المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد السادس
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد السادس
رسالة في زكاة الحلي
 

 

رسالة في زكاة الحلي [(221)]

 

الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه (222) ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فهذه رسالة في بيان حكم زكاة الحلي المباح، ذكرت فيها ما بلغه علمي من الخلاف والراجح من الأقوال وأدلة الترجيح، فأقول وبالله التوفيق والثقة، وعليه التكلال، وهو المستعان:

لقد اختلف أهل العلم رحمهم الله في وجوب الزكاة في الحلي المباح على خمسة أقوال:

أحدها: لا زكاة فيه، وهو المشهور من مذاهب الأئمة الثلاثة، مالك والشافعي وأحمد، إلا إذا أعد للنفقة، وإن أعد للأجرة ففيه الزكاة عند أصحاب أحمد، ولا زكاة فيه عند أصحاب مالك والشافعي وقد ذكرنا أدلة هذا القول إيراداً على القائلين بالوجوب وأجبنا عنها.

الثاني: فيه الزكاة سنة واحدة، وهو مروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

الثالث: زكاته عاريته، وهو مروي عن أسماء، وأنس بن مالك أيضاً رضي الله عنهما.

الرابع: أنه يجب فيه إما الزكاة وإما العارية، ورجحه ابن القيم رحمه الله في الطرق الحكمية.

الخامس: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً كل عام، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وأحد القولين في مذهب الشافعي، وهذا هو القول الراجح لدلالة الكتاب والسنة والآثار عليه، فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}{يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ *}} [التوبة] .

والمراد بكنز الذهب والفضة، عدم إخراج ما يجب فيهما من زكاة وغيرها من الحقوق، قال عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «كل ما أديت زكاته، وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكل ما لا تؤدي زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهراً على وجه الأرض» .

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً[(223)] اهـ.

والآية عامة في جميع الذهب والفضة ولم تخصص شيئاً دون شيء فمن ادعى خروج الحلي المباح من هذا العموم فعليه الدليل.

وأما السنة فمن أدلتها:

1 ـ ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره» [(224)] الحديث.

والمتحلي بالذهب والفضة صاحب ذهب وفضة، ولا دليل على إخراجه من العموم، وحق الذهب والفضة من أعظمه وأوجبه الزكاة قال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ: الزكاة حق المال.

2 ـ ما رواه الترمذي والنسائي وأبو داود واللفظ له قال: حدثنا أبو كامل، وحميد بن مسعدة، المعنى أن خالد بن الحارث حدثهم، حدثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن امرأة أتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وقالت: هما لله ورسوله» [(225)] قال في بلوغ المرام: وإسناده قوي[(226)][(227)]، وقد رواه الترمذي من طريق ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، ثم قال: «إنهما يضعفان في الحديث ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم شيء»[(228)]، لكن قد رد قول الترمذي هذا برواية أبي داود لهذا الحديث من طريق حسين المعلم، وهو ثقة احتج به صاحبا الصحيح، البخاري ومسلم، وقد وافقه الحجاج بن أرطاة، وقد وثقه بعضهم، وروى نحوه أحمد[(229)] عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها بإسناد حسن.

3 ـ ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن إدريس الرازي، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء، أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة رضي الله عنها فقالت: «دخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار» [(230)] قيل لسفيان: كيف تزكيه؟ قال: تضمه إلى غيره[(231)].

وهذا الحديث أخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي والدارقطني، وقال في التلخيص: «إسناده على شرط الصحيح، وصححه الحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين يعني البخاري ومسلماً، وقال ابن دقيق: إنه على شرط مسلم»[(232)].

4 ـ ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا عتاب يعني ابن بشير عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز» [(233)] وأخرجه أيضاً البيهقي والدارقطني والحاكم، وقال: «صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» وصححه أيضاً الذهبي، وقال البيهقي: تفرد به ابن عجلان، قال في التنقيح: «وهذا لا يضر فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين والنسائي، وقول عبد الحق فيه: لا يحتج بحديثه، قول لم يقله غيره، قال ابن دقيق: وقول العقيلي في ثابت بن عجلان: لا يتابع على حديثه، تحامل منه»اهـ.

فإن قيل: لعل هذا حين كان التحلي ممنوعاً، كما قاله مسقطو الزكاة في الحلي.

فالجواب: أن هذا لا يستقيم فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يمنع من التحلي به، بل أقره مع الوعيد على ترك الزكاة، ولو كان التحلي ممنوعاً لأمر بخلعه وتوعد على لبسه[(234)]، ثم إن النسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ، ولا يثبت ذلك بالاحتمال[(235)]، ثم لو فرضنا أنه كان حين التحريم فإن الأحاديث المذكورة تدل على الجواز بشرط إخراج الزكاة، ولا دليل على ارتفاع هذا الشرط، وإباحته إباحة مطلقة.

فإن قيل: ما الجواب عما احتج به من لا يرى الزكاة في الحلي وهو ما رواه ابن الجوزي بسنده في «التحقيق» عن عافية بن أيوب عن الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس في الحلي زكاة» [(236)] ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار[(237)]؟

قيل: الجواب على هذا من ثلاثة أوجه:

الأول: أن البيهقي قال فيه: إنه باطل لا أصل له، وإنما يروى عن جابر من قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به كان مغرراً بدينه.اهـ.

الثاني: أننا إذا فرضنا توثيق عافية كما نقله ابن أبي حاتم عن أبي زرعة فإنه لا يعارض أحاديث الوجوب، ولا يقابل بها لصحتها ونهاية ضعفه.

الثالث: أننا إذا فرضنا أنه مساوٍ لها، ويمكن معارضتها به فإن الأخذ بها أحوط، وما كان أحوط فهو أولى بالاتباع؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «دع ما يَريبك إلى ما لا يَرِيبك» [(238)] وقوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» [(239)].

وأما الآثار فمنها:

1 ـ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ «أنه كتب إلى أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ أن مُرْ من قِبَلَكَ من نساء المسلمين أن يَصَّدّقن من حُلِيِّهن»[(240)].

قال ابن حجر في التلخيص: «أخرجه ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق شعيب بن يسار... وهو مرسل قاله البخاري. وقد أنكر ذلك الحسن فيما رواه ابن أبي شيبة عنه قال: لا نعلم أحداً من الخلفاء قال: في الحلي زكاة»[(241)]اهـ. لكن ذكره مروياً عن عمر ـ رضي الله عنه ـ صاحب المغني، والمحلى، والخطابي.

2 ـ عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: «أن امرأة سألته عن حلي لها؟ فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة» رواه الطبراني والبيهقي ورواه الدارقطني[(242)] من حديثه مرفوعاً، وقال: هذا وهم، والصواب عن إبراهيم عن عبد الله مرسل موقوف[(243)].

3 ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما حكاه عنه ابن المنذر والبيهقي، قال الشافعي: «لا أدري يثبت عنه أم لا»[(244)].

4 ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ «أنه كان يأمر بالزكاة في حلي بناته ونسائه» ذكره عنه في المحلى[(245)] من طريق جرير بن حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه.

5 ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: «لا بأس بلبس الحلي إذا أعطي زكاته» [(246)] رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لكن روى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ «أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة» [(247)] قال ابن حجر في التلخيص: يمكن الجمع بينهما بأنها كانت ترى الزكاة فيها ولا ترى إخراج الزكاة مطلقاً عن مال الأيتام. اهـ، لكن يرد على جمعه هذا ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: «كانت عائشة تليني أنا وخالي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة» [(248)] قال بعضهم: ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنها لا ترى إخراج الزكاة عن أموال اليتامى واجباً فتخرج تارة، ولا تخرج أخرى كذا قال.

وأحسن منه أن يجاب بوجه آخر وهو أن عدم إخراجها فعل والفعل لا عموم له، فقد يكون لأسباب ترى أنها مانعة من وجوب الزكاة، فلا يعارض القول، والله أعلم[(249)].

فإن قيل: ما الجواب عما استدل به مسقطو الزكاة فيما نقله الأثرم قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «خمسة من الصحابة كانوا لا يرون في الحلي زكاة أنس بن مالك، وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء رضي الله عنهم».

فالجواب: أن بعض هؤلاء روي عنهم الوجوب وإذا فرضنا أن لجميعهم قولاً واحداً، أو أن المتأخر عنهم هو القول بعدم الوجوب، فقد خالفهم من خالفهم من الصحابة، وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد جاء فيهما ما يدل على الوجوب كما سبق.

فإن قيل: قد ثبت في الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «تصدقن يا معشر النساء، ولو من حليكن» [(250)] وهذا دليل على عدم وجوب الزكاة في الحلي إذ لو كانت واجبة في الحلي لما جعله النبي صلّى الله عليه وسلّم مضرباً لصدقة التطوع.

فالجواب على هذا: أن الأمر بالصدقة من الحلي ليس فيه إثبات وجوب الزكاة فيه ولا نفيه عنه، وإنما فيه الأمر بالصدقة حتى من حاجيات الإنسان، ونظير هذا أن يقال: تصدق ولو من دراهم نفقتك ونفقة عيالك، فإن هذا لا يدل على انتفاء وجوب الزكاة في هذه الدراهم[(251)].

فإن قيل: إن في لفظ الحديث: «وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر» [(252)] وفي حديث علي رضي الله عنه: «وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً» [(253)] والرقة «هي الفضة المضروبة سِكَّة، وكذلك الدينار هو السِّكَّة»، وهذا دليل على اختصاص وجوب الزكاة بما كان كذلك والحلي ليس منه.

فالجواب من وجهين:

أحدهما: أن الذين لا يوجبون زكاة الحلي، ويستدلون بمثل هذا اللفظ لا يخصون وجوب الزكاة بالمضروب من الذهب والفضة، بل يوجبونها في التبر ونحوه وإن لم يكن مضروباً، وهذا تناقض منهم وتحكم، حيث أدخلوا فيه ما لا يشمله اللفظ على زعمهم، وأخرجوا منه نظير ما أدخلوه من حيث دلالة اللفظ[(254)] عليه، أو عدمها.

الثاني: أننا إذا سلمنا اختصاص الرقة والدينار بالمضروب من الفضة والذهب، فإن الحديث يدل على ذكر بعض أفراد وأنواع العام بحكم لا يخالف حكم العام، وهذا لا يدل على التخصيص كما إذا قلت: أكرم العلماء، ثم قلت: أكرم زيداً، وكان من جملة العلماء، فإنه لا يدل على اختصاصه بالإكرام، فالنصوص جاء بعضها عاماً في وجوب زكاة الذهب والفضة، وبعضها جاء بلفظ الرقة والدينار، وهو بعض أفراد العام، فلا يدل ذلك على التخصيص[(255)].

فإن قيل: ما الفرق بين الحلي المباح وبين الثياب المباحة إذا قلنا: بوجوب الزكاة في الأول دون الثاني؟

فالجواب: أن الشارع فرق بينهما حيث أوجبها في الذهب والفضة من غير استثناء، بل وردت نصوص خاصة في وجوبها في الحلي المباح المستعمل كما سبق، وأما الثياب فهي بمنزلة الفرس، وعبد الخدمة اللذين قال فيهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» [(256)] فإذا كانت الثياب للبس، فلا زكاة فيها وإن كانت للتجارة ففيها زكاة التجارة[(257)].

فإن قيل: هل يصح قياس الحلي المباح المعد للاستعمال على الثياب المباحة المعدة للاستعمال، كما قاله من لا يوجبون الزكاة في الحلي؟

فالجواب: لا يصح القياس لوجوه:

الأول: أنه قياس في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فهو قياس فاسد[(258)]؛ وذلك لأنه يقتضي إبطال العمل بالنص؛ ولأن النص إذا فرق بين شيئين في الحكم، فهو دليل على أن بينهما من الفوارق ما يمنع إلحاق أحدهما بالآخر، ويوجب افتراقهما، سواء علمنا تلك الفوارق أم جهلناها، ومن ظن افتراق ما جمع الشارع بينهما أو اجتماع ما فرق الشارع بينهما فظنه خطأ بلا شك، فإن الشرع نزل من لدن حكيم خبير.

الثاني: أن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلاً، فلم تكن الزكاة فيها واجبة أو ساقطة بحسب القصد، وإنما الحكم فيها واحد، وهو عدم وجوب الزكاة، فكان مقتضى القياس أن يكون حكم الحلي واحداً وهو وجوب الزكاة، سواء أعدّه للبس أو لغيره، كما أن الثياب حكمها واحد لا زكاة فيها، سواء أعدها للبس أو لغيره، ولا يرد على ذلك وجوب الزكاة فيها إذا كانت عروضاً؛ لأن الزكاة حينئذ في قيمتها.

الثالث: أن يقال: ما هو القياس الذي يراد الجمع به بين الحلي المعد للاستعمال والثياب المعدة له أهو قياس التسوية أم قياس العكس؟

فإن قيل: هو قياس التسوية.

قيل: هذا إنما يصح لو كانت الثياب تجب فيها الزكاة قبل إعدادها للبس والاستعمال، ثم سقطت الزكاة بعد إعدادها ليتساوى الفرع والأصل في الحكم، وإن قيل: هو قياس العكس قيل: هذا إنما يصح لو كانت الثياب لا تجب فيها الزكاة إذا لم تعد للبس، وتجب فيها إذا أعدت للبس، فإن هذا هو عكس الحكم في الحلي عند المفرقين بين الحلي المعد للبس وغيره[(259)].

الرابع: أن الثياب والحلي افترقت عند مسقطي الزكاة في الحلي، في كثير من المسائل فمن الفروق بينهما:

1 ـ إذا أعد الحلي للنفقة، وأعد الثياب للنفقة بمعنى أنه إذا احتاج للنفقة باع منهما، واشترى نفقة، قالوا: في هذه الحال تجب الزكاة في الحلي ولا تجب في الثياب، ومن الغريب أن يقال: امرأة غنية يأتيها المال من كل مكان، وكلما ذكر لها حلي معتاد اللبس اشترته برفيع الأثمان للتحلي به غير فرار من الزكاة، ولما افتقرت هذه المرأة نفسها أبقت حليها للنفقة وضرورة العيش، فقلنا لها: في الحال الأولى لا زكاة عليك في هذا الحلي، وقلنا لها: في الحال الأخيرة عليك زكاة فيه، وهذا هو مقتضى قول مسقطي الزكاة في الحلي المباح[(260)].

2 ـ أن الحنابلة قالوا: إنه إذا أعد الحلي للكراء وجبت فيه الزكاة، وإذا أعدت الثياب للكراء لم تجب الزكاة فيها[(261)].

3 ـ أنه إذا كان الحلي محرماً وجبت الزكاة فيه، وإذا كانت الثياب محرمة لم تجب الزكاة فيها[(262)].

4 ـ لو كان عنده حلي للقنية[(263)] ثم نواه للتجارة صار للتجارة، ولو كان عنده ثياب للقنية ثم نواها للتجارة لم تصر للتجارة.

عللوا ذلك: بأن الأصل في الحلي الزكاة فقويت النية بذلك، بخلاف الثياب، وهذا اعتراف منهم بأن الأصل في الحلي، وجوب الزكاة، فنقول لهم: وما الذي هدم هذا الأصل بدون دليل؟!

5 ـ قالوا: لو نوى الفرار من الزكاة باتخاذ الحلي لم تسقط الزكاة، وظاهر كلام أكثر أصحاب الإمام أحمد، أنه لو أكثر من شراء العقار، فراراً من الزكاة سقطت الزكاة، وقياس ذلك لو أكثر من شراء الثياب فراراً من الزكاة سقطت الزكاة؛ إذ لا فرق بين الثياب والعقار، فإذا كان الحلي المباح مفارقاً للثياب المعدة للبس في هذه الأحكام، فكيف نوجب أو نجوز إلحاقه بها في حكمٍ دلَّ النص على افتراقهما فيه[(264)]؟

إذا تبين ذلك فإن الزكاة لا تجب في الحلي حتى يبلغ نصاباً لحديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ السابق: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزُكِيَ فليس بكنز» [(265)] فنصاب الذهب عشرون ديناراً ونصاب الفضة مائتا درهم.

فإذا كان حلي الذهب ينقص وزن ذهبه عن عشرين ديناراً، وليس عند صاحبه من الذهب ما يكمل به النصاب فلا زكاة فيه.

وإذا كان حلي الفضة ينقص وزن فضته عن مائتي درهم، وليس عند صاحبه من الفضة ما يكمل به النصاب فلا زكاة فيه.

والمعتبر وزن ما في الحلي من الذهب أو الفضة، وأما ما يكون فيه من اللؤلؤ ونحوه، فإنه لا يحتسب به في تكميل النصاب، ولا يزكى ما فيه من اللؤلؤ ونحوه؛ لأنه ليس من الذهب والفضة، والحلي من غير الذهب والفضة لا زكاة فيه إلا أن يكون للتجارة.

لكن هل المعتبر في نصاب الذهب الدينار الإسلامي الذي زنته مثقال، وفي نصاب الفضة الدرهم الإسلامي الذي زنته سبعة أعشار المثقال، أو المعتبر الدينار والدرهم عرفاً في كل زمان ومكان بحسبه سواء قل ما فيه من الذهب والفضة أم كثر[(266)]؟

الجمهور على الأول، وحكي إجماعاً.

وحقق شيخ الإسلام ابن تيمية الثاني، أي: أن المعتبر الدينار والدرهم المصطلح عليه في كل زمان ومكان بحسبه، فما سمي ديناراً أو درهماً ثبتت له الأحكام المعلقة على اسم الدينار والدرهم، سواء قل ما فيه من الذهب والفضة أم كثر وهذا هو الراجح عندي؛ لموافقته ظاهر النصوص، وعلى هذا فيكون نصاب الذهب عشرين جنيهاً ونصاب الفضة مائتي ريال، وإن احتاط المرء، وعمل بقول الجمهور فقد فعل ما يثاب عليه إن شاء الله[(267)].

فإذا بلغ الحلي نصاباً خالصاً عشرين ديناراً إن كان ذهباً، ومائتي درهم إن كان فضة ففيه ربع العشر؛ لحديث علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء ـ يعني في الذهب ـ حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار» [(268)] رواه أبو داود[(269)].

وبعد: فإن على العبد أن يتقي الله ما استطاع، ويعمل جهده في تحري معرفة الحق في الكتاب والسنة، فإذا ظهر له الحق منهما وجب عليه العمل به، وألاَّ يقدم عليهما قول أحد من الناس كائناً من كان، ولا قياساً من الأقيسة، أي قياس كان، وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، فإنهما الصراط المستقيم، والميزان العدل القويم، قال الله تعالى: {{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}} [النساء: 59] والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته، وهديه حياً وميتاً.

وقال الله تعالى: {{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *}} [النساء: 65] .

فأقسم الله تعالى بربوبيته لرسوله صلّى الله عليه وسلّم التي هي أخص ربوبية قسماً مؤكداً على أنه لا إيمان إلاّ بأن نحكم النبي صلّى الله عليه وسلّم في كل نزاع بيننا، وألاّ يكون في نفوسنا حرج وضيق مما قضى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأن نسلم لذلك تسليماً تاماً بالانقياد الكامل والتنفيذ، وتأمل كيف أكد التسليم بالمصدر، فإنه يدل على أنه لا بد من تسليم تام، لا انحراف فيه، ولا توانيَ.

وتأمل أيضاً المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه، فالمقسم به ربوبية الله لنبيه صلّى الله عليه وسلّم، والمقسم عليه هو عدم الإيمان إلا بتحكيم النبي صلّى الله عليه وسلّم تحكيماً تاماً، يستلزم الانشراح والانقياد والقبول، فإن ربوبية الله لرسوله تقتضي أن يكون ما حكم به مطابقاً لما أذن به ربه ورضيه، فإن مقتضى الربوبية الخاصة بالرسالة ألا يقره على خطأ لا يرضاه له، وإذا لم يظهر له الحق من الكتاب والسنة وجب عليه أن يأخذ بقول من يغلب على ظنه أنه أقرب إلى الحق بما معه من العلم والدين فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» [(270)] وأحق الناس بهذا الوصف الخلفاء الأربعة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ فإنهم خلفوا النبي صلّى الله عليه وسلّم في أمته في العلم والعمل والسياسة والمنهج، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء.

ونسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يجعلنا ممن رأى الحق حقاً فاتبعه، ورأى الباطل باطلاً فاجتنبه، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

 

حرره كاتبه الفقير إلى الله محمد الصالح العثيمين

وذلك في 12 من صفر سنة 1382

والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات

 

------------------------

 

[221] قرئت هذه الرسالة على شيخنا ـ رحمه الله ـ أثناء شرحه لزكاة الحلي من «الزاد»، وعلق عليها، فألحقت بكتاب الزكاة في هذا الموضع؛ تتميماً للفائدة، وحفظاً لتعليقات شيخنا رحمه الله. وهي من مؤلفاته رحمه الله وكانت طباعتها الأولى عام 1382هـ.

[222] قوله: «ونتوب إليه».

هذا ما درج عليه العلماء، من استفتاح كتبهم بهذه الخطبة، لكني ما رأيت: «ونتوب إليه» في الحديث، بل إن الحديث جاء على هذا النحو «ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله» فإن زادها الإنسان فلا بأس، وإن حذفها فهو أحسن ليطابق الحديث.

أما ما يزيده الناس اليوم «ونستهديه، ومن يضلل الله فلن تجد له ولياً مرشداً» وما أشبه ذلك، فهذا يظهر لي والله أعلم أنهم لا يريدون أن ينقلوا الخطبة بالنص.

[223] أي: الذي روي أن الذي لم يؤد زكاته فهو كنز، وما أديت زكاته فليس بكنز، ولا عبرة بكونه مدفوناً أو ظاهراً.

[224] سبق تخريجه ص(6).

[225] سبق تخريجه ص(128).

[226] بلوغ المرام (620).

[227] قال الشيخ ابن باز: (إنه صحيح) وذلك في الرسالة التي ألفها في زكاة الحلي.

[228] سنن الترمذي في الزكاة/ باب ما جاء في زكاة الحلي (637).

[229] المسند (6/461).

[230]سبق تخريجه ص(129).

[231] هذا الحديث فيه إشكال، وهو أن الفتخات لن تبلغ نصاباً فالفضة نصابها خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً، والفتخة لا تبلغ ذلك.

وأجاب عن هذا الإشكال سفيان الثوري رحمه الله وقال: تضمه إلى غيره، وهذا أحد الأجوبة عن هذا الحديث.

وقال بعض العلماء: بل هذا يدل على أنه لا يشترط النصاب في الحلي وأن الحلي قل أو كثر فيه الزكاة. ولكن جواب سفيان أولى؛ لأن إيجاب الزكاة فيما دون النصاب في القلب منه شيء، والأصل براءة الذمة.

[232] «التلخيص الحبير» (2/178).

[233] سبق تخريجه ص(129).

[234] هذا أحد الأجوبة التي أجاب بها من قال: إنه لا زكاة في الحلي، قال: هذه الأحاديث محمولة على ما قبل التحليل يعني حين كان التحلي حراماً، وهذا يحتاج إلى أمرين كما تعلمون:

أولاً: يحتاج إلى إثبات أنه وقع التحريم.

ثانياً: يحتاج إلى إثبات النسخ.

فإذا ثبت هذا فيمكن أن يجاب به، ثم إن هذا الحديث يدل على أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أقر اللبس، وإنما أوجب الزكاة، وتوعد من لم يزكِّ، فلا يستقيم هذا الجواب.

(1) النسخ لا يثبت بالاحتمال، فقد يحتمل أنه منسوخ، ولكن هذا لا يكفي، بل لا بد أن نعلم تأخر الناسخ؛ لأن للنسخ شرطين لا بد منهما:

الأول: تعذر الجمع، فإذا أمكن الجمع بأي وجه من وجوه الجمع كالتخصيص مثلاً أو التقييد، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يصار إلى النسخ؛ لأن النسخ أمره عظيم إذ إنه إثبات ردِّ أحد النصين، وإهداره فليس هيناً.

الأمر الثاني: معرفة أن هذا بعد هذا أي أن ما ادعي أنه ناسخ يكون بعد ما ادعي أنه منسوخ، فإن لم نعلم فإنه لا نسخ.

لكن ماذا يكون موقفنا إذا لم يثبت النسخ، وتعذر الجمع؟

الجواب: نرجع إلى طريق آخر قبل التوقف وهو الترجيح، فننظر أيهما أرجح، وطرق الترجيح معروفة عند الأصوليين، وعند المحدثين.

فإن لم يتبين الترجيح فحينئذٍ يجب التوقف، فنقول: الله أعلم، ولكن هذا علمياً قد يكون مشكلة؛ لأن العامي لا يرضيه أن تقول: أنا متوقف، بل يقول: أفتنا، فماذا نعمل في هذه الحال؟

الظاهر ـ والله أعلم ـ أننا نلجأ إلى الاجتهاد ونأخذ بالاحتياط، أو بما يطابق الشريعة فالذي يطابق الشريعة هو الأسهل، والاحتياط هو الأثقل، على أن الوصول إلى درجة التوقف لا تمكن باعتبار النص «الدليل»، بل تمكن باعتبار الإنسان، باعتبار «المستدل»، فتتعارض عنده النصوص، ويكون ذلك إما بسبب قصوره، أو تقصيره، أو سوء قصده، أو رداءة فهمه.

وهنا نكون أجبنا عن قول من قال: إن الوعيد كان حينما كان التحلي ممنوعاً.

فأجبنا: بأن هذا لا يستقيم، وذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يمنع من التحلي به، بل أقره مع الوعيد على ترك الزكاة، ولو كان حراماً لتوعد على لبسه ومنعه، وحينئذٍ لا يستقيم هذا الجواب.

وأيضاً النسخ إذا قيل: إنه كان حين كان ممنوعاً، ثم نسخ إلى الإباحة، فإنه يحتاج إلى دليل بحيث نعلم المتأخر، ويتعذر الجمع؛ لأن للنسخ شرطين لا بد منهما:

أولاً: تعذر الجمع.

ثانياً: العلم بالمتأخر.

ثم لو فرضنا أن هذا كان حين التحريم فإن الأحاديث المذكورة حديث عائشة  وأم سلمة  والمرأة  تدل على الجواز بشرط إخراج الزكاة، وحينئذٍ نقول: لنفرض أن هذا كان حين التحريم، فإن الأدلة الدالة على الجواز تقيده بإخراج الزكاة، ولا دليل على ارتفاع هذا الشرط وإباحته ـ أي إباحة التحلي ـ إباحة مطلقة، وبهذا سقط هذا التقدير، أي: أن ذلك كان حين التحريم.

إذاً الجواب من ثلاثة أوجه:

الأول: أنه قد طعن في الحديث، وفي روايه.

الثاني: أنه لو فرض رفع الطعن في الراوي فإنه لا يعارض أحاديث الوجوب، والمعارضة لا بد أن يكون المعارض مقاوماً للأحاديث التي عارضها حتى يمكن أن يعارض به.

الثالث: أنه لو فرض التعارض والتساوي والتقابل فالأخذ بالوجوب أحوط وأبرأ للذمة ولهذا ذهب بعض العلماء كالشيخ الشنقيطي رحمه الله في «أضواء البيان» إلى أن القول بالوجوب أحوط، ويكون من باب الاحتياط.

[235] سبق تخريجه، ص(129).

[236] سبق تخريجه، ص(130).

[237] (3/294) موقوفاً على جابر رضي الله عنه.

[238] سبق تخريجه ص(125).

[239] أخرجه البخاري في الإيمان/ باب فضل من استبرأ لدينه (52)؛ ومسلم في المساقاة/ باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

[240] أخرجه ابن أبي شيبة (3/153)؛ والبيهقي (4/139).

[241] «التلخيص الحبير» (2/177).

[242] أخرجه الدارقطني مرفوعاً (2/108)؛ والطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (2/70)؛ والبيهقي (4/139).

[243] والفرق بين المرفوع والموقوف، أن المرفوع: ما كان عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.

والموقوف: ما كان عن الصحابي.

والمقطوع: ما كان عن التابعي فمن بعده.

والمنقطع: ما سقط من سنده واحد، أو أكثر في موضعين.

[244] «التلخيص الحبير» (2/178).

[245] (6/75)، وأخرجه الدارقطني (2/107)؛ وابن أبي شيبة (3/154).

[246] أخرجه الدارقطني (2/107).

[247] الموطأ (1/250).

[248] «الموطأ» (1/251).

[249] هذا الأثر ينبغي أن يتخذ منه قواعد في باب المناظرة، وذلك أن عائشة رضي الله عنها، قالت: «لا بأس من لبس الحلي إذا أعطي زكاته» (1) فدل هذا على أنه لا بد من إعطاء الزكاة، ولكن روى مالك في الموطأ بإسناد أصح من ذلك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة «أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة» ولو كانت ترى الوجوب لأخرجت؛ لأن الولي يجب عليه إخراج الزكاة عن المولّى عليه، ولهذا قال العلماء: «والمجنون والصبي يخرج عنهما وليهما».

قال ابن حجر في «التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» ـ وهو كتاب حسن جيد يساوي أو يقارب كتاب الزيلعي: «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» وكلاهما جيد في الموضوع ـ: «ويمكن الجمع بينهما: بأنها كانت ترى الزكاة فيها ـ أي في الحلية ـ ولا ترى إخراج الزكاة مطلقاً من مال الأيتام»، بناءً على أنه يشترط في وجوب الزكاة البلوغ والعقل كما هو مذهب أبي حنيفة، والأيتام لم يبلغوا، فعلى هذا تكون لا تخرج زكاة الأيتام الذين في حجرها؛ لأنها لا ترى وجوب الزكاة على الصغير، وهذا الجواب لا شك أنه سديد، إلا أنه يرد عليه ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: «كانت عائشة تليني أنا وخالي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة» وهذا يدل على أنها ترى وجوب الزكاة في أموال الأيتام، وأنه لا يشترط لوجوبها البلوغ والعقل.

وأجاب بعضهم فقال: يمكن أن يجاب عن ذلك بأنها لا ترى إخراج الزكاة عن أموالهم ـ يعني أموال اليتامى ـ واجباً، فتخرج تارة ولا تخرج أخرى، كذا قال.

وهذا الجواب فيه نظر؛ لأنها لو كانت لا ترى إخراج الزكاة واجبة، ما جاز لها أن تخرج منها؛ لأنها إذا كانت تطوعاً، فالتطوع لا يجوز من مال الأيتام؛ لأنه تبرع، وليس للولي حق التبرع في مال من ولي عليه.

ولهذا يُفَرَّق بين جواز التبرع، وجواز التصرف، فجواز التبرع أضيق؛ لأن مَنْ جاز تبرعه جاز تصرفه ولا عكس، فالولي يجوز أن يتصرف في مال المولّى عليه، ولا يجوز أن يتبرع منه.

وأحسن منه أن يجاب بوجه آخر، وهو أن عدم إخراجها فعل، والفعل لا عموم له، وهذا ما يعبر عنه أحياناً أنه قضية عين، فإذا كان فعلاً، فقد يكون لأسباب ترى أنها قد تكون مانعة لوجوب الزكاة، وربما يكون عليهما دين مثلاً، والدين عند بعض العلماء يمنع وجوب الزكاة، وربما أنها تخرج ذلك خفية، ولم يطلع عليه أحد، المهم أن الفعل ليس له عموم.

[250] سبق تخريجه ص(126).

[251] ذكرنا في أول الرسالة أننا سنجيب على أدلة القائلين بعدم الوجوب عرضاً، فهنا استدل القائلون بعدم الوجوب بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «تصدقن ولو من حليكن» فجعل الصدقة المأمور بها، وهي تطوع جعلها مضرباً والجواب، أن يقال: إن الأمر بالصدقة من الحلي لا يدل على إثبات وجوب الزكاة في الحلي، ولا على نفيه، كما تقول: «تصدق ولو من ثيابك» فهذا من باب المبالغة أنك تتصدق ولو من حاجياتك، فلو قلت: تصدق من دراهم نفقتك، فهل يعني ذلك أن الدراهم لا تجب فيها الزكاة؟

الجواب: لا؛ لأن وجوب الزكاة فيها من وجه آخر، كذلك هذا الحلي وجوب الزكاة فيه من وجه آخر غير هذا الدليل، فهذا الدليل لا يدل على النفي ولا على الإثبات، إنما يدل على الأمر بالصدقة والحث عليها حتى فيما يحتاجه الإنسان.

[252] سبق تخريجه ص(31).

[253]سبق تخريجه ص(97).

[254] ما هو الذي لا يشمله اللفظ في زعمهم؟ . الجواب: التبر ونحوه، يقولون في التبر: تجب فيه الزكاة مع أنهم يستدلون بنفي الزكاة في الحلي بقوله: «في الرقة، والدينار» فنقول: أنتم أوجبتم الزكاة في التبر مع أنه ليس رقة ولا ديناراً على كلامكم.

[255] هناك جواب ثالث ذكره ابن حزم وغيره، اطلعنا عليه أخيراً وهو قوله: الرقة اسم للفضة مطلقاً، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة وعلى هذا فقوله: «في الرقة ربع العشر» يدل على العموم وفي قوله: «في مائتي درهم ربع العشر» (1) دليل على اكتمال النصاب، ولكن هذا مخالف لقول أكثر من تكلم في هذا الباب، فقالوا: بأن الرقة هي السكة المضروبة لقوله تعالى: {{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ}} [الكهف: 19] فهي السكة المضروبة من الدراهم.

[256] سبق تخريجه ص(127).

[257] يعني أن بعض القائلين بعدم الوجوب قالوا: هذا كالثياب في حاجته إليها للبس ونحوه.

فيقال: نعم لو كان الأصل في الذهب والفضة عدم الزكاة لقلنا: لا زكاة في الحلي، كما قلنا في الثياب: الأصل فيها عدم وجوب الزكاة، فهذا قياس مع الفارق، وهو أن الشارع إذا فرق بين شيئين فإننا لا نسأل عن الحكمة بينهما، وهذا كالأمور القدرية إذا جاءت خلاف سنة الله عزّ وجل، قال سبحانه: {{كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}} [آل عمران: 40] فنسلم للسنن الكونية، وكذلك للسنن الشرعية، ولما قيل لعائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (1) فإذا فرق الشرع بين شيئين فليس من حقنا أن نجادل، ونقول لماذا يكون هكذا هنا، وهكذا هنا؟ لأن الله يفعل ما يشاء في الخلق والتقدير، ويحكم بما يشاء في الشرع والتدبير.

[258] يسمي الأصوليون هذا القياس فاسداً أي: غير معتبر، فكل قياس في مقابلة النص قياس فاسد؛ لأن هذا القياس إبطال للنص، وقد قالوا: إن أول من قاس قياساً فاسداً، إبليس، فكل من قاس قياساً فاسداً فهو من ورثته؛ لأن الله أمر إبليس بالسجود، فقال: أنا خير منه، فالقياس يقتضي ألاّ يسجد الخير لمن دونه، وأن الأصغر يسجد للأكبر، وكأن إبليس يقول: أنا أحقُّ أن يسجد لي من أن أسجد له، فهذا الكبر لم ينفع.

[259] إن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلاً، فلم تكن الزكاة واجبة، أو ساقطة بحسب القصد، كالذهب والفضة على زعمهم إن قصدت للتحلي سقطت، وإن قصدت لأمر آخر لم تسقط، فكان مقتضى القياس عدم وجوب الزكاة، وأن يكون حكم الحلي واحداً، وهو وجوب الزكاة سواء قصد بها التحلي أو لا؛ لأن القياس ينقسم إلى قسمين هما:

1 ـ قياس تسوية: يسوى بين الفرع والأصل في الحكم.

2 ـ قياس عكس: يعطي الفرع نقيض حكم الأصل.

وقد ثبت قياس العكس بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، فكذلك لو وضعها في حلال كان له بها أجر» (1) فهذا يسمى قياس العكس.

[260] هذا مما يفارق فيه الحلي الثياب عند الذين لا يرون فيه زكاة يقولون: إذا أعد الحلي للنفقة ففيه الزكاة، وإذا أعدت الثياب للنفقة فلا زكاة فيها، فأين القياس؟ وصورة ذلك:

امرأة عندها حلي، كلما احتاجت باعت وأنفقت على نفسها، وأخرى عندها ثياب كثيرة كلما احتاجت باعت، فالأولى عليها الزكاة، والثانية لا زكاة عليها.

أين القياس إذاً؟

إذ مقتضى القياس أن تجب الزكاة في الجميع أو لا تجب في الجميع.

قالوا: الفرق بينهما أن الحلي الأصل فيه الزكاة؛ لأنه ذهب وفضة بخلاف الثياب؛ لأنها عروض، والأصل فيها عدم الزكاة.

قلنا: اعترفتم أن الأصل في الذهب والفضة هو الزكاة، فمن الذي أسقطها؟ وأين الدليل على إسقاطها؟

[261] مقضتى القياس: أن تجب الزكاة في الجميع أو لا تجب في الجميع، أما أن نقول: إذا أعد الحلي للكراء وجبت الزكاة فيه، وإذا أعدت الثياب لم تجب فكيف يصح القياس؟

وهنا قلنا: «أن الحنابلة» إشارة إلى أن غير الحنابلة كالشافعية قالوا: إذا أعد للكراء فليس فيه زكاة كالإبل العوامل، والبقر العوامل ـ الإبل والبقر العوامل هي التي يحمل عليها أو تؤجر ـ ليس فيها زكاة فإذا صارت للتأجير فلا زكاة فيها.

فالشافعية طردوا الباب، فقالوا: ما دام هذا الحلي لا زكاة فيه، فإنه إذا أعد للكراء فلا زكاة فيه.

أما الحنابلة فقالوا: إذا أعد للكراء ففيه الزكاة.

ونحن نخاطب الجميع ونقول: كيف تقيسون الحلي أولاً على الثياب، ثم تقولون بعد ذلك: إذا أعدت الثياب للكراء فلا زكاة فيها، وإذا أعد الحلي للكراء ففيها الزكاة.

[262] وهذا تناقض؛ أي لو أن امرأة عليها حلي محرم كسوار على هيئة ثعبان، فعليها الزكاة فيه، ولو كان رجل عليه ثياب من حرير لم تجب عليه الزكاة فيها، فيقال: مقتضى القياس الطرد إما أن توجبوا الزكاة في الجميع، أو لا توجبوا الزكاة في الجميع.

قالوا: الفرق بينهما: أن الزكاة سقطت عن الذهب والفضة في الاستعمال المباح المأذون فيه، أما المحرم فلا تسقطـ لأنه غير مأذون فيه فيكون إعداده للبس غير معتبر شرعاً.

فنقول: الآن أقررتم أن الأصل في الحلي الزكاة، فأين الدليل على إسقاطها.

[263] «القنية» من الاقتناء وهو الادخار.

[264] هؤلاء أوجبوا أن نلحق الحلي بالثياب أو نجوز إلحاق الحلي بالثياب، فنوجب الزكاة فيه بدون دليل، ونحن لا نرى جواز ولا وجوب إلحاقه بالثياب لأنه لا يصح القياس.

[265] سبق تخريجه ص(129).

[266] الدرهم الإسلامي أقل من الدينار بالوزن ـ الدينار مثقال، والدرهم: سبعة أعشار المثقال ـ يعني كل عشرة دراهم إسلامية سبعة مثاقيل، وعشرة دنانير: تساوي عشرة مثاقيل، ومعنى ذلك في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان الدرهم أقل من الدينار، أما في عرفنا الآن فالدرهم أكبر بكثير من الدينار.

والدينار: هو النقد من الذهب، والدرهم هو النقد من الفضة.

والدينار: يسمى عندنا الجنيه، والدرهم يسمى ريالاً.

[267] فالأحوط أن نأخذ بالأقل، بمعنى ما كان يبلغ النصاب أولاً، فمثلاً لو قدرنا أن مائتي درهم لا تبلغ مائة وأربعين مثقالاً، إذا قدرنا بالوزن وهو رأي الجمهور، فالأحوط أن نأخذ بالعدد؛ لأن مائتي درهم تبلغ النصاب بالعدد دون الوزن، وإذا قدرنا أن مائتي درهم تزيد على مائة وأربعين مثقالاً، أي تكون مائتي مثقال، فالأحوط هنا الوزن وهو رأي الجمهور.

والنصاب الآن باعتبار الوزن ستة وخمسون ريالاً، وباعتبار العدد مائتا درهم معناه أنه قريب من ربع النصاب بالوزن، فستة وخمسون نسبتها إلى مائتين قريب من الربع قليلاً، على كل نعمل بالأحوط وذلك لمستحقي الزكاة، فإن بلغ النصاب باعتبار العدد قبل الوزن أخذنا بقول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه الأحوط، وإن بلغ النصاب بالوزن قبل بلوغه بالعدد أخذنا برأي الجمهور؛ لأنه الأحوط.

[268] لأن نصف دينار من عشرين، ربع العشر، وقد صرح بذلك في حديث أبي بكر الذي رواه البخاري وغيره: «وفي الرقة إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر» (1) .

[269]  سبق تخريجه ص(97).

[270]  سبق تخريجه ص(162).

 

 

تاريخ التحديث : Jan 23, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com