثُ مِن طريقِ غيرِ «الصحيح» وفيه: «يريدُ أن يُدرِكَ الركعةَ» [(298)] ولا شكَّ أنه لم يستعجلْ إلا خوفاً مِن أنْ تفوته الرَّكعة، ولو كان لم يدركْ الرَّكعةَ في هذا الحالِ؛ لأمرَه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يقضيَ الرَّكعةَ، فلمَّا لم يأمرْه، عُلِمَ أنها صحيحةٌ، وأنَّه معتدٌّ بها.
وأما التعليل : فهو أنَّ قراءةَ الفاتحةِ إنَّما تجبُ في حالِ القيامِ، والقيامُ هنا سَقَطَ ضرورةَ مُتابعةِ الإمامِ؛ فلمَّا سَقَطَ عنه القيامُ سَقَطَ عنه الذِّكرُ الواجبُ فيه، وهو قِراءةُ الفاتحةِ.
وَلاَ قِرَاءَةَ عَلَى مَأْمُومٍ ........
قوله: «ولا قراءة على مأموم» أي: لا يجب على المأموم أن يقرأَ مع الإِمامِ لا في صلاة السِّرِّ ولا في صلاة الجهرِ. وعلى هذا؛ فلو كَبَّر المأمومُ مع الإمامِ في أوَّلِ ركعة، وسكتَ حتى رَكَعَ الإمامُ، ثم تَابَعَ الإمامَ، وقامَ للرَّكعةِ الثانيةِ، وسكت حتى رَكَعَ الإمامُ، ثم في الثالثة والرابعة، قلنا له: إن صلاتَك صحيحةٌ؛ لأنَّه ليس على المأمومِ قراءةٌ لا فاتحةٌ ولا غير فاتحة.
والدليلُ: حديثُ: «مَنْ كان له إمامٌ فقراءةُ الإمامِ له قراءةٌ» [(299)]، وهذا عامٌّ يشمَلُ الصَّلاةَ السريةَ والصَّلاةَ الجهريةَ، وهو نصٌّ في أنَّ قِراءةَ الإمامِ قراءةٌ له.
ولكن؛ هذا الحديثُ لا يصحُّ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم كما قال ابنُ كثير رحمه الله في «تفسيره»[(300)]: «إنه رُويَ عن جابرٍ موقوفاً وهو أصَحُّ»، وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في «الفتح»[(301)]: «إنه ضعيفٌ عند الحُفَّاظ»، وإذا كان ضعيفاً سَقَطَ الاستدلالُ به؛ لأنَّ صحَّةَ الاستدلالِ بالحديثِ لها شرطان:
الشرط الأول: صحَّةُ الحديثِ إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
الشرط الثاني : صحَّةُ الدلالةِ على الحُكمِ، فإنْ لم يصحَّ عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم فهو مرفوضٌ، وإن صحَّ ولم تصحَّ الدَّلالة فالاستدلالُ به مرفوضٌ.
ثم على تقديرِ صحَّته لا يدلُّ على أن المأمومَ لا قراءةَ عليه في السِّريَّةِ والجهريةِ وإنما يدلُّ على أنَّه لا قِراءةَ عليه في الصَّلاةِ الجهرية إذا سمعها من إمامه لأنَّ قولَه: «قِراءةُ الإمامِ له قِراءة» يدلُّ على أنَّ المأمومَ استمعَ إليها فاكتفى بها عن قِراءتِهِ، ولكن الحديثُ ضعيفٌ كما سَبَقَ، ولا يحلُّ لنا أن نُسنِدَ حكماً في شريعةِ الله إلى دليلٍ ضعيفٍ؛ لأنَّ هذا مِن القولِ على اللهِ بما نعلم أنه لا يصحُّ عن اللهِ، وليس بلا عِلْمٍ، بل أشدُّ؛ لأننا إذا أثبتنا حكماً في حديثٍ ضعيفٍ، فهذا أشدُّ مِن القولِ على اللهِ بلا عِلْمٍ لأنَّنا أثبتنا ما نعلمُ أنَّه لا يصحُّ.
والقولُ الرَّاجحُ في هذه المسألةِ: أنَّ المأمومَ يجبُ عليه قراءةُ الفاتحةِ، وذلك لعمومِ قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ لمَنْ لم يقرأْ بفاتِحةِ الكتابِ» [(302)].
ومَنْ: اسم موصول، واسم الموصول يفيد العموم أي: أيَّ إنسانٍ لم يقرأ الفاتحة، فلا صلاة له سواء أكان مأموماً، أم إماماً، أم منفرداً، ولا يصحُّ أنْ يُحملَ هذا النَّفيُ على نفيِ الكمالِ لأنَّ الأصل نفيُ الصِّحةِ والإجزاءِ، لا نفيَ الكمالِ إلا بدليلٍ ولا دليل هنا على خروجهِ عن الأصلِ.
فإن قال قائلٌ: هذا الحديثُ عامٌّ، ولدينا حديثٌ عامٌّ وآيةٌ في القرآن وهي قوله تعالى: {{وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}} [الأعراف: 204] والحديثُ قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الإِمامِ: «إذا قرأ فأنصِتُوا» [(303)] يدلُّ على عمومِ الإنصاتِ سواءٌ عن الفاتحةِ أو غيرِها؟
فالجواب : نقول: هذا صحيحٌ، وأنَّه عامٌّ في الفاتحةِ وغيرِها، وأنَّ المأمومَ إذا قرأَ الإمامُ فإنَّه ينصتُ، ولكن هذا العمومُ مقيَّدٌ بعموم: «لا صلاةَ لمَنْ لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ» حيث قالَه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بعدَ أنْ انفتلَ مِن صلاةِ الفجرِ؛ حينما قرأ في صلاةِ الفجرِ، وثَقُلت عليه القراءةُ، فلما انصرفَ قال: «لعلَّكم تقرأون خلفَ إمامكم؟ قالوا: إي والله، قال: لا تفعلوا إلا بأُمِّ القرآن، فإنه لا صلاةَ لمَن لم يقرأ بها» [(304)] وهذا نصٌّ صريحٌ في الصلاةِ الجهريةِ، لأنَّ صلاةَ الفجرِ صلاةٌ جهريةٌ. وعلى هذا؛ فتكون قراءةُ الفاتحةِ في الصلاةِ مستثناةٌ مِن قوله: {{وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}} [الأعراف: 204] لأنَّ هذا عامٌّ والعامُ يدخله التَّخصيصُ، وكذلك قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «وإذا قَرأَ فأنصِتُوا» [(305)] وهذا هو المشهور مِن مذهبِ الإمامِ الشافعي رحمه الله، قال ابنُ مفلح تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهو أظهر» أي: أن وجوبَ قِراءةِ الفاتحةِ على المأمومِ حتى في الصَّلاةِ الجهريَّةِ أظهرُ، وصَدَقَ، فإنَّه أظهرُ مِن القولِ بعدمِ وجوبِ القِراءةِ على المأمومِ مطلقاً، أو في الصَّلاةِ الجهرية، فهذان قولان متقابلان، فالأقوال كما يلي:
القول الأول: أنه لا قِراءةَ على المأموم مطلقاً، وأنَّ المأمومَ لو وَقَفَ ساكتاً في كلِّ الركعات فصلاتُه صحيحةٌ، وهذا قول ضعيفٌ جداً.
القول الثاني : وجوبها على المأمومِ في كلِّ الصلواتِ السريةِ والجهريَّةِ، وهذا مقابلٌ للقولِ الأولِ.
والقول الثالث : أنها تجبُ على المأمومِ في الصَّلاةِ السريَّةِ دون الجهرية[(306)]، لأنَّ الجهريَّةَ إذا قرأ فيها الإمامُ فقراءتُه قراءةٌ للمأمومِ، والدليلُ على أن قراءتَه قراءة للمأموم: أنَّ المأموم يؤمِّنُ على قراءتِه، فإذا قال: «ولا الضالين» قال: «آمين» ، ولولا أنَّها قِراءةٌ له لم يصحَّ أن يؤمِّنَ عليها؛ لأنَّ المؤمِّنَ على الدُّعاءِ كفاعلِ الدُّعاءِ: بدليلِ أنَّ موسى عليه الصَّلاة والسَّلام لما قال: {{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأََهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ *}{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا}} [يونس: 88 ـ 89] والدَّاعي موسى بنصِّ الآيةِ، فكيف جاءتْ التثنيةُ؟ قالَ العلماءُ: لأنَّ موسى يدعو وهارون يؤمِّنُ؛ فَنَسَب اللهُ الدَّعوةَ إليهما مع أنَّ الدَّاعي واحد، لكن لما كان الثاني مُنْصِتاً له مؤمِّناً على دُعائِهِ صارت الدَّعوةُ دعوةً له. وحينئذٍ نقول: إذا قرأ الإمامُ الفاتحةَ وأنتَ مُنْصِتٌ له وأمَّنتَ عليه فكأنَّك قارىءٌ لها، وحينئذٍ لا تجبُ القراءةُ على المأمومِ في الصَّلاةِ الجهريَّةِ إذا سَمِعَ قراءةَ الإمامِ للفاتحةِ، وهذا القولُ اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابن تيمية رحمه الله.
واستدلَّ بعمومِ حديثِ أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم انصرفَ ذات يومٍ مِن صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءةِ، فقال: ما لي أُنازعُ القرآن؟ قال: فانتهى النَّاسُ عن القِراءةِ فيما يجهرُ فيه الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم[(307)] قال: وهذا عامٌّ.
واستدلَّ أيضاً: بأن المعنى يقتضي ذلك، إذ كيف نقولُ للمأمومِ اقرأْ؛ وإمامُه يقرأُ؟ فيكون جَهْرُ الإمامِ في هذه الحالِ عَبَثاً لا فائدةَ منه؛ لأنَّ الفائدةَ مِن جَهْر الإمامِ هو أنْ يستمعَ المأمومُ إليه ويتابعَه، وبهذا تتحقَّقُ المتابعةُ التامةُ، ولكن «إذا جاءَ نَهْرُ اللهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعقِلٍ» كما يقول المَثَلُ، فإذا كان النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسلامُ انصرفَ مِن صلاةِ الفجرِ وهي صلاةٌ جهريةٌ ونهاهم أنْ يقرؤوا خَلفَ الإمامِ إلا بأُمِّ القرآنِ، فلا قولَ لأحدٍ بعدَ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم.
وإلا؛ فلا شكَّ أنَّ القولَ الذي فيه التفصيلُ له وجهةُ نَظَرٍ قويةٌ مِن حيث الدليلُ النظريُّ. لكن لا يستطيعُ الإنسانُ أن يقولَ بخلافِ ما دلَّ عليه حديثُ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، وعليه أن يتهمَ رأيَه في التَّصرفِ بالأدلَّة.
وعلى هذا؛ فالقولُ الرَّاجحُ في هذه المسألة: وجوبُ قراءةِ الفاتحةِ على المأمومِ في الصَّلاةِ السِّريَّةِ والجهريَّةِ، ولا تسقطُ إلا إذا أدركَ الإمامَ راكعاً، أو أدركَه قائماً، ولم يدرك أنْ يكملَ الفاتحةَ حتى رَكَعَ الإمامُ، ففي هذه الحالِ تسَقطُ عنه[(308)].
مسألة : سَبَق إذا أدركَ الإمامَ راكعاً فإنَّ الماتنَ صَرَّحَ بأنه يكبِّرُ للإحرام؛ وتجزئُه عن تكبيرةِ الرُّكوع[(309)]، وأنه لو كَبَّرَ للرُّكوعِ لكان أفضلَ، لكن إذا أدركَهُ في غيرِ الرُّكوعِ، مثل أنْ يدركَ الإمامَ وهو جالسٌ، أو يدركِهُ بعدَ الرَّفْعِ مِن الرُّكوعِ، أو يدرِكَهُ وهو ساجدٌ فهنا يُكبِّرُ للإحرامِ، لكن هل يُكبِّرُ مرَّةً ثانية أو لا يُكبِّرُ؟
الجواب : هذا موضعُ خِلافٍ بين العلماءِ:
القول الأول : أنه يَنحطُّ بلا تكبير.
القول الثاني : أنه يَنحطُّ بتكبيرٍ.
فالذين قالوا يَنحطُّ بتكبيرٍ علَّلوا: بأنَّ هذا كما لو أدركتَ الرُّكوعَ. وإذا أدركتَ الرُّكوعَ تُكبِّرُ مرَّةً للإحرامِ ومرَّةً للرُّكوعِ، إذن؛ إذا أدركتَه جالساً فكبِّرْ للإحرامِ ثم كَبِّرْ للجلوسِ.
والذين قالوا: ينحطُّ بلا تكبير قالوا: لأنَّ انتقالَكَ مِن القيامِ إلى الرُّكوعِ انتقالٌ مِن رُكْنٍ إلى الذي يليَه فهو انتقالٌ في موضِعِهِ، لكن إذا دخلتَ مع الإمامِ وهو جالسٌ فإنَّ انتقالَك مِن القيامِ إلى الجلوسِ انتقالٌ إلى رُكْنٍ لا يليه، فلمَّا كان انتقالاً إلى رُكْنٍ لا يليَه، فلا تكبيرَ هنا؛ لأنَّ التكبيرَ إنَّما يكون في الانتقالِ مِن الرُّكْنِ إلى الرُّكْنِ الذي يليَه، وهنا الرُّكْنُ لا يليه، فلا يكبِّر، وهذا هو المشهورُ عند الفقهاءِ رحمهم الله: أنَّه ينحطُّ بلا تكبيرٍ.
ولكن مع هذا نقولُ: لو كَبَّرَ الإنسانُ فلا حَرَجَ، وإن تَرَكَ فلا حَرَجَ ونجعلُ الخِيَارَ للإنسانِ؛ لأنه ليس هناك دليلٌ واضحٌ للتَّفريقِ بين الرُّكوعِ وغيرِه، إذ مِن الجائزِ أن يقولَ قائلٌ: إنَّ القعودَ لا يلي القيامَ، لكن الذي جعلني أَقْعُدُ هو اتِّباعُ الإمامِ، فأنا الآن انتقلتُ إلى رُكْنٍ مأمورٌ بالانتقالِ إليه ولكن تبعاً للإمام لا باعتبارِ الأصلِ، وهذا لا شكَّ بأنه يؤيِّدُ القولَ بأنَّه يكبِّرُ فالذي نَرى في هذه المسألةِ أنَّ الاحتياطَ أن يكبِّرَ.
وَيُسْتَحَبُّ فِي إِسْرَارِ إِمَامِهِ وَسُكُوتِهِ،...........
قوله: «ويستحب في إسرار إمامه وسكوته» أي: يُستحبُّ للمأمومِ قراءةُ الفاتحةِ وغيرِها. «في إسرارِ إمامِهِ» وهذا في الصَّلاةِ السِّريَّةِ.
«وسكوته» وهذا في الصَّلاة الجَهريَّةِ.
فما هي السكتاتُ في الصَّلاةِ الجهرية.
الجواب : السَّكتاتُ: قبلَ الفاتحةِ في الرَّكعةِ الأُولى، وبينها وبين قراءة السُّورةِ في الرَّكعةِ الأُولى والثانية، وقبلَ الرُّكوعِ قليلاً في الرَّكعة الأُولى والثانية[(310)]. فإذا سَكَتَ الإمامَ في هذه المواضع؛ فإنَّه يقرأُ استحباباً لا وجوباً، وإذا سَكَتَ لعارضٍ، مثل: أن يُصابَ بسُعَالٍ أو عُطَاسٍ، يقرأ: لأنَّ الإمامَ لا يقرأُ.
وقال: «في إسرار إمامه وسكوته» بناءً على الغالبِ، وقد يُقالُ: إنَّ قوله: «وسكوته» يشمَلُ ما إذا سَكَتَ اختياراً أو اضطراراً.
«تنبيه» قولنا: يستحبُّ للمأمومِ قراءةُ الفاتحةِ وغيرِها، مبنيٌّ على كلامِ المؤلِّفِ، وقد سَبَقَ أنَّ قِراءةَ الفاتحةِ على المأمومِ رُكْنٌ لا بُدَّ منه فيقرؤها ولو كان الإمامُ يقرأ[(311)].
وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْد لاَ لِطَرَشٍ، وَيَسْتَفتحُ وَيَسْتَعِيذُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ إِمَامُهُ ........
قوله: «وإذا لم يسمعه لبعد» أي: ويستحبُّ أنْ يقرأَ إِذا لم يسمعْ الإمامَ لبُعْدٍ مثل: أن يكون المسجدُ كبيراً، وليس هناك مُكَبِّرُ صوتٍ فيقرأ المأمومُ إذا لم يسمعْ قراءةَ الإمامِ حتى غيرَ الفاتحةِ، ولا يسكتُ؛ لأنَّه ليس في الصَّلاةِ سكوتٌ.
قوله: «لا لطرش» الطَّرشُ: الصَّممُ، أي: لا إنْ كان لا يسمعُ لصَمَمٍ، لأنَّه إذا قرأ لصَمَمٍ غالباً أشغل الذي حولَه عن استماعِه لقراءةِ إمامِهِ، أما إذا كان لبُعدٍ فإنَّ جميعَ المصلِّين سوف يقرؤون، ولا يحصُلُ به تشويشٌ. وأيضاً: إذا لم يسمْعُه لضجَّةَ كما لو كان حولَ المسجدِ «ورش» تشتغلُ فإنَّهُ يقرأُ، لأنَّ هذا المانعُ مِن السَّماعِ عامٌّ، ليس خاصًّا به، فهو كما لو كان المانعُ البُعْدُ.
والحاصل : أنه إذا لم يسمعْ لمانعٍ خاصٍّ به وهو الصَّمَمُ؛ فإنَّه لا يقرأُ، اللَّهُمَّ إلا لو قُدِّرَ ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ أنَّ كُلَّ المأمومين طُرْشٌ، فحينئذٍ يقرأُ؛ لأنَّه في هذه الحالِ لن يُشوِّشَ على أحدٍ.
وإن كان لا يسمع الإمام لمانع عامٍّ كالبعد والضجَّة فإنه يقرأ.
قوله: «ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه» أي: أنَّ المأمومَ يقرأْ الاستفتاحَ، ويقرأُ التعوُّذَ فيما يجهرُ فيه الإمامُ، وظاهرُ كلامِهِ رحمه الله: أنه يفعلُ ذلك، وإنْ كان يسمعُ قِراءةَ الإمامِ، وهذا اختيارُ بعضِ أهلِ العِلْم. قالوا: لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم إنما نَهَى عن القِراءةِ فيما يجهرُ فيه الإمامُ بالقرآنِ. والاستفتاحُ والتعوذُ ليس بقراءةٍ. ولكن هذا القولُ فيه نَظَرٌ ظاهرٌ، لأنَّ الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قرأَ فأنِصتُوا» [(312)] وهذا عامٌّ، ولأنَّه إذا أُمِرَ بالإِنصاتِ لقراءةِ الإِمامِ حتى عن قراءة القرآن، فالذِّكْرُ الذي ليس بقرآن مِن بابِ أَولى، لأننا نعلمُ أنَّ الشارعَ إنما نَهَى عن القراءةِ في حالِ قراءةِ الإمامِ مِن أجلِ الإِنصاتِ، كما قال الله تعالى: {{وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}} [الأعراف: 204] .
فالصَّوابُ في هذه المسألةِ : أنَّه لا يستفتحُ ولا يستعيذُ فيما يجهرُ فيه الإمامُ، ولهذا قال في «الرَّوضِ» وغيرِه: «ما لم يسمعْ قِراءةَ إمامِهِ» فإذا سَمِعَ قراءةَ إمامِهِ؛ فإنَّه يسكتُ لا يستفتحُ ولا يَستعيذُ. وعلى هذا؛ فإذا دخلتَ مع إمامٍ وقد انتهى مِن قراءةِ الفاتحةِ، وهو يقرأُ السُّورةَ التي بعدَ الفاتحةِ، فإنَّه يسقطُ عنك الاستفتاحُ، وتقرأُ الفاتحةَ على القولِ الرَّاجحِ وتتعوَّذُ؛ لأنَّ التعوّذَ تابعٌ للقِراءةِ.
وَمَنْ رَكَعَ، أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إِمَامِهِ فَعَلَيهِ أَنْ يَرْفَعَ لَيَأْتِي بِهِ بَعْدَهُ ..........
قوله: «ومَن رَكَعَ، أو سَجَدَ قبل إمامِهِ فعليه أن يرفع ليأتي به بعده» .
«من» أي: أيَّ مأمومٍ رَكَعَ أو سَجَدَ قبلَ إمامِهِ فعليه أن يَرْفَعَ. أي: يرجعُ مِن رُكوعِه إنْ كان راكعاً أو سجودِه إنْ كان ساجداً ليأتيَ به بعدَه.
وقوله: «فعليه» «على» تفيدُ الوجوبَ. أي: يجبُ عليه أنْ يرجعَ ليأتيَ به بعدَه، وإنَّما وجبَ عليه الرُّجوعُ مِن أجلِ المتابعةِ، لأنَّه إذا رَجَعَ أتى به بعدَ إِمامِهِ، وهذا الرُّكوعُ أو السُّجودُ الحاصلُ قبلَ رُكوعِ الإِمامِ أَو سجودِه غيرُ مُعْتَدٍّ به شرعاً؛ لأنَّه في غيرِ محلِّه، فإنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا رَكَعَ فاركعوا، وإذا سَجَدَ فاسجُدوا» [(313)] فإذا رَكَعَ قبلَه أو سَجَدَ بعدَه فقد أتى به في غيرِ موضِعه، فيكون ملغًى، ولهذا أوجبنا عليه الرُّجوعَ ليأتي به بعدَ الإِمامِ.
وعُلِمَ مِن فحوى كلامِ المؤلِّفِ: أنَّ هذا العملَ محرَّمٌ أي: أن يركعَ المأمومُ قبلَ الإِمامِ، أو أنْ يسجدَ قبلَ الإِمامِ، وهو كذلك.
ودليلُ هذا: قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تركَعُوا حتى يركعَ، ولا تسجدُوا حتى يسجدَ» [(314)] والأصلُ في النَّهي التحريمُ، بل لو قال قائلٌ: إنَّه مِن كبائرِ الذُّنوبِ لم يُبْعِدْ؛ لقولِ النَّبيِّ: «أما يخشى الذي يرفعُ رأسَه قبلَ الإِمامِ أن يُـحَـوِّلَ اللهُ رأسَـه رأسَ حِمـارٍ، أو يجعلَ صورتَه صورةَ حِـمـارٍ» [(315)] وهذا وعيدٌ، والوعيدُ مِن علاماتِ كون الذَّنْبِ مِن كبائرِ الذُّنوبِ، وعلى هذا؛ فنقولُ: إنَّ هذا الرَّجلَ فَعَل كبيرةً مِن كبائرِ الذُّنوبِ المتوعَّدِ عليها بأن يُحَوِّلَ اللهُ رأسَه رأسَ حِمارٍ، أو يجعلَ صورتَه صورةَ حِمارٍ، وسواءً كان هذا شَكًّا مِن الرَّاوي أو تنويعاً مِن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنَّ العقوبةَ: إما أنْ يُحوَّلَ الرأسُ رأسَ حِمارٍ، أو تُجعلَ الصُّورةُ صورةَ حِمارٍ.
القول الثاني في المسألة : أنَّه إذا رَكَعَ أو سَجَدَ قبلَ إِمامِهِ عامداً فصلاتُهُ باطلةٌ، سواءٌ رَجَعَ فأتى به بعدَ الإِمامِ أم لا؛ لأنَّه فَعَلَ محظوراً في الصَّلاةِ، والقاعدةُ: أنَّ فِعْلَ المحظورِ عمداً في العبادةِ يوجبُ بطلانَها. وهذا القولُ هو الصَّحيحُ، وهذا هو الذي يقتضيه كلامُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل رحمه الله في «رسالة الصلاة» وقال: كيف نقولُ: صلاتُهُ صحيحةٌ وهو آثمٌ؟!.
فعليه أنْ يستأنفَ الصَّلاةَ، ومَن رَفَعَ مِن السجودِ أو مِن الرُّكوعِ قبلَ إمامِهِ فالحكمُ واحدٌ، فإذا رَفَعَ قبلَ رَفْعِ إمامِهِ مِن الرُّكوعِ عالماً عمداً فصلاتُهُ باطلةٌ، وإذا رَفَعَ مِن السُّجودِ كذلك فصلاته باطلَةٌ على القولِ الصحيح، أما على كلامِ المؤلِّفِ فإنَّها لا تبطلُ الصَّلاةُ، لكن يجبُ عليه أن يرجعَ ليأتيَ بذلك بعدَ الإِمامِ.
فإِنْ لَم يَفْعَلْ عَمْداً بَطَلَتْ،...........
قوله: «فإن لم يفعل عمداً بطلت» أي: لو رَكَعَ أو سَجَدَ عمداً قبلَ الإمامِ، ولم يرجعْ حتى لَحِقَهُ الإمامُ فإنَّ صلاتَه تبطلُ.
فصار إذا سَبَقَ إلى الرُّكنِ ـ على القولِ الرَّاجحِ ـ بطلتْ صلاتُه إذا كان عالماً متعمِّداً، وعلى كلامِ المؤلِّف لا تبطل، ولكن يرجعُ ليأتيَ به بعدَ إمامِهِ، فإنْ لم يفعلْ متعمِّداً بطلتْ صلاتُهُ.
وإنْ لم يفعلْ سهواً أو جهلاً فصلاتُهُ صحيحةٌ أي: رَكَعَ قبلَ الإمامِ وهو لا يعرفُ أنَّ هذا حرامٌ، ولا يعرفُ أنَّه يجبُ عليه الرجوعُ حتى لَحِقَهُ الإِمامُ فصلاتُه صحيحةٌ.
وَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوع إِمَامِهِ عَالِماً عَمْداً بَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً أَوْ نَاسِياً بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ فَقَطْ. وَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوْعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ بَطَلَتْ إِلاَّ الجَاهِلَ وَالنَّاسِيَ، وَيُصَلِّي تِلْكَ الرَّكْعَةَ قَضَاءً.
قوله: «وإن ركع ورفع قبل إمامه عالماً عمداً بطلت» ، أي: إنْ رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ ركوعِ إمامِهِ؛ بطلتْ صلاتُهُ؛ لأنَّه سَبَقَ الإِمامَ برُكنِ الرُّكوعِ، ولا يُعَدُّ سابقاً بالرّكنِ حتى ينتقلَ منه إلى الرُّكنِ الذي يليه، فلو رَكَعَ ولَحِقَهُ الإِمامُ في الرُّكوعِ فلا يُعَدُّ سابقاً للإمامِ برُكنٍ، بل نقول: إنَّه سَبَقَ الإِمامَ إلى الرُّكنِ، فإنَّ الرُّكنَ الذي يدركه فيه الإمامُ لا يُعَدُّ سابقاً به، بل سابقاً إليه.
قوله: «وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلت الركعة فقط» ، أي: إذا رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ إمامِهِ جاهلاً أو ناسياً بطلت الرَّكعةُ التي حصلَ فيها هذا السَّبْقُ فقط، فيلزمُه قضاؤها بعد سلامِ الإمامِ.
والحاصل : أنه إذا سَبَق برُكنِ الرُّكوعِ بأن رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ أن يركعَ الإمامُ، فإن كان عمداً بطلتْ صلاتُه، وإنْ كان جهلاً أو نسياناً بطلتْ الرَّكعةُ فقط؛ لأنَّه لم يقتدِ بإمامِهِ في هذا الرُّكوعِ، فصار كمَن لم يدركْهُ ففاتته الرَّكعةُ، لكن إنْ أتى بذلك بعدَ إمامِهِ صحَّت ركعتُه.
قوله: «وإن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه بطلت إلا الجاهل والناسي، ويصلّي تلك الركعة قضاء» .
أي: إنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قبل رُكوعِ إمامِهِ، ثم سَجَدَ قبلَ رَفْعِهِ بطلتْ صلاتُه؛ لأنه سَبَقَ الإمامَ برُكنينِ، لكن التمثيلُ بالركوعِ فيه شيءٌ مِن النَّظرِ، وذلك لأنَّ هذه المسألة هي القسم الثالث، وهي السَّبْقُ بالرُّكنينِ وهو إنما يكون في غيرِ الرُّكوعِ، وهذا القسم له حالان:
الأول : أن يكون عالماً ذاكراً فتبطلُ صلاتُه.
الثاني : أن يكون جاهلاً أو ناسياً فتبطلُ ركعته، إلا أنْ يأتيَ بذلك بعد إمامِهِ.
وخلاصةُ أحوالِ السَّبقِ كما يلي:
1 ـ السَّبْقُ إلى الرُّكنِ.
2 ـ السَّبْقُ برُكنِ الرُّكوعِ.
3 ـ السَّبْقُ برُكنٍ غيرِ الرُّكوعِ.
4 ـ السَّبْقُ برُكنينِ غيرِ الرُّكوعِ.
وخلاصةُ الكلام في سَبْقِ المأمومِ إمامَه أنَّه في جميعِ أقسامِهِ حرامٌ، أما مِن حيث بُطلان الصَّلاةِ به فهو أقسام:
الأول : أن يكون السَّبْقُ إلى تكبيرة الإحرامِ، بأن يكبِّرَ للإحرامِ قبلَ إمامِهِ أو معه، فلا تنعقدُ صلاةُ المأمومِ حينئذٍ، فيلزمُه أن يكبِّرَ بعدَ تكبيرةِ إمامِهِ، فإن لم يفعلْ فعليه إعادةُ الصَّلاةِ.
الثاني : أن يكون السَّبْقُ إلى رُكْنٍ، مثل: أن يركَعَ قبلَ إمامِه أو يسجدَ قبلَه، فيلزمُه أن يرجعَ ليأتيَ بذلك بعدَ إمامِهِ، فإنْ لم يفعلْ عالماً ذاكراً بطلت صلاتُهُ، وإنْ كان جاهلاً أو ناسياً فصلاتُه صحيحةٌ.
الثالث : أنْ يكونَ السَّبْقُ برُكنِ الرُّكوعِ، مثل: أن يركعَ ويرفعَ قبلَ أنْ يركعَ إمامُه، فإن كان عالماً ذاكراً بطلتْ صلاتُه، وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلتْ الرَّكعةُ فقط؛ إلا أن يأتيَ بذلك بعدَ إمامِهِ.
الرابع : أن يكون السَّبْقُ برُكنٍ غيرِ الرُّكوعِ، مثل: أن يسجدَ ويرفعَ قبلَ أنْ يسجدَ إمامُه، فيلزمُه أنْ يرجعَ ليأتيَ بذلك بعدَ إمامِهِ، فإنْ لم يفعلْ عالماً ذاكراً بطلتْ صلاتُه، وإنْ كان جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة.
الخامس : أن يكون السَّبْقُ برُكنين، مثل: أن ي |