|
بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ
يَحْرُمُ صَيْدُهُ عَلَى المُحْرِمِ والحَلاَلِ،...........
قوله: «الحرم» ، أل هنا للعهد الذهني، يعني بذلك حرم مكة والمدينة، وعلى هذا فـ «أل» هنا للجنس، أي: باب صيد ما يسمى حرماً، وليس في الدنيا شيء حرم إلا هذان الحرمان، حرم مكة، وحرم المدينة، وأما ما نسمع في كلام الناس حرم المسجد الأقصى، والحرم الإبراهيمي، فكله لا صحة له ولا أصل له، ولهذا يوهم كلام بعض الناس يقول عن المسجد الأقصى: ثالث الحرمين؛ لأن الذي يسمع العبارة يقول: إنه حرم، ولكن الصواب أن تقول: ثالث المسجدين يعني المساجد التي تشد إليها الرحال.
واختلف العلماء في وادي وج في الطائف.
والصحيح أنه ليس بحرم.
قوله: «يحرم صيده على المحرم والحلال» ، أي: يحرم صيد الحرم على المحرم والحلال، أي: من لم يحرم؛ لأن تحريمه للمكان، فيحرم على المحرم من وجهين هما: الحرم والإحرام، ويحرم على الحلال من وجه واحد هو الحرم، وهل يلزم المحرم إذا قتل صيداً في الحرم جزاءان لوجود السببين؟ الصحيح أنه لا يلزمه جزاءان؛ لأنه النفس واحدة، وقد قال تعالى: {{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}}.
ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أعلن هذا التحريم عام فتح مكة، فقال: «إن الله حرمه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» ، وقال فيه: «لا ينفر صيدها» [(197)]، فإذا كان تنفير صيدها حراماً، فقتله حرام من باب أولى، وفي هذا الخبر المؤكد دليل على أنه لا يمكن نسخ تحريم مكة؛ لأنه جعل الغاية يوم القيامة.
وقوله: «يحرم صيده على المحرم والحلال» ، أضاف الصيد إلى الحرم، وعلى هذا فصيد الحل إذا دخل في الحرم لا يحرم، لكن يجب إزالة اليد المشاهدة عنه وإطلاقه، ولا يجوز ذبحه في الحرم، بل ولا إبقاءُ اليد المشاهدة عليه، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أن الصيد إذا دخل به الإنسان وهو حلال من الحل، فهو حلال؛ لأنه ليس صيداً للحرم، بل هو صيد لمالكه، وقد كان الناس يبيعون ويشترون الظباء والأرانب في قلب مكة في خلافة عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ[(198)]، من غير نكير، وهذا يدل على أن الصيود التي يدخل بها من الحل، وتباع في مكة حلال بيعها وشراؤها وذبحها وأكلها، وليس فيه إثم.
مسألة: ظاهر كلام المؤلف أن الصيد البحري لا يحرم صيده إذا كان في الحرم، وعلى المذهب إذا كان في الحرم فهو حرام، ولكن لا جزاء فيه.
واستدلوا بعموم الأحاديث الدالة على تحريم صيد الحرم، والصحيح أن البحري يجوز صيده في الحرم[(199)]؛ لقوله تعالى: {{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}} [المائدة: 96] وهذا عام.
فلو فرض أن هناك بركة ماء، أو نحوها، وفيها سمك غير مجلوب إليها بل توالد فيها، فإن الصحيح أنه لا يحرم، وأنه حلال على المحرم والحلال.
وَحُكْمُ صَيْدِهِ كَصَيْدِ المُحْرِم. وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ وحَشِيشِهِ الأَخْضَرينِ إِلاَّ الإِذْخِر .
قوله: «وحكم صيده كصيد المحرم» ، أي: على ما سبق من التفصيل، ففيه الجزاء، مثل ما قتل من النعم، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً.
قوله: «ويحرم قطع شجره وحشيشه الأخضرين» الشجر ما له ساق، والحشيش ما لا ساق له.
ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يعضد شجرها، ولا يحش حشيشها ولا يختلى خلاها»[(200)] ، وكل هذا تأكيد لحرمة هذا المكان، وأنه حتى الأشجار محترمة والصيود محترمة، ولولا رحمة الله ـ عزّ وجل ـ لكانت كل الحيوانات محترمة، لكن فيه مشقة على الناس، فحرم الصيد في الحرم فقط.
وقوله: «شجره» الشجر مضاف إلى الحرم، فيفيد أن المحرم ما كان من شجر الحرم، لا من شجر الآدمي، وعلى هذا فما غرسه الآدمي أو بذره من الحبوب، فإنه ليس بحرام، لأنه ملكه، ولا يضاف إلى الحرم، بل يضاف إلى مالكه.
وقوله: «وحشيشه» نقول فيها ما قلنا في شجره: إن الحشيش مضاف إلى الحرم، فالحشيش الذي ينبت بفعل الآدمي ليس بحرام.
وقوله: «الأخضرين» صفة للشجرة، والحشيش، والمراد ما فيهما الحياة والنمو، سواء كانا أخضرين أو غير أخضرين؛ لأن من الأشجار ما ليس بأخضر، وكذلك من الزروع والحشيش ما ليس بأخضر، وبعضه قد يموت وهو أخضر كالإذخر، فالأولى أن يقال: «شجره وحشيشه الحيين» سواء كانا بلون الخضرة أو غيره.
فخرج بذلك ما كان ميتاً، فإنه حلال، فلو رأيت شجرة قد ماتت فهي حلال ولو رأيت غصناً منكسراً تحت الشجرة فهو حلال؛ لأنه انفصل وهلك، والغصن اليابس في الشجرة الخضراء يجوز قطعه إذا كان يبسه يبس موت؛ لأن بعض الأشجار تيبس أغصانها لكن إذا جاء المطر نمت، ولكن قال العلماء: ما قطعه الإنسان من أشجار الحرم، فإنه حرام؛ لأنه قطع بغير حق.
مسألة: ثمر شجر الحرم هل نقول إنه كالشجر؟
الجواب: لا، فلو أن شجرة تفاح نبتت في الحرم بدون فعل آدمي، ثم أثمرت وأخذ الإنسان ثمرتها فإن ذلك لا بأس به.
قوله: «إلا الإذخر» ، الإذخر نبت معروف يستعمله أهل مكة في البيوت، والقبور، والحدادة.
أما الحدادة فلأنه سريع الاشتعال، فيشعلون به النار، من أجل أن تشعل الفحم والخشب.
وأما في القبور فإنهم يجعلونه ما بين اللبنات؛ ليمنع تسرب التراب إلى الميت.
وأما في البيوت فيجعلونه فوق الجريد؛ لئلا يتسرب الطين من الجريد فيختل السقف.
فالناس في حاجة إليه، وسبب الاستثناء العباس بن عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما حرم حشيشها قال: «يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لبيوتهم وقبورهم»[(201)] ، وفي لفظ: «لبيوتهم وقينهم»[(202)] ، أي: حداديهم، فقال: «إلا الإذخر» ، وعلى هذا فيستثنى من الشجر والحشيش الأخضرين الإذخر.
مسائل: ـ
الأولى: الكمْأة، والعساقل، وبنات الأوبر، وما أشبهها كالذي يسميه الناس الفطيطر، هل هو حرام، أو لا؟
الجواب: ليس بحرام؛ لأنه ليس من الأشجار، والكمأة، والعساقل، وبنات الأوبر، أنواع داخلة تحت جنس واحد وهو الفقع، فهذه حلال؛ لأنه ليس بأشجار ولا حشيش، فلا يدخل في التحريم.
الثانية: سكت المؤلف ـ رحمه الله ـ عن جزاء هذه الأشجار أو الحشيش، فهل أسقطها اختصاراً أو اقتصاراً؟
الجواب: بما أن المؤلف من أصحاب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ من الحنابلة، فالظاهر أنه أسقطها اختصاراً، لا اقتصاراً.
لكن يحتمل أنه أسقطها اقتصاراً، أي: أن التحريم مقصور على القطع والحش، وليس فيه جزاء.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء:
فقال بعض العلماء: إن هذه الأشجار أو الحشائش ليس فيها جزاء، وهذا مذهب مالك، وابن المنذر، وجماعة من أهل العلم.
وهو الحق؛ لأنه ليس في السنة دليل صحيح يدل على وجوب الجزاء فيها، وما ورد عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم[(203)] ـ، فيحتمل أنه من باب التعزير، فرأوا أنه يعزر من قطع هذه الأشجار، بناءً على جواز التعزير بالمال، ولو كان الجزاء واجباً لبينه النبي صلّى الله عليه وسلّم، إذ لا يمكن أن يدع أمته بلا بيان ما يجب عليهم، وبوفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم انقطع التشريع، وليس هذا من باب القياس حتى يقال لعله يقاس على الصيد؛ لأن هنا فرقاً بين الصيد والأشجار، فالأشجار نامية، لكن ليس فيها الحياة التي في الصيود، فإذا قطع الإنسان شجرة أو غصناً منها، أو حش حشيشاً فإنه يأثم، ولكن لا جزاء عليه لا قليلاً ولا كثيراً.
الثالثة: إذا كانت الأشجار في الطريق، فهل يجوز إزالتها من أجل الطريق؟
الجواب: إن كان هناك ضرورة بحيث لا يمكن العدول بالطريق إلى محل آخر فلا بأس بقطعها، وإن لم يكن ضرورة، فالواجب العدول بالطريق عنها؛ لأنه يحرم قطعها بلا ضرورة.
الرابعة: إذا كانت الشجرة خارج الطريق، لكن أغصانها ممتدة إلى الطريق وتؤذي المارة بشوكها وأغصانها، فهل تقطع؟
الجواب: لا تقطع؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يعضد شوكها»[(204)] ، والشوك يؤذي، ومع ذلك نهى عن عضده، أي: قطعه، وبإمكان الإنسان أن يطأطئ رأسه حتى لا تصيبه الأغصان.
فإن قال قائل: إذا وطئ الإنسان على الحشيش بلا قصد، فهل عليه شيء؟
فالجواب: لا كما لو انفرش الجراد في طريقه ومرَّ عليه، فإنه ليس عليه شيء، ومن ذلك ما لو احتاج الإنسان إلى وضع فراش في منى أو مزدلفة وكان فيها نبات، فإنه لا يحرم عليه وضع الفراش على الأرض، وإن أدى ذلك إلى تلف ما تحته من الحشيش أو أصول الشجر؛ لأن ذلك غير مقصود، ومن المعلوم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه كانت إبلهم تمشي على الأرض، ولم يقل توقوا المشي على الأرض، وفرق بين ما قصد وما لم يقصد.
وَيَحْرُمُ صَيْدُ المَدِيْنَةِ، وَلاَ جزاءَ فِيهِ، وَيُبَاحُ الحشِيْشُ لِلْعَلفِ، وآلَةُ الحَرْثِ وَنَحْوِهِ وَحَرَمُهَا مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ.
قوله: «ويحرم صيد المدينة» ، صيد حرم المدينة حرام، لكن حرمته دون حرمة حرم مكة؛ لأن تحريم صيد مكة ثابت بالنص والإجماع، وأما حرم المدينة فمختلف فيه، ولكن القول الصحيح أن المدينة لها حرم وأنه لا يجوز الصيد فيه، إلا أنه يفارق مكة بأن من أدخل حرمها صيداً فهو له، ومكة سبق أن المذهب يجب عليه إطلاقه إذا أدخله الحرم، لكن على القول الراجح لا فرق بينهما، وهو أن من أدخل صيداً إلى الحرمين مكة أو المدينة، فهو ملكه يتصرف فيه كما يشاء، ودليل ذلك حديث أبي عمير، وهو غلام كان معه طائر صغير يسمى النُّغير وكان فرحاً به يأتي به إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ويعرف النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه فرح به، فمات النغير فكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول له: «يا أبا عُمير ما فعل النُّغير» [(205)] يمازحه صلّى الله عليه وسلّم.
قوله: «ولا جزاء فيه» ، والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يجعل فيه جزاء، فالأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب.
وقال بعض أهل العلم ـ وهو رواية عن أحمد ـ: إن فيه الجزاء، وهو سلب القاتل، أي: أخذ سلبه من ثوبه وغترته، وما أشبه ذلك، لحديث ورد في ذلك أخرجه مسلم[(206)].
والقائلون بعدم وجوب الجزاء يجيبون عن هذا الحديث بأنه من باب التعزير لا من باب الضمان، ولهذا لا يختلف هذا التعزير بين الصغير والكبير، ولا يختلف فيما إذا كان السلب جديداً أو مستعملاً.
والصواب أنه ليس فيه جزاء، لكن إن رأى الحاكم أن يعزر من تعدى على صيد في المدينة بأخذ سلبه، أو تضمينه مالاً، فلا بأس.
قوله: «ويباح الحشيش للعلف، وآلة الحرث ونحوه» ، لأن أهل المدينة أهل زروع فرخص لهم في ذلك، كما رخص لأهل مكة في الإذخر.
والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رخص في ذلك[(207)]، فيباح أن تحش الحشيش لتعلف بهائمك.
وكذلك قطع الأغصان لآلة الحرث، أي السواني، بأن يقطع الإنسان شجرة، لينتفع بخشبها في المساند والعوارض، وما أشبه ذلك مما يحتاجه أهل الحرث، وبهذا نعلم أن تحريم حرم المدينة أخف من تحريم حرم مكة.
ويجوز الرعي في حرم المدينة، وحرم مكة؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان معه الإبل، ولم يرد عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يكمم أفواهها.
قوله: «وحرمها ما بين عير إلى ثور» ، أي: حرم المدينة مسافة بريد في بريد والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. فهو مربع ما بين عير إلى ثور، وثور جبل صغير خلف أحد من الناحية الشمالية.
وعير جبل كبير من الناحية الجنوبية الغربية عن المدينة جنوب ذي الحليفة.
وأما من الشرق إلى الغرب فما بين لابتيها فهو حرام، وحرم المدينة معروف عند أهل المدينة.
الفروق بين حرم مكة وحرم المدينة:
الأول: أن حرم مكة ثابت بالنص والإجماع، وحرم المدينة مختلف فيه.
الثاني: أن صيد حرم مكة فيه الإثم والجزاء، وصيد حرم المدينة فيه الإثم، ولا جزاء فيه.
الثالث: أن الإثم المترتب على صيد حرم مكة أعظم من الإثم المترتب على صيد المدينة.
الرابع: أن حرم مكة أفضل من حرم المدينة؛ لأن مضاعفة الحسنات في مكة أكثر من المدينة، وعظم السيئات في مكة أعظم من المدينة.
الخامس: أن من أدخلها، أي: المدينة صيداً من خارج الحرم فله إمساكه، ولا يلزمه إزالة يده المشاهدة، وعلى هذا تحمل قصة أبي عمير الذي كان معه طائر صغير يلعب به، يقال له: النغير، فمات هذا الطير، فحزن الصبي لموته فكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول لهذا الصبي من باب الممازحة: «يا أبا عمير ما فعل النغير»[(208)] . وسبق حكم الصيد إذا دخل به مكة.
وهذا الحديث استدل به من يرى أنه لا يحرم صيد حرم المدينة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقر هذا الصبي.
والذين حرموه ـ وهم الجمهور ـ قالوا: إن هذا يحمل على أن هذا النغير جلب إلى الحرم، وليس من صيد الحرم.
السادس: أن حرم مكة يحرم فيه قطع الأشجار بأي حال من الأحوال إلا عند الضرورة، وأما حرم المدينة فيجوز ما دعت الحاجة إليه، كالعلف، وآلة الحرث، وما أشبه ذلك.
السابع: أن حشيش وشجر حرم مكة فيه الجزاء على المشهور من المذهب، والصحيح أنه لا جزاء فيه وعلى هذا فلا فرق، وأما حرم المدينة فلا جزاء فيه.
قال رحمه الله تعالى في الروض: «وتستحب المجاورة بمكة وهي أفضل من المدينة» ، أي: مكة أفضل من المدينة بلا شك، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أخرج منها: «إنك لأحب البقاع إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت»[(209)].
وذهب بعض العلماء إلى أن المجاورة في المدينة أفضل من المجاورة في مكة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم حث على سكنى المدينة أكثر من حثه على سكنى مكة، وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»[(210)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: المجاورة في أي بلاد يقوى فيها إيمانه وتقواه أفضل من غيرها؛ لأن ما يتعلق بالعبادات والعلوم والإيمان أحق بالمراعاة مما يتعلق بالمكان.
وما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ هو الصواب، ولهذا نزح كثير من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إلى الشام والعراق واليمن ومصر؛ لأن إفادتهم فيها أكثر من بقائهم في المدينة.
قال صاحب الروض: «قال في الفنون» الفنون كتاب لابن عقيل ـ رحمه الله ـ، وسمي فنوناً لأنه جمع فيه الفنون كلها، وهو كتاب رأينا شيئاً منه، ولا بأس به لكن ليس بذاك الكتاب الذي فيه التحقيق الكامل في مناقشة المسائل، إنما ينفع طالب العلم بأن يفتح له الأبواب في المناقشة.
يقول: «الكعبة أفضل من مجرد الحجرة» ، أي: حجرة قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا لا شك فيه، والحجرة ليس فيها فضل إطلاقاً؛ لأنها بناء، ثم هذا البناء الآن بناء محدث على قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكن مراده بقوله: الحجرة أي حجرة عائشة، وهو البيت الأول الذي دفن فيه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فالكعبة أفضل من البيت الذي كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم ساكنه، ودفن فيه.
قال في الفنون: «فأما والنبي صلّى الله عليه وسلّم فيها ـ أي في الحجرة ـ فلا والله، ولا العرش وحملته ولا الجنة».
أي: أن الحجرة التي فيها قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أفضل من الكعبة، وأفضل من العرش، وأفضل من حملة العرش، وأفضل من الجنة.
قال: «لأن بالحجرة جسداً لو وزن به لرجح» ، وهذا التعليل عليل، فلو قال: إن الجسد أفضل لكان فيه نوع من الحق.
أما أن يقول الحجرة أفضل؛ لأن فيها هذا الجسد، فهذا خطأ منه ـ رحمه الله ـ.
والصواب أن هذا القول مردود عليه، وأنه لا يوافق عليه، وأن الحجرة هي الحجرة، ولكنها شَرُفت بمقام النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها في حياته وبعد موته.
وأما أن تكون إلى هذا الحد، ويقسم ـ رحمه الله ـ أنه لا تعادلها الكعبة، ولا العرش، ولا حملة العرش ولا الجنة فهذا وهم وخطأ، لا شك فيه.
قال: في الروض: «تضاعف الحسنة والسيئة بمكان، وزمان فاضل» ، فالحسنة تضاعف بالكم وبالكيف، وأما السيئة فبالكيف لا بالكم؛ لأن الله تعالى قال في سورة الأنعام وهي مكية: {{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *}} [الأنعام] ، وقال: {{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}} [الحج: 25] ، ولم يقل نضاعف له ذلك، بل قال: {{نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}} فتكون مضاعفة السيئة في مكة، أو في المدينة مضاعفة كيفية.
--------------------------
[197] أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب لا يحل القتال بمكة (1834)؛ ومسلم في الحج/ باب تحريم مكة (1353) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
[198] أخرجه عبد الرزاق (8318).
[199] وهو الرواية الثانية في المذهب.
[200] سبق تخريجه ص(215).
[201] أخرجه البخاري في العلم/ باب كتابة العلم (112)؛ ومسلم في الحج/ باب تحريم مكة (1355) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[202] أخرجه مسلم في الموضع السابق (1353) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
[203] انظر: «التلخيص الحبير» (2/287).
[204] سبق تخريجه ص(214).
[205] أخرجه البخاري في الأدب/ باب الانبساط إلى الناس (6129)؛ ومسلم في الآداب/ باب استحباب تحنيك المولود (2150) عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ.
[206] في الحج/ باب فضل المدينة (1364) عن عامر بن سعد: «أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً، أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم، أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأبى أن يرد عليهم».
[207] لحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراماً، وإني حرمت المدينة حراماً ما بين مَأزِمَيْهَا، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف».
أخرجه مسلم في الحج/ باب الترغيب في سكنى المدينة (1374).
[208] سبق تخريجه ص(222).
[209] أخرجه الإمام أحمد (4/305)؛ والترمذي في المناقب/ باب في فضل مكة (3925)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب فضل مكة (3108)؛ وابن حبان (3708)؛ والحاكم (3/7) عن عبد الله بن عدي ـ رضي الله عنه ـ، وصححه الترمذي وابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
[210] أخرجه البخاري في فضائل المدينة/ باب من رغب عن المدينة (1875) عن سفيان بن أبي زهير ـ رضي الله عنه ـ وأخرجه مسلم في الحج/ باب المدينة تنفي شرارها (1381) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
|