المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد السادس
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد السادس
باب زكاة الفِطر
 

 

بَابُ زَكَاةِ الفِطْرِ

 

قوله: «باب: زكاة الفطر» هل الإضافة من إضافة الشيء إلى زمنه أو سببه؟ إذا قلنا: إلى سببه، فمعناه أن الصغار لا فطرةَ عليهم، لأنهم لا يصومون، وإذا قلنا: إلى زمنه وجبت على الصغار ومن لا يستطيع الصوم لكبر ونحوه.

وقوله: «الفطر» أي من رمضان، وسميت زكاةً لما فيها من التنمية، تنمية الخُلُق لأنها تجعل الإنسان في عداد الكرماء، وتنمية المال؛ لأن كل شيء بذلته من مالك ابتغاء وجه الله، فهو تنمية له، وتنمية الحسنات لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فِيِّ امرأتك» [(128)] وأخر المؤلف باب زكاة الفطر عن زكاة الأموال؛ لأن زكاة الفطر لا تجب في المال ولا تتعلق به، إذ ليس هناك مال تجب فيه الزكاة، وإنما تجب في الذمة؛ ولأن تعلقها بالذمة أقوى من تعلقها بزكاة الأموال.

وأضافها إلى الفطر كما جاء في الحديث، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «زكاة الفطر» [(129)] لأنه سبب وجوبها، فالفطر أي: من رمضان، والحكمة من وجوب زكاة الفطر من رمضان ما ذكره النبي صلّى الله عليه وسلّم «طهرة للصائم من اللغو والرفث» [(130)] وشكر لله ـ عزّ وجل ـ على إتمام الشهر، وطعمة للمساكين في هذا اليوم الذي هو يوم عيد وفرح وسرور فكان من الحكمة أن يعطوا هذه الزكاة؛ من أجل أن يشاركوا الأغنياء في الفرح والسرور.

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «وطهرة للصائم...» هذا بناء على الأغلب، وإلا فالصغير ونحوه لا يصوم.

 

تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلمٍ فَضَلَ له يَوْمَ العيدِ وليلَتَهُ صاعٌ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ وَحَوَائِجِهِ الأصلِيَّةِ،.......

قوله: «تجب على كل مسلم» تجب: الفاعل: يعود على زكاة الفطر.

وقوله: «تجب» أي حكمها الوجوب؛ لحديث ابن عمر الآتي، ولحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين».

وقوله: «على كل مسلم» خرج به من ليس مسلماً كاليهودي والوثني والنصراني وغيرهم، فلا تجب عليهم زكاة الفطر لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى والحر والعبد والكبير والصغير من المسلمين»[(131)].

ولأن الزكاة طهرة والكافر ليس أهلاً للتطهير إلا بالإسلام، فلا يطهره إلا الإسلام.

وظاهر كلام المؤلف: حتى ولو كان عبداً لشخص وهو كافر فلا تجب زكاة الفطر في حقه، وهو كذلك.

ودخل فيه الذكر والأنثى والصغير والكبير والحر والعبد.

قوله: «فضل له يوم العيد وليلته صاع» «فضل له» أي: عنده.

قوله: «ليلته» أي: ليلة العيد، ويوم العيد وليلته، منصوبان على الظرفية.

قوله: «صاع» فاعل «فَضَلَ» وهو مقدار الزكاة، ويأتي بيان المراد بالصاع، وإنما خص الصاع؛ لأنه الواجب إذ لا يجب على الإنسان أكثر من صاع، ولا يسقط عنه ما دون الصاع إذا لم يجد غيره، بل يخرج ما يقدر عليه.

فإذا كان عنده ما يقوته يوم العيد وليلته، وبقي صاع فإنه يجب عليه إخراجه، وكذلك لو بقي نصف صاع فإنه يخرجه لقوله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} وكما لو وجد ماء لا يكفي إلا لبعض أعضاء الوضوء فإنه يستعمله ويتيمم لما بقي.

قوله: «عن قوته وقوت عياله، وحوائجه الأصلية» .

«قوته، وقوت عياله» أي: مأكله ومشربه.

«وحوائجه الأصلية» هي ما تدعو الحاجة إلى وجوده في البيت كقدر العشاء، وصحن التمر، والإبريق، وكتب العلم، لكن إذا كان عنده كتاب لا يحتاج إليه إلا في العام مرةً واحدة فليس من الحوائج الأصلية، لأن هناك مكتبات عامة، وكذا إذا كان لهذا الكتاب نسخ أخرى فليس من الحوائج الأصلية؛ لأن ما في البيت إما أن يكون ضرورة أو حاجة أو فضلاً وكمالاً، فالضرورة: ما لا يستغنى عنه.

والحاجة: هي ما احتاج البيت إلى وجوده.

والفضل والكمال هو: ما لا يحتاج البيت إلى وجوده.

فإذا فضل عن حوائجه الأصلية، ومن باب أولى ضروراته هذا الصاع وجبت عليه زكاة الفطر شرعاً.

ويستفاد من قول المؤلف: «على كل مسلم فضل له يوم العيد... إلخ» : أَنَّ زكاة الفطر لا تجب إلا إذا تحقق الشرطان الآتيان:

الأول: الإسلام.

الثاني: الغنى على الوجه الذي ذكره المؤلف، وهو أن يكون عنده يوم العيد وليلته صاع زائد عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية.

والغنى في كل موضع بحسبه.

وظاهر كلام المؤلف أنه إذا تم الشرطان، وجبت زكاة الفطر عليه وإن لم يصم لكبر ونحوه.

ودليل ذلك قوله في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «والكبير والصغير» [(132)] فكل مسلم صام أو لم يصم صغيراً كان أو كبيراً، حتى من كان في المهد، وحتى المرأة التي نفست جميع الشهر.

 

وَلاَ يَمْنَعُهَا الدينُ إلا بِطَلَبِهِ ........

قوله: «ولا يمنعها الدين إلا بطلبه» أي: لا يمنع وجوب زكاة الفطر الدين إلا بطلبه خلافاً لزكاة المال، فقد سبق أن الدين يمنع وجوبها على المشهور من المذهب، وعلى هذا فيكون ما ذكره المؤلف هنا من الفروق بين زكاة الفطر وزكاة المال.

وإنّما لم يمنعها الدين؛ لأن الدين تعلق بالمال وزكاة الفطر تتعلق بالذمة، وإنما منعها بطلبه من أجل إيفاء الدين للمطالب به لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مطل الغني ظلم» [(133)] فلهذا نقول: إذا كان مطالباً به وقال له صاحبه: أعطني ديني، وليس عنده إلا صاع، فإنه يعطيه هذا الصاع، وتسقط عنه زكاة الفطر.

وفي هذه المسألة أقوال ثلاثة:

الأول: لا يمنعها مطلقاً سواء طولب به أم لم يطالب به.

الثاني: أنه يمنعها مطلقاً سواء طولب به أم لم يطالب به.

الثالث: التفصيل الذي ذهب إليه المؤلف، وهو قريب.

ولكن، الأقرب منه هو القول الأول أنه لا يمنعها الدَّيْنُ مطلقاً سواء طولب به أو لم يطالب به، كما قلنا في وجوب زكاة الأموال، وأن الدين لا يمنعها إلا أن يكون حالاً قبل وجوبها فإنه يؤدي الدين وتسقط عنه زكاة الفطر.

 

فَيُخْرِجُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ ........

قوله: «فيخرج عن نفسه، وعن مسلم يمونه» أي: يخرج عن نفسه وجوباً؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر على الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، من المسلمين» [(134)].

وقوله: «وعن مسلم يمونه» أي: ينفق عليه، مثل الزوجة والأم والأب والابن والبنت، وما أشبههم ممن ينفق عليهم، فيجب عليه الإخراج عنهم لحديث: «أدوا الفطرة عمن تمونون» [(135)] أي: عمن تقومون بمؤنتهم، ولكن هذا الحديث ضعيف ومنقطع فلا يصح الاحتجاج به.

ولأثر ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه كان يخرج عن نفسه، وعن أهل بيته، حتى إنه يخرج عن نافع مولاه، وعن أبنائه[(136)]، ولكن هذا الأثر لا يدل على الوجوب.

فالصحيح أن زكاة الفطر واجبة على الإنسان بنفسه فتجب على الزوجة بنفسها، وعلى الأب بنفسه، وعلى الابنة بنفسها، وهكذا، ولا تجب على الشخص عمن يمونه من زوجة وأقارب لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى، والحر والعبد، والكبير والصغير من المسلمين» .

والأصل في الفرض أنه يجب على كل واحد بعينه دون غيره.

ولقول الله تعالى: {{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}} [الأنعام: 164] ولو وجبت زكاة الفطر على الشخص نفسه وعمن يمونه فإنه سوف تزر وازرة وزر أخرى، لكن لو أخرجها عمن يمونهم وبرضاهم فلا بأس بذلك ولا حرج، كما أنه لو قضى إنسان ديناً عن غيره وهو راض بذلك فلا حرج، ولأنه يجوز دفع الزكاة عن الغير.

وينبني على هذا إذا كان هؤلاء لا يجدون زكاة الفطر؛ فإذا قلنا: إنها واجبة عليه أثم، وإذا قلنا بالقول الثاني لم يأثم وهم لا يأثمون؛ لعدم وجود مال عندهم.

لكن الأولاد الصغار الذين لا مال لهم قد نقول بوجوبها على آبائهم؛ لأن هذا هو المعروف عن الصحابة رضي الله عنهم.

وفهم من كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الزوجة الكافرة، والعبد الكافر لا يخرج عنهما.

مسألة: إذا قلنا بوجوب زكاة الفطر عمن يمونه وعنده عمال على كفالته، فهل تجب عليه عنهم؟

الجواب: لا تجب عليه، بل عليهم وهذا هو المذهب؛ إلا إذا كان من ضمن الأجرة كون النفقة عليه، فتجب عليه.

أما زكاة الفطر عن العبد فإنها تجب على سيده لما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر» [(137)] فيكون هذا الحديث مخصصاً لحديث ابن عمر فيما يتعلق بزكاة الفطر عن العبد، ولأن العبد مملوك للسيد لا يملك فوجب عليه تطهيره؛ لأنه لا يمكن أن يملك.

وقال بعض العلماء: تجب على العبد نفسه، ويلزم السيد بتفريغ العبد آخر رمضان ليكتسب ما يؤدي به صدقة الفطر، وهذا ضعيف لما يأتي:

أولاً: أنه صح الحديث في استثناء الرقيق.

ثانياً: أن من القواعد المقررة أن ما لا يتم الوجوب إلا به فهو غير واجب، فلا يقال للإنسان: اتجر لتجب عليك الزكاة.

 

وَلَو شَهْرَ رَمَضَانَ فَإِنْ عَجِزَ عَن البَعْضِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ فَامْرَأَتِهِ، فَرَقِيقِهِ، فَأُمِّهِ فَأَبِيهِ ......

قوله: «ولو شهر رمضان» أي؛ لو كان الإنسان يمون رجلاً في شهر رمضان فقط فإنها تجب عليه زكاة الفطر عنه.

مثال ذلك: لو نزل بك ضيف من أول يوم من شهر رمضان حتى آخر يوم وجبت عليك له زكاة الفطر فتخرجها عنه؛ لأنك تمونه في هذا الشهر، وهذا القول مبني على ما سبق من أن زكاة الفطر تجب على الذي يمون شخصاً آخر، وتقدم أن الصحيح عدم الوجوب، فيكون الضيف ونحوه من باب أولى ألا تجب زكاة الفطر عليه عنهم.

قوله: «فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه فامرأته» «البعض» أي: بعض من يمون، بناء على وجوب الزكاة عليه عنهم، فإن عجز عن فطرة بعض من يمونه فإنه يبدأ بنفسه؛ لأنه مخاطب بذلك عيناً؛ ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ابدأ بنفسك» [(138)]، مثال ذلك رجل ليس عنده إلا صاع فاضلاً عن قوته وقوت عياله، وحوائجه الأصلية فهل يقسم الصاع على نفسه وزوجته وأولاده أم لا؟ الجواب: الفطرة أقلها صاع، فيكون هذا الصاع عن الرجل.

«فامرأته» : أي: زوجته، وهي مقدمة على أمه وأبيه؛ لأن الإنفاق عليها إنفاق معاوضة كالبيع، ثمن ومثمن، في حال اليسار والإعسار.

أما الإنفاق على الوالدين فإنفاق تبرع، فكانت المرأة أولى بالفطرة من الأم والأب، وعلى ما صححناه لا ترد هذه المسألة.

قوله: «فرقيقه، فأمه فأبيه» «فرقيقه» أي: لو كان عنده ثلاثة أصواع فواحد لنفسه، والثاني لامرأته، والثالث لرقيقه مقدماً على أبيه؛ لأن نفقة الرقيق واجبة في الإعسار والإيسار، أما نفقة الوالدين فإنها لا تجب إلا في الإيسار، فكان الرقيق أولى من الوالدين.

وعلى ما رجحنا يكون الرقيق مقدماً على الجميع؛ لأن فطرته واجبة على سيده، لكن إن لم يكن عنده إلا صاع واحد ففي هذه الحال يخرج الصاع عن نفسه دون رقيقه.

وقوله: «فأمِّهِ» على كلام المؤلف يكون الصاع الرابع لأمه، وهي مقدمة على أبيه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما سئل من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك، وفي الرابعة قال: أبوك» [(139)]، وعلى هذا تقدم الأم؛ لوجوب تقديمها في البر.

وقوله: «فأبيه» فيكون الصاع الخامس لأبيه، وهو مقدم على الأولاد، ولذلك قال:

 

فَوَلَدِهِ، فَأَقْرَبَ فِي مِيرَاثٍ .......

«فولده» ويشمل الذكور والإناث، فلو كان عنده أربعة أولاد ولم يكن عنده إلا ستة آصع فإنه يخرجها على النحو الآتي: صاع لنفسه، والثاني لزوجته، والثالث لرقيقه، والرابع لأمه، والخامس لأبيه، ويبقى صاع فعمن يخرجه من أولاده؟

الجواب: يقرع بينهم، ويخرجه عمن تكون له القرعة منهم؛ لأنهم متساوون، حيث إنه لا مال لهم.

وأما على القول الراجح فلا شيء عليه إن أدى عنهم أثيب، وإن لم يؤد عنهم فلا شيء عليه، سوى العبد فإن فطرته واجبة على سيده.

قاعدة: إذ تساوت الحقوق نقرع، والقرعة طريقٍ شرعي للمتساويات، وقد وردت في القرآن في موضعين، قوله تعالى: {{فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *}} [الصافات] وقوله تعالى: {{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}} [آل عمران: 44] .

وقد وردت في السنة في ستة مواضع؛ منها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» [(140)].

قوله: «فأقرب في ميراث» أي: إذا أخرج زكاة الفطر عمن سبق ممن يمونهم وكان عنده زيادة، فإنه يخرجها عن الأقرب إليه في الميراث، فإن تساووا في القرابة كأختين شقيقتين فإنه يقرع بينهما، وإن اختلفوا في الميراث كأخ لأم وأخ شقيق وليس عنده إلا صاع، فإن قلنا: يخرج عنهم على حسب النفقة فإنه يكون للأخ للأم السدس، وللأخ الشقيق الباقي؛ لأنهم هكذا يرثونه لو مات عنهم، ولكن إذا أعطينا الأخ لأم السدس، وأعطينا الأخ الشقيق خمسة أسداس فإن الزكاة الواجبة سوق تنقص عن الصاع.

ولذلك فإنه يقرع بينهما؛ لأن الزكاة عبادة شرعية، ومقدارها شرعاً صاع، فلو جعلنا لهذا خمسة أسداس لم تتم له، وكذلك إذا جعلنا لهذا سدساً لم تتم له، والاشتراك هنا اشتراك تزاحم، فيقرع بينهما، بخلاف العبد كما سيأتي.

وهذا على القول المرجوح، أما على القول الراجح فلا ترد هذه المسألة.

وقوله: «فأقرب في ميراث» هذا ليس على إطلاقه، بل يقيد بما إذا كان يجب عليه الإنفاق عليه، أما إذا لم يجب عليه الإنفاق عليه، كالعم الذي له أبناء فلا تجب عليه زكاته؛ لأنه لا يرثه.

 

وَالْعَبدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ عَلَيْهِمْ صَاعٌ، وَيُسْتَحَبُّ عَنِ الجَنِينِ .........

قوله: «والعبد بين شركاء عليهم صاع» أي: إذا كان عبد بين أشخاص هم شركاء، كأن يكون عبد بين ثلاثة لأحدهم نصفه، وللثاني ثلثه، وللثالث سدسه، فهل تجب زكاة الفطر عليهم بحسب رؤوسهم أو بحسب ملكهم؟

الجواب: إن قلنا: تجب بحسب الرؤوس لزم كل واحد ثلث صاع؛ لأنهم ثلاثة.

وإن قلنا: تجب بحسب ملكهم، قلنا: على الأول نصف صاع، وعلى الثاني ثلث صاع، وعلى الثالث سدس صاع؛ لأنها مبنية على الشراكة فيكون على حسب ملكهم، وهذا هو الذي ذهب إليه المؤلف وهو الصحيح.

ولكن قال بعض العلماء: يجب على كل واحد منهم صاع؛ لأن الفطرة واجب لا يتبعض، فكل إنسان مالك فيجب عليه أن يخرج صاعاً، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الصحيح أن الفطرة بالنسبة للغير فرع بمعنى أنها أصلاً واجبة على كل شخص بعينه، ومن تحملها عنه فهو فرع فتكون غرماً، فإذا كان عندنا فروع ثلاثة وهم الشركاء، وعندنا أصل واحد وهو الرقيق فكيف نجعل الأصل ثلاثة؟ فنعتبر الأصل وهو واحد، ونقول: عليهم صاع بحسب ملكهم، كما لو كان الأمر بالعكس بأن يكون ثلاثة أرقاء عند شخص واحد فعليه لهم ثلاثة أصواع لكل واحد صاع.

قوله: «ويستحب عن الجنين» أي: يستحب إخراج زكاة الفطر عن الجنين.

والجنين هو الحمل في بطن الأم، وسمي بذلك لاجتنانه أي: استتاره، وأصل مادة الجيم والنون من الخفاء فالجنين مشتق منه، وكذلك الجن؛ لأنهم مستترون، وأيضاً الجنَّة للبستان الكثير الأشجار؛ لأنه يستر من فيه، ومنه الجُنَّة لأنه يستتر بها عند القتال.

وظاهر كلام المؤلف، أنه يستحب الإخراج عن الجنين، سواء نفخت فيه الروح أم لم تنفخ؛ لعموم قوله: «عن الجنين».

والإخراج عنه قبل نفخ الروح فيه نظر؛ لأنه ليس إنساناً، قال تعالى: {{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ}} [البقرة: 28] فهو ميت لا حياة فيه، فالذي يظهر لي أننا إذا قلنا باستحباب إخراجها عن الجنين فإنما تخرج عمن نفخت فيه الروح، ولا تنفخ الروح إلا بعد أربعة أشهر لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو الصادق[(141)] المصدوق[(142)] قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بكتب أربع كلمات، رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد»[(143)].

ولذلك قال العلماء: السقط قبل أربعة أشهر لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، وبعد أربعة أشهر يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.

والدليل على استحباب إخراج زكاة الفطر عن الجنين ما روي عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ «أنه أخرج عن الجنين» [(144)] وإلا فليس فيه سنة عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولكن يجب أن نعلم أنّ عثمان ـ رضي الله عنه ـ أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، فإن لم ترد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم سنة تدفع ما سنه الخلفاء، فسنة الخلفاء شرع متبع، وبهذا نعرف أن الأذان الأول يوم الجمعة سنة بإثبات النبي صلّى الله عليه وسلّم[(145)] ذلك بقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» [(146)]، أما من أنكره من المُحدَثين، وقال: إنه بدعة وضلل به عثمان ـ رضي الله عنه ـ فهو الضال المبتدع.

لأن عثمان ـ رضي الله عنه ـ سنَّ الأذان الأول بسبب لم يوجد في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولو وجد سببه في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولم يفعله النبي صلّى الله عليه وسلّم لقلنا: إن ما فعله عثمان ـ رضي الله عنه ـ مردود؛ لأن السبب وجد في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يسن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه شيئاً، أما ما لم يوجد في عهد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ السبب الذي من أجله سنَّ عثمان ـ رضي الله عنه ـ الأذان الأول فإن سنتَهُ سنةٌ متبعةٌ، ونحن مأمورون باتباعها.

 

وَلاَ تَجِبُ لِنَاشِزٍ، وَمَنْ لَزِمَتْ غيرَهُ فِطْرَتُهُ فأخرجَ عن نفسِهِ بغيرِ إِذْنِهِ أَجْزَأَتْ.......

قوله: «ولا تجب لناشز» أي: لا تجب زكاة الفطر على الزوج للمرأة الناشز؛ لأنه لا تجب عليه لها النفقة، وهذا بناءً على أنه يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عمن يمونه ومن تلزمه نفقته.

والناشز هي التي تترفع على زوجها، وتعصيه فيما يجب عليها طاعته فيه، أو تطيعه ولكن متكرهة متبرمة، فإذا أمرها بأمر فإنها تتمنع وتتأخر عن تنفيذه وما أشبه ذلك؛ لأنه يجب عليها أن تبذل له ما يجب له بانشراح ورضا، كما أنه أيضاً يجب عليه أن يبذل لها ما يجب عليه لها بمثل ذلك.

قوله: «ومن لزمت غيرَهُ فطرته» هذا من باب تقديم المفعول على الفاعل، أي: من وجبت فطرته على غيره، مثل الزوجة تلزم زوجها فطرتها، والابن تلزم فطرته أباه، وما أشبه ذلك.

قوله: «فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت» أي: أخرج من تَلزَمُ فطرته غيره بغير إذن من تلزمه فطرته فإنها تجزئ عنه.

مثال ذلك: الزوجة لو أخرجت عن نفسها بغير إذن زوجها أجزأتها، ومعلوم أن فطرة الزوجة واجبة على زوجها وليست على نفسها، ـ وذلك على رأي المؤلف ـ؛ لأن الواجب أصلاً عليها هي، والزوج وجبت عليه فطرتها تحملاً، فإذا أخرجت عن نفسها فقد أخرج الأصل عن الفرع، سواء أذن الزوج أو لم يأذن.

وهذا تسليم من الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن الإنسان مخاطب بإخراج الزكاة عن نفسه، وقد سبق أن قلنا: إن هذا هو الرأي الراجح الصحيح.

وفهم من قوله: «ومن لزمت غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت» أن من أخرج عمن لا تلزمه فطرته فإنه لا بد من إذنه.

مثال ذلك: لو أن زيداً أخرج عن عمرو بغير إذنه، فإنها لا تجزئ؛ لأن زيداً لا تلزمه فطرة عمرو، والزكاة عبادة فلا بد فيها من نية، إما ممن تجب عليه، أو من وكيله.

وهذا مبني على قاعدة معروفة عند الفقهاء يسمونها: (التصرف الفضولي)، بمعنى أن الإنسان يتصرف لغيره بغير إذنه، فهل يبطل هذا التصرف مطلقاً، أو يتوقف على إذن ورضا الغير؟

هذا المسألة فيها خلاف بين أهل العلم:

والراجح: أنه يجزئ إذا رضي الغير، والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وكّل أبا هريرة رضي الله عنه في حفظ صدقة الفطر فجاء الشيطان ذات ليلة، وأخذ من التمر فأمسكه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ فادعى أنه فقير وذو عيال، وأنه لا يأتي بعد هذه الليلة، فلما جاء الصباح أتى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما فعل أسيرك البارحة؟» فأخبره أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه أعتقه.

فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما إنه كذبك وسيعود» كذبك يعني أخبرك بالكذب.

يقول أبو هريرة: فترقبته في الليلة الثانية، فعاد وأمسكه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ، وقال له: لأرفعنك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فأقسم له أنه لن يعود، فأخبر أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم بما حدث في الليلة الثانية فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما فعل أسيرك البارحة؟» فأخبره أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه أعتقه، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما إنه كذبك وسيعود» وفي الليلة الثالثة عاد، وأمسكه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ فأقسم له أنه لن يعود، ولكن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ أصر على أن يرفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: هل أدلك على شيء يحفظك؟ فقال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ بلى، فقال له: اقرأ آية الكرسي كل ليلة فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأخبر أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صدقك وهو كذوب» [(147)].

وفي هذا الحديث دليل على أن الكذوب قد يصدق، وأن العدو قد ينصح، لكن نصح الشيطان في هذه الحال ليس نصحاً حقيقياً، وإنما نصح خوفاً من أن يرفع أمره إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم.

والشاهد من ذلك أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أجاز هذا التصرف من أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ وجعله مجزئاً مع أن المأخوذ منه زكاة، وأبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ وكيل في الحفظ لا وكيل في التصرف.

وقد ذكر الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن الإنسان لو ضحّى بأضحية غيره، فإنه تقع عن الغير، وإن لم يأذن له.

مثال آخر: ولد يجب على والده إخراج فطرته فأخرج الولد عن نفسه بدون إذن أبيه أجزأه؛ لأنه الأصل فالخطاب موجه إليه، فإذا أخرج الأصل سقط عن الفرع.

قوله: «وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر» .

 

وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الفِطْرِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ، أَوْ مَلَكَ عَبْداً، أو تَزَوَّجَ، أَوْ وُلِدَ لَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطرَتُهُ ........

«تجب» أي: زكاة الفطر.

«بغروب» الباء للسببية.

وقوله: «بغروب الشمس ليلة الفطر» هذا هو وقت الوجوب، أي الوقت الذي يوجه فيه الخطاب إلى الإنسان بإخراجها هو وقت غروب الشمس ليلة الفطر، والدليل حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدقة الفطر من رمضان» [(148)]؛ ولأنها تسمى صدقة الفطر فتضاف إليه، والفطر من رمضان يتحقق بغروب الشمس ليلة عيد الفطر.

ولكن كيف يعرف أن الليلة ليلة عيد الفطر؟

الجواب: نعرف أن الليلة ليلة عيد الفطر بأمرين:

الأول: إن كنا أتممنا ثلاثين يوماً من رمضان، فغروب الشمس يوم الثلاثين هذا وقت ليلة عيد الفطر قطعاً.

الثاني: أن نرى الهلال ليلة الثلاثين فتكون تلك ليلة، عيد الفطر، وإن لم نره فإن الليلة من رمضان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» [(149)].

قوله: «فمن أسلم بعده أو ملك عبداً، أو تزوج، أو ولد له لم تلزمه فطرته» .

يترتب على قولنا: إنها تجب بغروب الشمس ليلة الفطر ما يأتي:

1 ـ أن من أسلم بعده فلا فطرة عليه؛ لأنه وقت الوجوب لم يكن من أهل الوجوب.

2 ـ كذلك لو أن رجلاً ملك عبداً فإنه لا فطرة للعبد عليه إذا ملكه بعد غروب الشمس، وتكون فطرته على المالك الأول؛ لأنه وقت الوجوب كان ملكاً له.

3 ـ لو أن رجلاً تزوج أي: عقد ليلة الفطر بعد الغروب، ودخل عليها بعد ذلك؛ فلا تجب عليه فطرتها؛ لأنها حين الغروب لم تكن زوجةً له.

فإن عقد عليها قبل الغروب ودخل عليها بعد الغروب ففطرتها على الزوج، وهذا ظاهر كلام المؤلف؛ لأن قوله: «تزوج» يعني به عَقَدَ الزَّواج.

أما المذهب فلا فطرة عليه لها؛ لأنه لا تجب عليه نفقتها حتى يتسلمها، فما دامت عند أهلها فلا نفقة لها عليه؛ لأن الفطرة تابعة للنفقة.

وعلى هذا لو عقد رجل على امرأة في رمضان، ولم يدخل بها إلا بعد صلاة العشاء ليلة العيد فليس عليه فطرتها؛ لأنه لا يلزمه نفقتها إلا بتسلمها.

وعلى القول الراجح لا شيء عليها مطلقاً حتى لو دخل بها في رمضان.

4 ـ كذلك لو ولد للرجل ولد، بعد غروب الشمس ليلة العيد، فإن الفطرة لا تجب عليه، ولكن تسن؛ لأنه جنين، ويستحب الإخراج عنه.

 

وَقَبْلَهُ تَلْزَمُ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ العِيدِ بِيَوْمَيْنِ فَقَطْ...........

قوله: «وقبله تلزم» أي: إذا وجدت هذه الأشياء قبل الغروب ليلة العيد، فإن الفطرة تلزم من تجب عليه نفقة من سبق ذكرهم، فالذي يسلم قبل الغروب بلحظة تلزمه الفطرة؛ لأنه وقت الوجوب صار من أهل الوجوب، والذي ملك عبداً قبل الغروب ولو بدقيقة فإنه تلزمه فطرته، وكذلك الذي ولد له ولد قبل الغروب فإنه تلزمه فطرته، وأيضاً من عقد قبل الغروب فإنه تلزمه فطرة زوجته حتى لو لم يدخل عليها، وهذا على ظاهر كلام المؤلف.

مسألة: لو أُعْطِيَ صباح العيد عدة فطر، فصار عنده ما يزيد على قوت يومه لم تلزمه زكاة الفطر؛ لأن وقت الوجوب غروب الشمس ليلة العيد، ولهذا لو أعطي ذلك في آخر رمضان للزمته.

ثم بَيَّنَ المؤلف ـ رحمه الله ـ وقت إخراج زكاة الفطر،

فقال: «ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط» .

أي: يجوز إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيومين فقط، وقبل اليومين لا يجوز.

ولكن كيف يجوز ذلك وسبب الوجوب؛ وهو غروب الشمس ليلة العيد لم يحصل بعد، كما أن لدينا قاعدة فقهية تقول: «إن تقديم الشيء على سببه ملغى، وتقديم الشيء على شرطه جائز»؟

مثاله: لو قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم بدا له أن يلبسه فكفّر، فهنا قدّم التكفير قبل وجود شرطه فهذا جائز، ولو أخرج الكفارة قبل الحلف لم يجزئ لأنه قبل وجود السبب.

وهنا سبب الوجوب، وهو غروب الشمس لم يحصل بعد؟

والجواب: نقول: إن جواز هذا من باب الرخصة؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فعلوا ذلك فقد كانوا يعطونها للذين يقبلونها قبل العيد بيوم أو يومين[(150)]، وما دام أن هذه الرخصة جاءت عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فهم خير القرون وعملهم متبع، فتكون هذه المسألة مستثناة من القاعدة التي أشرنا إليها.

وقوله: «بيوم أو يومين» أو للتخيير فيجوز أن تخرج قبل العيد بيوم أو يومين، وإن قلنا: للتنويع فالمعنى قبل العيد بيوم إن كان الشهر ناقصاً، وقبله بيومين إن كان تاماً، وعلى هذا تخرج في الثامن والعشرين، لا في السابع والعشرين، وهذا فيه احتمال.

وقال بعض العلماء: يجوز إخراجها من أول الشهر، وهذا ضعيف؛ لأنها لا تسمى صدقة رمضان، وإنما تسمى صدقة الفطر من رمضان.

وقوله: «فقط» أي: لا زيادة، وهذه الكلمة ترد كثيراً، وأصلها «قط»، كما جاء في الحديث «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة عليها قدمه فتقول: قط قط» [(151)] أي: حسبي حسبي، فتكون «قط» اسماً بمعنى حسب، ودخلت عليها الفاء لتحسين اللفظ وهي مبنية على السكون.

مسألة: لو أخرج زكاة الفطر يوم سبع وعشرين وتم الشهر فهل يجزئ؟

الجواب: لا يجزئ، فهو كمن صلى قبل الوقت ظاناً أن الوقت قد دخل.

 

وَيومَ العِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ أفْضَلُ. وَتُكْرَهُ فِي بَاقِيهِ. وَيَقْضِيهَا بَعْدَ يومِهِ آثِماً..........

قوله: «ويوم العيد قبل الصلاة أفضل» أي: إخراج زكاة الفطر يوم العيد قبل صلاة العيد أفضل؛ لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» [(152)]، ولأن المقصود منها إغناء الفقراء في هذا اليوم عن السؤال من أجل أن يشاركوا الموسرين في الفرح والسرور، هذا من مقاصدها؛ وإلا فإن الأصل فيها أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث، ومن ثم قال أهل العلم: ينبغي أن يؤخر الإمام صلاة العيد يوم الفطر ليتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر، واليوم الشرعي يبدأ من طلوع الفجر.

ويجب أن تصل إلى صاحبها قبل الصلاة أو إلى وكيله أي: وكيل الفقير، ويجوز للفقير أن يوكل من تلزمه الفطرة في قبضها.

مثال ذلك: أن يقول الفقير لصاحب الصدقة: أنت وكيلي فيما تعطيني من صدقة الفطر، ففي هذه الحال يكيل الرجل زكاة الفطر ويحوزها عنده في مكان حتى يعود الفقير من سفره، إذا كان مسافراً مثلاً أو ما شابه ذلك، وبهذا يكون الرجل قد قبض من نفسه زكاة الفطر لموكله.

فإن قال للفقير: عندي لك فطرةٌ، لم يكفِ، حتى يقبضها، أو يجعله وكيلاً في قبضها.

قوله: «وتكره في باقيه» أي: ويكره أن تخرج زكاة الفطر في باقي يوم العيد وهذا وقت ثالث لإخراجها؛ وهو من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يوم العيد، فيكون هذا وقت كراهة؛ وذلك لأن إخراجها بعد الصلاة يفوت بعض المقصود من إغناء الفقراء في هذا اليوم، فلا يحصل لهم الغناء إلا بعد الصلاة، والذي يريد أن يعطيهم ليغنيهم فإنه يجب عليه أن يعطيهم إياها قبل الصلاة؛ لأجل أن يشملهم الفرح جميع اليوم.

والدليل على الإجزاء، دخولها في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» [(153)] وهذا ضعيف.

والصحيح: أن إخراجها في هذا الوقت محرم، وأنها لا تجزئ، والدليل على ذلك حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أن تؤدى قبل خروج الناس للصلاة» [(154)] فإذا أخرها حتى يخرج الناس من الصلاة فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فهو مردود، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [(155)].

بل إن حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ صريح في هذا حيث قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» [(156)] وهذا نص في أنها لا تجزئ، وإذا كانت لا تجزئ فإن الإنسان يكون قد ترك فرضاً عليه بالنص وهو «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر» [(157)] فيكون بذلك آثماً، ولا تقبل على أنها زكاة فطر.

فإذا قال قائل: إذا أخرجها بعد الصلاة متعمداً، فهل تجزئ على أنها صدقة؟

الجواب: تجزئ؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ومَنْ أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» .

فإن قيل: إنه إذا نوى الفرض بأدائها بعد الصلاة وهي لا تجزئ فهو متلاعب فكيف تجزئ على أنها صدقة؟

فالجواب: أننا نقول ذلك؛ لأن نفعها متعد، والنفع المتعدي يعطى الإنسان أجره على ما انتفع به الناس، كالمزارع التي يزرع فيها شجر، فتأكل منها الطير والسباع، رغم أن صاحبها معه البندقية التي يروع بها الطير؛ لكيلا تأكل إلا نادراً، لكن إذا أكلت منها فله بذلك أجر، فالنفع المتعدي فيه خير حتى لو لم ينو.

أرأيت قول الله تعالى: {{لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}}، وقوله: {{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}} [النساء: 114] .

فجعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ الخيرية بهذه الثلاثة مطلقاً، ولو لم ينو الإنسان التقرب إلى الله، وأن الأجر العظيم لمن يتقرب بالفعل إلى الله، فالأشياء التي لها نفع متعدٍ لها حال خاصة.

قوله: «ويقضيها بعد يومه آثماً» أي: يقضي زكاة الفطر بعد يوم العيد ويكون آثماً، وذلك إذا كان متعمداً.

فعلى هذا يكون وقت إخراج زكاة الفطر على أربعة أقسام:

1 ـ جائز: وهو قبل العيد بيوم أو يومين.

2 ـ مندوب: وهو صباح يوم العيد قبل صلاة العيد.

3 ـ مكروه: وهو بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يوم العيد.

4 ـ محرم: بعد غروب شمس يوم العيد وتكون قضاء.

وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أخرجها يوم العيد تقع أداء وبعده تقع قضاء.

والصواب في هذا والذي تقتضيه الأدلة، أنها لا تقبل زكاته منه إذا أخرها ولم يخرجها إلا بعد الصلاة من يوم العيد، بل تكون صدقة من الصدقات، ويكون بذلك آثماً.

وذلك بناءً على القاعدة التي دلت عليها النصوص وهي:

«أن كل عبادة مؤقتة إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها لم تقبل»؛ ولهذا قلنا في الذين لا يصلون في أول أعمارهم، ثم منَّ الله عليهم بالهداية: إنهم لا يقضون؛ لأنهم قد تعمدوا أن يخرجوا الصلاة عن وقتها، وهذا إذا لم نحكم بكفرهم.

أما إذا حكمنا بكفرهم فلا يقضون؛ لأن الكافر إذا أسلم لا يؤمر بالقضاء.

مسألة: إذا أخرها لعذر، بمعنى لو أن الإنسان وكّل إنساناً في إخراج الزكاة عنه بأن كان مسافراً مثلاً، فلما رجع من السفر تبين أن وكيله لم يفعل، فهذا يقضيها غير آثم، ولو بعد فوات أيام العيد، وذلك قياساً على الصلاة لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» [(158)].

وكذلك أيضاً لو جاء خبر العيد بغتة ولم يتمكن من إيصالها إلى الفقير إلا بعد صلاة العيد فإنه معذور ويقضيها، ولا يكون آثماً.

ومن فعل العبادة بعد وقتها الخاص لعذر، فإنها توصف بأنها أداء؛ إذا فعلها بعد زوال العذر مباشرة، وكذلك لو جاء العيد وهو في البر مثلاً، وليس عنده أحد يؤديها إليه ولم يوكل أحداً يخرجها عنه، فهل تسقط عنه لفوات المحل، كالذي قطعت يده يسقط عنه غسلها، أو نقول: إنها تبقى في ذمته؟

الجواب: الأحوط أن تبقى في ذمته ويخرجها ولو بعد أيام العيد، واحتمال أن تسقط في هذه الحال قوي؛ لأن المحل غير موجود.

مسألة: زكاة الفطر تخرج في البلد الذي فيه الإنسان، ومن الغلط إخراجها في غيره، وكذلك الأضحية؛ لأنهما من الشعائر الإسلامية التي ينبغي أن تكون في كل بيت، وفي إرسال النقود إلى بلاد بعيدة تعطيل لتلك الشعيرة في ذلك البيت.

ثم من الذي يؤمن على اختيار الفطرة والأضحية التي يريدها صاحبها؟! ثم قد تتأخر عن يوم العيد.

مسألة: يجوز دفع الزكاة لجمعيات البر المصرح بها من الدولة، وعندها إذن منها وهي نائبة عن الدولة، والدولة نائبة عن الفقراء، وعلى هذا إذا وصلتهم الفطرة في وقتها أجزأت، ولو لم تصرف للفقراء إلا بعد العيد؛ لأنهم قد يرون المصلحة تأخير صرفها.

 

فَصْلٌ

 

وَيَجِبُ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ، أو دَقِيقِهِمَا، أوْ سَوِيْقِهِمَا، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أو أقِطٍ .........

قوله: «فصل» بيَّن المؤلف ـ رحمه الله ـ في هذا الفصل: مقدار الفطرة، ومن أي شيء تخرج.

قوله: «ويجب صاع» أي: يجب إخراج صاع، والصاع مكيال معروف، وهو صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض النبي صلّى الله عليه وسلّم صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب...» [(159)] والأصواع تختلف باختلاف الأزمان والأماكن والناس، ولذلك اتفق العلماء بأن المراد بالصاع في الفطرة والصاع في الغسل، والمد في الوضوء، ونصف الصاع في فدية الأذى، أن المراد بذلك الصاع والمد النبويان.

والصاع مكيال يقدر به الحجم، نقل إلى المثقال الذي يقدر به الوزن نظراً؛ لأن الأزمان اختلفت والمكاييل اختلفت، فقال العلماء: ونقلت إلى الوزن من أجل أن تحفظ؛ لأن الوزن يحفظ، واعتبر العلماء ـ رحمهم الله ـ البر الرزين، الذي يعادل العدس وحرروا ذلك تحريراً كاملاً، وقد حررته فبلغ كيلوين وأربعين جراماً من البر الرزين.

ومن المعلوم أن الأشياء تختلف خفة وثقلاً، فإذا كان الشيء ثقيلاً فإننا نحتاط ونزيد الوزن، وإذا كان خفيفاً فإننا نقلل، ولا بأس أن نأخذ بالوزن؛ لأن الخفيف يكون جرمه كبيراً، والثقيل يكون جرمه صغيراً.

وعلى هذا نقول: إن أردت أن تعرف الصاع النبوي، فزن ألفين وأربعين جراماً من البر الرزين أي: البر الجيد، ثم ضعه بعد ذلك في الإناء فما بلغ فهو الصاع النبوي.

وقد عُثِرَ على مد نبوي في عنيزة، في إحدى الخربات، وقد اشتريته من صاحبه بثمن غال، وهو من النحاس، وقد كتب عليه: إن هذا المد قدر على مد فلان، عن فلان، إلى أن وصل إلى زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ إلى مد النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقد وجدناه مقارباً لما قاله العلماء من أن زنته خمسمائة وعشرة جرامات؛ لأن المد النبوي ربع الصاع النبوي، وقد اتخذنا مداً وصاعاً نبوياً قياساً على ذلك.

مسألة: إذا وجد نصف صاع من الفطرة هل يلزمه إخراجه؟

المذهب أنه يلزمه، والقول الثاني: لا يلزمه! لأن الفطرة صاع.

ولهذا نظائر: إذا وجد ماء لا يكفي إلا بعض أعضائه، فالمذهب يستعمله ويتيمم؛ لقوله تعالى، {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] وهذا وجد ما يغسل به بعض الأعضاء فيستعمله، ويتيمم؛ لأن بقية الأعضاء لا يستطيع غسلها، وهذا أقوى الأقوال وأحوطها.

والقول الثاني: يستعمله ولا يتيمم؛ لأن التيمم فيمن عجز عن الوضوء كاملاً، ولا تتركب طهارة من ماء وتراب، فيستعمل الماء، ويسقط عنه الباقي للعجز.

والقول الثالث: لا يستعمله ويتيمم، لأنه لا يجمع في طهارة واحدة بين التراب والتيمم، وهو عاجز عن الوضوء فليتيمم.

مسألة: عندنا الصاع زائد على الصاع النبوي، فالصاع النبوي أقل من الصاع الموجود عندنا بالخمس، وخمس الخمس، فهل يكره إخراج الزكاة به، أو لا يكره ويكون الزائد صدقة؟

الجواب: الصحيح أنه لا يكره ويكون الزائد صدقة، وقد ورد عن الإمام مالك أنه كره ذلك؛ لأن هذه عبادة مقدرة من الشارع، لكن الصحيح أنها عبادة مغلَّبٌ فيها جانب التمول والإطعام فإذا زاد فلا بأس، كما لو وجب عليه أربعون درهماً وأخرج ستين درهماً، لكن الزيادة تحتاج إلى نية لكي تكون صدقة.

قوله: «من بر» البر: حب معروف، وهو من أفضل أنواع الحبوب، وكان قليلاً في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكنه كان موجوداً، لحديث عبادة بن الصامت: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح» [(160)]. ولقلته وندرته فإنه لم يذكر من الأصناف التي تخرج منها الفطرة كما في حديث أبي سعيد: «وكان طعامنا يومئذٍ الشعير والتمر والزبيب والأقط» [(161)] وعدم ذكره لا يدل على عدم إجزائه، بل إنه مجزئ بلا شك.

قوله: «أو شعير» وهو: حب معروف ومفيد، ولا سيما إذا كانت فيه قشوره، وقد ذكر فيه الأطباء منافع كثيرة، لكن فائدته أقل من فائدة البر.

قوله: «أو دقيقهما» أي: دقيق البر أو دقيق الشعير، فلو أنه دفع صاعاً من دقيق أحدهما فإنه يجزئ، ولكن على أن يكون المعتبر في الدقيق الوزن؛ لأن الحب إذا طحن انتشرت أجزاؤه، فالصاع من الدقيق يكون صاعاً إلا سدساً تقريباً من الحب، والصاع من الحب (البر أو الشعير) يكون صاعاً وزيادة من الدقيق؛ لأن الحب في خلقة الله ـ عزّ وجل ـ له منطبق تماماً وإن كان فيه فرجات ما بين الحبة والأخرى.

قوله: «أو سويقهما» أي سويق البر والشعير، والسويق: هو الحب المحموس الذي يحمس على النار ثم يطحن، وبعد ذلك يُلت بالماء، ويكون طعاماً شهياً.

قوله: «أو تمر» معناه أنه لا يجوز أن يدفع الرطب في الفطرة، بل لا بد أن يكون تمراً جافاً، والتمر كان يكال على عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم فهو من الأصناف المكيلة، لكنه صار عندنا الآن من الأصناف التي توزن، ولذلك فإنه عند الإخراج يجب على الإنسان أن يلاحظ الخفة والثقل.

قوله: «أو زبيب» والزبيب هو يابس العنب، ولكن العنب ليس كله يصلح أن يكون زبيباً، بل يصلح لذلك أنواع معينة منه والزبيب غذاء وقوت كالتمر.

قوله: «أو أقط» والأقط نوع من الطعام يعمل من اللبن المخيض، ثم يجفف، وتعمله البادية في الغالب.

فالواجب أن زكاة الفطر تخرج من طعام الآدميين، وإذا كانت هذه الأطعمة متنوعة فإننا نأخذ بالوسط العام، وفي وقتنا الحاضر وجدنا أكثر شيء هو الرز، وعموم كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أن هذه الأنواع تخرج في زكاة الفطر، سواء كانت قوتاً وطعاماً أم لم تكن؛ لأنها جاءت منصوصاً عليها في الحديث، والفقهاء هنا أخذوا بظاهر النص دون معناه؛ وعليه لو أن أحد الناس في هذا الوقت أخرج شعيراً أو زبيباً أو أقطاً، لأجزأه ذلك رغم أنها ليست بقوت.

وقول المؤلف: «يجب صاع من بر أو شعير» ظاهرهُ أَنَّهُ لا فرق بين البر وما سواه، وأنه يجب إخراج صاع من البر.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أنه يخرج من البر نصف صاع وقال: هذا الذي جرى عليه الناس في عهد معاوية ـ رضي الله عنه ـ، فإن معاوية ـ رضي الله عنه ـ لما قدم المدينة قال: أرى أن مداً من هذه ـ يعني الحنطة ـ يعدل مدين من هذا ـ يعني الشعير ـ فعدل الناس عن الصاع من البر إلى نصف الصاع منه[(162)].

وقال شيخ الإسلام: وهو أيضاً قياس بقية الكفارات عند الفقهاء، فإن الفقهاء يقولون: إن الواجب صاع من كذا، أو نصف صاع من البر، أو يقولون: الواجب نصف صاع من كذا أو مد من البر فيجعلون البر على النصف من غيره، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الواجب صاع من بر أو غيره.

لكن يبقى النظر فيما إذا لم تكن هذه الأنواع أو بعضها قوتاً فهل تجزئ؟

الجواب: الصحيح أنها لا تجزئ ولهذا ورد عن الإمام أحمد: الأقط لا يجزئ إلا إذا كان قوتاً، وإنما نص عليها في الحديث؛ لأنها كانت طعاماً فيكون ذكرها على سبيل التمثيل لا التعيين؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخذري ـ رضي الله عنه ـ قال: «كنا نخرجها في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صاعاً من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر والزبيب والشعير والأقط» [(163)].

فقوله: «من طعام» فيه إشارة إلى العلة، وهي أنها طعام يؤكل ويطعم.

ويرجح هذا ويقويه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» [(164)]، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً لكن يقويه حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ «فرضها أي: زكاة الفطرطهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين» [(165)]، وعلى هذا فإن لم تكن هذه الأشياء من القوت كما كانت في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم فإنها لا تجزئ.

 

فَإِنْ عَدِمَ الخمْسَةَ أجْزَأ كُلُّ حب وَثَمَرٍ يُقْتَاتُ لاَ مَعيبٌ، وَلاَ خُبْزٌ..........

قوله: «فإن عدم الخمسة» أي: عدم البر أو الشعير أو التمر أو الزبيب أو الأقط في مكانه أو ما يقرب منه عرفاً، ويشق عليه الإتيان بها، فإنه لا يلزمه أن يسافر للحصول عليها.

قوله: «أجزأ كل حب وثمر يقتات» أي: إنه يجزئ في زكاة الفطر عند عدم الخمسة كل ما يقتات، ويطعم من الحب والثمر.

وعلم من ذلك أنه إذا أخرج من غير الخمسة مع وجودها لم تجزئ، ولو كان ذلك قوتاً، أو كان أفضل عند الناس.

والحب: مثل الأرز والذرة وغيرهما.

والثمر: مثل التين، فالتين في السابق كان يقتات، ويكنز مثل التمر تماماً، وذلك لما كان كثيراً في الجزيرة العربية.

وخلاصة ذلك على كلام المؤلف أنه إن عدم الإنسان أياً من الأصناف الخمسة السابقة أجزأه كل حَبٍّ، بدلاً من الشعير، والبر، أو كل ثمر بدلاً من الزبيب، والتمر.

ولكن إذا كان قوت الناس ليس حباً ولا ثمراً، بل لحماً مثلاً، مثل أولئك الذين يقطنون القطب الشمالي، فإن قوتهم وطعامهم في الغالب هو اللحم، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يجزئ إخراجه في زكاة الفطر، ولكن الصحيح أنه يجزئ إخراجه، ولا شك في ذلك.

ولكن يرد علينا أن صاع اللحم يتعذر كيله، فنقول: إن تعذر الكيل رجعنا إلى الوزن مع أن اللحم إذا يبس يمكن أن يكال.

قوله: «لا معيب» معطوف على «كل» أي: لا يجزئ معيب حتى من البر والتمر.

والمعيب هو الذي تغير طعمه، أو أحد أوصافه، أو صار فيه دود، أو سوس، لقوله تعالى: {{وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ}} [البقرة: 267] .

قوله: «ولا خبز» أي: ولا يجزئ الخبز في زكاة الفطر؛ لأنه لا يكال ولا يقتات مع أنه إذا يبس يمكن أن يكال ويقتات، لكن يقال: إن العلة في عدم إجزائه أن النار أثرت عليه وغيرته.

والصحيح في الخبز أنه إذا كان قوتاً، بأن يُيَبَّس وينتفع الناس به، فلا بأس بإخراجه، أما إذا كان رطباً فلا يصلح أن يقتات، ولكن يرد علينا سؤال، وهو هل تجزئ المكرونة في زكاة الفطر؟

الجواب: من قال: إن الخبز يجزئ فالمكرونة عند صاحب هذا الرأي تجزئ أيضاً.

ومن قال: لا يجزئ الخبز؛ لأن الخبز أثرت عليه النار، فإن المكرونة إذا أثرت عليها النار في تصنيعها فإنها لا تجزئ كذلك، ولو أن إلحاق المكرونة بالخبز من كل وجه فيه نظر، ولهذا نرى أن إخراج المكرونة يجزئ ما دامت قوتاً للناس ليست كالخبز من كل وجه، وتعتبر بالكيل إذا كانت صغيرة مثل الأرز، أما إذا كانت كبيرة فتعتبر بالوزن.

والصحيح أن كل ما كان قوتاً من حب وثمر ولحم ونحوها فهو مجزئ سواء عدم الخمسة، أو لم يعدمها لحديث أبي سعيد: «وكان طعامنا يومئذٍ الشعير والتمر والزبيب والأقط» [(166)].

 

وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الجَمَاعَةُ مَا يَلْزَمُ الوَاحِدَ، وَعَكْسُهُ...........

قوله: «ويجوز أن يعطَى الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه» هنا يجوز أن نقول: أن يُعْطَى الجماعةُ، ويجوز أن نقول: أن يعطِيَ الجماعةَ.

وقوله: «الجماعة» أي: ممن يستحقون زكاة الفطر.

وهل مصرف زكاة الفطر مثل مصرف بقية الزكاوات أو أن مصرفها لذوي الحاجة من الفقراء؟

الجواب: هناك قولان لأهل العلم، وهما:

الأول: أنها تصرف مصرف بقية الزكوات حتى للمؤلفة قلوبهم والغارمين، وهو ما ذهب إليه المؤلف.

الثاني: أن زكاة الفطر مصرفها للفقراء فقط، وهو الصحيح.

وقوله: «يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه» مثال ذلك: إذا كان إنسان عنده عشر فطر، فإنه يجوز أن يعطيها لفقير واحد.

وإذا كان إنسان عنده فطرة واحدة فيجوز أن يعطيها عشرة فقراء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدر المعطى، ولم يقدر الآخذ.

قال العلماء: إذا أعطى الفطرة لجماعة فيسن ألا ينقص المعطى عن مدٍ.

ولكن إذا أعطى دون الصاع فيجب أن ينبه المعطى أنه أعطاه دون الصاع؛ لأنه يخشى أن يخرجها المعطى عن نفسه، وهي أقل من صاع.

وعلى هذا التقرير الذي ذكرنا الآن أنه في زكاة الفطر يجوز أن يعطي الجماعةُ ما يلزمهم لفقير واحد، أو يعطي الإنسانُ ما يلزمه لعدة فقراء.

يتبين أن ما يجب بذله في هذه الأمور ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي:

القسم الأول: ما قدر فيه المدفوع بقطع النظر عن الدافع وعن المدفوع إليه، مثل زكاة الفطر، فالمقدر فيها صاع، سواء أعطيتها واحداً أو جماعة، أو أعطاها جماعة لواحد، أو أعطاها واحد لواحد، أو أعطاها جماعة لجماعة؛ لأنه مقدر فيها ما يجب دفعه، وهذا بالاتفاق فيما أعلم.

القسم الثاني: ما قدر فيه المدفوع والمدفوع إليه، كما هي الحال في فدية الأذى، وهي فدية حلق الرأس في الإحرام، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لكعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ: «أطعم ستة مساكين، لكن مسكين نصف صاع» [(167)] وعلى هذا فلا بد أن نخرج نصف صاع لكل واحد من الستة المساكين.

القسم الثالث: ما قدر فيه الآخذ المعطى دون المدفوع، مثل: كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان، {{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}} [المائدة: 89] .

وبناء على ذلك نقول للمكفر فيها: أطعم مسكيناً ما شئت حتى ولو كان مداً من بر.

ويجوز في هذا القسم أن يغدي المساكين أو يعشيهم؛ لأن الله ذكر الإطعام ولم يذكر مقداره فمتى حصل الإطعام بأي صفة كانت أجزأ.

 

---------------------------------

 

[128] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب ما جاء إن الأعمال بالنيات (56)، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث (1628) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

[129] ـ [130] حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين».

أخرجه أبو داود في الزكاة/ باب زكاة الفطر (1609)؛ وابن ماجه في الزكاة/ باب صدقة الفطر (1827)؛ والدارقطني (2/138)؛ والحاكم (1/409).

وقال الحاكم: «صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.

وقال الدارقطني: «ليس فيهم مجروح»، وحسنه في الإرواء (3/332).

[131] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب فرض صدقة الفطر (1503)؛ ومسلم في الزكاة/ باب زكاة الفطر على المسلمين... (984) (16).

[132] سبق تخريجه ص(150).

[133] أخرجه البخاري في الحوالات/ باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة؟ (2287)؛ ومسلم في المساقاة/ باب تحريم مطل الغني... (1564) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[134] سبق تخريجه ص(150).

[135] أخرجه الدارقطني (2/141)؛ والبيهقي (4/161) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

وقال الدارقطني: «والصواب أنه موقوف».

وقال البيهقي: إسناده غير قوي، وانظر «التلخيص» (869).

[136] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب صدقة الفطر على الحر والمملوك (1511) عن نافع ولفظه: «فكان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير حتى إن كان يعطي عن بنيَّ»؛ وأخرجه البيهقي (4/161)، ولفظه: كان يخرج زكاة الفطر عن كل مملوك له في أرضه وعن كل إنسان يعوله من صغير أو كبير.

[137] أخرجه مسلم في الزكاة/ باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه (982) (10) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[138] أخرجه مسلم في الزكاة/ باب الابتداء في النفقة بالنفس... (997) عن جابر رضي الله عنه.

[139] أخرجه البخاري في الأدب/ باب البر والصلة (5971)؛ ومسلم في البر والصلة/ باب بر الوالدين وأيهما أحق به (2548) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[140] أخرجه البخاري في الأذان/ باب الاستهام في الأذان (615)؛ ومسلم في الصلاة/ باب تسوية الصفوف وإقامتها... (437) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[141] الصادق: صادق فيما أخبر به.

[142]المصدوق: مصدق فيما أخبر عنه.

[143] أخرجه البخاري في بدء الخلق/ باب ذكر الملائكة (3208)؛ ومسلم في كتاب القدر/ باب كيفية خلق الآدمي... (2643).

[144] أخرجه ابن أبي شيبة (3/212).

وأخرج عبد الله بن أحمد في مسائله (806) عن حميد عن بكر وقتادة: «أن عثمان كان يعطي صدقة الفطر عن الصغير والكبير والحمل».

وأخرج ابن أبي شيبة (3/173)؛ وعبد الرزاق (5788) عن أبي قلابة قال: «كانوا يعطون صدقة الفطر حتى يعطوا عن الحبل».

[145] أخرج البخاري في الجمعة/ باب الأذان يوم الجمعة (912) عن السائب بن يزيد قال: «كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء».

[146] أخرجه الإمام أحمد (4/126) وأبو داود في السنّة/ باب في لزوم السنّة (4606) والترمذي في العلم/ باب ما جاء في الأخذ بالسنّة (1676) وابن ماجه في المقدمة/ باب اتباع سنّة الخلفاء الراشدين (42) عن العرباض بن سارية، قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (5) والحاكم (1/96).

[147] أخرجه البخاري في الوكالة/ باب إذا وكل رجلاً... (2311) معلقاً بصيغة الجزم.

[148] سبق تخريجه ص(150).

[149] سيأتي تخريجه ص( 308).

[150] لحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه: «وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين». أخرجه البخاري في الزكاة/ باب صدقة الفطر على الحر والمملوك (1511).

[151] أخرجه البخاري في التفسير/ باب قوله: «وتقول هل من مزيد» (4848)؛ ومسلم في الجنة ونعيمها/ باب النار يدخلها الجبارون... (2848) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

[152] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب فرض صدقة الفطر (1503)؛ ومسلم في الزكاة/ باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة (986).

[153] سيأتي تخريجه ص( 181).

[154] سبق تخريجه ص(170).

[155] رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم في البيوع/ باب النجش ووصله مسلم في الأقضية/ باب الأحكام الباطلة (1718) عن عائشة رضي الله عنها.

[156] سبق تخريجه ص(150).

[157] سبق تخريجه ص(150).

[158] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة/ باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر (597) ومسلم في الصلاة/ باب قضاء الصلاة الفائتة (684) (315) عن أنس رضي الله عنه.

[159] سبق تخريجه ص(150).

[160] سبق تخريجه ص(40).

[161] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب الصدقة قبل العيد (1510).

[162] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب صاع من زبيب (1508) ومسلم في الزكاة/ باب زكاة الفطر على المسلمين (985) (18) عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ.

[163] سبق تخريجه ص(178).

[164] أخرجه الدارقطني (2/152، 153)؛ والبيهقي (4/175)؛ وابن عدي (2519) عن ابن عمر رضي الله عنهما وفي إسناده أبو معشر، قال الدارقطني «ضعيف» وقال الحافظ في البلوغ (628): «إسناده ضعيف».

[165] سبق تخريجه ص(150).

[166] سبق تخريجه ص(178).

[167] أخرجه البخاري في الحصر/ باب الإطعام في الفدية نصف صاع (1816)، ومسلم في الحج/باب جواز حلق الرأس للمحرم... (1201) (85) عن كعب بن عجرة رضي الله عنه.

 

 

تاريخ التحديث : Jan 23, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com