المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الخامس
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الخامس
كتاب الجنائز
 

 

كِتَابُ الجَنَائِزِ

 

ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ «الجنائز» في كتاب «الصلاة» ولم يذكرها في الوصايا والمواريث؛ لأن الصلاة أهم ما يفعل بالميت، وأنفع ما يكون له، حيث إنه يدعى له فيها.

والجنائز: جمع جنازة، وهي بفتح الجيم وكسرها، بمعنى واحد، وقيل: بالفتح اسم للميت، وبالكسر اسم لما يحمل عليه الميت، فإذا قيل: جَنازة أي ميت، وإذا قيل: جِنازة أي نعش.

وهذا تفريق دقيق؛ لأن الفتح يناسب الأعلى، والميت فوق النعش، والكسر يناسب الأسفل والنعش تحت الميت.

وينبغي للإنسان أن يتذكر حاله ونهايته في هذه الدنيا، وليست هذه النهاية نهاية، بل وراءها غاية أعظم منها، وهي الآخرة، فينبغي للإنسان أن يتذكر دائماً الموت لا على أساس الفراق للأحباب والمألوف؛ لأن هذه نظرة قاصرة، ولكن على أساس فراق العمل والحرث للآخرة، فإنه إذا نظر هذه النظرة استعد وزاد في عمل الآخرة، وإذا نظر النظرة الأولى حزن وساءه الأمر، وصار على حد قول الشاعر:

لا طيب للعيش ما دامت منغصة

لذاته بادّكار الموت والهرم

فيكون ذكره على هذا الوجه لا يزداد به إلا تحسراً وتنغيصاً، أما إذا ذكره على الوجه الأول وهو أن يتذكر الموت، ليستعد له ويعمل للآخرة، فهذا لا يزيده حزناً، وإنما يزيده إقبالاً على الله ـ عز وجل ـ، وإذا أقبل الإِنسان على ربه فإنه يزداد صدره انشراحاً، وقلبه اطمئناناً.

مسائل:

الأولى: هل يُسْأَلُ المريض كيف يصلي وكيف يتطهر، أو نقول: إن هذا من باب التدخل فيما لا يعني؟

الجواب: الذي نرى أنه إن كان المريض من ذوي العلم الذين يعرفون، فلا حاجة أن تذكره؛ لأنه سيحمل تذكيرك إياه على إساءة الظن به، وأما إذا كان من العامة الجُهال فهنا يحسن أن يبين له؛ لأنه قد يخفى عليهم ما يحتاجون من الأحكام وقد عدت مريضاً فسألته عن حاله، فحمد الله وقال: لي شهر ونصف وأنا أجمع وأقصر الصلاة. فمثل هذا يحتاج إلى تنبيه وتعليم؛ لأنه يظن أن القصر مع الجمع، وأن من جمع قصر.

ومما ينبه عليه أيضاً: أنه اشتهر عند العامة أن من لا يستطيع الإيماء بالركوع والسجود فإنه يومئ بأصبعه، وهذا غير صحيح كما سبق بيانه.

الثانية: هل يؤمر المرضى بالتداوي؛ أو يؤمرون بعدم التداوي، أم في ذلك تفصيل؟

الجواب: قال بعض العلماء: ترك التداوي أفضل ولا ينبغي أن يتداوى الإنسان، واستدلوا لذلك بما يلي:

1 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «لما مرض وَلَدُّوه أمر بأن يُلَدَّ جميع من كان حاضراً إلا العباس بن عبد المطلب» [(228)]، قالوا: وهذا دليل على أنه كره فعلهم. واللدود: ما يُلَدُّ به المريض وهو نوع من الدواء.

2 ـ أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ «لما مرض، وقيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: إن الطبيب قد رآني، فقال: إني أفعل ما أريد» ، وأبو بكر هو خير الأمة بعد نبيها وهو قدوة وإمام.

وقال بعض العلماء: بل يسنّ التداوي لما يلي:

1 ـ أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك.

2 ـ أنه من الأسباب النافعة.

3 ـ أنَّ الإِنسان ينتفع بوقته، ولا سيما المؤمن المغتنم للأوقات، كل ساعة تمر عليه تنفعه.

4 ـ أن المريض يكون ضيق النفس، لا يقوم بما ينبغي أن يقوم به من الطاعات، وإذا عافاه الله انشرح صدره وانبسطت نفسه، وقام بما ينبغي أن يقوم به من العبادات، فيكون الدواء إذاً مراداً لغيره فيسنّ.

وقال بعض العلماء: إذا كان الدواء مما علم أو غلب على الظن نفعه بحسب التجارب فهو أفضل، وإن كان من باب المخاطرة فتركه أفضل.

لأنه إذا كان من باب المخاطرة فقد يحدث فيه ما يضره، فيكون الإِنسان هو الذي تسبب لنفسه بما يضره، ولا سيما الأدوية الحاضرة (العقاقير) التي قد تفعل فعلاً مباشراً شديداً على الإِنسان بسبب وصفة الطبيب الخاطئة.

وقال بعض العلماء: إنه يجب التداوي إذا ظُن نفعه.

والصحيح: أنه يجب إذا كان في تركه هلاك، مثل: السرطان الموضعي، فالسرطان الموضعي بإذن الله إذا قطع الموضع الذي فيه السرطان فإنه ينجو منه، لكن إذا ترك انتشر في البدن، وكانت النتيجة هي الهلاك، فهذا يكون دواء معلوم النفع؛ لأنه موضعي يقطع ويزول، وقد خَرَّبَ الخَضِرُ السفينةَ بخرقها لإِنجاء جميعها، فكذلك البدن إذا قطع بعضه من أجل نجاة باقيه كان ذلك واجباً.

وعلى هذا فالأقرب أن يقال ما يلي:

1 ـ أن ما عُلم، أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه، فهو واجب.

2 ـ أن ما غلب على الظن نفعه، ولكن ليس هناك هلاك محقق بتركه فهو أفضل.

3 ـ أن ما تساوى فيه الأمران فتركه أفضل؛ لئلا يلقي الإِنسان بنفسه إلى التهلكة من حيث لا يشعر.

الثالثة: التداوي بالمحرم لا يجوز لنهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك حيث قال: «تداووا ولا تداووا بحرام» [(229)]، ولعموم الأدلة في تحريم المحرم، فهي عامة وليس فيها تفصيل، ولأنه لو كان فيه خير لم يمنع الله العباد منه، بل أحله لهم.

الرابعة: قال في الروض: «ويكره أن يستطب مسلم ذمياً لغير ضرورة، وأن يأخذ منه دواء لم يبيّن له مفرداته المباحة» . أي: يكره أن تذهب إلى ذمي أي: يهودي أو نصراني عقدنا له الذمة لتتداوى عنده؛ لأنه غير مأمون، وإذا كان كذلك فجعل هؤلاء مسؤولين على أطباء مسلمين من باب أولى؛ لأن المسؤول له كلمته، وربما يوجه إلى شيء محرم، أو إلى شيء يضر المسلمين، ولهذا نقول: إن استطباب غير المسلمين لا يجوز إلا بشرطين:

الأول: الحاجة إليهم.

الثاني: الأمن من مكرهم؛ لأن غير المسلمين لا نأمن مكرهم إلا نادراً، ولا سيما في قضية الولادة أي التوليد؛ لأن هؤلاء النصارى في التوليد يحرصون على أن يقتلوا أولاد المسلمين، أو أن يمزعوا أيديهم عند إخراج الطفل في التوليد كما نقل لي بعض الناس، لذلك يجب التحرز منهم وسؤال الله ـ عز وجل ـ أن يرزقنا الاستغناء عنهم؛ لأنهم أعداء للمسلمين فإذا احتاج الناس إليهم وأمنوا منهم فلا بأس، فإن النبي عليه الصلاة والسلام استعمل دليلاً مشركاً يدله على الطريق من مكة إلى المدينة وقت الهجرة، مع أن هذا من أخطر ما يكون، فإن قريشاً كانوا يطلبون النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر ـ رضي الله عنه ـ، ولكن لما أمنه النبي عليه الصلاة والسلام جعله دليلاً له[(230)].

الخامسة: اختلفوا في حكم التداوي ببول الغنم، فالمذهب أنه لا يجوز التداوي إلا ببول الإبل، وقيل: يجوز التداوي ببول كل ما يؤكل لحمه، وقيل: لا يجوز التداوي بالبول مطلقاً حتى ببول الإبل؛ لأنه نجس عندهم، وذلك لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول» [(231)]، لكن هذا قول ضعيف؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: «فكان لا يستبرئ من بوله» . والتداوي ببول الإبل ثبتت به السنة في قصة العرنيين[(232)]، وقياس ذلك أنه لو ثبت أن في أبوال الغنم فائدة فإنه لا فرق بينهما وبين أبوال الإبل.

 

تُسَنُّ عِيَادَةُ المَرِيضِ ............

قوله: «تسنّ عيادة المريض» ، السنة عند الفقهاء: ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه. فهي من الأمور المرغب فيها، وليست من الأمور الواجبة.

وقول المؤلف: «عيادة المريض» ولم يقل: زيارة؛ لأن الزيارة للصحيح، والعيادة للمريض، وكأنه اختير لفظ العيادة للمريض من أجل أن تكرر؛ لأنها مأخوذة من العود، وهو: الرجوع للشيء مرة بعد أخرى، والمرض قد يطول فيحتاج الإِنسان إلى تكرار العيادة.

وقول المؤلف: «عيادة المريض» (أل) هنا للجنس أي: من أصابه جنس المرض، وهي أيضاً باعتبار المريض عامة، فهي باعتبار المرض للجنس، وباعتبار المريض الذي أصابه المرض للعموم؛ لأنها اسم محلى بأل، والاسم المحلى بأل يفيد العموم، على أن بعض النحويين يقولون: إن أل اسم موصول؛ لأنه إذا كان اسم فاعل أو اسم مفعول مقروناً بأل فإن أل عندهم بمعنى اسم الموصول.

إذاً عندنا عمومان:

الأول: المرض، لأن (أل) للجنس.

الثاني: المصاب بالمرض.

أما المرض فالمراد من مرض مرضاً يحبسه عن الخروج مع الناس، فأما إذا كان لا يحبسه فإنه لا يحتاج إلى عيادة؛ لأنه يشهد الناس ويشهدونه، إلا إذا علم أن هذا الرجل يخرج إلى السوق أو إلى المسجد بمشقة شديدة، ولم يصادفه حين خروجه، وأنه بعد ذلك يبقى في بيته، فهنا نقول: عيادته مشروعة.

فالمرض بالزكام مرض لا شك، فإن حبس الإِنسان دخل في هذا، وإن لم يحبسه كما هو الغالب الكثير فإنه لا يحتاج إلى عيادة، والمريض بوجع الضرس إن حبس في بيته عدناه، وإن خرج وصار مع الناس لا نعوده، لكن لا مانع أن نسأل عن حاله إذا علمنا أنه مصاب بمرض الضرس، والمريض بوجع العين كذلك ينسحب عليه الحكم، إذا كان المرض قد حبسه فإنه يعاد، وإن كان يخرج مع الناس لا يعاد، لكن يسأل عن حاله.

وأما المصاب بالمرض فإن كان غير مسلم فلا يعاد، إلا إذا اقتضت المصلحة ذلك بحيث نعوده لنعرض عليه الإِسلام، فهنا تشرع عيادته إما وجوباً وإما استحباباً، وقد ثبت أنه «كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي صلّى الله عليه وسلّم فمرض فأتاه النبي صلّى الله عليه وسلّم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم صلّى الله عليه وسلّم فأسلم، فخرج النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» [(233)].

وأما الفاجر من المسلمين أعني الفاسق بكبيرة من الكبائر أو بصغيرة من الصغائر وأصر عليها، ففيه تفصيل أيضاً، فإذا كنا نعوده من أجل أن نعرض عليه التوبة ونرجو منه التوبة، فعيادته مشروعة إما وجوباً وإما استحباباً، وإلا فإن الأفضل ألا نعوده، وقد يقال: بل عيادته مشروعة ما دام أنه لم يخرج من وصف الإِيمان أو الإِسلام؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «حق المسلم على المسلم خمس» [(234)]، وفي رواية: «ست» [(235)]. وذكر منها عيادة المريض.

وتشمل عيادة المريض القريب والبعيد، أي: القريبَ لك بصلة قرابة، أو مصاهرة، أو مصادقة، والبعيد للعموم؛ لأن هذا حق مسلم على مسلم لا قريب على قريب، ولكن كلما كانت الصلة أقوى كانت العيادة أشد إلحاحاً وطلباً، ومن المعلوم أنه إذا مرض أخوك الشقيق فليس كمرض ابن عمك البعيد، وكذلك إذا مرض من بينك وبينه مصاهرة أي: صلة بالنكاح فليس كمن ليس بينك وبينه مصاهرة، وكذلك الذي بينك وبينه مصادقة ليس كمن ليس بينك وبينه مصادقة، فالحقوق هذه تختلف باختلاف الناس.

وقوله: «تسنّ» ظاهره أنَّه سنة في حق جميع الناس، ولكن ليس هذا على إطلاقه؛ فإن عيادة المريض إذا تعينت براً أو صلة رحم صارت واجبة لا من أجل المرض، ولكن من أجل القرابة، فلا يمكن أن نقول لشخص مرض أبوه: إن عيادة أبيك سنة، بل واجبة؛ لأنها يتوقف عليها البر، وكذا عيادة الأخ؛ لأن الوجوب ليس لأجل المرض، ولكن من أجل الصلة في القرابة، أما من لا يعد ترك عيادته عقوقاً أو قطيعة فإن المؤلف يقول: إنه سنة.

وقال بعض العلماء: إنه واجب كفائي أي: يجب على المسلمين أن يعودوا مرضاهم، وهذا هو الصحيح؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعلها من حق المسلم على المسلم[(236)]، وليس من محاسن الإِسلام أن يمرض الواحد منا ولا يعوده أحد، وكأنَّه مَرِضَ في برية، فلو علمنا أن هذا الرجل لا يعوده أحد فإنه يجب على من علم بحاله وَقَدِرَ أن يعوده.

وعيادةُ المريض مَعَ كونها من أداء الحقوق على المسلم لأخيه ففيها جلب مودة وألفة لا يتصورها إلا من مرض ثم عاده إخوانه، فإنه يجد من المحبة لهؤلاء الذين عادوه شيئاً كثيراً، فتجده يتذوقها، ويتحدث بها كثيراً، ففيها مع الأجر تثبيتُ الألفةِ بين المسلمين.

قوله: «تسنّ عيادة المريض» ولم يبيِّن المؤلف في أي وقت يعاد المريض، ولم يبيّن هل يتحدث عنده، ويتأخر في المقام، أو لا يتحدث، ويتعجل في الانصراف؟

فنقول: عدم ذكرها أحسن، أما بالنسبة للزمن المناسب فيختلف بحسب ما تقتضيه حالة المريض ومصلحته، ولا نقيدها بأنها بكرة أو عشياً كما قيدها بعض العلماء، بل نقول: إن هذه ترجع إلى أحوال الناس، وهي تختلف بحسب حال المريض، فإذا قدرنا أن المريض قد جعل له وقتاً يجلس فيه للناس فليس من المناسب أن نعوده في غير هذا الوقت؛ لأن تخصيصه لزمن يعوده فيه الناس، يدل على أنه لا يرغب في غير هذا، وإلا لجعل الباب مفتوحاً.

وأما بالنسبة لكونه يتأخر عند المريض ويتحدث إليه، أو يعوده ثم ينصرف بسرعة فهذه أيضاً ينبغي ألا تقيد، وإن كان بعض العلماء يقول: الأفضل ألا تتأخر وأن تبادر بالانصراف؛ لأن المريض قد يثقل عليه ذلك، وكذلك أهل المريض ربما يثقل عليهم البقاء عنده؛ لأنهم يحبون أن يأتوا إلى مريضهم.

ولكن الصحيح في ذلك أنه يرجع إلى ما تقتضيه الحال والمصلحة، فقد يكون هذا المريض يحب من يعوده سواء محبة عامة أو محبة خاصة لشخص معين، ويرغب أن يبقى عنده، ويتحدث إليه، ولا سيما إذا أنس بك المريض، ورأيت أنه يحب أن تتحدث إليه، مثل أن يسألك عن أحوال الناس مثلاً، أو عن أشياء يحب أن يطلع عليها، فهنا ينبغي لك أن تمكث عنده، أما إذا علمت من حاله أنه يرغب ألا تبقى كثيراً، مثل: أن تراه يتململ، وأن صدره ضائق فهنا تخرج ولا تبقى؛ لأنك تعلم أنه لا يريد أن تبقى عنده، والناس يختلفون، لا المرضى ولا العائدون.

ولهذا أنا أرى أن إطلاق المؤلف هذا الإِطلاق بدون تقييد بزمن ولا ببقاء من أحسن ما فعل ـ رحمه الله ـ.

مسألة: الاتصال بالهاتف لا يغني عن العيادة؛ لا سيما مع القرابة، أما إن كان بعيداً يحتاج لسفر فتغني.

 

وَتَذْكِيرُه التَّوْبَةَ، وَالْوَصِيَّةَ ............

قوله: «وتذكيره التوبة والوصية» ، أي: ويسنّ أن يذكره التوبة والوصية، فالتوبة من المعاصي والمظالم، سواء كان ذلك فيما يتعلق بحق الله ـ عز وجل ـ، أو بحقوق العباد، ويؤكد على حقوق العباد، ويبيّن له أنه إن لم يقضها في الدنيا ويتب إلى الله منها في الدنيا، فسوف تؤخذ من حسناته يوم القيامة التي هو أحوج الناس إليها، وأيضاً يذكره بأن الورثة كثير منهم لا يخافون الله ولا يرحمون الميت، فتجدهم يلعبون بالمال، والميت محبوس بدينه؛ من أجل أن يحرص على أداء المظالم قبل أن يموت.

ويذكره أيضاً الوصية، وليس المراد بالوصية ما يفهمه كثير من العامة من أنها الوصية بالعشاء والضحية، كما هو عندنا في نجد، فأكثر الوصايا عندنا هي: أوصى بثلث ماله أو بجزء منه يقدره بعشاء وأضحية، ويستدلون بالحديث الضعيف: «استفرهوا ضحاياكم فإنها مطاياكم على الصراط» [(237)]، أي: اتخذوا ضحايا فارهة، فإنها مطاياكم، فيقول: أنا أحب أن يكون لي مطية يوم القيامة، فأوصي بالأضحية. وليس هذا هو مراد العلماء.

وأهم شيء أن يوصي بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق العباد، فقد يكون عليه زكاة لم يؤدها، وقد يكون عليه حج لم يؤده، وقد يكون عليه كفارة، وقد يكون عليه ديون للناس فيذكر بالوصية بهذا.

ويذكر بوصية التطوع، فيقال: لو أوصيت بشيء من مالك في وجوه الخير تنتفع به، وأحسن ما يوصي به للأقارب غير الوارثين؛ لأن الذي يترجّح عندي: أن الوصية للأقارب غير الوارثين واجبة؛ لأن الله قال: {{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ *}} [البقرة] ، وخص الوارث بآيات المواريث، ويبقى ما عداه على الأصل وهو الوجوب.

والصحيح: أن الآية محكمة لا منسوخة، وعلى هذا فيوصي بما شاء، بالخمس مثلاً، فيقول: أنا أوصيت بالخمس يعطي الوصي منه ما يرى لأقاربي غير الوارثين، والباقي لأعمال الخير، وإذا كان له أقارب غير وارثين فقراء فهم أحق بالخمس كله.

وظاهر كلام المؤلف: يدل على أنه يذكر بذلك، سواء كان المرض مخوفاً أو غير مخوف، وسواء كان المريض يرتاع بذلك أو لا؛ لأن بعض المرضى إذا قلت له: تب إلى الله، واستغفره وانظر إلى المظالم التي عليك فأوصِ، تُدْني إليه الموت وربما يموت؛ لأنه سيقول: هذا رأى فيّ الموت.

وبعض الناس يكون عنده يقين ولا يهتم بهذا الشيء، ويعرف أن الوصية لا تقرب الأجل، وترك الوصية لا يبعد الأجل، وكذلك الأمر بالتوبة.

وقال بعض العلماء: لا يذكره بذلك إلا إذا كان مرضه مخوفاً.

وفصل بعضهم فقال: أما التوبة فيذكره بها مطلقاً، ولو كان المرض غير مخوف؛ لأن التوبة مطلوبة في كل حال، والوصية لا يذكره بها إلا إذا كان المرض مخوفاً.

والذي يظهر لي أنه يذكره مطلقاً ما لم يخف عليه؛ وذلك لأن التوبة مشروعة في كل وقت، والوصية كذلك، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» [(238)]، ولو كان صحيحاً ينبغي له إذا ذكره الوصية أن يبيّن له الوصية المشروعة، التي ليس لها آثار سيئة، بأن يقول: أوص بما أراد الله في الأقارب لغير الوارثين، على نظر الوصي، ولبناء مساجد، أو شراء كتب، أو ما شابه ذلك، وتكون وصية منجزة لا تتأخر، وكذا إذا عرف من حال المريض أنه متهاون بمظالم الناس، وبما أوجب الله عليه، فينبغي أن يذكره على وجه لا يزعجه؛ لأن المريض ضعفت نفسه.

مثلاً: إذا كان مديناً يحسن أن يقال: كتابة الديون والإِشهاد عليها حسن، والآجال بيد الله، وما أشبه.

ويبيّن له مسألة هامة يهملها كثير من كتّاب الوصايا، فيكتب «وهذه الوصية ناسخة لما قبلها، أو سبقها»؛ لأننا وجدنا أن بعض الموصين يوصي بوصيتين: وصية سابقة فيها أشياء يطلب تنفيذها، ووصية لاحقة فيها أشياء يطلب تنفيذها، غير الأشياء الأولى، فيحصل بذلك تضارب وارتباك عند الأوصياء، ولهذا ينبغي كلما كتب وصية أن يقول: «وهذه الوصية ناسخة لما سبقها»؛ حتى لا يرتبك الوصي، وحتى لا يحصل تضارب الوصايا ويرتاح الإنسان، وهذه كلمة لا تضر، وإن كان قد يقول قائل: العبرة بالوصية الأخيرة؛ لأن المتأخر ناسخ، ولكن نقول: إذا أمكن الجمع فلا نسخ، وقد تكون الوصايا في الأولى كثيرة وفي الثانية كثيرة ولا يمكن الجمع بينهما.

ويسن إذا عاد مريضاً أن يرقيه، لا سيما إذا كان المريض يتشوف لذلك.

 

وَإِذَا نُزِلَ بِهِ سُنَّ تَعَاهُدُ بَلِّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ،............

قوله: «وإذا نزل به» ، أي: نزل به الملك لقبض روحه، والملك الذي يقبض الروح هو ملك واحد يسمى «ملك الموت» لقوله تعالى: {{قُلْ يَتَوفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}} [السجدة: 11] ، وتسميته (عزرائيل) لم تثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما هي من أخبار بني إسرائيل، ولم يثبت من أسماء الملائكة إلا خمسة أسماء، وهي: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، ومالك، ورضوان، فهذه هي الأسماء الثابتة فيمن يتولون أعمال العباد، فأما (منكر ونكير) اللّذان يسألان الميت في قبره، فقد أنكرهما كثير من أهل العلم، ولكن وردت فيهما آثار.

والمهم: أن ملك الموت لا يسمى عزرائيل؛ لأنه لم يثبت عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهذا من الأمور الغيبية التي يتوقف إثباتها ونفيها على ما ورد به الشرع.

ثم إن ملك الموت له أعوان يعينونه على إخراج الروح من الجسد حتى يوصلوها إلى الحلقوم، فإذا أوصلوها إلى الحلقوم قبضها ملك الموت، وقد أضاف الله تعالى الوفاة إلى نفسه، وإلى رسله أي: الملائكة، وإلى ملك واحد، فقال الله تعالى: {{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}} [الزمر: 42] ، وأضافها إلى ملك واحد في قوله تعالى: {{قُلْ يَتَوفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}} [السجدة: 11] ، وإلى الملائكة في قوله: {{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}} [الأنعام: 61] ، ولا معارضة بين هذه الآيات، فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه واقع بأمره، وأضافه إلى الملائكة؛ لأنهم أعوان لملك الموت، وأضافه إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي تولى قبضها من البدن.

قوله: «سُنَّ تعاهد بلّ حلقه بماء أو شراب» ، أي: يسن أن يتعاهد الإِنسان بلَّ حلق المحتضَر بماء أو شراب، ولكن ليس بالماء الكثير؛ لأن الماء الكثير ربما يشرقه ويتضرر به، ولكن بماء قليل نقط تنقط بحلقه، وذلك من أجل أن يسهل عليه النطق بالشهادة؛ لأن المقام مقام رأفة بهذا المريض الذي بين يديك، فاسلك كل طريق يكون به أرفق.

وقول المؤلف: «بماء أو شراب» الماء معروف، والشراب: ما سوى الماء مثل العصير أو شبهه، المهم الشيء الذي يصل إلى حلقه ويبلّه.

 

وَتندَّى شَفَتَاه بِقُطْنَةٍ وَتَلْقِينُهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مَرَّةً ............

قوله: «وتندّى شفتاه بقطنة» ، أي: أن الحاضر ينبغي له مع تنقيط الماء في حلق المحتضَر أن يندي شفتيه بقطنة؛ لأن الشفة يابسة، والحلق يابس فيحتاجان إلى تندية.

قوله: «وتلقينه لا إله إلا الله مرة» ، أي: تعليمه إياها كما يلقن التلميذ.

وهل يقولها بلفظ الأمر، فيقول: قل: «لا إله إلا الله» أو يقولها بدون لفظ الأمر بأن يذكر الله عنده حتى يسمعه؟

الجواب: ينبغي في هذا أن ينظر إلى حال المريض، فإن كان المريض قوياً يتحمل، أو كان كافراً فإنه يؤمر فيقال: قل: لا إله إلا الله، اختم حياتك بلا إله إلا الله، وما أشبه ذلك.

وإن كان مسلماً ضعيفاً فإنه لا يؤمر، وإنما يذكر الله عنده حتى يسمع فيتذكر، وهذا التفصيل مأخوذ من الأثر، والنظر.

أما الأثر فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر عمه أبا طالب عند وفاته أن يقول: لا إله إلا الله، قال: يا عم قل: لا إله إلا الله» [(239)].

وأما النظر: فلأنه إن قالها فهو خير، وإن لم يقلها فهو كافر، فلو فرض أنه ضاق صدره بهذا الأمر ولم يقلها فهو باق على حاله لم يؤثر عليه شيئاً، وكذا إذا كان مسلماً وهو ممن يتحمل فإن أمرناه بها لا يؤثر عليه، وإن كان ضعيفاً فإن أمرناه بها ربما يحصل به رد فعل بحيث يضيق صدره، ويغضب فينكر وهو في حال فِراق الدنيا، فبعض الناس في حال الصحة إذا قلت له قل: لا إله إلا الله، قال: لن أقول: لا إله إلا الله، فعند الغضب يغضب بعض الناس حتى ينسى، فيقول: لا أقول: لا إله إلا الله، فما بالك بهذه الحال؟

قوله: «تلقينه لا إله إلا الله» ولم يقل: محمداً رسول الله؛ لأن هذا هو الذي ورد فيه الحديث: «لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله» [(240)]، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة» [(241)]. فكلمة التوحيد مفتاح الإِسلام، وما يأتي بعدها فهو من مكملاتها وفروعها.

ولو جمع بين الشهادتين؛ فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا يمنع هذا من أن يكون آخر كلامه من الدنيا «لا إله إلا الله» ؛ لأن الشهادة للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالرسالة تابع لما قبلها ومتممٌ له، ولهذا جعلها النبي صلّى الله عليه وسلّم مع الشهادة لله بالألوهية ركناً واحداً، فلا يعاد تلقينه، وظاهر الأدلة أنه لا يكفي قول المحتضَر: أشهد أن محمداً رسول الله، بل لا بد أن يقول: لا إله إلا الله.

 

وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلاَثٍ إِلاَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ، فَيُعِيدُ تَلْقِينَهُ بِرِفْقٍ، وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ «يَس»......

قوله: «ولم يزد على ثلاث» أي: لم يلقنه أكثر من ثلاث؛ لأنه لو زاد على ذلك ضجر؛ لأنه سيقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ثم يسكت، فلو كرر ربما يتضجر المريض؛ لأنه بحال صعبة لا يدركها إلا من كان على هذه الحال، ولأن من عادة النبي صلّى الله عليه وسلّم غالباً أنه إذا تكلم تكلم ثلاثاً، وإذا سلم سلم ثلاثاً، وإذا استأذن استأذن ثلاثاً، فالثلاث عدد معتبر في كثير من الأشياء.

قوله: «إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه برفق» .

«إلا أن يتكلم» الفاعل المريض المحتضَر، فإذا تكلم بعد أن قال: لا إله إلا الله فإنه يعيد تلقينه، لكن برفق كالأول.

قوله: «فيعيدُ» بالرفع على الاستئناف؛ لأنها لا تصلح للعطف، والاستئناف بالفاء كثير، ومنه قوله تبارك وتعالى: {{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ}} [البقرة: 284] .

والمعنى يفسد فيما لو قلنا: «فيعيدَ» بالنصب عطفاً على «يتكلم»؛ لأن المعنى يكون إلا أن يتكلم فإنه يعيد، وهذا ليس هو المقصود؛ لأن المقصود إلا أن يتكلم فإذا تكلم أعاد تلقينه برفق.

قوله: «ويقرأ عنده {{يس *}} » ، أي: يقرأ القارئ عند المحتضَر سورة {{يس *}} لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اقرؤوا على موتاكم يس» [(242)]، هذا الحديث مختلف فيه، وفيه مقال، ومن كان عنده هذا الحديث حسناً أخذ به. وقوله عليه الصلاة والسلام: «اقرؤوا على موتاكم» ، أي: من كان في سياق الموت، وسمي ميتاً باعتبار ما يؤول إليه، وتسمية الشيء بما يؤول إليه وارد في اللغة العربية، ومنه قول الرائي ليوسف: {{إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}} [يوسف: 36] ، وهو لا يعصر خمراً، وإنما يعصر عنباً يكون خمراً.

وقد ذكر بعض العلماء أن من فائدة قراءة يس تسهيل خروج الروح؛ لأن فيها تشويقاً، مثل قوله تعالى: {{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ}} [يس: 26] ، والتشويق للجنة فيه تسهيل لخروج الروح، ولهذا إذا بُشّر ـ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن تبشّر روحه بالجنة ـ إذا بشّر بالجنة سهل عليه، وأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه. وفيها: {{إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ *هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ *}} [يس] ، وفي آخرها إثبات قدرة الله ـ عز وجل ـ على إحياء الموتى.

ولكن هل يقرؤها سراً أو جهراً، أو في ذلك تفصيل؟

الجواب: قوله: «اقرؤوا على موتاكم» [(243)]، يقتضي أن تكون قراءتها جهراً، ولا سيما إذا قلنا: إن العلة تشويق الميت لما يسمعه في هذه السورة، ولكن إذا كان يخشى على المريض من الانزعاج، وأنه إذا سمع القارئ يقرأ سورة {{يس *}}، أو كان في شك في كون الإِنسان في النزع فلا يرفع صوته بها، وإن كان جازماً، فالإِنسان الذي يكثر حضور المحتضَرين يعرف أنه احتُضِر أو لا، فإذا عرف أنه في سياق الموت فإنه يقرؤها بصوت مرتفع، ولا حرج في هذا، لأن الرجل يُحْتَضَر.

وهذه القراءة لا يكون معها نفث على المحتضَر؛ لأنه لم يرد.

 

وَيُوَجِّهُهُ إِلَى القِبْلَةِ فَإِذَا مَاتَ سُنَّ تَغْمِيضُهُ،............

قوله: «ويوجّهه إلى القبلة» أي: من حضر الميت يوجّه الميت إلى القبلة، أي: يجعل وجهه نحو القبلة، وذلك أن المحتضَر إما أن يستدبر القبلة، أو يكون رأسه نحو القبلة أو بالعكس، أو يستقبلها، والأخيرة أفضل الأحوال. وهذا يقتضي أن يكون على جنبه الأيمن، أو الأيسر حسب ما هو متيسر؛ لأن المجلس الذي يستقبل فيه الإنسان القبلة هو أفضل المجالس، كما يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أشرف مجالسكم ما استقبلتم به القبلة» [(244)]؛ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً» [(245)]، وهذا يشمل الميت المحتضر والميت بعد دفنه في القبر، وكلا الحديثين ضعيف، لكن يشهد له ما أخرجه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة ـ رضي الله عنه ـ أن البراء بن معرور أوصى عند موته أن يستقبل به القبلة فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أصاب الفطرة» [(246)]. فهذا يشهد للحديثين السابقين، وإلا فإن الذي يظهر من عمل النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة أنهم لا يتقصدون أن يوجّه المحتضَر إلى القبلة، ومن ذلك ما حصل للنبي صلّى الله عليه وسلّم عند موته حيث مات في حجر عائشة، ولم يُذْكر أنها استقبلت به القبلة[(247)]، وإنما هذه الأحاديث، وإن كانت ضعيفة فربما تصل إلى درجة الحسن فتكون مقبولة.

قوله: «فإذا مات سنّ تغميضه» ، كل ما تقدم من الكلام محله قبل الموت، فإذا مات فإنه تشرع في حق الميت أمور:

أولها: تغميض الميت، أي: إذا تحققنا موته، والإِنسان إذا مات شخص بصره، أي: انفتح يتبع روحه أين تذهب، فإذا مات فإنه سوف يشخص بصره، فيسنّ تغميضه، ولذلك دليلان: أثري، ونظري.

أما الأثري: ففعل النبي صلّى الله عليه وسلّم بأبي سلمة، «فإنه لما دخل على أبي سلمة ورأى بصره قد شخص قال: إن الروح إذا قبض اتبعه البصر، فسمعه من في البيت فضجوا» ، أي: علموا أن الرجل قد مات، «فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون» [(248)]؛ لأنه من عادة الجاهلية أنه عند المصائب يدعون على أنفسهم بالشر، فيقولون: واثبوراه، وانقطاع ظهراه، وما أشبه ذلك من الكلمات المعروفة عندهم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لأهل أبي سلمة: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون» ، وإِنَّ دعاءً تؤمِّن عليه الملائكة لحريٌّ بالإِجابة، ولا سيما في هذه الحال التي يكون فيها الإِنسان مصاباً خاضعاً خاشعاً مفتقراً إلى ربه، عارفاً أنه لا ينجيه من هذه المصيبة إلا الله، فيكون حرياً بالإِجابة، ولهذا سُخِّرت الملائكة لتؤمِّن على دعائه، ثم قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه، واخلفه في عقبه في الغابرين» ، دعوات عظيمة خير من الدنيا وما فيها، دعا له بهذه الدعوات الخمس، والأخيرة منها علمت، فإن الله تعالى خلفه في عقبه حيث سخر نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن يتزوج أم سلمة، ويكون أبناء أبي سلمة ربائب لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وما لم نعلمه من المغفرة، ورفع درجته في المهديين، والفسح له في قبره، وتنويره، فإننا نرجو أن يكون كذلك.

وأما النظري: فهو: لدفع تشويه الميت؛ لأنه إذا كان البصر شاخصاً ففيه تشويه، فالذي ينظر إليه يجده مشوهاً، ففي تغميضه إزالة لهذا التشويه.

قال العلماء: وفيه أيضاً حجب الهوام أن تصل إلى حدقة العين، ولكن هذا تعليل بعيد؛ لأن الميت لن يبقى حتى تتسلط عليه الهوام؛ ولأنه سيأتي أنه يغطى، فالذباب وشبهه لن يصل إليه، لكن التعليل الأول الذي ذكرناه هو الأولى، وهو: درء التشويه؛ لأن الميت سوف يغسل، وسوف يكشف فإذا كشف وقد حصل له هذا يكون مشوهاً، وربما يتوجّه ما قاله بعض العلماء في منع الهوام من الوصول إلى الحدقة فيما إذا دفن في القبر؛ لأنه إذا بقي البصر منفتحاً ثم برد الميت لا يمكن أن ينضم بعد هذا فيبقى منفتحاً إلى أن يشاء الله.

وينبغي عند التغميض أن يدعو بما دعا به النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبي سلمة فيقول: «اللهم اغفر لفلان، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه، واخلفه في عقبه» كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، فيكون هنا سنّة فعلية وسنّة قولية، الفعلية هي: تغميض العينين. والقولية هي: هذا الدعاء.

 

وَشَدُّ لِحْيَيْهِ وَتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ،............

قوله: «وشد لحييه» ، هذا هو الأمر الثاني مما يفعل بالميت، وهو: شد لحييه، أي: ربطهما، واللحيان: هما العظمان اللذان هما منبت الأسنان فليشدهما بحبل،أو بخيط، أو بلفافة؛ لأنه إذا لم يربطهما فربما ينفتح الفم، فإذا شدهما وبرد الميت بقي مشدوداً.

وهذا ليس فيه دليل أثري فيما أعلم، لكن فيه دليلاً نظرياً: وهو: درء تشويه الميت من وجه.

والوجه الثاني: حفظ باطنه من دخول الهوام عليه، ولو في القبر.

قوله: «وتليين مفاصله» ، هذا هو الأمر الثالث، وهو: تليين مفاصل الميت، أي: أن يحاول تليينها، والمراد مفاصل اليدين والرجلين، وذلك بأن يرد الذراع إلى العضد، ثم العضد إلى الجنب ثم يردهما.

وكذلك مفاصل الرجلين: بأن يرد الساق إلى الفخذ، ثم الفخذ إلى البطن، ثم يردهما قبل أن يبرد؛ لأنه إذا برد بقي على ما هو عليه وصعب تغسيله، فيكون مشتداً لكن إذا ليّنت المفاصل صارت لينة عند الغسل وعند التكفين وربط الكفن، فسهل على الغاسل والمكفن التغسيل والتكفين، وهذا أيضاً لا أعلم فيه سنّة، لكن دليله نظري.

وهو ما فيه من تليين مفاصل الميت وهذه مصلحة، ولكن يجب أن تليّن برفق، وليس بشدة؛ لأن الميت محل الرفق والرحمة.

 

وَخَلْعُ ثِيَابِهِ، وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ وَوَضْعُ حَدِيدَةٍ عَلَى بَطْنِهِ ..........

قوله: «وخلع ثيابه» ، هذا هو الأمر الرابع؛ وهو: خلع ثياب الميت، ودليل هذا أثري ونظري أيضاً:

أما الأثري: فهو قول الصحابة حين مات النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هل نجرد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما نجرد موتانا» [(249)]، فينبغي أن تخلع ثيابه.

أما النظري: فلأن الثياب لو بقيت لحمي الجسم، وأسرع إليه الفساد، أما إذا جرّد من ثيابه صار أبرد له، ويسجى كما سيأتي بثوب.

ويجب أن يكون الخلع برفق خلافاً لما رأيناه من بعض الناس، تجده ينزع الثياب بشدة، لا سيما في ثياب الشتاء إذا كانت على الميت، فهذا خلاف الرحمة والرفق.

قوله: «وستره بثوب» هذا هو الأمر الخامس، وهو: ستر الميت بثوب؛ أي: ستر الميت بثوب يكون شاملاً للبدن كله.

ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «حين توفي سجي ببرد حِبَرة» [(250)]، والبُرد: ثوب يلتحف به يشمل كل الجسد، والحبرة: برود يمانية معروفة في ذلك العهد تأتي من اليمن، ولكنه صلّى الله عليه وسلّم لم يجرد من ثيابه، بل بقيت ثيابه عليه وستر بثوب[(251)].

 

وَوَضْعُهُ عَلَى سَرِيرِ غَسْلِهِ مُتَوَجِّهاً مُنْحَدِراً نَحْوَ رِجْلَيْهِ، وَإِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ إِنْ مَاتَ غَيْرَ فَجْأَةٍ ..........

قوله: «ووضع حديدة على بطنه» هذا هو الأمر السادس، وهو وضع حديدة على بطن الميت أي: يسن أيضاً أن يوضع على بطنه حديدة أو نحوها من الأشياء الثقيلة.

واستدلوا على هذا: بأثر فيه نظر، وبنظر فيه عِلة.

أما الأثر: فذكروا عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «ضعوا على بطنه شيئاً من حديد» [(252)]، وهذا الأثر فيه نظر، ولا أظنه يثبت عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ، والذي يظهر من حال الصحابة أنهم لا يفعلون ذلك.

وأما النظر الذي فيه عِلة فإنهم قالوا: لئلا ينتفخ البطن، إذا وضع عليه حديدة أو نحوها من الأشياء الثقيلة.

ولكن هل هذا يمنع الانتفاخ؟ لا أظنه يمنع؛ لأن الانتفاخ إذا حصل لا يغني وضع الحديدة شيئاً إلا إن كان سيوضع عليه حديدة وزن الجبل فهذا شيء ثان، أما إذا كانت حديدة مألوفة فإنه إذا انتفخ فإنها سوف ترتفع، ثم إن الزمن ليس طويلاً؛ لأن السنة هي الإِسراع بتجهيز الميت، وفي عصرنا الآن نستغني عن هذا، وهو أن يوضع في ثلاجة إذا احتيج إلى تأخير دفنه، وإذا وضع في الثلاجة فإنه لا ينتفخ، لأنه يبقى بارداً فلا يحصل الانتفاخ في بطنه.

قوله: «ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه» هذا هو الأمر السابع، وهو: وضع الميت على سرير الغسل، أي: ينبغي أن يبادر في رفعه عن الأرض؛ لئلا تأتيه الهوام، ولعل ذكر الفقهاء ـ رحمهم الله ـ لذلك؛ لكثرة الهوام في البيوت في زمانهم فلهذا قالوا: ينبغي أن يبادر فيرفع على سرير الغسل.

والسرير معروف، ويختلف سرير الغسل عند الناس، فمنهم من يكون السرير مختوماً أي: كله ألواح، ومنهم من يكون السرير غير مختوم أي: عبارة عن قطع من الخشب مصفوف بعضها إلى بعض مع الفتحات، كما هو موجود عندنا الآن.

وقوله: «متوجهاً» ، أي: إلى القبلة لأن هذا أفضل، ولا أعلم في هذا دليلاً من السنة.

وقوله: «منحدراً نحو رجليه» أي: يكون رأسه أعلى من رجليه لسببين:

الأول: لئلا يبقى الماء في السرير؛ وهذا لأن الأسرَّة كانت عندهم فيما سبق ألواحاً مختومة، أما السرير الموجود الآن فليس كذلك.

الثاني: من أجل أن يسهل خروج ما كان مستعداً للخروج من بطنه؛ لأنه إذا كان مرتفعاً نازلاً نحو رجليه، فالذي يكون متهيئاً للخروج يخرج.

وقوله: «متوجهاً، منحدراً نحو رجليه» هذه صفة للوضع على السرير فلا نعدها أموراً مستقلة.

قوله: «وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة» ، هذا هو الأمر الثامن[(253)]، وهو: الإسراع في تجهيز الميت، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» [(254)]، لكن ظاهره فيما لو كانت محمولة؛ لأن قوله: «فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» ظاهر: في أن المراد بذلك الإِسراع بها حين تشييعها. لكن نقول: إذا كان الإِسراع في التشييع مطلوباً مع ما فيه من المشقة على المشيعين، فالإِسراع في التجهيز من باب أولى.

أما حديث: «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» [(255)]، فهو ضعيف.

وقوله: «إن مات غير فجأة» ، فإن مات فجأة فإنه لا يسن الإِسراع بتجهيزه؛ لاحتمال أن تكون غشية لا موتاً، والمسألة خطيرة؛ لأنه لو كانت غشية ثم جهزناه ودفناه، ولم تكن موتاً صار في ذلك قتلٌ لنفس، فالواجب إن مات فجأة أن ننتظر به.

وهذا الذي ذكره العلماء ـ رحمهم الله ـ قبل أن يتقدم الطب، أما الآن فإنه يمكن أن يحكم عليه أنه مات بسرعة؛ لأن لديهم وسائل قوية تدل على موت المريض. لكن إذا لم يكن هناك وسائل فإن الواجب الانتظار إلى أن نتيقن موته.

قال في الروض: «يعرف موته بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه» ، فهذه أربع علامات:

الأولى: انخساف الصُدْغ؛ لأن اللحيين ينطلقان فإذا انطلقا صار الصدغ منخسفاً.

الثانية: ميل أنفه، فإذا مات يميل الأنف؛ لأن الأنف مستقيم ما دامت الحياة بالإِنسان، ثم إذا مات ارتخى ولان ومال.

الثالثة: انفصال كفيه، أي: عن ذراعه فتنطلق الكف عن الذراع، وتجدها مرتخية.

الرابعة: استرخاء رجليه، فتنفصل الرجل عن الكعب، فترتخي وتميل.

فهذه أربع علامات يعلم بها الموت، وهي علامات حسية بدون آلات، لكن الآن لدى الأطباء آلات تدل على الموت دون هذه العلامات.

ويذكر: أن رجلاً أصيب بغشية فجهَّزوه، وحملوه إلى المقبرة، فمروا برجل ذي خبرة فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: هذه جنازة نريد أن ندفنها، قال: هذا لم يمت أنزلوه، فنزلوه، فأتى بسوط فجعل يضرب هذا الميت حتى تحرك فقالوا: ما الذي حملك على هذا؟ وما الذي أعلمك أنه لم يمت؟ قال: إن الميت تسترخي رجلاه فلا تنتصبان، وهذا الذي حملتم، رجلاه منتصبتان، وأما ضربي إياه بالسوط؛ فلأن الضرب يحمي الجسم، وإذا حمي جسمه زالت عنه البرودة التي هي سبب الغشي، ثم حملوه راجعين به إلى بيته.

فهذا شاهد على ما قاله الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن من علامات الموت استرخاء الرجلين.

فإسراع التجهيز بشرط أن يموت غير فجأة، فإن مات فجأة وجب الانتظار، وبهذا التقرير نعلم خطأ ما يفعله بعض الناس اليوم يؤخرون الميت حتى يأتي أقاربه، وأحياناً يكون أقاربه خارج المملكة في أوربا أو غيرها، فينتظرون به يوماً، أو يوماً وليلة من أجل حضور الأقارب، وهذا في الحقيقة جناية على الميت، فالميت إذا كان من أهل الخير، فإنه يود أن يدفن سريعاً؛ لأنه يبشر بالجنة عند موته ـ نسأل الله أن يجعلنا منهم ـ وإذا خُرِجَ به من بيته تقول نفسه: قدموني تحُثهم أن يوصلوها إلى القبر[(256)]، فإذا حبسناه عما أعد الله له من النعيم صار في هذا جناية عليه مع مخالفة السنة، وأصبحت الآن الجنازة كأنها حفل عرس ينتظر به القادم حتى يحضر.

أما إذا أخر مثلاً لساعة أو ساعتين أو نحوهما، من أجل كثرة الجمع فلا بأس بذلك، كما لو مات بأول النهار وأخرناه إلى الظهر؛ ليحضر الناس، أو إلى صلاة الجمعة إذا كان في صباح الجمعة؛ ليكثر المصلون عليه، فهذا لا بأس به؛ لأنه تأخير يسير لمصلحة الميت.

فإن قال قائل: كيف نجيب عن فعل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، حيث لم يدفنوا النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا ليلة الأربعاء مع أنه توفي يوم الاثنين؟

فالجواب عن هذا: أنه من أجل إقامة الخليفة بعده، حتى لا يبقى الناس بلا خليفة، فالإِمام الأول محمد صلّى الله عليه وسلّم توفي، فلا نواريه بالتراب حتى نقيم خليفة بعده، وهو مما يحثهم على إنجاز إقامة الخليفة، ومن حين ما بويع أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ شرعوا في تجهيز النبي صلّى الله عليه وسلّم ودفنه.

وعلى هذا إذا مات الخليفة، وكان لم يعين من يخلفه فلا حرج أن يؤخر دفنه حتى يقام خليفة بعده.

 

وَإِنْفَاذِ وَصِيَّتِهِ وَيَجِبُ الإِْسْرَاعُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ.........

قوله: «وإنفاذِ وصيته» ، «إنفاذِ» بالكسر عطفاً على «تجهيز» ، أي: وإسراع إنفاذ وصيته، أما إنفاذ وصيته فهو واجب، لكن إسراع الإِنفاذ إما واجب أو مستحب؛ لأن الوصية إن كانت في واجب فللإِسراع في إبراء ذمته، وإن كانت في تطوع فلإِسراع الأجر له، والوصية إما واجبة وإما تطوع.

قال أهل العلم: فينبغي أن تنفذ قبل أن يدفن، سبحان الله إذا رأيت هذا الكلام، ورأيت ما يفعله بعض الظلمة من الورثة الذين يؤخرون وفاء الدين عن الميت لمصالحهم الخاصة، فتجد الميت عليه ديون ووراءه عقارات، فيقولون: لا نبيعها؛ بل نوفيه من الأجرة ولو بعد عشر سنين، أو يقولون: الأراضي ـ مثلاً كسدت الآن فننتظر حتى ترتفع قيمتها، وربما ترتفع قيمتها، وربما تنزل، وهذا ظلم ـ والعياذ بالله ـ، وربما يكون هؤلاء من ذرية الميت، فيكون فيه من العقوق ما لا يخفى على أحد؛ لأن الميت يتأثر بالدين الذي عليه إن صح الحديث: «نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضى عنه» [(257)]، وإن لم يصح فلا بد أن تتأثر النفس بهذا الدين الذي عليه، فالوصية بالواجب يجب المبادرة بإنفاذها، وبالتطوع يسن، لكن الإِسراع بذلك مطلوب، سواء أكانت واجبة أم مستحبة قبل أن يصلى عليه ويدفن، هذه هي السنة.

قوله: «ويجب الإِسراع في قضاء دينه» ، أي دين الميت، سواء كان هذا الدَّين لله، أو للآدمي.

فالدَّين لله مثل: الزكاة، والكفارة، والنذر، وما أشبه ذلك.

والدَّين للآدمي: كالقرض، وثمن المبيع، والأجرة، وضمان تالف، وغير هذا من حقوق الآدميين فيجب الإِسراع بها بحسب الإمكان، فتأخيرها حرام.

والدليل: أثري ونظري:

أما الأثري: فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضى عنه» ، فهذا الحديث فيه ضعف، لكن يؤيده حديث أبي قتادة «في الرجل الذي جيء به إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم فسأل هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران، فتأخر ولم يصلِّ عليه، فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ يا رسول الله، قال: حقُ الغريم وبرئ منهما الميت؟ قال: نعم، فتقدم فصلى» [(258)].

وأما الدليل النظري: فلأن الأصل في الواجب المبادرة بفعله ولا يجوز تأخير الواجب إلا إذا اقتضى الدليل تأخيره.

 

فَصْلٌ

 

غَسْلُ المَيِّتِ، وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ ..........

فصل

قوله: «غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه فرض كفاية» .

هذه أربع مسائل:

الأولى: قوله: «غسل الميت» .

ودليل ذلك:

1 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الذي وقصته ناقته يوم عرفة: «اغسلوه بماء وسدر» [(259)]، والأمر في الأصل للوجوب، ومن المعلوم أنه لا يريد من كل واحد من المسلمين أن يغسل هذا الميت، إنما يوجه الخطاب لعموم المسلمين، فإذا قام به بعضهم كفى.

2 ـ قول النبي عليه الصلاة والسلام للنساء اللاتي يغسلن ابنته:

«اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» [(260)]، والأصل في الأمر الوجوب.

وهذان دليلان أثريان.

أما الدليل النظري:

فلأنَّ هذا من حقوق المسلم على أخيه، بل هو من أعظم الحقوق أن يقدم الإِنسان أخاه إلى ربه على أكمل ما يكون من الطهارة.

والثانية: قوله: «وتكفينه» ، ودليله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كفنوه في ثوبيه» . وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، ومن المعلوم أنه واجب كفاية؛ لأنه لا يمكن أن يؤمر كل واحد من الناس أن يكفن الميت، وإنما المقصود أن يحصل الكفن.

وهذا هو الفرق بين فرض الكفاية وفرض العين، ففرض العين مطلوب من كل واحد، وفرض الكفاية المطلوب فيه وجود الفعل.

الثالثة: قوله: «والصلاة عليه» ، فالصلاة عليه أيضاً فرض كفاية؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي على الأموات باستمرار، وكان يقول: «صلوا على صاحبكم» [(261)]، «وأمر أن يصلى على المرأة التي رجمت» [(262)]، وقال الله ـ عز وجل ـ: {{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}} [التوبة: 84] ، فلما نهى عن الصلاة على المنافقين دل على أن الصلاة على المؤمنين شريعة قائمة، وهو كذلك.

الرابعة: قوله: «ودفنه فرض كفاية» ، فدفن الميت أيضاً فرض كفاية؛ لأن الله تعالى امتن به على العباد فقال تعالى: {{أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا *أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا *}} [المرسلات] ، فكما أنَّ علينا إيواء المضطر في البيوت، وستره فيها عند الضرورة، فكذلك علينا ستر الميت في قبره.

وكذلك قوله تعالى: {{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *}} [عبس] ، فإن هذا سيق على سبيل المنة؛ لأن الله أكرمه بدفنه، ولم يجعله كسائر الجيف تلقى في المزابل والأسواق والأفنية، بل أكرمه بدفنه وستره.

إذاً هذه الأربع كلها فرض كفاية، وسيأتي إن شاء الله بالتفصيل كيفية التغسيل، وكيفية التكفين، وكيفية الصلاة، وكيفية الدفن.

واعلم أن كل فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فإن لم يوجد إلا واحد صار في حقه فرض عين.

وقول المؤلف: «دفنه فرض كفاية» ، وما يتوقف عليه الدفن فرض كفاية أيضاً، وكذلك ما تتوقف الصلاة عليه فرض كفاية، فحمله من بيته إلى المصلى فرض كفاية، وحمله من المصلى إلى المقبرة فرض كفاية؛ لأن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .

فإذا قال قائل: إذا كانت هذه الأشياء تحتاج إلى مال، فمن أين يؤخذ هذا المال، فالغسل ـ مثلاً ـ يحتاج إلى مال، والكفن يحتاج إلى مال، والدفن يحتاج إلى مال، والحمل قد يحتاج إلى مال؟

فالجواب: أنه يكون أولاً من تركة الميت، ثم على من تلزمه نفقته، فإن لم يمكن فعلى عموم المسلمين؛ لأنه فرض كفاية.

 

وَأَوْلَى النَّاسِ بِغَسْلِهِ وَصِيُّهُ،.......................................

قوله: «وأولى الناس بغسله وصيه» ، أي: لو تنازع الناس فيمن يغسل هذا الميت؟

قلنا: أولى الناس بغسله وصيه، أي: الذي أوصى أن يغسله.

واستفدنا من قول المؤلف: «وصيه» أنه يجوز للميت أن يوصي ألاَّ يغسله إلا فلان، والميت قد يوصي بذلك لسبب، مثل: أن يكون هذا الوصي تقياً يستر ما يراه من مكروه، أو أن يكون عالماً بأحكام الغسل، أو أن يكون رفيقاً؛ لأن بعض الذين يغسلون الأموات يعاملونهم بشدة عند نزع ثيابهم، وكأنما يسلخون جلد شاة مذبوحة ـ نسأل الله العافية ـ، فيوصي لشخص معين، فإذا كان الميت قد أوصى لشخص معين بأن يغسله، فهو أولى الناس بتغسيله، فإن لم يوص فسيذكره المؤلف.

والدليل على استفادة أولوية التغسيل بالوصية: «أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ أوصى أن تغسله امرأته» [(263)]، «وأوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين» [(264)].

 

ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ، ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ،..........

قوله: «ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته» ، هنا قدموا ولاية الأصول على ولاية الفروع، وفي باب الميراث قدموا الفروع على الأصول، وفي ولاية النكاح قدموا الأصول على الفروع؛ فلو كان للشخص الميت أب وابن ولم يوص أن يغسله أحد، فالأولى الأب لما يلي:

أولاً: أن الأب أشد شفقة وحنواً على ابنه من الابن على أبيه.

ثانياً: أن الأب في الغالب يكون أعلم بهذه الأمور من الابن لصغره، مع أنه قد يكون بالعكس، فقد يكون ابن الميت طالب علم وأبوه جاهلاً.

وقوله: «ثم جده» ، أي: من قبل الأب.

وقوله: «ثم الأقرب فالأقرب من عصباته» ، أي: بعد الأب والجد الأبناء، وإن نزلوا، ثم الإِخوة وإن نزلوا، ثم الأعمام وإن نزلوا، ثم الولاء على هذا الترتيب، ومن المعلوم أن مثل هذا الترتيب إنما نحتاج إليه عند المشاحة، فأما عند عدم المشاحة كما هو الواقع في عصرنا اليوم، فإنه يتولى غسله من يتولى غسل عامة الناس، وهذا هو المعمول به الآن، فتجد الميت يموت وهناك أناس مستعدون لتغسيله، فيذهب إليهم فيغسلونه.

قوله: «ثم ذوو أرحامه» ، أي: أصحاب الرحم.

وهم: كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة، فأب الأم مثلاً من ذوي الأرحام، وأم الأب ليست من ذوي الأرحام، لكن لا تغسل الرجل، فإذاً لا ترد علينا وإن كانت من ذوي الفروض.

 

وَأُنْثَى وَصِيَّتُهَا، ثُمَّ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى مِنْ نِسَائِها. وَلِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صَاحِبِهِ،............

قوله: «وأنثى وصيتها» ، كما قلنا فيما سبق بالنسبة للرجل.

قوله: «ثم القربى فالقربى من نسائها» ، ولم يقل: ثم الأقرب فالأقرب من العصبات؛ لأن النساء ليس فيهن عصبة إلا بالغير أو مع الغير، ولهذا قال: «القربى فالقربى من نسائها» وعلى هذا نقول: الأولى بتغسيل المرأة إذا ماتت: وصيتها، ثم أمها وإن علت، ثم ابنتها وإن نزلت، ثم أختها من أب أو أم أو الشقيقة، ثم عماتها، فخالاتها، إلى آخره.

قوله: «ولكل من الزوجين غسل صاحبه» أي: تغسيله، فالزوج له أن يغسل زوجته إذا ماتت، والزوجة لها أن تغسل زوجها إذا مات.

ودليل هذا ما سبق من حديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ: «أنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس» [(265)].

وكذلك بالعكس؛ لأنه يروى عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعائشة ـ رضي الله عنها ـ: «لو مُتِّ قبلي لغسلتك» [(266)].

مسألة: لو مات زوج عن زوجته الحامل، ثم وضعت الحمل قبل أن يغسل فهل لها تغسيله؟

الجواب: ليس لها ذلك؛ لأنها بانت منه حيث إنها انقضت عدتها قبل أن يغسل فصارت أجنبية منه.

 

وَكَذَا سَيِّدٌ مَعَ سُرِّيَتِهِ، وَلِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ فَقَطْ، وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نسْوَةٍ، أَوْ عَكْسُهُ يُمِّمَتْ كَخُنْثَى مُشْكِلٍ.

قوله: «وكذا سيد مع سُرِّيَته» المراد: مع أمته، ولو لم تكن سُرِّيته، فلو قدر أنها مملوكة، لكن لم يتسرها أي: لم يجامعها، ثم مات فلها أن تغسله، وله أن يغسلها.

قوله: «ولرجل وامرأة غسل من له سبع سنين فقط» ، أي: من ذكر أو أنثى.

ودليل هذا: أن إبراهيم ابن النبي صلّى الله عليه وسلّم غسلته النساء[(267)]؛ لأنه مات في الرضاعة أي قبل أن يفطم؛ ولأن عورة من دون السبع لا حكم لها، فإذا ماتت طفلة لها أقل من سبع سنوات فلأبيها أن يغسلها، وإذا مات طفل له أقل من سبع سنوات فلأمه أن تغسله، فإن ماتت طفلة لها سبع سنوات فأكثر فليس لأبيها أن يغسلها؛ لأنه لا يغسل الرجل المرأة، ولا المرأة الرجل إلا في الزوجين، والمالك وأمته.

قوله: «وإن مات رجل بين نسوة» ، أي إن مات رجل بين نسوة، وكذا من له سبع سنين فأكثر فإنهن لا يغسلنه إلا أن يكون معهن زوجة له أو أمة، فإن كان معهن زوجة أو أمة فإنها تغسله كما سبق، أما إذا لم يكن معهن زوجة ولا أمة فإنه لا يغسل، وإذا كان معهن بنته أو أُمُّه فإنهما لا تغسِّلانه.

قوله: «أو عكسه» أي: أو حصل عكسه؛ بأن ماتت امرأة بين رجال، فإنهم لا يغسلونها إلا أن يكون أحد الرجال سيداً أو زوجاً.

قوله: «يُمِّمت كخنثى مشكل» ، أفادنا المؤلف بقوله: «يممت» أنه متى تعذر غسل الميت فإنه ييمم، وتعذره له صور منها:

أولاً: هاتان الصورتان: أن تموت امرأة بين رجال ليس معهم من يصح أن يغسلها، أو رجل بين نساء، ليس فيهن من يصح أن تغسله.

ثانياً: إذا كان الميت خنثى مشكلاً كما ذكر المؤلف.

ثالثاً: لو عدم الماء بأن مات ميت في البر، وليس عندنا ماء فإنه ييمم.

رابعاً: لو تعذر تغسيله لكونه محترقاً؛ فإنه ييمم كما سيأتي في كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ؛ بناء على أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء.

وقال بعض العلماء: إن من تعذر غسله لا ييمم؛ وذلك لأن المقصود بالتيمم التعبد لله تعالى بتعفير الوجه واليدين بالتراب، وهذا لا يحتاجه الميت، إذ إن المقصود من تغسيل الميت هو التنظيف؛ بدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم في الرجل الذي وقصته ناقته: «اغسلوه بماءٍ وسدر» [(268)]، وقوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» [(269)]، بحسب ما يكون من نظافة جسد الميت أو عدم نظافته، فإذا كان نظيفاً فإنه لا يكرر إلا ثلاثاً، وإذا كان غير نظيف فإنه يكرر بحسب ما يحتاج إليه.

أما على القول بأنه ييمم فإنه يضرب رجل أو امرأة التراب بيديه، ويمسح بهما وجه الميت وكفيه.

 

وَيَحْرُمُ أَنْ يَغْسِلَ مُسْلِمٌ كَافِراً، أَوْ يَدْفِنَهُ، بَلْ يُوَارَى لِعَدَمٍ ..............

قوله: «ويحرم أن يغسل مسلم كافراً، أو يدفنه، بل يوارى لعدم» ، ووجه التحريم: أن الله تعالى قال لنبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم: {{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}} [التوبة: 84] ، فإذا نهي عن الصلاة على الكافر، وهي أعظم ما يفعل بالميت وأنفع ما يكون للميت، فما دونها من باب أولى، ولأن الكافر نجس، وتطهيره لا يرفع نجاسته لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}} [التوبة: 28] ، ولمفهوم قول النبي (ص): «إن المسلم لا ينجس» [(270)]، فيحرم أن يغسله.

فإن قيل: النجاسة في قوله تعالى: {{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}} نجاسة معنوية؟

فنقول: من لم يطهر باطنه من النجاسة المعنوية فلا يصح أن يطهر ظاهره؛ ولهذا قال العلماء: من شرط صحة الغُسْلِ: الإسلامُ.

فالكافر بدنه ليس نجساً، لكنه ليس أهلاً للتطهير.

وكذلك يحرم أن يكفنه، والعلة ما سبق أنه إذا نهي عن الصلاة، وهي أعظم وأنفع ما يفعل للميت فما دونها من باب أولى.

قال في الروض: «أو يتبع جِنَازته» ، يجوز فيها وجهان حسب ما سبق، أي: لا يجوز للمسلم أن يتبع جنازة الكافر؛ لأن تشييع الجنازة من إكرام الميت، والكافر ليس أهلاً للإكرام، بل يهان، قال الله تبارك وتعالى: {{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}} [الفتح: 29] ، فدل هذا على أن غيظ الكفار مراد لله ـ عز وجل ـ، وقال تعالى: {{وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}} [التوبة: 120] ، وتشييع الكافر إكرام له، وإكرام لذويه؛ ولهذا يحرم أن يتبع جنازته.

وقوله: «أو يدفنه» لقوله تعالى: {{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}} [التوبة: 84] ، والمراد: يحرم أن يدفنه كدفن المسلم، ولهذا قال: «بل يوارى لعدم» ، ومعنى يوارى: يغطى بالتراب، سواء حفرنا له حفرة ورمسناه بها رمساً، أو ألقيناه على ظهر الأرض وردمنا عليه تراباً؛ لكن الأول أحسن أي: أننا نحفر له حفرة ونرمسه فيها؛ لأننا لو وضعناه على ظهر الأرض وردمنا عليه بالتراب فلربما تحمل الرياح هذا التراب، ثم تظهر جثته.

وقوله: «بل يوارى لعدم» أي يجب مواراة الكافر، ويشمل ذلك ما إذا وُوري بالتراب، أو وُوري بقعر بئر، أو نحوها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر بقتلى بدر من المشركين أن يلقوا في بئر من آبار بدر» [(271)].

ولئلا يتأذى الناس برائحته، ولئلا يتأذى أهله بمشاهدته.

وقوله: «لعدم» ، أي: لعدم من يواريه، فإن وجد من يقوم بهذا من أقاربه فإنه لا يحل للمسلم أن يساعدهم في هذا، بل يكل الأمر إليهم.

 

وَإِذَا أَخَذَ فِي غَسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ، وَجَرَّدَهُ، وَسَتَرَهُ عَن العُيُونِ،............

قوله: «وإذا أخذ في غسله ستر عورته» ، ابتدأ المؤلف بكيفية تغسيل الميت.

وقوله: «وإذا أخذ في غسله» لا يرضى النحويون بهذا التعبير من الفقهاء؛ لأن أخذ هنا من أفعال الشروع، ولا بد أن يكون خبرها جملة فعلها مضارع، وعلى هذا تكون العبارة على قاعدة النحويين: وإذا أخذ يغسله، ولكن عبارة الفقهاء ليس فيها خلل؛ لأن كل واحد يعرف أن معنى قوله: «وإذا أخذ في غسله» أي: إذا شرع في غسله.

وقوله: «في غسله» أي: في تغسيله.

وقوله: «ستر عورته» وجوباً وهذا فيمن له سبع سنين فأكثر. والعورة بالنسبة للرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك بالنسبة للمرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة، وعلى هذا فيجرد الميت من كل شيء إلا مما بين السرة والركبة إن كان رجلاً فهو بالنسبة للرجال، وإن كانت امرأة، بالنسبة للنساء.

فقول المؤلف: «عورته» يريد بها ما بين السرة والركبة.

قوله: «وجرَّده» ، أي: جرَّده من ثيابه فيستر عورته أولاً، ويلف عليها لفافة، ثم يجرده من ثيابه.

ودليل ذلك أثر، ونظر.

أما الأثر: فقول الصحابة حين أرادوا تغسيل النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هل نجرد رسول الله (ص) كما نجرد موتانا» [(272)].

وأما النظر: فلأن تجريده أبلغ في تطهيره، والمقام يقتضي التطهير، وكلما كان أكمل فيه كان أفضل.

قوله: «وستره عن العيون» ، أي: ينبغي أن يستره عن العيون، وهذا غير ستر العورة؛ لأن ستر العورة واجب، وهذا مستحب أي: ينبغي أن يغسله في مكان لا يراه الناس، إما في حجرة، أو في خيمة إن كان في بر وما أشبه ذلك؛ لأن ستر الميت عن العيون أولى من كشفه، فإن الميت قد يكون على حال مكروهة، فيكون ظهوره للناس نوعاً من الشماتة به، وأيضاً ربما يكون مفزعاً لمن يشاهده مروعاً له، لا سيما عند بعض الناس؛ لأن بعض الناس يرتاع جداً إذا شاهد الميت، فستره عن العيون أولى وأحفظ.

 

وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ مُعِينٍ فِي غَسْلِهِ حُضُورُهُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى قُرْبِ جُلُوسِهِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينئِذٍ،............

قوله: «ويكره لغير معين في غسله حضوره» .

«حضوره» نائب الفاعل أي: يكره أن يحضره شخص إلا من احتيج إليه لمعونته؛ وذلك لأنه ربما يكون في الميت شيء لا يحب أن يطلع عليه الناس، كالجروح، أو أن فيه عيباً من برص أو نحوه لا يحب أن يطلع عليه الناس.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا يحضر ولو كان من أقاربه، مثل أن يكون أباه أو ابنه، أو ما أشبه ذلك، لأنه لا حاجة إليه.

وسبق أنه من حين أن يموت يوضع على سرير تغسيله، فلا يقال: هل نغسله على الأرض أو نقول: نغسله على السرير؟ لأن هذا مفهوم مما سبق.

قوله: «ثم يرفع رأسه إلى قرب جلوسه، ويعصر بطنه برفق، ويكثر صب الماء حينئذٍ» ، أي: بعد أن يجرده ويستر عورته يرفع رأسه إلى قرب الجلوس أي: رفعاً بيّناً، ويعصر بطنه برفق؛ لأجل أن يخرج منه ما كان متهيئاً للخروج؛ لأن الميت تسترخي كل أعصابه، فإذا رفع رأسه على هذا النحو، وعصر بطنه لكن برفق فإنه ربما يكون في بطنه شيء من القذر مُتهيئاً للخروج فيخرج، وربما لو تركنا هذا العمل فمع رجّ الميت عند حمله، وتقليبه في غسله، وتكفينه ربما يخرج هذا الشيء المتهيء للخروج، فلهذا قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: ينبغي أن يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ثم يعصر بطنه برفق، كما قال المؤلف.

أما الحامل فإنها لا يعصر بطنها؛ لئلا يسقط الجنين.

وقوله: «ويكثر صب الماء حينئذٍ» ، أي: حين يعصر البطن؛ لأجل إزالة ما يخرج من بطنه حينئذٍ.

 

ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فَيُنَجّيهِ وَلاَ يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَة مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ. وَيُسْتَحَبُّ أَلاَّ يَمَسَّ سَائِرَه إِلاَّ بِخِرْقَةٍ، ثُمَّ يُوَضّئهُ نَدْباً،.............

قوله: «ثم يلف على يده خرقة فينجّيه» ، أي: أنه إذا فعل ما ذكر من رفع رأسه وعصر بطنه، وخرج ما كان مستعداً للخروج، يلف على يده خرقة، وإذا كان هناك قفازان كما هو الآن متوفر ـ ولله الحمد ـ فإنه يلبس قفازين، ثم ينجّيه أي: ينجّي الميت فيغسل فرجه مما خرج منه، ومما كان قد خرج قبل وفاته، ولكنه لم يستنج منه، فينجيه بها.

قوله: «ولا يحل مس عورة من له سبع سنين» ، أي: يجب أن يضع هذه الخرقة إذا كان الميت له سبع سنين فأكثر، فأما إذا كان دون ذلك فله أن ينجيه مباشرة؛ لأن ما دون سبع سنين عند الفقهاء ليس لعورته حكم، بل عورته مثل يده، ولهذا يجوز النظر إليها، ولا يحرم مسها، فإذا تم السبع فإنه لا ينجيه إلا بخرقة.

قوله: «ويستحب أن لا يمس سائره إلا بخرقة» ، هذه غير الخرقة الأولى، فالأولى واجبة إذا كان له سبع سنين فأكثر؛ لئلا يمس عورته، وهذه خرقة ثانية جديدة غير الأولى يضعها على يده؛ لأجل أن يكون ذلك أنقى للميت؛ لأنه إذا دلكه بالخرقة كان أنقى له مما لو دلكه بيده، فيستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة، مع أن الميت الآن بالنسبة للانكشاف كل بدنه مكشوف إلا العورة.

قوله: «ثم يوضئه ندباً» .

ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها» [(273)].

وليس على سبيل الوجوب بدليل أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يغسل الرجل الذي وقصته ناقته بعرفة فمات، فقال: «اغسلوه بماءٍ وسدر» [(274)]، ولم يقل: وضئوه، فدل على أن الوضوء ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الاستحباب.

ولو قال قائل: ألا يدل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها» على استحباب الوضوء؛ لأنه قرنه بالبدء بالميامن وهو مستحب؟ فنقول: لا يتم الاستدلال به على ذلك؛ لأن هذا من باب دلالة الاقتران وهي ضعيفة، بل الذي يصح دليلاً على الاستحباب: حديث الذي وقصته ناقته، وقد ذكرنا وجهه.

 

وَلاَ يُدْخِلُ المَاءَ فِي فِيهِ، وَلاَ فِي أَنْفِهِ، وَيُدْخِلُ إصْبَعَيْهِ مَبْلُوْلَتيْنِ بِالْمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ،، وَفِي مِنْخَرَيهِ فَيُنَظِّفُهُمَا، وَلاَ يُدْخِلُهُمَا المَاءَ، ثُمَّ يَنْوِي غَسْلَهُ، وَيُسَمِّي،............

قوله: «ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه» ، أي: لا يدخل الماء في فيه بدل المضمضة، ولا في أنفه بدلاً عن الاستنشاق؛ لأن الحي إذا أدخل الماء تمضمض به ومجّه وخرج، والميت لو صببنا الماء في فمه لانحدر لبطنه وربما يحرك ساكناً، وكذلك نقول في مسألة الاستنشاق: الميت لا يستنشق الماء، ولا يستطيع أن يستنثره، وحينئذٍ نقول: لا تدخل الماء في فمه ولا أنفه.

قوله: «ويدخل إصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظّفهما» ، وهذا يقوم مقام المضمضة، والاستنشاق.

وقوله: «يدخل إصبعيه» ، أي: ملفوفاً عليهما خرقة، وهي الخرقة التي كان يمس بشرته بها فيدخل إصبعيه في فمه ويمسح أسنانه، ويكون ذلك برفق، وكذلك يدخلهما في منخريه فينظّفهما برفق أيضاً.

قوله: «ولا يدخلهما الماء» ، لأنه لو أدخل فمه الماء نزل إلى بطنه، ولو أدخله إلى منخريه كذلك نزل إلى بطنه فيحرك ما كان ساكناً، ويغني عن ذلك ما ذكره المؤلف أن يجعل خرقة مبلولة فينظّف بها أنفه وأسنانه وبقية فمه.

قوله: «ثم ينوي غسله» ثم للترتيب، والنية بمعنى القصد.

وظاهر كلام المؤلف أن النية تكون بعد عمل ما سبق من الاستنجاء والتوضئة، ولكن هذا فيه نظر، بل النية تتقدم الفعل؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [(275)]، ولعل هذه نية أخرى ينوي بها عموم الغسل؛ لأن ما سبق لا بد أن يكون بنية.

قوله: «ويسمّي» أي: يقول باسم الله، وهذا أيضاً فيه نظر؛ لأن التسمية تكون بعد الاستنجاء قبل أن يوضئه، كما هي الحال في طهارة الحي.

 

وَيَغْسِل بِرَغْوَةِ السِّدْرِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فَقَط. ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الأَْيْمَنَ، ثُمَّ الأَْيْسَرَ، ثُمَّ كُلَّهُ ثَلاَثاً، يُمِرُّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَ بِثَلاَثٍ زِيدَ حَتَّى يَنْقَى..........

قوله: «ويغسل برغوة السّدر رأسه ولحيته فقط» .

أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه لا بد أن يعد الغاسل سدراً يدقه ويضعه في إناء فيه ماء، ثم يضربه بيديه حتى يكون له رغوة، وهذه الرغوة يغسل بها رأسه ولحيته، وأما الثفل الباقي فإنه يغسل به سائر الجسد.

وإنما خُصّ الرأس واللحية بالرغوة؛ لأننا لو غسلناهما بالثفل لبقي الثفل متفرقاً في الشعور وصعب إخراجه منها، أما الرغوة فليس فيها ثفل.

وقوله: «ويغسل برغوة السدر رأسه ولحيته» .

إذا قال قائل: ما الدليل على استحباب السدر في تغسيل الميت؟

فالجواب: أن الدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اغسلوه بماءٍ وسدر» [(276)]، مع أنه محرِم.

قوله: «ثم يغسل شقه الأيمن، ثم الأيسر» ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ابدأن بميامنها» [(277)]، فيغسل الشق الأيمن، ثم الأيسر.

قوله: «ثم كلّه ثلاثاً» لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً» [(278)].

قوله: «يُمر في كل مرة يده على بطنه» ، من أجل أن يخرج ما كان متهيئاً للخروج، وعلى هذا فإنه يعصر بطنه أربع مرات، المرة الأولى التي قبل الاستنجاء عندما يرفع رأسه إلى قرب الجلوس، وثلاث مرات عند غسله.

قوله: «فإن لم ينق بثلاث زيد حتى ينقى» ، أي: إن لم ينق الميت بثلاث، فإنه يزيد حتى ينقى؛ لأن المقصود بذلك تطهيره، وعدم النقاء يكون في الغالب إذا كان الرجل صاحب حرفة بالطين والجبس، وما أشبه ذلك، أو كان مريضاً مرضاً طويلاً فإن الأوساخ تتراكم عليه، فإذا غسلوه ثلاث مرات ولم ينق فإنه يزاد حتى ينقى.

ودليل ذلك: قوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» [(279)]. وهذا يرجع إلى رأي الغاسل، ولكن ليس مجرد رأي وتشهٍّ، وإنما هو الرأي الذي تقتضيه المصلحة.

وضابط تخيير التشهي من تخيير المصلحة هو: أنه إذا كان المقصود التيسير على الفاعل، والأمر يعود له هو لا لغيره فهذا تخيير تشهٍّ. وإذا كان يعود إلى الغير فهو تخيير مصلحة.

مثال تخيير التشهي: قوله تعالى: {{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}} [المائدة: 89] .

ومثال تخيير المصلحة: إذا قيل لولي اليتيم: بع مال اليتيم، أو ضارب به.

 

يَنْقَى وَلَوْ جَاوَزَ السَّبْعَ، وَيَجْعَل فِي الغَسْلَةِ الأَْخِيرَةِ كَافُوراً وَالْمَاءُ الحَارُّ، وَالإِشْنَانُ، والخِلاَلُ يُسْتَعْمَلُ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ............

قوله: «ولو جاوز السبع» أي: زاد عليها، وتعداها؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» ، ولأن المقصود من تغسيل الميت التطهير، وقد لا ينقى بسبع مرات، فيزاد حتى ينقى.

لكن ينبغي قطع الغسل على وتر، فلو نقى بأربع زاد خامسة؛ لأن هذا هو الذي ورد به الحديث.

قوله: «ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً» ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور» [(280)]، والكافور: طيب معروف أبيض يشبه الشب يدق، ويجعل في الإناء الذي يغسل به آخر غسلة.

قال العلماء: وإنما اختير الكافور من بين سائر الأطياب لفائدتين:

1 ـ أنه بارد.

2 ـ أن من خصائصه أنه يطرد الهوام عن الميت؛ لأن الميت في القبر تأتيه الهوام، فرائحته تطرد الهوام عنه.

قوله: «والماء الحار والإشنان والخلال يستعمل إذا احتيج إليه» ، الأفضل: أن نغسل الميت بماء بارد، ولكن إذا احتجنا إلى الماء الحار، مثل: أن تكون عليه أوساخ كثيرة متراكمة فإننا نستعمله، ولكن ليس الحار الشديد الحرارة الذي يؤثر على الجلد برخاوة بالغة، ولكنه حار ليكون أنقى من البارد، ويسخن بأي وقود سواء بالكهرباء، أو بالغاز، أو بالحطب، أو بغير ذلك، وعند عوامنا يقولون: إنه لا يسخن الماء الذي يغسل به الميت إلا بسعف النخل فقط، وغير ذلك لا يسخن به، وهذا لا أصل له، بل يسخن بما تحصل به السخونة.

وقوله: «والإِشنان» والإشنان شجر معروف ينبت في البر يؤخذ وييبس ويدق، ويكون من جنس الرمل حبيبات تغسل به الثياب، ويغسل الإِنسان به جلده من أجل النظافة.

والإِشنان يستعمل عند الحاجة للتنظيف؛ لأنه قد يكون على الجلد أوساخ أو دهون لا يزيلها الماء وحده فيزيلها الإِشنان، فإن لم يحتج إليه فلا يستعمله.

وهل مثل ذلك الصابون؟

الجواب: نعم الصابون مثل الإِشنان، بل هو أقوى منه تنظيفاً، فإذا استعمل الصابون من أجل إزالة الوسخ، فلا حرج فيه.

وهل يستعمل مع الصابون ليفة؟

الجواب: لا؛ لأن الليفة تشطب الجلد، وربما هذا الذي يغسله من شدة الحرص على التنظيف يفركه بشدة فيتأثر الجلد، فيكفي أن يمسح باليد.

وقوله: «والخلال يستعمل إذا احتيج إليه» ، أي: خلال الأسنان، إذا كان بأسنانه طعام فإنه يستعمل؛ لأن في ذلك تنظيفاً لأسنانه.

 

وَيَقُصُّ شَارِبَه، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَه، وَلاَ يُسَرِّحُ شَعْرَهُ، ثُمَّ يُنَشَّفُ بِثَوْبٍ، وَيُضفَرُ شَعْرُهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَيُسْدَلُ وَرَاءَهَا. ..............

قوله: «ويقص شاربه، ويقلّم أظفاره، ولا يسرح شعره، ثم ينشف بثوب» .

خصال الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط.

أما الختان: فلا يستعمل مع الميت، بل هو حرام؛ لأن الختان أخذ الجلدة، والجلدة جزء حي من الميت، فأخذها تمثيل بالميت ولا حاجة إليه؛ لأن الختان من حكمه أنه يطهر الإِنسان، ولهذا يسمى عندنا بالعامية «الطهار»، لكن إذا مات الإِنسان فلا حاجة له؛ ولهذا قال العلماء: «يحرم ختان الميت».

وأما الشارب والأظفار: فتؤخذ إذا طالت، فإذا كانت عادية، أو كان الميت أخذها عن قرب فإنها لا تؤخذ، بل تبقى على ما هي عليه.

وأما الإِبط: فكذلك، إن كثر فإنه يؤخذ، وإلا يبقى على ما هو عليه.

وأما العانة: إذا طالت وكثرت فإنها تؤخذ.

وقال بعض العلماء: إنها لا تؤخذ؛ لما في ذلك من كشف العورة بخلاف الإبط والأظفار، ولكن الأولى أن تؤخذ إذا كانت كثيرة، وكشف العورة هنا للحاجة.

وقوله: «ولا يسرح شعره» ، أي: أن الغاسل لا يسرح شعر الميت؛ لأن هذا يؤدي إلى تقطع الشعر بالتسريح والمشط.

وقوله: «ثم ينشف بثوب» ، أي: بعد أن يغسل يستحب أن ينشف؛ لأنه إذا بقي رطباً عند التكفين أثر ذلك في الكفن، فالأفضل أن ينشف بثوب.

وهذه الطهارة تخالف طهارة الحي من عدة وجوه:

منها: أن طهارة الحي لا تزيد عن ثلاث، وهذه تزيد إلى سبع أو أكثر.

ومنها: أن الأفضل في طهارة الميت التنشيف، وأما طهارة الحي فقيل: الأفضل عدم التنشيف، وقيل: إن التنشيف وعدمه سواء، وإنه مباح إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل.

قوله: «ويضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل وراءها» ، أي: يجعل شعر المرأة ضفائر ثلاثاً، ويسدل من ورائها.

ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أمر النساء اللاتي يغسلن ابنته أن يضفرن شعرها ثلاثة قرون، ويسدلنه من ورائها» [(281)].

مسألة: ما حكم أسنان الذهب وغيرها مما ركبه الإنسان في حياته هل تدفن معه أم تخلع؟

الجواب: أما ما لا قيمة له فلا بأس أن يدفن معه كالأسنان من غير الذهب والفضة والأنف من غير الذهب، وأما ما كان له قيمة فإنه يؤخذ إلا إذا كان يخشى منه المُثلة، كما لو كان السن لو أخذناه صارت المُثلة فإنه يبقى معه. ثم إن شاء الورثة بعد أن يفنى الميت أن يحفروا القبر ويأخذوا الذهب فلهم ذلك.

 

وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ بَعْدَ سَبْعٍ حُشِيَ بِقُطنٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبطِينٍ حُرٍّ، ثُمَّ يُغْسَلُ المَحلُّ، وَيُوَضَّأُ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ تَكْفِينِهِ لَمْ يُعَدِ الغسْلُ. وَمُحْرِمٌ مَيتٌ كَحيٍّ ...........

قوله: «وإن خرج منه شيء بعد سبع حُشي بقطن» ، أي: خرج من الميت شيء من بول، أو غائط، أو دم، أو ما أشبه ذلك حُشي بقطن، أي سُد بالقطن من أجل أن يتوقف.

قوله: «فإن لم يستمسك فبطين حر» ، الطين الحر: الذي ليس مخلوطاً بالرمل أي: بطين قوي؛ لأن الطين القوي يسد الخارج، واختاروا الطين، لأنه أقرب إلى طبيعة الإنسان؛ حيث إن الإنسان خلق منه، وسيعاد إليه.

قوله: «ثم يغسل المحل ويوضأ» ، يغسل المحل أي: الذي أصابه ما خرج، فيغسل للتنظيف وإزالة النجاسة إن كان نجساً، ثم يوضأ.

قوله: «وإن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل» ، أي: إن خرج شيء بعد التكفين لم يعد الغسل؛ لأن في ذلك مشقة؛ إذ إننا لو أزلنا الكفن ثم نظفناه، ثم كفّناه مرة أخرى ربما يخرج شيء، وحينئذٍ يكون فيه مشقة، فإذا خرج بعد التكفين تركناه.

قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ وهو من اجتهادهم ـ: «إذا خرج قبل السبع وجب غسل المحل وإعادة الغسل، وإن خرج بعد السبع وجب غسل المحل والوضوء، وإن خرج بعد التكفين لم يجب غسل المحل ولا إعادة الوضوء» ، فله ثلاثة أحوال.

قوله: «ومحرم ميت كحيّ» ، أي: في أحكامه، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» [(282)]، فدل ذلك على أنه باق على إحرامه، وإذا كان كذلك فهو كالحي.

 

يُغْسَلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلاَ يُقَرَّبُ طِيباً، وَلاَ يُلْبَسُ ذَكَرٌ مَخِيطاً، وَلاَ يُغَطَّى رَأْسُهُ .......

قوله: «يغسل بماءٍ وسدر» ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الذي وقصته راحلته: «اغسلوه بماءٍ وسدر» [(283)]؛ ولأن استعمال السدر للمحرم ليس بحرام، بل هو جائز.

قوله: «ولا يقرّب طيباً» لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا تحنطوه» [(284)]؛ ولأن المحرم ممنوع من الطيب.

قوله: «ولا يلبس ذكرٌ مخيطاً» ، أي: لا يلبس الذكر قميصاً أو سراويل أو عمامة أو غيرها مما يحرم على الحي.

ودليل ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» [(285)].

قوله: «ولا يغطى رأسه» ، أي: لا يغطى رأسه، بل يبقى مكشوفاً لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا تخمروا رأسه» [(286)]، ولكن لا بأس أن يظلل بشمسية أو شبهها، كما يفعل بالمحرم الحي، أما التغطية باللف عليه، فهذا لا يجوز.

وأما وجهه فإنه يغطى، لأنه جائز حال الإحرام في الحياة فجاز بعد الوفاة، وأما رواية «ولا وجهه» [(287)] في حديث الذي وقصته راحلته فشاذة.

 

وَلاَ وَجْهُ أُنْثَى ..........

قوله: «ولا وجه أُنثى» ، أي: لو ماتت أُنثى محرمة فإن وجهها لا يغطى، وهذا إن لم يُمر بها حول رجال أجانب، فإن مُر بها حول رجال أجانب فإن وجهها يستر، كما لو كانت حية.

وأما رأسها فيغطى؛ لأنه يجب تغطيته حال الحياة في الإحرام وغيره.

وظاهر كلام المؤلف اجتناب هذه الأشياء حتى بعد التحلل الأول، ولعله غير مراد؛ لأن المحرم بعد التحلل الأول لا يحرم عليه إلا النساء فقط، وعلى هذا يصنع به كما يصنع بالمتحلل تحللاً أولاً، ويمكن أن يؤخذ ذلك من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» ؛ لأنه إذا شرع في التحلل الأول انقطعت التلبية؛ لأنها تنقطع عند رمي جمرة العقبة.

وفي قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» [(288)]، دليل على أنه لا يُقضى عنه ما بقي من نسكه ولو كان الحج فريضةً خلافاً لما ذهب إليه بعض أهل العلم، وقالوا: إنه يقضى عنه ما بقي من النسك إذا كان الحج فريضة؛ فإننا نقول رداً على هذا القول: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقل لهم: اقضوا عنه بقية النسك، ولو كان قضاء بقية النسك واجباً لبيّنه النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأننا لو قضينا عنه بقية نسكه لفوتنا عليه فائدة كبيرة جداً، وهي أنه يبعث يوم القيامة ملبياً؛ لأنه لو قضي عنه بقية النسك لتحلل وانتهى من النسك، فيكون في قضاء بقية النسك عنه إساءة للميت. ونقول: هذا الرجل شرع في أداء النسك ومات قبل إكماله، ومن خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم أدركه الموت فقد وقع أجره على الله، أما بالنسبة لنا فلا نتعرض له.

 

وَلاَ يُغَسَّلُ شَهِيدٌ وَمَقْتُولٌ ظُلْماً .........

قوله: «ولا يغسل شهيد ومقتول ظلماً» .

«لا» نافية، والنفي يحتمل الكراهة ويحتمل التحريم، ولهذا اختلف أصحابنا ـ رحمهم الله ـ، هل تغسيل الشهيد حرام أو مكروه؟

فقال بعضهم: إنه مكروه.

وقال بعضهم: إنه حرام.

والصحيح: أنه حرام؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أمر بقتلى أحد أن يدفنوا بدمائهم ولم يغسلهم» [(289)]، ولأن التغسيل واجب، ولا يترك من أجل فعل المكروه، فلا يترك إلا لمحرم.

وقوله: «شهيد» المراد به هنا: شهيد المعركة الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.

أما من قاتل لوطنية أو قومية أو عصبية فليس بشهيد ولو قتل، لكن من قاتل حماية لوطنه الإسلامي من أجل أنه وطنٌ إسلاميٌ فقد قاتل لحماية الدين، فيكون من هذا الوجه في سبيل الله، ولهذا يجب أن نبيّن لإخواننا في الجيش أنهم إنما يتأهبون للقتال لا دفاعاً عن وطنهم من أجل أنه وطنهم، ولكن من أجل أنه وطن إسلامي يقاتلون لحماية الإسلام حتى يكونوا عند الموت شهداء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [(290)].

فالذي قاتل حمية نقول له:

لماذا تقاتل حمية؟ هل هو حدب على قومك، أو رغبة في بقاء الإسلام في بلادك؟

إن قال بالأول فليس بشهيد، وإن قال بالثاني فهو شهيد، كما لو قال: أقاتل حدباً على قومي، ليبقى الإسلام في بلادي.

وقوله: «ومقتول ظلماً» ، أي: المقتول ظلماً لا يغسل أيضاً؛ لأن المقتول ظلماً شهيد، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد» [(291)].

والصحيح أن المقتول ظلماً يغسل كغيره من الناس؛ لأنه داخل في عمومات الأدلة الدالة على وجوب الغَسْل، وهذه العمومات لا يمكن أن يخرج منها شيء إلاَّ ما دلّ الدليل عليه، وهو شهيد المعركة.

ولا يمكن أن يساوى المقتول ظلماً بشهيد المعركة، وإن كان يطلق عليه اسم شهيد، فالمطعون شهيد، والمبطون شهيد، والغريق شهيد، والحريق شهيد، وليس كل ما أطلق عليه اسم الشهيد يكون حكمه كشهيد المعركة؛ لأن شهيد المعركة مدَّ رقبته إلى عدوه ليقطعها في سبيل الله، والمقتول ظلماً أُكره على المقاتلة حتى قتل، فبينهما فرق عظيم.

ولهذا يجب ألا نظن أن الشهداء بمرتبة واحدة، وإن كانوا شهداء، فكل بمرتبته قال تعالى: {{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}} [الأحقاف: 19] .

فالصحيح أن جميع الموتى من المسلمين يغسلون ويكفّنون ويصلّى عليهم إلا شهداء المعركة فقط، فهؤلاء لا يغسلون، ولا يكفّنون، ولا يصلّى عليهم؛ لأن المقصود بالصلاة عليهم الشفاعة لهم، وكفى ببارقة السيوف على رؤوسهم شفاعة، فيشفع لهم هذا البذل الذي بذلوه، فإنهم بذلوا أغلى ما عندهم وهو النفس لإعلاء كلمة الله.

 

إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جُنُباً. .......

قوله: «إلا أن يكون جنباً» .

إذا كان المتن: «ولا يغسل شهيد معركة ومقتول ظلماً» فإن مقتضى القاعدة النحوية أن يقال: «إلا أن يكونا جنباً» ؛ لأن العطف بالواو يجعلهما شيئين، فيجب أن يكون الضمير عائداً على شيئين بصيغة المثنى، ولكنه في الروض المربع جعل المقتول ظلماً شرحاً، وهذا هو الذي يناسب العبارة «إلا أن يكون جنباً» ، أي: إلا أن يكون الشهيد جنباً؛ فإن كان الشهيد جنباً فإنه يغسل، وكذلك لو استشهدت امرأة أو قتلت ظلماً على المذهب، وكانت حائضاً ولم تغتسل من الحيض، فإنها كذلك تغسل، هذا ما ذهب إليه المؤلف.

ولكن ظاهر الأخبار أنه لا فرق بين الجنب وغيره، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يغسل الذين قتلوا في أحد[(292)].

أما ما يذكر من أن حنظلة بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ غسلته الملائكة[(293)]، فهذا إن صح فليس فيه دليل على أنه يغسله البشر؛ لأن تغسيل الملائكة له ليس شيئاً محسوساً بماءٍ يطهر، بل إن صح فهو من باب الكرامة، وليس من باب التكليف.

فالصحيح أنه لا يغسل، سواء أكان جنباً أم غير جنب؛ لعموم الأدلة، ولأن الشهادة تكفر كل شيء، ولو قلنا بوجوب تغسيله إذا كان جنباً لقلنا بوجوب وضوئه إذا كان محدثاً حدثاً أصغر؛ ليكون على طهارة، ولم يقولوا به.

 

وَيُدْفَنُ فِي ثِيَابِهِ بَعْدَ نَزْعِ السِّلاَحِ وَالجُلُودِ عَنْهُ، وَإِنْ سُلِبَها كُفِّنَ بِغَيْرِهَا. ........

قوله: «ويدفن في ثيابه» ، أي: يدفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها؛ لأنه يبعث يوم القيامة على ما مات عليه من القتل، ولذلك يبعث وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.

قوله: «بعد نزع السلاح والجلود عنه» ، أي: إذا كان معه جلود مثل: سير ربط به إزاره أو رداءه، أو ما أشبه ذلك، أو معه سلاح قد حمله فإنه ينزع منه؛ لأن هذا لا يدخل في الثياب؛ ولأنه ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم» [(294)].

قوله: «وإن سُلبها كفن بغيرها» ، الضمير «ها» في قوله: «سُلبها» مفعول ثانٍ يعود على الثياب، ومعنى سلبه إياها: أن تؤخذ منه. مثل: أن يأخذها العدو ويدعه عارياً، كفن بغيرها وجوباً؛ لأنه لا بد من التكفين للميت؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كفنوه في ثوبيه» [(295)].

 

وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْه .........

قوله: «ولا يصلى عليه» ، أي: لا يصلي عليه أحد من الناس لا الإمام ولا غير الإمام؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يصل على شهداء أحد[(296)]؛ ولأن الحكمة من الصلاة الشفاعة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفّعهم الله فيه» [(297)]، والشهيد يكفر عنه كل شيء إلا الدَّين؛ لأن الدين لا يسقط بالشهادة، بل يبقى في ذمة الميت في تركته إن خلف تركة، وإلا فإنه إذا أخذه يريد أداءه أدى الله عنه.

فإن قال قائل: أليس النبي صلّى الله عليه وسلّم قد خرج في آخر حياته إلى أُحد وصلى عليهم؟[(298)].

فالجواب: أن هذه ليست صلاة الميت؛ لأن صلاة الميت يجب أن تكون قبل الدفن، ولكن هذه إما: صلاة بمعنى الدعاء، وإما صلاة مودع كما مال إليه ابن القيم ـ رحمه الله ـ.

وأما القول: بأنها الصلاة التي تصلى على الميت فغير صحيح؛ إذ لا يمكن أن يبقى الرسول عليه الصلاة والسلام من السنة الثانية إلى السنة العاشرة أو الحادية عشرة لم يصلِّ عليهم.

 

وَإِنْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، أَوْ وُجِدَ مَيتاً، وَلاَ أَثَرَ بِهِ. أَوْ حُمِلَ فَأَكَلَ أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ عُرْفاً غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.

قوله: «وإن سقط عن دابته» ، أي: إن سقط الشهيد عن دابته بغير فعل العدو، غسل وصلي عليه. فإن سقط عن دابته بفعل العدو فمات من ذلك فإنه يكون شهيداً لا يغسل كما سبق.

قوله: «أو وجد ميتاً ولا أثر به» ، أي: ليس به أثر جراحة، ولا خنق، ولا ضرب، ووجد ميتاً فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وهذا له دليل نظري، وذلك أن هذا الميت وجب بموته أن يغسل ويكفن ويصلى عليه، وكون موته من فعل العدو مشكوك فيه؛ لأنه ليس فيه أثر، ولا يمكن أن ندع اليقين للشك، بل يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه.

وقول المؤلف: «ولا أثر به» يخرج به ما لو وجد به أثر مثل: جرح، أو خنق، أو ضرب أي ضربات مميتة، فإنه يحكم بالظاهر هنا، وهو أن الذي فعل به ذلك العدو، وعلى هذا يكون شهيداً لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، وهنا غلّبنا الظاهر على الأصل؛ لأن الأصل وجوب التغسيل، وهنا أسقطنا هذا الواجب بهذا الظاهر الذي هو الأثر، وكذا إذا علمنا أنه مات بفعل العدو ولا أثر به كما لو استعمل الغازات.

واستثنى بعضهم من الأثر: الدم من الأنف، أو الفم، أو القبل، أو الدبر، قال: لأن هذا قد يقع ممن مات موتاً طبيعياً، فلا يدل على أن العدو هو الذي فعل به هذا، ولكن كلام المؤلف يدل على العموم فمتى وجد به أثر يحتمل أنه من فعل العدو فهو شهيد.

قوله: «أو حُمل فأكل» ، أي: من أرض المعركة فأكل، ثم مات، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ولو علمنا أنه مات متأثراً بجراحه؛ لأن كونه يأكل يدل على أن فيه حياة مستقرة؛ إذ إن الذي في حكم الميت لا يأكل.

وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أكل ومات ولم يطل الفصل فإنه يغسل.

وقال بعض الفقهاء: لا يغسل إذا لم يطل الفصل؛ لأنه قد يأكل بدون شعور وهو في النزع، ولكن هذا في الحقيقة بعيد أي إن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة.

وقول المؤلف: «أو حُمل فأكل» ظاهره: أنه إذا لم يحمل فأكل، ثم مات فإنه شهيد لا يغسل، وعبارة بعض الفقهاء: «أو جرح فأكل» ، وهذه العبارة الأخيرة أعم مما إذا حمل أم لم يحمل.

والأقرب: أنه إذا أكل سواء حمل، أم لم يحمل، فإن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة فيغسل ويكفن.

فإن قال قائل: ما الدليل على أن الشهيد إذا جرحه العدو جرحاً مميتاً وبقي حياً حياة مستقرة أنه يغسل ويكفن؟

فالجواب: قصة سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ فإنه جُرح في أكحله عام الأحزاب، ولكنه سأل الله أن لا يميته حتى يقر عينه ببني قريظة، فاستجاب الله دعاءه، وبقي الجرح ملتئماً حتى حكم في بني قريظة بنفسه لأنه هو حليفهم[(299)].

وانظر الفرق بين سعد بن معاذ وعبد الله بن أُبي، فعبد الله بن أبي قام يجادل عن حلفائه من اليهود؛ لأنه كافر، أما سعد فسأل الله ألا يميته حتى يقر عينه بهم، فأقر الله عينه بهم، وصار هو الحاكم فيهم، وحكم بهم بالحكم الذي شهد النبي عليه الصلاة والسلام بأنه حكم الله من فوق سبع سموات[(300)]، ولما حكم فيهم انبعث الدم ومات ـ رضي الله عنه ـ، وأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن عرش الرب ـ عز وجل ـ اهتز لموته[(301)] فرحاً بروحه؛ لأن روحه صعدت إلى الله ـ عز وجل ـ، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ:

وما اهتز عرش الله من أجل هالك

سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو

والحاصل: أن هذا دليل على أن الشهيد إذا طال بقاؤه، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وألحق العلماء بذلك ما إذا وجد منه دليل الحياة المستقرة مثل الأكل.

قوله: «أو طال بقاؤه عُرفاً غسل وصلي عليه» ، أي: ليس مقدراً بزمان شرعاً بل إذا طال بقاؤه وعرف أنه ليس في سياق الموت فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه.

والذي يترجح عندي أنه إذا بقي متأثراً كتأثر المُحتضَر أنه لا يغسل، أما إذا بقي متألماً لكن بقي معه عقله فإنه يغسل ويصلى عليه.

وظاهر كلام المؤلف أنه لو شرب فإن ذلك لا يسقط حكم الشهادة، وهذا هو اختيار مجد الدين ابن تيمية ـ وهو عبد السلام جد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ؛ لأن الإنسان قد يشرب، وهو في سياق الموت بخلاف الأكل، فكلام الماتن تابع لكلام المجد رحمه الله.

 

والسِّقْطُ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ يُمِّمَ، وَعَلَى الغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَناً.

قوله: «والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصلي عليه» «السِّقط» بكسر السين، ويجوز الفتح، ويجوز الضم، ومعناه: الساقط، والمراد به: الحمل إذا سقط من بطن أمه.

فإذا بلغ أربعة أشهر من بدء الحمل، أي: إذا تم له أربعة أشهر، وليس المعنى إذا دخل الشهر الرابع.

والمراد بالأشهر هنا: الأشهر الهلالية؛ لأنها هي التي جعلها الله ـ عز وجل ـ مواقيت للناس، فقال تعالى: {{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}} [البقرة: 189] ، وهي التي وضعها الله ـ عز وجل ـ للناس جميعاً منذ خلق السموات والأرض، قال تعالى: {{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}} [التوبة: 36] .

وأما الأشهر الاصطلاحية التي هي أشهر النصارى ومن تابعهم، فهذه لا أصل لها شرعاً ولا قدراً.

أما الأصل القدري فلأن الله تعالى جعل الأشهر الهلالية هي المواقيت {{قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}} [البقرة: 189] .

وأما الأصل الشرعي فإنه لم يرتب عليها لا صيام، ولا حج، ولا أشهر حرم، وكل أحكام الأشهر منفية عن هذه الأشهر الاصطلاحية التي جاءت من النصارى.

قوله: «غسل وصلي عليه» أي: وكفن، ودفن، فالمؤلف طوى ذكر الكفن والدفن؛ لأنه معلوم.

وإنما قيده ببلوغ أربعة أشهر؛ لأنه قبل ذلك ليس بإنسان، إذ لا يكون إنساناً حتى يمضي عليه أربعة أشهر، ودليل ذلك: حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ حيث بين النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن الجنين يكون في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك» ، فهذه أربعة أشهر، «ثم يرسل له الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات» [(302)] إلخ.

وعلى هذا فهو قبل هذه المدة يكون جماداً قطعة لحم يدفن في أي مكان بدون تغسيل، وتكفين، وصلاة، لكن بعد أربعة أشهر يكون إنساناً كما قال تعالى: {{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ}} [المؤمنون: 14] ، فيعامل معاملة من مات بعد خروجه.

قال العلماء: ويسمى؛ لأن هذا السقط يبعث يوم القيامة، فلا بد أن يسمى؛ لأن الناس يدعون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم، فيسمى حتى يدعى باسمه يوم القيامة.

قال العلماء: فإن شك فيه هل هو ذكر أو أنثى؟ ـ وهو بعيد ـ لكن ربما يقع، فإنه يسمى باسم صالح للذكر والأنثى مثل هبة الله، أو عطية الله، أو نحلة الله، وما أشبه ذلك.

أما إذا كان ذكراً فيسمى باسم الذكور كعبد لله، وإن كان أنثى يسمى بأسماء الإناث كزينب، وفاطمة.

قوله: «ومن تعذر غسله يُمم» ، أي: من امتنع غسله، أي: تغسيله، فإنه ييمم.

وكيفية التيميم: أنه يضرب الحي يديه على الأرض، ثم يمسح بهما وجه الميت وكفيه.

ويكون التعذر: إما بعدم الماء، وإما بتعذر استعماله في هذا الميت بأن يكون الميت قد تمزق، أو يكون محترقاً لا يمكن مسه إلا بتمزيق جلده فهنا ييمم؛ لأن تغسيل الميت طهارة مأمور بها، فإذا تعذر تطهيره بالماء عدلنا إلى بدله وهو التراب.

وقيل: بأنه لا ييمم إذا تعذر غسله؛ لأن هذه ليست طهارة حدث، وإنما هي طهارة تنظيف، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك» وطهارة الحدث لا تزيد على ثلاث، فإذا كان المقصود تنظيف الميت وتعذر الماء، فإن استعمال التراب لا يزيده إلا تلويثاً، فتجنبه أولى.

وهذا هو الراجح. وهذا أقرب إلى الصواب من القول بتيميمه.

قوله: «وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً» ، أي: على غاسل الميت ستر ما رآه من الميت إن لم يكن حسناً، فربما يرى منه ما ليس بحسن، إما من الناحية الجسدية، وإما من الناحية المعنوية، فقد يرى ـ والعياذ بالله ـ وجهه مظلماً متغيراً كثيراً عن حياته، فلا يجوز أن يتحدث إلى الناس، ويقول: إني رأيت وجهه مظلماً؛ لأنه إذا قال ذلك ظن الناس به سوءاً.

وقد يكون وجهه مسفراً حتى إن بعضهم يُرى بعد موته متبسماً فهذا لا يستره.

أما السيء من الناحية الجسدية: فإن الميت قد يكون في جلده أشياء من التي تسوؤه إذا اطلع الناس عليها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: {{تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}} [طه: 22] ، أي: قد يكون فيه برص يكره أن يطلع الناس عليه، فلا يجوز للإنسان أن يقول: رأيت فيه برصاً، وقد يتغير لون الجلد ببقع سوداء، والظاهر ـ والله أعلم ـ أنها دموية، فلا يذكرها للناس بل يجب أن يسترها.

قال العلماء: إلا إذا كان صاحب بدعة، وداعية إلى بدعته ورآه على وجهٍ مكروه، فإنه ينبغي أن يبين ذلك حتى يحذر الناس من دعوته إلى البدعة؛ لأن الناس إذا علموا أن خاتمته على هذه الحال، فإنهم ينفرون من منهجه وطريقه، وهذا القول لا شك قول جيد وحسن؛ لما فيه من درء المفسدة التي تحصل باتباع هذا المبتدع الداعية، وكذا لو كان صاحب مبدأ هدّام كالبعثيين والحداثيين.

وذكر في الروض كلاماً حسناً فقال: «فيلزمه ستر الشر، لا إظهار الخير» ، أي: ستر الشر واجب، وإظهار الخير ليس بواجب، ولكنه حسن ومطلوب لما فيه من إحسان الظن بالميت، والترحم عليه، ولا سيما إذا كان صاحب خير.

وقال: «ونرجو للمحسن ونخاف على المسيء» ، أي: بالنسبة للأموات نرجو للمحسن رحمة الله، ونخاف على المسيء، وخوفنا على المسيء يستلزم أن ندعو الله له، إذا لم تكن إساءته مخرجة إلى الكفر.

فإذا مات الإنسان وهو معروف بالمعاصي التي لا توصل إلى الكفر، فإننا نخاف عليه، ولكننا ندعو الله له بالمغفرة والعفو؛ لأنه محتاج إلى ذلك.

وقال: «ولا نشهد إلا لمن شهد له النبي صلّى الله عليه وسلّم» ، أي: بالجنة أو بالنار، والشهادة بالجنة أو بالنار على نوعين:

النوع الأول: شهادة للجنس، أي: يشهد بالجنة لكل مؤمن ولكل متق؛ لأن الله قال: {{أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}} [آل عمران: 133] ، وهذا لا يخص شخصاً بعينه، بل يعم الجنس، وكذلك نشهد لكل كافر أنه في النار، قال الله تعالى في النار: {{أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}} [آل عمران: 131] .

النوع الثاني: شهادة للعين أي: أن تشهد لشخص بعينه، فلا نشهد إلا لمن شهد له النبي صلّى الله عليه وسلّم، مثل: العشرة المبشرين بالجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وستة مجموعون في بيت:

سعيد وسعد وابن عوف وطلحة

وعامر فهرٍ والزبير الممدح

ومثل: سعد بن معاذ، وثابت بن قيس بن شماس، وعبد الله بن سلام، وبلال، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.

نشهد لهم بالجنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم شهد لهم.

وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ من اتفقت الأمة أو جُلُّ الأمة على الثناء عليه.

مثل: الأئمة الأربعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: لمَّا مرَّت جنازة وأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وجبت» ـ أي: وجبت له الجنة ـ ومرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: «وجبت» ثم قال لهم: «أنتم شهداء الله في أرضه»[(303)].

وعلى هذا فنشهد لهؤلاء الأئمة الذين أجمعت الأمة، أو جلها على الثناء عليهم بالجنة. لكن ليست شهادتنا لهم بالجنة، كشهادتنا لمن شهد له الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

قال: «ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهره العدالة» ، أي: يحرم سوء الظن بمسلم، أما الكافر فلا يحرم سوء الظن فيه؛ لأنه أهل لذلك.

وأما من عُرف بالفسوق والفجور، فلا حرج أن نسيء الظن به؛ لأنه أهل لذلك، ومع هذا لا ينبغي للإنسان أن يتتبع عورات الناس، ويبحث عنها؛ لأنه قد يكون متجسساً بهذا العمل.

قال: «ويستحب ظن الخير بالمسلم» ، أي: يستحب للإنسان أن يظن بالمسلمين خيراً، وإذا وردت كلمة من إنسان تحتمل الخير والشر، فاحملها على الخير ما وجدت لها محملاً، وإذا حصل فعل من إنسان يحتمل الخير والشر فاحمله على الخير ما وجدت له محملاً؛ لأن ذلك يزيل ما في قلبك من الحقد والعداوة والبغضاء ويريحك.

فإذا كان الله ـ عز وجل ـ لم يكلفك أن تبحث وتنقب، فاحمد الله على العافية، وأحسن الظن بإخوانك المسلمين، وتعوذ من الشيطان الرجيم.

وأما ما يذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام «احترسوا من الناس بسوء الظن» [(304)]، فهذا كذب لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل روى أبو داود من حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يحدثني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم، وأنا سليم الصدر» [(305)].

وهذا هو اللائق بالمسلم، أما من فُتن ـ والعياذ بالله ـ وصار يتتبع عورات الناس، ويبحث عنها، وإذا رأى شيئاً يحتمل الشر ولو من وجه بعيد طار به فرحاً ونشره، فليبشر بأن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جحر بيته.

 

فَصْلٌ

 

يَجِبُ تَكْفِينُهُ فِي مَالِهِ مُقَدّماً عَلَى دَينٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ .........

فصل

قوله: «يجب تكفينه» الكفن: ما يكفن به الميت من ثياب أو غيرها.

وحكم تكفين الميت الوجوب، والدليل:

1 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الذي وقصته راحلته: «كفنوه في ثوبيه» [(306)]، والأصل في الأمر الوجوب.

2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أعطى النساء اللاتي غسلن ابنته حقوه، ـ أي: إزاره ـ، وقال: أشعرنها إياه» [(307)]، أي: اجعلنه شعاراً، وهو الذي يلي بدنها.

قوله: «يجب تكفينه» الوجوب هنا كفائي، والفرق بين الكفائي والعيني:

أن الكفائي يقصد به حصول الفعل بقطع النظر عن الفاعل.

والعيني يطلب الفعل من الفاعل، أي: يراعى فيه الفعل والفاعل.

وفرض العين أفضل من فرض الكفاية؛ لأنه أوكد بدليل أن الله أمر به جميع الخلق.

قوله: «في ماله» ، أي: في مال الميت.

ودليل كونه واجباً في ماله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كفنوه في ثوبيه»[(308)]، فأضاف الثوبين إلى الميت.

ولكن لو فرض أن هناك جهة مسؤولة ملتزمة بذلك، فلا حرج أن نكفنه منها إلا إذا أوصى الميت بعدم ذلك، بأن قال: كفنوني من مالي، فإنه لا يجوز أن نكفنه من الأكفان العامة، سواء كانت من جهة حكومية، أو من جهة خاصة.

قوله: «مقدماً على دَين» ، «مقدماً» حال من قوله: «تكفينه» أي: حال كون التكفين مقدماً على دين وغيره.

والدَّين: هو كل ما ثبت في الذمة من ثمن مبيع، أو أجرة بيت، أو دكان، أو قرض، أو صداق، أو عوض خلع، وإن كان العامة لا يطلقون الدين إلا على ثمن المبيع لأجل، فهذا عرف ليس موافقاً لإطلاقه الشرعي.

قوله: «وغيره» يعني: الوصية، والإرث.

فالتكفين مقدم على كل شيء، وعموم قول المؤلف: «مقدماً على دين» يشمل ما إذا كان الدين فيه رهن أو لا، وعلى هذا فلو خلف الرجل شاة ليس له غيرها مرهونة بدين عليه، ولم نجد كفناً إلا إذا بعنا هذه الشاة واشترينا بقيمتها كفناً فتباع، ونشتري له كفناً؛ لأن الكفن مما تتعلق به حاجة الشخص خاصة، فيقدم على كل شيء وكذا لو أوصى بها.

قوله: «فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته» ، أي: إن لم نجد له مالاً، فعلى من تلزمه نفقته.

وإذا وجدنا ثوباً قد لبسه الميت وغترة، فهل نكفنه بهما أو لا بد أن نكفنه باللفائف؟

الجواب: إذا كانت ثيابه تقوم بالواجب، فإننا لا نلزم الناس أن يكفنوه ما دام في ماله ـ ولو ثيابه التي عليه ـ ما يكفي.

قوله: «من تلزمه نفقته» ، أي: الميت حال حياته، وهم الأصول والفروع، فتجب نفقة الوالدين والأولاد بكل حال سواء كانوا وارثين أم لا، وعلى هذا فتجب نفقة الجد على ابن ابنه، وإن لم يكن وارثاً لوجود الابن، أي: وإن كان محجوباً بالابن، وابن البنت تجب نفقته وإن لم يكن وارثاً، وعليه فيجب كفنه على جده من قبل أمه.

أما غير الأصول والفروع، فلا تجب النفقة، إلا على من كان وارثاً بفرض أو تعصيب.

مسألة: الأخ هل يجب أن ينفق على أخيه؟

الجواب: إن كان لأخيه أولاد فإنه لا يلزمه أن ينفق عليه؛ لأنه محجوب بهم، وإن لم يكن له أولاد وجب أن ينفق عليه؛ لأنه وارث.

هذه القاعدة على المشهور من مذهب الإمام أحمد، والمقام هنا لا يقتضي البسط والترجيح.

 

إِلاَّ الزَّوْجَ لاَ يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلاَثِ لَفَائِفَ بِيضٍ ......

قوله: «إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته» ، أي: لو ماتت امرأة، ولم نجد وراءها شيئاً تكفن منه، وزوجها موسر، فإنه لا يلزمه أن يكفنها.

وعللوا: بأن الإنفاق على الزوجة إنفاق معاوضة مقابل الاستمتاع، وهي إذا ماتت انقطع الاستمتاع بها، مع أن بعض علائق الزوجية باقية، بدليل أن الزوج يغسل امرأته بعد موتها.

وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.

والقول الثاني: أنه يلزمه أن يكفّن امرأته.

وعللوا: أن هذا من العشرة بالمعروف، ومن المكافأة بالجميل، ولأن علائق الزوجية لم تنقطع.

وهذا القول أرجح، ومحل النزاع إذا كان موسراً. فإن لم يوجد من تلزمه النفقة، أو وجد وكان فقيراً ففي بيت المال، فإن لم يوجد بيت مال منتظم فعلى من علم بحاله من المسلمين؛ لأنه فرض كفاية.

فالمراتب إذاً أربع:

1 ـ في ماله.

2 ـ من تلزمه نفقته.

3 ـ بيت المال.

4 ـ عموم المسلمين.

وإنما قُدم بيت مال المسلمين على عموم المسلمين؛ لأنه لا منّة فيه على الميت؛ بخلاف ما إذا كان من المسلمين، فإن هذا الذي سوف يعطيه سيكون في قلبه منة عليه.

مسألة: لو مات الزوج وكان فقيراً، وكانت الزوجة غنية، فلا يلزمها قيمة الكفن؛ وذهب ابن حزم ـ رحمه الله ـ إلى أنه يلزمها ذلك.

قوله: «ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض» ، الاستحباب هنا ليس منصباً على أصل التكفين؛ لأن أصل التكفين فرض كفاية، لكنه منصب على كون الكفن ثلاث لفائف، وكونها بيضاً.

والدليل على ذلك: أن هذا هو كفن النبي صلّى الله عليه وسلّم فإنه: «كفِّن في ثلاث لفائف بيض سحولية[(309)]، ليس فيها قميص ولا عمامة» [(310)]، وكان من جملة الصحابة الذين كفنوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ، وقد أمرنا باتباع سنتهما.

ثم إن بعض العلماء علل بعلة جيدة، فقال: لم يكن الله ليختار لنبيه صلّى الله عليه وسلّم إلا أفضل الأكفان على أيدي الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ.

وكذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن نلبس البياض وأن نكفن فيها موتانا، وقال: «إنها خير ثيابكم» [(311)]، ولا شك أن البياض يبهج النفس أكثر من غيره من الألوان؛ ولهذا كان النهار أبيض، وتجد السرور إذا طلع الفجر بخلاف ما إذا جاء الليل.

وإن كفن بغير الأبيض جاز، وإن كفن بلفافة واحدة جاز أيضاً.

 

تُجَمَّرُ،.........

قوله: «تجمّر» أي: تبخر، وسمي التبخير تجميراً؛ لأنه يوضع في الجمر، ولكن ترش أولاً بماء، ثم تبخر؛ من أجل أن يعلق الدخان فيها.

 

ثُمَّ تُبْسَطُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَيُجْعَلُ الحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِياً، وَيُجْعَلُ مِنْهُ فِي قُطْنٍ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَيُشَدُّ فَوْقَهَا خِرْقَةٌ مَشْقُوقَة الطّرَفِ كالتُّبَّانِ..........

قوله: «ثم تبسط بعضها فوق بعض» ، أي: تمد الأولى على الأرض، ثم الثانية، ثم الثالثة.

قوله: «ويجعل الحنوط فيما بينها» ، الحنوط: أخلاط من الطيب تصنع للأموات.

ويدل لهذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الذي وقصته راحلته: «ولا تحنطوه» [(312)]، فإن هذا يدل على أن من عادتهم تحنيط الأموات.

قوله: «ثم يوضع عليها مستلقياً» ، أي: على اللفائف مستلقياً؛ لأن وضعه مستلقياً أثبت، وأسهل لإدراجه فيها، إِذْ لو وضع على جنبه انقلب، وصار في إدراج هذه اللفائف شيء من الصعوبة.

قوله: «ويجعل منه في قطن بين أَليتيه» ، أي: من الحنوط في قطن بين أَليتيه، فيؤتى بهذا الطيب فيجعل منه ما بين الأكفان الثلاثة، ونأخذ منه بقطنة نجعلها بين أليتيه.

وعللوا: لئلا يخرج شيء من دبره، والغالب أنه إذا خرج شيء من دبره أن تكون رائحته كريهة، وهذا الحنوط يبعد هذه الرائحة الكريهة.

قوله: «ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان» ، أي: فوق الحنوط الذي يوضع في القطن، والتبان هو: السروال القصير الذي ليس له أكمام.

 

تَجْمَعُ أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَته، وَيُجْعَلُ البَاقِي عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ، وَمَواضِع سُجُودِهِ. وَإِنْ طُيِّبَ كُلُّهُ فَحَسَنٌ،.............

قوله: «تجمع أليتيه ومثانته» أي: الخرقة المشقوقة، فيؤتى بخرقة مشقوقة الطرف من أجل أن يمكن إدارتها على الفخذين جميعاً، ثم تشد، ومعنى تشد، أي: تربط لتجمع بين أليتيه ومثانته.

إذاً تكون على السوءتين؛ لأنه لا يمكن أن تجمع المثانة مع الأليتين إلا إذا كانت ساترة لهما، وهذا من تمام الستر.

قوله: «ويجعل الباقي على منافذ وجهه، ومواضع سجوده» أي: الباقي من الحنوط الذي وضع في القطن يجعل على منافذ وجهه، وهي: العينان، والمنخران، والشفتان.

وفي الروض زيادة: «الأذنين» ، مع أن الأذنين من الرأس، لكنهما لقربهما من الوجه تلحقان به.

ويجعل الحنوط على المنافذ؛ من أجل أن يَمنع دخول الهوام من هذه المنافذ.

ويُجعل على مواضع السجود، وهي: الجبهة، والأنف، والكفان، والركبتان، وأطراف القدمين.

وعللوا ذلك بأن هذا من باب التشريف لها.

وكل هذا على سبيل الاستحباب من العلماء، أي: وضع الحنوط في هذه الأماكن، أما الحنوط من حيث أصله فقد جاءت به السنّة كما ذكرنا.

قوله: «وإن طيب كله فحسن» ، أي: إن طيب الميت كله فحسن؛ لأنه يكون أطيب، لكن ينبغي أن يطيب بطيب ليس حاراً؛ لأن الحار ربما يمزق البدن، بل يكون بارداً، وهذا لم يعرف في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لكن فعله بعض الصحابة[(313)].

 

ثُمَّ يُردُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ العُلْيا عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ، وَيردّ طَرَفها الآخر مِن فَوْقِهِ، ثُمَّ الثَّانِيَة، والثَّالِثَة كذَلِكَ. وَيَجْعَلُ أَكْثَر الفَاضِلِ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ يَعْقِدُهَا،............

قوله: «ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر من فوقه، ثم الثانية، والثالثة كذلك» ، أي: نرد طرف اللفافة العليا وهي التي تلي الميت على شقه الأيمن، ثم نرد طرفها من الجانب الأيسر على اللفافة التي جاءت من قبل اليمين، نفعل بالأولى هكذا، ثم نفعل بالثانية كذلك، ثم بالثالثة كذلك.

وإنما قال المؤلف هذا لئلا يظن الظان أننا نرد طرف اللفائف الثلاث مرة واحدة، بمعنى أن نجمع الثلاث ونردها على الجانب الأيمن، ثم نرد الثلاث على الجانب الأيسر، فأولاً أكمل رد اللفافة الأولى، فترد الطرف الذي يلي يمين الميت، ثم الطرف الذي يلي يساره، ثم الثانية، ثم الثالثة على نفس الطريقة.

قوله: «ويجعل أكثر الفاضل على رأسه» ، أي: إذا كان الكفن طويلاً، فليجعل الفاضل من جهة رأسه، أي: يرده على رأسه، وإذا كان يتحمل الرأس والرجلين فلا حرج، ويكون هذا أيضاً أثبت للكفن.

قوله: «ثم يعقدها» ، أي: يعقد اللفائف.

والحكمة من عقدها لئلا تنتشر وتتفرق.

أما بالنسبة لعدد العقد فيفعل ما يحتاج إليه، ومن المعلوم أنّ أقل ما يحتاج إليه هو عقدتان، عند الرأس، وعند الرجلين، وقد يحتاج إلى عقدتين أو ثلاث في الوسط، وأما أنه لا بد أن تكون سبع عقد فهذا لا أعلم له أصلاً.

 

وَتُحَلُّ فِي القَبْرِ وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ جَازَ، وَتُكَفَّنُ المَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ إِزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ.

قوله: «وتحل في القبر» استدل في الروض «بأثر عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: «إذا أدخلتم الميت القبر فحلوا العقد» [(314)].

ولأن الميت ينتفخ في القبر فإذا كان مشدوداً بهذه العقد تمزق.

ولو فرض أنه نُسي أن تحل، ثم ذكروا عن قرب، فإن القبر ينبش من أجل أن تحل هذه العقد.

وقال في الروض: «وكره تخريق اللفائف» ؛ لأنه إفساد لها.

إذا قال قائل: إذا خرقتها لم تستره؟

فنقول: لا، بل تستره فخرق مثلاً العليا، ثم خرق التي تحتها من جهة أخرى لا تقابل الخرق الذي في العليا، ثم الثالثة كذلك.

وإنما ذكر صاحب الروض هذا؛ لأن بعض أهل العلم قال: إذا خيف من النباش فإنها تخرق اللفائف؛ لأنه كان هناك سُرَّاقٌ يأتون إلى المقابر ينبشونها ويأخذون الأكفان، فقال هؤلاء: إذا خفت من هؤلاء فخرق اللفائف؛ لكي تفسدها عليهم، كما خرق الخضر السفينة؛ لئلا يأخذها الملك الظالم.

لكن الفقهاء المتأخرين قالوا: لا تخرق.

قوله: «وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز» .

بعد أن ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ المشروع في تكفين الرجل، وأنه يكفن في ثلاث لفائف بيض، كما كفن النبي صلّى الله عليه وسلّم[(315)] بيّن القدر المجزئ من ذلك. فقال: «وإن كفن في قميص، ومئزر، ولفافة جاز» .

والقميص: هو الذي نلبسه، أي: الدرع ذو الأكمام.

والمئزر: ما يؤتزر به، ويكون في أسفل البدن.

واللفافة: عامة. أي: إذا كفن في هذه فلا بأس، ولكن غالب ما يكفن به الناس اليوم اللفائف الثلاث؛ لأن القميص يحتاج إلى خياطة ومدة أو إلى تجهيز أقمصة تكون مهيئة عند الذين يغسلون الموتى ويكفّنونهم.

قوله: «وتكفن المرأة في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين» .

قوله: «إزار» من حيث الإعراب بدل بعض من كل.

والإِزار: ما يؤتزر به، ويكون في أسفل البدن.

والخمار: ما يغطى به الرأس.

والقميص: الدرع ذو الأكمام.

واللفافتان: يعمان جميع الجسد.

وقد جاء في هذا حديث مرفوع[(316)]، إلا أن في إسناده نظراً؛ لأن فيه راوياً مجهولاً، ولهذا قال بعض العلماء: إن المرأة تكفن فيما يكفن به الرجل، أي: في ثلاثة أثواب يلف بعضها على بعض.

وهذا القول ـ إذا لم يصح الحديث ـ هو الأصح؛ لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية، إلا ما دلّ الدليل عليه، فما دلّ الدليل على اختصاصه بالحكم دون الآخر، خص به وإلا فالأصل أنهما سواء.

وعلى هذا فنقول: إن ثبت الحديث بتكفين المرأة في هذه الأثواب الخمسة فهو كذلك، وإن لم يثبت فالأصل تساوي الرجال والنساء في جميع الأحكام، إلا ما دلّ عليه الدليل.

 

وَالْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ.

قوله: «والواجب ثوب يستر جميعه» ، أي: الواجب في الكفن ثوب واحد يستر جميع الميت.

وقول المؤلف: «يستر جميعه» يدل على أنه لا بد أن يكون هذا الثوب صفيقاً بحيث لا ترى من ورائه البشرة، فإن رئيت من ورائه البشرة فإنه لا يكفي.

والدليل على أن هذا واجب: أن الصحابة الذين قصرت بهم ثيابهم عن الكفن «أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل الكفن من عند الرأس ويجعل على الرجلين شيء من الإذخر» [(317)]، وهو: نبات معروف.

فإذا لم يوجد شيء، مثل: أن يحترق بثيابه، ولم يوجد ثياب يكفن بها، فإنه يكفن بحشيش أو نحوه يوضع على بدنه ويلف عليه حزائم، فإن لم يوجد شيء فإنه يدفن على ما هو عليه؛ لعموم قول الله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] .

 

فَصْلٌ

 

السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الإِْمَامُ عِنْدَ صَدْرِهِ، وَعِنْدَ وَسَطِهَا

قوله: «السنّة أن يقوم الإمام عند صدره وعند وسطها» ، لم يفصح المؤلف في هذا الفصل عن حكم الصلاة على الميت؛ لأنه ذكرها في أول الفصل في قوله: «غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، فرض كفاية» .

وعلى هذا فنقول: الصلاة على الميت فرض كفاية؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بالصلاة على الميت فقال في قصة الرجل الذي عليه الدين: «صلوا على صاحبكم» [(318)].

وقال في الذي قتل نفسه بمشاقص: «صلوا على صاحبكم» [(319)].

وقال: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» [(320)].

ويشير إلى هذا قوله تعالى: {{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}} [التوبة: 84] .

فإن هذا يدل على أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان من هديه أن يصلي على الأموات.

فالصلاة على الميت فرض كفاية، وتسقط بمكلف، أي: لو صلّى عليه مكلف واحد ذكر، أو أنثى، فإن الفرض يسقط.

وقد يقال: كيف لا يوجد إلا رجل واحد أو امرأة واحدة؟

الجواب: هذا ممكن، مثل: أن يموت شخص في مكان مجهول، ولا يعلم عنه فيصلي عليه واحد من الناس فيكفي.

ومثل ذلك ما يسأل عنه بعض أهل البادية، يقولون: إنا كنا ندفن الأموات الصغار بدون صلاة؟.

فنقول لهم: يصلي واحد منكم على هؤلاء الذين دفنوا ويكفي، حتى لو صلت امرأة واحدة على أحد من الناس كفى؛ لأن فرض الكفاية يسقط بواحد.

واشترطنا أن يكون مكلفاً؛ لأن الصلاة على الجنازة فرض، والفرض لا يقوم به إلا المكلف.

وأمَّا كيفية الصلاة على الميت فبينها المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله: «السنّة أن يقوم الإمام عند صدره، وعند وسطها» .

فيستحبُّ على هذا أن يقوم الإمام عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة.

والصحيح أنه يقف عند رأس الرجل، لا عند صدره؛ لأن السنّة ثبتت بذلك[(321)].

وعند وسطها، أي وسط المرأة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قام على امرأة ماتت في نفاسها عند وسطها» [(322)].

والحكمة في ذلك: أن وسطها محل العجيزة والفرج، فكان الإمام عنده ليحول بين المأمومين وبين النظر إليها، هذه من الحكمة، والله أعلم.

والوقوف عند رأس الرجل ووسط المرأة مستحب، فلو وقف عند الرجلين أجزأ، ولكن لو لم يكن الميت بين يدي الإمام لم يجزئ.

وقوله: «أن يقوم الإمام عند صدره» ، يفهم منه أن هذه الصلاة كغيرها من الصلوات يكون الإمام هو المتقدم والمأمومون خلفه، وقد جرت عادة كثير من الناس اليوم أن يقوم مع الإمام الذين قربوا الجنازة إلى الإِمام، فيقومون عن يمينه غالباً دون يساره، وأحياناً عن يمينه وعن يساره، وكل هذا خلاف السنة.

بل السنّة أن يتقدم الإمام، وأما الذين قدموا الجنازة إلى الإمام، فإن كان لهم محل في الصف الأول صفوا في الصف الأول، وإن لم يكن لهم محل صفوا بين الإمام وبين الصف الأول من أجل أن يتميز الإمام بمكانه، ويكون أمام المأمومين، ثم إن قدر أن المكان ضيق لم يتسع لوقوف الإمام وصف خلفه فإنهم يصفون عن يمينه وعن شماله وليس عن اليمين فقط؛ لأن صف المأمومين كلهم عن يمين الإمام خلاف السنّة أيضاً.

ودليل ذلك: أن السنّة أولاً إذا كانوا ثلاثة وقاموا جماعة فإن الإمام يكون بين الاثنين دلّ ذلك على أنه متى كان الصف مع الإمام فإنهم يكونون عن يمينه وعن يساره.

فإذا قال قائل: السنّة إذا كانوا ثلاثة أن يتقدم الإمام؟

قلنا: نعم، هذا هو الذي آل إليه الحكم أخيراً، والحكم الأول وهو الصف مع الإمام عن يمينه وشماله نسخ، لكن الذي نسخ من الحكم الأول هو كون الإمام بينهما، أما إذا كانوا لا بد أن يصفوا معه، فإن السنّة باقية، أي: أن يكونوا عن يمينه وعن شماله.

تنبيه: لا يشترط أن يكون رأس الميت عن يمين الإمام، فيجوز أن يكون عن يسار الإمام ويمينه. خلافاً لما يعتقد بعض العامة من أنه لا بد أن يكون عن يمينه.

 

وَيُكَبِّرُ أَرْبَعاً يَقْرَأُ فِي الأُْولَى بَعْدَ التَّعَوُّذِ الفَاتِحَةَ،...........

قوله: «ويكبّر أربعاً» التكبيرات عند الفقهاء هنا كلها أركان؛ لأنها بمنزلة الركعات، فكل تكبيرة عن ركعة.

والتكبيرات في الصلوات الأخرى، منها ما هو ركن، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو سنّة.

فالركن ـ في غير صلاة الجنازة ـ هي: تكبيرة الإحرام.

والسنّة هو: تكبيرة المسبوق إذا جاء والإمام راكع، فيكبّر تكبيرة الإحرام واقفاً، ثم يركع، والأفضل أن يكبّر للركوع وإن لم يكبر فلا حرج.

والواجب: ما عدا ذلك، هذا هو الراجح.

وذهب بعض العلماء: إلى أن التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام سنّة، وأن الرجل لو تعمد تركها لم تبطل صلاته، لكن ما ذكرناه هو ما مشى عليه أصحاب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ.

قوله: «يقرأ في الأولى بعد التعوّذ الفاتحة» ، أي: في التكبيرة الأولى بعد التعوّذ، أي: بعد قول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يقرأ الفاتحة.

ودليل التعوذ عموم قوله تعالى: {{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *}} [النحل] .

وعُلم من كلامه أنه لا استفتاح فيها.

وعلل العلماء القائلون بهذا: ـ بأن هذه الصلاة مبنية على التخفيف، ولهذا ليس فيها ركوع ولا سجود، ولا قراءة مطولة زائدة على الفاتحة، بل ولا قراءة زائدة مطلقاً على قول بعض العلماء، ولا تشهّد، وليس فيها إلا تسليم واحد.

وقال بعض أهل العلم: بل يستفتح؛ لأنها صلاة، فيستفتح لها كما يستفتح لسائر الصلوات.

وقوله: «بعد التعوذ الفاتحة» ، أفادنا ـ رحمه الله ـ: أن الفاتحة لا بد منها، وهو كذلك.

والفاتحة في صلاة الجنازة ركن؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» [(323)]، وصلاة الجنازة صلاة؛ لقوله تعالى: {{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا}} فسماها الله صلاة، ولأن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قرأ الفاتحة على جنازة، وقال: «لتعلموا أنها سنة» [(324)].

 

وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم فِي الثَّانِيَةِ كالتَّشَهُّدِ، وَيَدْعُو فِي الثَّالِثَةِ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَشَاهِدنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرنا وَكَبِيرنَا، وَذَكَرنَا وأُنْثَانَا......

قوله: «ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم في الثانية كالتشهّد» ، أي: يصلي في التكبيرة الثانية «كالتشهّد» أي: كما يصلي عليه في التشهّد. والصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم في التشهّد هي: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .

وإن اقتصر على قوله: «اللهم صلّ على محمد» كفى كما يكفي ذلك في التشهّد.

قوله: «ويدعو في الثالثة» أي: في التكبيرة الثالثة يدعو بالدعاء المأثور عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إن كان يعرفه، فإن لم يكن يعرفه فبأي دعاء دعا جاز، إلا أنه يخلص الدعاء للميت، أي: يخصه بالدعاء.

والدعاء للميت: عام، وخاص، وقد ذكرهما المؤلف ـ رحمه الله ـ، فبدأ بالدعاء العام أوّلاً.

قوله: «فيقول: اللهم اغفر» ، أي: يا الله اغفر، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه، وليست ستر الذنب فقط، بل ستر وتجاوز، وهي مأخوذة من المغفر الذي يغطى به الرأس عند القتال؛ لأنه يتضمن ستراً ووقاية.

قوله: «لحينا وميتنا» ، أي: لحينا نحن المسلمين، وميتنا كذلك نحن المسلمين، وهذا عام؛ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يعم فيشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والشاهد والغائب.

وإنما قلت هذا لتعتبر هذا فيما يأتي.

قوله: «وشاهدنا وغائبنا» ، هذا أيضاً عموم داخل في العموم الأول، والعموم الأول داخل فيه أيضاً أي: يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والحي والميت.

قوله: «وصغيرنا وكبيرنا» كسابقه، فهو عام.

قوله: «وذكرنا وأُنثانا» كسابقه، فهو عام.

إذا قال قائل: لماذا التطويل والتفصيل؟

قلنا: لأن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط.

والسنّة في الدعاء أن تبسط وتطول لستة أسباب:

الأول: أن إطالة الدعاء تدل على محبة الداعي؛ لأن الإِنسان إذا أحب شيئاً أحب طول مناجاته، فأنت متصل بالله في الدعاء، فتطويلك الدعاء وبسطك له دليل على محبتك لمناجاة الله ـ عز وجل ـ.

الثاني: أن التطويل يظهر فيه من التفصيل ما يدل على شدة افتقار الإنسان إلى ربه في كل حال.

الثالث: أن ذلك أحضر للقلب.

الرابع: زيادة الأجر والتعبد لله تعالى؛ فالدعاء عبادة يؤجر عليها الإنسان.

الخامس: أن هذا من باب الإلحاح في الدعاء والله يحب الملحِّين في الدعاء.

السادس: أن بالتطويل في الدعاء قد يذكر شيئاً قد نسيه من الدعاء.

واعتبر هذا بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، سره وعلانيته، وأوله وآخره» [(325)]، «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني» [(326)]، «اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي» [(327)]، فهذا فيه تفصيل وعمومات، لكن فائدته ما أشرت إليه من قبل.

ولو قيل: إن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف؛ ولهذا لا يقرأ فيها دعاء الاستفتاح، فكيف نبسط في الدعاء ونطول؟

فالجواب: أن الدعاء هو مضمون الصلاة، فينبغي البسط فيه، أما دعاء الاستفتاح فإنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يستفتح في صلاة الجنازة.

 

إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ..........

قوله: «إنك تعلم منقلبنا ومثوانا» ، هذه الجملة تعليل لما سبق، أي: دعوناك بهذا الدعاء، لأننا نعلم أنك تعلم منقلبنا، أي: ما ننقلب إليه، ومثوانا، أي: ما نصير إليه؛ لأن المثوى والمصير معناهما واحد.

قوله: «وأنت على كل شيء قدير» تتمة للدعاء، ولكنها من زيادات بعض الفقهاء؛ لأنها لم ترد في الحديث الوارد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.

ومعناها: أن الله قادر على كل شيء، قادر على أن يوجد المعدوم، وأن يعدم الموجود، وأن يغير الحال من حسن إلى أحسن أو من حسن إلى أردى، وهذه جملة عامة لا يستثنى منها شيء.

وقول صاحب تفسير الجلالين في قوله تعالى في سورة المائدة: {{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *}} [المائدة] .

قال: «خصّ العقل ذاته فليس عليها بقادر»، فهذا القول منكر، وذلك؛ لأن قوله: «خص العقل ذاته» نقول: أين العقل الذي خصّ ذاته بأنَّهُ ليس قادراً عليها، أليس الله يفعل ما يريد؟!

والفاعل لما يريد يفعل بنفسه؛ فهو قادر على أن يفعل ما شاء وأن يدع ما شاء.

نعم الشيء الذي لا يليق بجلاله لا يمكن أن يكون متعلق القدرة؛ لأن أصل القدرة لا تتعلق به.

كما لو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثله؟

نقول: هذا مستحيل؛ لأن المثلية ممتنعة، فلو لم يكن من انتفاء المماثلة إلا أن الثاني مخلوق والأول خالق.

والأول: واجب الوجود.

والثاني: ممكن الوجود.

ويذكر أن جنود الشيطان جاءوا إليه فقالوا له: يا سيدنا نراك تفرح بموت الواحد من العلماء، ولا تفرح بموت آلاف العباد، فهذا العابد الذي يعبد الله ليلاً ونهاراً يسبّح ويهلل ويصوم ويتصدق لا تفرح بموت الألف منهم فرحك بالواحد من العلماء.

قال: نعم أنا أدلكم على هذا، فذهب إلى عابد فقال له: يا أيها الشيخ هل يقدر الله أن يجعل السموات في جوف بيضة؟

قال العابد: لا. وهذه غلطة كبيرة.

ثم ذهب إلى العالم وقال له: هل يقدر الله أن يجعل السموات في بيضة؟.

قال العالم: نعم، قال: كيف؟ قال: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، فإذا قال للسموات: كوني في جوف بيضة كانت، فقال: انظروا الفرق بين هذا وهذا.

فالمهم أنه يجب أن نطلق فنقول: إن الله على كل شيء قدير.

فإن قال قائل: عبارة ترد كثيراً عند الناس (إنه على ما يشاء قدير) هل هذا جائز؟.

قلنا: لا يجوز إلا مقيداً؛ لأنك إذا قلت: «إنه على ما يشاء قدير» أوهم أن ما لا يشاء لا يقدر عليه، وهو قادر على الذي يشاء والذي لا يشاء.

لكن إذا قُيِّدَتِ المشيئة بشيء معين صح، كقوله تعالى: {{وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ}} [الشورى: 29] ، أي: إذا يشاء جمعهم فهو قادر عليه.

وكذلك في قصة الرجل الذي أدخله الله الجنة آخر ما كان فقال الله له: «إني على ما أشاء قادر» [(328)]؛ لأنه يتعلق بفعل معين.

 

اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلامِ والسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِما، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ،..........

قوله: «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنّة، ومن توفيته منّا فتوفه عليهما» ، هذه الصيغة لم ترد، والوارد: «اللهم من أحييته منّا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» [(329)].

فالوارد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أولى أن من أحياه الله يحييه على الإسلام والانقياد التام، ومن أماته فليتوفه على الإيمان.

والحكمة من ذلك: أن الاستسلام الظاهر حين الوفاة قد لا يتمكن الإنسان منه؛ لأنه منهك وفي آخر قواه، فكان الدعاء له بالإيمان في هذه الحال أبلغ؛ ولأن الإيمان هو اليقين، ووفاة الإنسان على اليقين أبلغ.

وأما الإسلام فإنه استسلام ظاهر بالعمل، ويكون من المؤمن حقاً، ومن ضعيف الإيمان، ومن المنافق أيضاً.

مسألة: الدعاء الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمحافظة عليه من الدعاء غير الوارد، وإن كان الأمر واسعاً.

قوله: «اللهم اغفر له وارحمه» ، هذا الدعاء الخاص، وبدأ بالدعاء العام؛ لأنه أشمل، أما الخاص فهو خاص بالميت.

وقد وردت السنّة بكل من الدعاء العام والخاص، وقد قال العلماء: يجمع بينهما، لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أخلصوا له الدعاء» [(330)] فلا بد من تخصيصه بدعاء، وإن كان الدعاء العام يشمله.

والمغفرة: محو آثار الذنوب وسترها، والإنسان محتاج إلى ستر ذنوبه حياً وميتاً.

«وارحمه» أي: بحصول المطلوب.

ولهذا يجمع بين المغفرة والرحمة كثيراً؛ لأن بالمغفرة النجاة من المرهوب، وبالرحمة حصول المطلوب.

 

وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِع مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ،......

قوله: «وعافه واعف عنه» ، أي: عافه مما قد يصيبه من السوء كعذاب القبر مثلاً.

«واعف عنه» أي: تجاوز عنه ما فرط فيه من الواجب في حال حياته.

فالعفو: التسامح والتجاوز عن مخالفة الأوامر.

والمعافاة: السلامة من آثام المحرم.

والمغفرة: محو آثار الذنوب بالمخالفة.

قوله: «وأكرم نزله» ، «نُزُلَهُ» : بالضم، ويقال: نُزْله بالسكون، وهو القِرى، أي: الإكرام الذي يقدم للضيف، والإنسان الراحل هو في الحقيقة قادم على دار جديدة، فتسأل الله أن يكرم نزله أي ضيافته.

قوله: «وأوسع مدخله» ، يقال: مَدخل، ومُدخل، بالفتح وبالضم، فبالفتح: اسم مكان، أي: مكان الدخول، وبالضم: الإدخال، وعلى هذا فالفتح أحسن، أي: أوسع مكان دخوله، والمراد به القبر، أي: أن الله يوسعه له؛ لأن القبر إما أن يضيق على الميت حتى تختلف أضلاعه ـ والعياذ بالله ـ وإما أن يوسع له مد البصر، فأنت تسأل الله أن يوسع مدخله.

قوله: «واغسله بالماء والثلج والبرد» ، الغسل بالماء: أي: استعمال الماء فيما تلوث، وما حصل فيه أذى؛ من أجل إزالة التلويث والأذى.

والمراد بالغسل هنا: غسل آثار الذنوب، وليس المراد أن يغسل شيئاً حسياً؛ لأن الغسل الحسي قد تم بالنسبة للميت قبل أن يكفن.

ولهذا قال: «بالماء، والثلج، والبرد» .

أورد بعض العلماء على هذا إشكالاً فقال:

إن الغسل بالماء الساخن أنقى، فلماذا قال: «بالماء، والثلج، والبرد» ؟.

والجواب عن ذلك: أن المراد غسله من آثار الذنوب، وآثار الذنوب نار محرقة، فيكون المضاد لها الماء والبرودة.

وقوله: «الثلج والبرد» الفرق بينهما: أن الثلج ما يتساقط من غير سحاب، فيتساقط من الجو مثل الرذاذ ويتجمد.

والبرد: يتساقط من السحاب ويسمى عند بعض أهل اللغة: حب الغمام؛ لأنه ينزل مثل الحب.

 

وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَْبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَاراً خَيراً مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ،...........

قوله: «ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» ، والوارد في الحديث، «ونقه من الخطايا»[(331)].

والخطايا: جمع خطيئة، وهي: ما خالف فيها الصواب، سواء كان فعلاً للمحظور أو تركاً للمأمور.

وقوله: «من الذنوب» ، لو صح الحديث بلفظ: «الذنوب والخطايا» كما أورده المؤلف. لقلنا: الذنوب: الصغائر، والخطايا: الكبائر.

ولكن الحديث ورد بلفظ «الخطايا» فقط.

وبناء عليه نقول: «الخطايا» هنا تشمل: الصغائر، والكبائر.

وقوله: «كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» ، هذا التشبيه لقوة التنقية، أي: نقه نقاء كاملاً، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وخص الأبيض؛ لأن ظهور الدنس على الأبيض أبين من ظهوره على غيره.

قوله: «وأبدله داراً خيراً من داره» الدار الأولى دار الدنيا، والثانية دار البرزخ، وهناك دار ثالثة وهي دار الآخرة.

قوله: «وأبدله داراً خيراً من داره» يشمل الدارين؛ دار البرزخ، ودار الآخرة.

قوله: «وزوجاً خيراً من زوجه» ، أي: سواء كان المصلى عليه رجلاً أم امرأة.

وهناك إشكال؛ لأنه إن كان المصلى عليه رجلاً، وقلنا: «أبدله زوجاً خيراً من زوجه» ، فهذا يقتضي أن الحور خير من نساء الدنيا، وإن كان امرأة فإننا نسأل الله أن يفرق بينها وبين زوجها، ويبدلها خيراً منه. فهذان إشكالان؟

أما الجواب عن الأول: «أبدله زوجاً خيراً من زوجه» ، فليس فيه دلالة صريحة على أن الحور خير من نساء الدنيا؛ لأنه قد يكون المراد خيراً من زوجه في الأخلاق، لا في الخيرية عند الله ـ عز وجل ـ.

وبهذا الجواب يتضح الجواب عن الإشكال الثاني، فنقول: إن خيرية الزوج هنا ليست خيرية في العين، بل خيرية في الوصف، وهذا يتضمن أن يجمع الله بينهما في الجنة؛ لأن أهل الجنة ينزع الله ما في صدورهم من غل، ويبقون على أصفى ما يكون، والتبديل كما يكون بالعين يكون بالصفة، ومنه قوله تعالى: {{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ}} [إبراهيم: 48] .

فالأرض هي الأرض بعينها، لكنها اختلفت، وكذلك السموات.

فإن قيل: إذا كان الميت لم يتزوج فكيف تقول: «وزوجاً خيراً من زوجه» ؟.

فنقول: المراد زوجاً خيراً من زوجه لو تزوج.

وفي الحديث: زيادة «وأهلاً خيراً من أهله» [(332)]، لكن حذفها المؤلف ـ رحمه الله ـ.

 

وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ،..........

قوله: «وأدخله الجنة» هي: دار المتقين، كما قال تعالى: {{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ *}} [آل عمران] .

قوله: «وأعذه من عذاب القبر» لأن القبر فيه عذاب، ولكن الله تعالى قد يقي الإنسان عذابه إذا ألح على الله بالدعاء كما أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «تعوذوا بالله من عذاب القبر» [(333)].

ولهذا أمر أن يتعوذ الإنسان في كل صلاة إذا تشهد التشهد الأخير، من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال[(334)].

قوله: «وعذاب النار» معروف.

فإن قال قائل: أليس إدخال الجنة يغني عن سؤال أن يعيذه الله من عذاب القبر، وعذاب النار؟

الجواب: لا، فإن الإنسان قد يدخل الجنة بعد أن يعذب في القبر، وبعد أن يعذب بالنار، فأنت تسأل الله أن تدخل الجنة نقياً من عذاب سابق، لا في القبر ولا في النار.

وقوله: «اللهم اغفر له» الضمير للمفرد المذكر، فإذا كان الميت أنثى، فهل نقول: اللهم اغفر له، أو نقول: اللهم اغفر لها بالتأنيث؟

الجواب: بالتأنيث؛ لأن ضمير الأنثى يكون مؤنثاً، فنقول: اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها، واعف عنها..... إلى آخر الدعاء.

فإن قيل: الحديث ورد بالتذكير فكيف نؤنث الضمير إذا كان الميت أنثى؟

فالجواب: أن هذا الحديث ورد في الدعاء لميت ذكر، ولو أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا صليتم على الميت فقولوا: اللهم اغفر له... إلخ» لتوجه عدم التأنيث، فنأخذ بالنص ونؤوله على ما يناسب الحال.

وإن كان المقدم اثنين تقول: اللهم اغفر لهما...

وإن كانوا جماعة تقول: اللهم اغفر لهم.

وإن كن جماعة إناث تقول: اللهم اغفر لهن.

وإن كانوا من الذكور والإناث، فيغلب جانب الذكورية، فتقول: اللهم اغفر لهم، فالضمير يكون على حسب من يدعى له.

ونظير هذا من بعض الوجوه حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ في دعاء الغمّ: «اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك....» [(335)].

والمرأة تقول: «اللهم إني أمتك بنت عبدك بنت أمتك....».

وإن كان الإنسان لا يدري هل المقدم ذكر أو أنثى، فهل يؤنِّث الضمير أو يذكِّرُه؟.

الجواب: يجوز هذا وهذا، باعتبار القصد، فإن قلت: اللهم اغفر له، أي: لهذا الشخص، أو للميت، وإن قلت: اللهم اغفر لها، أي: لهذه الجنازة.

 

وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ». وَإِنْ كَانَ صَغِيراً قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعلْهُ ذُخْراً لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطاً، وأَجْراً، وَشَفِيعاً مُجَاباً،..........

قوله: «وافسح له في قبره» أي: وسع له؛ لأن الفسحة السعة، وهذا التوسيع ليس توسيعاً محسوساً بحيث يكون قبره متسعاً يملأ المقبرة، لكنه فَسْحٌ غير محسوس إحساساً دنيوياً؛ لأنه من أحوال الآخرة.

وكما ترون في المنام أن الإنسان يرى أنه في مكان فسيح، وفي نخيل، وأشياء تبهج نفسه، وهو لا يزال في فراشه، فعذاب القبر يشبه من بعض الوجوه ما يراه النائم، وإن كان أشد منه في كونه حقيقة.

وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يورد علينا مورد بأن الناس في قبورهم لا تتسع القبور أكثر مما هي عليه في الواقع؟

فنقول له: هذا أمر غيبي، وليس أمراً حسياً معروفاً.

قوله: «ونور له فيه» ، أي: اجعل له فيه نوراً.

قال في الروض: «ولا بأس بالإشارة بالأصبع حال الدعاء للميت» ، وهذا فيه نظر!!

قوله: «وإن كان صغيراً قال....» ، هذا فيه بيان صيغة الدعاء للصغير إذا صلي عليه.

ولكن هل ثبت هذا الدعاء بهذه الصيغة للصغير؟

الجواب: لا، لم يثبت بهذه الصيغة للصغير، ولكن ورد أنه يصلى عليه، ويدعى له، ويدعى لوالديه[(336)].

ولكن العلماء ـ رحمهم الله ـ استحسنوا هذا الدعاء.

قوله: «اللهم اجعله ذخراً لوالديه» الذخر: بمعنى المذخور، أي: أنها مصدر، بمعنى اسم المفعول، أي: مذخوراً لوالديه يرجعان إليه عند الحاجة.

قوله: «وفرطاً» الفرط: السابق السالف، وهنا إشكال كيف نقول: إنه فرط لوالديه إذا كانا قد ماتا قبله؟

فيقال: إنه فرط لوالديه في الآخرة يتقدمهما؛ ليكون لهما أجرهُ.

قوله: «وأجراً» أي: اجعله لهما أجراً، وهذا ظاهر فيما إذا كانا حيَّين؛ لأنهما سوف يصابان به؛ فإذا أصيبا به فصبرا على هذه المصيبة صار أجراً لهما. أما إذا كانا ميتين، فلا يظهر هذا، لكن لعل الفقهاء ذكروا هذا بناء على الأغلب.

قوله: «شفيعاً» الشفيع: بمعنى الشافع، كالسميع بمعنى السامع.

والشفيع: هو الذي يتوسط لغيره بجلب منفعة، أو دفع مضرة. وسُمي شفيعاً؛ لأنه يجعل المشفوع له اثنين بعد أن كان وتراً، فصار بضم صوته إلى صوت المشفوع له شفيعاً له.

قوله: «مجاباً» لأن الشفيع قد يجاب، وقد لا يجاب، فسأل الله أن يكون شفيعاً مجاباً.

 

اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا،..........

قوله: «اللهم ثقل به موازينهما» أي: موازين الأعمال، وذلك في كونه أجراً لهما؛ لأنه كلما كان أجراً ثقلت به الموازين.

والموازين: جمع ميزان، وهو: ما توزن به أعمال العباد يوم القيامة.

واختلف العلماء هل هو ميزان حقيقي أو كناية عن إقامة العدل؟

فذهبت المعتزلة إلى أنه كناية عن إقامة العدل، وأنه ليس هناك ميزان حسي.

والصواب أنه ميزان حسي لحديث صاحب البطاقة «أن ذنوبه تُجعل في كفة، ولا إله إلا الله في كفة» [(337)]، وهو ظاهر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان» [(338)]، فهو ميزان له كفتان، ولكن هاتين الكفتين لا نعلم كيفيتهما؛ لأن ذلك من أمور الغيب التي لم نعلم عنها.

وهل الذي يوزن العمل، أو العامل، أو صحائف العمل؟

على أقوال ثلاثة للعلماء:

القول الأول: أن الذي يوزن العمل.

القول الثاني: أن الذي يوزن العامل.

القول الثالث: أن الذي يوزن صحائف الأعمال.

وذلك لاختلاف النصوص في ذلك.

فحجة من قال: إن الذي يوزن العمل ما يلي:

1 ـ قوله تعالى: {{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *}} [الزلزلة] .

2 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان» .

وحجة من قال إن الذي يوزن صاحب العمل ما يلي:

1 ـ قوله تعالى: {{فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً}} [الكهف: 105] .

2 ـ حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: لما قام فهبت الريح فضحك الناس منه؛ لأنه ـ رضي الله عنه ـ دقيق الساقين، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن ساقيه في الميزان أعظم من أُحد» [(339)].

وحجة من قال: إن الذي يوزن صحائف الأعمال: حديث صاحب البطاقة «الذي يؤتى له بسجلات عظيمة كلها ذنوب، حتى إذا رأى أنه قد هلك، قيل له: إن لك عندنا حسنة واحدة فيؤتى ببطاقة صغيرة فيها لا إله إلا الله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم شيئاً، ثم توضع البطاقة في كفة، وبقية الأعمال في كفة، فترجح بهنَّ وتميل» [(340)].

فيجاب: إن حقيقة هذا وزن الأعمال؛ لأن الصحائف إنما تثقل وتخف بما فيها من العمل.

وقد يقال: إن الأكثر وزن الأعمال، وقد توزن صحائف الأعمال.

ولكن الراجح والذي عليه الجمهور أن الذي يوزن العمل.

 

وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ».

قوله: «وأعظم به أجورهما» ، أي: اجعل أجورهما عظيمة، وهنا إشكال نحوي حيث قال: «أجورهما» مع أن المضاف إليه مثنى أي لم يقل: عظم به أجريهما؟

والجواب على هذا: أن الأفصح في اللغة العربية إذا أضيف إلى المثنى أن يؤتى بالجمع، ثم الإِفراد، ثم التثنية، إلا أن يكون هناك حاجة؛ لأن يؤتى بالتثنية، أو الإفراد، أو الجمع، قال تعالى: {{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}} [التحريم: 4] ، مع أنه ليس لهما إلا قلبان، كما قال تعالى: {{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}} [الأحزاب: 4] ، ولم يقل فقد صغى قلباكما، ولم يقل: فقد صغى قلبكما؛ لأن الأفصح الجمع.

قوله: «وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم» ، أي: بصغار المؤمنين الذين سلفوا، وذلك أن الصغار من الولدان يكونون في كفالة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد رآهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ حينما عُرج به ـ عند إبراهيم وسأل عنهم، فقيل له: هؤلاء ولدان المؤمنين[(341)]؛ ولهذا قال: «واجعله في كفالة إبراهيم» .

قوله: «وقه برحمتك عذاب الجحيم» ، «قه» من الوقاية، أي: اجعله سالماً من عذاب الجحيم.

«برحمتك» من باب التوسل بصفة الله ـ عز وجل ـ.

لكن كيف يقول: «قه برحمتك عذاب الجحيم» ، وهو صغير لم يبلغ، فليس عليه عذاب؟

قال بعض العلماء: ما من إنسان إلا ويلج النار، ومن ذلك الصغار؛ لقوله تعالى: {{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا *}} [مريم] ، فيكون هذا دعاء لهذا الصبي أن يقيه الله عذاب الجحيم إذا عرض عليها يوم القيامة.

 

وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلاً، وَيُسَلِّمُ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ .....

قوله: «ويقف بعد الرابعة قليلاً» أي: يقف قليلاً؛ ليتميز التكبير من السلام، أو من أجل أن يتراد إليه نفسه.

وقوله: «يقف قليلاً» ظاهره أنه لا يدعو، وهو أحد الأقوال في المسألة.

واختار بعض الأصحاب ـ رحمهم الله ـ أنه يدعو بقوله: «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله» .

وقال بعضهم يدعو بقوله: «ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» ؛ لأن هذا الدعاء تختم به الأدعية، ولهذا جعله النبي صلّى الله عليه وسلّم في نهاية كل شوط من الطواف، حيث يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» [(342)].

والقول بأنه يدعو بما تيسر أولى من السكوت؛ لأن الصلاة عبادة ليس فيها سكوت أبداً إلا لسبب كالاستماع لقراءة الإمام، ونحو ذلك.

قوله: «ويسلم واحدة عن يمينه» وإن سلم تلقاء وجهه فلا بأس، لكن عن اليمين أفضل.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا يسن الزيادة على تسليمة واحدة وهو المذهب.

والصحيح: أنه لا بأس أن يسلم مرة ثانية؛ لورود ذلك في بعض الأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم[(343)].

والذين قالوا: إنه يسلم واحدة استدلوا:

1 ـ بأثر في صحته نظر[(344)].

2 ـ بالمعنى: أن هذه الصلاة مبنية على التخفيف، والتسليمة الواحدة أخف.

لكن لو سلم مرتين، فلا حرج، ولا ينكر عليه.

وكذلك إذا سلم الإمام تسليمة واحدة فللمأموم أن يسلم تسليمتين لأنه لا يتحقق به المخالفة.

قوله: «ويرفع يديه مع كل تكبيرة» ، «ويرفع» الضمير يعود على المصلي، أي : يرفع يديه مع كل تكبيرة على صفة ما يرفعهما في صلاة الفريضة، أي: يرفعهما حتى يكونا حذو منكبيه، أو حذو فروع أذنيه.

وقوله: «مع كل تكبيرة» ، هذا هو القول الصحيح والدليل على ذلك ما يلي:

1 ـ ورود السنة بذلك[(345)]، بسند جيد، كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز ـ حفظه الله ـ، وأعله الدارقطني بعمر بن شيبة[(346)]، لكن قال الشيخ عبد العزيز: إن عمر ثقة، والزيادة من الثقة عند علماء الحديث مقبولة، إذا لم تكن منافية وهنا لا تنافي؛ لأن المسكوت عنه ليس كالمنطوق، ولا منافاة إلا إذا تعارض منطوقان، أما إذا كان أحدهما ناطقاً والثاني ساكتاً فلا معارضة؛ لأن عدم النقل ليس نقلاً للعدم.

2 ـ أنه صح عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ موقوفاً[(347)]، وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يثبت بالاجتهاد.

ولو قيل: لعل ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قاس ذلك على غيرها من الصلوات؟

فالجواب: أن الصلوات الأخرى ليس فيها رفع في كل تكبيرة، كما ثبت ذلك من حديث ابن عمر نفسه.

3 ـ أن المعنى يقتضيه؛ لأنه إذا حرك يديه اجتمع في الانتقال من التكبيرة الأولى قول وفعل، كسائر الصلوات، فإن الصلوات يكون مع القول فعل إما ركوع، أو سجود، أو قيام، أو قعود، فكان من المناسب أن يكون مع القول فعل، ولا فعل هنا يناسب إلا رفع اليدين؛ لأن الركوع والسجود متعذران فيبقى رفع اليدين.

وحينئذٍ يكون رفع اليدين في كل تكبيرة مؤيداً بالأثر، والنظر.

وقوله: «مع كل تكبيرة»، سبق في كتاب الصلاة أنه: إن شاء ابتدأ رفع اليدين مع ابتداء التكبير، وإن شاء إذا كبر رفع، وإن شاء رفع ثم كبر.

 

وَوَاجِبُهَا: قِيَامٌ، وَتَكْبِيرَاتٌ أَرْبَعٌ،...........

قوله: «وواجبها: قيام» أي: ما يجب فيها، وليس المراد الواجب الاصطلاحي الذي هو قسيم الركن أو الشرط، بل المراد بالواجب هنا: ما يجب فيها فلا ينافي ذلك أن يكون ركناً، كما نقول: قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة.

فقوله: «وواجبها» ليس قسيم أركانها؛ لأن هذا الذي ذكره المؤلف أركانها.

وقوله: «قيام» ، أي: واجب إذا كانت فريضة، وعلى هذا فإذا أعيدت صلاة الجنازة مرة ثانية كان القيام في المرة الثانية سنة، وليس بواجب؛ لأن الصلاة المعادة ليست فريضة.

قوله: «وتكبيرات أربع» أي: أركان؛ لأن كل تكبيرة منها كالركعة.

وقوله: «أربعٌ» أي: لا تقل عن أربع، وله الزيادة إلى خمس، وإلى ست، وإلى سبع، وإلى ثمان، وإلى تسع كل هذا ورد. لكن الثابت في صحيح مسلم إلى خمس[(348)]، ففيه أن زيد بن أرقم ـ رضي الله عنه ـ «صلى على جنازة فكبر عليها خمساً، وأخبر أن ذلك من فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم» ، ولهذا ينبغي للأئمة أحياناً أن يكبروا على الجنازة خمس مرات إحياءً للسنة، وسيقول بعض الناس: إن إمامنا نسي فزاد خامسة، لكن إذا فعلها مرة بعد مرة، وبين للناس أن هذا من السنة فذلك حسن.

مسألة: إذا كبرنا خمساً، فماذا نقول بعد الرابعة والخامسة؟

الجواب: لا أعلم في هذا سنة، لكنني إذا أردت أن أكبر خمساً جعلت بعد الثالثة الدعاء العام، وبعد الرابعة الدعاء الخاص بالميت، وما بعد الخامسة {{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}} [البقرة] ، ولهذا قد يعرف النبيه أنني أريد أن أكبر خمساً، إذا صار الدعاء بعد الثالثة قصيراً.

 

وَالْفَاتِحَةُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَدَعْوَةٌ لِلْمَيِّتِ، وَالسَّلاَمُ. .....

قوله: «والفاتحة» ، قراءة الفاتحة ركن؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» [(349)].

وقرأ ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ الفاتحة، وجهر بها، وقال: «ليعلموا أنها سنة» [(350)]، أي: أنها مشروعة، وليس المعنى إن شئت فاقرأها وإن شئت فلا تقرأها.

ولا وجه لمن قال بعدم وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؛ مع عموم الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ، وهذه صلاة بدلالة الكتاب والسنة.

وإذا انتهى المأموم من قراءة الفاتحة قبل تكبير الإمام للثانية فإنه يقرأ سورة أخرى؛ لأن ذلك قد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم[(351)].

قوله: «والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم» ، أي: من واجبات الصلاة على الميت، وهو ركن على المشهور من المذهب، وهو مبني على القول بركنية الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصلوات.

أما إذا قلنا: بأنها ليست ركناً في الصلوات فهي هنا ليست بركن، لكن الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذا المقام لها شأن[(352)]؛ لأن الفاتحة ثناء على الله، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم صلاة عليه، والثالثة دعاء فينبغي للداعي أن يقدم بين يديه الثناء على الله، ثم الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم.

ولم يبين هنا كيفيته، ولكنه بين فيما سبق أنها كالتشهد، ويكفي أن يقول: اللهم صلِّ على محمد.

قوله: «ودعوة للميت» ، هذا من الأركان أيضاً؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» [(353)]؛ ولأن هذا هو لبُّ هذه الصلاة، فأصل الصلاة على الميت إنما كانت للدعاء له.

قوله: «والسلام» أي: ركن، لكنه يكفي فيه تسليمة واحدة، كما سبق ذكره.

ودليله: قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «كان يختم الصلاة بالتسليم» [(354)]، وهذا وإن لم يكن ظاهراً في عموم صلاة الجنازة، لكن يصح أن يكون متمسكاً؛ ولأنها عبادة افتتحت بالتكبير، فتختتم بالتسليم كالصلاة المفروضة.

والترتيب بين أركان صلاة الجنازة واجب فيبدأ بالفاتحة، ثم الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم الدعاء؛ فلا يقدم بعضها على بعض. وكذلك تكميل التكبيرات الأربع؛ فإن سلم من ثنتين ساهياً أكمل مع القرب، وأعاد مع البعد.

 

وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ.

قوله: «ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته» ، أي على صفة ما فاته؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما فاتكم فأتموا» [(355)].

ويستفاد من قول المؤلف: «شيء من التكبير» ، أن التكبيرة بمنزلة الركعة.

مسألة: إذا دخل مع الإمام في التكبيرة الثالثة هل يقرأ الفاتحة، أو يدعو للميت؛ لأن هذا مكان الدعاء؟

الجواب: الظاهر لي: أنه يدعو للميت، حتى على القول بأن أول ما يدركه المسبوق أول صلاته، فينبغي في صلاة الجنازة أن يتابع الإمام فيما هو فيه؛ لأننا لو قلنا لهذا الذي أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة: اقرأ الفاتحة، ثم كبر الإمام للرابعة، وقلنا: صلِّ على النبي ثم حملت الجنازة فاته الدعاء له.

وقول المؤلف: «ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته» ، ظاهره: الوجوب.

وظاهره أيضاً: أنه يقضيه، سواء أخشي حمل الجنازة أم لم يخش.

ووجه ذلك: أنه إذا قدر أن الجنازة رفعت قبل أن يتم، فإنه يدعو لها ولو في غيبتها للضرورة.

ولكن قيده الأصحاب ـ رحمهم الله ـ فقالوا: «ما لم يخش رفعها» ، أي: إذا خشي الرفـع تـابـع وسلَّم.

والغالب في جنائزنا أنها ترفع ولا يتأخرون فيها حتى يقضي الناس، وعلى هذا فيتابع التكبير ويسلِّم.

ومع هذا قالوا: «وله أن يسلم مع الإمام» ؛ لأن الفرض سقط بصلاة الإمام، فما بعد صلاة الإمام يعتبر نافلة، والنافلة يجوز قطعها.

وقيل: بل يقضيها على صفتها، والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» [(356)]، فيلزم من هذا أن يتمه على صفته.

إذاً أحوال المسبوق في صلاة الجنازة ثلاث حالات:

الأولى: أن يمكنه قضاء ما فات قبل أن تحمل الجنازة فهنا يقضي، ولا إشكال فيه؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «ما فاتكم فأتموا» [(357)].

الثانية: أن يخشى من رفعها فيتابع التكبير، وإن لم يدع إلا دعاء قليلاً للميت.

الثالثة: أن يسلم مع الإمام، ويسقط عنه ما بقي من التكبير.

وعلته: أن الفرض سقط بصلاة الإمام، فكان ما بقي مخيراً فيه.

ومع هذا فليس هناك نص صحيح صريح في الموضوع؛ أعني سَلاَمَهُ مَعَ الإمام، أو متابعته التكبير بدون دعاء، لكنَّهُ اجتهاد من أهل العلم رحمهم الله.

 

وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى عَلَى القَبْرِ وَعَلَى غَائِبٍ بِالنِّيَّةِ إِلَى شَهْرٍ ...........

قوله: «ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر» ، أي: يصلي على القبر إن كانت دفنت، وإلا صلى عليها ولا ينتظر؛ لأن الصلاة على القبر إنما تكون للضرورة إذا لم يمكن حضور الميت بين يديه.

ودليل ذلك: قصة المرأة التي كانت تقمُّ المسجد، أي ترفع قمامته وتنظفه، فماتت ليلاً، ولم يؤذن النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك تحقيراً لشأنها؛ ولئلا يشق على النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلما سأل عنها أخبروه أنها ماتت فقال: «هلاَّ كنتم آذنتموني، ـ أي: أخبرتموني ـ، فقال: دلوني على قبرها فخرج بنفسه عليه الصلاة والسلام وصلى على قبرها» [(358)].

وفي هذا من عناية الرسول عليه الصلاة والسلام بأهل الخير ما هو ظاهر، إذ ليس لها عمل إلا أنها تقم المسجد، مع أنها امرأة سوداء.

وفيه عناية الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالمساجد، كما جاء في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب» [(359)].

وفيه تواضع النبي صلّى الله عليه وسلّم للخروج إلى قبرها ليصلي عليه، وإلا فبإمكانه أن يدعو لها في مكانه.

وفيه تعظيم شأن هذه المرأة السوداء، والشكر لها على عملها.

مسائل:

الأولى: يصلى على القبر صلاة الجنازة المعروفة، إن كان رجلاً وقف عند رأسه، وإن كانت أنثى وقف عند وسط القبر، فيجعل القبر بينه وبين القبلة.

الثانية: لو سقط شخص في بئر ولم نستطع إخراجه، فيصلى عليه فيها ثم تطم البئر، ويسقط تغسيله، وتكفينه لعدم القدرة على ذلك.

الثالثة: إذا اجتمعت عدة قبور لم يصل عليها؛ فإن كانت كلها بين يديه فيصلى عليها جميعاً صلاة واحدة. وإلا فيصلى على كل قبر.

قوله: «وعلى غائب بالنية» ، لأن الغائب ليس بين يديه حتى ينوي الصلاة على شيء مشاهد، ولكن يصلي بالنية.

وقوله: «غائب» أي: غائب عن البلد، ولو دون المسافة، أما من في البلد فلا يشرع أن يصلي عليه صلاة الغائب، بل المشروع أن يخرج إلى قبره ليصلي عليه.

ولهذا يخطئ بعض الجهال الذين يصلون على الميت في أطراف البلد وهو ميت في بلده، فإن هذا خلاف السنة، فالسنة أن تخرج إلى القبر وتصلي عليه.

قوله: «إلى شهر» ، أي: يصلى على الغائب، وعلى القبر إلى نهاية شهر.

والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلى على قبر إلى شهر» [(360)].

ولكن كون الرسول عليه الصلاة والسلام صلى على قبر له شهر لا يدل على التحديد؛ لأن هذا فعل وقع اتفاقاً ليس مقصوداً، وما فعل اتفاقاً فليس بدليل اتفاقاً؛ لأنه لم يقصد.

وخلاف الأصحاب في هذه المسألة لا يقدح في هذه القاعدة؛ لأنهم يخالفون في كونه وقع اتفاقاً، ويقولون: بل وقع قصداً.

والصحيح: أنه يُصلى على الغائب، ولو بعد شهر، ونصلي على القبر أيضاً ولو بعد الشهر.

إلا أن بعض العلماء قيده بقيد حسن قال: بشرط أن يكون هذا المدفون مات في زمن يكون فيه هذا المصلي أهلاً للصلاة.

مثال ذلك: رجل مات قبل عشرين سنة، فخرج إنسان وصلى عليه وله ثلاثون سنة فيصح؛ لأنه عندما مات كان للمصلي عشر سنوات، فهو من أهل الصلاة على الميت.

مثال آخر: رجل مات قبل ثلاثين سنة، فخرج إنسان وله عشرون سنة ليصلي عليه فلا يصح؛ لأن المصلي كان معدوماً عندما مات الرجل، فليس من أهل الصلاة عليه.

ومن ثم لا يشرع لنا نحن أن نصلي على قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وما علمنا أن أحداً من الناس قال: إنه يشرع أن يصلي الإنسان على قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، أو على قبور الصحابة، لكن يقف ويدعو.

وقوله: «وعلى غائب» أطلق فيشمل كل غائب؛ رجلاً كان أو امرأة، شريفاً أو وضيعاً، قريباً أو بعيداً، فتصلي على كل غائب.

وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال ثلاثة:

القول الأول: أنه يصلى على كل غائب، ولو صلى عليه آلاف الناس.

وبناء على هذا القول اتخذ بعض العلماء عملاً لا يشك أحد في أنه بدعة، فقال: إذا أردت أن تنام فصلِّ صلاة الجنازة على كل من مات في اليوم والليلة من المسلمين تؤجر أجراً كثيراً، فقد يكون مات في هذه الليلة آلاف فيكون لك أجر آلاف الصلوات.

ولكن هذا القول لا شك أنه بدعة؛ لأن أعلم الناس بالشرع، وأرحم الناس بالخلق، وأحب الناس أن ينفع الناس الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك، ولا فعله خلفاؤه الراشدون، ولا علم عن أحد من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ.

القول الثاني: أنه يصلى على الغائب إذا كان فيه غناء للمسلمين، أي: منفعة، كعالم نفع الناس بعلمه، وتاجر نفع الناس بماله، ومجاهد نفع الناس بجهاده، وما أشبه ذلك، فيصلى عليه شكراً له ورداً لجميله، وتشجيعاً لغيره أن يفعل مثل فعله.

وهذا قول وسط اختاره كثير من علمائنا المعاصرين وغير المعاصرين.

القول الثالث: لا يصلى على الغائب إلا على من لم يصلَّ عليه. حتى وإن كان كبيراً في علمه، أو ماله، أو جاهه، أو غير ذلك، فإنه لا يصلى عليه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.

واستدل لذلك: بأن الصلاة على الجنازة عبادة، والعبادة لا تشرع إلا من الكتاب والسنة، ولم يحفظ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه صلى على غائب إلا على النجاشي؛ لأنه مات بين أمة مشركة، ليسوا من أهل الصلاة، وإن كان أحد منهم آمن، فلا يعرف عن كيفية الصلاة شيئاً. فأخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم في اليوم الذي مات فيه، وهو في الحبشة، والرسول صلّى الله عليه وسلّم في المدينة وقال: «إنه مات عبد لله صالح» ، وفي بعض الروايات: «إن أخاً لكم قد مات ثم أمرهم أن يخرجوا إلى المصلى» [(361)]، فالاستدلال بصلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم على النجاشي لا يصح؛ لأنه لا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، لكن يستدل بالأعم على الأخص؛ لأن العام يشمل جميع أفراده، فقضية النجاشي قضية خاصة، وليست لفظاً عاماً.

قوله: (أمرهم أن يخرجوا إلى المصلى) : إما مصلى الجنائز؛ لأنه في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان للجنائز مصلى خاص، وإما مصلى العيد، والحديث محتمل للقولين، وبكل من القولين قال بعض العلماء.

فمن قال: إن المراد مصلى العيد قال: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك إظهاراً لشرف هذا الرجل، ورداً لجميله؛ لأنه آوى الصحابة الذين هاجروا إليه، وكونه يصلى عليه في مصلى العيد أظهر.

وقال بعض العلماء: المراد مصلى الجنائز؛ لأن «أل» للعهد، وهذه صلاة جنازة، فتحمل على المعهود في صلاة الجنازة، وهو مصلى الجنائز.

المهم: أنه لم يحفظ عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه صلى على جنازة غائبة غير النجاشي، ولا عن الصحابة، مع أنه لا شك أنه يموت العظماء وذوو الغناء في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي عهد الخلفاء الراشدين.

وهذا القول أقرب إلى الصواب.

وقوله: «إلى شهر» ، أي: وبعد الشهر لا يصلى عليه إن صلي عليه، فإن كان لم يصلَّ عليه صلينا عليه، ولو بعد سنين.

وهذه مسألة تقع كثيراً في البادية في زمن الجهل، فقد يموت عندهم الرجل ويدفنونه بدون تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة. ثم يأتون الآن يسألون عن هذا، فالواجب أن يصلى عليه كما سبق.

 

وَلاَ يُصَلِّي الإِمَامُ عَلَى الغَالِّ وَلاَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ،..............

قوله: «ولا يصلي الإمام على الغال» ، إذا أطلق الفقهاء الإمام فالمراد به: الإمام الأعظم، أي: رئيس الدولة فلا يصلي على الغال.

والغال: هو من كتم شيئاً مما غنمه في الجهاد.

مثاله: أن يغنم مع المجاهدين شيئاً، ويكتمه يريد أن يختص به لنفسه، فهذا قد فعل إثماً عظيماً ـ والعياذ بالله ـ وأتى كبيرة من كبائر الذنوب. قال تعالى: {{وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}} [آل عمران: 161] . فسوف يأتي بما غله حاملاً إياه على رقبته يوم القيامة، خزياً وعاراً وفضيحة.

ولما كانت المسألة كبيرة ومتعلقة بعموم المسلمين، امتنع النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يصلي على الغال، نكالاً لمن يأتي بعده. ولا تسقط الصلاة عن بقية المسلمين، فيجب عليهم أن يصلوا عليه.

ودليل ذلك: ما روى زيد بن خالد ـ رضي الله عنه ـ قال: «توفي رجل من جهينة يوم خيبر فذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم، قال: إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله، ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين»[(362)].

قوله: «ولا على قاتل نفسه» ، أي: لا يصلي الإمام على قاتل نفسه نكالاً لمن بقي بعده؛ لأن قاتل نفسه ـ والعياذ بالله ـ أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وسوف يعذب في جهنم بما قتل به نفسه. فإن قتلها بخنجر ففي يده خنجر في نار جهنم يطعن به نفسه. وإن قتلها بسُم ففي فمه سم يتحسَّاه في النار، وإن قتلها بالتردي من أعلى جبل، أو جدار، أو ما أشبه ذلك فكذلك يعذب به في نار جهنم، كما جاء ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم[(363)].

وكثير من الناس غير المسلمين إذا ضاقت به الدنيا قتل نفسه والعياذ بالله ـ فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ عجل العقوبة لنفسه ـ والعياذ بالله ـ؛ لأنه يعذب من حين أن يموت.

ودليل ذلك: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أتي برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه» [(364)].

ولكن هل يصلي عليه بقية الناس؟

الجواب: نعم، يصلي عليه بقية الناس؛ لأنه مسلم لا يكفر، وإن كان يخلد في النار إلى أن يشاء الله.

ولو قال قائل: أفلا ينبغي أن يعدى هذا الحكم إلى أمير كل قرية أو قاضيها أو مفتيها، أي من يحصل بامتناعه النكال، هل يتعدى الحكم إليهم؟

فالجواب: نعم يتعدى الحكم إليهم، فكل من في امتناعه عن الصلاة نكال فإنه يسن له أن لا يصلي على الغال، ولا على قاتل نفسه.

مسألة: هل يلحق بالغال، وقاتل النفس من هو مثلهم، أو أشد منهم أذية للمسلمين، كقطاع الطرق مثلاً؟

الجواب: المشهور من المذهب: لا يلحق.

والقول الثاني: أن من كان مثلهم، أو أشد منهم، فإنه لا يصلي الإمام عليه؛ لأن الشرع إذا جاء في العقوبة على جرم من المعاصي، فإنه يلحق به ما يماثله، أو ما هو أشد منه.

فإذا كان الذي غلَّ هذا الشيء اليسير لم يصل عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم فما بالك بمن يقف للمسلمين في الطرق، ويقتلهم ويأخذ أموالهم، ويروعهم، أليس هذا من باب أولى أن ينكل به؟

الجواب: بلى، ولهذا فالصحيح: أن ما ساوى هاتين المعصيتين، ورأى الإمام المصلحة في عدم الصلاة عليه، فإنه لا يصلي عليه.

مسألة: ما الجواب عن قوله صلّى الله عليه وسلّم فيمن قتل نفسه: «خالداً مخلداً فيها أبداً» [(365)].

الجواب: هذا الحديث نظير الآية من بعض الوجوه: {{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *}} [النساء] ، وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة كثيرة منها:

أن هذا فيمن كان مستحلاً للقتل، وعرض هذا الجواب على الإمام أحمد فضحك وقال: سبحان الله، إذا استحل القتل فهو كافر سواء قتل أو لم يقتل.

ومنهم من قال: إنه على شرط، أي هذا جزاؤه إن جازاه الله.

ومنهم من قال: إن هذا سبب، والسبب قد وجد فيه مانع وهو الإيمان.

ومنهم من قال: إن هذا على ظاهره أن من فعل هذا فإنه يختم له بسوء الخاتمة فإن تاب تاب الله عليه، ويؤيده قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً» [(366)]، وهذا والذي قبله أحسن الأجوبة.

مسألة: إذا وجد بعض ميت فهل يغسل ويكفن ويصلى عليه؟

الجواب: إن كان الموجود جملة الميت؛ بأن وجدنا رجُلاً بلا أعضاء فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وإن كان الموجود عضواً من الأعضاء؛ فإن كان قد صلي على جملة الميت فلا يصلى عليه، وإن كان لم يُصلَّ عليه فإنه يصلى على هذا الجزء الموجود.

 

وَلاَ بَأْسَ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ.

قوله: «ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد» ، أي: لا بأس بالصلاة على الميت في المسجد، وإنما قال: «لا بأس» رداً لقول من يقول: تكره الصلاة على الأموات في المساجد؛ لأن المساجد إنما بنيت للصلاة، وقراءة القرآن والذكر، لا لأن تحمل إليها الجنائز؛ ليصلى عليها فيها والرسول صلّى الله عليه وسلّم قد جعل للجنائز مصلى خاصاً بها، ولأنه ربما يحصل من الميت تلويث المسجد فيخرج منه خارج، أو يكون فيه رائحة كريهة، أو ما أشبه ذلك.

والصحيح: أنه لا بأس بذلك.

والدليل عليه: حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلى على سهل بن بيضاء في المسجد» [(367)]، والرسول صلّى الله عليه وسلّم وإن كان له مصلى للجنائز، لكنه أحياناً يصلي على الجنائز في المسجد.

فإذا قال قائل: على القول بالكراهة فأين يصلى على الجنائز؟

الجواب: يعدُّ مصلى خاص للجنائز، كما هو متبع في كثير من البلاد الإسلامية، وينبغي أن يكون قريباً من المقبرة؛ لأنه أسهل على المشيعين؛ فالناس إذا اجتمعوا مثلاً في مسجد في داخل البلد صار في ذلك مضايقة؛ فسينفرون مع الجنازة جميعاً، وقد تكون المقبرة بعيدة، لكن إذا كان مصلى الجنائز قريباً من المقبرة صار الناس يأتون أرسالاً من بيوتهم إلى هذا المصلى، ثم يصلون عليها، ثم يخرجون إلى المقبرة بلا مشقة.

وعندنا في نجد لا يخصصون مصلى للجنائز، بل الجنائز يؤتى بها إلى المساجد، وإذا كان لا بأس به فإننا لا ننهى عنه، ولا نقول: إنه يخشى من الميت على المسجد، إلا إذا كان هناك قضية خاصة بأن يكون الميت مات بحادث، والدم لا زال ينزف منه، فهذا نمنع أن يصلى عليه في المسجد؛ لأنه يلوثه.

 

فَصْلٌ

 

يُسَنُّ التَّرْبيعُ فِي حَمْلِهِ، وَيُبَاحُ بَيْنَ العَمُودَيْنِ ...........

قوله: «فصل» .

المؤلف ـ رحمه الله ـ مشى على الترتيب الآتي: تغسيل الميت، ثم التكفين، ثم الصلاة، ثم الحمل، والدفن.

قوله: «يسن التربيع في حمله» ، التربيع في حمل الميت سنة، لحديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وفيه: «من اتبع جنازة فليحمل من جوانب السرير كلها فإنه من السنة»[(368)] ؛ ولأن الإنسان إذا ربع حمل الميت من جميع الجهات.

وصفة التربيع: أن يأخذ بجميع أعمدة النعش، ولهذا سميناه تربيعاً؛ لأن أعمدة النعش أربعة.

فيبدأ بالجهة الأمامية بالعمود الذي على يمين الميت، والميت على النعش، ثم يرجع إلى العمود الذي وراءه، ثم يتقدم مرة ثانية للعمود الذي عن يسار الميت، ثم يرجع إلى الخلف، وبعد ذلك يحمل بما شاء.

هذا ما اختاره أصحابنا رحمهم الله.

وقال بعض العلماء: بل يحمله بين العمودين.

قوله: «ويباح بين العمودين» ، هذا بيان حكم الحمل بين العمودين.

وقال بعض العلماء: يسن أن يحمل بين العمودين، أي: بأن يكون أحد العمودين على كتفه الأيمن والآخر على كتفه الأيسر، هذا إذا كان النعش صغيراً، أما إذا كان واسعاً فيجعل عموداً على يده اليمنى، وعموداً على يده اليسرى، ولكن لا شك أن فيه مشقة على الحامل، ولا سيما إذا كانت الجنازة ثقيلة.

واستدلوا: بأنه صلّى الله عليه وسلّم حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين[(369)].

والذي يظهر لي في هذا: أن الأمر واسع، وأنه ينبغي أن يفعل ما هو أسهل، ولا يكلف نفسه، فقد يكون التربيع صعباً أحياناً، فيما إذا كثر المشيعون فيشق على نفسه وعلى غيره.

وأما الحمل بين العمودين فهو شاق أيضاً، اللهم إلا إذا كان هناك عمودان يلتقيان عن قرب، بحيث يكون كل عمود على عاتقٍ، فيمكن أن يكون سهلاً.

هذا إذا كان الميت محمولاً على نعش، وإن كان صغيراً فيحمل بين الأيدي إذا كان لا يشق.

مسألة: هل ينبغي أن يوضع على النعش «مِكَبَّة» أو لا؟

والمكبة مثل الخيمة أعواد مقوسة توضع على النعش، ويوضع عليها سترٌ.

الجواب: إن كانت أنثى فنعم، وقد استحبه كثير من العلماء؛ لأن ذلك أستر لها.

وقد ذكر البيهقي ـ رحمه الله ـ: أن فاطمة بنت محمد صلّى الله عليه وسلّم أوصت بذلك[(370)]، وقيل: غير هذا[(371)].

وهذا مستعمل في الحجاز، ولكنه في نجد لا يعرف، ولو فعله أحدٌ لكان محسناً، ولا ينكر عليه؛ لأنه تقدم أحياناً بعض الجنائز من النساء يشاهد الإنسان أشياء لا يحب أن يشاهدها، فإذا جعلت عليها «المكبة» فإنها تسترها.

قال في الروض: «فإن كانت امرأة استحب تغطية نعشها بمكبة؛ لأنه أستر لها ويروى أن فاطمة صنع لها ذلك بأمرها ويجعل فوق المكبة ثوب. وكذا إن كان بالميت حَدَبٌ ونحوه» ؛ لأجل ستر هذا التشويه.

أما الرجل فلا يسن فيه هذا، بل يبقى كما هو عليه؛ لأنه فيه فائدة، وهي: قوة الاتعاظ إذا شاهده من كان معه بالأمس جثة على هذا السرير، وإن ستر بعباءة كما هو معمول به عندنا فلا بأس.

 

وَيُسَنُّ الإِسْرَاعُ بِهَا، وَكَوْنُ المُشَاةِ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانِ خَلْفَهَا، وَيُكْرَهُ جُلُوسُ تَابِعِهَا حَتَّى تُوضَعَ، .........

قوله: «ويسن الإسراع بها» أي: يستحب؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشرٌ تضعونه عن رقابكم» [(372)]، إلا أن يخشى من تمزق الجنازة كما لو كان محترقاً، فيعمل ما يزول به هذا المحذور.

وليس المراد بالإسراع الخبب العظيم، كما يفعل بعض الناس، فإن هذا يتعب المشيعين، وقد ينزل من الميت شيء فيلوث الكفن، لارتخاء أعصابه، وأيضاً التباطؤ الشديد خلاف السنة؛ ولهذا قال في الروض: «الإسراع بها دون الخبب»، والخَبَب: الإسراع الشديد.

قال الفقهاء مفسرين للإسراع المشروع: «بحيث لا يمشي مشيته المعتادة» .

وهذا الإسراع على سبيل الاستحباب؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم بَيَّنَ أنّ هذا من باب الشفقة على الميت إذا كان صالحاً، أو الشفقة على الحامل إذا كان غير صالح، ولم نَرَ أحداً قال بالوجوب.

قوله: «وكون المشاة أمامها والركبان خلفها» ، أي: ينبغي إذا كان المشيعون مختلفين ما بين راكب وماش أن يكون المشاة أمامها، والركبان خلفها.

والدليل على ذلك: ورود السنة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك، وجاءت السنة أيضاً بتخيير الماشي بين أن يكون أمامها، أو عن يمينها، أو عن شمالها، أو خلفها، حسب ما يتيسر[(373)].

وأما السيارات فإن الأولى أن تكون أمام الجنازة؛ لأنها إذا كانت خلف الناس أزعجتهم، فإذا كانت أمامها لم يحصل إزعاج منها؛ لأن ذلك أكثر طمأنينة للمشيعين، وأسهل لأهل السيارات في الإسراع وعدمه.

مسألة: حمل الجنازة بالسيارة لا ينبغي إلا لعذر كبعد المقبرة، أو وجود رياح، أو أمطار، أو خوف، ونحو ذلك؛ لأن الحمل على الأعناق هو الذي جاءت به السنة؛ ولأنه أدعى للاتعاظ والخشوع.

قوله: «ويكره جلوس تابعها حتى توضع» ، أي: أن المشيع لا يجلس حتى توضع الجنازة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا تبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع» [(374)]، ولأنه مشيع تابع، فإذا كانت الجنازة محمولة فلا ينبغي أن يجلس حتى توضع أي على الأرض للدفن ولحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما انتهى إلى قبر ولمَّا يلحد، جلس على الأرض وجلس الصحابة حوله، وكان معه مخصرة ينكت بها الأرض... إلخ الحديث[(375)].

 

وَيُسَجَّى قَبْرُ امْرَأَةٍ فَقَطْ. وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ ...........

قوله: «ويسجى قبر امرأة فقط»

أي: يغطى قبر المرأة فقط عند إدخالها القبر من أجل ألا ترى المرأة، وذلك أستر لها.

وقوله: «فقط» ليخرج قبر الرجل، فإنه لا يسجى؛ لما روي عن علي ـ رضي الله عنه ـ: «أنه مر بقوم يدنون ميتاً رجلاً، وقد سجوه فجذبه، وقال: إنما يصنع هذا في النساء»[(376)].

مسألة: كيف يُدخل الميت القبر؟

الجواب؛ يدخل من عند رجليه، فيؤتى بالميت من عند رجلي القبر، ثم يدخل رأسه سلاً في القبر، هذا هو الأفضل[(377)].

والطريقة الثانية: أن يؤتى بالميت من قبل القبر ويوضع فيه بدون سل، وهذا أيضاً جائز، وعليه عمل الناس اليوم، فإن أمكنت الصفة الأولى فهي الأفضل، وإن لم تمكن فإن ذلك مجزئ.

قوله: «واللحد أفضل من الشق» ، أي: القبر إذا كان لحداً فهو أفضل.

واللحد: أن يحفر للميت في قاع القبر حفرة من جهة القبلة ليوضع فيها، ويجوز من جهة خلف القبلة، لكنها من جهة القبلة أفضل؛ وسمي لحداً، لأنه مائل من جانب القبر.

قوله: «أفضل من الشق» ، الشق: أن يحفر للميت في وسط القبر حفرة. ولكن إذا احتيج إلى الشق فإنه لا بأس به، والحاجة إلى الشق إذا كانت الأرض رملية، فإن اللحد فيها لا يمكن؛ لأن الرمل إذا لحدت فيه انهدم، فتحفر حفرة، ثم يحفر في وسطها ثم يوضع لبن على جانبي الحفرة التي بها الميت؛ من أجل ألا ينهد الرمل، ثم يوضع الميت بين هذه اللبنات.

وعلم من قوله: «اللحد أفضل من الشق» أن الشق جائز، وهو كذلك، ولكنه خلاف الأفضل.

مسألة: هل يحفر بطول قامة الرجل، أو نصف الرجل، أو أقل، أو أكثر؟

الجواب: التعميق سنة، فيعمق في الحفر، والواجب: ما يمنع السباع أن تأكله، والرائحة أن تخرج منه، وأما كونه لا بد أن يمنع السباع والرائحة: فاحتراماً للميت؛ ولئلا يؤذي الأحياء، ويلوث الأجواء بالرائحة. هذا أقل ما يجب، وإن زاد في الحفر، فهو أفضل وأكمل لكن بلا حد. وبعضهم حده بأن يكون بطول القامة وهذا قد يكون شاقاً على الناس. ثم إنه أحياناً يعترضنا عند الحفر ماء. ففي هذه الحال لا بد أن نتخذ الإجراءات اللازمة لمنع الماء، إما ببناء لبنات، أو ما أشبه ذلك حتى يمتنع الماء عن الميت.

 

وَيَقُولُ مُدْخِلُهُ: «بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّة رَسُولِ الله»...........

قوله: «ويقول مدخله بسم الله وعلى ملة رسول الله» ، أي: يقول مدخله عند وضعه بالقبر: بسم الله؛ لأن البسملة كلها خير وبركة، ودفن الميت أمر ذو بال، وكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر، وقد جاءت السنة بذلك أيضاً[(378)].

ولكن من الذي يتولى إدخاله؟

الجواب: إن كان له وصي، أي: قال قبل موته: فلان يتولى دفني فإننا نأخذ بوصيته، وإن لم يكن له وصي فنبدأ بأقاربه إذا كانوا يحسنون الدفن، وإن لم يكن له أقارب، أو كانوا لا يحسنون الدفن، أو لا يريدون أن ينزلوا في القبر، فأي واحد من الناس.

ولا يشترط فيمن يتولى إدخال الميتة في قبرها أن يكون من محارمها، فيجوز أن ينزلها شخص، ولو كان أجنبياً.

ودليل ذلك: [ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما ماتت ابنته زوجة عثمان ـ رضي الله عنهما ـ، وخرج إلى المقبرة وحان وقت دفنها، قال: «أيكم لم يقارف الليلة؟» ـ لم يقارف: قال العلماء: أي لم يجامع ـ فقال أبو طلحة: «أنا، فأمره أن ينزل في قبرها» ][(379)]، مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو أبوها، وزوجها عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ كانا حاضرين.

 

وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ...........

قوله: «ويضعه في لحده على شقه الأيمن» ، ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الأفضلية أن يكون على الشق الأيمن.

وعللوا ذلك: بأنها سنة النائم، والنوم والموت كلاهما وفاة، فإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال للبراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ: «إذا اتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن» [(380)]، فالموت كذلك.

قوله: «مستقبل القبلة» أي: وجوباً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الكعبة قبلتكم أحياء وأمواتاً» [(381)]، وهذا الحديث ضعيف، إلا أنَّ له شاهداً من حديث البراء بن معرور ـ رضي الله عنه ـ[(382)]، ولأن هذا عمل المسلمين الذي أجمعوا عليه؛ ولأنه أفضل المجالس.

فإن وضعه على جنبه الأيسر مستقبل القبلة، فإنه جائز، لكن الأفضل أن يكون على الجنب الأيمن.

ولم يذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه يضع تحته وسادة كلبنة، أو حجر، فظاهر كلامه أنه لا يسن، وهذا هو الظاهر عن السلف، فإن من خطب عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ أنه قال: «إنكم تَدَعُونَ الميت في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد».

فالأصل: عدم السنية، ولا أعلم في ذلك سنة، ومن ادعى السنية فعليه الدليل، ولهذا عد ذلك بعض العلماء من البدع.

واستحب بعض العلماء: أن يوضع له وسادة لبنة صغيرة ليست كبيرة.

ثم إن المؤلف ـ رحمه الله ـ لم يذكر أنه يكشف شيء من وجهه، وعلى هذا فلا يسن أن يكشف شيء من وجه الميت، بل يدفن ملفوفاً بأكفانه، وهذا رأي كثير من العلماء.

وقال بعض العلماء: إنه يكشف عن خده الأيمن ليباشر الأرض.

واستدلوا: بأن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: «إذا أنا مت ووضعتموني في القبر فأفضوا بخدي إلى الأرض» ، أي: اجعلوه مباشراً للأرض، ولأن فيه استكانة وذلاً.

فأما كشف الوجه كله فلا أصل له، وليس فيه دليل إلا فيما إذا كان الميت محرماً، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تخمروا وجهه» [(383)]. وإن كانت هذه اللفظة «وجهه» اختلف العلماء في ثبوتها، أما الرأس بالنسبة للمحرم فإنه لا يغطى.

مسألة: يسن لمن حضر الدفن أن يحثو ثلاث حثيات لفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم[(384)].

مسألة: تلقين الميت بعد الدفن لم يصح الحديث فيه فيكون من البدع.

 

وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الأَْرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ مُسَنَّماً. وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ، وَالْبِنَاءُ،..........

قوله: «ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً» ، أي: السنة أن يرفع القبر عن الأرض، وكما أنه سنة، فإن الواقع يقتضيه؛ لأن تراب القبر سوف يعاد إلى القبر، ومعلوم أن الأرض قبل حرثها أشد التئاماً مما إذا حرثت، فلا بد أن يربو التراب.

وأيضاً فإن مكان الميت كان بالأول تراباً، والآن صار فضاءً، فهذا التراب الذي كان في مكان الميت في الأول سوف يكون فوقه.

وقول المؤلف: «قدر شبر» . الشبر: ما بين رأس الخنصر والإبهام، عند فتح الكف، ومعلوم أن المسألة تقريبية؛ لأن الناس يختلفون في كبر اليد وصغرها. فالإنسان الذي يده كبيرة وأصابعه طويلة سيكون شبره طويلاً، والعكس بالعكس.

والغالب: أن التراب الذي يعاد إلى القبر أنه يرتفع بمقدار الشبر، وقد يزيد قليلاً، وقد ينقص قليلاً.

واستثنى العلماء من هذه المسألة: إذا مات الإنسان في دار حرب، أي: في دار الكفار المحاربين، فإنه لا ينبغي أن يرفع قبره بل يسوى بالأرض خوفاً عليه من الأعداء أن ينبشوه، ويمثلوا به، وما أشبه ذلك.

وقوله: «مسنماً» أي: يجعل كالسنام بحيث يكون وسطه بارزاً على أطرافه، وضد المسنَّم: المسطح الذي يجعل أعلاه كالسطح.

والدليل على هذا: أن هذا هو صفة قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم[(385)]، وقبري صاحبيه.

قوله: «ويكره» ، المكروه في اصطلاح الفقهاء هو: الذي يثاب تاركه امتثالاً، ولا يعاقب فاعله، وهو كراهة التنزيه، لا كراهة التحريم.

قوله: «تجصيصه» أي: أن يوضع فوقه جص؛ لأن هذا داخل في تشريفه، وقد قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» [(386)].

قوله: «والبناء» عليه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ذلك.

والاقتصار على الكراهة في هاتين المسألتين فيه نظر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نهى عن ذلك، أي: عن تجصيصها، وعن البناء عليها» [(387)]، والأصل في النهي التحريم؛ ولأن هذا وسيلة إلى الشرك، فإنه إذا بني عليها عظمت، وفي النهاية ربما تعبد من دون الله؛ لأن الشيطان يَجُرُّ بني آدم، من الصغيرة إلى الكبيرة، ومن الكبيرة إلى الكفر.

فالصحيح: أن تجصيصها والبناء عليها حرام.

وقد قال بعض المتأخرين: إن الفقهاء أرادوا بالكراهة هنا كراهة التحريم، ولكن هذا غير مسلم؛ لأن هذا خلاف اصطلاحهم.

 

وَالْكِتَابَةُ، والجُلُوسُ، وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ، والاتِّكَاءُ إِلَيْهِ، وَيَحْرُمُ فِيهِ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ إِلاّ لِضَرُورَةٍ.........

قوله: «والكتابة» أي: على القبر، سواء كتب على الحجر المنصوب عليه، أو كتب على نفس القبر؛ لأن ذلك يؤدي إلى تعظيمه، وتعظيم القبور يخشى أن يوصل صاحبه إلى الشرك.

وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ: أن الكتابة مكروهة، ولو كانت بقدر الحاجة، أي حاجة بيان صاحب القبر؛ درءاً للمفسدة.

وقال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ـ رحمه الله ـ: المراد بالكتابة: ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من كتابات المدح والثناء؛ لأن هذه هي التي يكون بها المحظور، أما التي بقدر الإعلام، فإنها لا تكره.

قوله: «والجلوس والوطء عليه» ، أي: الجلوس على القبر مكروه ـ وعلى كلام المؤلف ـ كراهة تنزيه.

والصواب: أنه محرم.

فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الجلوس على القبر وقال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر» [(388)].

وكذلك الوطء عليه، فيرى المؤلف: أنه مكروه.

والصحيح: أنه حرام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك [(389)]؛ ولأنه امتهان لأخيه المسلم.

قوله: «والاتكاء إليه» ، أي: أن يتكئ على القبر فيجعله كالوسادة له؛ لأن في هذا امتهاناً للقبر.

وانظر كيف نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه، وأن يوطأ عليه» [(390)]، حيث جمع في هذا النهي بين ما يكون سبباً للغلو فيه، وسبباً لامتهانه.

فالغلو في البناء، والتجصيص، والكتابة.

والامتهان في الوطء؛ من أجل أن يعامل الناس أهل القبور معاملة وسطاً لا غلو فيها ولا تفريط.

قوله: «ويحرم فيه دفن اثنين فأكثر إلا لضرورة» ، أي: يحرم في القبر دفن اثنين فأكثر، سواءٌ كانا رجلين أم امرأتين أم رجلاً وامرأة.

والدليل على ذلك: عمل المسلمين من عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا أن الإنسان يدفن في قبره وحده.

ولا فرق بين أن يكون الدفن في زمن واحد بأن يؤتى بجنازتين وتدفنا في القبر، أو أن تدفن إحدى الجنازتين اليوم والثانية غداً.

قوله: «إلا لضرورة» ، وذلك بأن يكثر الموتى، ويقل من يدفنهم، ففي هذه الحال لا بأس أن يدفن الرجلان والثلاثة في قبر واحد.

ودليل ذلك: «ما صنعه النبي صلّى الله عليه وسلّم في شهداء أحد حيث أمرهم أن يدفنوا الرجلين في قبر واحد، ويقول: انظروا أيهم أكثر قرآناً فقدموه في اللحد» [(391)].

وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة دفن أكثر من اثنين كراهة تنزيه.

وعللوا: بأن مجرد الفعل لا يدل على التحريم: أي: مجرد كون المسلمين يدفنون كل جنازة وحدها لا يدل على تحريم دفن أكثر من واحدة، وإنما يدل على كراهة مخالفة عمل المسلمين.

وذهب آخرون: إلى أن إفراد كل ميت في قبره أفضل، والجمع ليس بمكروه ولا محرم.

ولا يلزم من ترك السنة والأفضل أن يقع الإنسان في المكروه؛ لأن المكروه منهي عنه حقيقة، وترك الأفضل ليس بمنهي عنه.

ولهذا لو أن الإنسان ترك راتبة الظهر مثلاً لا نقول: إنه فعل مكروهاً، ولو أنه لم يرفع يديه عند الركوع لا نقول: إنه فعل مكروهاً.

والراجح عندي ـ والله أعلم ـ القول الوسط، وهو الكراهة كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ[(392)]، إلا إذا كان الأول قد دفن واستقر في قبره، فإنه أحق به، وحينئذٍ فلا يُدخل عليه ثان، اللهم إلا للضرورة القصوى.

 

وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ وَلاَ تُكْرَهُ القِرَاءَةُ عَلَى القَبْرِ...........

قوله: «ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب» ، أي: إذا جاز دفن اثنين فأكثر في القبر الواحد، فإن الأفضل أن يجعل بينهما حاجز من تراب ليكونا كأنهما منفصلان، ولكن هذا ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الأفضلية.

قوله: «ولا تكره القراءة على القبر» ، القراءة على القبر لا تكره، ولها صفتان:

الصفة الأولى: أن يقرأ على القبر، كأنما يقرأ على مريض.

الصفة الثانية: أن يقرأ على القبر أي عند القبر؛ ليسمع صاحب القبر فيستأنس به.

فيقول المؤلف: إن هذا غير مكروه.

ولكن الصحيح: أنه مكروه، فنفي الكراهة إشارة إلى قول من قال بالكراهة، والصحيح أن القراءة على القبر مكروهة، سواء كان ذلك عند الدفن أو بعد الدفن؛ لأنه لم يعمل في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا عُهد عن الخلفاء الراشدين، ولأنه ربما يحصل منه فتنة لصاحب القبر، فاليوم يقرأ عنده رجاء انتفاع صاحب القبر وغداً يقرأ عنده رجاء الانتفاع بصاحب القبر، ويرى أن القراءة عنده أفضل من القراءة في المسجد فيحصل بذلك فتنة.

مسألة مهمة: قراءة (يس) على الميت بعد دفنه بدعة، ولا يصح الاستدلال لذلك بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «اقرؤوا على موتاكم يس» [(393)]؛ لأنه لا فائدة من القراءة عليه وهو ميت، وإنما يستفيد الشخص من القراءة عليه ما دامت روحه في جسده، ولأن الميت محتاج للدعاء له؛ ولهذا أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم من حضر الميت أن يدعو له، وقال: «فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» [(394)].

 

وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِمَيِّتٍ مُسْلِمٍ أَوْ حَيٍّ نَفَعَهُ ذَلِكَ ........

قوله: «وأي قربة فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك» ، هذه قاعدة في إهداء القُرب للغير، هل هو جائز، وهل ينفع الغير أو لا ينفع؟

يقول المؤلف في هذه القاعدة: «أي قربة فعلها ـ أي: جميع أنواع القربات ـ إذا فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك» . ولو قال ـ رحمه الله ـ: لمسلم ميت أو حي لكان أحسن؛ لأن قوله: لميت مسلم أو حي.

قد يقول قائل: أو حي مسلم أو كافر.

لكن لو قال: لمسلم ميت أو حي، لكان أوضح، وهذا مراده بلا شك.

وقول المؤلف: «أي قربة» لم يخصصها بالقربة المالية ولا بالبدنية بل أطلق.

مثال ذلك: أن يصوم شخص يوماً عن شخص آخر تطوعاً، فهل ينفعه؟

يقول المؤلف: ينفعه ما دام مسلماً.

مثال ثان: رجل تصدق بمال عن شخص فهل ينفعه؟ الجواب: نعم ينفعه.

مثال ثالث: رجل أعتق عبداً ونوى ثوابه لشخص؟

الجواب: ينفعه.

مثال رابع: رجل حج ونوى ثوابه لشخص؟

الجواب: ينفعه.

فإن كان ميتاً ففعل الطاعة عنه قد يكون متوجهاً؛ لأن الميت محتاج ولا يمكنه العمل، لكن إن كان حياً قادراً على أن يقوم بهذا العمل ففي ذلك نظر؛ لأنه يؤدي إلى اتكال الحي على هذا الرجل الذي تقرب إلى الله عنه، وهذا لم يعهد عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، ولا عن السلف الصالح.

وإنما الذي عهد منهم هو جعل القُرَب للأموات، أما الأحياء فلم يعهد، اللهم إلا ما كان فريضة كالحج، فإن ذلك عُهد على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكن بشرط أن يكون المحجوج عنه عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله.

فإن قال قائل: ما الدليل على أن ذلك نافع؟

فالجواب: الدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [(395)].

فإذا نويت أن أتقرب إلى الله لفلان نفعه، ولا دليل على المنع.

وكذلك فبعض هذه المسائل وقع في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأجازها.

فمن ذلك:

1 ـ أن سعد بن عبادة ـ رضي الله عنه ـ «تصدق ببستانه لأمه التي ماتت فأجازه النبي صلّى الله عليه وسلّم» [(396)].

2 ـ حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها، وإنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم» [(397)].

3 ـ أن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ: «سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم هل يتصدق عن أبيه بعتق خمسين رقبة لأن أباه أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فتصدق أخو عمرو بخمسين، وعمرو سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم أيعتق الخمسين الباقية؟ فبين النبي صلّى الله عليه وسلّم له أنه لو كان أبوه مسلماً لنفعه، فترك الإعتاق»[(398)] لأنه كافر، والكافر لا ينتفع بعمل غيره، حتى عمله الذي عمله من خير، يقول الله فيه: {{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا *}} [الفرقان] . فلما وجدت هذه المسألة الفردية، قلنا: الأصل الجواز حتى يقوم دليل على المنع، أما لو كان هناك دليل على المنع لقلنا: هذه القضايا التي وردت تكون مخصصة للمنع، لكن لم يرد ما يدل على منع التقرب إلى الله تعالى بقربة تكون للغير.

فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: {{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *}}؟ [النجم] .

فالجواب: أن من قرأ الآيات عرف المراد بها قال تعالى: {{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى *أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *}} [النجم] ، فكما أن وزر غيرك لا يحمل عليك، فكذلك سعي غيرك لا يجعل لك.

والمعنى: أن سعيك لا يضيع، وأنك لا تحمل وزر غيرك، لكن لو أن أحداً سعى لك فما المانع؟ أليس الذي يظلم غيره يأخذ الناس من حسناته، وتضاف إلى حسناتهم مع أنهم ما سعوا لها؟

فالمعنى: أن الإنسان كما لا يزر وزر غيره، لا يملك سعي غيره؛ فليس له إلا ما سعى، وأما أن يسعى غيره له فهذا لا مانع منه، فالآية لا تدل على منع سعي الغير له، بل تدل على أنه لا يملك من سعي غيره شيئاً، كما أنه لا يحمل من وزر غيره شيئاً.

يبقى النظر: هل عمل العامة اليوم على صواب؟ وعمل العامة أنهم لا يعملون شيئاً إلا جعلوه لوالديهم، وأعمامهم، وأخوالهم، وما أشبه ذلك، حتى في رمضان يقرؤون القرآن وأول ختمة للأم؛ والثانية للأب، والثالثة للجدة، والرابعة للجد، والخامسة للعم، والسادسة للعمة، والسابعة للخال، والثامنة للخالة، فهذا غلط ليس من هدي السلف.

وكذلك في مكة يعتمرون، الأولى له، واليوم الثاني لأمه، والثالث لأبيه، والرابع لجده.

حتى إن بعض الناس يفتيهم، ويقول: لا بأس أن تكرر العمرة كل يوم إذا لم تكن لنفسك.

والذين لا يعتمرون يطوفون، ويكثرون الطواف لموتاهم، مع أنَّ هاديَ الخلق ودالَّهم إلى الله محمداً صلّى الله عليه وسلّم لم يرشد الأمة إلى هذا؛ فإنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» [(399)].

وسياق الحديث في الأعمال النافعة التي تنفع الإنسان، فلو كان العمل الصالح للإنسان بعد موته نافعاً لقال: أو ولد صالح يعمل له، فعدول النبي صلّى الله عليه وسلّم عن العمل إلى الدعاء، يدل: على أنه ليس من المشروع أن تجعل الأعمال للأموات، وإن كنت تريد أن تنفعهم فادع الله لهم، وهكذا قول المؤمنين: {{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}} [الحشر: 10] .

ونحن لا ننكر أن الميت ينتفع، لكن ننكر أن تكون المسألة بهذا الإفراط، فكل شيء يجعل للأموات!!

حتى إنني حُدثت حديثاً عجباً، وهو أنه إذا قُدم الغداء أفاضوا عليه أيديهم وقالوا: اللهم اجعل ثوابه لفلان، والعشاء كذلك، فلم يبق شيء من الأعمال الصالحة إلا جعلوه لهم، وكل هذا من البدع.

لكن مع الأسف أن الناس إذا عملوا عملاً ولم ينبهوا عليه صار هذا العمل البدعي سنة عندهم، وصاحوا بمن ينكر عليهم: أتحسد أمواتنا؟!!

فأمواتنا محتاجون وأعمالهم منقطعة، فنقول: ادع لهم، فبدل أن تجعل العمل الصالح لهم، اجعله لنفسك وادع الله لهم، وهذا خير لك وأفضل، وأخذٌ بتوجيه النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وكنا ونحن صغار لا نعرف الأضحية عن الحي أبداً، فكل الضحايا للأموات، ولكن الآن ـ الحمد لله ـ تنَّور الناس، وعرفوا أن الأضحية في الأصل للحي.

وقد يتعلل بعض الناس: بأن الناس في الأول كانوا في شدة فقر وليس عندهم من الأضاحي إلا الوصايا التي أوصى بها الأموات في أموالهم وأملاكهم وعقاراتهم، لكن هذه العلة ساقطة عند العامي.

لأن العامي لا يقول لك: ليس عندي فلوس، بل يقول: الأضحية لا تكون إلا للميت، وأمثال هذا.

 

وَسُنَّ أَنْ يُصْلِحَ لأَهْلِ المَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِمْ.........

قوله: «وسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم» ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين جاء نعي جعفر بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم» [(400)].

وظاهر كلام المؤلف: أن صنع الطعام لأهل الميت سنة مطلقاً، ولكن السنة تدل على أنه ليس بسنة مطلقاً، وإنما هو سنة لمن انشغلوا عن إصلاح الطعام بما أصابهم من مصيبة لقوله: «فقد أتاهم ما يشغلهم» ، والإنسان إذا أصيب بمصيبة عظيمة انغلق ذهنه وفكره ولم يصنع شيئاً.

فظاهر التعليل: أنه إذا لم يأتهم ما يشغلهم فلا يسن أن يصنع لهم.

ومع ذلك غلا بعض الناس في هذه المسألة غلواً عظيماً لا سيما في أطراف البلاد، حتى إنهم إذا مات الميت يرسلون الهدايا من الخرفان الكثيرة لأهل الميت، ثم إن أهل الميت يطبخونها للناس، ويدعون الناس إليها فتجد البيت الذي أصيب أهله كأنه بيت عرس، فيضيئون في الليل المصابيح الكثيرة، ويصنعون الكراسي المتعددة، وقد شاهدت ذلك بنفسي.

وهذا لا شك أنه من البدع المنكرة، فهل نحن مأمورون عند المصائب أن نأتي بالمسليات الحسية التي تختم على القلب حتى ننسى المصيبة نسيان البهائم؟! نحن مأمورون بأن نتسلى بما أرشدنا الله إليه: «إنا لله وإنا إليه راجعون».

لا بأن يأتي الناس من يمين وشمال؛ ليجتمعوا إلينا ويؤنسونا تأنيساً ظاهرياً.

وإذا لم تكن المصيبة منسية بما أمر الله ـ عز وجل ـ به ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، فإنها لا خير فيها، فيكون هذا النسيان سلواً كسلو البهائم.

وقد قال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ: «كنا نعد صنع الطعام والاجتماع إلى أهل الميت من النياحة» [(401)]. والنياحة من كبائر الذنوب فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لعن النائحة والمستمعة» [(402)].

وقد صرح بعض العلماء أن هذا الاجتماع بدعة؛ وهذا إذا خلا من المحاذير الشرعية.

 

ويُكْرَهُ لَهُمْ فِعْلُهُ لِلنَّاسِ.

قوله: «ويكره لهم فعله للناس» ، أي: صنع الطعام مكروه لأهل الميت، أي: أن يصنعوا طعاماً ويدعوا الناس إليه؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ «كانوا يعدون صنع الطعام والاجتماع لأهل الميت من النياحة» .

فصل

قوله: «تسن زيارة القبور» ، والسنة عند الفقهاء: ما أثيب فاعله امتثالاً ولم يعاقب تاركه. فهي في مرتبة بين المباح والواجب.

القبور: جمع قبر، وليس الجمع مراداً، بل تسن الزيارة ولو كان قبراً واحداً.

فلو أن شخصاً مات في فلاة من الأرض، ومررنا به، وعرجنا على قبره لنزوره فلا بأس به.

ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «استأذن الرب ـ عز وجل ـ أن يزور قبر أمه فأذن له، واستأذنه أن يستغفر لها فلم يأذن له» [(403)]. لأنها ماتت على الكفر قبل الإسلام، ولا يحل لإنسان أن يستغفر لأي إنسان كافر.

 

فَصْلٌ

 

تُسَنُّ زِيَارَةُ القُبُورِ ..........

وقوله: «تسن زيارة القبور» وهذه الزيارة زيارة للدعاء لهم، وليست زيارة لدعائهم.

وهل هي زيارة للاعتبار، أو للتبرك بأتربتهم؟

الجواب: زيارة للاعتبار.

وسنية الزيارة ثابتة: بالسنة، والإجماع، كما نقله النووي ـ رحمه الله ـ.

أما السنة فمن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم وفعله.

أما قوله فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» [(404)].

وأما فعله: فقد ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يخرج إلى البقيع فيسلم عليهم[(405)].

وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى أولاً عن زيارة القبور؛ لأن الناس حديثو عهد بالكفر والشرك، فخاف أن يكون ذلك وسيلة للإشراك، ولما استقر الإيمان في القلوب أذن لهم. فقال لهم صلّى الله عليه وسلّم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» [(406)]، ثم بين الرسول صلّى الله عليه وسلّم الحكمة من ذلك فقال: «فإنها تذكركم الآخرة» [(407)]، أي: تذكركم بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأن الإنسان إذا جاء إلى القبور، وتذكر أن فلاناً الذي في القبر الآن كان بالأمس معه، يأكل كما يأكل، ويشرب كما يشرب، ويتمتع بمتع الدنيا كما يتمتع، ويستطيع أن يعمل العمل الصالح كما يستطيع هو الآن، إذا تذكر ذلك فلا بد أن يؤثر على قلبه، وأن يستعد لهذا اليوم الذي آل إليه صاحبه بالأمس، فيتذكر أن مآله إلى هذا القبر، وأنه ربما يكون فيه عن قرب، فيتذكر، ويتعظ ويمتثل، ولهذا ينبغي للزائر أن يستشعر هذا المعنى، لا أن يستشعر مجرد الدعاء لهم؛ لأن هذا المعنى هو الذي علل به النبي صلّى الله عليه وسلّم الأمر بالزيارة فقال: «فإنها تذكركم الآخرة» .

 

إِلاَّ لِنِسَاءٍ .........

قوله: «إلا لنساء» ، فليست بسنة، وفي المسألة خمسة أقوال:

فقيل: إنها سنة للنساء، كالرجال.

وقيل: تكره.

وقيل: تباح.

وقيل: تحرم.

وقيل: من الكبائر.

والمشهور من المذهب عند الحنابلة: أنها تكره، والكراهة عندهم للتنزيه، أي لو زارت المرأة القبور، فإنه لا إثم عليها.

والصحيح: أن زيارة المرأة للقبور من كبائر الذنوب.

ودليل ذلك ما يلي:

1 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لعن زائرات القبور» [(408)].

واللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا وعيد شديد.

2 ـ من جهة النظر، فلأنَّ المرأة ضعيفة التحمل، قوية العاطفة، سريعة الانفعال فلا تتحمل أن تزور القبر، وإذا زارته حصل لها من البكاء، والعويل، وربما شق الجيوب، ولطم الخدود، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك.

وأيضاً إذا ذهبت وحدها إلى المقابر، فالغالب أن المقابر تكون في مكان خال، يخشى عليها من الفتنة أو العدوان عليها، فكان النظر الصحيح موافقاً للأثر.

واستثنى الأصحاب من فقهاء الحنابلة: قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقبري صاحبيه، وقالوا: إن زيارة النساء لهذه القبور الثلاثة لا بأس بها.

وعللوا ذلك: بأن زيارتهن لهذه القبور الثلاثة لا يصدق عليها أنها زيارة؛ لأن بينهن وبين هذه القبور ثلاثة جدر، كما قال ابن القيم:

فأجاب رب العالمين دعاءه

وأحاطه بثلاثة الجدران

والذي يترجح عندي: أنه لا استثناء؛ لأن وصولهن إلى القبور إما أن يكون زيارة، أو لا يكون، فإن كان زيارة وقعن في الكبيرة، وإن لم تكن زيارة فلا فرق بين أن يحضرن إلى مكان القبر، أو أن يسلمن على النبي صلّى الله عليه وسلّم من بعيد، وحينئذٍ يكون مجيئهن للقبور لغواً لا فائدة منه، بل في زماننا هذا قد يكون هناك مزاحمة للرجال، وأعمال لا تليق بالمرأة المسلمة في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم.

فإن قال قائل: ما تقولون في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «أنها زارت قبر أخيها» [(409)]؟

فالجواب: أن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يعارض بقول أحد كائناً من كان، وها هي عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقول: «شبَّهتمونا بالحمير والكلاب» [(410)]، أي في قطع الصلاة إذا مرت المرأة من بين يدي المصلي مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صرح بأن: «الكلب الأسود، والحمار، والمرأة تقطع الصلاة» [(411)]، فهي ـ رضي الله عنها ـ غير معصومة، ولا يمكن أن يستدل بفعلها مع قول النبي صلّى الله عليه وسلّم.

فإن قيل: ما تقولون في الحديث الثابت في صحيح مسلم «حيث فقدت عائشة النبي صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة، وطلبته، ثم أدركته في البقيع يسلم عليهم، ثم رجع من البقيع ورجعت هي قبله حتى أدركها في البيت،.... قالت يا رسول الله: أرأيت إن خرجت ماذا أقول قال: قولي: السلام عليكم دار قوم مؤمنين....» [(412)] إلخ؟

فالجواب: يفرق بين المرأة إذا خرجت بقصد الزيارة، وإذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة، فإذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة، فلا حرج أن تسلم على أهل القبور، وأن تدعو لهم بما قاله النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة ـ رضي الله عنها ـ.

وأما إذا خرجت لقصد الزيارة فهذه زائرة للمقبرة فيصدق عليها اللعن.

فإن قيل: ما تقولون في اللفظ الوارد في الحديث: «لعن الله زوَّارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» [(413)]، «زوارات» بصيغة المبالغة؟

فالجواب: الحديث ورد بلفظين: «زائرات»، و«زوارات».

فإن كانت «زوارات» للنسبة فلا إشكال، وإن كانت للمبالغة فإن لفظ «زائرات» فيه زيادة علم، فيؤخذ به؛ لأن «زائرات» يصدق بزيارة واحدة.

و«زوارات» في الكثير للمبالغة، ومعلوم أن الوعيد إذا جاء معلقاً بزيارة واحدة، ومعلقاً بزيارات متعددة؛ فإن مع المعلق بزيارة واحدة زيادة علم؛ لأنه يحق الوعيد على من زار مرة واحدة على لفظ «زائرات»، دون لفظ: «زوارات».

ولو أخذنا «بزوارات» ألغينا دلالة «زائرات». وقد تكلم شيخ الإسلام رحمه الله على هذه المسألة في مجموع الفتاوى[(414)] كلاماً جيداً ينبغي لطالب العلم أن يراجعه وذكر عدة أوجه في الرد على من قال: إن النساء يسن لهن زيارة القبور.

قوله: «ويقول إذا زارها» ، «يقولُ» بالضم، والفتح، فإن جعلنا الواو للاستئناف فبالضم، وإن جعلناها للعطف على «زيارة» فبالفتح؛ لأن المضارع إذا عطف على اسم خالص نصب بأن مضمرة جوازاً.

قال ابن مالك:

وإن على اسم خالص فعل عُطف

تنصبه «أن» ثابتاً أو منحذف[(415)]

واستشهدوا لذلك بقوله:

ولُبْس عباءة وتقرَّ عيني

أحب إلي من لبس الشفوف

تقر: معطوف على «لبس» اسم خالص وهو مصدر.

 

وَيَقُولُ إِذَا زَارَهَا:.........

و«يقول» عطف على «زيارة» فعليه يكون المعنى: ويسن أن يقول، أما إذا جعلناها بالرفع فإنها مستأنفة، «ويقول: إذا زارها، أو مر بها».

قوله: «إذا زارها» ، أي: قصد زيارتها وخرج إليها، أو مر بها مروراً قاصداً غيرها.

قوله: «السلام عليكم» السلام: اسم من أسماء الله كما في قوله تعالى: {{السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ}} [الحشر: 23] ، لكنه في التحية لا يراد به اسم الله، وإنما يراد به التسليم، فهو اسم مصدر كالكلام بمعنى التكليم، والمعنى التسليم عليكم، أي: الدعاء بالسلام عليكم.

والسلامة بالنسبة لأهل القبور تكون من العذاب.

فقد يكون الإنسان معذباً في قبره، ولو عذاباً خفيفاً، فإذا سألت الله له السلامة سلم، ثم أنت تسلم على عموم القبور.

 

«السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ..........

 وقوله: «السلام عليكم» ، أتى بكاف الخطاب، فهل الكاف هذه تدل على أنهم يسمعون؛ لأنه لا يخاطب إلا من يسمع ما لم يكن دليل ظاهر على أن المخاطب لا يسمع، وإنما قلت: ما لم يكن دليل ظاهر؛ لئلا يورد علينا مورد قول عمر ـ رضي الله عنه ـ للحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أنني رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقبِّلك ما قبَّلتك» [(416)]، فهنا خاطبه وهو حجر، لكن أهل القبور هل هم يخاطبون مخاطبة الحجر أو مخاطبة السامع؟.

الجواب: الظاهر الثاني، أي: «مخاطبة السامع».

وقد ذكر ابن القيم في كتاب الروح[(417)] حديثاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام» ، وقد صححه ابن عبد البر، وأقره ابن القيم عليه، فلا يبعد أن يكون أهل المقبرة عموماً إذا سُلم عليهم يسمعون، ولا نقيسهم بالحجر الأسود؛ لأن الحجر عندنا دلالة حسية ملموسة أنه لا يسمع وهي أنه حجر، وحتى الحـجـر فـإنـه قـد يسـمع أيضاً. قال الله تعالى عن الأرض عموماً: {{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا *}} [الزلزلة] .

«تحدث أخبارها» أي: ما عمل عليها من خير أو شر، سواء قول مسموع أو فعل مرئي فتحدث به يوم القيامة، والجلود تنطق أنطقها الله الذي أنطق كل شيء، فلا تستبعد هذه الأمور؛ لأن قدرة الله ـ عز وجل ـ لا يمكن أن يدركها العقل.

فلا يبعد أنك إذا قلت لأهل المقبرة: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» أنهم يسمعون. وأما قول الله تعالى: {{إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى}} [النمل: 80] أي موتى القلوب؛ فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يخرج لأهل القبور يدعوهم.

قوله: «دار قوم مؤمنين» ، أي: يا دار قوم، والمراد بالدار هنا: أهلها، كما في قوله تعالى: {{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}} [يوسف: 82] المراد: أهلها.

قوله: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» ، لاحقون على ماذا؟

الجواب: إذا قلنا: لاحقون بالموت ورد علينا إشكال، وهو تعليق ذلك بمشيئة الله مع أنه محقق، والمحقق لا يحتاج إلى تعليق بالمشيئة، والتعليق بالمشيئة في أمر لا يدرى عنه فيوكل إلى الله ـ عز وجل ـ قال تعالى: {{قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ}} [الجمعة: 8] ، ولم يقل: فإنه لاحقكم؛ لأن اللاحق قد يدرك، وقد لا يدرك، لكن الملاقي مدرك لا محالة.

فقيل في التخلص من هذا الإشكال ما يأتي:

1 ـ أن المراد على الإيمان، فيكون لحوقاً معنوياً لا حسياً، بدليل قوله: «دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» . وحينئذٍ فتعليق ذلك بالمشيئة مشروع.

2 ـ أن المراد اللحاق على أصل الموت، لكن التعليق للتعليل، أي: أن لحوقنا إياكم سيكون بمشيئة الله.

3 ـ أن التعليق هنا ليس على أصل الموت، ولكن على وقت الموت، كأنه قال: وإنا إذا شاء الله أي: متى ما شاء الله، لحقناكم، أي: سنلحق بكم في الوقت الذي يشاء الله أن نلحق، والتعليق بالمشيئة هنا واضح.

والمقصود من هذه الجملة: توطين النفس على ما صار إليه هؤلاء من أجل تحقيق التذكر.

 

يَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ. نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ».

قوله: «يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين» ، جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى، أي: نسأل الله أن يرحم المستقدمين منكم، والمستأخرين.

قوله: «نسأل الله لنا ولكم العافية» ، أما بالنسبة لنا فإنها عافية حسية كعافية البدن، وعافية معنوية من الذنوب والمعاصي.

أما العافية لأهل القبور فهي: العافية من عذاب القبر.

قوله: «اللهم لا تحرمنا أجرهم» .

أجرنا على الأموات متعدد:

أولاً: الحزن عليهم، فكم من ميت في هذه المقبرة قد حزنت عليه، إما لقرابة، أو لصداقة، أو نفع، أو غير ذلك، ولا شك أن الإنسان إذا أصيب بمصاب وتحمل فله أجر.

ثانياً: أجر الزيارة، أي لا تحرمنا أجر الزيارة لهم؛ لأن زيارتنا لهم سنة أمر بها النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفعلها بنفسه، فنحن نفعلها امتثالاً واقتداءً.

امتثالاً لأمره، واقتداء بفعله صلّى الله عليه وسلّم.

قوله: «ولا تفتنا بعدهم» هذه جملة عظيمة، فتسأل الله ألاَّ يفتنك بعدهم؛ لأن الإنسان قد يفتن بعد موت أقاربه، وأصحابه، ومشايخه، وغير ذلك، فقد يفارقون هذا الرجل مستقيم الحال، ثم يفتن وبالعكس، فتسأل الله ألاَّ يفتنك بعدهم بشبهات تعرض لك، أو بإرادات سيئة، وهي فتنة الشهوات، والإنسان ما دامت روحه في جسده، فهو معرض للفتنة.

يُذكر أن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ، وهو في سياق الموت يغمى عليه ويُسمع يقول: بعد، بعد، فلما أفاق قيل له: يا أبا عبد الله ما بعد، بعد، قال: رأيت الشيطان أمامي يعض على يديه، يقول: فُتَّنِي يا أحمد، أي: عجزت أن أدركك وأغويك، فأقول: بعد بعد. أي: ما دامت الروح في الجسد، فالإنسان على خطر، ويدل لهذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيصدق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» [(418)].

ولهذا أوصي نفسي وإياكم أن نسأل الله دائماً الثبات على الإيمان وأن تخافوا؛ لأن تحت أرجلكم مزالق، فإذا لم يثبتكم الله ـ عز وجل ـ وقعتم في الهلاك، واسمعوا قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ لرسوله صلّى الله عليه وسلّم أثبت الخلق وأقواهم إيماناً: {{ولَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً *}}، أي: تميل ميلاً قليلاً، ولو فعلت ذلك {{لأََذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}} [الإسراء: 74 ـ 75] .

فإذا كان هذا للرسول صلّى الله عليه وسلّم فما بالنا نحن؛ ضعفاء الإيمان، واليقين، وتعترينا الشبهات، والشهوات؛ فنحن على خطر عظيم. فعلينا أن نسأل الله تعالى الثبات على الحق، وألاَّ يزيغ قلوبنا.

وهذا هو دعاء أولي الألباب: {{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *}} [آل عمران] .

قوله: «واغفر لنا ولهم» الغفر: هو ستر الذنب مع العفو، والتجاوز عنه، يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأنه مشتق من المغفر، وهو ما يوضع على الرأس أثناء القتال؛ لأجل وقاية السهام، فهو ساتر وواقٍ.

 

وَتُسَنُّ تَعْزِيَةُ المُصَابِ بِالْمَيِّتِ،.........

قوله: «وتسن تعزية المصاب بالميت» ، السنة: ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه.

والتعزية: هي: التقوية، بمعنى: تقوية المصاب على تحمل المصيبة، وذلك بأن تورد له من الأدعية، والنصوص الواردة في فضيلة الصبر ما يجعله يتسلى وينسى المصيبة، لا أن تأتي إليه لتثير أحزانه مثل: أن تأتي لتعزيه بابنه، فتقول ـ مثلاً ـ: هذا ولد شاب صالح، فكيف يأخذه الموت، وما أشبه ذلك من الكلام.

ولما خرجوا بعقيل بن علي بن عقيل أحد الفقهاء الحنابلة، وكان هذا الولد طالب علم، وخرج الناس قام رجل وصاح بأعلى صوته: {{يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}} [يوسف: 78] . فزجره ابن عقيل ـ رحمه الله ـ وقال: يا هذا، القرآن نزل لتسكين الأحزان، لا لتهييج الأحزان، وكلامك هذا يهيج الأحزان.

وأحسن لفظ قيل في التعزية: ما اختاره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندما جاءه رسول من إحدى بناته يقول: إن عندها طفلاً يُحْتَضَر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لها: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب» [(419)].

قال: «إن لله ما أخذ وله وما أعطى» ، أي: ولدك الذي أصبت به ليس لك بل لله، أبوك الذي أصبت به هو لله ليس لك.

وقال: «وكل شيء عنده بأجل مسمى» ، أي: معين. قال تعالى: {{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}} [الأعراف: 34] ، والمكتوب لا بد أن يقع، ولا يمكن أن يتغير عما كان عليه إطلاقاً، أي: لا تندم فتقول: ليتني ما فعلت كذا، وكذا وكذا.

قال: «مرها فلتصبر» ، أي: على هذه المصيبة.

والصبر مثل اسمه مر مذاقته

لكن عواقبه أحلى من العسل

فالصبر شديد لكن عواقبه حميدة.

قال: «ولتحتسب» ، أي: تحتسب الأجر على الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله قال : {{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}} [الزمر: 10] .

قوله: «تعزية المصاب» : ولم يقل: تعزية القريب؛ من أجل الطرد والعكس، فكل مصاب ولو بعيداً فإنه يعزى وكل من لم يصب ولو قريباً فإنه لا يعزى، من أصيب فعزِّه، ومن لم يصب فلا تعزه.

مثال ذلك: إذا قدرنا أن هناك ولداً شريراً قد آذى أباه وأهله، ثم مات، وإذا وَجْهُ أبيه تبرق أساريره، ويقول: الحمد لله الذي أراحنا منه، فهذا لا يعزى، مع أن الناس يجعلون العلة في التعزية القرابة، وهذا غلط. فالعلة هي: المصيبة.

ولهذا قال العلماء: إذا أصيب الإنسان ونسي مصيبته لطول الزمن، فإننا لا نعزيه؛ لأننا إذا عزيناه بعد طول الزمن، فهذا يعني أننا جددنا عليه المصيبة والحزن.

 

وَيَجُوزُ البُكَاءُ عَلَى المَيِّتِ،..........

قوله: «ويجوز البكاء على الميت» ، والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بكى على ابنه ابراهيم وقال: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» [(420)]، «وبكى عند قبر إحدى بناته وهي تدفن» . وهذا في البكاء الذي تمليه الطبيعة، ولا يتكلفه الإنسان، فأما البكاء المتكلف فأخشى أن يكون من النياحة التي يحمل عليها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» [(421)].

«يعذب» : أي: في القبر، وقد اختلف العلماء في هذا الحديث، إذ كيف يعذب الإنسان على عمل غيره وقد قال الله تعالى: {{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}} [الزمر: 7] ؛ ولأن تعذيب الإنسان بعمل غيره ظلم له؛ فإنه عقوبة لغير الظالم بفعل الظالم، وهذا ينافي عدل الله وحكمته ـ عز وجل ـ؟!

فقال بعض العلماء: إن هذا في حق من أوصى به، أي: قال لأهله: إذا مت فابكوني.

وقيل: هذا في حق من كانت عادتهم، أي في قوم عادتهم البكاء، ولم ينه أهله عنه، فيكون كأنه أقرهم على ما اعتاده الناس من هذا الأمر.

وقيل: إن هذا في الكافر يعذب ببكاء أهله عليه.

وقيل: إن التعذيب هنا ليس تعذيب عقوبة، ولكنه تعذيب ملل وشبهه، ولا يلزم من التعذيب الذي من هذا النوع أن يكون عقوبة، ويشهد لذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «السفر قطعة من العذاب» [(422)]، مع أن المسافر لا يعاقب، لكنه يهتم للشيء ويتألم به، فهكذا الميت يُعلم ببكاء أهله عليه فيتألم ويتعذب رحمة بهم، وكونهم يبكون عليه، وليس هذا من باب العقوبة.

وهذا الجواب هو أحسن الأجوبة.

ولكن البكاء الذي تمليه الطبيعة، ويحصل للإنسان بدون اختيار، فإن مثل هذا لا يؤلم أحداً؛ لأنه مما جرت به العادة، حتى الإنسان لا يتألم إذا رأى المصاب يبكي هذا البكاء المعتاد، وإنما يتألم ويرحم إذا بكى بكاء متكلفاً أو زائداً على العادة.

مسألة: هل يجوز للمصاب أن يحد على الميت بأن يترك تجارته أو ثياب الزينة، أو الخروج للنزهة، أو ما أشبه ذلك؟

الجواب: أن هذا جائز في حدود ثلاثة أيام فأقل إلا الزوجة، فإنه يجب عليها أن تحد مدة العدة أربعة أشهر وعشرة أيام إن لم تكن حاملاً، وإلا إلى وضع الحمل إن كانت حاملاً؛ ودليل هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» [(423)].

وإنما جاز هذا الإحداد لغير الزوجة لإعطاء النفوس بعض الشيء مما يهوِّن عليها المصيبة؛ لأن الإنسان إذا أصيب ثم كُبت بأن قيل له: اخرج وكن على ما كنت عليه، فإنه ربما تبقى المصيبة في قلبه، ولهذا يقال: إن من جملة الأدب والتربية بالنسبة للصبيان أنه إذا أراد أن يبكي أن يترك يبكي مدة قصيرة من أجل أن يرتاح؛ لأنه يخرج ما في قلبه، لكن لو أسكتّه صار عنده كبت وانقباض نفسي.

مسألة: هل يجوز أن يحد في أمر يلحقه أو عائلته به ضرر، مثل: أن يكون رجلاً متجراً، لو عطل التجارة لتضررت كفايته؟

الجواب: لا، هذا ليس مباحاً، بل هو إما مكروه، وإما محرم.

 

وَيَحْرُمُ النَّدْبُ، وَالنِّيَاحَةُ، وَشَقُّ الثَّوْبِ، وَلَطْمُ الخَدِّ، وَنَحْوُهُ.

قوله: «ويحرم الندب» ، الندب: هو تعداد محاسن الميت بحرف الندبة وهو «وا» فيقول: واسيداه، وامن يأتي لنا بالطعام والشراب، وامن يخرج بنا إلى النزهة، وامن يفعل كذا وكذا.

وسمي ندباً؛ كأن هذا المصاب ندبه ليحضر بحرف موضوع للندبة.

كما قال ابن مالك في الألفية[(424)]: وَوَا لِمَنْ نُدِبَ.

قوله: «والنياحة» وهي: أن يبكي، ويندب برنة تشبه نوح الحمام؛ لأن هذا يشعر بأن هذا المصاب متسخط من قضاء الله وقدره.

فلهذا ورد الوعيد الشديد على من فعل ذلك حيث قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» [(425)].

وإنما خص النائحة؛ لأن النياحة غالباً في النساء لضعفهن، وإلا فالرجال مثلهن إذا ناحوا على الميت.

قوله: «وشق الثوب» ، فيحرم شق الثوب، كما يجري من بعض المصابين، فيشقون ثيابهم إما من أسفل، وإما من فوق؛ إشارة إلى أنه عجز عن تحمل الصبر على هذه المصيبة.

قوله: «ولطم الخد» ، أي يحرم لطم الخد، وهو أن يلطم المصاب خد نفسه؛ لأن بعض المصابين من شدة إصابته يأخذ بلطم نفسه، فيضرب الخد الأيمن، ثم الأيسر، ثم الأيمن، ثم الأيسر، وهكذا.

وكذلك أيضاً لو لطم غير الخد، بأن لطم الرأس، أو ضرب برأسه الجدار، وما أشبه ذلك فكل هذا من المحرم.

قوله: «ونحوه» مثل: نتف الشعر، فيأخذ بشعر رأسه وينتفه؛ لأن هذا كله يدل على تسخطه من المصيبة، وقد تبرأ النبي صلّى الله عليه وسلّم من أمثال هؤلاء فقال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» [(426)].

ومثل أن يقول: يا ويلاه، يا ثبوراه، وما أشبهه؛ لأنه ينبئ عن التسخط.

وليعلم أن الناس إزاء المصيبة على درجات:

الأولى: الشاكر.

الثانية: الراضي.

الثالثة: الصابر.

الرابعة: الجازع.

أمَّا الجازع: فقد فعل محرماً، وتسخط من قضاء رب العالمين الذي بيده ملكوت السموات والأرض، له الملك يفعل ما يشاء.

وأمّا الصابر: فقد قام بالواجب، والصابر: هو الذي يتحمل المصيبة، أي يرى أنها مرة وشاقة، وصعبة، ويكره وقوعها، ولكنه يتحمل، ويحبس نفسه عن الشيء المحرم، وهذا واجب.

وأمّا الراضي: فهو الذي لا يهتم بهذه المصيبة، ويرى أنها من عند الله فيرضى رضاً تاماً، ولا يكون في قلبه تحسر، أو ندم عليها؛ لأنه رضي رضاً تاماً، وحاله أعلى من حال الصابر.

ولهذا كان الرضا مستحباً، وليس بواجب.

والشاكر: هو أن يشكر الله على هذه المصيبة.

ولكن كيف يشكر الله على هذه المصيبة وهي مصيبة؟

والجواب: من وجهين:

الوجه الأول: أن ينظر إلى من أصيب بما هو أعظم، فيشكر الله على أنه لم يصب مثله، وعلى هذا جاء الحديث: «لا تنظروا إلى من هو فوقكم، وانظروا إلى من هو أسفل منكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» [(427)].

الوجه الثاني: أن يعلم أنه يحصل له بهذه المصيبة تكفير السيئات، ورفعة الدرجات إذا صبر، فما في الآخرة خير مما في الدنيا، فيشكر الله، وأيضاً أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، فيرجو أن يكون بها صالحاً، فيشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة.

ويُذكر أن رابعة العدوية أصيبت في أصبعها، ولم تحرك شيئاً فقيل لها في ذلك؟

فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.

والشكر على المصيبة مستحب؛ لأنه فوق الرضا؛ لأن الشكر رضا وزيادة.

 

انتهى بحمد الله تعالى المجلد الخامس

ويليه بمشيئة الله عزّ وجل المجلد السادس

وأوله «كتاب الزكاة»

 

------------------------------

 

[228] أخرجه البخاري (5712)؛ ومسلم (2213) عن عائشة رضي الله عنها.

واللدود من الأدوية ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم، ولديدا الفم: جانباه.

[229] أخرجه أبو داود (3874) عن أبي الدرداء رضي الله عنه.

[230] أخرجه البخاري (2263).

[231] سبق تخريجه (1/133).

[232] أخرجه البخاري (4192)؛ ومسلم (1671) عن أنس رضي الله عنه.

[233] أخرجه البخاري (1356) عن أنس رضي الله عنه.

[234] أخرجه البخاري (1240)؛ ومسلم (2162) (4) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[235] أخرجه مسلم (2162) (5) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[236] سبق تخريجه ص(238).

[237] أخرجه صاحب «مسند الفردوس» (267) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وفي إسناده يحيى بن عبيد الله بن موهب قال عنه الحافظ ابن حجر في «التلخيص» بعد ذكر الحديث (4/138): «يحيى ضعيف جداً». ونقل عن ابن الصلاح قوله: «هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه». وقال ابن العربي: «ليس في فضل الأضحية حديث صحيح».

[238] أخرجه البخاري (2738)؛ ومسلم (1627) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

[239] أخرجه البخاري (1360)؛ ومسلم (24) عن المسيب بن حزن رضي الله عنه.

[240] أخرجه مسلم (1916) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[241] أخرجه أبو داود (3116)؛ والحاكم (1/351) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

[242] ـ [243] أخرجه الإمام أحمد (5/26، 27)؛ وابن ماجه (1448)؛ وابن حبان (3002) إحسان؛ والحاكم (1/565) عن معقل بن يسار رضي الله عنه. قال الدارقطني: «هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن ولا يصح في الباب حديث». وضعفه ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (5/49 ـ 50)؛ والنووي في «الأذكار» ص(112). وانظر: «التلخيص» (2/104).

[244] رواه الطبراني في «الكبير» (10781)؛ والحاكم (4/270)؛ والبيهقي (7/272) عن ابن عباس. وقال البيهقي: «ولا يثبت في ذلك إسناد». وقال العقيلي في «الضعفاء» (4/341): «ليس لهذا الحديث طريق يثبت».

وانظر: «مجمع الزوائد» (8/59).

[245] أخرجه أبو داود (2875)؛ والحاكم (1/59، 4/259)؛ والبيهقي (3/408)

عن عمير بن قتادة رضي الله عنه. وقال الحاكم: «قد احتج برواة هذا الحديث غير عبد الحميد بن سنان». قال الذهبي: «لجهالته، وقد وثقه ابن حبان».

[246] أخرجه الحاكم (1/353)؛ والبيهقي (3/384) عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

[247] أخرجه البخاري (4440)؛ ومسلم (2444) عن عائشة رضي الله عنها.

[248] أخرجه مسلم (920) عن أم سلمة رضي الله عنها.

[249] أخرجه الإمام أحمد (6/267)؛ وأبو داود (3141)؛ وابن حبان (6627) إحسان؛ والحاكم (3/59) عن عائشة رضي الله عنها. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.

[250] أخرجه البخاري (5814)؛ ومسلم (942) عن عائشة رضي الله عنها.

[251] كما سبق في حديث عائشة رضي الله عنها.

[252] أخرجه البيهقي (3/385).

[253] وهو آخر ما ذكره المؤلف مما يفعل بالميت.

[254] أخرجه البخاري (1315)؛ ومسلم (944) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[255] أخرجه أبو داود (3159)؛ والبيهقي (3/386).

[256] لما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها لصعق».

أخرجه البخاري (1316).

[257] أخرجه الإمام أحمد (2/440، 475)؛ والترمذي (1079) وحسنه؛ وابن ماجه (2413)؛ وابن حبان (3061) إحسان؛ والحاكم (2/26) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[258] أخرجه الإمام أحمد (3/330)؛ والحاكم (2/58) وصححه؛ والبيهقي (6/75) عن جابر رضي الله عنه؛ وحسّنه الهيثمي في «المجمع» (3/39).

[259] أخرجه البخاري (1265)؛ ومسلم (1206) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

[260] أخرجه البخاري (1259)؛ ومسلم (939) (39) عن أم عطية رضي الله عنها.

[261] أخرجه البخاري (2298)؛ ومسلم (1619) (14) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[262] أخرجه مسلم (1695) (1696).

[263] أخرجه عبد الرزاق (6117، 6124)؛ وابن أبي شيبة (3/249)؛ والبيهقي (3/397).

[264] أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (7/25).

[265] سبق تخريجه ص(266).

[266] أخرجه الإمام أحمد (6/228)؛ وابن ماجه (1465)؛ وابن حبان (6552) إحسان؛ والبيهقي (3/378). وقال البوصيري في «الزوائد»: «إسناد رجاله ثقات».

[267] لم نقف عليه.

[268] سبق تخريجه (1/342).

[269] سبق تخريجه ص(263).

[270] سبق تخريجه (1/25).

[271] أخرجه البخاري (3976) عن أبي طلحة رضي الله عنه.

[272] سبق تخريجه ص(254).

[273] أخرجه البخاري (1256)؛ ومسلم (939) (42) عن أم عطية رضي الله عنها.

[274] سبق تخريجه ص(269).

[275] سبق تخريجه (1/194).

[276] سبق تخريجه ص(269).

[277] سبق تخريجه ص(276).

[278] سبق تخريجه ص(263).

[279] سبق تخريجه ص(263).

[280] أخرجه البخاري (1258)؛ ومسلم (939) (36) عن أم عطية رضي الله عنها.

[281] سبق تخريجه من حديث أم عطية رضي الله عنها ص(263).

[282] ـ [283] ـ [284] ـ [285] ـ [286] سبق تخريجه ص(269).

[287] أخرجه مسلم (1206) (98) (101) (102) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

[288] سبق تخريجه ص(269).

[289] أخرجه البخاري (1347) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

[290] أخرجه البخاري (123)؛ ومسلم (1904) عن أبي موسى رضي الله عنه.

[291] أخرجه الإمام أحمد (1/190)؛ وأبو داود (4772)؛ والترمذي (1421)؛ والنسائي (7/116). وقال الترمذي: «حسن صحيح»، عن سعيد بن زيد رضي الله عنه.

[292] سبق تخريجه ص(287).

[293] أخرجه ابن حبان (7025) إحسان؛ والحاكم (3/204)؛ والبيهقي (4/15). وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، وأقرّه الذهبي.

[294] أخرجه الإمام أحمد (1/247)؛ وأبو داود (3134)؛ وابن ماجه (1515)؛ والبيهقي (4/14) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

[295] سبق تخريجه ص(269).

[296] سبق تخريجه ص(287).

[297] أخرجه مسلم (948) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

[298] أخرجه البخاري (1344)؛ ومسلم (2296) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.

[299] أخرجه مسلم (1769) عن عائشة رضي الله عنها.

[300] سبق تخريجه ص(293).

[301] أخرجه مسلم (2466) (123) عن جابر رضي الله عنه.

[302] سبق تخريجه (1/509).

[303] أخرجه البخاري (2642)؛ ومسلم (949) عن أنس رضي الله عنه.

[304] أخرجه الطبراني في «الأوسط» (598)؛ وابن عدي في «الكامل» (6/2398) عن أنس بن مالك رضي الله عنه وفيه معاوية بن يحيى وهو ضعيف جداً.

انظر ترجمته في: «الميزان» (8635).

[305] أخرجه الإمام أحمد (1/395، 396)؛ وأبو داود (4860)؛ والترمذي (3896).

[306] سبق تخريجه ص(269).

[307] سبق تخريجه ص(280).

[308] سبق تخريجه ص(269).

[309] بضم أوله، ويروى بفتحه نسبة إلى سَحول قرية باليمن، وقال الأزهري: بالفتح: المدينة، وبالضم: الثياب، وقيل: النسبة إلى القرية: بالضم، وأما بالفتح: فنسبة إلى القصار؛ لأنه يسحل الثياب، أي ينقيها. «فتح الباري» (3/140).

[310] أخرجه البخاري (1264)؛ ومسلم (941) عن عائشة رضي الله عنها.

[311] أخرجه الإمام أحمد (1/247، 274، 355)؛ وأبو داود (3878)؛ والترمذي (994)؛ وابن ماجه (1472)؛ وابن حبان (5423) إحسان؛ والحاكم (1/354) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الترمذي: «حسن صحيح» وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

[312] سبق تخريجه ص(269).

[313] انظر: «مصنف عبد الرزاق» (3/414)؛ وابن أبي شيبة (3/256).

[314] لم نقف عليه عن ابن مسعود، ولكن روي مرسلاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه وضع نعيم بن مسعود في القبر ونزع الأخلّة بفيه». والأخلّة: العقد. أخرجه أبو داود في «المراسيل» (419)؛ والبيهقي في «السنن» (3/407).

[315] سبق تخريجه ص(306).

[316] وهو ما روته ليلى الثقفية قالت: «كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكان أول ما أعطانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحقاء، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند الباب معه كفنها يناولنا ثوباً ثوباً».

أخرجه الإمام أحمد (6/380)؛ وأبو داود (3157)؛ والبيهقي (4/6) وفي سنده نوح بن حكيم، وهو مجهول. وانظر: «نصب الراية» (2/258).

[317] أخرجه البخاري (3897)؛ ومسلم (940) عن خباب رضي الله عنه.

[318] أخرجه البخاري (2295) عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

[319] أخرجه مسلم (978) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه.

[320] أخرجه الدارقطني (2/56)؛ والطبراني في «الكبير» (13622) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

[321] أخرجه أحمد (3/118)؛ وأبو داود (3194)؛ والترمذي (1039)؛ وابن ماجه (1494) عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وقال الترمذي: «حديث حسن».

[322] أخرجه البخاري (1332)؛ ومسلم (964) عن سمرة بن جندب رضي الله عنه.

[323] سبق تخريجه (3/62).

[324] أخرجه البخاري (1335).

[325] أخرجه مسلم (483) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[326] أخرجه مسلم (771) عن علي رضي الله عنه.

[327] أخرجه البخاري (6399) عن أبي موسى رضي الله عنه.

[328] أخرجه مسلم (187) عن ابن مسعود رضي الله عنه.

[329] أخرجه أحمد (2/368)؛ وأبو داود (3201)؛ والترمذي (1024)؛ وابن ماجه (1498)؛ والحاكم (1/358). وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

[330] أخرجه أبو داود (3199)؛ وابن ماجه (1497)؛ وابن حبان (3076) (3077) إحسان، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[331] أخرجه مسلم (963).

[332] سبق تخريجه ص(326).

[333] سبق تخريجه (3/174).

[334] سبق تخريجه (3/200).

[335] أخرجه الإمام أحمد (1/391، 452)؛ وابن حبان (972) إحسان؛ والحاكم (1/509) عن ابن مسعود رضي الله عنه؛ وحسّنه ابن القيم في «شفاء العليل» ص(274).

[336] لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وفيه قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «والطفل يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة».

أخرجه الإمام أحمد (4/247،248، 249، 252)؛ وأبو داود (3180)؛ والترمذي (1031)؛ والنسائي (4/55)؛ وابن ماجه (1481)؛ والبيهقي (4/8، 24، 25). وقال الترمذي: «حسن صحيح». وقوله: «ويدعى لوالديه» تفرد به البيهقي.

[337] أخرجه الإمام أحمد (2/213، 221)؛ والترمذي (2639)؛ وابن ماجه (4300)؛ وابن حبان (225) إحسان، والحاكم (1/6، 529) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. وقال الترمذي: «حديث حسن غريب» وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

[338] أخرجه البخاري (6682)؛ ومسلم (2694) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[339] أخرجه الإمام أحمد (1/420)؛ وابن أبي شيبة (12/113) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[340] سبق تخريجه ص(332).

[341] أخرجه البخاري (1386) عن سمرة بن جندب رضي الله عنه.

[342] أخرجه الإمام أحمد (3/411)؛ وأبو داود (1892)؛ وابن حبان (3826) إحسان؛ والحاكم (1/455)؛ والبيهقي (5/84) عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم» ووافقه الذهبي.

[343] لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ثلاث خلال كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يفعلهن تركهن الناس إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة».

أخرجه البيهقي (4/34)؛ وقال النووي في «المجموع» (5/239): «إسناده جيد».

[344] وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى على جنازة فكبّر عليها أربعاً، وسلّم تسليمة واحدة».

أخرجه الدارقطني (2/72، 77)؛ والحاكم (1/360)؛ والبيهقي (4/43). وقال النووي في «الخلاصة» (2/982): «غريب الإسناد».

[345] أخرجه الدارقطني في «علله» كما في «نصب الراية» (2/285).

[346] «نصب الراية» (2/285).

[347] ذكره البخاري تعليقاً (3/226)، ووصله في جزء رفع اليدين في الصلاة (105)؛ والشافعي في «المسند» (585) ترتيب، وعبد الرزاق (6360)؛ وابن أبي شيبة (3/296)؛ والبيهقي (4/44).

[348] أخرجه مسلم (957) عن زيد رضي الله عنه.

[349] سبق تخريجه ص(318).

[350] سبق تخريجه ص(318).

[351] أخرجه النسائي (4/74) عن طلحة بن عبد الله قال: «صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: سنة وحق».

[352] لما رواه أبو أمامة بن سهل أنه أخبره رجال من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة على الجنازة: «أن يكبّر الإمام، ثم يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث...».

أخرجه الحاكم (1/360)؛ والبيهقي (4/39) وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

[353] أخرجه أبو داود (3199)؛ وابن ماجه (1497)؛ وابن حبان (3076) إحسان؛ والبيهقي (4/40) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[354] سبق تخريجه (3/211).

[355] سبق تخريجه (4/368).

[356] ـ [357] سبق تخريجه (4/368).

[358] أخرجه البخاري (458)؛ ومسلم (956) عن زيد بن ثابت رضي الله عنه.

[359] سبق تخريجه ص(70).

[360] أخرجه الدارقطني (2/78). وانظر: «التلخيص الحبير» (253).

[361] أخرجه البخاري (1245)؛ ومسلم (951) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[362] أخرجه أبو داود (2710)؛ والنسائي (1961)؛ وابن ماجه (2848).

[363] أخرجه مسلم (109) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[364] سبق تخريجه ص(314).

[365] سبق تخريجه ص(351).

[366] أخرجه البخاري (6862) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

[367] أخرجه مسلم (99) (100).

[368] أخرجه ابن ماجه (1478) موقوفاً، وضعفه البوصيري لانقطاع إسناده.

[369] أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (3/431).

[370] أخرجه في «السنن الكبرى» (4/34).

[371] انظر: «مجمع الزوائد» (3/29).

[372] سبق تخريجه ص(257).

[373] أخرجه الإمام أحمد (4/247 ـ 249)؛ وأبو داود (3180)؛ والترمذي (1031)؛ والنسائي (4/55)؛ وابن ماجه (1481) (عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه). وقال الترمذي: «حسن صحيح».

[374] أخرجه البخاري (1310)؛ ومسلم (959) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[375] أخرجه البخاري (1362)؛ ومسلم (2647) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

[376] أخرجه البيهقي (4/54).

[377] أخرجه ابن أبي شيبة (4/130).

[378] لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا وضعتم موتاكم في اللحد، فقولوا: بسم الله، وعلى سنّة رسول الله».

أخرجه الإمام أحمد (2/27، 40، 59، 69، 127)؛ وأبو داود (3213)؛ والترمذي (1046)؛ وابن ماجه (1550)؛ وابن حبان (3110) إحسان؛ والحاكم (1/366)؛ والبيهقي (4/55). وقال الترمذي: «حسن غريب» وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

[379] أخرجه البخاري (1342) عن أنس رضي الله عنه.

[380] أخرجه البخاري (247)؛ ومسلم (2710).

[381] سبق تخريجه ص(250).

[382] سبق تخريجه ص(251).

[383] سبق تخريجه ص(285).

[384] أخرجه ابن ماجه (1565) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وجوّده النووي في «المجموع» (5/292). وقال الحافظ في «التلخيص» (165): «إسناده ظاهر الصحة»، وصححه البوصيري في «الزوائد».

[385] فعن سفيان التمار «أنه رأى قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم مسنماً».

أخرجه البخاري (1390).

[386] أخرجه مسلم (969).

[387] أخرجه مسلم (970) عن جابر رضي الله عنه.

[388] أخرجه مسلم (971) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[389] رواه الترمذي (1052) عن جابر رضي الله عنه. وقال: «حديث حسن صحيح».

[390] سبق تخريجه ص(366).

[391] أخرجه البخاري (1347) عن جابر رضي الله عنه.

[392] «الاختيارات» ص(89).

[393] سبق تخريجه ص(249).

[394] أخرجه مسلم (919) عن أم سلمة رضي الله عنها.

[395] سبق تخريجه (1/194).

[396] أخرجه البخاري (2756).

[397] أخرجه البخاري (1388)؛ ومسلم (1004).

[398] أخرجه أبو داود (2883).

[399] أخرجه مسلم (1631) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[400] أخرجه الإمام أحمد (1/205)؛ وأبو داود (3132)؛ والترمذي (998)؛ وابن ماجه (1610)؛ والحاكم (1/372) عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».

[401] أخرجه الإمام أحمد (2/204)؛ وابن ماجه (1612). وقال البوصيري: «إسناده صحيح، رجال الطريق الأول على شرط البخاري، والثاني على شرط مسلم» عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.

[402] أخرجه الإمام أحمد (3/65)؛ وأبو داود (3128)؛ والبيهقي (4/63) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[403] أخرجه مسلم (976) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[404] ـ [405] ـ [406] أخرجه مسلم (977) عن بريدة رضي الله عنه.

[407] أخرجه أبو داود (3235)؛ والترمذي (1054) عن بريدة رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حسن صحيح».

[408] أخرجه الإمام أحمد (1/229، 287، 324)؛ وأبو داود (3236)؛ والترمذي (320)؛ والنسائي (4/94)؛ وابن حبان (3179) إحسان؛ والحاكم (1/374)؛ والبيهقي (4/78) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

[409] أخرجه الترمذي (1055)؛ وابن أبي شيبة (3/343)؛ وعبد الرزاق (6711)؛ والحاكم (1/376)؛ والبيهقي (4/78)؛ وعزاه في «مجمع الزوائد» (3/60) للطبراني، وقال: «رجاله رجال الصحيح»، وصححه الذهبي في «تلخيص المستدرك».

[410] سبق تخريجه (3/285).

[411] سبق تخريجه (3/282).

[412] أخرجه مسلم (974) (103).

[413] أخرجه الإمام أحمد (3/442)؛ وابن ماجه (1574)؛ والحاكم (1/374)؛ والبيهقي (4/78) عن حسان بن ثابت رضي الله عنه. وقال البوصيري في «الزوائد»: «إسناده صحيح، ورجاله ثقات».

[414] «مجموع الفتاوى» (24/344).

[415] «ألفية ابن مالك» ص(52).

[416] أخرجه البخاري (1597)؛ ومسلم (1270).

[417] «الروح» ص(7)، وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب «القبور»، وليس في المطبوع منه، وأخرجه ابن عبد البر في «الاستذكار» برقم (1858)، وصححه عبد الحق الإشبيلي كما في «إتحاف السادة المتقين» (10/365).

[418] سبق تخريجه (1/344).

[419] أخرجه البخاري (1284)؛ ومسلم (923) عن أسامة بن زيد رضي الله عنه.

[420] أخرجه البخاري (1303)؛ ومسلم (2315) عن أنس رضي الله عنه.

[421] أخرجه البخاري (1286)؛ ومسلم (928) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

[422] أخرجه البخاري (1804)؛ ومسلم (1927) عن جابر رضي الله عنه.

[423] أخرجه البخاري (1281)؛ ومسلم (1486) عن أم حبيبة رضي الله عنها.

[424] «ألفية ابن مالك» ص(44).

[425] أخرجه مسلم (934) عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

[426] أخرجه البخاري (2294)؛ ومسلم (103) عن أبي موسى رضي الله عنه.

[427] أخرجه مسلم (2963) (9) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

 

 

تاريخ التحديث : Jan 21, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com