المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد السادس
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد السادس
باب أهل الزكاة
 

 

بَابُ أَهْلُ الزَّكَاة

 

قوله: «أهل الزكاة» .

الأهل بمعنى المستحق أي: المستحقين لها، واعلم أن الله بحكمته قد يعين المستحقَ وما يستحِقُّ، وقد يعين المستحِقَّ دون ما يستحِقُّ، وقد يعين ما يُسْتَحَقُّ دون من يَستَحِقُّ.

مثال الأول: الفرائض فقد عين الله المستحقين وما يستحقون، وكذلك فدية الأذى فقد عين الله المستحقين وما يستحقون «ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» [(190)].

مثال الثاني: أهل الزكاة، فقد عينهم الله، ولم يقل: أعطوا هذا كذا وكذا، أو اقسموها بين جميع الأصناف الثمانية.

مثال الثالث: الكفارات: كفارة اليمين، والظهار وما أشبه ذلك.

 

ثَمَانِيَةٌ: الفُقَرَاءُ، وَهُمْ: مَنْ لاَ يَجِدُونَ شَيْئاً، أوْ يَجِدُونَ بَعْضَ الكِفَايَةِ،....

قوله: «ثمانية» أي: هم ثمانية أصناف على سبيل الحصر، وجاء هذا الحصر في القرآن، قال الله تعالى: {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ}} [التوبة: 60] .

وقوله: «ثمانية» يستفاد منه أنه لا يجوز أن تصرف في غيرهم، لأن الحصر يقتضي إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عمن سواه، فلا يجوز صرف الزكاة في بناء المساجد، ولا في بناء المدارس، ولا في إصلاح الطرق، ولا غير ذلك، لأن الله فرضها لهؤلاء الأصناف فقال: {{فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}} [التوبة: 60] .

قوله: «الفقراء، وهم من لا يجدون شيئاً أو يجدون بعض الكفاية» «الفقراء» بدأ بهم المؤلف اقتداء بابتداء الله بهم، والفقراء هنا من يجدون أقل من النصف أو لا يجدون شيئاً.

وكيف يمكن أن نعرف هذا، فالإنسان قد يقدر أن نفقته في السنة عشرة آلاف ريال، ثم تزداد الأسعار فتكون النفقة خمسة عشر ألفاً أو عشرين ألفاً؟

الجواب: أن الإنسان يقدر الكفاية العرفية حسب ما يظهر الآن، لا بحسب الواقع لأنه مستقبل والمستقبل عند الله، فإذا جد شيء فلكل حادث حديث.

ويمكن أن يقدر ذلك أيضاً براتب شهري، فإذا كان ما يتقاضاه سنوياً خمسة آلاف، وهو ينفق في السنة عشرة آلاف، فإنه في هذه الحال مسكين؛ لأنه يجد نصف نفقته، وإذا كان راتبه السنوي أربعة آلاف ومصروفه عشرة آلاف فهو فقير، فإن لم يكن عنده وظيفة أو عمل فهو فقير.

وسمي الفقير فقيراً؛ لأنه خالي اليد، وأصلها من القفر وهو مطابق للفقر في الاشتقاق الأوسط بموافقة الحروف مع اختلاف الترتيب، وهي الأرض الخالية من السكان.

وقوله: «الكفاية» المعتبر ليس كفاية الشخص وحده، بل كفايته وكفاية من يمونه، والمعتبر، ليس فقط ما يكفيه للأكل والشرب، والسكنى، والكسوة، فحسب، بل يشمل حتى الإعفاف، أي: النكاح، فلو فرض أن الإنسان محتاج إلى الزواج، وعنده ما يكفيه لأكله، وشربه، وكسوته، وسكنه، لكن ليس عنده ما يكفيه للمهر، فإننا نعطيه ما يتزوج به ولو كان كثيراً.

وإذا كان رجل عنده ما يكفيه، لأكله، وشربه، وسكنه، وكسوته، ولكنه طالب علم يحتاج إلى كتب تشترى له، فإننا نعطيه ما يحتاج إليه فقط من الكتب؛ لأنه إذا كان يعطى لغذائه البدني، فيعطى أيضاً لغذائه الروحي والقلبي، ولكن لا يعطى ليؤثث مكتبة كبيرة، بل لسد حاجته في طلب العلم فقط.

ولو أن عنده ما يكفيه للأكل، والشرب، والسكن، والنكاح، لكنه يحتاج إلى سيارة فإننا ندفع له أجرة يكتري بها سيارة، ولا نشتريها له؛ لأننا إذا اشتريناها له اشتريناها بثمن كثير، وهذا الثمن يمكن أن نعطيه فقيراً آخر.

مسائل:

الأولى: أن الفقير يعطى كفايته إلى نهاية العام؛ لأن الزكاة تتجدد كل سنة، ولو قيل: إنه يعطى إلى أن يصبح غنياً ويزول عنه وصف الفقر لكان قولاً قوياً، وكذلك القول في المسكين.

الثانية: نص الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ على أن من عنده عقار يتضرر لو باعه ويستغل منه أدنى من كفايته، فإنه يعطى كفايته، ولا يلزم ببيعه؛ لأن زكاة الناس لن تدوم له كل سنة.

وذكر في «الروض»[(191)] مسألة مهمة وهي:

رجل قادر على التكسب، لكن ليس عنده مال، ويريد أن يتفرغ عن العمل لطلب العلم، فهذا يعطى من الزكاة لنفقته؛ لأن طلب العلم نوع من الجهاد في سبيل الله، هكذا قال الفقهاء هنا، وقالوا: إذا تفرغ قادر على التكسب للعلم فإنه يعطى؛ لأن طلب العلم نوع من الجهاد في سبيل الله.

وهذا يؤيد ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ من جواز أخذ الرهان في العلم أي: تعايا رجلان في مسألة، فقال أحدهما: سنجعل جعلاً للمصيب؛ فإن أصبت أنا أعطني مائة، وإن أصبت أنت أعطيتك مائة.

فالمشهور عند الفقهاء أنه لا يجوز، وأنه لا يجوز السبق إلا في ثلاثة أشياء: الإبل، والخيل، والسهام، ولكن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ قال: ويجوز أيضاً في طلب العلم؛ لأن العلم من أنواع الجهاد، وقد جعله الله قسيماً للجهاد في قوله تعالى: {{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ *}} [التوبة] : والصحيح ما قاله شيخ الإسلام.

مسألة: لو أن رجلاً يستطيع العمل، ولكنه يحب العبادة يحب أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأن يقوم ثلث الليل وأن يتعبد بالصلاة فهذا لا نعطيه؛ لأن العبادة نفعها قاصر على المتعبد، بخلاف العلم، ولهذا يقال: إن موت عالم أحب إلى الشيطان من موت ألف عابد، وذلك أنه يقال: إن جنود الشيطان قالوا له: لماذا تفرح بموت العالم، ولا تفرح بموت العابد؟ قال: سأريكم، فأرسل إلى العابد وسأله هل يقدر الله أن يجعل السماوات والأرضين في بيضة؟ فقال العابد: لا يقدر.

وأرسل إلى العالم وسأله نفس السؤال، فقال العالم: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون.

 

وَالْمَسَاكِينُ: يَجِدُونَ أكْثَرَهَا أوْ نِصْفَهَا،.........

قوله: «المساكين» جمع مسكين، ووصفوا بهذا الوصف؛ لأن الفقر أسكنهم أي: أذلهم، وهذا لا يقتضي الخلو، بل يقتضي أن الحاجة أسكنته، والغالب أن الغني يكون له عزة، وحركة، بخلاف المسكين فإنه قد أسكنه الفقر، فأذله، فلا يتكلم، ولا يرى لنفسه حظاً.

قوله: «يجدون» يحسن أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير «هم يجدون»، ولنا أن نقول: «المساكين» مبتدأ و «يجدون» خبر، ولكن يعارض هذا أن «المساكين» خبر لمبتدأ مقدر، وهو «الثاني المساكين».

قوله: «أكثرها» أي: أكثر الكفاية.

قوله: «نصفها» أي: نصف الكفاية، أما الذي يجدها كلها فهو غني ليس له حق في الزكاة.

مسألة: الفقراء أكثر حاجة من المساكين، ويمكن أن يؤخذ ذلك من أن الله بدأ بهم في الآية وإنما يُبدأ بالأهم فالأهم، ويؤخذ أيضاً من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين دنا من الصفا: «أبدأ بما بدأ الله به»[(192)] {{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}} [البقرة: 158] وفي هذا دلالة على أن الواو قد تقتضي الترتيب لا باعتبار ذاتها ولكن بتقديم المعطوف عليه ما يدل على أنه أولى.

 

وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ جُبَاتُهَا وَحُفَّاظُهَا.........

قوله: «والعاملون عليها» هنا قال: «العاملون عليها» ولم يقل: العاملون فيها، أو العاملون بها.

فالعامل مشتق يتعدى بالباء، ويتعدى بعلى، ويتعدى بفي.

ولنضرب أمثلة يتضح بها الفرق:

فمثلاً: شخص قيل له: اتجر بهذه الدراهم، ولك نصف الربح، فهذا عامل بها.

مثال ثانٍ: شخص استؤجر لتنظيف البيت فهذا عامل فيه.

مثال ثالث: شخص وكلناه لتأجير هذا البيت، والنظر فيه، وفعل ما يصلحه، فهذا عامل عليه.

فالعاملون عليها هم الذين تولوا عليها، فالعمل هنا عمل ولاية، وليس عمل مصلحة أي: الذين لهم ولاية عليها، ينصبهم ولي الأمر.

وهم الذين ترسلهم الحكومة لجمع الزكاة من أهلها، وصرفها لمستحقيها، فهم ولاة وليسوا أجراء، وإنما قلت هذا لأجل أن يفهم أن من أعطي زكاة ليوزعها فليس من العاملين عليها بل هو وكيل عليها أو بأجرة؛ ولهذا فإن الزكاة إذا تلفت عند العاملين عليها فإن ذمة المزكي بريئة منها، وأما إذا تلفت عند الموكل في التوزيع فلا تبرأ ذمة الدافع.

والمؤلف ـ رحمه الله ـ أطلق، فقال: «العاملون عليها» كما جاء في القرآن، فلا يشترط أن يكونوا فقراء، بل يعطون ولو كانوا أغنياء؛ لأنهم يعملون لمصلحة الزكاة، فهم يعملون للحاجة إليهم، لا لحاجتهم، فإذا انضم لذلك أنهم فقراء، ونصيبهم من العمالة لا يكفي لمؤونتهم ومؤونة عيالهم، فإنهم يأخذون بالسببين، أي: يعطون للعمالة، ويعطون للفقر.

قوله: «وهم جباتها وحفاظها» وكذلك الموكلون بقسمتها؛ لأنهم كلهم يعملون عليها.

والجباة: جمع جابٍ، وهم الذين يأخذونها من أهلها.

والحفاظ: الذين يقومون على حفظها.

والقاسمون لها: الذين يقسمونها في أهلها.

فالزكاة تحتاج إلى ثلاثة أشياء: جباية، وحفظ، وتقسيم، فالذين يشتغلون في هذه هم العاملون عليها.

أما الرعاة فهم من العاملين فيها، وليسوا من العاملين عليها، ولذلك لا يعطون على أنهم من أهل الزكاة، ولكن يعطون من الزكاة بكونهم أجراء.

مسألة: ما قدر ما يعطى العامل عليها؟

قال أهل العلم: يعطى الأقل من أجرته أو كفايته، والصحيح أنه يعطى قدر الأجرة مطلقاً؛ لأنه يعطى للحاجة إليه فيستحق قدر الأجرة مطلقاً، فإن كانت قدر كفايته فقد كفته وإن كانت أقل من كفايته أخذ للعمالة وأعطي لفقره.

 

الرابع المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُم، مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلاَمُهُ، أَوْ كَفُّ شَرِّهِ، أَوْ يُرجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ........

قوله: «الرابع المؤلفة قلوبهم» «المؤلفة» اسم مفعول، و«قلوب» نائب فاعل؛ لأن اسم المفعول بمنزلة الفعل المبني للمجهول، أي: الذين يعطون لتأليف قلوبهم.

قوله: «ممن يرجى إسلامه، أو كف شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه» فهم الذين يطلب تأليف قلوبهم على هذه الأمور المذكورة وهي:

الأول: الإسلام؛ بحيث يكون كافراً، لكن يرجى إسلامه إذا أعطي من الزكاة، فيعطى من الزكاة؛ لأن هذا فيه حياة قلبه، وحياته في الدنيا والآخرة، فإذا كان الفقير يعطى منها لإحياء بدنه، فإعطاء الكافر الذي يرجى إسلامه من باب أولى، ولو كان غنياً.

وعلم من قوله: «يرجى إسلامه» ، أن من لا يرجى إسلامه من الكفار فإنه لا يعطى أملاً في إسلامه، بل لا بد أن تكون هناك قرائن توجب لنا رجاء إسلامه، مثل أن نعرف أنه يميل إلى المسلمين، أو أنه يطلب كتباً أو ما أشبه ذلك، والرجاء لا يكون إلا على أساس؛ لأن الراجي للشيء بلا أساس إنما هو متخيل في نفسه.

الثاني: أن يرجى كف شره، بأن يكون شريراً على المسلمين وعلى أموالهم، وأعراضهم، كقطع الطريق أو التحريض عليهم أو إفساد ذات البين وما أشبه ذلك، فيعطى لكف شره، فإن استطعنا كف شره بالقوة فلا حاجة إلى إعطائه.

الثالث: أن يرجى بعطيته قوة إيمانه بحيث يكون رجلاً ضعيف الإيمان عنده تهاون في الصلاة، وفي الصدقة، وفي الزكاة، وفي الحج، وفي الصيام، ونحو ذلك.

والعلة أنه إذا كان يعطى لحفظ البدن وحياته، فإعطاؤه لحفظ الدين وحياته من باب أولى.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا يشترط أن يكون سيداً مطاعاً في عشيرته، والمذهب أنه يشترط أن يكون سيداً مطاعاً في عشيرته.

1 ـ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما أعطى المؤلفة قلوبهم إنما أعطى الكبراء والوجهاء في عشائرهم وقبائلهم ولم يعط عامة الناس.

2 ـ ولأن الواحد من عامة الناس لا يضر المسلمين عدم إيمانه أو ضعف إيمانه، ولا يضر المسلمين شره؛ لأنه من الممكن أن نحبسه أو نضربه أو نقيم الحد عليه، بخلاف الكبراء والوجهاء فإنه قد يتعذر ذلك في حقهم، فيعطون من الزكاة لتأليف قلوبهم.

وهذا ظاهر في بعض المسائل التي عدها المؤلف؛ وهي كف الشر، فمثلاً كف الشر إذا كان من واحد غير ذي أهمية وليس مطاعاً وليس سيداً فإننا لا نحتاج أن نعطيه من الزكاة.

أما قوة الإيمان ورجاء الإسلام، فالقول بأنه يعطى من لم يكن سيداً مطاعاً في عشيرته لذلك، قول قوي ودليل ذلك أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يعطي الذين أسلموا وأمن شرهم ليزداد إيمانهم، حتى صرّح بأنه يعطي أقواماً، وغيرهم أحب إليه مخافة أن يكبهم الله في النار[(193)].

والعلة فيه أن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من حفظ الصحة وإحياء البدن، ورأيت كلاماً لشيخ الإسلام في مختصر الفتاوى المصرية ظاهره، أنه يجوز أن يعطى المؤلف ولو لمصلحته الخاصة، وعلل بأنه إذا كان الفقير يعطى لقوت بدنه فضعيف الإيمان أحوج إلى الإعانة.

وقوله: «ممن يرجى إسلامه» لو قال قائل: ماذا نعطيه؟ هل نعطيه كثيراً أو قليلاً؟

فالجواب: يقال: الحكم معلق بوصف يثبت ما دام الوصف باقياً، فيعطى من الزكاة ما يتحقق تأليفه به، فإذا مال إلى الإسلام مثلاً وعرفنا منه قوة الإيمان، أو كف شره إذا كان من السادة المطاعين في عشائرهم، فإننا لا نعطيه؛ لأن ما علق بوصف يثبت بثبوته، ويزول بزواله.

وهل يُعطى هؤلاء لحاجتهم أو للحاجة إليهم؟

الجواب: منهم من يعطى لحاجته، ومنهم من يعطى لحاجة المسلمين إليه.

فمن يعطى لكف شره هذا ليس لحاجته، بل لحاجتنا لدفع شره.

ومن يعطى لقوة إيمانه أو رجاء إسلامه، فهذا يعطى لحاجته لكن ليست لحاجة النفقة والمال، بل لحاجة أخرى، وهي قوة إيمانه، ورجاء إسلامه.

 

الخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمْ المُكَاتَبُونَ وَيُفَكُّ مِنْهَا الأسِيرُ المُسْلِمُ.

قوله: «الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون» .

لقوله تعالى: {{وَفِي الرِّقَابِ}} [التوبة: 60] والرقاب جمع رقبة، والمراد بها الأرقاء فتصرف الزكاة في الأرقاء.

ولكن هل معنى ذلك أننا نعطي الرقيق مالاً؟

الجواب: لا، معناه ما ذكره المؤلف بقوله: «وهم المكاتبون» ، والمكاتبون هم الذين اشتروا أنفسهم من أسيادهم، وهو مأخوذ من الكتابة؛ لأن هذا العقد تقع فيه الكتابة بين السيد والعبد.

وكم يعطى؟

الجواب: يعطى ما يحصل به الوفاء.

مثاله: اشترى عبدٌ نفسه من سيده بعشرة آلاف، يدفع منها خمسة بعد ستة أشهر، وخمسة بعد ستة أشهر أخرى، فهنا نعطيه خمسة آلاف للأجل الأول، وخمسة آلاف للأجل الثاني.

والمكاتب يجوز أن نعطيه بيده فيوفي سيده، ويجوز أن نعطي سيده قضاء عنه؛ لأن الله تعالى قال: {{وَفِي الرِّقَابِ}} و«في» ظرفية ولم يقل: وللرقاب، بخلاف الفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، فإن هؤلاء يعطون تمليكاً بأيديهم؛ لأن استحقاقهم كان باللام واللام للتمليك.

وأما الرقاب فجاء استحقاقهم بـ«في» الدالة على الظرفية، ولا يشترط فيها التمليك، فيجوز أن نذهب إلى السيد ونقول: قد كاتبت عبدك على عشرة آلاف، فهذه عشرة آلاف، وإن لم يعلم العبد.

فائدة: لو أعطينا المكاتب مالاً ليؤدي دين كتابته ثم اغتنى قبل أن يؤدي الكتابة فإنه يرد المال إلينا.

قوله: «ويفك منها الأسير المسلم» .

الأسير فعيل، أي: مفعول، كجريح بمعنى مجروح، فأسير بمعنى مأسور.

والأسر تارة يكون بالقتال، وتارة يكون بالاغتصاب، وهو ما يسمى في العرف الاختطاف، فمن اختطف فهو أسير يفك من الزكاة.

لكن المؤلف اشترط أن يكون مسلماً، فلو أسر معاهد أو ذمي فإنه لا يجوز أن يعطى من الزكاة في فكه؛ لأن حرمته أدنى من حرمة المسلم.

وقوله: «يفك منها الأسير المسلم» .

إذا قال قائل: هذا خلاف ظاهر الآية؛ لأن الرقيق في اللغة العربية اسم للعبد الرقيق كقوله تعالى: {{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}} [النساء: 92] فكيف يفك منها الأسير؟

فالجواب: الذين قالوا بجواز ذلك عللوا بما يلي:

أولاً: أن في ذلك دفعاً لحاجته، كدفع حاجة الفقير.

ثانياً: أنه إذا جاز أن يفك العبد من رق العبودية، ففك بدن الأسير أولى؛ لأنه في محنة أشد من رق العبودية، وهي محنة الأسر، وأنه معرض للقتل؛ لا سيما إن هدد الآسر بقتله إن لم يدفع إليه مالاً.

ومن الذي يعطى المال عند فك الأسير؟

الجواب: نعطيه الآسرين.

هذان نوعان من الرقاب، وبقي نوعان هما:

النوع الأول: أن نشتري من الزكاة رقيقاً فنعتقه، فهذا جائز؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: {{وَفِي الرِّقَابِ}} [التوبة: 60] فيشمل هذه الصورة، ولا سيما إذا كان هذا عند سيد يؤذيه أو عند سيد لا يؤمن عليه فإنه يشترى من الزكاة ويعتق.

النوع الثاني: إذا كان عند الإنسان عبد فيعتقه من الزكاة فهذا لا يجزئ؛ لأنه هنا بمنزلة إسقاط الدين عن الزكاة، أي: بمنزلة أن يكون للإنسان دين عند شخص فقير، فيسقطه عنه ويحسبه من الزكاة، فهذا لا يجوز.

فصار عندنا أربعة أنواع هي:

1 ـ المكاتب.

2 ـ الأسير المسلم.

3 ـ رقيق يشترى فيعتق، هذه الصور الثلاث جائزة.

4 ـ رقيق يعتقه سيده فيحسبه من الزكاة، فهذا لا يجوز.

وكذلك الغريق إذا لم يجد من يخرجه إلا بمال فالظاهر أننا نعطيه من الزكاة لأنه يشبه الأسير؛ لأن المسألة عند أهل العلم لا تختص بالأرقاء، فالظاهر أنها تشمل كل ما فيه إنجاء.

قوله: «السادس: الغارم لإصلاح ذات البين» .

الغارم هو من لحقه الغرم، وهو الضمان والإلزام بالمال، وما أشبه ذلك.

والغارم نوعان هما:

الأول: غارمٌ لإصلاح ذات البين.

والثاني: غارمٌ لنفسه.

فالأول يعطى من الزكاة بمقدار ما غرم، ولو كان غنياً.

وأما الثاني فيوافى عند الدين إذا لم يقدر على وفائه.

وقوله: «لإصلاح ذات البين» .

البين: هو الوصل، وقيل: القطيعة، فيكون من باب الأضداد، واللغة العربية غنية أحياناً، وفقيرة أحياناً.

تكون غنية في الأسماء المترادفة بحيث يكون للمعنى عدة ألفاظ.

وتكون فقيرة في الألفاظ المشتركة إذا كان اللفظ واحداً وله عدة معان، وهذا يعني فقرها حيث تواردت المعاني المتعددة على لفظ واحد.

فالبين: يجوز أن يكون من البينونة، وهي الانفصال، فيكون المعنى إصلاح القطع.

ويجوز أن يكون من الوصل يعني إصلاح ذات الوصل، أي: ما يحتاج إلى وصل.

وعلى كل حال «إصلاح ذات البين» أن يكون بين جماعة وأخرى عداوة وفتنة فيأتي آخر ويصلح بينهم، لكن قد لا يتمكن من الإصلاح إلا ببذل المال، فيقول: أنا ألتزم لكل واحدة منكم بعشرة آلاف ريال بشرط الصلح، ويوافقون على ذلك، فيعطى هذا الرجل من الزكاة ما يدفعه في هذا الإصلاح، فيعطى عشرين ألفاً.

وإذا وفى من ماله فإنه لا يعطى؛ لأنه إذا وفى من ماله لا يكون غارماً، فليس عليه دين الآن.

ولكن ينبغي التفصيل فيقال: يُعْطَى من الزكاة في حالين:

1 ـ إذا لم يوف من ماله؛ فهنا ذمته مشغولة، فلا بد أن نفكه.

2 ـ إذا وفى من ماله بنية الرجوع على أهل الزكاة؛ لأجل ألا نسدَّ باب الإصلاح، وقد قال الله تعالى: {{لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}} [النساء: 114] ؛ ولأن الحال قد تقتضي الدفع فوراً.

وفي حالين لا يعطى فيهما من الزكاة:

1 ـ إذا دفع من ماله بنية التقرب لله؛ لأنه أخرجه لله فلا يجوز الرجوع فيه.

2 ـ إذا دفع من ماله ولم يكن بباله الرجوع على أهل الزكاة.

قوله: «ولو مع غنى» .

أي: أن الغارم للإصلاح يعطى من الزكاة، ولو كان غنياً؛ لأننا نعطيه هنا للحاجة إليه؛ ومن أعطي للحاجة إليه فإنه لا يشترط أن يكون فقيراً.

قوله: «أو لنفسه مع الفقر» .

النوع الثاني من أنواع الغارم، الغارم لنفسه؛ أي: لشيء يخصه، فهذا نعطيه مع الفقر، والفقر هنا ليس كالفقر في الصنف الأول، فالفقر هنا العجز عن الوفاء، وإن كان عنده ما يكفيه ويكفي عياله لمدة سنة أو أكثر.

فإذا قدرنا أن شخصاً عليه عشرة آلاف ريال، وراتبه ألفا ريال في الشهر، ومؤنته كل شهر ألفا ريال، فهل ندفع عنه عشرة آلاف ريال؟

الجواب: نعم؛ لأنه الآن فقير بالنسبة للدين فلا نعطيه من الزكاة لفقره؛ لأن راتبه يكفيه وإنما نعطيه من أجل الدين فهو فقير وعاجز عن الوفاء.

وهل يجوز أن نذهب إلى الدائن، ونعطيه ماله دون علم المدين؟

الجواب: نعم يجوز؛ لأن هذا داخل في قوله تعالى: {{وَفِي الرِّقَابِ}} [التوبة: 60] فهو مجرور بـ«في» و «الغارمين» عطفاً على الرقاب، والمعطوف على ما جر بحرف يقدر له ذلك الحرف فالتقدير وفي الغارمين، و«في» لا تدل على التمليك، فيجوز أن ندفعها لمن يطلبه.

فإن قال قائل: هل الأولى أن نسلمها للغارم، ونعطيه إياها ليدفعها إلى الغريم، أو ندفعها للغريم؟

فالجواب في هذا تفصيل:

إذا كان الغارم ثقة حريصاً على وفاء دينه، فالأفضل بلا شك إعطاؤه إياها ليتولى الدفع عن نفسه؛ حتى لا يخجل، ولا يذم أمام الناس.

وإذا كان يخشى أن يفسد هذه الدراهم فإننا لا نعطيه، بل نذهب إلى الغريم الذي يطلبه ونسدد دينه.

مسألة: من غرم في محرم هل نعطيه من الزكاة؟

الجواب: إن تاب أعطيناه، وإلا لم نعطه؛ لأن هذا إعانة على المحرم، ولذلك لو أعطيناه لاستدان مرة أخرى.

مسألة: هل يقضى دين الميت من الزكاة؟

الجواب: إذا كان له تركة فهو غني بتركته، ويدفع منها.

والصحيح أنه لا يقضى دين الميت منها، وقد حكاه أبو عبيد في الأموال وابن عبد البر إجماعاً، لكن المسألة ليست إجماعاً ففيها خلاف، إلا أنه في نظرنا خلاف ضعيف، والعجيب أن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ جوّز أن تقضى ديون الأموات من الزكاة وحكاه وجهاً في مذهب الإمام أحمد، واستدل بقوله تعالى: {{وَالْغَارِمِينَ}} فلم يعتبر التمليك، وإنما اعتبر إبراء الذمة، فالميت أولى بإبراء الذمة من الحي، لكن القول الأول أرجح، فلا يقضى دين الميت من الزكاة للأمور التالية:

أولاً: أن الظاهر من إعطاء الغارم أن يزال عنه ذل الدين؛ لأن الدين ذل كما يقال: «الدين هم في الليل وذل في النهار».

ثانياً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان لا يقضي ديون الأموات من الزكاة، فكان يؤتى بالميت، وعليه دين فيسأل صلّى الله عليه وسلّم هل ترك وفاء؟ فإن لم يترك لم يصل عليه وإن قالوا: له وفاء، صلى عليه[(194)].

فلما فتح الله عليه وكثر عنده المال صار يقضي الدين بما فتح الله عليه عن الأموات، ولو كان قضاء الدين عن الميت من الزكاة جائزاً لفعله صلّى الله عليه وسلّم.

ثالثاً: أنه لو فتح هذا الباب لعطل قضاء ديون كثير من الأحياء؛ لأن العادة أن الناس يعطفون على الميت أكثر مما يعطفون على الحي، والأحياء أحق بالوفاء من الأموات.

رابعاً: أن الميت إذا كان قد أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، وإن أراد إتلافها فالله قد أتلفه ولم ييسر له تسديد الدين.

خامساً: أن ذمة الميت قد خربت بموته فلا يسمى غارماً.

سادساً: أن فتح هذا الباب يفتح باب الطمع والجشع من الورثة، فيمكن أن يجحدوا مال الميت ويقولوا: هذا مدين.

مسألة: إبراء الغريم الفقير بنية الزكاة.

صورتها: رجل له مدين فقير يطلبه ألف ريال، وكان على هذا الطالب ألف ريال زكاة، فهل يجوز أن يسقط الدائن عن المدين الألف ريال الذي عليه بنية الزكاة؟

الجواب: أنه لا يجزئ قال شيخ الإسلام: بلا نزاع، وذلك لوجوه هي:

الأول: أن الزكاة أخذ وإعطاء قال تعالى: {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}} [التوبة: 103] وهذا ليس فيه أخذ.

الثاني: أن هذا بمنزلة إخراج الخبيث من الطيب قال تعالى: {{وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}} [البقرة: 267] ووجه ذلك أنه سيخرج هذا الدين عن زكاة عين، فعندي مثلاً أربعون ألفاً، وزكاتها ألف ريال، وفي ذمة فقير لي ألف ريال، والذي في حوزتي هو أربعون ألف ريال، وهي في يدي وتحت تصرفي، والدين الذي في ذمة المعسر ليس في يدي.

ومعلوم نقص الدين عن العين في النفوس، فكأني أخرج رديئاً عن جيد وطيب فلا يجزئ.

الثالث: أنه في الغالب لا يقع إلا إذا كان الشخص قد أيس من الوفاء، فيكون بذلك إحياء وإثراء لماله الذي بيده؛ لأنه الآن سيسلم من تأدية ألف ريال.

مسألة: هل يجوز أن أبرئه من زكاة ما عنده؟

أي: لو كان لي عند رجل أربعون ألف ريال فعلي أن أخرج زكاتها ألف ريال ـ وهذا على القول المرجوح بأن الدين على المعسر فيه زكاة والصحيح خلاف ذلك ـ ولو كان هذا الرجل معسراً، فهل يجوز لي أن أسقط زكاة الألف التي علي من الدين، فيكون الدين الذي عليه مقداره تسعة وثلاثون ألف ريال؟

الجواب: المذهب أنه لا يجوز[(195)].

وقال شيخ الإسلام: يجوز؛ لأن الزكاة الآن من جنس المال، والمال الآن دين والزكاة دين أيضاً وهي التي أبرأته منها، فالإنسان الآن لم يتيمم الخبيث لينفق، بل زكاه من جنس ماله المزكى وهو الدين، وهذا الصحيح.

أما على القول الراجح وهو أن الزكاة لا تجب في الدين على المعسر فلا ترد هذه الصورة، اللهم إلا إذا وجد هذا الفقير ما يوفي به دينه آخِرَ السنة.

مثلاً: على الفقير أربعون ألفاً، ولم يجد إلا تسعة وثلاثين ألفاً فكان معسراً في هذه الألف، فهذا ربما نقول: يجوز إسقاط الزكاة عن الدين، وفي النفس من هذا شيء؛ لأننا نقول: أتاه الآن تسعة وثلاثون ألفاً نقداً، فليخرج الزكاة من هذا المال الذي أتاه.

فإن قيل هذه المسألة الأخيرة ليس فيها أخذ وإعطاء فكيف أخرجتموها؟

فالجواب: هم رأوا ذلك من جنس المال الذي عليه، فصحيح أنه ليس فيها أخذ وإعطاء ولكن فيها مواساة، صورتها: إذا كان مديناً بأربعين ألفاً فإذا قلنا: بوجوب الزكاة في الدين، ولو على المعسر فالمسألة واضحة؛ لأن هذا الدائن يجب عليه ألف ريال، كل سنة لهذا الدين فصار يبرئ هذا المدين، فأبرأه أول سنة ألف ريال بنية الزكاة عما في ذمته، وفي السنة الثانية يجب عليه ألف ريال إلا خمسة وعشرين ريالاً؛ لأنه لم يبق في ذمته إلا تسعة وثلاثون ألفاً، وهكذا كلما دارت السنوات نقص ما عليه من الزكاة.

وإذا قلنا: بعدم وجوب الزكاة في الدين على المعسر، فلا زكاة أصلاً إلا إذا أيسر في آخر الحول.

وقلنا: إن الدائن إذا قبض الدين من المدين المعسر يزكيه سنة فهنا إذا أيسر في الدين الذي عليه إلا ألف ريال، والدين أربعون ألفاً، وقال الدائن: أريد أن أسقط الألف التي عليك وعجزت عنها بنية الزكاة عن الدين الذي عليك، قلنا: يمكن أن نقول بالجواز، ولكن في النفس منه شيء؛ لأن الدائن الآن استلم الدين عيناً تسعة وثلاثين ألفاً منها، والألف الباقي في ذمة المدين لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه معسر.

والصحيح في زكاة المدين على المعسر أنه لا زكاة في الدين على المعسر إلا إذا قبضه فإنه يزكيه سنة واحدة فقط.

 

السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهُمُ الغُزَاةُ المُتَطَوِّعَةُ الَّذِينَ لاَ دِيوَانَ لَهُمْ.

قوله: «السابع: في سبيل الله» السبيل هي الطريق، قال تعالى: {{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي}} [يوسف: 108] ، وقال تعالى: {{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}} [آل عمران: 97] .

وسبيل الله في القرآن تطلق على معنيين:

الأول: معنى عام، وهو كل طريق يوصل إلى الله، فيشمل كل الأعمال الصالحة كقوله تعالى: {{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}} [البقرة: 261] وكقوله: {{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ}} [النحل: 125] أي: دينه.

الثاني: خصوص الجهاد، وهذا مثل قوله: {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}... {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}} [التوبة: 60] .

والسبيل أضيفت إلى الله وإلى المؤمنين، فقال تعالى: {{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}} [النساء: 115] ، وقال تعالى: {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}} إلى قوله: {{وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}} [التوبة: 60] الآية.

فكيف التوفيق بين الإضافتين؟

الجواب على ذلك أن معنى إضافته إلى الله أنه موصل إلى الله، فمن سلك هذا السبيل أوصله إلى الله؛ ولأن الله هو الذي وضعه لعباده، فهو منه ابتداء، وإليه انتهاء.

أما إضافته إلى المؤمنين؛ فلأنه طريقهم الذي يسلكونه، فبذلك يتبين أنه لا تنافي بين الإضافتين.

قوله: «وهم الغزاة» جمع غاز هذا هو الشرط الأول.

قوله: «المتطوعة» بخلاف غير المتطوعين، هذا هو الشرط الثاني.

قوله: «الذين لا ديوان لهم» يعني ليس لهم نصيب من بيت المال على غزوهم، فهم متبرعون، هذا الشرط الثالث.

فهؤلاء يكون إعطاؤهم لدفع حاجتهم، وللحاجة إليهم، فيعطون ما يكفيهم لجهادهم.

هذا معنى قوله تعالى: {{وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}} فجعل المؤلف هذه الظرفية للمقاتل، لا لنفس الطريق، فالآية معناها على كلام المؤلف: «الغازون في سبيل الله».

فخص المؤلف ـ رحمه الله ـ «في سبيل الله» بالغزاة الذين ليس لهم ديوان، أي ليس لهم شيء من بيت المال يعطونه على غزوهم وهذا هو المذهب، وفي هذا تخصيص للآية من وجوه:

الوجه الأول: أنه جعل في سبيل الله الجهاد فقط.

الوجه الثاني: أنه جعله للمجاهدين فقط.

الوجه الثالث: أنه جعله للمجاهدين المتطوعة الذين لا ديوان لهم.

فأما تخصيصه بالجهاد في سبيل الله فلا شك فيه، خلافاً لمن قال: إن المراد في سبيل الله كل عمل برٍ وخير، فهو على هذا التفسير كل ما أريد به وجه الله، فيشمل بناء المساجد، وإصلاح الطرق، وبناء المدارس، وطبع الكتب، وغير ذلك مما يقرب إلى الله ـ عزّ وجل ـ؛ لأن ما يوصل إلى الله من أعمال البر لا حصر له.

ولكن هذا القول ضعيف؛ لأننا لو فسرنا الآية بهذا المعنى لم يكن للحصر فائدة إطلاقاً، والحصر هو {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ}...} [التوبة: 60] الآية، وهذا وجه لفظي.

أما الوجه المعنوي فلو جعلنا الآية عامة في كل ما يقرب إلى الله ـ عزّ وجل ـ لحرم من الزكاة من تيقن أنه من أهلها؛ لأن الناس إذا علموا أن زكاتهم إذا بني بها مسجد أجزأت بادروا إليه لبقاء نفعه إلى يوم القيامة.

فالصواب: أنها خاصة بالجهاد في سبيل الله.

وأما قول المؤلف إنهم الغزاة، وتخصيصه بالغزاة، ففيه نظر.

والصواب أنه يشمل الغزاة وأسلحتهم، وكل ما يعين على الجهاد في سبيل الله، حتى الأدلاء الذين يدلون على مواقع الجهاد لهم نصيب من الزكاة؛ لأن الله قال: {{فِي سَبِيلِ اللَّهِ}} ولم يقل: للمجاهدين، فدل على أن المراد كل ما يتعلق بالجهاد؛ لأن ذلك من الجهاد في سبيل الله.

وهل يجوز أن يشترى من الزكاة أسلحة للقتال في سبيل الله؟

على رأي المؤلف لا يجوز، وإنما تعطى المجاهد.

وعلى القول الصحيح يجوز أن يشترى بها أسلحة يقاتل بها في سبيل الله، لا سيما وأنه معطوف على مجرور بفي الدالة على الظرفية دون التمليك، بل هي نفسها مجرورة بفي {{وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}}.

وعلى هذا فيكون القول الراجح أن قوله: {{فِي سَبِيلِ اللَّهِ}} يعم الغزاة وما يحتاجون إليه من سلاح وغيره.

أما قول المؤلف: «المتطوعة الذين لا ديوان لهم» فظاهر كلامه أن من لهم ديوان لا يعطون من الزكاة، وهذا حق إذا كان العطاء يكفيهم، وأما إذا كان لا يكفيهم فيعطون من الزكاة ما يكفيهم.

بل لو قال قائل: يعطون من الزكاة مطلقاً لكان له وجه، ولكن وجه ما قاله المؤلف أنهم إذا كانوا يعطون من مال المسلمين على جهادهم فلا حاجة أن نعطيهم من الزكاة؛ لأنهم مستغنون بما يعطون من بيت المال عن الزكاة.

هل يعطي من أراد الحج من الزكاة؟

الجواب: المذهب جواز ذلك ليؤدي فرض الحج والعمرة لأن الحج والعمرة من سبيل الله.

والقول الثاني: يجوز في فرض الحج والعمرة ونفلهما للعلة السابقة.

والقول الثالث: لا يجوز وهو مذهب الأئمة الثلاثة لعدم وجوب الحج في حق الفقير.

 

الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ المُسَافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ.

قوله: «الثامن: ابن السبيل المسافر المنقطع به» .

السبيل الطريق، وابن السبيل أي: المسافر، وسمي بابن السبيل؛ لأنه ملازم للطريق، والملازم للشيء قد يضاف إليه بوصف البنوة، كما يقولون: ابن الماء، لطير الماء، فعلى هذا يكون المراد بابن السبيل المسافر الملازم للسفر، والمراد المسافر الذي انقطع به السفر أي نفدت نفقته، فليس معه ما يوصله إلى بلده.

وابن السبيل هل يعطى لسفره، أو يعطى لحاجته؟

إذا قلت لحاجته أورد عليك مورد أنه إذا كان يعطى لحاجته فهو من الفقراء.

فيقال: يعطى لحاجته، ولكنه ليس شرطاً ألاَّ يكون عنده مال.

أما الفقير فيشترط ألاَّ يكون عنده مال، ولهذا نقول: ابن السبيل نعطيه، ولو كان في بلده من أغنى الناس إذا انقطع به السفر؛ لأنه في هذه الحال محتاج، ولا يقال: أنت غني فاقترض، فيعطى ما يوصله إلى بلده، وهذا يختلف فينظر إلى حاله حتى لا تكون هناك غضاضة وإهانة له.

فإذا كان ممن تعود على الدرجة الأولى، هل يعطى الأولى أو السياحية؟

هذا محل تردد، ويترجح أنه يعطى ما لا ينقص به قدره.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين كون السفر طويلاً أو قصيراً؛ لكونه أطلق، ولم يقل: سفراً قصيراً.

وظاهر كلامه أيضاً أنه لا فرق بين المسافر سفراً محرماً، أو سفراً غير محرم؛ لأنه أطلق.

أما الأول: فنعم، وهو أنه لا فرق بين السفر الطويل والقصير.

فإن قال قائل: السفر القصير يمكن قطعه على قدميه، ويصل؟

قلنا: لكن قد يكون وعراً في جبال وأودية، وقد يكون مخوفاً يحتاج إلى رفقة فهو محتاج إلى نفقة توصله إلى بلده.

وأما الثاني فقال بعض العلماء: إنه وإن كان سفره محرماً يعطى.

فالسفر تثبت به الرخص حتى وإن كان محرماً، فله القصر، وله المسح على الخفين ثلاثة أيام.

والمذهب وهو أصح أنه لا يعطى من الزكاة خصوصاً؛ لقوله تعالى: {{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}} [المائدة: 2] ولذا قال العلماء: من سافر ليفطر حرم عليه السفر والفطر إلا إذا تاب، وهو سهل بأن نقول له: تب إلى الله ونعطيك، فيستفيد بهذا فائدتين:

الأولى: التوبة.

الثانية: قضاء حاجته.

وأما من سافر في مكروه فلا يعطى؛ لأنه إعانة على المكروه، أما من سافر في مباح كالنزهة أو واجب أو مستحب فيعطى.

 

دونَ المُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ.

قوله: «دون المنشئ للسفر من بلده» لأن المنشئ للسفر من بلده لا يصدق عليه أنه ابن سبيل فلو قال: إني محتاج أن أسافر إلى المدينة، وليس معه فلوس، فإننا لا نعطيه بوصفه ابن سبيل؛ لأنه لا يصدق عليه أنه ابن سبيل، لكن إذا كان سفره إلى المدينة ملحاً كالعلاج مثلاً، وليس معه ما يسافر به فإنه يعطى من جهة أخرى، وهي الفقر.

قوله: «فيعطى ما يوصله إلى بلده» ظاهره أنه يعطى ما يوصله إلى غاية سفره، ثم رجوعه، فإذا قدرنا أن رجلاً يريد أن يحج من القصيم عن طريق المدينة وفي المدينة ضاعت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى غاية مقصوده، ثم يرجعه، وليس ما يرجعه فقط؛ لأنه يفوت غرضه إذا قلنا: يرجع.

وقول المؤلف: (فيعطى ما يوصله إلى بلده) يفهم منه أنه لا يعطى أكثر، فإن بقي شيء من المال بعد أن وصل رده إلى صاحبه إن كان معلوماً، أو بيت المال إن كان مجهولاً، إلا إذا كان ابن السبيل فقيراً فيأخذه باعتبار الفقر، فإذا وصل إلى بلده لا يرده؛ لأن الفقراء يملكون الزكاة ملكاً مستقراً.

 

وَمَنْ كَانَ ذَا عِيالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِم، وَيَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ.

قوله: «ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم» أي: إذا كان ذا عيال فإنه يأخذ ما يكفيهم، ولو دراهم كثيرة، فلو فرضنا أنه ذو عائلة كبيرة، وأن المعيشة غالية، وأنه يحتاج إلى مائة ألف في السنة، فنعطيه مائة ألف؛ وذلك لأن عائلته لازمة له، فيعطى ما يكفيه ويكفي عياله؛ لأن ذلك من باب سد الحاجة.

وقوله: «ذا عيال» مأخوذ من العَيْلَةِ؛ لأن العيال فقراء بالنسبة لمن يعولهم، قال تعالى: {{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}} [التوبة: 28] .

والمراد بالعيال شرعاً من يعولهم من زوجات وأولاد وإخوة وليس المراد بهم الأولاد فقط كما اشتهر عند الناس.

قوله: «ويجوز صرفها إلى صنف واحد» أي: من الأصناف الثمانية، الذين ذكرهم الله في قوله: {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}...} [التوبة: 60]، وهذه المسألة مسألة خلاف بين أهل العلم.

فمن العلماء من يقول: يجب تعميم الأصناف في الزكاة، فمن زكاته ثمانون درهماً يجب أن يعطي كل واحد عشرة ـ مثلاً ـ أو ثمانية، المهم أن يعمهم؛ لأن هؤلاء الأصناف ذكروا بالواو الدالة على الاشتراك، وكما أن الغنيمة يجب أن تعطى جميع الأصناف، قال تعالى: {{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى}...} [الأنفال: 41].

وقد ذكر أهل العلم أن الغنيمة تقسم خمسة أسهم أربعة للغانمين، والسهم الخامس يقسم على خمسة أسهم.

وكما لو قلت: هذا المال لزيد، وعمرو، وبكر، وخالد، أو هذا المال لطلبة العلم والعباد والمجاهدين فهو للجميع، فهذا أيضاً مثله ولا شك أن هذا القول قوي، ولكن إذا وجد ما يخرجه عن هذا المدلول، وجب الأخذ بما يدل على إخراجه عن هذا المدلول.

وقد جاءت الأدلة على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، قال تعالى: {{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}} [البقرة: 271] ، والصدقات هنا تشمل الزكاة والتطوع، وقد ذكر الله الزكاة بلفظ الصدقات، قال تعالى: {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}} [التوبة: 60] .

ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين بعث معاذاً ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» [(196)].

ولأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال لقبيصة رضي الله عنه: «أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» [(197)].

فهذه الأدلة تدل على أن المراد بالآية بيان المستحقين لا تعميم المستحقين، ومعلوم أن الشريعة يبين بعضها بعضاً، وما بينته الشريعة أولى من القياس.

وقوله: «ويجوز صرفها إلى صنف واحد» .

وإذا جاز صرفها إلى صنف واحد، فهل يجب أن نعطي من هذا الصنف ثلاثة فأكثر؛ لأن الآية بصفة الجمع، قال الله تعالى: {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}} الآية، فهل يجب أن نعمم أو يجب أن نقول: هذا بيان للمستحقين، فيصدق بالواحد؟

الجواب: الثاني، بدليل حديث قبيصة ـ رضي الله عنه ـ «فنأمر لك بها» .

فصار في المسألة أقوال:

الأول: أنه يجوز الاقتصار على واحد من صنف واحد، وهذا أخص ما يكون من الأقوال، وهو الصواب لدلالة القرآن والسنة، فيكون ذكر هذا بالواو لبيان المستحقين لا لوجوب تعميمهم.

الثاني: يجوز أن تقتصر على صنف واحد، بشرط أن يكون جماعة.

الثالث: يجب تعميم الأصناف، ولو على واحد.

والرابع: يجب تعميم الأصناف كل صنف، على جماعة، ثلاثة فأكثر.

وظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد ولو كان غريماً له، مثل أن يكون لك غريم تطلبه دراهم وهو فقير فتعطيه من الزكاة، فهل هو جائز أم لا؟

الجواب: يجوز؛ لأنه يصدق عليه أنه فقير؛ إذ الحكم معلق بهذا الوصف وهو الفقر فيعطى.

هل يجوز أن يعطيه لقضاء الدين؟

الجواب: نعم؛ لأنه غارم لنفسه، وفقير لا يقدر أن يوفي، والله يقول: {{وَالْغَارِمِينَ}}، لكن لو قلت: هذه ألف ريال من الزكاة أوفني بها فهذا لا يجوز، ولو قلت: هذه ألف ريال؛ لأنه مدين فقير قد يصرفها في دينه أو في دين غيره، فهذا جائز، ولو ردها لي فهذا جائز؛ لأنه ملكها.

 

ويُسَنُّ إِلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لاَ تَلْزَمُهُ مَؤُونَتُهُم.

قوله: «ويسن إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم» أي: يسن صرف الزكاة في أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم مثل أخيه، وعمه، وخاله، وابن أخيه، وما أشبه ذلك.

فإذا كانوا من أهل الزكاة، فإن السنة والأفضل أن تصرف زكاتك فيهم؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة» [(198)] فيجمع بين أمرين.

لكن اشترط المؤلف ألاّ تلزمه مؤونتهم، أي: لا يلزمه الإنفاق عليهم، فإن لزمه الإنفاق عليهم فلا تجزئ؛ لأنه يدفع عن ماله ضرراً؛ لأنه إذا أعطاهم زكاته واغتنوا بها سقطت عنه نفقتهم، فصار ببذله الزكاة مسقطاً لواجب عليه، والقاعدة أنه لا يجوز للإنسان أن يسقط بزكاته أو بكفارته واجباً عليه.

مثال الزكاة: هؤلاء إخوتي فقراء وأنا رجل غني، وتلزمني نفقتهم، وعندي زكاة إذا أعطيتهم إياها كفتهم لمدة سنة أو أقل أو أكثر، فلا يجوز أن أعطيهم إياها؛ لأنهم إذا اغتنوا بها سقط الواجب عني، فأسقطت بها واجباً علي.

مثال الكفارة: علي كفارة إطعام عشرة مساكين، فيجوز أن أغديهم، أو أعشيهم على الصحيح، وهؤلاء الفقراء نزلوا أضيافاً علي، والضيف يجب إكرامه بغدائه وعشائه يومه وليلته، فغديت هؤلاء ونويتها كفارة، فلا يجزئ؛ لأنني بهذا الإطعام أسقطت واجباً علي؛ لأنه يجب علي أن أضيفهم بغداء وعشاء، وبكل ما يلزم في الضيافة، فإذا غديتهم وعشيتهم، ونويته كفارة علي، فقد أسقطت واجباً.

مسألة: إذا كان الأب فقيراً، وعند الابن زكاة وهو عاجز عن نفقة أبيه، فهل يجوز أن يصرفها لأبيه؟

الجواب: يجوز أن يعطيها لوالده؛ لأنه لا تلزمه نفقته؛ لأن الابن لا يملك شيئاً، وهو هنا لا يسقط واجباً، والزكاة إما ستذهب إلى الوالد أو إلى غيره، فهل من الأولى عقلاً فضلاً عن الشرع، أن أعطي غريباً يتمتع بزكاتي ويدفع حاجته وأبي يتضور من الجوع؟

الجواب: لا؛ لأنني لا أستطيع أن أنفق على والدي ففي هذه الحال تجزئ الزكاة للوالد، وربما يؤخذ من قول المؤلف: «الذين لا تلزمه مؤونتهم» ؛ لأن من شرط وجوب النفقة حتى عند المؤلف ومن قال بقوله من الأصحاب غنى المنفق، وهنا المنفق غير غني؛ لأنه لا يجد ما ينفق على هؤلاء، والقاعدة (أنه لا يجوز إسقاط الواجب بالزكاة)، وهذه القاعدة نافعة، فطبقها على الأخ والعم، إذا وجبت نفقتهما لا تعطيهما من الزكاة.

أما إذا أعطى من تجب عليه نفقتهم لغير النفقة، ولكن لكونهم غزاة أو غارمين أو من العاملين عليها فيجوز.

 

فَصْلٌ

 

وَلاَ تُدْفَعُ إِلَى هَاشِمِيٍّ ..........

قوله: «فصل» أي: في بيان موانع الزكاة.

أي: موانع استحقاق من هو من أهل الزكاة فلا تصرف الزكاة إليه، أي: ما الذي يمنع من إعطائها له وهو من أهلها؟ هذا هو المراد بهذا الفصل، والأصل أن الأشياء لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها.

فالقرابة ـ مثلاً ـ سبب من أسباب الإرث، إذا وجد مانع لاختلاف الدين امتنع الإرث، وهكذا أيضاً الوصف الذي يستحق به الإنسان الزكاة، فقد توجد موانع تمنع من إعطاء الزكاة.

قوله: «ولا تدفع إلى هاشمي» أي لا تدفع الزكاة.

وقوله: «هاشمي» أي ذرية هاشم بن عبد مناف؛ لأنهم من آل محمد صلّى الله عليه وسلّم، وآل محمد أشرف الناس نسباً، ولشرفهم لا يعطون من الزكاة، لا احتقاراً لهم، بل إكراماً لهم؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم للفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ـ رضي الله عنهم ـ حين سألاه الزكاة: «إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» [(199)]، فبين الرسول صلّى الله عليه وسلّم الحكم والعلة.

الحكم أنها لا تحل لهم.

العلة أنها أوساخ الناس، وهم أكمل وأشرف من أن يتلقوا أوساخ الناس.

فالزكاة من أي صنف كان أوساخ ذلك الصنف؛ لأن الزكاة تطهر، والطهور يتسخ بما يطهره؛ ودليل ذلك قوله تعالى: {{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ}} [التوبة: 103] .

فإذا كان بين يديك إناء وسخ فغسلته بالماء صار الماء يحمل هذه الأوساخ؛ فلذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما هي أوساخ الناس» .

وهاشم منزلته بالنسبة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجد الثاني، والأب الثالث.

وأجاز بعض العلماء أن يعطى الهاشمي من الزكاة، إذا كان مجاهداً، أو غارماً لإصلاح ذات البين، أو مؤلفاً قلبه، وظاهر النصوص المنع؛ للعموم.

واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ هل يصح دفع زكاة هاشمي لهاشمي؛ لقوله: «إنما هي أوساخ الناس» أي: الناس الذين سواهم أو لا؟

قال بعض العلماء: إنه يصح أن تدفع زكاة الهاشمي لهاشمي مثله؛ لأنهما في الشرف سواء، فإذا كانا سواء فإنه لا يعد مثلبة، إذا أعطى زكاته نظيره.

ولكن إذا نظرنا إلى عموم الأحاديث، وجدنا أنه لا فرق بين أن تكون زكاة هاشمي أو غيره؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أوساخ الناس» والهاشميون من الناس فلا تحل لهم.

لكن لو فرض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين، فزكاة الهاشميين أولى من زكاة غير الهاشميين.

وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يعطوا من الزكاة إذا لم يكن خمس؛ أو وجد ومنعوا منه.

والخمس: هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم، أربعة أسهم للغانمين، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضاً:

الأول: لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم يكون في مصالح المسلمين، وهو ما يعرف بالفيء أو بيت المال.

الثاني: لذي القربى، هم قرابة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب؛ لأن بني عبد المطلب يشاركون بني هاشم في الخمس.

الثالث: لليتامى.

الرابع: للمساكين.

الخامس: لابن السبيل.

فإذا منعوا أو لم يوجد خمس، كما هو الشأن في وقتنا هذا فإنهم يعطون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.

وأما صدقة التطوع فتدفع لبني هاشم وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الراجح؛ لأن صدقة التطوع كمال، وليست أوساخ الناس، فيعطون من صدقة التطوع.

والقول الثاني: لا تحل لهم صدقة التطوع؛ لأن صدقة التطوع من أوساخ الناس؛ ولذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» [(200)]، والتطهير كما يحصل بالواجب يحصل بالمستحب وهذا القول مال إليه الشوكاني وجماعة من أهل العلم؛ لعموم الحديث.

وبهذا نعرف أن بني هاشم ينقسمون إلى قسمين:

الأول: من لا تحل له صدقة التطوع، ولا الزكاة الواجبة، وهو شخص واحد، وهو محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم فهو لا يأكل الصدقة الواجبة ولا التطوع.

الثاني: البقية من بني هاشم يأكلون من صدقة التطوع، ولا يأكلون من الصدقة الواجبة.

 

وَمُطَّلِبيٍّ ........

قوله: «ومطلبي» .

والمطلبيون المنتسبون إلى المطلب، والمطلب أخو هاشم وأبوهما عبد مناف، وله أربعة أولاد وهم هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس.

«بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» [(201)] كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ أي: في النصرة، حتى إن قريشاً لما حاصرت بني هاشم انضم إليهم بنو المطلب، وقصة المحاصرة في الشعب مشهورة في التاريخ، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لما احتج عليه رجال من بني عبد شمس في إعطائه بني المطلب من الخمس ولم يعطهم: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» .

وبناء على ذلك قال المؤلف: إنها لا تدفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لا لأنهم من آل البيت، ولكن لأنهم مشاركون لآل البيت في الخمس فيستغنون بما يأخذون من الخمس عن الزكاة، وهذا التعليل يدل على أنهم إذا لم يكن خمس فهم يستحقون الزكاة قطعاً، ولا إشكال فيه، خلاف بني هاشم.

إذاً بنو المطلب حكمهم في منع الزكاة حكم بني هاشم، وحكمهم في استحقاق الخمس كبني هاشم.

وبنو عمهم النوفليون والعبشميون كانوا مع قريش على بني هاشم ولذا دعا عليهم أبو طالب في لاميته المشهورة:

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً

عقوبة شر عاجلاً غير آجل

فليس لهؤلاء حق في الخمس، ولهم الأخذ من الزكاة.

وهذا الذي مشى عليه المؤلف رواية عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ والصحيح الرواية الأخرى ـ وهي المذهب ـ أنه يصح دفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لأنهم ليسوا من آل محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولعموم الأدلة {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ}...} [التوبة: 60] فيدخل فيهم بنو المطلب.

ويجاب عن تشريكهم في الخمس بأنه مبني على المناصرة والمؤازرة بخلاف الزكاة، فإنهم لما آزروا بني هاشم وناصروهم أعطوا جزاءً لفضلهم من الخمس، أما الزكاة فهي شيء آخر.

 

وَمَوَالِيهِمَا ........

قوله: «ومواليهما» أي: عتقائهم، أي: العبيد الذين أعتقهم بنو هاشم، أو أعتقهم بنو المطلب، فلا تدفع الزكاة إليهم؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن مولى القوم منهم» [(202)].

فإذا قلنا: بدفع الزكاة لبني المطلب جاز دفع الزكاة إلى مواليهم.

إذا قال قائل: هل هؤلاء موجودون؟ أعني بني هاشم والمطلب؟

قلنا: نعم موجودون، وقد ذكروا أن مِنْ أثبت الناس نسباً لبني هاشم، ملوك اليمن الأئمة، الذين انتهى ملكهم بثورة الجمهوريين عليهم قريباً، فهم منذ أكثر من ألف سنة متولون على اليمن، ونسبهم مشهور معروف بأنهم من بني هاشم.

ويوجد ناس كثيرون أيضاً ينتمون إلى بني هاشم، فمن قال: أنا من بني هاشم! قلنا: لا تحل لك الزكاة؛ لأنك من آل الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

 

وَلاَ إِلَى فَقِيرَةٍ تَحْتَ غَنِيٍّ مُنْفِقٍ .......

قوله: «ولا إلى فقيرة تحت غني منفق» .

«فقيرة» هذه صفة لموصوف محذوف، التقدير امرأة فقيرة.

واشترط المؤلف شرطين هما:

الأول: أن تكون تحت غني.

الثاني: أن يكون منفقاً باذلاً للنفقة، فلا تدفع إليها؛ لأنها في الحقيقة غير فقيرة، إذ إن زوجها الذي ينفق عليها قد استغنت به، فإن كانت تحت فقير، فتحل لها، وتحل لزوجها؛ لأن الوصف منطبق عليها، وإذا كانت تحت غني، لكنه من أبخل الناس فتعطى من الزكاة؛ لأنها فقيرة، ولم تستغن بزوجها، فتدخل في قوله تعالى: {{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}..}.

فإن قال قائل: لماذا لا تقولون لها: طالبي الزوج وارفعيه إلى المحكمة؟

قلنا: لا نقول لها ذلك؛ لأن هذا يترتب عليه مشاكل، فقد يفضي إلى أن يطلقها، وهذا ضرر عليها، ودفع حاجتها لدفع هذا الضرر لا شك أنه مما جاءت به الشريعة.

 

وَلاَ إِلَى فَرْعِهِ وأصْلِهِ .........

قوله: «ولا إلى فرعه وأصله» .

فرعه: من كان هو أصلاً له.

وأصله: من كان هو فرعاً له.

فالأصل هم الآباء، والأمهات، وإن علوا.

والفرع هم الأبناء، والبنات، وإن نزلوا، سواء كانوا وارثين أم غير وارثين.

وعلى هذا فلا يدفع زكاته إلى جدته لا من قبل أبيه ولا من قبل أمه، ولا إلى بنته ولا بنت ابنه، ولا بنت ابنته؛ لأن كل هؤلاء أصول وفروع، والمؤلف ـ رحمه الله ـ لم يقيد الأصل والفرع.

أي: لم يقل إلى فرعه الوارث، أو أصله الوارث، فيشمل الوارث وغير الوارث؛ لأن الأصل والفرع تجب النفقة لهما بكل حال إذا كانوا فقراء وهو غني، سواء كانوا وارثين أم غير وارثين.

وقال شيخ الإسلام: يجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا وإلى الولد وإن سفل إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم.

ويقال: استحقاق الزكاة مقيد بوصف كالفقر، والمسكنة، والعمالة، فكل من انطبق عليه هذا الوصف فهو من أهل الزكاة.

ومن ادعى خروجه فعليه الدليل، وليس في المسألة دليل، ولهذا فالقول الراجح الصحيح، أنه يجوز أن يدفع الزكاة لأصله وفرعه ما لم يدفع بها واجباً عليه، فإن وجبت نفقتهم عليه، فلا يجوز أن يدفع لهم الزكاة؛ لأن ذلك يعني أنه أسقط النفقة عن نفسه.

وعلى هذا فإذا كان له جد وأب كلاهما فقير، لكن الأب يتسع ماله للإنفاق عليه فهو ينفق عليه، فهنا لا يجوز أن يعطي والده الزكاة.

والجد لا يتسع ماله للإنفاق عليه وهو فقير، فيجوز أن يعطيه منها.

مثال آخر: عنده أم وجدة فهو ينفق على الأم، ولكن لا يتسع ماله للإنفاق على الجدة، فيجوز أن يعطيها من الزكاة.

والمذهب لا يجوز، فتأخذ الزكاة من غيره، وهذا ضعيف جداً؛ قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الصدقة على ذي القرابة صدقة وصلة» [(203)] وأنا الآن لا أسقط عن نفسي واجباً حتى يقال: إني حميت نفسي.

مثال آخر: لو كان غنياً ينفق على أبيه، وأبوه مستغن، إما بنفسه، أو بإنفاق ولده، لكن عليه دين يستطيع الولد أن يؤدي الدين عنه، لكن يقول: أنا أؤدي الدين من زكاتي.

فيجوز؛ لأنه لا يجب على الابن وفاء دين أبيه، اللهم إلا إذا كان هذا الدين بسبب النفقة، أي: أن الأب يحتاج، ويشتري في ذمته فلحقه الدين لشراء مؤونته، ففي هذه الحال نقول: لا تقض دين أبيك من زكاتك؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يضيق الإنسان على أبيه، حتى يستدين للنفقة، ثم يقول: أبي عليه دين فأقضي دينه من زكاتي، فيجوز أن يقضي الدين عن أبيه، أو أمه، أو ابنه وابنته، بشرط ألا يكون هذا الدين استدانة لنفقة واجبة على الابن، فإن كان لنفقة واجبة فلا يجوز.

 

وَلاَ إِلَى عَبْدٍ وَزَوْجٍ .........

قوله: «ولا إلى عبد وزوج» .

أي: لا تدفع الزكاة إلى العبد؛ لأن العبد إذا أعطيناه الزكاة انتقل ملك الزكاة فوراً إلى سيده، فإن مال العبد ملك لسيده، فلا يجوز أن نعطي العبد؛ لأنه لا يملك وملكه لسيده، والله يقول: {{لِلْفُقَرَاءِ}}.

ويستثنى من هذا المكاتب، وقد سبق أن المكاتب من أهل الزكاة داخل في قوله تعالى: {{وَفِي الرِّقَابِ}} [التوبة: 60] فيعطى المكاتب ما يقضي به دين الكتابة.

ولكن هل المكاتب عبد؟

الجواب: نعم هو عبد، فيعطى ليعتق، والمكاتبة أن يشتري العبد نفسه من سيده بثمن مؤجل، فيعطى هذا العبد الذي اشترى نفسه من سيده ما يوفي سيده ليعتق، فهو قبل أن يؤدي عبد، ولهذا جاء في الحديث «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم» [(204)].

واستثنى بعض العلماء ما إذا كان العبد عاملاً على الزكاة، فإنه يعطى على عمالته كما لو كان أجيراً، ومعلوم أنه يصح أن يستأجر العبد من سيده، فيصح أن يجعل عاملاً على الزكاة بإذن سيده.

إذاً يستثنى من ذلك مسألتان:

الأولى: المكاتب.

الثانية: العامل؛ لأنه كأجير، والعبد يجوز أن يستأجر بإذن سيده.

وقوله: «وزوج» فلا يصح أن تدفع الزوجة زكاتها إلى زوجها، لقوة الصلة بينهما، فيشبه الأصل مع الفرع، لكن هذا التعليل عليل.

والصواب جواز دفع الزكاة إلى الزوج إذا كان من أهل الزكاة.

مثال ذلك: امرأة موظفة وعندها مال وزوجها فقير محتاج، إما أنه مدين، أو أنه ينفق على أولاده، أو ما أشبه ذلك، فللزوجة أن تؤدي زكاتها إليه.

وقولنا أو أنه ينفق على أولاده، المراد بأولاده من غيرها؛ لأن أولاده منها إذا كان أبوهم فقيراً، يلزمها أن تنفق عليهم؛ لأنهم أولادها، لكن إذا كان له أولاد من غيرها وهو فقير، فللزوجة أن تعطيه زكاتها وربما يستدل لذلك بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «حث على الصدقة، فقال ابن مسعود لزوجته: أعطيني وأولادي أنا أحق من تصدقت عليه».

فقالت: لا حتى أسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم فسألت النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «صدق عبد الله، زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» [(205)] فيمكن أن نقول: قوله: «من تصدقت عليهم» يشمل الفريضة والنافلة.

وعلى كل حال إن كان في الحديث دليل فهو خير، وإن قيل هو خاص بصدقة التطوع، فإننا نقول في تقرير دفع الزكاة إلى الزوج: الزوج فقير ففيه الوصف الذي يستحق به من الزكاة، فأين الدليل على المنع؟ لأنه إذا وجد السبب ثبت الحكم، إلا بدليل، وليس هناك دليل لا من القرآن ولا من السنة، على أن المرأة لا تدفع زكاتها لزوجها، وهذه قاعدة: «الأصل فيمن ينطبق عليه وصف الاستحقاق أنه مستحق، وتجزئ الزكاة إليه إلا بدليل» ولا نعلم مانعاً من ذلك إلا مَنْ كان إذا أعطاها له أسقط عن نفسه بذلك واجباً.

مسألة: هل يجوز أن يعطي الزوج زوجته من زكاته؟

الجواب: أنها تجزئ الزكاة إذا دفعها إلى زوجته على ما اخترناه، أما على المذهب فلا يجزئ أن يدفع الزوج زكاته إلى زوجته لقوة الصلة والرابطة.

ولكن القول الراجح يجوز بشرط ألا يسقط به حقاً واجباً عليه؛ فإذا أعطاها من زكاته للنفقة لتشتري ثوباً أو طعاماً، فإن ذلك لا يجزئ، وإن أعطاها لقضاء دين عليها فإن ذلك يجزئ؛ لأن قضاء الدين عن زوجته لا يلزمه.

 

وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلاً، أوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يُجْزِهِ،........

قوله: «وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً أو بالعكس لم يجزه» لأنه حين دفعها يعتقد أنها وضعت في غير موضعها؛ ولأنه متلاعب؛ إذْ كيف يعطي زكاته لشخص يظنه غنياً ثم تبين أنه فقير؟! فلا تجزئه.

وقوله: «أو بالعكس» أي: أعطاها لمن ظن أنه أهل فبان غير أهل فلا تجزئه أيضاً؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بما في ظنه.

مثاله: أعطى رجلاً يظنه غارماً فبان أنه غير غارم، فإنها لا تجزئ؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر، أي: بالواقع، والواقع أنه غير أهل.

مثال آخر: أعطاها لشخص يظنه ابن سبيل فتبين أنه غير ابن سبيل فإنها لا تجزئه.

مثال آخر: أعطاها لقريب يظن أنها تجزئه فتبين أنه لا يجزئه إعطاء هذا القريب؛ لوجوب الإنفاق عليه.

 

إِلاَّ لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيراً فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ. ...........

قوله: «إلا لغني ظنه فقيراً فإنه يجزئه» . هذا مستثنى من قوله: «أو بالعكس» .

مثل: رجل جاء يسأل؛ وعليه علامة الفقر فأعطيته من الزكاة فجاءني شخص فقال: ماذا أعطيته؟ قلت: زكاة، قال: هذا أغنى منك، فتجزئ؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، ومثل ذلك الذين يسألون في المدارس والمساجد ثم نعطيهم بناء على الظاهر.

والدليل على ذلك: قصة الرجل الذي تصدق ليلة من الليالي فخرج بصدقته فدفعها إلى شخص فأصبح الناس يتحدثون: تصدق اليلة على غني، فقال: الحمد لله على غني ـ يرى أنها مصيبة ـ ثم خرج مرة أخرى فتصدق على بغي ـ زانية ـ فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على بغي، فقال: الحمد لله؛ على غني وبغي، ثم خرج مرة ثالثة فتصدق فوقعت الصدقة في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: الحمد لله على غني وبغي وسارق، فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت؛ أما الغني فلعله يتذكر ويتصدق، وأما البغي فلعلها تستعف، وأما السارق فلعله يكتفي بما أعطيته عن السرقة[(206)].

فهذا الرجل نيته طيبة، ولحسن نيته وقعت صدقته في محلها، وصارت مفيدة مقبولة عند الله، ونافعة لمن تصدق عليهم، فيؤخذ منه أنه إذا تصدق على فقير فبان غنياً أنها تجزئه.

وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه إذا دفعها إلى من يظن أنه أهل بعد التحري، فبان أنه غير أهل فإنها تجزئه؛ حتى في غير مسألة الغني؛ أي: عموماً؛ لأنه اتقى الله ما استطاع لقوله تعالى: {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}} [البقرة: 286] والعبرة في العبادات بما في ظن المكلف بخلاف المعاملات فالعبرة بما في نفس الأمر، ويصعب أن نقول له: إن زكاتك لم تقبل مع أنه اجتهد، والمجتهد إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران.

وهذا القول أقرب إلى الصواب أنه إذا دفع إلى من يظنه أهلاً مع الاجتهاد والتحري فتبين أنه غير أهل فزكاته مجزئة؛ لأنه لما ثبت أنها مجزئة إذا أعطاها لغني ظنه فقيراً، فيقاس عليه بقية الأصناف.

مسألة: إذا جاءك سائل يسأل الزكاة، ورأيته جلداً قوياً، فهل تعطيه أم لا؟

الجواب: نقول: عظه أولاً، وقل: إن شئت أعطيتك ولا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم في الرجلين اللذين أتيا إليه يسألانه من الصدقة فرآهما جلدين، وقال: «إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» [(207)].

فإن قال قائل: أحوال الناس اليوم فسدت، فإنك لو وعظته بهذا الكلام لم يتعظ فما الجواب؟

الجواب: أن لنا في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسوة حسنة فنعظه بما وعظه النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإذا أصر ونحن لا نعلم خلاف ما يدعي، فإننا نعطيه، أما إذا أصر على السؤال، ونحن نعلم خلاف ما يدعي فإننا لا نعطيه.

 

وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ .........

قوله: «وصدقة التطوع مستحبة» هذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، وصدقة التطوع أي: الصدقة التي ليست بواجبة، وإنما يتطوع بها الإنسان، بأن يبذلها لوجه الله.

وقوله: «مستحبة» بمعنى أنها مسنونة مشروعة، ولا سيما مع حاجة الناس إليها.

واعلم أنه لا فرق بين مستحب ومسنون، عند الحنابلة، فالمستحب والمسنون بمعنى واحد، فنقول: يستحب السواك، ويسن السواك، ولا فرق، وذهب بعض العلماء إلى أن ما ثبت بالنص فهو مسنون، وما ثبت بالاجتهاد والقياس فهو مستحب.

والدليل على استحبابها أثري ونظري.

أما الدليل الأثري: فإن الله أثنى على المتصدقين فقال: {{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}} إلى أن قال: {{وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ}} وقال في آخر الآية: {{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}} [الأحزاب: 35] ، وقال تعالى: {{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ}...} [البقرة: 261] ، وقال تعالى: {{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}} [البقرة: 276] وقال تعالى: {{إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ *}} [الحديد] .

والسنة مستفيضة كثيرة في الحث على الصدقة، ومنها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنه ما من رجل يتصدق من كسب طيب إلا أخذها الله تعالى بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» [(208)]، ويقول عليه الصلاة والسلام: «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة» [(209)]، ويقول: «الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار» [(210)]، ويقول: «إنها تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء» [(211)].

والدليل النظري: أن في الصدقة دفع حاجة الفقراء، والتخلق بأخلاق الفضلاء الكرماء، وأنها من أسباب انشراح الصدر، وجرِّبْ تَجِدْ، وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد عشر فوائد لها، فمن أرادها فليرجع إليها.

ولكن تتأكد في زمان، ومكان، وفي أحوال؛ ولهذا قال المؤلف مبيناً ذلك:

 

وَفِي رَمَضان وأوقاتِ الحاجاتِ أفضلُ .......

«وفي رمضان، وأوقات الحاجات أفضل» فشهر رمضان من الزمان الذي تتأكد فيه الصدقة، والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان» [(212)] وهذا يدل على أنه صلّى الله عليه وسلّم يزداد إنفاقه في هذا الشهر، ولكن الراجح أنها في عشر ذي الحجة الأولى أفضل؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» [(213)].