المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد السادس
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد السادس
كتاب الزكاة
 

 

كِتَابُ الزَّكَاةِ

 

قوله: «كتاب الزكاة» .

العلماء ـ رحمهم الله ـ يترجمون:

بالكتاب: في الأجناس.

وبالباب: في الأنواع.

وبالفصل: في المسائل.

ومعلوم أن الزكاة جنس غير الصلاة، ففي الصلاة يقال: باب الاستسقاء، وباب الكسوف، وباب التطوع، وهكذا، وهذه أنواع.

وفي الفصول يذكر الوتر مثلاً في باب صلاة التطوع، وإذا انتهى منه، قال: فصل وتسن الرواتب.. وهكذا.

فالفصول للمسائل، والأبواب للأنواع، والكتب للأجناس.

هذا هو الأصل، وقد يختلف الحال.

وقوله: «كتاب الزكاة» ترجم له بكتاب؛ لأنه جنس مستقل.

والزكاة أهم أركان الإسلام بعد الصلاة، والله ـ سبحانه وتعالى ـ يقرنها كثيراً بالصلاة في كتابه، وقد ثبت عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في إحدى الروايات عنه «أن تاركها بخلاً يكفر كتارك الصلاة كسلاً».

ولكن الصحيح أن تاركها لا يكفر، والذين كفروا مانعها بخلاً قالوا: إن الله ـ تعالى ـ قال: {{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}} [التوبة: 11] فرتب ثبوت الأخوة على هذه الأوصاف الثلاثة: إن تابوا من الشرك، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ولا يمكن أن تنتفي الأخوة في الدين إلا إذا خرج الإنسان من الدين، أما إذا فعل الكبائر فهو أخ لنا، فالقاتل عمداً قال الله فيه: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}} [البقرة: 178] .

فقال ـ سبحانه وتعالى ـ: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}} أي: المقتول، والضمير يعود على القاتل، فجعل الله المقتول أخاً للقاتل.

وقال الله ـ تعالى ـ في المقتتلين من المؤمنين: {{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}} [الحجرات: 10] .

مع أن قتل المؤمن وقتاله من كبائر الذنوب، فلا يمكن أن تنتفي الأخوة في الدين إلا بكفر، فدل على كفر تارك الزكاة.

ولا شك أن هذا القول له وجه جيد في الاستدلال بهذه الآية، لكن دل حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ الثابت في صحيح مسلم على أن الزكاة ليس حكمها حكم الصلاة.

حيث ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم مانع زكاة الذهب والفضة، وذكر عقوبته، ثم قال: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار» [(1)]، ولو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة.

فإذا قال قائل: إذا خصصتم آية التوبة بالنسبة لتارك الزكاة، فلماذا لا تقولون ذلك في تارك الصلاة؟؛ لأن الحكم واحد {{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}} [التوبة: 11] .

فالجواب: أن تارك الصلاة وردت فيه نصوص تدل على كفره؛ فمن أجل ذلك حكمنا بكفره، والنصوص الواردة في كفر تارك الصلاة نصوص قائمة، وليس لها معارض مقاوم، وكل ما قيل: إنه معارض، فإنه لا يعارض أدلة كفره، لا ثبوتاً، ولا استدلالاً.

فوائد الزكاة الفردية والاجتماعية وحِكَمُها ما يلي:

الأولى: إتمام إسلام العبد وإكماله؛ لأنها أحد أركان الإسلام، فإذا قام بها الإنسان تم إسلامه وكمل، وهذا لا شك أنه غاية عظيمة لكل مسلم، فكل مسلم مؤمن يسعى لإكمال دينه.

الثانية: أنها دليل على صدق إيمان المزكي، وذلك أن المال محبوب للنفوس، والمحبوب لا يبذل إلا ابتغاء محبوب مثله أو أكثر، بل ابتغاء محبوب أكثر منه، ولهذا سميت صدقة؛ لأنها تدل على صدق طلب صاحبها لرضا الله عزّ وجل.

الثالثة: أنها تزكي أخلاق المزكي، فتنتشله من زمرة البخلاء، وتدخله في زمرة الكرماء؛ لأنه إذا عود نفسه على البذل، سواء بذل علم، أو بذل مال، أو بذل جاه، صار ذلك البذل سجية له وطبيعة حتى إنه يتكدر، إذا لم يكن ذلك اليوم قد بذل ما اعتاده، كصاحب الصيد الذي اعتاد الصيد، تجده إذا كان ذلك اليوم متأخراً عن الصيد يضيق صدره، وكذلك الذي عود نفسه على الكرم، يضيق صدره إذا فات يوم من الأيام لم يبذل فيه ماله أو جاهه أو منفعته.

الرابعة: أنها تشرح الصدر، فالإنسان إذا بذل الشيء، ولا سيما المال، يجد في نفسه انشراحاً، وهذا شيء مجرب، ولكن بشرط أن يكون بذله بسخاء وطيب نفس، لا أن يكون بذله وقلبه تابع له.

وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد[(2)] أن البذل والكرم من أسباب انشراح الصدر، لكن لا يستفيد منه إلا الذي يعطي بسخاء وطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرجه من يده، أما من أخرج المال من يده، لكنه في قرارة قلبه، فلن ينتفع بهذا البذل.

الخامسة: أنها تلحق الإنسان بالمؤمن الكامل «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [(3)] فكما أنك تحب أن يبذل لك المال الذي تسد به حاجتك، فأنت تحب أن تعطيه أخاك، فتكون بذلك كامل الإيمان.

السادسة: أنها من أسباب دخول الجنة، فإن الجنة «لمن أطاب الكلام، وأفشى السلام، وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام» [(4)]، وكلنا يسعى إلى دخول الجنة.

السابعة: أنها تجعل المجتمع الإسلامي كأنه أسرة واحدة، يضفي فيه القادر على العاجز، والغني على المعسر، فيصبح الإنسان يشعر بأن له إخواناً يجب عليه أن يحسن إليهم كما أحسن الله إليه، قال تعالى: {{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}} [القصص: 77] ، فتصبح الأمة الإسلامية وكأنها عائلة واحدة، وهذا ما يعرف عند المتأخرين بالتكافل الاجتماعي، والزكاة هي خير ما يكون لذلك؛ لأن الإنسان يؤدي بها فريضة، وينفع إخوانه.

الثامنة: أنها تطفئ حرارة ثورة الفقراء؛ لأن الفقير قد يغيظه أن يجد هذا الرجل يركب ما شاء من المراكب، ويسكن ما يشاء من القصور، ويأكل ما يشتهي من الطعام، وهو لا يركب إلا رجليه، ولا ينام إلا على الأسبال وما أشبه ذلك، لا شك أنه يجد في نفسه شيئاً.

فإذا جاد الأغنياء على الفقراء كسروا ثورتهم وهدؤوا غضبهم، وقالوا: لنا إخوان يعرفوننا في الشدة، فيألفون الأغنياء ويحبونهم.

التاسعة: أنها تمنع الجرائم المالية مثل السرقات والنهب والسطو، وما أشبه ذلك؛ لأن الفقراء يأتيهم ما يسد شيئاً من حاجتهم، ويعذرون الأغنياء بكونهم يعطونهم من مالهم، يعطون ربع العشر في الذهب والفضة والعروض، والعشر أو نصفه في الحبوب والثمار، وفي المواشي يعطونهم نسبة كبيرة، فيرون أنهم محسنون إليهم فلا يعتدون عليهم.

العاشرة: النجاة من حر يوم القيامة فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة» [(5)] وقال في الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» [(6)].

الحادية عشرة: أنها تلجئ الإنسان إلى معرفة حدود الله وشرائعه؛ لأنه لن يؤدي زكاته إلا بعد أن يعرف أحكامها وأموالها وأنصباءها ومستحقها، وغير ذلك مما تدعو الحاجة إليه.

الثانية عشرة: أنها تزكي المال، يعني تنمي المال حساً ومعنى، فإذا تصدق الإنسان من ماله فإن ذلك يقيه الآفات، وربما يفتح الله له زيادة رزق بسبب هذه الصدقة، ولهذا جاء في الحديث: «ما نقصت صدقة من مال» [(7)]، وهذا شيء مشاهد أن الإنسان البخيل ربما يسلط على ماله ما يقضي عليه أو على أكثره باحتراق، أو خسائر كثيرة، أو أمراض تلجئه إلى العلاجات التي تستنزف منه أموالاً كثيرة.

الثالثة عشرة: أنها سبب لنزول الخيرات، وفي الحديث: «ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء» [(8)].

الرابعة عشرة: «أن الصدقة تطفئ غضب الرب» كما ثبت ذلك عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم[(9)].

الخامسة عشرة: أنها تدفع ميتة السوء[(10)].

السادسة عشرة: أنها تتعالج مع البلاء الذي ينزل من السماء فتمنع وصوله إلى الأرض[(11)].

السابعة عشرة: أنها تكفر الخطايا، قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» [(12)].

مسألة: اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ متى فرضت الزكاة؟

فقال بعض العلماء: إنها فرضت في مكة، واستدلوا بآيات الزكاة التي نزلت في مكة مثل: {{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ}{الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}} [فصلت: 6، 7] ومثل: {{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *}} [المعارج] ومثل: {{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ *}} [الروم] ، وكقوله: {{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}} [الأنعام: 141] .

وقال بعضهم: ـ وهو أصح الأقوال ـ إن فرضها في مكة، وأما تقدير أنصبائها، وتقدير الأموال الزكوية، وتبيان أهلها فهذا في المدينة، وعليه فيكون ابتداء فرضها في مكة من باب تهيئة النفوس، وإعدادها لتتقبل هذا الأمر، حيث إن الإنسان يخرج من ماله الذي يحبه حباً جماً، يخرج منه في أمور لا تعود عليه ظاهراً بالنفع في الدنيا، فلما تهيأت النفوس لقبول ما يفرض عليها من ذلك، فرضه الله ـ تعالى ـ فرضاً مبيناً مفصلاً، وذلك في المدينة.

تعريف الزكاة:

لغة: النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد.

وشرعاً: التعبد لله ـ تعالى ـ بإخراج جزء واجب شرعاً في مال معين لطائفة أوجهة مخصوصة.

وحكمها: الوجوب.

ومنزلتها من الدين أنها أحد أركان الإسلام، وأهم أركان الإسلام بعد الصلاة، ومن جحد وجوبها ممن عاش بين المسملين فإنه كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وإجماع المسلمين، سواء أخرجها أم لم يخرجها، ومن أقر بوجوبها، وتهاون في إخراجها، وبخل بها فأصح قولي العلماء: أنه فاسق، وليس بكافر.

ولا تجب في كل مال إنما تجب في المال النامي حقيقية أو تقديراً.

فالنمو حقيقة كماشية بهيمة الأنعام، والزروع والثمار، وعروض التجارة.

والنامي تقديراً كالذهب والفضة إذا لم يشتغل فيهما بالتجارة، فإنهما وإن كانا راكدين، فهما في تقدير النامي؛ لأنه متى شاء اتجر بهما.

والأموال الزكوية خمسة أصناف:

1 ـ الذهب.

2 ـ والفضة.

3 ـ وعروض التجارة.

4 ـ وبهيمة الأنعام.

5 ـ والخارج من الأرض.

وهناك أشياء مختلف فيها: كالعسل، هل فيه زكاة أو لا؟ وكالركاز هل الواجب فيه زكاة أو لا؟ وسيأتي البحث فيها إن شاء الله.

ولا تجب إلا بشروط؛ فمن حكمة الله ـ عزّ وجل ـ وإتقانه في فرضه وشرائعه، أنه جعل لها شروطاً؛ أي: أوصافاً معينة لا تجب إلا بوجودها؛ لتكون الشرائع منضبطة، لا فوضى فيها.

إذ لو لم يكن هناك شروط لكان كل شخص يقدر أن هذا واجب، وهذا غير واجب فإذا أتقنت الفرائض بالشروط وحددت لم يكن هناك اختلاف، وصار الناس على علم وبصيرة، فمتى وجدت الشروط في شيء ثبت، ومتى انتفت انتفى.

ثم إن هناك موانع أيضاً تمنع وجوب الزكاة مع وجود الشروط، وجميع الأشياء لا تتم إلا بشروطها وانتفاء موانعها، وسيأتي بيانها إن شاء الله.

 

تَجِبُ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: حُرِّيَّةٌ، وإِسْلاَمٌ، وَمُلْكُ نِصَابٍ، واسْتِقْرَارُهُ، وَمُضِيُّ الحَوْلِ...

قوله: «تجب بشروط خمسة: حرية، وإسلام، وملك نصاب، واستقراره، ومضي الحول» .

شروط وجوب الزكاة هي:

1 ـ الحرية: وضدها الرق، فلا تجب الزكاة على رقيق، أي: على عبد؛ لأنه لا يملك، فالمال الذي بيده لسيده.

ودليل ذلك: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ باع عبداً له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع» [(13)].

فقال: «ماله» أي الذي بيده «للذي باعه» أي: لا له، فيكون بمنزلة الفقير الذي ليس عنده مال، والفقير لا تجب عليه بالاتفاق.

وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «له مال» فاللام في (له) للاختصاص، كما تقول للدابة سَرْج فلا يعارض ما قررناه.

2 ـ الإسلام وضده الكفر فلا تجب على كافر، سواء أكان مرتداً أم أصلياً؛ لأن الزكاة طهرة، قال تعالى: {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ}} [التوبة: 103] والكافر نجس، فلو أنفق ملء الأرض ذهباً لم يطهر حتى يتوب من كفره.

وأما قوله تعالى: {{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ}{الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}} فالمراد بها هنا: زكاة النفس عند أكثر العلماء؛ لقوله تعالى: {{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *}} [الشمس: 9] . فيكون معنى الآية على هذا: أي لا يؤتون أنفسهم زكاتها بل يهينونها ويغفلون عنها.

وإذا قلنا: إن الكافر لا تجب عليه الزكاة، فلا يعني ذلك أنه لا يحاسب عليها، بل يحاسب عليها يوم القيامة، لكنها لا تجب عليه، بمعنى أننا لا نلزمه بها حتى يسلم.

ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين بعث معاذاً إلى اليمن بعد أن ذكر التوحيد، والصلاة: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم» [(14)].

والدليل: من القرآن قوله تعالى: {{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ *}} [التوبة: 54] .

فإذا كانت لا تقبل فلا فائدة في إلزامهم بها، ولكنهم يحاسبون عليها يوم القيامة، ويعذبون عليها.

ودليل ذلك قوله تعالى عن المجرمين: {{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *}} [المدثر] فلولا أنهم عوقبوا على ترك الصلاة، وترك إطعام المسكين لما ذكروا ذلك سبباً في دخولهم النار.

3 ـ ملك نصاب: النصاب هو القدر الذي رتب الشارع وجوب الزكاة على بلوغه، وهو يختلف، فلا بد أن يملك نصاباً، فلو لم يملك شيئاً كالفقير فلا شيء عليه، ولو ملك ما هو دون النصاب فلا شيء عليه.

ودليل اشتراط ملك النصاب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة» [(15)]، وقال في الغنم: «إذا بلغت أربعين شاةً شاةٌ» [(16)] وغير ذلك من الأدلة، ولأن ما دون النصاب لا يحتمل المواساة.

4 ـ استقراره: أي: استقرار الملك.

ومعنى كونه مستقراً: أي أن ملكه تام، فليس المال عرضة للسقوط، فإن كان عرضة للسقوط، فلا زكاة فيه.

ومثلوا لذلك: بالأجرة (أجرة البيت) قبل تمام المدة فإنها ليست مستقرة؛ لأنه من الجائز أن ينهدم البيت، وتنفسخ الإجارة.

ومثل ذلك أيضاً حصة المضارَب ـ بالفتح، وهو العامل ـ من الربح فلا زكاة فيها؛ لأن الربح وقاية لرأس المال، مثاله: أعطيت شخصاً مائة ألف ليتجر بها فربحت عشرة آلاف؛ للمالك النصف وللمضارب النصف خمسة آلاف، فلا زكاة في حصة المضارب لأنها عرضة للتلف، إذ هي وقاية لرأس المال، إذ لو خسر المال لا شيء له، وحصة المالك من الربح، فيها الزكاة لأنها تابعة لأصل مستقر، فمال رب المال فيه الزكاة وكذا نصيبه من الربح؛ لأن نصيبه تابع لأصل مستقر.

ومثلوا لذلك أيضاً بدين الكتابة أي: إذا باع السيد عبده نفسه بدراهم، وبقيت عند العبد سنة فإنه لا زكاة فيها؛ لأن العبد يملك تعجيز نفسه، فيقول: لا أستطيع أن أوفي، وإذا كان لا يستطيع أن يوفي، فإنه يسقط عنه المال الذي اشترى نفسه به، فيكون الدين حينئذ غير مستقر.

مسألة: إذا حَصَلْتَ على المال الذي كان غير مستقر، فهل تجب فيه الزكاة لما مضى؟

الجواب: لا، ولكن تستأنف به حولاً؛ لأنه لم يكن مستقراً قبل ذلك.

5 ـ مضي الحول: أي: تمام الحول؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» [(17)] أخرجه ابن ماجه؛ ولأننا إن لم نقدر زمناً فهل يقال: تجب في كل يوم، أو كل شهر، أو كل أسبوع، أو كل عشرة أعوام، فلا بد من تقدير، ولأننا لو أوجبنا الزكاة كل شهر، لكان ضرراً على أهل الأموال، ولو أوجبناها كل سنتين لأضررنا بأهل الزكاة.

والحول مقدارٌ يكون به الربح المطرد غالباً، ويكون فيه خروج الثمار، ويكون فيه النماء في المواشي غالباً، فلهذا قدر بالحول، والحول هنا باعتبار السنة القمرية لقول الله تعالى: {{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ...} [البقرة: 189] .

واستثنى المؤلف أشياء لا يشترط لها تمام الحول وهي:

 

فِي غَيْرِ الْمُعَشَّرِ، إِلاَّ نَتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ،.......

قوله: «في غير المعشر» وهذا هو الأول، يريدالخارج من الأرض من الحبوب والثمار، وسمي معشراًلوجوب العشر أو نصفه فيه، فلا يشترط لها الحول، ودليل ذلك قول الله تعالى: {{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}} [الأنعام: 141] فأمر الله تعالى عباده أن يعطوا زكاة الحبوب والثمار عند اجتنائها حيث يتوفر الشيء في أيديهم، ويسهل عليهم إخراجه قبل وصوله إلى المخازن، ولهذا يزرع الإنسان الأرض ويكتمل الزرع في أربعة أو ستة شهور وتجب فيه الزكاة.

قوله: «إلاَّ نتاج السائمة» هذا مستثنى من قوله: (ومضي الحول) أي: إلا ما تنتجه السائمة أي: أولادها، هذا هو الثاني، فلا يشترط له تمام الحول، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث السعاة إلى أهل المواشي، فيأخذون الزكاة مما يجدون مع أن المواشي فيها الصغار والكبار، ولا يستفصل متى ولدت؟ بل يحسبونها ويخرجونها حسب رؤوسها، فمثلاً: رجل عنده أربعون شاة تجب فيها الزكاة، فولدت كل واحدة ثلاثة، إلا واحدة ولدت أربعة، فأصبحت مائة وواحداً وعشرين ففيها شاتان مع أن النماء لم يحل عليه الحول؛ ولكنه يتبع الأصل.

قوله: «وربح التجارة» وهذا الثالث، ولا يشترط له تمام الحول؛ لأن المسلمين يخرجون زكاتها دون أن يحذفوا ربح التجارة، ولأن الربح فرع، والفرع يتبع الأصل، مثاله: لو قدرنا شخصاً اشترى أرضاً بمائة ألف وقبل تمام السنة صارت تساوي مائتين فيزكي عن مائتين، مع أن الربح لم يحل عليه الحول؛ ولكنه يتبع الأصل.

هذا ما ذكره المؤلف، ويضاف إليه ما يأتي:

الرابع: الركاز وهو ما يوجد من دفن الجاهلية، فهذا فيه الخمس بمجرد وجوده، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وفي الركاز الخمس» [(18)] ولم يقل: بعد الحول؛ ولأن وجوده يشبه الحصول على الثمار التي تجب الزكاة فيها من حين الحصول عليها عند الحصاد، وهو زكاة على المشهور من المذهب، وقيل: إنه فيء، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

الخامس: المعدن، لأنه أشبه بالثمار من غيرها، فلو أن إنساناً عثر على معدن ذهب أو فضة واستخرج منه نصاباً فيجب أداء زكاته فوراً قبل تمام الحول[(19)].

السادس: العسل على القول بوجوب الزكاة فيه.

السابع: الأجرة على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فتخرج الزكاة عنده بمجرد قبضها؛ لأنها كالثمرة.

 

وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَاباً، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أصْلِهِمَا إِنْ كَانَ نِصَاباً، وَإِلاَّ فَمِن كَمَالِهِ ....

قوله: «ولو لم يبلغ نصاباً، فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصاباً، وإلا فمن كماله» فإذا كان عنده (35) شاة فليس فيها زكاة؛ لأن أقل النصاب (40) وفي أثناء الحول نتجت كل واحدة منها سخلة، فنحسب الحول من تمام النصاب؛ ولهذا قال: «وإلا فمن كماله».

مثال آخر: لو كان عنده نصف نصاب ثم بعد مضي ستة أشهر كَمُلَ نصاباً، ثم بعد ثلاثة أشهر ربح نصاباً آخر، فالحول يبتدئ من حين كمل نصاباً، والربح يتبع الأصل.

مثال آخر: لو أن رجلاً اتجر بـ(100.000) ريال، وفي أثناء الحول ربحت (50.000) ريال فنزكي الخمسين إذا تم حول المائة.

مثال آخر: رجل عنده (100.000) ريال، وفي أثناء الحول ورث من قريب له (50.000) ريال فنزكي الخمسين إذا تم حولها، ولا تضم إلى (100.000) في الحول.

فإذا قال قائل: فما الفرق بين المثالين؟

فالجواب: أن الربح فرع عن رأس المال فتبعه في الحول، كما في المثال الأول، وأما الإرث فهو ابتداء ملك، فاعتبر حوله بنفسه، كما في المثال الثاني.

فالمستفاد بغير الربح كالرجل يرث مالاً، أو يوهب له، أو المرأة تملك الصداق، وما أشبه ذلك، فهذا لا يضم إلى ما عنده من المال في الحول؛ لأنه مستقل وليس فرعاً له، ولكنه يضم في تكميل النصاب.

مثال ذلك: إذا كان شخص عنده من الدراهم أقل من النصاب، وفي أثناء الحول مات له قريب، فورث منه خمسين ألفاً فيبتدئ الحول من وقت ملك الخمسين ألفاً؛ في الخمسين، وفي الدراهم السابقة، ولا يبتدئ الحول في الدراهم السابقة من حين ملكها، وفي الخمسين من حين ملكها؛ لأن الدراهم الأولى أقل من النصاب فليس فيها زكاة، لكن لما تم النصاب بإرث الخمسين ضممنا الأولى إلى الثانية، وصار الحول واحداً من حين تمام النصاب بملك الخمسين.

وبعض الناس تشكل عليه فيظن أنه إذا أتممنا النصاب بنينا على حول ما دون النصاب وليس كذلك، وإنما يبدأ الحول من كمال النصاب في الجميع.

مثال آخر: ملك في شهر محرم نصاباً، ثم ملك بالإرث في شهر جمادى الثانية أقل من النصاب مائة درهم ففيها زكاة ـ وإن كان أقل من النصاب ـ لأن عنده مالاً يبلغ النصاب، لكن حول المائة درهم يكون في جمادى الثانية، وليس في محرم؛ لأنها تضم إلى ما عنده في النصاب، لا في الحول.

وظاهر كلام المؤلف: أنه لا يشترط البلوغ ولا العقل.

وعلى هذا فتجب الزكاة في مال الصبي وفي مال المجنون، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم.

وسبب الخلاف أن بعض العلماء جعلها من العبادات المحضة فقال: إن الصغير والمجنون ليسا من أهل العبادة كالصلاة، فإذا كانت الصلاة لا تجب على المجنون والصغير، فالزكاة من باب أولى.

وبعض العلماء جعل الزكاة من حق المال، أي: أنها واجبة في المال لأهل الزكاة، فقال: إنه لا يشترط البلوغ والعقل؛ لأن هذا حكم رتب على وجود شرط وهو بلوغ النصاب، فإذا وجد وجبت الزكاة، ولا يشترط في ذلك التكليف فتجب في مال الصبي ومال المجنون.

وهذا القول أصح، ودليل ذلك ما يلي:

1 ـ قوله تعالى: {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}} [التوبة: 103] . فالمدار على المال لا على المتموِّل.

فإن قال قائل: قوله تعالى: {{تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}} هذا في حق المكلفين؛ لأن التطهير والتزكية يكون من الذنوب؟

فيقال: هذا بناء على الأغلب؛ فالزكاة تجب غالباً في أموال المكلفين فيحتاجون إلى تطهير، على أن الصبي ـ ولا سيما المميز ـ يحتاج لتطهير، لما قد يحصل منه إخلال بالآداب، فإن أخذ الزكاة منه مطهر له ومنمٍّ لإيمانه وأخلاقه الفاضلة.

2 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين بعث معاذاً ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» [(20)] فجعل محل الزكاة المال.

3 ـ ولأن الزكاة حق الآدمي، فاستوى في وجوب أدائه المكلف وغير المكلف، كما لو أتلف الصغير مال إنسان فإننا نلزمه بضمانه مع أنه غير مكلف.

وهذا القول هو مذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وخالف أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ في هذا.

فإذا قال قائل: إذا أوجبنا الزكاة في مال الصبي والمجنون فهذا يؤدي إلى نقصه، وقد قال الله تعالى: {{وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ}} [الأنعام: 152، الإسراء: 34] .

فالجواب: هذا النقص هو في الحقيقة كمال وزيادة؛ لأن الزكاة تطهر وتنمي المال فهي وإن نقصته حساً، لكنها كمال وزيادة معنى، فالزكاة من قربانه بالتي هي أحسن.

ثم إنه منقوض بوجوب النفقة عليهما فلو كان للمجنون ـ مثلاً ـ أولاد وزوجة وأب لوجبت النفقة لهم في ماله مع أنها تنقصه.

فإن قال قائل: إذا قلتم: إن الزكاة من الأحسن فالصدقة أيضاً من الأحسن، فهل تجيزون أن يتصدق بمال اليتيم والمجنون؟

فالجواب: لا؛ لأن الصدقة محض تبرع لا تنشغل الذمة بتركها، والزكاة فريضة تنشغل الذمة بتركها.

ولهذا لو غلت مواد الإنفاق، وصار ثوب الكتان قيمته (100) ريال والثوب من الخيش قيمته (10) ريالات.

فنشتري له ثياب كتان؛ لأن هذا هو المعتاد، فإذا كان كذلك فنقول: الزكاة من باب أولى أن نخرجها من مال اليتيم؛ لأنها أبلغ من أن يخرج من ماله لثوب يلبسه.

 

وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ مِنْ صَدَاقٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَلِيءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَدَّى زَكَاتَهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى،.........

قوله: «ومن كان له دين» الدين: ما ثبت في الذمة من قرض، وثمن مبيع، وأجرة، وغير ذلك.

قوله: «أو حق» أي: الحق المالي فخرج بذلك الحق غير المالي، وقوله: «أو حق» لم أقف عليها عند غيره، والذي يظهر لي أن الحق إن كان ثابتاً فهو دين، وإن كان غير ثابت فلا زكاة فيه أصلاً، ولهذا عبارة الإقناع والمنتهى ليس فيها كلمة حق.

قوله: «من صداق» الصداق للزوجة، وهو ما يبذله الزوج للمرأة في عقد النكاح وإنما نص عليه؛ لأن الصداق قد يسقط بعضه، فإنه إذا طلقها الزوج قبل الدخول سقط النصف، وقد يسقط كله إذا كانت الفرقة من قبلها قبل الدخول.

قوله: «وغيره» : أي: غير الصداق كعوض الخُلع الثابت للزوج وأرش جناية، وضمان متلف، وكذا لو كان المال ضائعاً أو مسروقاً ثم عثرت عليه بعد سنين، فالمذهب يجب عليك إخراج زكاته.

تنبيه: تجب الزكاة في العارية والوديعة؛ لأنها على ملك صاحبها فهي كسائر ماله.

قوله: «على مليء أو غيره» المليء: الغني، أو غيره: الفقير.

وسواء كان على باذل أو مماطل، وسواء كان مؤجلاً أو حالاً.

قوله: «أدى زكاته إذا قبضه لما مضى» أي: يجب عليه أن يزكيه إذا قبضه لما مضى من السنين، وهذا هو المذهب.

مثال ذلك: شخص له (100) درهم على أربعة أشخاص على كل واحد (25) درهماً، وبقيت عندهم سنوات، ولما قبضها إذا زكاتها أكثر منها.

نقول: أدِّ زكاتها ولو كانت أكثر منها، إذا كان عندك مال يكمل النصاب، أما إذا لم يكن لديك مال سواها، فهي في أول سنة تنقص عن النصاب، ولا يجب فيها شيء.

مثال آخر: رجل باع أرضاً على شخص بـ(100.000) ريال والمشتري فقير، وبقيت عنده عشر سنوات ثم قبضها.

فيؤديها لعشر سنوات؛ لقوله: «لما مضى».

واستفدنا من قوله: «أَدَّى» أن هذه الزكاة أداء، وليست قضاء فـ(100.000) زكاتها في كل سنة (2500)، فيصير مجموع زكاتها لعشر سنين (25.000)، فصارت زكاتها الربع كاملاً، وزكاة الدراهم ربع العشر؛ لأنه يؤديها لكل ما مضى.

مثال ثالث: رجل أجر شخصاً بيته لمدة سنة بـ(1000) درهم وانتهت المدة، وماطل المستأجر حتى بقيت عنده عشر سنوات.

فزكاة الألف كل سنة (25)، في عشر سنوات (250) أي الربع.

مثال رابع: امرأة تزوجها رجل على صداق قدره (20.000) ريال ولم يسلم الصداق، وبقيت الزوجة عنده عشر سنوات ثم أعطاها صداقها.

فتكون زكاته في عشر سنوات (5000) ريال أي الربع.

وكل هذا على ما مشى عليه المؤلف رحمه الله.

وقوله: «أدى زكاته إذا قبضه» أي: لا يلزمه أن يؤدي زكاته قبل قبضه، فهو مرخص له في عدم أداء الزكاة حتى يقبضه.

فإن قال قائل: أليست الزكاة على الفور فلماذا لا تلزمه الزكاة إذا تم الحول، ولو كان في ذمة غيره؟

الجواب: أن فيه احتمالاً أن يتلف مال من عليه الدين، أو يعسر، أو يجحد نسياناً أو ظلماً، فلما كان هذا الاحتمال قائماً رخص له أن يؤخر إخراج الزكاة حتى يقبضه.

فإن أدى الزكاة قبل قبضه ليستريح فله ذلك؛ لأن تأخيرها من باب الرخصة والتسهيل، بل قال أهل العلم: إن ذلك أفضل.

هذا هو القول الأول في المسألة.

القول الثاني: إن كان الدين على معسر أو مماطل فلا زكاة فيه، ولو بقي عشرين سنة، وكذلك لو لم يبقَ إلا شهر واحد على تمام الحول ثم أخرج المال ديناً لمعسر فلا زكاة فيه، وإن كان على موسر باذل ففيه الزكاة كل سنة.

القول الثالث: لا زكاة في الدين مطلقاً، سواء كان على غني أو غير غني؛ لأن الدين في ذمة الغير ليس في يدك حتى يكون في جملة مالك؛ فلا زكاة في الدين حتى يقبضه.

القول الرابع: أنه إذا كان يؤمل وجوده فتجب فيه الزكاة، كالدين على الفقير، فيحتمل أن يجده، وإن كان لا يؤمل وجوده كالضائع، والمنسي، والضال فلا زكاة عليه.

والصحيح أنه تجب الزكاة فيه كل سنة، إذا كان على غني باذل؛ لأنه في حكم الموجود عندك؛ ولكن يؤديها إذا قبض الدين، وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله، والأول رخصة والثاني فضيلة، وأسرع في إبراء الذمة.

أما إذا كان على مماطل أو معسر فلا زكاة عليه ولو بقي عشر سنوات؛ لأنه عاجز عنه، ولكن إذا قبضه يزكيه مرة واحدة في سنة القبض فقط، ولا يلزمه زكاة ما مضى.

وهذا القول قد ذكره الشيخ العنقري في حاشيته عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأحفاده[(21)] رحمهم الله وهو مذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ ، وهذا هو الراجح لما يلي:

أولاً: أنه يشبه الثمرة التي يجب إخراج زكاتها عند الحصول عليها، والأجرة التي اختار شيخ الإسلام وجوب الزكاة فيها حين القبض، ولو لم يتم عليها حول[(22)].

ثانياً: أن من شرط وجوب الزكاة: القدرة على الأداء، فمتى قدر على الأداء زكى.

ثالثاً: أنه قد يكون مضى على المال أشهر من السنة قبل أن يخرجه ديناً.

رابعاً: أن إسقاط الزكاة عنه لما مضى، ووجوب إخراجها لسنة القبض فقط، فيه تيسير على المالك؛ إذ كيف توجب عليه الزكاة مع وجوب إنظار المعسر، وفيه أيضاً تيسير على المعسر؛ وذلك بإنظاره.

ومثل ذلك، المال المدفون المنسي، فلو أن شخصاً دفن ماله خوفاً من السرقة ثم نسيه، فيزكيه سنة عثوره عليه فقط.

وكذلك المال المسروق إذا بقي عند السارق عدة سنوات، ثم قدر عليه صاحبه، فيزكيه لسنة واحدة، كالدين على المعسر.

مسألة مهمة كَثُر السؤال عنها وذلك حين كسدت الأراضي:

مثاله: اشترى إنسانٌ أرضاً وقت الغلاء ثم كسدت، ولم يجد من يشتريها لا بقليل ولا بكثير، فهل عليه زكاة في مدة الكساد أو لا؟

الجواب: يرى بعض العلماء: أنه لا شيء عليه في هذه الحال؛ لأن هذا يشبه الدين على المعسر في عدم التصرف فيه، حتى يتمكن من بيعها، فإذا باعها حينئذ قلنا له: زك لسنة البيع فقط.

وهذا في الحقيقة فيه تيسير على الأمة، وفيه موافقة للقواعد؛ لأن هذا الرجل يقول: أنا لا أنتظر الزيادة أنا أنتظر من يقول: بع علي.

والأرض نفسها ليست مالاً زكوياً في ذاتها حتى نقول: تجب عليك الزكاة في عينه.

أما الدراهم المبقاة في البنك، أو في الصندوق من أجل أن يشتري بها داراً للسكنى أو يجعلها صداقاً، فهي لا تزيد لكن لا شك أن فيها زكاة.

والفرق بينها وبين الأرض الكاسدة: أن الزكاة واجبة في عين الدراهم، وأما الزكاة في العروض فهي في قيمتها، وقيمتها حين الكساد غير مقدور عليها، فهي بمنزلة الدين على معسر.

قوله: «ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب» أي: إذا كان عند الإنسان نصاب من الذهب، أو من الفضة، أو من الحبوب، أو الثمار، أو من المواشي ولكن عليه دينٌ ينقص النصاب فلا زكاة فيما عنده.

مثال ذلك: رجل بيده مائة ألف، وعليه تسعة وتسعون ألفاً وتسعمائة، فالفاضل عنده الآن مائة، والمائة دون النصاب فليس فيها زكاة.

هذا هو المشهور من المذهب، وهو القول الأول، وقد استدلوا بالأثر، والنظر.

أما الأثر: فما روي عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ أنه كان يخطب فيقول: (أيها الناس إن هذا شهر زكاة أموالكم فمن كان عليه دين فليقضه، ثم ليزك) [(23)]، وعثمان ـ رضي الله عنه ـ أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم.

وأما النظر: فلأن الزكاة إنما تجب مواساة؛ ليواسي الغني الفقير، ومن عليه دين فهو فقير يحتاج من يعطيه ليوفي دينه.

ولأننا لو أوجبنا الزكاة عليه، لأخذت الزكاة على هذا المال مرتين، مرةً من المدين، ومرة من الدائن.

ولا فرق بين الدين المؤجل والدين الحال، فكله سواء أي: إذا كان عليه دين لا يحل موعده إلا بعد عشر سنوات، وبيده مال ينقصه الدين عن النصاب فلا زكاة عليه.

مثاله: رجل عليه عشرة آلاف درهم تحل بعد عشر سنوات، وبيده الآن عشر آلاف درهم فنقول: لا زكاة عليه.

القول الثاني: أنه لا أثر للدين في منع الزكاة، وأن من كان عنده نصاب فليزكه، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، أو يستغرق النصاب، أو يزيد على النصاب.

واستدل هؤلاء بما يلي:

1 ـ العمومات الدالة على وجوب الزكاة في كل ما بلغ النصاب.

مثل: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم «فيما سقت السماء العشر» [(24)] وحديث أنس بن مالك في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر «وفي الرقة في كل مائتي درهم ربع العشر ـ الرقة هي الفضة ـ وكذلك ذكر في سائمة بهيمة الأنعام في كل خمس من الإبل شاة ، وفي كل أربعين شاة شاة» [(25)].

2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث العمال الذين يقبضون الزكاة من أصحاب المواشي، ومن أصحاب الثمار[(26)]، ولا يأمرهم بالاستفصال هل عليهم دين أم لا؟ مع أن الغالب أن أهل الثمار عليهم ديون في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن من عادتهم أنهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فيكون على صاحب البستان دين سلف، ومع ذلك كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يخرص عليهم ثمارهم، ويزكونها.

3 ـ أن الزكاة تجب في المال {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}} [التوبة: 103] وبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم معاذاً إلى اليمن، وقال: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» [(27)] والدين يجب في الذمة لا في المال؛ ولذلك لو تلف المال الذي بيدك كله لم يسقط عنه شيء من الدين، فلو استقرض مالاً واشترى به سلعاً للبيع والشراء والاتجار، ثم هلك المال لم يسقط الدين؛ لأنه يتعلق بالذمة، والزكاة تجب في عين المال، فالجهة منفكة وحينئذ لا يحصل تصادم أو تعارض.

وأما أثر عثمان ـ رضي الله عنه ـ فإننا نسلم أنه إذا كان على الإنسان دين حال، وقام بالواجب وهو أداؤه فليس عليه زكاة؛ لأنه سيؤدي من ماله، وسَبْقُ الدين يقتضي أن يقدم في الوفاء على الزكاة؛ لأن الزكاة لا تجب إلا إذا تم الحول، والدين سابق، فكان لسبقه أحق بالتقديم من الزكاة.

ونحن نقول لمن اتقى الله، وأوفى ما عليه: لا زكاة عليك إلا فيما بقي، أما إذا لم يوف ما عليه، وماطل لينتفع بالمال، فإنه لا يدخل فيما جاء عن عثمان، فعليه زكاته.

وأما الدليل النظري: وهو أن الزكاة وجبت مواساة، فنقول:

أولاً: نمانع في هذا الشيء، فأهم شيء في الزكاة ما ذكره الله ـ عزّ وجل ـ {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}} [التوبة: 103] فهي عبادة يطهر بها الإنسان من الذنوب، فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتزكو بها النفوس، ويشعر الإنسان إذا بذلها، بانشراح صدر واطمئنان قلب، فليس المقصود من الزكاة هو المواساة فقط.

ثم على فرض أن من أهدافها المواساة فإن هذا لا يقتضي تخصيص العمومات؛ لأن تخصيص العمومات معناه إبطال جانب منها، وهو الذي أخرجناه بالتخصيص، وإبطال جانب من مدلول النص ليس بالأمر الهين الذي تقوى عليه علة مستنبطة قد تكون عليلة، وقد تكون سليمة، وقد تكون حية، وقد تكون ميتة.

لكن لو نص الشارع على هذا، لكان للإنسان مجال أن يقول: إن المدين ليس أهلاً لأن يواسي بل يحتاج إلى من يواسيه.

وأما حاجة المدين فعلى الرحب والسعة، فهو أحد الأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة؛ لقضاء حاجتهم، فهو من الغارمين فنقول: نحن نقضي دينك من الزكاة، وأنت تتعبد لله بأداء الزكاة.

وأما قولهم: إن إيجاب الزكاة يقتضي إيجاب الزكاة في المال مرتين.

فالجواب: أن المدين قد لا يكون في يده نفس المال الذي أخذه من الدائن؛ فقد يستدين دراهم، ويكون عنده مواشٍ، أو بالعكس، وهذا كثير، ثم على فرض أن يكون هو نفس المال، فيقال: الجهة منفكة؛ لأن المال الذي بيد المدين ماله يتصرف فيه كيف يشاء، فملكهُ له ملك تامٌ، والدين الذي للدائن في ذمة المدين لا دخل له في هذا المال الذي بيد المدين.

فإن قال قائل: كيف يمكن أن يكون الإنسان مزكياً، وله أن يأخذ الزكاة؟

فنقول: ليس فيه غرابة؛ لو كان عند الإنسان نصاب أو نصابان لا يكفيانه للمؤنة، لكنهما يبقيان عنده إلى الحول فهنا نقول: نعطيه للمؤنة ونأمره بالزكاة، ولا تناقض.

القول الثالث: أن الأموال الظاهرة تجب فيها الزكاة، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، والأموال الباطنة لا تجب فيها الزكاة إذا كان عليه دين ينقص النصاب.

والأموال الظاهرة هي: الحبوب، والثمار، والمواشي.

والأموال الباطنة هي: الذهب والفضة، والعروض؛ لأن الزكاة تجب في قيمتها وهي باطنة.

واستدلوا بما يلي:

أولاً: العمومات «في كل أربعين شاة شاة» [(28)].

ثانياً: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث العمال لقبض الزكاة من الأموال الظاهرة دون أن يأمرهم بالاستفصال مع أن الغالب على أهل الثمار أن تكون عليهم ديون.

ثالثاً: أن الأموال الظاهرة تتعلق بها أطماع الفقراء؛ لأنهم يشاهدونها، فإذا لم يؤد زكاتها بحجة أن عليه ديناً والدين من الأمور الباطنة؛ فإن الناس إذا رأوا أنه لم يؤد الزكاة عن هذه الأموال الظاهرة سيسيئون به الظن، وكما أن في عدم إخراج الزكاة في هذه الحال إيغاراً لصدور الفقراء.

ولكن هذا القول وإن كان يبدو في بادئ الرأي أنه قوي لكنه عند التأمل ضعيف؛ لأن استدلالهم بالعمومات يشمل الأموال الباطنة، ولأن كون الرسول صلّى الله عليه وسلّم يبعث العمال ولا يستفصلون يدل على أن الزكاة تتعلق بالمال، ولا علاقة للذمة فيها، وهذا لا فرق فيه بين المال الظاهر والمال الباطن؛ ولأن الدَّيْن أمر باطن تستوي فيه الأموال الظاهرة والأموال الباطنة.

وإذا قلنا: إنها مواساة فلا فرق بين هذا وهذا؛ ولأن ما ذكروا أنه أموال باطنة فيه نظر، فالتاجر عند الناس تاجر ومعروف، فقد يكون عنده مثلاً معارض سيارات ومخازن أدوات، وأنواع عظيمة من الأقمشة، ودكاكين كثيرة من المجوهرات، أيهما أظهر هذا، أو غنيمات في نقرة بين رمال عند بدوي لا يُعْرف في السوق؟!

الجواب: الأول.

فالخفاء والظهور أمر نسبي، فقد يكون الظاهر باطناً، ويكون الباطن ظاهراً.

والذي أرجحه: أن الزكاة واجبة مطلقاً، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، إلا ديناً وجب قبل حلول الزكاة فيجب أداؤه ثم يزكي ما بقي بعده، وبذلك تبرأ الذمة، ونحن إذا قلنا بهذا القول نحث المدينين على الوفاء.

فإذا قلنا لمن عليه مائة ألف ديناً، ولديه مائة وخمسون ألفاً، والدين حال: أدِّ الدين، وإلا أوجبنا عليك الزكاة بمائة الألف، فهنا يقول: أؤدي الدين، لأن الدين لن أؤديه مرتين.

وهذا الذي اخترناه هو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز. والتفريق بين الأموال الظاهرة والباطنة اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله.

وهذا الذي رجحناه أبرأ للذمة، وأحوط، والحمد لله «ما نقصت صدقة من مال» كما يقوله المعصوم عليه الصلاة والسلام [(29)].

 

وَلاَ زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَاب ..........

وقوله: «ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب» ظاهر كلامه ـ رحمه الله ـ أنه لا فرق بين أن يكون الدين من جنس ما عنده، أو من غير جنسه، فإذا كان عليه دين من الذهب، وعنده فضة فلا زكاة فيها، وكذا لو كان عنده دين من الفضة، وعنده مواشٍ فلا زكاة فيها.

 

وَلَوْ كَانَ المَالُ ظَاهِراً، .........

قوله: «ولو كان المال ظاهراً» «لو» هذه إشارة خلاف، وعادة الفقهاء ـ رحمهم الله ـ إذا جاؤوا بـ«لو» فالغالب أن الخلاف قوي، وإذا جاؤوا بـ«حتى» فالغالب أن الخلاف ضعيف، وإذا جاؤوا بالنفي فقالوا مثلاً: ولا يشترط كذا وكذا، فهذا إشارة إلى أن فيه خلافاً قد يكون ضعيفاً، وقد يكون قوياً، لكنهم لا يأتون بمثل هذا العبارة «ولا يشترط» إلا وفيه خلاف بالاشتراط؛ لأنه لو لم يكن خلاف فلا حاجة إلى نفيه؛ لأن عدم ذكره يعني نفيه، فإذا وجدت في كلام بعد ذكر الشروط والواجبات: «ولا يشترط كذا»، أو «لا يجب كذا» فاعلم أن في المسألة خلافاً، وقد تقدم بيان القول الذي أشار إليه المؤلف، والمال الظاهر هو الذي يحفظ في الصناديق والبيوت، مثل: الماشية والثمار والحبوب.

 

وَكَفَّارَةٌ كَدَيْنٍ ..........

قوله: «وكفارة كدين» يعني لو وجب على الإنسان كفارة تنقص النصاب، فلا زكاة عليه فيما عنده؛ لأن الكفارة كالدين، بل هي دين، لكن الدائن فيها هو الله ـ عزّ وجل ـ.

مثال ذلك: رجل عنده ثلاثمائة صاع من الحبوب، لكن عليه إطعام ستين مسكيناً فيلزمه ثلاثون صاعاً، إذا قلنا: كل صاع لاثنين، وعليه فليس عليه زكاة في الثلاثمائة صاع؛ لأن عليه كفارة تنقص النصاب.

فإن قال قائل: ما الدليل على أن الكفارة وهي حق لله كدين الآدمي؟

قلنا: الدليل «أن امرأة سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم أن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت فقال لها: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم قال: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» [(30)] فجعل حق الله كحق الآدمي ديناً يقضى.

ووجه نص المؤلف ـ رحمه الله ـ على هذه المسألة، مع أنها داخلة في التي قبلها، أن فيها خلافاً حتى على القول بأن الدين يمنع وجوب الزكاة إذا أنقص النصاب، فمن أهل العلم من يفرق بين الكفارة والدين في منع وجوب الزكاة إذا أنقصت النصاب؛ لأن الكفارة حق لله ـ تعالى ـ متعلق بالذمة، والزكاة حق لله ـ تعالى ـ متعلق بالمال والذمة، وما كان متعلقاً بالمال والذمة أولى بالمراعاة، ولكن المذهب أنهما سواء.

 

وَإن مَلَكَ نِصَاباً صِغَاراً انْعَقَدَ حَولُهُ حِينَ مَلَكَهُ وَإِنْ نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الحَوْلِ أوْ بَاعَهُ أوْ أبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ لاَ فِرَاراً مِن الزَّكَاةِ انْقَطَعَ الحولُ، وإِنْ أَبْدَلَهُ بِجِنْسِهِ بَنَى عَلى الحَوْلِ.

قوله: «وإن ملك نصاباً صغاراً انعقد حوله حين ملكه» أي: في المواشي، إن ملك نصاباً صغاراً انعقد حوله من حين ملكه؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «في كل أربعين شاة شاة» لكن إن كانت هذه الصغار تتغذى باللبن فقط فلا زكاة فيها؛ لأنها غير سائمة الآن، ومن شروط وجوب الزكاة في الماشية أن تكون سائمة، وهذه الصغار لا ترعى، وإنما تسقى اللبن.

وإنما نص المؤلف ـ رحمه الله ـ على هذه المسألة؛ لأن من أهل العلم من يشترط لانعقاد الحول فيما إذا ملك نصاباً صغاراً من حين ملكه أن يبلغ سناً يجزئ في الزكاة، لكن الصواب ما قاله المؤلف من أجل العموم.

قوله: «وإن نقص النصاب في بعض الحول.... انقطع الحول» . أي: فلا زكاة لنقص النصاب.

مثال ذلك: رجل عنده (200) درهم، وفي أثناء الحول اشترى منها بخمسة دراهم فلا زكاة في الباقي؛ لأنه نقص النصاب قبل تمام الحول.

قوله: «أو باعه» أي: باع النصاب، فإذا باع النصاب في أثناء الحول انقطع فلا زكاة، ويستثنى من ذلك عروض التجارة كما سيأتي.

مثاله: رجل عنده (40) شاة سائمة، وقبل تمام الحول باع شاة بدراهم وهو ليس متجراً، لكن رأى أنها أتعبته في الأكل والشرب والمرعى فباعها، فينقطع الحول، فيبدأ بالدراهم حولاً جديداً حتى لو باعها قبل تمام الحول بيوم أو يومين.

قوله: «أو أبدله بغير جنسه لا فراراً من الزكاة انقطع الحول» الحقيقة أن الإبدال بيع، لكن ما دام أن المؤلف ـ رحمه الله ـ قال: «باعه أو أبدله» فيجب أن نجعل البيع بالنقد، والإبدال بغير النقد؛ وذلك لأن الأصل في العطف التغاير، وهذا يقتضي أن يكون المراد بالإبدال غير البيع.

فنقول: إذا باع (40) شاة بدراهم فهذا بيع.

وإذا أبدل (40) شاة بثلاثين بقرة فهذا إبدال، وإلا فالبيع بدل كما قالوا في تعريف البيع: «هو مبادلة مال، ولو في الذمة بمثل أحدهما...».

وقوله: «أو أبدله بغير جنسه» أي: إذا أبدله بغير جنسه حقيقة أو حكماً، ومثال إبدال جنس النصاب حقيقة: إذا أبدل نصاب سائمة الغنم بسائمة البقر، فإنه ينقضي الحول؛ لأن الجنس هنا يختلف حقيقة ويمكن أن يقال: يختلف حكماً أيضاً؛ لأن الواجب في البقر يختلف عن الغنم.

ومثال إبدال جنس النصاب حكماً: إذا أبدل نصاب سائمة الغنم بنصاب عروض التجارة من الغنم، فإن الحول ينقطع لأن الحكم يختلف، فهو كما لو أبدله بغير جنسه.

مسألة: إذا أبدل ذهباً بفضة، أي: كان عنده (20) ديناراً وفي أثناء الحول باعها بـ(200) درهم.

فظاهر كلام المؤلف: أن الحول ينقطع؛ لأن الذهب غير الفضة بنص الحديث.

قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة... فإذا اختلفت هذا الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» [(31)].

وعلى هذا فيكون كلام المؤلف عاماً، حتى في إبدال الذهب بالفضة.

والمذهب: أن إبدال الذهب بالفضة لا يقطع الحول؛ لأنها في حكم الجنس الواحد، بدليل أن أحدهما يكمل بالآخر في النصاب.

والصحيح: أن أحدهما لا يكمل بالآخر في النصاب، وأن الحول ينقطع؛ لأنها من جنسين، وأيضاً عروض التجارة تجب في قيمتها فلا ينقطع الحول إذا أبدل عروض التجارة بذهب أو فضة، وكذلك إذا أبدل ذهباً أو فضة بعروض تجارة؛ لأن العروض تجب الزكاة في قيمتها لا في عينها، فكأنه أبدل دراهم بدراهم فالذهب والفضة والعروض تعتبر شيئاً واحداً، وكذا إذا أبدل ذهباً بفضة إذا قصد بهما التجارة، فيكونان كالجنس الواحد.

وقوله: «لا فراراً من الزكاة» لا نافية للجنس، وقوله «فراراً» مفعول لأجله، والمعنى أنه إن كان بيع النصاب وتبديله بغير جنسه؛ لأجل الفرار من الزكاة فإنه لا ينقطع الحول؛ لأنه فعل ذلك تحيلاً على إسقاط الواجب والتحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه، كما أن التحيل على الحرام لا يبيحه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» [(32)]، لأن العبرة في الأفعال بالمقاصد، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [(33)]، وهذه هي قاعدة الحيل.

ومثال هذه المسألة: لو أن إنساناً عنده نصاب من الغنم السائمة فلما قارب الحول على التمام أبدلها بمثلها عروضاً؛ لئلا تلزمه الزكاة في السائمة فهنا لا ينقطع الحول؛ لأنه فعل ذلك فراراً من الزكاة.

مسألة: لو أن إنساناً عنده دراهم كثيرة، وأراد أن يشتري بها عقاراً يؤجره لئلا تجب عليه زكاتها، فهل تسقط عنه الزكاة بذلك؟

ظاهر كلام الفقهاء أن الزكاة تسقط عنه، ولكن لا بد أن نقول: إن كلامهم في هذا الباب يدل على أنها لا تسقط بهذا التبديل، فيقوّم هذه العقارات كل سنة، ويؤدي زكاتها، وإن كان الأصل أنه ليس فيها زكاة، لكن الفار يعاقب بنقيض قصده.

قوله: «وإن أبدله بجنسه بنى على الحول» أي: لو أبدل النصاب بجنسه، فإنه لا ينقطع الحول، مثال ذلك: أن تبيع المرأة ذهبها الحلي بذهب، فإن الحول لا ينقطع؛ لأنها أبدلته بجنسه. ومثاله أيضاً: إنسانٌ عنده مائة شاة أسترالية أبدلها بمائة شاة نجدية، فإن الحول لا ينقطع؛ لأن الجنس واحد والحكم واحد. أما إذا اتفقا في الجنس واختلفا في الحكم، فإنه ينقطع الحول، مثال ذلك: إذا أبدل ماشية سائمة بماشية عروض تجارة فإنه ينقطع الحول؛ لأن المال في الحقيقة اختلف فالنصاب الأخير، وهو عروض التجارة لا يراد به عين المال، بل يراد به قيمته، ولذلك ينبغي أن يضاف إلى قول المؤلف: «وإن أبدله بجنسه» قيد، وهو «واتفقا في الحكم» «بنى على الحول» بأن كانا عروضاً أو سائمة أو ما أشبه ذلك.

 

وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ المَالِ، وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالذِّمةِ ........

قوله: «وتجب الزكاة في عين المال، ولها تعلق بالذمة» اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ هل الزكاة واجبة في الذمة، أو واجبة في عين المال؟

فقال بعض العلماء: إنها واجبة في الذمة، ولا علاقة لها بالمال إطلاقاً.

بدليل أن المال لو تلف بعد وجوب الزكاة لوجب على المرء أن يؤدي الزكاة.

وقال بعض العلماء: بل تجب الزكاة في عين المال، لقوله تعالى: {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}} [التوبة: 103] ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ حين بعثه لليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» [(34)] فالزكاة واجبة في عين المال.

وكلا القولين يرد عليه إشكال؛ لأننا إذا قلنا: إنها تجب في عين المال صار تعلقها بعين المال كتعلق الرهن بالعين المرهونة، فلا يجوز لصاحب المال إذا وجبت عليه الزكاة أن يتصرف فيه، وهذا خلاف الواقع، حيث إن من وجبت عليه الزكاة له أن يتصرف في ماله، ولو بعد وجوب الزكاة فيه لكن يضمن الزكاة.

وإذا قلنا: بأنها واجبة في الذمة، فإن الزكاة تكون واجبة حتى لو تلف المال بعد وجوبها من غير تعد ولا تفريط وهذا فيه نظر أيضاً.

فالقول الذي مشى عليه المؤلف قول جامع بين المعنيين، وهو أنها تجب في عين المال ولها تعلق بالذمة، فالإنسان في ذمته مطالب بها، وهي واجبة في المال ولولا المال لم تجب الزكاة، فهي واجبة في عين المال.

إلا أنه يستثنى من ذلك مسألة واحدة، وهي العروض، فإن الزكاة لا تجب في عينها، ولكن تجب في قيمتها، ولهذا لو أخرج زكاة العروض منها لم تجزئه، بل يجب أن يخرجها من القيمة.

فصاحب الدكان إذا تم الحول، وقال: عندي سكر، وشاي، وثياب، سأخرج زكاة السكر من السكر، والشاي من الشاي، والثياب من الثياب؛ فإننا نقول له: يجب أن تخرج من القيمة، فَقَدِّر الأموال التي عندك، وأخرج ربع عشر قيمتها؛ لأن ذلك أنفع للفقراء؛ ولأن مالك لم يثبت من أول السنة إلى آخرها على هذا فربما تُغَيِّرُ السكر ـ مثلاً ـ بأرز، أو بر، أو بغير ذلك، بخلاف السائمة فإنها تبقى من أول الحول إلى آخره، وتخرج من عينها.

فالصحيح أنه لا يصح إخراج زكاة العروض إلا من القيمة.

وعلى القول بأن الزكاة تجب في عين المال ولها تعلق بالذمة، فإنه يجوز لمن وجبت عليه الزكاة أن يبيع المال، ولكن يضمن الزكاة، ويجوز أن يهبه ولكن يضمن الزكاة؛ لأن هذا التعلق بالمال ليس تعلقاً كاملاً من كل وجه حتى نقول: إن المال الواجب فيه الزكاة كالموهوب، بل لها تعلق بالذمة.

مسألة: ينبني على الخلاف في تعلق الزكاة بالمال أو بالذمة عدة مسائل ذكرها ابن رجب في القواعد، أوضحها لو كان عند إنسان نصاب واحد حال عليه أكثر من حول، فعلى القول بأنها تجب في الذمة يجب عليه لكل سنة زكاة، وعلى القول بأنها تجب في عين المال، لم يجب عليه إلا زكاة سنة واحدة ـ السنة الأولى ـ لأنه بإخراج الزكاة سينقص النصاب، فإذا كان عند الإنسان أربعون شاة سائمة ومضى عليها الحول ففيها شاة، وبها ينقص النصاب؛ لأن الزكاة واجبة في عين المال، أما إن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة، فإنها تجب في كل سنة شاة.

وقد ذكر ابن رجب فوائد أخرى تنبني على هذا الخلاف من أرادها فليراجعها[(35)].

 

وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الأدَاءِ، وَلاَ بَقَاءُ المَالِ،...........

قوله: «ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء» أي: لا يشترط لوجوب الزكاة أن يتمكن من أدائها؛ ولهذا تجب في الدين مع أنه لا يمكن أن تؤدى منه، وهو في ذمة المدين، وفي المال الضائع إذا وجده، وفي المال المجحود إذا أقر به المنكر، وهكذا، فلا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء، بل تجب وإن كان لا يتمكن من أدائها، ولكن لا يجب الإخراج حتى يتمكن من الأداء.

قوله: «ولا بقاء المال» أي: لا يعتبر في وجوبها بقاء المال، فلو تلف المال بعد تمام الحول، ووجوب الزكاة فيه، فعليه الزكاة سواء فرط أو لم يفرط؛ لأنها وجبت، وصارت ديناً في ذمته.

وعليه لو أن صاحب الزكاة عنده عروض تجارة تم الحول عليها، وزكاتها تبلغ (10.000) ريال ثم احترق الدكان، ولم يبق منه درهم واحد، فعلى كلام المؤلف يضمن؛ لأنه لا يعتبر في وجوبها بقاء المال.

والصحيح في هذه المسألة أنه إن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان؛ لأن الزكاة بعد وجوبها أمانة عنده، والأمين إذا لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه.

ولو أن فقيراً وضع عند شخص دراهم له، ثم تلفت عند المودع بلا تعد ولا تفريط فلا يلزمه أن يضمن للفقير ماله، فالزكاة من باب أولى، مع أن الفقير لا يملك الزكاة إلا من جهة المزكي، فكيف يضمن وهو لم يتعد ولم يفرط؟

فإن تعدى بأن وضع المال في مكان يُقَدَّرُ فيه الهلاك، ضمن ما تلف من المال بعد وجوب الزكاة.

وكذلك لو فرط فأخر إخراجها بلا مسوغ شرعي، وتلف المال فإنه يضمن الزكاة.

أما إذا لم يتعد ولم يفرط وكان مستعداً للإخراج وقت الإخراج، ولكن جاءه أمر أهلك ماله فكيف نضمنه؟!

فالصواب أنه لا يشترط لوجوبها بقاء المال، إلا أن يتعدى، أو يفرط[(36)].

 

والزَّكَاةُ كالدَّينِ فِي التَّرِكةِ..........

قوله: «والزكاة كالدين في التركة» أي: إذا مات الرجل وعليه زكاة، فإن الزكاة حكمها حكم الدين، في أنها تقدم على الوصية وعلى الورثة؛ فلا يستحق صاحب الوصية شيئاً إلا بعد أداء الزكاة، وكذلك لا يستحق الوارث شيئاً إلا بعد أداء الزكاة، فإذا قدرنا أن رجلاً لزمه (10.000) زكاة، ثم تلف ماله إلا عشرة آلاف، ومات ولم يخلف سواها فتصرف للزكاة، ولا شيء للورثة.

ودليل ذلك: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» [(37)].

والزكاة مقدمة على الوصية، وعلى الإرث.

وهذا فيما إذا كان الرجل لم يتعمد تأخير الزكاة، فإننا نخرجها من تركته، وتجزئ عنه، وتبرأ بها ذمته كرجل يزكي كل سنة، وتم الحول في آخر سنواته في الدنيا ثم مات، فهنا نخرجها وتبرأ بها ذمته.

أما إذا تعمد ترك إخراج الزكاة، ومنعها بخلاً ثم مات، فالمذهب[(38)] أنها تخرج وتبرأ منها ذمته.

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: إنها لا تبرأ منها ذمته ولو أخرجوها من تركته؛ لأنه مصِرٌّ على عدم الإخراج فكيف ينفعه عمل غيره؟ وقال: إن نصوص الكتاب والسنة وقواعد الشرع تدل على هذا[(39)].

وما قال ـ رحمه الله ـ صحيح في أنه لا يجزئ ذلك عنه، ولا تبرأ بها ذمته.

ولكن كوننا نسقطها عن المال هذا محل نظر؛ فإن غلبنا جانب العبادة، قلنا: بعدم إخراجها من المال؛ لأنها لا تنفع صاحبها، وإن غلبنا جانب الحق؛ أي: حق أهل الزكاة، قلنا: بإخراجها؛ لنؤدي حقهم، وإن كانت عند الله لا تنفع صاحبها.

والأحوط أننا نخرجها من تركته؛ لتعلق حق أهل الزكاة بها، فلا تسقط بظلم من عليه الحق، وسبق حقهم على حق الورثة، ولكن لا تنفعه عند الله؛ لأنه رجل مصر على عدم إخراجها.

مسألة: لو مات شخص وعليه دين وزكاة فأيهما يقدم؟

مثاله: رجل خلف (100) ريال، وعليه زكاة (100) ريال، ودين (100) ريال فهل يقدم حق الآدمي، أو تقدم الزكاة؟

في المسألة ثلاثة أقوال:

قال بعض العلماء: يقدم دين الآدمي؛ لأنه مبني على المشاحة؛ ولأن الآدمي محتاج إلى دفع حقه إليه في الدنيا، أما حق الله فالله غني عنه، وحقه سبحانه وتعالى مبني على المسامحة.

وقال بعض العلماء: يقدم حق الله لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» .

وقال بعض العلماء: إنهما يتحاصان؛ لأن كلاً منهما واجب في ذمة الميت، فيتساويان فإن كان عليه (100) ديناً و(100) زكاة، وخلف (100) فللزكاة (50) وللدين (50).

ويجاب عن الحديث أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يحكم بين دينين أحدهما للآدمي، والثاني لله، وإنما أراد القياس؛ لأنه سأل: «أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنتِ قاضيتَهُ؟» قالت: نعم، قال: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» [(40)].

فكأنه قال: إذا كان يقضى دين الآدمي، فدين الله من باب أولى وهذا هو المذهب، وهو الراجح.

 

------------------------

 

[1] أخرجه مسلم في الزكاة/ باب إثم مانع الزكاة (987) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] «زاد المعاد» (2/25).

[3] أخرجه مسلم في الإيمان/ باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه (45) عن أنس رضي الله عنه.

[4] حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ياأيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» أخرجه الإمام أحمد (5/451)؛ والترمذي في صفة القيامة/ باب حديث أفشوا السلام... (2485)؛ وابن ماجه في الأطعمة/ باب إطعام الطعام (3251)؛ والحاكم (3/13).

وقال الترمذي: «حديث صحيح»، وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي.

[5] وتمامه: «حتى يقضى بين الناس»، أو قال: «حتى يحكم بين الناس».

أخرجه أحمد (4/147)؛ وأبو يعلى (1766)؛ وابن خزيمة (2431)؛ وابن حبان (3310) إحسان؛ والحاكم (1/416) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

[6] أخرجه البخاري في كتاب الزكاة/ باب الصدقة باليمين (1423)؛ ومسلم في الزكاة/ باب فضل إخفاء الصدقة (1031) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[7] أخرجه مسلم في البر والصلة/ باب استحباب العفو والتواضع (2588) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] أخرجه ابن ماجه في الفتن/ باب العقوبات (4019) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ وأخرجه الحاكم (2/126)؛ والبيهقي (3/346) عن بريدة رضي الله عنه؛ قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي؛ وأخرجه الطبراني في الأوسط (4577)، (6788) عن بريدة رضي الله عنه؛ وقال المنذري في «الترغيب» (2/63): رجاله ثقات.

[9] أخرجه الترمذي في الزكاة/ باب ما جاء في فضل الصدقة (664)؛ وابن حبان (3309) إحسان؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه ابن حبان، وأخرجه الطبراني في الأوسط (7761) عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه.

[10] أخرجه الترمذي وابن حبان عن أنس رضي الله عنه وقد سبق في الحديث السابق؛ وأخرجه أحمد (3/502)؛ وعبد الرزاق (20118)؛ والطبراني في الكبير (4451) عن رافع بن مكين رضي الله عنه؛ قال المنذري: «فيه رجل لم يسم» «الترغيب» (2/144)؛ وأخرجه الطبراني في «الكبير» (17/22) عن عمرو بن عوف رضي الله عنه، ولعل هذه الطرق تعطي قوة للحديث، ـ والله أعلم ـ.

[11] أخرجه الطبراني في «الأوسط» (5643) عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: «باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها» وضعفه الهيثمي في «المجمع» (3/113)؛ وأخرجه البيهقي (4/189) عن أنس رضي الله عنه موقوفاً، قال المنذري في الترغيب (2/143): «ولعله أشبه».

[12] أخرجه أحمد في «المسند» (5/231، 237)؛ والترمذي في الإيمان/ باب ما جاء في حرمة الصلاة (2616)؛ والنسائي في «الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» (11311)؛ وابن ماجه في الفتن/ باب كف اللسان في الفتنة (3973)؛ والحاكم (2/412)؛ عن معاذ رضي الله عنه؛ وصححه الترمذي، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

[13] أخرجه البخاري في البيوع/ باب من باع نخلاً... (2203)؛ ومسلم في البيوع/ باب من باع نخلاً عليها تمر (1543) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

[14] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب وجوب الزكاة (1395)؛ ومسلم في الإيمان/ باب الدعاء إلى الشهادتين (19).

[15] ـ [16] يأتي تخريجهما ص(67).

[17] أخرجه ابن ماجه في الزكاة/ باب ما تجب فيه الزكاة من الأموال (1793)؛ والدارقطني (2/90)؛ والبيهقي (4/103)؛ وأبو عبيد في الأموال (1132)؛ عن عائشة رضي الله عنها. قال الحافظ: وفيه حارثة بن أبي الرجال وهو ضعيف «التلخيص» (820)؛ وأخرجه البيهقي من طريق علي رضي الله عنه موقوفاً عليه (4/103)، قال الحافظ: حديث لا بأس بإسناده والآثار تعضده فيصلح للحجة «التلخيص» (820).

[18] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب في الركاز الخمس (1499)؛ ومسلم في الحدود/ باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار (1710) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[19] قال شيخنا رحمه الله: «ولا تجب الزكاة فيما سوى الذهب والفضة من المعادن وإن كان أغلى منهما إلا أن يكون للتجارة فيزكى زكاة التجارة لها» مجالس شهر رمضان ص(118).

[20] سبق تخريجه ص(15).

[21] انظر: «حاشية العنقري على الروض» (1/361).

[22] «الاختيارات» ص(98).

[23] أخرجه الإمام مالك (1/253)؛ والشافعي (620) ترتيب «المسند»؛ والبيهقي (4/148)، وصححه في الإرواء (3/260).

[24] سيأتي تخريجه ص(67).

[25] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب زكاة الغنم (1454).

[26] ومن ذلك ما رواه ابن الساعدي المالكي: أنه قال: «استعملني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة، فلما فرغت منها، وأديتها إليه، أمر لي بعمالة، فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَعَمَّلَنِي، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق»؛ أخرجه مسلم في الزكاة/ باب جواز الأخذ بغير سؤال ولا تطلع (1045) (112).

[27] سبق تخريجه ص(15).

[28] سبق تخريجه ص(31).

[29] سبق تخريجه ص(10).

[30] أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب الحج والنذور عن الميت... (1852) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

[31] أخرجه مسلم في المساقاة/ باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً (1587) (81) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

[32] أخرجه ابن بطة في «إبطال الحيل» (24) وجوَّد إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في «إبطال التحليل»، انظر «الفتاوى الكبرى» (3/123).

[33] أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي/ باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (1)؛ ومسلم كتاب الإمارة/ باب قوله «إنما الأعمال بالنيات» (1907) عن عمر ـ رضي الله عنه ـ.

[34] سبق تخريجه ص(15).

[35] القاعدة 85، 138.

[36] انظر كلام فضيلة شيخنا على قول المؤلف: «ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البيدر..» ص(80).

[37] سبق تخريجه ص(37).

[38] الروض مع حاشية ابن قاسم (3/294).

[39] انظر: «بدائع الفوائد» (3/104).

[40] سبق تخريجه ص(37).

 

 

تاريخ التحديث : Jan 23, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com