|
بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ
وَيَجِبُ عَلَى الفَوْرِ مَعَ إِمْكَانِهِ .........
قوله: «باب إخراج الزكاة» «أل» في الزكاة للعهد الذهني، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يدخل فيها زكاة الفطر، فإن زكاة الفطر قد علمت وبين وقت وجوبها وإخراجها وقدرها، لكن المراد بإخراج الزكاة هنا زكاة المال.
وقوله: «إخراج الزكاة» أي: من ملكه إلى مستحقها.
وأنواع الأموال هي: الذهب، والفضة، وعروض التجارة، وسائمة بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض.
قوله: «ويجب على الفور» أي: المبادرة.
قوله: «مع إمكانه» أي: مع إمكان الإخراج، والمراد بهذا وجوب المبادرة بالإخراج، لا وجوب الإخراج فإنه معلوم مما سبق.
وقوله: «يجب على الفور» دليله أن الأصل في الأوامر الفورية، والدليل على أن الأصل في الأوامر الفورية ما يلي:
1 ـ قول الله تعالى: {{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}} [آل عمران: 133] وقوله تعالى: {{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}} [البقرة: 148] .
2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أمر الصحابة في حجة الوداع أن يحل من إحرامه من لم يسق الهدي منهم، وتأخروا بعض الشيء رجاء أن ينسخ الأمر غضب النبي صلّى الله عليه وسلّم غضباً شديداً»[(168)].
3 ـ أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما تأخروا في حلق رؤوسهم في غزوة الحديبية؛ ليتحللوا بذلك، غضب لتأخرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم[(169)] ولو لم يكن الأصل في الأوامر الفورية لم يغضب النبي صلّى الله عليه وسلّم.
4 ـ أن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فهو إذا أخر الواجب يكون مخاطراً، فقد يموت ويبقى الواجب في ذمته، وإبراء الذمة واجب، فهذا دليل نظري أيضاً على أن الواجب يفعل على الفور.
5 ـ أن النظر يوجب إخراجَها على الفور؛ لأن حاجة الفقراء متعلقة بها، وإذا أمهل الناس في إخراجها بقي الفقراء بحاجة.
6 ـ أن تأخير الواجبات يلزم منه تراكمها، وحينئذ يغريه الشيطان بالبخل إذا كان الواجب من المال، أو بالتكاسل إذا كان الواجب من الأعمال البدنية.
وقال بعض العلماء: لا يجب الإخراج على الفور؛ لأن الله لم يوقت لها وقتاً، وهذا ضعيف، بل وقت الله لها وقتاً في قوله تعالى، {{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}} [الأنعام: 141] إذا قلنا: إن هذا الحق هو الزكاة.
لكن المؤلف اشترط بقوله: «مع إمكانه» أن يكون الإخراج ممكناً، فإذا لم يمكنه الإخراج فإنه لا يلزمه؛ كما لو كان ماله غائباً؛ وكما لو كان له دين في ذمة موسر أو في ذمة معسر، وقلنا بوجوب زكاة الدين في ذمة الموسر أو المعسر، وهو الآن ليس بيده فلا يلزمه الإخراج لعدم إمكانه.
وهل من ذلك إذا وجب على المرأة زكاة الحلي، وليس عندها دراهم لتزكي بها؟
الجواب: ليس من ذلك؛ فيمكن لها أن تزكي على الفور؛ وذلك بأن تبيع من الحلي بمقدار الزكاة وتخرج الزكاة، ما لم يتبرع لها زوجها أو أحد من أقاربها، فإن تبرع فلا بأس.
لكن النساء يقلن: إذا أوجبتم علينا أن نبيع من الحلي لإخراج زكاته فإنه سينفد ولن يبقى عندنا منه شيء، وهذا مما نحتاجه بنص القرآن، قال تعالى: {{أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ *}} [الزخرف] .
فنقول: إن هذا الإيراد غير وارد؛ لأنه ينقطع الوجوب إذا نقص الحلي عن النصاب، فإذا لم يكن عند إحداهن إلا ثمانون جراماً من الذهب فإنه لا زكاة عليها، ولذلك نقول: إنه لا ينفد؛ لأنك تصبحين عندئذ من الفقيرات، والفقيرات يكفيهن من حلي الذهب ثمانون جراماً.
إِلاَّ لِضَرَرٍ ...........
قوله: «إلا لضرر» أي: فإذا كان هناك ضرر على الرجل في إخراج الزكاة فور وجوبها فلا حرج عليه أن يؤخرها حتى يزول الضرر، كأن يخشى أن يرجع الساعي إليه مرة أخرى.
مثال ذلك: وجبت على شخص زكاة الماشية في محرم، ويخشى أن يأتي الساعي في صفر ويقول له: أخرج زكاتك، ولا يصدقه إذا قال له هذا الشخص: لقد أخرجتها، فإن له أن يؤخرها إلى أن ييأس من قدوم الساعي.
والواجب أن يصدق صاحب الزكاة في دفع زكاته؛ لأنها عبادة، وهو مؤتمن عليها.
ومن الضرر أيضاً أن يخشى على نفسه أو ماله إذا أخرج الزكاة، وذلك بأن يكون بين قوم من الفقراء لصوص، ولو أخرج الزكاة لقالوا: إنه ذو مال، فيسطون على بيته، ويسرقونه أو يقتلونه، وهذا ضرر يحل له أن يؤخر الزكاة حتى ييسر الله له.
ومثل ذلك إذا كان ماله غائباً، فلا يجب عليه الإخراج عنه، ولو كان عنده مال.
فإن قال قائل: هل يجوز أن يؤخرها لمصلحة وليس لضرر؟
الجواب: نعم يجوز، فمثلاً عندنا في رمضان يكثر إخراج الزكاة ويغتني الفقراء أو أكثرهم، لكن في أيام الشتاء التي لا توافق رمضان يكونون أشد حاجة، ويقل من يخرج الزكاة، فهنا يجوز تأخيرها؛ لأن في ذلك مصلحة لمن يستحقها، لكن بشرط أن يفرزها عن ماله، أو أن يكتب وثيقة يقول فيها: إن زكاته تحل في رمضان، ولكنه أخرها إلى الشتاء من أجل مصلحة الفقراء، حتى يكون ورثته على علم بذلك، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» [(170)] والزكاة مما يوصى فيه؛ لأنه حق واجب.
وأيضاً يجوز له أن يؤخر الزكاة من أجل أن يتحرى من يستحقها؛ لأن الأمانة ضاعت في وقتنا الحاضر، وحب المال ازداد فتأخير الزكاة حتى يتحرى من يستحقها جائز؛ لأن في ذلك مصلحة المستحق، والله أعلم بالنيات، فقد يتعلل بعض الناس بهذا، وهو يريد أن ينتفع بماله قبل إخراج زكاته، لكن إذا كان في نيته أن يؤخرها؛ من أجل تحري من يستحق فإن هذا لا بأس به.
والمؤلف ـ رحمه الله ـ لم يذكر جواز تأخير الزكاة لمصلحة المستحق، وإنما ذكرها صاحب الروض، وغيره من العلماء، ويجوز التأخير كذلك، إذا تعذر الإخراج لقوله: «مع إمكانه» ، كما سبق.
فصار التأخير يجوز في الحالات الآتية:
1 ـ عند تعذر الإخراج.
2 ـ عند حصول الضرر عليه بالإخراج.
3 ـ عند وجود حاجة، أو مصلحة في التأخير.
مسألة: لو أخر الزكاة عن موعدها ثم زاد ماله؛ فإن المعتبر وقت وجوبها عند تمام الحول.
فلو كانت تجب في رمضان وماله عشرة آلاف، فأخرها إلى ذي الحجة فبلغ ماله عشرين ألفاً، فلا زكاة عليه إلا في العشرة.
فَإِنْ مَنَعَهَا جَحْداً لِوُجُوبِهَا كَفَرَ عَارِفٌ بالحُكْمِ .........
قوله: «فإن منعها جحداً لوجوبها كفر عارف بالحكم» .
أي: إن منع إخراج الزكاة، والفاعل يعود على صاحب المال الزكوي، والهاء مفعول به تعود على الزكاة.
وقوله: «كفر» هذا الكفر كفر اعتقاد لا كفر عمل؛ لأنه اعتقد خلاف ما دل عليه الشرع، وكذب الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فإذا انضم إلى الجحد منع، صار أشد وأعظم لأنه كفر بالاعتقاد، وفسق بالعمل.
علة ذلك ـ أي: الحكم بكفره ـ ليس لمنعها، وإنما لجحد كونها فريضة، وأما إذا منعها بخلاً، أو تهاوناً، فسيأتي في كلام المصنف، وعلى هذا فيكون قول المؤلف: «إِنْ مَنَعَهَا جَحْداً لِوُجُوبِها» تصويراً لا تأصيلاً؛ فليس من شرط القول بكفر جاحدها أن يمنعها بل الشرط جحد وجوبها؛ فلو أدّاها وهو جاحد وجوبها فإنه يكفر.
وقوله: «جحداً» مفعول لأجله وهو سابق على الفعل؛ لأن المفعول لأجله إما أن يكون سابقاً للفعل، أو مقارناً له، أو يكون لاَحِقاً له، فهذا الجحد سابق للفعل أو مقارن له، ومعنى سابق أن يقول: ليس علي زكاة، وهي غير مفروضة، ومعنى مقارن أن يجحد الزكاة حين المنع، فإن منعها على هذا الوجه «كفر عارف بالحكم» أي: أنه يكفر إذا جحد الزكاة وهو يعلم أنها واجبة، وذلك لأن وجوب الزكاة مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، فكل مسلم يعلم أن الزكاة واجبة، فإذا جحد ذلك كفر.
وهنا قيد المؤلف ـ رحمه الله ـ الكفر بأن يكون عارفاً بالحكم، فعلم من كلامه أنه لو جحد وجوبها جاهلاً فإنه لا يكفر؛ لأن الجهل عذر بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين في الجملة؛ أي:ليس في كل الصور.
وذلك لقوله تعالى: {{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}} [الإسراء: 15] وقال تعالى: {{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}} [إبراهيم: 4] ، وقال تعالى: {{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} ...} إلى قوله: {{رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}} [النساء: 163 ـ 165] فدل هذا على أنه لو لم يرسل رسلاً إلى الخلق فلهم حجة على الله؛ لأنهم معذورون، وقال الله تعالى: {{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ *}} [القصص] ، وقال الله تعالى عن قريش: {{وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى *}} [طه] .
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [(171)]، والنصوص الدالة على أن الجهل عذر كثيرة جداً.
ولكن هل تقبل دعوى الجهل من كل أحد؟
الجواب؛ لا، فإن من عاش بين المسلمين، وجحد الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج، وقال: لا أعلم، فلا يقبل قوله؛ لأن هذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ إذ يعرفه العالم والعامي، لكن لو كان حديث عهد بالإسلام، أو كان ناشئاً ببادية بعيدة عن القرى والمدن، فيقبل منه دعوى الجهل ولا يكفر، ولكن نعلمه فإذا أصر بعد التَّبيين حكمنا بكفره، وهذه المسألة ـ أعني مسألة العذر بالجهل ـ مسألة عظيمة شائكة، وهي من أعظم المسائل تحقيقاً وتصويراً.
فمن الناس من أطلق وقال: لا يعذر بالجهل في أصول الدين كالتوحيد، فلو وجدنا مسلماً في بعض القرى أو البوادي النائية يعبد قبراً أو ولياً، ويقول: إنه مسلم، وإنه وجد آباءه على هذا ولم يعلم بأنه شرك فلا يعذر.
والصحيح أنه لا يكفر؛ لأن أول شيء جاءت به الرسل هو التوحيد، ومع ذلك قال تعالى: {{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}} [الإسراء: 15] فلا بد أن يكون الإنسان ظالماً، وإلا فلا يستحق العذاب.
على أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع أنكره شيخ الإسلام، وهذا التقسيم لم يحدث إلا بعد القرون المفضلة في آخر القرن الثالث، وقال شيخ الإسلام: كيف نقول: إن الصلاة من الفروع؟! ـ لأن الذين يقسمون الدين إلى أصول وفروع يجعلون الصلاة من الفروع ـ وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وكذا الزكاة، والصوم، والحج، كيف يقال: إنها من الفروع؟!
ولكن قد لا يعذر الإنسان بالجهل، وذلك إذا كان بإمكانه أن يتعلم ولم يفعل، مع قيام الشبهة عنده، كرجل قيل له: هذا محرم، وكان يعتقد الحل، فسوف تكون عنده شبهة على الأقل، فعندئذٍ يلزمه أن يتعلم ليصل إلى الحكم بيقين.
فهذا ربما لا نعذره بجهله؛ لأنه فرط في التعليم، والتفريط يسقط العذر، لكن من كان جاهلاً، ولم يكن عنده أي شبهة، ويعتقد أن ما هو عليه حق، أو يقول هذا على أنه الحق، فهذا لا شك أنه لا يريد المخالفة ولم يرد المعصية والكفر، فلا يمكن أن نكفره حتى ولو كان جاهلاً بأصل من أصول الدين، فالإيمان بالزكاة وفرضيتها أصل من أصول الدين، ومع ذلك لا يكفر الجاهل.
وبناءً على هذا يتبين حال كثير من المسلمين في بعض الأقطار الإسلامية الذين يستغيثون بالأموات، وهم لا يعلمون أن هذا حرام، بل قد لُبِّس عليهم أن هذا مِمَّا يقرب إلى الله، وأن هذا وليٌّ لله وما أشبه ذلك، وهم معتنقون للإسلام، وغيورون عليه، ويعتقدون أن ما يفعلونه من الإسلام، ولم يأت أحد ينبههم، فهؤلاء معذورون، لا يؤاخذون مؤاخذة المعاند الذي قال له العلماء: هذا شرك، فيقول: هذا ما وجدت عليه آبائي وأجدادي، فإن حكم هذا الأخير حكم من قال الله تعالى فيهم: {{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}} [الزخرف: 22] .
فإن قيل: كيف يعذر هؤلاء ولم يعذر أهل الفترة، فقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أبي وأبوك في النار» [(172)]؟ فيقال: أهل الفترة ليس لنا أن نتجاوز ما جاءت به النصوص، ولولا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: إن أباه في النار، لكان مقتضى القاعدة الشرعية أنه لا يعذب، وأن يكون أمره إلى الله، كسائر أصحاب الفترة، فإن القول الراجح أن أصحاب الفترة يمتحنون يوم القيامة بما شاء الله، أما هؤلاء فإنهم يعتقدون أنهم على الإسلام ولم يأتهم من يعلمهم، بل قد يكون عندهم من علماء الضلالة من يقول: إنَّ ما هم عليه هو الحق.
إذاً لا بد أن يكون الجاحد لوجوب الزكاة عارفاً بالحكم، فإن جحدها وهو عارف بالحكم صار كافراً، وإن كان جاهلاً وعلمناه وبينا له النصوص وأصر على ما هو عليه، فحينئذٍ يكون كافراً؛ لأنه عالم بالحكم.
وعلى هذا يتبين لنا أنه لا يشترط الإقرار بالحكم، فإذا بلغه الحكم على وجه واضح بين، فقد قامت عليه الحجة سواء أقر أم أنكر، حتى ولو أنكر فإن ذلك لا ينفعه، ولا يرفع عنه الحكم؛ وإلا لكان فرعون ـ الذي أنكر رسالة موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع إقراره بها في باطن نفسه ـ مؤمناً محقاً، ولكنه ليس كذلك، فالشرط هو بلوغ الحجة على وجه يتبين به الأمر، فإذا بلغ الإنسان ذلك، فإن إقراره بها ليس بشرط، فيحكم بكفره ولو لم يقر بها.
وإذا أخبرناه فأصر على أنها ليست واجبة، ولكنه يخرجها على أنها تطوع، فإنه يكفر وعلى هذا فإن قول المؤلف: «ومن منعها جحداً لوجوبها» ليس قيداً في الحكم؛ لأن المدار على الجحود، فإذا جحد الوجوب وهو عارف بالحكم، كفر سواء أخرجها أم لم يخرجها.
وقد قيل للإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: إن فلاناً يقول في قوله تعالى: {{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *}}: «إن ذلك فيمن استحل قتل المؤمن»، فتبسم الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وقال: «إذا استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتله، أم لم يقتله»!! فتبقى الآية لا فائدة منها؛ لأن الآية علقت الحكم على وصف دون هذا الوصف الذي ذكره هذا القائل وهو الجحود.
والذين قالوا: إن النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة محمولة على من تركها جحداً لوجوبها، نقول لهم: إن الذي جحد وجوب الصلاة كافر ولو صلى، فلم تعتبرون وصفاً لم يشر إليه الدليل، وتتركون وصفاً علق عليه الحكم؟ فهذه جناية على النص من وجهين هما:
الأول: إلغاء ما اعتبره الشرع وصفاً موجباً للحكم.
الثاني: استحداث وصف لم يكن في النص.
وهذا البلاء يأتي كثيراً من العلماء؛ لأنهم اعتقدوا قبل أن يستدلوا فحاولوا ليَّ أعناق النصوص إلى ما يعتقدون، أو يكون المستدل قد استعظم الأمر كيف يكفر تارك الصلاة، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويؤمن باليوم الآخر، فيحاول أن يُحَرِّفَ النصوصَ من أجل استعظامه أن يكفر.
وَأُخِذَتْ منه وقُتِلَ .........
قوله: «وأخذت منه وقتل» أي: من منع الزكاة جحداً لوجوبها فإنها تؤخذ منه، وتعطى لأهلها، ويقتل؛ لردته.
وهنا يرد سؤال وهو كيف تؤخذ منه، وقد حكمنا بكفره، وهي لا تقبل منه؛ لقول الله تعالى: {{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ}} [التوبة: 54] ، وأيضاً هل يكون ماله لبيت المال؟
الجواب: تؤخذ منه؛ لأنها وجبت عليه، وتعلق بها حق الغير، وهم أهل الزكاة.
ولا تدخل الزكاة بيت المال؛ لأن الأخص وهو مال الزكاة، لا يدخل في الأعم وهو بيت المال؛ لأنها ربما تصرف في المصالح العامة، مثل: بناء المساجد، وإصلاح الطرق، وهذا لا يصح أن تصرف الزكاة فيه، ويكون باقي ماله في بيت المال؛ لأن المرتد لا يورث.
قوله: «وقتل» أي: قتل لردته فلا يصلى عليه، وإذا تاب قبلت توبته ولم يقتل، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من بدل دينه فاقتلوه» [(173)].
وظاهر كلام المؤلف أنه يقتل ولا يستتاب، وهذا الظاهر قد يكون مراداً، وقد يكون غير مراد، وأن المراد بيان الحكم بقطع النظر عن شروطه.
واختلف العلماء هل كل كفر يستتاب منه أم لا؟ وهل الاستتابة واجبة أو راجعة للإمام؟
والصواب أنها ليست واجبة، وأنها راجعة للإمام، ووجود مصلحة في استتابته، ككون المرتد زعيماً في قومه، ولو أنه عاد إلى الإسلام لنفع الله به، فهذا يجب أن يستتيبه الإمام، ولو رأى الإمام أن قتله خير من بقائه لنفسه ولغيره؛ لأن طول عمر الكافر زيادة في إثمه، قال الله تعالى: {{وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *}} [آل عمران: 178] فهذا لا يحتاج إلى استتابته؛ بل يقتله بدونها.
والقول الراجح أن التوبة مقبولة من كل ذنب حتى من سب الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولكن من سب الرسول صلّى الله عليه وسلّم تقبل توبته ويقتل، ومن سب الله تقبل توبته لو تاب ولا يقتل؛ لأن حق الله لله، وقد بين سبحانه أنه يغفر الذنوب جميعاً، أما سب الرسول صلّى الله عليه وسلّم فحق له، وقتل الساب حق لآدمي، ولا ندري هل يعفو الرسول صلّى الله عليه وسلّم عمن سبه أم لا؟ ولكن إذا تاب وقتلناه فإنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدعى له بالمغفرة، ويدفن في مقابر المسلمين؛ لأنَّ قتله حصل به أداء الحق إلى أهله وقد تاب إلى الله.
أو بُخْلاً أخِذَتْ مِنهُ وَعُزِّرَ ............
قوله: «أو بخلاً» أي منع الزكاة بخلاً، والبخل منع ما يجب، والشح الطمع فيما ليس عنده.
فالبخيل ممسك، والشحيح مقتطع، يريد أن تكون أموال الناس جميعاً عنده.
قوله: «أخذت منه وعزر» أي: أخذت الزكاة ممن منعها بخلاً، وأدِّبَ.
وقوله: «أخذت» فعل مبني للمجهول والآخذ هو من له حق الأخذ، وهو الذي يلزم الناس بالشرع، والسلطان هو الذي له الحق، ولذلك فإنه يأخذها من البخيل قهراً ويعزره.
والتعزير يطلق على معان عدة، منها: التوقير، والنصرة؛ لقوله تعالى: {{لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ}} [الفتح: 9] .
ومنها التأديب كما هو مراد المؤلف، وسمي التأديب تعزيراً مع أن أصل التعزير النصرة، لأن فيه نصرة للإنسان على نفسه؛ لأنه إذا أدب استقام وانتصر على نفسه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم فكيف ننصره ظالماً؟ قال: «تمنعه من الظلم فذاك نصره» [(174)] فهذا الذي أدبناه يكون تعزيره نصراً في الواقع، لأننا نصرناه على نفسه؛ إذ إن هذا سيردعه عما كان عليه.
مسألة: هل إذا أخذت الزكاة من البخيل تبرأ بها ذمته؟
الجواب: أما ظاهراً فإنها تبرأ بها ذمته فلا نطالبه بها مرة ثانية، وأما باطناً فإنها لا تبرأ ذمته، ولا تجزئه؛ لأنه لم ينو بها التقرب إلى الله، وإبراء ذمته من حق الله، ولذلك فإنه يعاقب على ذلك معاقبة من لم تؤخذ منه؛ لأنها أخرجت بغير اختيار منه، فإذا تاب من ذلك فإن من توبته أن يخرجها مرة ثانية.
ولم يبين المؤلف كيف يعزر؟ بالضرب أم بالحبس أم بالتوبيخ أمام الناس، أم بغير ذلك من وسائل التأديب؟
فقيل: المقصود بالتعزير التأديب، فما يحصل به التأديب هو الواجب، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فمنهم من يعزر بالمال وهو البخيل، ومنهم من يعزر بالضرب، ومنهم من يعزر بالتوبيخ أمام الناس، أو بالفصل من الوظيفة، ولذلك فإن التعزير لا يرتبط بعقوبة معينة؛ لأن المراد منه الإصلاح والتأديب، وهذا يختلف باختلاف الناس، ولهذا أطلق المؤلف التعزير، فقد يقترف رجلان ذنباً واحداً، أحدهما نعزره بالمال، والآخر بالضرب.
والصحيح أنه يعزر بما ورد في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال فيمن منعها: «إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا» [(175)].
ولا شك أن الشرع إذا عين نوعاً من العقوبة، ولو بالتعزير فهي خير مما يفرضه السلطان، فنأخذها وشطر ماله.
وشطر المال أي: نصفه.
ولكن هل هو شطر ماله عموماً أو شطر ماله الذي منع منه زكاته؟
الجواب: في هذا قولان للعلماء:
الأول: أننا نأخذ الزكاة ونصف ماله الذي منع زكاته.
الثاني: أننا نأخذ الزكاة ونصف ماله كله.
مثال ذلك: إذا كان عند رجل مائة من الإبل ومائة من الغنم، ومنع زكاة الغنم.
فعلى القول الأول: نأخذ منه خمسين من الغنم، وزكاة الغنم.
وعلى القول الثاني: نأخذ منه خمسين من الغنم، وخمسين من الإبل وزكاة الغنم؛ لأن المراد المال كله، والنص محتمل.
فإذا كان محتملاً، فالظاهر أننا نأخذ بأيسر الاحتمالين؛ لأن ما زاد على الأيسر فمشكوك فيه، والأصل احترام مال المسلم.
ولكن إذا انهمك الناس وتمردوا في ذلك ومنعوا الزكاة، ورأى ولي الأمر أن يأخذ بالاحتمال الآخر فيأخذ الزكاة ونصف المال كله فله ذلك.
ودليل ذلك تضعيف عمر ـ رضي الله عنه ـ عقوبة شارب الخمر حيث زاد فيها إلى أخف الحدود، وهو ثمانون جلدة[(176)].
وَتَجِبُ فِي مَالِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ ........
قوله: «وتجب في مال صبي ومجنون» .
تجب: الضمير يعود على الزكاة.
وقوله: «في مال صبي ومجنون» سبقت الإشارة إليه حيث ذكرنا في شروط وجوب الزكاة الإسلام، ولم نشترط البلوغ والعقل، وذلك لأنها واجبة في المال.
فهي من جهة كونها عبادة تكليفية يرجح فيها جانب السقوط، ولذلك قال بعض العلماء: إنها لا تجب في مال الصبي والمجنون؛ لأنهما غير مكلفين، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رفع القلم عن ثلاثة منهم: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق» [(177)].
ولكن القول الصحيح والراجح أنها واجبة في المال، وأنها تجب في مال الصبي والمجنون، كما يجب عليهما ضمان ما أتلفاه؛ لأنه حق آدمي، ولو أفسدا عبادة فإنه لا يجب عليهما شيء؛ لأنها حق الله تعالى.
والزكاة فيها شائبة كونها تجب لحق الآدمي لقوله تعالى: {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ}} [التوبة: 60] وفيها أيضاً شائبة أنها تجب في المال؛ لقوله تعالى: {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}} [التوبة: 103] وقوله تعالى: {{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *}} [المعارج] ، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ رضي الله عنه: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» [(178)].
فَيُخْرِجُهَا وَلِيُّهُمَا، وَلاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا إِلاَّ بِنِيَّةٍ...........
قوله: «فيخرجها وليهما» أي يخرج الزكاة الواجبة في مال الصبي والمجنون ولي كل منهما، فلا ينتظر بلوغ الصغير، وعقل المجنون، أما كونه لا ينتظر المجنون فهذا ظاهر؛ لأننا لا ندري متى يزول جنونه، وأما الصغير فلأن إخراج الزكاة على الفور.
وقال بعض العلماء: لا يخرجها، بل يكتبها، فإذا بلغ الصبي وعقل المجنون أو مات، وانتقل المال إلى وارثه وأخبرهم بعدم الإخراج فقد برئت ذمته، لأنه لا يأمن التبعة.
وقال بعض أهل العلم، وهو رواية عن أحمد: إن خاف من التبعة أخرج الزكاة، وإلا فلا، مثال التبعة أن يخاف أن يطالبه اليتيم بأكثر مما أخرج.
والصحيح أنه يخرج الزكاة كما قال المؤلف، لوجوب إخراجها على الفور، وأما مسألة التبعة فإذا طولب الولي، فالقول قوله؛ لأنه أمين.
ووليهما هو من يتولى شأنهما في المال خاصة، وهو الأب، أو وصيه إن كان ميتاً، أو وكيله إن كان حياً، وأما الأخ والأم فإنه لا ولاية لهما في مال الصبي والمجنون، على المشهور من المذهب، إلا أنهم قالوا: إذا لم يوص لأحد، فالأمر للحاكم، يولي من يشاء.
والصحيح أن وليهما من يتولى أمرهما من الأقربين من أب، أو أم، أو أخ، أو أخت، أو عم، أو خال، أو غيرهم؛ لأن هذا مقتضى الولاية، فقد يكون أبوه ميتاً ولم يوص أحداً.
قوله: «ولا يجوز إخراجها إلا بنية» أي: ولا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية ممن تجب عليه.
والدليل على ذلك أثري ونظري.
أما الأثر فقوله تعالى: {{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ}} [الروم: 39] ، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [(179)].
وأما النظر؛ فلأن إخراج المال يكون للزكاة الواجبة، والصدقة المستحبة، ويكون هدية، ويكون ضماناً لمتلف، ولا يحدد نوع الإخراج إلا النية؛ فلا بد من النية عند إخراج الزكاة، فينوي إخراجها من ماله المعين، فإذا كانت عروض تجارة نواها عروض تجارة، وإن كانت نقدية نواها نقدية، وهكذا.
وبناء على هذا لو أخرج رجل الزكاة عن آخر بدون توكيل فإنها لا تجزئ؛ لعدم وجود النية ممن تجب عليه.
وظاهر كلام المؤلف أنها لا تجزئ، وإن أجاز ذلك من تجب عليه الزكاة وهذا هو القول الأول.
ودليله أن النية إنما تكون ممن خوطب بها، والدافع قبل أن يُوَكَّلَ ليس أصلاً ولا فرعاً، ولذلك فإنها لا تجزئ؛ لأن النية لا بد أن تقارن الفعل.
والقول الثاني: أنه إذا أجاز ذلك من تجب عليه الزكاة، فإنها تجزئ.
ودليله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أجاز لأبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ الدفع لمن جاء إليه، وقال: إنه فقير[(180)]، مع أن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ كان وكيلاً في الحفظ فقط، وليس في الإعطاء، فأجازه النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأن منع التصرف لحق الغير، فإذا أجازه ورضي فما المانع من قبوله لكن تبقى مشكلة النية، فيقال: بأن النائب قد نوى، وهذا النائب لو أذن له المالك قبل التصرف صح، فكذا إذا أذن له بعد التصرف كان صحيحاً، وهذا هو الأقرب، ولكن القول الأول هو الأحوط.
وإنما نص المصنف على النية لئلا يقول قائل: إنها كالدين لا تجب النية فيه، فلو كان عليك دين لإنسان عشرة دراهم، ثم أعطيته الدراهم، ولم تنو شيئاً كان وفاء.
مسألة: هل يشترط التعيين، أي: عن المال الفلاني؟ مثال ذلك عندي ألف درهم، ومائة دينار، وعروض تجارة فأخرجت عشرة دراهم بنية الزكاة، ولم أعين، ومثال آخر عندي خمس من الإبل، وأربعون شاةً فأخرجت شاة بنية الزكاة، ولم أنوها للإبل أو الغنم، فالفقهاء قالوا بالإجزاء، مع أنهم يقولون: تجب في عين المال، لكن لها تعلق بالذمة.
مسألة: لو قال قائل: إن الله تعالى يقول: {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}} [التوبة: 103] وإذا دفعها شخص عن آخر ليرجع بها لم تؤخذ الزكاة من مال صاحبها؟
فالجواب: أن يقال: إن المقصودَ إخراجُ ما يجب، وأما قوله تعالى: {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}} فهو لبيان أن الزكاة فيما يملكه الإنسان.
وَالأَْفْضَلُ أَنْ يُفَرِّقَهَا بِنَفْسِهِ .........
قوله: «والأفضل أن يفرقها بنفسه» أي: الأفضل أن يفرق من تجب الزكاة عليه زكاة ماله بنفسه أي: يباشر ذلك، وذلك لثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن ينال أجر التعب؛ لأن تفريقها عبادة.
الوجه الثاني: أن يبرئ ذمته بيقين، فإن الوكيل قد يتهاون بعض الشيء في إعطائها من لا يستحق أو في المبادرة بصرفها، أو يتهاون فتتلف عنده، أو غير ذلك.
الوجه الثالث: أن يدفع عنه المذمة، لا سيما إذا كان غنياً مشهوراً، ولا يعرف الناس له وكيلاً فيذمونه، ويقولون: إن فلاناً لا يزكي.
وقوله: «الأفضل» يُعلم منه أنه يجوز أن يوكل من يخرجها عنه سواء دفعها الوكيل من ماله، أو أعطاها من تجب عليه الزكاة ليخرجها.
فمثال الصورة الأولى: أن يقول من تجب عليه الزكاة لوكيله: عليّ مائة ريال مقدار زكاتي فأخرجها.
ومثال الصورة الثانية: أن يقول من تجب عليه الزكاة لوكيله: خذ هذه المائة مقدار زكاتي فأخرجها عني.
مسألة: ويجوز دفعها للساعي الذي يأتي من قبل الحكومة بشرط أن نثق أنها تصرف في مصارفها، فإن لم نثق فلا ندفعها، إلا أن نخاف رجوعهم علينا وطلبها إذا لم ندفعها لهم، فندفعها وإن غلب على ظننا أنها لا تصرف في مصارفها.
ويكون الإثم في هذه الحالة على الساعي؛ لأنه لم يصرفها في مصرفها.
وقوله: «يفرقها بنفسه» يتفرع عليه مسألتان هما:
المسألة الأولى: هل الأفضل أن يفرقها سراً أو علانية؟
الصحيح أن ينظر للمصلحة، فإذا كانت المصلحة في الإعلان أعلن، وإذا كانت في الأسرار أسر.
وإن كانت المصلحة في أن يعلن عن زكاة بعض ماله حتى يقتدي الناس به، ثم يسر في زكاة باقي ماله فليفعل؛ لأن الأصل في إخراج المال سواء كانت زكاة أو صدقة الإسرار، حتى لا يقع الإنسان في الرياء، وأنه بذلها ليقال: فلان كريم، وعليه فالمراتب ثلاث:
الأولى: أن يترجح الإظهار كما إذا كان المقام عاماً كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم لما جاءه جماعة من مضر، فجعل الناس يتصدقون علناً وأثنى النبي صلّى الله عليه وسلّم على من ابتدأ بالصدقة، بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» [(181)] ولما فيه من تشجيع الأمة على فعل الخير.
الثانية: أن يترجح الأسرار.
الثالثة: ألا يترجح هذا ولا هذا، فالإسرار أفضل لأمرين:
1 ـ أنه أبعد عن الرياء.
2 ـ أنه أستر لحال المعطى والدليل على هذا أن الله أثنى على المتصدقين الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية.
المسألة الثانية: هل يُعلم المزكي الآخذَ أن هذه زكاة أم لا يعلمه؟
الجواب: فيه تفصيل إذا كان الآخذ معروفاً أنه من أهل الزكاة فلا يخبره؛ لأن في ذلك نوعاً من الإذلال، والتخجيل له.
وإن كان الآخذ لا يُعلَمُ أنه من أهل الزكاة فليخبره المزكي بأن هذا المال زكاة، فإذا كان ذلك الفقير لا يقبل الزكاة لأن بعض الناس عنده عفة لا يقبل الزكاة، فهنا نقول له: هذه زكاة لأنه إذا كان لا يقبلها فإنها لا تدخل ملكه؛ لأنه من شرط التملك القبول وهذا لا يقبل، ونقول لمن يريد نفع هذا الفقير العفيف: أعطه صدقة تطوع وأنت مأجور، أما أَنْ تدخل ملكه ما لا يريده فهذا لا يجوز.
وَيَقُولُ عِنْدَ دَفْعِهَا هُوَ وآخِذُهَا مَا وَرَدَ.........
قوله: «ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد» يحتمل أن تكون «ويقول» منصوبة بالفتحة عطفاً على «يفرق»، ويحتمل الرفع على الاستئناف، أي: يقول المزكي عند دفع زكاته، ومستحق الزكاة عند أخذ الزكاة ـ هو وآخذها ـ فيقول المزكي ما ورد من الآثار والأدعية؛ ومن ذلك:
«اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم» . وقيل: يقول: «اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً» [(182)] وهذا الحديث ضعيف.
أما الآخذ فيقول: «اللهم صل عليك» [(183)] أو يدعو بما يراه مناسباً؛ وذلك لأن الله تعالى قال لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}} [براءة: 103] أي: ادع لهم، ثم علل الله سبحانه وتعالى الصلاة بقوله: {{إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}} أي تسكن قلوبهم ويطمئنون ويرضون.
وَالأَْفْضَلُ إخْرَاجُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ وَلاَ يَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ ..........
قوله: «والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده» وذلك لوجوه:
أولاً: أنه أيسر للمكلف؛ لأن في نقلها من بلد إلى آخر مشقة وكلفة.
ثانياً: أنه أكثر أماناً؛ لأن في السفر عرضة لتلفها.
ثالثاً: أن أهل البلد أقرب الناس إليك، والقريب له حق، الأقربون أولى بالمعروف.
رابعاً: أن فقراء بلدك تتعلق أطماعهم بما عندك من المال، بخلاف الأبعدين، فربما لا يعرفون عنك شيئاً.
خامساً: أنك إذا أعطيت أهل بلدك، يغرس بينك وبينهم بذرة المودة والمحبة، وهذا له أثر كبير للتعاون فيما بين أهل البلد.
وقوله: «في فقراء بلده» ليس على سبيل التعيين بل وغيرهم من المستحقين للزكاة.
وقوله: «الأفضل» يدل على أنَّ إخراجها في غير فقراء بلده جائز، ولكنه مفضول.
وهنا يجب أن تعلم أنه إذا كان الفقراء خارج بلدك أحوج، أو كانوا أقارب فهم أولى، لكن يجب أن تعلم أيضاً أن هذا إذا كان البلد قريباً لا يسمى السَّيْرُ إليه سفراً، أما إذا كان بعيداً فقد قال فيه المؤلف:
«ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة» أي: لا يجوز أن تنقلها إلى بلد بينه وبينك مسافة قصر، وهي على المذهب ثلاثة وثمانون كيلو متراً تقريباً، فالبلد الذي بينك وبينه هذه المسافة لا يجوز أن تنقل زكاة مالك إليه، ولو كان الفقراء فيه أشد حاجة ما دام في بلدك من يستحق الزكاة.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز ولو لمصلحة، أو شدة ضرورة، أو ما أشبه ذلك.
فتبين بذلك أن هناك ثلاثة مواضع:
أولاً: بلدك، وهذا هو الأصل، وهو الأفضل بالنسبة لإخراج الزكاة.
ثانياً: البلد القريب من بلدك، وهذا جائز، لكنه مفضول ما لم يترجح لمصلحة أخرى.
ثالثاً: البلد البعيد الذي فوق مسافة القصر، فهذا لا يجوز.
وهذا الأخير ليس فيه دليل واضح فإنهم استدلوا بحديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ حين بعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن وقال له: «أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» [(184)] والإضافة تقتضي التخصيص؛ أي: فقراء أهل اليمن؛ ولأن الأطماع تتعلق بهذا المال.
وقال بعض العلماء: يجوز نقلها إلى البلد البعيد والقريب للحاجة أو للمصلحة.
فالحاجة مثل ما لو كان البلد البعيد أهله أشدُّ فقراً.
والمصلحة مثل أن يكون لصاحب الزكاة أقارب فقراء في بلد بعيد يساوون فقراء بلده في الحاجة، فإن دفعها إلى أقاربه حصلت المصلحة وهي صدقة وصلة رحم.
أو يكون ـ مثلاً ـ في بلد بعيد طلاب علم حاجتهم مساوية لحاجة فقراء بلده.
وهذا القول هو الصحيح وهو الذي عليه العمل؛ لعموم الدليل: {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}} [التوبة: 60] أي: للفقراء والمساكين في كل مكان.
أما إضافة الضمير «هم» في حديث معاذ فيحتمل أن تكون للجنس؛ أي: فقراء المسلمين، كما هي في قوله تعالى: {{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} ...} إلى أن قال: {{أَوْ نِسَائِهِنَّ}} [النور: 31] ، ويحتمل أن تكون للتعيين والتخصيص، لكن نظراً لأن نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة ـ مثلاً ـ فيه شيء من الصعوبة والمشقة فصار توزيعها في اليمن أرفق وأنفع، وأيضاً ما الدليل على التفريق بين مسافة القصر وغيرها، ما دمت نقلتها عن بلد تتعلق فيها الأطماع؟
فإن قالوا: إن ما دون مسافة القصر في حكم الحاضر، فيقال: هذا في حكم الصلاة.
مسألة: حكم زكاة الفطر حكم زكاة المال بالنسبة للنقل إذا كان هناك حاجة أو مصلحة.
مسألة: قبض عمال الإمام للزكاة من أهلها ونقلهم لها إلى بلد آخر، لا بأس به؛ لأنها قبضت في بلد المزكي، والإمام نائب عن الفقراء.
فَإِنْ فَعَلَ أجزَأت، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ لاَ فُقَرَاءَ فِيهِ فَيُفَرِّقُهَا فِي أقْرَبِ البِلاد إِليهِ........
قوله: «فإن فعل أجزأت» أي: إن نقلها إلى مسافة القصر فأكثر أجزأت، ولكنه يأثم.
فإذا قال قائل: القاعدة عندنا أن المحرم لا يجزئ.
فنقول: التحريم هنا ليس عائداً على الدفع، بل عائد على النقل وإلا فقد دفعت إلى أهلها فتجزئ، ويكون آثماً للنقل.
والتحريم الذي يقتضي الفساد هو ما عاد على عين الشيء مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بعد العصر» [(185)] فإن صلى فلا تصح صلاته إلا ما استثني، فهناك فرق بين أن يتعلق التحريم بنفس العبادة، وأن يتعلق بأمر خارج عنها.
قوله: «إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرقها في أقرب البلاد إليه» هذا مستثنى من قوله: «ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة» .
والضمير في قوله: «إلا أن يكون» يعود إلى «المال» بدليل قوله: «والأفضل إخراج زكاة كل مال» ، يعني إلا أن يكون المال في بلد لا فقراء فيه.
وقوله: «لا فقراء» هذا مبني على الأغلب، والعبارة العامة أن يقول: إلا أن يكون في بلد لا مستحق للزكاة فيه، من أجل أن يشمل جميع الأصناف؛ لأنه قد لا يكون فيه فقراء، ويكون فيه مستحق بغير الفقر.
وقوله: «فيفرقها» : بالرفع؛ لأن الفاء هنا استئنافية، وليست عاطفة، والمراد به من عليه الزكاة.
وقوله: «في أقرب البلاد إليه» : وجه ذلك أنه عدم المستحق في الموضع الذي يجب فيه دفع الزكاة فسقط الوجوب فيه، فيفرقها في أقرب البلاد إليه؛ لأن الأقربين أحق من الأباعد، وكما لو قطعت الكف فإنه يسقط السجود عليه في حال الصلاة؛ لأن المحل الذي يجب السجود عليه قد زال، ويحتمل أن نقول: يجب عليه أن يضع طرف الذراع على الأرض؛ لأن المقصود هو الخضوع لله عزّ وجل.
وظاهر قول المؤلف: «يفرقها في أقرب البلاد إليه» وجوب ذلك، وهذا الذي مشى عليه الأصحاب.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا تعذر في بلده فإنه يفرقها حيث شاء؛ لأنه سقط الأصل، وإذا سقط الأصل لم يتعين شيء، ولأن أهل البلد أغنياء لا تتعلق أطماعهم بالمال، وغير أهل البلد لا يعلمون عنه شيئاً، ونظير ذلك أن المرأة المحد يلزمها البقاء في بيتها، فإذا جاز لها الانتقال عن البيت لضرورة فإنها تعتد حيث شاءت، ولا يلزمها أن تعتد في أقرب بيت إلى بيتها الأول.
وقال بعضهم: تكون في أقرب بيت إلى بيتها الأول، كالزكاة إذا تعذر المكان الأصلي صرفت في أقرب بلد.
والمذهب يفرقون بين المسألتين فالحاد تعتد حيث شاءت، وفي مسألة الزكاة إذا لم يكن في البلد فقراء تفرق في أقرب البلاد، وسبق أن قلنا: إن الراجح في هذه المسألة أنه يجوز نقلها للحاجة أو للمصلحة.
وعلم من قوله: «فيفرقها» أن مؤونة النقل على صاحب المال، لا من الزكاة، فإذا قدر أن الزكاة لا تحمل إلى هذا البلد الذي فيه الفقراء إلا بمؤونة، فلا تخصم المؤونة من الزكاة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد وجب عليه إخراج الزكاة فيجب أن يوصلها إلى مستحقيها.
فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ، وَمَالُهُ فِي آخَرَ أخْرَجَ زَكَاةَ المال فِي بَلَدِهِ، وَفِطْرَتَهَ فِي بَلَدٍ هُوَ فِيهِ، وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ لِحَوْلَيْنِ فَأَقَلَّ،.........
قوله: «فإن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده، وفطرته في بلد هو فيه» أي: إذا كان صاحب المال في بلد، وماله في بلد آخر، ولا سيما إذا كان المال ظاهراً كالمواشي والثمار، فإنه يخرج زكاة المال في بلد المال، ويخرج فطرة نفسه في البلد الذي هو فيه؛ لأن زكاة الفطر تتعلق بالبدن، والمال زكاته تتعلق به، فالذين يذهبون إلى العمرة في رمضان ويبقون إلى العيد الأفضل أن يؤدوا الزكاة في مكة، وكما أنه الأفضل من حيث الإخراج فهو الأفضل من حيث المكان؛ لأن مكة أفضل من كل بلد وأيضاً من حيث الأهل؛ لأن الغالب أن الفقراء في مكة أكثر وأحوج.
مثال ذلك: رجل ساكن في مكة، وأمواله التي يتجر بها في المدينة، فنقول له: أخرج زكاة المال في المدينة، وفطرتك في مكة؛ لأن زكاة المال تبع للمال، والفطرة تابعة للبدن.
قوله: «ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل» الأقل من الحولين هو حول واحد، أي: يجوز للإنسان أن يعجل الزكاة قبل وجوبها، لكن بشرط أن يكون عنده نصاب، فإن لم يكن عنده نصاب، وقال: سأعجل زكاة مالي؛ لأنه سيأتيني مال في المستقبل، فإنه لا يجزئ إخراجه؛ لأنه قدمها على سبب الوجوب، وهو ملك النصاب.
وهذا مبني على قاعدة ذكرها ابن رجب ـ رحمه الله ـ في القواعد الفقهية، وهي (أن تقديم الشيء على سببه ملغى، وعلى شرطه جائز)[(186)].
مثال ذلك: رجل عنده (190) درهماً فقال: أريد أن أزكي عن (200) فلا يصح؛ لأنه لم يكمل النصاب فلم يوجد السبب، وتقديم الشيء على سببه لا يصح.
فإن ملك نصاباً، وقدمها قبل تمام الحول جاز؛ لأنه قدمها بعد السبب وقبل الشرط؛ لأن شرط الوجوب تمام الحول.
ونظير ذلك لو أن شخصاً كفر عن يمين يريد أن يحلفها قبل اليمين ثم حلف وحنث، فالكفارة لا تجزئ؛ لأنها قبل السبب، ولو حلف وكفر قبل أن يحنث أجزأت الكفارة؛ لأنه قدمها بعد السبب وقبل الشرط.
والدليل على جواز تعجيل الزكاة أثري، ونظري.
أما الأثري: فما رواه أبو عبيد في الأموال بإسناده عن علي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم تعجل من العباس صدقة سنتين[(187)].
أي: قدم زكاة سنتين، ويعضده ما ثبت في الصحيحين «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعث عمر على الصدقة فرجع ومن معه فقالوا: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس بن عبد المطلب، أي: أبوا أن يعطوا السعاة الزكاة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما خالد فإنكم تظلمون خالداً فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما ابن جميل فما ينقم إلا أن كان فقيراً فأغناه الله» وهذا من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح وهو أسلوب معروف ومنه قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب
«وأما العباس فهي علي ومثلها» [(188)].
لكن هذا الحديث هل المعنى فيه أن العباس قد عجل الصدقة سنتين، أو أن المعنى أن العباس ـ رضي الله عنه ـ لما كان ظاهرُ منْعِهِ احتماءَهُ بقرابته من النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأراد أن يضاعف الغرم عليه، ويكون هذا مثلَ قولِهِ فيمن منع الزكاة: «إنا آخذوها وشطر ماله» [(189)]؟
الجواب: الذي يظهر لي هو الثاني؛ لأن العباس ـ رضي الله عنه ـ لو كان قد عجل الصدقة لقال للسعاة: إنني قد أخرجتها أو قدمتها، ولا يقولون: منع العباس، وكانت هذه السياسةُ سياسةَ عدلٍ، وعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان من سياسته إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله، وقال لهم: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم ـ أي: إن الطير إذا رأى اللحم انقض عليه ـ وإني لا أعلم أن أحداً منكم عمل هذا إلا أضعفت له العقوبة، فيعاقب الناس مرة وقرابته مرتين؛ لأن هؤلاء سوف يحتمون بقرابتهم منه، وفي القرآن الكريم ما يشير إلى هذا قال الله تعالى: {{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}} [الأحزاب: 30] .
فالحاصل أن الذي يظهر لي: أن قوله في العباس رضي الله عنه: «هي علي ومثلها» من باب التضعيف عليه لكونه احتمى بقرابته من النبي صلّى الله عليه وسلّم، أما حديث أبي عبيد فإن صح فهو دليل مستقل لا علاقة له بهذه القصة.
وأما الدليل النظري؛ فلأن تعجيل الزكاة من مصلحة أهل الزكاة، وتأخيرها إلى أن يتم الوجوب من باب الرفق بالمالك، وإلا وجب عليه أن يخرج زكاته من حين ملك النصاب، كما وجب عليه إخراج زكاة الزرع من حين حصاده، فإذا كان هذا من باب الرفق بالمالك، ورضي لنفسه بالأشد، فلا مانع.
وقوله: «لحولين فأقل» يفهم منه أنه لا يجوز تعجيل الزكاة لأكثر من حولين.
وَلاَ يُسْتَحَبُّ........
قوله: «ولا يستحب» أي: لا يستحب تعجيل الزكاة؛ لأن الزكاة إنما تجب عند تمام الحول فإخراجها عند تمام الحول أرفق بالمالك؛ ولأنه ربما ينقص النصاب، أو يتلف ماله كله قبل تمام الحول، فلا تجب عليه الزكاة، فكان الأفضل ألا يعجلها.
ولكن نفي الاستحباب لا يقتضي عدم ثبوته لسبب شرعي، مثل أن تدعو الحاجة للتعجيل كمعونة مجاهدين، أو لحاجة قريب، أو ما أشبه ذلك، فهنا استحباب تعجيلها ليس لذاته، وإنما لغيره، وهو السبب الطارئ الذي صارت المصلحة في تقديم الزكاة من أجله.
مسألة: لو عجل الزكاة لعام معين ثم نقص النصاب بعد التعجيل وقبل تمام الحول، فإن ذلك يكون تطوعاً ولا يجزئه عن غيره من الأعوام؛ لأنه نواه لذلك العام.
ولو عجل الزكاة ثم زاد النصاب فإنه تجب الزكاة في الزيادة أيضاً.
مسألة: لو أجبر على دفع المكوس والضرائب فهل يدفعها بنية الزكاة؟
فيه خلاف بين العلماء:
ـ منهم من قال: يجوز أن يدفعها بنية الزكاة.
ـ وقال آخرون: لا يجوز؛ لأن هذا مما أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالصبر عليه، وإذا نوى الزكاة فإنه يدفع بذلك عن ماله فلا يتحقق له الصبر، وهذا هو الأقرب.
---------------------------------
[168] أخرجه مسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1211) (130) عن عائشة رضي الله عنهما.
[169] أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في الجهاد... (2731)؛ عن المسور بن مخرمة ومروان رضي الله عنهما.
[170] أخرجه البخاري في الوصايا/ باب الوصايا (2738)؛ ومسلم في الوصية/ باب وصية الرجل مكتوبة عنده (1627) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[171] أخرجه ابن ماجه في الطلاق/ باب طلاق المكره والناسي (2043) عن أبي ذر رضي الله عنه، وأخرجه عن ابن عباس (2045) بلفظ وضع، وصححه ابن حبان (7219).
[172] أخرجه مسلم في الإيمان/ باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار (203) عن أنس رضي الله عنه.
[173] أخرجه البخاري في استتابة المرتدين/ باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (6922) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
[174] أخرجه البخاري في الإكراه/ باب يمين الرجل لصاحبه... (6952) عن أنس رضي الله عنه.
[175] أخرجه أحمد (5/2، 4) وأبو داود في الزكاة/باب زكاة السائمة (1575)؛ والنسائي في الزكاة/ باب عقوبة مانع الزكاة (5/17)، وصححه ابن خزيمة (2266) والحاكم (1/397، 398).
[176] أخرجه مسلم في الحدود/ باب حد الخمر (1706) عن أنس رضي الله عنه وأخرجه البخاري في الحدود/ باب الضرب بالجريد والنعال (6779) عن السائب بن يزيد رضي الله عنه بمعناه.
[177] أخرجه أبو داود في الحدود/ باب في المجنون يسرق... (4398)، والنسائي في الطلاق/ باب من لا يقع طلاقه... (6/156)؛ والترمذي في أبواب الحدود/ باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد (1423) عن علي رضي الله عنه، وصححه ابن خزيمة (1003) وابن حبان (143).
[178] سبق تخريجه ص(15).
[179] سبق تخريجه ص(41).
[180] سبق تخريجه ص(165).
[181] أخرجه مسلم في الزكاة/ باب الحث على الصدقة... (1017) عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه.
[182] لما روى أبو هريرة مرفوعاً: «إذا أعطيتم الزكاة، فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً» أخرجه ابن ماجه في الزكاة/ باب ما يقال عند إخراج الزكاة (1797).
وقال البوصيري: «هذا إسناد ضعيف، البختري متفق على تضعيفه، والوليد مدلس».
[183] لما روى ابن أبي أوفى قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صلِّ على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صلِّ على أبي أوفى».
أخرجه البخاري في الزكاة/ باب صلاة الإمام... (1497)؛ ومسلم في الزكاة/ باب الدعاء لمن أتى بصدقة (1078).
[184] سبق تخريجه ص(15).
[185] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة/ باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس (586) ومسلم في الصلاة/ باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها (827) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[186] قواعد ابن رجب ص(6).
[187] أخرجه أبو عبيد في الأموال (1885)؛ انظر: «التلخيص» (833).
وأخرجه أحمد (1/104)؛ وأبو داود في الزكاة/ باب في تعجيل الزكاة (1624)؛ والترمذي في الزكاة/ باب ما جاء في تعجيل الزكاة (678)؛ وابن ماجه في الزكاة/ باب تعجيل الزكاة قبل محلها (1795)؛ والحاكم (3/332)؛ بلفظ: «أن العباس سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك».
وقال الحاكم: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.
[188] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب قول الله تعالى {{وَفِي الرِّقَابِ}} (1468)؛ ومسلم في الزكاة/ باب في تقديم الزكاة ومنعها (983) عن أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ لمسلم.
[189] سبق تخريجه ص(200).
|