المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثامن
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثامن
كتاب الجهاد
 

 

كتاب الجهاد

 

قوله: «كتاب الجهاد» ، الجهاد مصدر جاهد الرباعي، وهو بذل الجهد في قمع أعداء الإسلام بالقتال وغيره؛ لتكون كلمة الله هي العليا.

وينقسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام: جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المبارِزين المعاندين.

أما النوع الأول:

فهو جهاد النفس: وهو إرغامها على طاعة الله، ومخالفتها في الدعوة إلى معصية الله، وهذا الجهاد يكون شاقًّا على الإنسان مشقة شديدة، لا سيما إذا كان في بيئة فاسقة، فإن البيئة قد تعصف به حتى ينتهك حُرُمات الله، ويدع ما أوجب الله عليه، وقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما رجع من غزوة تبوك أنه قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» ، يعني جهاد النفس، لكنه حديث غير صحيح[(1)].

أما النوع الثاني:

فهو جهاد المنافقين، ويكون بالعلم، لا بالسلاح؛ لأن المنافقين لا يقاتَلون، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم استؤذن أن يُقْتَلَ المنافقون الذين علم نفاقهم فقال: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» [(2)]، والدليل على أنهم يُجاهَدون قول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ}} [التحريم: 9] . ولما كان جهاد المنافقين بالعلم، فالواجب علينا أن نتسلح بالعلم أمام المنافقين الذين يوردون الشبهات على دين الله؛ ليصدوا عن سبيل الله، فإذا لم يكن لدى الإنسان علم فإنه ربما تكثر عليه الشبهات والشهوات والبدع ولا يستطيع أن يردها.

أما النوع الثالث:

فهو جهاد الكفار المبارِزين المعاندين المحاربين، وهذا يكون بالسلاح، وقد يقال: إن قوله تعالى: {{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}} [الأنفال: 60] يشمل النوعين: جهاد المنافقين بالعلم، وجهاد الكفار بالسلاح، ولكنّ قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ألا إن القوة الرمي» [(3)]، يؤيد أن المراد بذلك السلاح، والمقاتلة.

 

وَهُو فَرْضُ كِفَايَة وَيَجِبُ إِذَا حَضَرَهُ أَوْ حَصَرَ بَلَدَهُ عَدَوٌّ أَوْ اسْتَنْفَرَهُ الإِمَامُ

قوله: «وهو فرض كفاية» وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وصار في حقهم سنّة، وهذا حكمه.

أما مرتبته في الإسلام فقد سمَّاه النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ذروة سنام الإسلام» [(4)]، والسنام هو الشحم النابت فوق ظهر الجمل، وذروته أعلاه، وإنما جعله النبي صلّى الله عليه وسلّم ذروة سنام الإسلام؛ لأنه يعلو به الإسلام ويرتفع به، كما أن سنام البعير كان فوقه مرتفعاً.

وقوله: «وهو فرض كفاية» . لا بد فيه من شرط، وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب الله ـ سبحانه وتعالى ـ على المسلمين القتال وهم في مكة؛ لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة وكوّنوا الدولة الإسلامية وصار لهم شوكة أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات؛ لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة، لقوله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، وقوله: {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}} [البقرة: 286] .

قوله: «ويجب إذا حضره» ، هذا هو الموضع الأول من المواضع التي يتعين فيها الجهاد. فيجب الجهاد ويكون فرض عين إذا حضر الإنسان القتال، لقول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ *وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يُوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *}} [الأنفال] ، وقد أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم: أن التولي يوم الزحف من الموبقات حيث قال: «اجتنبوا السبع الموبقات ـ وذكر منها ـ التولي يوم الزحف» [(5)]، إلا أن الله تعالى استثنى حالين:

الأولى: أن يكون متحرفاً لقتال بمعنى أن ينصرف؛ ليعمل من أجل القتال، كأن يستطرد لعدوه فإذا لحقه كرّ عليه فقتله.

الثانية: أن يكون منحازاً إلى فئة، بحيث يذكر له أن فئة من المسلمين من الجانب الآخر تكاد تنهزم، فيذهب من أجل أن يتحيز إليها تقوية لها، وهذه الحال يشترط فيها ألاَّ يَخَاف على الفئة التي هو فيها، فإن خاف على الفئة التي هو فيها فإنه لا يجوز أن يذهب إلى الفئة الأخرى، فيكون في هذه الحال فرض عين عليه لا يجوز له الانصراف عنه.

قوله: «أو حصر بلده عدو» ، هذا هو الموضع الثاني، إذا حصر بلدَه العدوُّ فيجب عليه القتال دفاعاً عن البلد، وهذا يشبه من حضر الصف في القتال؛ لأن العدو إذا حصر البلد فإنه سيمنع الخروج من هذا البلد، والدخول إليه، وما يأتي لهم من الأرزاق، وغير ذلك مما هو معروف، ففي هذه الحال يجب أن يقاتل أهل البلد دفاعاً عن بلدهم.

قوله: «أو استنفره الإمام» هذا هو الموضع الثالث.

إذا «استنفره» أي: قال: انفروا.

وقوله: «الإمام» هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إماماً عامّاً للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمَّر عليكم عبد حبشي» [(6)]، فإذا تأمر إنسان على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذاً، وأمره مطاعاً، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابن الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار بن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرف ضلال ناشئة نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد!! ـ نسأل الله العافية ـ ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟! أم يريدون أن يقال: كل إنسان أمير نفسه؟!

هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية ـ والعياذ بالله ـ؛ لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن من استولى على ناحية من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها، فهو إمام فيها، وقد نص على ذلك العلماء مثل صاحب سبل السلام وقال: إن هذا لا يمكن الآن تحقيقه، وهذا هو الواقع الآن، فالبلاد التي في ناحية واحدة تجدهم يجعلون انتخابات ويحصل صراع على السلطة ورشاوى وبيع للذمم إلى غير ذلك، فإذا كان أهل البلد الواحد لا يستطيعون أن يولوا عليهم واحداً إلا بمثل هذه الانتخابات المزيفة فكيف بالمسلمين عموماً؟!! هذا لا يمكن.

فإذا استنفره الإمام وجب عليه الخروج؛ لقول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ *}{إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ}} [التوبة: 38، 39] ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وإذا استنفرتم فانفروا» [(7)]، وهذه أدلة سمعية، والدليل العقلي: هو أن الناس لو تمردوا في هذا الحال على الإمام لحصل الخلل الكبير على الإسلام، إذ أن العدو سوف يُقدم إذا لم يجد من يقاومه ويدافعه.

الموضع الرابع: إذا احتيج إليه صار فرض عين عليه.

مثاله: عندنا دبابات وطائرات لا يعرف قيادتها إلا هذا الرجل، فحينئذ يجب عليه أن يقاتل؛ لأن الناس محتاجون إليه، وربما نقول: إن هذه المسألة الرابعة تؤخذ من قولنا: إنه فرض كفاية؛ لأنه إذا لم يقم به أحد واحتيج إلى هذا الرجل ففرض الكفاية يكون فرض عين عليه، والحاصل أن الجهاد يجب وجوب عين في أربع مسائل:

الأولى: إذا حضر القتال.

والثانية: إذا حصر بلدَه العدوُ.

والثالثة: إذا استنفره الإمام.

والرابعة: إذا احتيج إليه.

وما عدا ذلك فهو فرض كفاية.

مسألة : هل يكون الجهاد بالمال أو بالنفس أو بهما؟.

الجواب: أنه تارة يجب بالمال في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه، وتارة يجب بالبدن في حال من لا مال له، وتارة يجب بالمال والبدن في حال القادر ماليّاً وبدنيّاً، وكما في القرآن الكريم فإن الله ـ عزّ وجل ـ يذكر الجهاد بالمال والجهاد بالنفس، ويقدم الجهاد بالمال في أكثر الآيات؛ لأن الجهاد بالمال أهون على النفوس من الجهاد بالنفس، وربما يحتاج الجند إلى المال أكثر مما يحتاجون إلى الرجال.

 

وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْماً وَإِذَا كَانَ أَبَوَاهُ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يُجَاهِد تَطَوُّعاً إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا..

قوله: «وتمام الرباط أربعون يوماً» الرباط مصدر رابط، وهو لزوم الثغر بين المسلمين والكفار، والثغر هو المكان الذي يخشى دخول العدو منه إلى أرض المسلمين، وأقرب ما يقال فيه ـ بالنسبة لواقعنا ـ: إنه الحدود التي بين الأراضي الإسلامية والأراضي الكفرية، فيسن للإنسان أن يرابط؛ لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *}} [آل عمران] ، وأول ما يدخل في الآية الرباط على الثغور، فيرابط الإنسان ليحمي بلاد المسلمين من دخول الأعداء، ويجب على المسلمين أن يحفظوا حدودهم من الكفار إما بعهد وأمان، وإما بسلاح ورجال حسب ما تقتضيه الحال.

والرباط أقله ساعة، أي: لو ذهب الإنسان بالتناوب مع زملائه ساعة واحدة حصل له أجر، وتمامه أربعون يوماً، هكذا جاء في الحديث[(8)]، ولكن لو زاد على الأربعين هل له أجر؟

الجواب: نعم له أجر، لا شك.

ثم هل الأولى أن يذهب بأهله إلى هذه الثغور؛ ليسكنوا معه، أو الأولى ألاّ يذهب بهم خوفاً عليهم؟

الجواب: فيه تفصيل، إذا كان الثغر مخوفاً فلا ينبغي أن يذهب بأهله، وإذا كان غير مخوف فالأولى أن يذهب بهم ليزداد طمأنينة؛ لأن الإنسان إذا كان بعيداً عن أهله فإنه سوف يكون منشغل البال على أهله وولده.

قوله: «وإذا كان أبواه مسلمَيْن لم يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما» أبَوا الشخص هما أمه وأبوه، وأُطْلِق عليهما الأبوان من باب التغليب، كما يقال: القمران للشمس والقمر، ويقال: العُمَران لأبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ، فإذا كان الإنسان له أبوان مسلمان، وأراد الجهاد تطوعاً فإنه لا بد من إذنهما، فإن أذنا له وإلا حرم عليه الجهاد.

فإن قال قائل: هل يلزم استئذان الأب والأم لكل تطوع قياساً على الجهاد، بمعنى أنه إذا أراد أن يقوم الليل هل يشترط إذن الأبوين؟ وإذا أراد أن يصلي الراتبة أو أراد أن يطلب العلم هل يستأذن الأبوين؟.

نقول: لا يشترط. والفرق أن الجهاد فيه خطر على النفس، وسوف تتعلق أنفس الأبوين بولدهما الذاهب إلى الجهاد، ويحصل لهما قلق، بخلاف ما إذا سافر لطلب العلم في بلد آمن، أو إذا تطوع في بلده بشيء من التطوع، فإن ذلك لا ضرر على الأبوين فيه، وفيه منفعة له.

ولهذا نقول: ما فيه منفعة للإنسان ولا ضرر على الأبوين فيه فإنه لا طاعة للوالدين فيه منعاً أو إذناً؛ لأنه ليس فيه ضرر وفيه مصلحة، وأي والد يمنع ولده من شيء فيه مصلحة له، وليس على الوالد فيه ضرر فإنه مخطئ فيه وقاطع للرحم؛ لأن الذي ينبغي للأب أن يشجع أولاده من بنين أو بنات على فعل كل خير، ونظير هذا أن بعض النساء يمنعن بناتهن من صوم أيام البيض، أو من صوم يومي الاثنين والخميس بحجة أن في ذلك مشقة، وكلفة عليهن، مع أن الذي يحس بالكلفة والمشقة هن البنات الصائمات، فلا يحل للوالد أن يمنع ولده من فعل طاعة، سواء أكان ذكراً أم أنثى، إلا إذا كان على أحد الأبوين في ذلك ضرر، كما لو كان الأب أو الأم يحتاج أحدهما إلى تمريض مثلاً، وإذا اشتغل الابن أو البنت بهذه الطاعة ضَرَّ الأب أو الأم فحينئذ لهما أن يمنعاه، ويجب عليه هو أن يمتنع؛ لأن بر الوالدين واجب والتطوع ليس بواجب.

وقوله: «أبواه مسلمين» ظاهر كلامه أنه ولو كانا رقيقين فإنه لا يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما؛ لأنه لم يقل: مسلمين حرين، بل قال: «أبواه مسلمين» وأطلق، فلو كانا رقيقين، ومنعاه من جهاد التطوع فلهما ذلك، ويجب عليه أن يمتنع.

وإذا كان أبواه كافرين فمنعاه من جهاد التطوع هل يلزمه طاعتهما؟.

الجواب: لا؛ لقوله: «وإذا كان أبواه مسلمين» ؛ ولأننا نعلم أن الأبوين الكافرين إنما يمنعان ولدهما من الجهاد وقاية للكفار وحماية لهم، لا رأفة بالولد، أو إشفاقاً عليه.

وإذا كان الأبوان فاسقين يكرهان الجهاد والمستقيمِين، ويكرهان أن تعلو كلمة الحق، لكنهما مسلمان، فهل يشترط إذنهما في جهاد التطوع؟ لأن بعض الناس في أيام الذهاب إلى الجهاد يمنع ولده من الذهاب لا خوفاً عليه، يقول: اذهب لما شئت لكن للجهاد لا تذهب، ونعلم أنه ليس ذلك من أجل الخوف عليه، ولكن من أجل كراهة الجهاد.

ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما، ونيتهما إلى الله، لكن في النفس من هذا شيء، فإذا علمنا أنهما لم يمنعاه شفقة عليه، بل كراهة لما يقوم به من جهاد الكفار ومساعدة المسلمين، ففي طاعتهما نظر.

بدأ المؤلف ـ رحمه الله ـ بذكر ما يلزم الإمام والجيش فقال:

 

وَيَتَفَقَّدُ الإِمَامُ جَيْشَهُ عِنْدَ المَسِير، وَيَمْنَعُ المُخَذِّلَ والمُرْجِفَ وَلَهُ أَنْ يُنفِّلَ فِي بِدَايتِهِ الرُّبُعَ بَعْدَ الخُمُسِ، وَفِي الرَّجعَةِ الثُّلثَ بَعْدَهُ. وَيَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَتُهُ وَالصَّبْرُ مَعَهُ...

«ويتفقد الإمام جيشه عند المسير» الجيش الآن فيه طائرات ودبابات وصواريخ، فإذا ذهب الجيش المكون من إبل وخيل فما ينوب منابه مثله، نقول للإمام: تفقد إما بنفسك إن كنت ذا خبرة، أو بمن تثق به من ذوي الخبرة، وينظر الصالح فيقره، والفاسد فيمنعه حتى يكون صالحاً؛ لأنه لو ترك وأهمل فربما يكون في السلاح أو في المجاهدين من تكون الهزيمة بسببه لو ذهب به إلى المعركة، فلا بد أن يتفقد الجيش.

قوله: «ويمنع المخذِّل والمرجف» لو قال المؤلف: ويمنع كل من لا يصلح للجهاد لكان أعم، والمخذِّل هو الذي يزهد الناس في القتال يقول مثلاً: لماذا نجاهد؟ فهذا يفت في عضد الجيش بلا شك.

والمرجف هو الذي يهوّل قوة العدو، أو يضعف قوة المسلمين، فيقول مثلاً: السرية التي ذهبت قبلنا هُزِمَت، أو يقول: العدو جيشهم كثير، عندهم قوة وعندهم صواريخ وقنابل، وعندهم كيماويات، فمثل هؤلاء يجب على الإمام أن يمنعهم ولا يأذن لهم بالجهاد؛ لأن ضرر هؤلاء أكثر من نفعهم إن كان فيهم نفع.

مسألتان:

الأولى: إذا كان الجيش الذي أعد للقتال تربيته الجهادية ضعيفة، وغالبه مخذل ومرجف، فهل يقاتلون؟.

الجواب: لا، إذا كان الجيش على ما ذكر، والمخذل كثير والمرجف كثير، فإنه لا يجاهد؛ لأن الجهاد لا بد أن يغلب على الظن أننا ننتصر، أما إذا غلب على الظن الهزيمة فلا يجوز أن يُغرر بالمسلمين، المسألة ليست هينة، وليست مسألة أشخاص يفقدون، بل هذا يعتبر ذلًّا حتى على الإسلام، إلا إذا اضطر الإمام لذلك، لأن الجهاد نوعان: جهاد هجوم، وجهاد دفاع، أما الدفاع فيجب بكل حال، وأما الهجوم فهو الذي ذكرنا.

الثانية: يجب على الإمام أن ينظم الجيش، ويرتبه، ويقسمه بحسب ما تقتضيه الحاجة، وفق خطط علمية مدروسة يضعها أهل الاختصاص، فبالضرورة نعلم أن الجيوش في عصرنا الحاضر تختلف عن الجيوش في الماضي، ففي الماضي كان يسمى الجيش خميساً؛ لأنه كان يقسم إلى خمسة أقسام: مقدمة، وميمنة، وميسرة، ومؤخرة، وقلب، ويوضع لكل قسم قائد، إلى غير ذلك، أما في الحاضر فقد تعددت الأسلحة وكثرت التخصصات، فينبغي للإمام مراعاة كل ذلك، حتى لا يبدو الجيش في حالة فوضى عند التحام الجيشين.

وهل له أن يبعث العيون يعني الجواسيس الذين يتطلعون إلى العدو ويعرفون أخباره؟.

الجواب: نعم، بل يجب عليه إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن هذا من جملة ما يستعين به على القتال.

قوله: «وله أن ينفِّل في بدايته الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعده» ، «وله» أي: للإمام، ومعنى هذا أن الإمام إذا دخل أرض العدو، وبعث سرية يعني دون أربعمائة نفر يبدؤون القتال فله أن يقول لهم: لكم بعد الخمس الربع؛ لأن هذه السرية إذا ذهبت فإنها تذهب وهي أقل خوفاً من السرية التي تبعث بعد رجوع الإمام؛ لأنهم يقولون: الجيش خلفنا فيقول: اذهبوا وقاتلوا وما تغنمون نأخذ الخمس منه، ولكم بعد ذلك الربع خاصة لكم، ثم يقسم الباقي على الجيش.

وكذلك ـ أيضاً ـ له أن ينفل الثلث بعده، أي: بعد الرجوع، وانتهاء القتال فيبعث سرية ربما تتفقد من بقي من العدو ويجعل لها الثلث، وزادت عن السرية الأولى؛ لأنها أشد خوفاً، ولأن العدو في البداية ربما يكون على غفلة وعلى غرة، وهنا العدو قد انتبه، وربما يكون في قلبه حنق، يريد أن ينتقم؛ ولأن الجيش لما فرغ من القتال صار متشوفاً ومتشوقاً لأهله ففي ذلك مشقة شديدة، ولذلك كان التنفيل في الرجعة أكثر من التنفيل في البدأة، فلذلك تعطى مقابل هذا أربعة من اثني عشر، أي: تزاد على الأخرى واحداً من اثني عشر؛ لأن الأولى لها ثلاثة من اثني عشر وهذه لها أربعة من اثني عشر.

وقوله: «له» عبَّر باللام الدالة على الإباحة في مقابلة المنع، فلا ينفي أن تكون سنة أو واجبة أحياناً، فإذا رأى أن السرية لن ترجع إلا بإعطاء شيء زائد أو لن تتقدم إلا بإعطاء شيء زائد ورأى من المصلحة إرسال السرية فإنه يكون واجباً.

قوله: «ويلزم الجيش طاعته» أي: طاعة أميره الذي هو نائب عن الإمام، وهو ما يسمى في عرفنا الآن القائد أو حسب ما يعرف، فيلزم الجيش طاعته فيما أمر، ودليل ذلك قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}} [النساء: 59] ، ولكن يشترط لوجوب طاعته فيها ألاَّ يخالف أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، فإن خالف أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويدل لهذا:

أولاً: الآية الكريمة: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}}، أطيعوا الله هذا فعل، وأطيعوا الرسول فعل أيضاً، فأعاد الفعل بالنسبة لطاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن طاعته مستقلة يجب أن يطاع بكل حال. أما الثالث فلم يُعد الفعل، فقال: {{وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}} ولم يقل: أطيعوا؛ لأن طاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا لو أمر ولي الأمر بمخالفة أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، قلنا: لا سمع ولا طاعة.

وظاهر كلام المؤلف أنه تجب طاعته ولو كان فاسقاً، وهو كذلك، فتجب طاعة ولي الأمر ولو كان من أفسق عباد الله؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب طاعة ولاة الأمور، والصبر عليهم وإن رأينا منهم ما نكره في أديانهم وعدلهم واستئثارهم، فإننا نسمع ونطيع فنؤدي الحق الذي أوجب الله علينا، ونسأل الله الحق الذي لنا، هكذا أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم[(9)]، وهكذا جرى عليه سلف هذه الأمة.

فإن أمر بمعصية فإنه لا طاعة له؛ لأنه هو نفسه عبد لله مأمور لله، فكيف يأمر بما يخالف أمر الله، نقول: ربنا وربك الله، ولا طاعة لك في معصية الله أبداً، ويدل لهذا قصة السرية الذين بعثهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأَمَّرَ عليهم رجلاً وأمرهم أن يطيعوا أميرهم، وفي يوم من الأيام أغضبوه فأمرهم أن يجمعوا حطباً، فقالوا: سمعاً وطاعة فجمعوا الحطب، وأمرهم أن يوقدوا فيه النار، قالوا: سمعاً وطاعة وأوقدوا النار، قال: ألقوا أنفسكم فيها، فتردد القوم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرهم أن يطيعوه، ولكن لماذا آمنوا؟ آمنوا خوفاً من النار، فقال بعضهم لبعض: كيف نلقي أنفسنا في النار، ونحن إنما آمنا فراراً منها، وهذا قياس صحيح، فأبوا أن يلقوا أنفسهم في النار، فلما رجعوا إلى المدينة، وأخبروا النبي صلّى الله عليه وسلّم بهذا، قال: «لو دخلوا فيها ما خرجوا منها» [(10)]؛ لأنهم قتلوا أنفسهم، ومن قتل نفسه بالنار عُذِّب بها في نار جهنم؛ لأن كل من قتل نفسه بشيء فإنه يعذب به في نار جهنم[(11)]، فلو قتل نفسه بخنجر فإنه يوم القيامة يعذب بهذا الخنجر في نار جهنم، ولو قتل نفسه بالتردي من شاهق فإنه يخلق له في النار شاهق فيتردى منه يعذب به في نار جهنم، ومن قتل نفسه بسُمٍّ بأن تحسَّى هذا السم عُذب به في نار جهنم، ولو دخلوا النار عذبوا بها في نار جهنم ثم قال: «إنما الطاعة في المعروف» [(12)] أي: الذي ليس بمنكر، أما هذا فإنه منكر، إذاً إذا أمر بالمعصية فإنه لا سمع له ولا طاعة.

مسألة: في بعض البلاد الإسلامية لا يمكن أن يدخل الإنسان الجيش حتى يحلق لحيته فيأمرونه بحلق اللحية، فهل يلزمه طاعتهم؟.

الجواب: لا، بل يقول وبكل صراحة: لا سمع ولا طاعة، ولا أوافقك على معصية الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «أعفوا اللحى» [(13)]، وأنت تقول: احلقوا اللحى! فهذا مصادمة فلا قبول.

وليت أن الجيوش في البلاد الإسلامية تتفق على هذا وتمانع، لكن مشكلتنا أن أكثرهم لا يهتم بمثل هذه الأمور فيبقى الإنسان منفرداً إذا أراد أن يمتنع عن المعصية، وحينئذ تبقى المسألة مشكلة، ولكن لو أن الجيش كله قال: نحن لا نطيعك في معصية الله وصمموا على هذا، لم يستطع الضابط ولا من فوق الضابط أن يجبرهم على ذلك، لكن مشكلتنا التخاذل، وعدم الاهتمام بمثل هذه الأمور، والناس يتهاونون في هذه المعصية، ولا يهتمون بعظمة من عصوه، ولا يرون أن الإصرار على الصغيرة يكون كبيرة، ولا يرون أن المعاصي سبب للفشل والهزيمة؛ لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولم يقل: وللمسلمين، لأن الإيمان أخص من الإسلام، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، قال تعالى: {{قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}} [الحجرات: 14] .

فالمعصية سبب الهزيمة، ولا أدل على ذلك من جيش هُزم بمعصية، مع أنه أفضل جيش مشى على الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، وهم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وقائدهم محمد صلّى الله عليه وسلّم في غزوة أحد، قال الله تعالى فيهم: {{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ}} [آل عمران: 152] ، أي: حصلت الهزيمة بسبب هذه المعصية، وهي معصية واحدة، مع أنها معصية كان فيها نوع من التأويل؛ لأنهم لما رأوا انهزام المشركين، وأن المسلمين بدأوا يجمعون الغنائم ظنوا أن الأمر انتهى، فنزلوا من المكان الذي جعلهم النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه حتى جاء المشركون من الخلف وحصل ما حصل.

إذاً يلزم الجيش طاعته بشرط ألا يأمر بمعصية الله، فإن أمر بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة، وإذا قلنا: لا سمع له ولا طاعة، فهل المعنى لا سمع له ولا طاعة مطلقاً، أو في هذه المعصية التي أمر بها؟.

الجواب: الثاني هو المراد.

قوله: «والصبر معه» أي: يلزم الصبر معه، وألاّ نتخاذل وننصرف؛ لأن في هذا كسراً لقلوب المسلمين، وإعزازاً لقلوب الكافرين، فالواجب أن نصبر، وهذا في غير ما إذا تقابل الصفَّان، فإن تقابل الصفان؛ فالتولي من كبائر الذنوب.

 

وَلاَ يَجُوزُ الغَزوُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُونَ كَلَبَهُ

قوله: «ولا يجوز الغزو إلا بإذنه إلا أن يفجأهم عدو يخافون كَلَبَه» أي: لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر؛ لأن المخاطب بالغزو والجهاد هم ولاة الأمور، وليس أفراد الناس، فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد، فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلاّ على سبيل الدفاع، وإذا فاجأهم عدو يخافون كلَبه فحينئذ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم لتعين القتال إذاً.

وإنما لم يجز ذلك؛ لأن الأمر منوط بالإمام، فالغزو بلا إذنه افتيات وتعدٍّ على حدوده، ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى، كل من شاء ركب فرسه وغزا، ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة، فقد تتجهز طائفة من الناس على أنهم يريدون العدو، وهم يريدون الخروج على الإمام، أو يريدون البغي على طائفة من الناس، كما قال الله تعالى: {{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}} [الحجرات: 9] ، فلهذه الأمور الثلاثة ولغيرها ـ أيضاً ـ لا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام.

وقوله: «إلا أن يفجأهم عدو يخافون كلَبه» أي: شره وأذاه.

قال في الروض[(14)]: «ويجوز تبييت الكفار» أي: مباغتتهم بالليل، ولكن هذا مشروط بأن يقدم الدعوة لهم، فإذا دعاهم ولم يستجيبوا فإنه لا بأس أن يباغتهم، ويدعوهم إلى أمور ثلاثة:

الأول: الإسلام.

الثاني: الجزية.

الثالث: فإن أبوا فالقتال.

هكذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يبعث البعوث على هذا الأساس[(15)].

وقال: «ورميهم بالمنجنيق» والمنجيق بمنزلة المدفع عندنا، وكانوا في الأول يضعون المنجنيق بين خشبتين وعليهما خشبة معترضة، وفيها حبال قوية، ثم يُجعل الحجر بحجم الرأس أو نحوه في شيء مقبب، ثم يأتي رجال أقوياء يشدونه ثم يطلقونه، وإذا انطلق الحجر انطلق بعيداً، فكانوا يستعملونه في الحروب، فيجوز أن يُرمى الكفار بالمنجنيق، وفي الوقت الحاضر لا يوجد منجنيق، لكن يوجد ما يقوم مقامه كالطائرات والمدافع والصواريخ وغيرها.

وقال: «ولو قُتِلَ بلا قصد صبي ونحوه» من المعلوم أننا إذا رميناهم بالمنجنيق فإنه سوفَ يُتلف من مرّ عليه من مقاتل وشيخ كبير لا يقاتل، وامرأة وصبي، لكن هذا لم يكن قصداً، وإذا لم يكن قصداً فلا بأس، أما تعمد قصف الصبيان والنساء ومن لا يقاتل فإن هذا حرام ولا يحل، لكن يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، وقد رمى الرسول صلّى الله عليه وسلّم: أهل الطائف بالمنجنيق[(16)]، فالسنة جاءت به، والقتال قد يحتاج إليه.

وقال: «لا يجوز قتل صبي ولا امرأة وخنثى وراهب وشيخ فانٍ وزمن وأعمى لا رأي لهم ولم يقاتلوا أو يُحرضوا» هؤلاء سبعة أجناسٍ لا يجوز قتلهم إلا بواحد من أمور ثلاثة:

الأول: أن يكون لهم رأي وتدبير، فإن بعض كبار الشيوخ ولو كان شيخاً فانياً لا يستطيع أن يتحرك، فإن عنده من الرأي والتدبير ما ليس عند الشاب المقاتل.

الثاني: إذا قاتلوا كما لو اشترك النساء في القتال فإنهم يقتلن.

الثالث: إذا حرَّضوا المقاتلين على القتال وصاروا يغرونهم بأن افعلوا كذا، اضربوا كذا إلى آخره، فإنهم يقتلون؛ لأن لهم تأثيراً في القتال.

وقال: «ويكونون أرقاء بسبي» أي هؤلاء السبعة يكونون أرقاء بسبي، والباء للسببية، أي: بمجرد أخذهم يكونون أرقاء في الحال، ولا يخير فيهم الإمام، وإذا كانوا أرقاء صاروا تبع الغنيمة؛ لأنهم صاروا مماليك، فإذا كانوا مماليك صاروا كجملة المال الآخر يضافون إلى الغنيمة.

وأما إذا سبي البالغ المقاتل، فإن الإمام يخير فيه بين أمور أربعة:

إما القتل، وإما أخذ الفداء، وإما الاسترقاق، وإما المنُّ بدون شيء.

والفداء قد يكون بمال أو منفعة أو أسير مسلم، فمثلاً: لو أننا أسرنا أحد المقاتلين نأتي به للإمام، والإمام إن شاء قتله، وإن شاء مَنَّ عليه مجاناً، وقال له: اذهب إلى أهلك، وإن شاء استرقه، أي جعله رقيقاً، وإن شاء طلب الفدية منه إما مالاً وإما منفعة وإما بأسير مسلم.

وهذه التخييرات الأربعة هل هي حسب اختيار الإمام أو حسب المصلحة؟.

الجواب: حسب المصلحة؛ لأن القاعدة الشرعية أن كل من يتصرف لغيره إذا خيِّر بين شيئين فإن تخييره للمصلحة وليس للتشهي، أما من لا يتصرف لغيره فإذا خير بين شيئين فهو للتشهي، إن شاء كذا وإن شاء كذا، ولهذا نقول في كفارة اليمين: يخير بين إطعام، وكسوة، وعتق رقبة، فهل ينظر للمصلحة أو يفعل ما شاء؟.

الجواب: يفعل ما شاء؛ لأن هذا التخيير للإرفاق بالمكلف فيختار ما يشاء.

 

وَتُمْلَكُ الغَنِيمَةُ بِالاستِيلاَءِ عَلَيْهَا فِي دَارِ الحَرْبِ. وَهْيَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ، فَيُخْرِجُ الخُمُسَ..

قوله: «وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب» أي: إذا قاتل المسلمون أعداءهم، وهزم الأعداء، واستولى المسلمون على المال، فإن المال يكون ملكاً للمسلمين، ولو كانوا في دار الحرب، أي في ديار الكفار.

فمثلاً: لو قاتلنا الكفار، ودخلنا عليهم أرضهم وهربوا وتركوا الأموال فإننا نملك الأموال، ولو كانت في دار الحرب، ولا يلزم أن نحوزها إلى بلاد الإسلام، هذا معنى قول المؤلف: «في دار الحرب» ، فلا يشترط أن نحوزها إلى ديار الإسلام، بل بمجرد الاستيلاء عليها تكون ملكاً لنا، وإذا كانت ملكاً هل يجوز أن تقسم هناك؟ الجواب: نعم يجوز أن تقسم هناك؛ لأنها ما دامت ملكت فلا حاجة إلى تأخير قسمتها، فيعطى كل إنسان ما يناله منها ويتصرف به يميناً وشمالاً، وإن خيف من شر فللإمام ألا يقسمها إلا في بلاد الإسلام.

قوله: «وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال» وهم الرجال الذين يقاتلون، فمن شهد منهم فإنه يقسم له، وأما من جاء بعد انتهاء الحرب فإنه لا شيء له منها، وكذلك من انصرف قبل بدء الحرب فإنه ليس له منها شيء، وإنما هي لمن حضر الوقعة من أهل القتال، واستدل المؤلف في الشرح بقول عمر ـ رضي الله عنه ـ: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»[(17)]، وأما من لم يشهدها فإنه لا حظَّ له فيها.

قوله: «فيخرج الخُمس» الضمير يعود على الإمام أو نائبه، أي: يخرج الإمام الذي هو الرئيس الأعلى في الدولة أو من ينوب عنه كقائد الجيش ـ مثلاً ـ الخمس، أي: خمس الغنيمة؛ لقول الله تعالى: {{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}} [الأنفال: 41] ، فيخرج الخمس ويصرف على ما ذكر الله في القرآن: {{فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}}، فهؤلاء خمسة، إذاً الخمس يقسم خمسة أسهم فيكون: (لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم) من أصل الغنيمة جزء من خمسة وعشرين جزءاً.

وأين يصرف هذا؟

الجواب: خمس الخمس يكون فيئاً في مصالح المسلمين، هذا هو الصحيح.

وقيل: ما لله فهو فيء، وما للرسول صلّى الله عليه وسلّم فللإمام؛ لأن الإمام نائب مناب الرسول صلّى الله عليه وسلّم في الأمة، ولكن الصحيح أن ما لله وللرسول صلّى الله عليه وسلّم يكون فيئاً يدخل في بيت المال ويصرف في مصالح المسلمين.

{{وَلِذِي الْقُرْبَى}}، وهم قربى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، هؤلاء هم أصحاب خمس الخمس.

وكيف يقسم بينهم؟

قيل: يقسم بينهم بحسب الحاجة، وقيل: بل للذكر مثل حظ الأنثيين[(18)]، وقيل: بل الذكر والأنثى سواء.

أما من قال: بحسب الحاجة، قال: لأننا نعلم أن من مقاصد الشرع دفع الحاجات، لكن خص ذوي القربى؛ لأنهم أحق الناس بمثل هذه الغنيمة.

وأما من قال: هم سواء، فقال: لأنهم يستحقونه بوصفٍ وهو القرابة، وهذا يستوي فيه الذكور والإناث، كما لو وقف على قريبه فإنه يستوي الذكر والأنثى.

وأما من قال: إنه يفضل الذكر على الأنثى، فقال: لأن الإرث في القرابة يكون هكذا للذكر مثل حظ الأنثيين.

والأقرب الأول وهو أننا نراعي الحاجة، فإن كانوا كلهم سواء في الغنى أو في الحاجة أعطيناهم بالتساوي.

{{وَالْيَتَامَى}} جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، وسواء كان ذكراً أو أنثى، وهل يختص بالفقراء منهم[(19)] أو لا يختص؟.

الصحيح أنه لا يختص؛ لأننا لو جعلناه خاصاً بالفقراء لم يكن لعطف المساكين عليهم فائدة.

فالصواب أن اليتيم يستحق خمس الخمس من الغنيمة ولو كان غنيّاً؛ جبراً للنقص الذي حصل له بفقد أبيه، ولا سيما إذا كان اليتيم مترعرعاً في الشباب، أي يعرف قدر وجود أبيه، ويعرف ما يفوته بفقد أبيه، لكن لا شك أن من كان أحوج فهو أحق.

{{وَالْمَسَاكِينِ}} هم الفقراء، وهنا يدخل الفقراء في اسم المساكين.

{{وَابْنَ السَّبِيلِ}} هم المسافرون الذين انقطع به السفر، فيعطون ما يوصلهم إلى سفرهم، يعطون تذكرة أو متاعاً أو ما أشبه ذلك مما يحتاجون إليه.

وهل الفيء كالزكاة، بمعنى أنه يجوز الاقتصار على واحد من هؤلاء، أو يجب التعميم؟

المشهور من المذهب أنه يجب التعميم، أي: أننا نعمم بحسب القدرة والطاقة، فمثلاً اليتامى في البلد لا نقول: إنه يجزئ أن نعطي ثلاثة منهم، أي: أقل الجمع، بل نبحث عن كل يتيم في البلد ونعطيه من هذا الذي هو خمس الخمس، أما مستحق الزكاة فقد سبق أنه يجوز الاقتصار على واحد.

فإن قال قائل: ما الفرق؟ قلنا: الفرق أنه ثبت في السنّة جواز الاقتصار على واحد كما في حديث معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» [(20)]، ولم يذكر بقية الأصناف مع أن هذا بعد نزول الآية، وأما هنا فقال الله تعالى: {{فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}} [الأنفال: 41] ، فكل من قام به هذا الوصف استحق.

 

ثُمَّ يَقْسِمُ بَاقِي الغَنِيْمَة لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلفَارِسِ ثَلاَثَةُ أسْهُمٍ، سَهْمٌ لَهُ وَسهْمَانِ لِفَرَسِهِ. .

قوله: «ثم يقسم باقي الغنيمة للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه» الباقي أربعة أخماس، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم فعل ذلك في خيبر، جعل للراجل ـ الذي على رِجْله ـ سهماً واحداً، وللفارس ثلاثة أسهم[(21)]، لماذا فرَّق بينهما؟.

الجواب: لأن غَناء الفارس ونفعه أكثر من غناء الراجل.

فإذا قال قائل: فماذا تقولون في حروب اليوم؟ فالناس لا يحاربون على خيل وإبل، بل بالطائرات والدبابات وما أشبهها؟.

فالجواب: يقاس على كل شيء ما يشبهه، فالذي يشبه الخيل الطائرات؛ لسرعتها وتزيد ـ أيضاً ـ في الخطر، والذي يشبه الإبلَ الدباباتُ والنقلياتُ وما أشبهها، فهذه لصاحبها سهم ولها سهمان، والراجل الذي يمشي على رجله مثل القناصة له سهم واحد.

فإن قال قائل: الطيار لا يملك الطائرة، فهل تجعلون له ثلاثة أسهم؟.

نقول: نعم نجعل له ثلاثة أسهم سهم له وسهمان للطائرة، وسهما الطائرة يرجعان إلى بيت المال؛ لأن الطائرة غير مملوكة لشخص معين، بل هي للحكومة، وإذا رأى ولي الأمر أن يعطي السهمين لقائد الطائرة فلا بأس؛ لأن في ذلك تشجيعاً له على هذا العمل الخطير.

 

 

 

وَيشَارِك الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَت، وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ. وَالغَالُّ مِن الغَنِيمَةِ يُحْرَقُ رَحْلُهُ كُلُّهُ إِلاَّ السِّلاَحَ وَالمُصْحَفَ.

قوله: «ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت ويشاركونه فيما غنم» لأن الجيش واحد، والمراد سراياه التي يبثها إذا دخل دار الحرب، وسبق أنه يمكن أن يبعث سرية في ابتداء القتال، وسرية في الرجوع بعد القتال، وما غنمته السرايا يضم إلى غنيمة الجيش، وكذلك غنائم الجيش تضم إلى غنائم السرايا، لكن سبق أن للإمام أن ينفل الثلث في الرجعة والربع في البدأة، قال ابن المنذر: روينا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ترد سراياهم على قَعدهم» [(22)]، والعلة واضحة أن هذا جيش واحد انطلق في وجه واحد فصاروا شركاء.

قوله: «والغال من الغنيمة» الغال من كتم شيئاً مما غنمه واختصه بنفسه، والغلول من كبائر الذنوب، وقد قال الله تبارك وتعالى: {{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}} [آل عمران: 161] ، وحذر النبي صلّى الله عليه وسلّم من ذلك وبين أن الإنسان يأت بما غل يوم القيامة إن كان شاة أو بعيراً أو أي شيء، يأتي به حاملاً إياه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد[(23)]، فهو إذاً من الكبائر، حتى أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذكر أن رجلاً غل شملة فقال: «... إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً» [(24)]؛ والعياذ بالله.

قوله: «يحرق رحله كله» ظاهر كلامه أن هذا واجب، أي: يجب أن يحرق رحله كله.

قوله: «إلا السلاح» كالسيف والبندق وما أشبه ذلك.

قوله: «والمصحف» لاحترامه.

 

وَمَا فِيهِ رُوْحٌ ..................

قوله: «وما فيه روح» لأن ما فيه روح لا يعذب بالنار، مثل البعير والفرس، وما عدا ذلك فإنه يحرق مثل الدراهم التي كدراهمنا الآن وهي أوراق، والأواني، وشداد البعير، والسَّرْج، والمِقْوَد، وما أشبه ذلك.

وهنا نقول: لماذا يحرق؟ أفلا يكون من الأحسن أن يضاف إلى الغنيمة؟ أو من الأحسن أن يؤدب صاحبه بالضرب مثلاً، ويكون المال له؟.

الجواب: لا؛ لأن المقصود بهذا التحريق هو التنكيل بهذا الرجل، ومصلحة التنكيل أكبر من مصلحة ما يُضم إلى بيت المال أو إلى الغنيمة من المال، فيكون في هذا مصلحة أكبر من مصلحة المال الذي يحصل لو لم يُحرق، وأما كونه يُحرق ولا يُتلف بنوع آخر أو يُتصدق به فلأن هذا هو الوارد عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، وقال يزيد بن جابر: السنّة في الذي يغلّ أن يحرق رحله[(25)].

ولكن هل كلام المؤلف صحيح في أنه يجب إحراقه، أو نقول: إن الإحراق راجع إلى اجتهاد الإمام؟.

الجواب: المذهب هو أنه يجب إحراقه، والذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أن هذا راجع إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى من المصلحة أن يحرق حرقه، وإن رأى أن يبقيه أبقاه، ولكن لا بد أن ينكل بهذا الغال.

 

َإِذَا غَنِمُوا أَرْضاً فَتَحُوهَا بالسَّيْفِ خُيِّرَ الإِمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ويضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجَاً مُسْتَمِرّاً يُؤْخَذُ مِمَّن هِي بِيَدِه. ............

قوله: «وإذا غنموا أرضاً فتحوها بالسيف خُيِّر الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين، ويضرب عليها خراجاً مستمرّاً يؤخذ ممن هي بيده» ، «إذا غنموا» الواو الفاعل تعود على المسلمين، «أرضاً» أي: من الكفار، «فتحوها بالسيف» ويسمى الفتح بالسيف عَنوة؛ لأنهم أخذوها قهراً.

مثال ذلك: قاتل المسلمون قرية ففتحوها، وجلا عنها أهلها، وصارت بأيدي المسلمين كالغنائم من الأمتعة وغيرها مما ينقل، في هذه الحال يُخير الإمام بين شيئين: إما أن يقسمها بين الغانمين، وإما أن يوقفها على المسلمين عموماً، ويضرب عليها خراجاً مستمرّاً، فإن قسمها على المسلمين فله في ذلك سلف، وهو النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنه قسم أرض خيبر بين المسلمين[(26)]، وإن لم يقسمها وجعلها وقفاً للمسلمين، وأعطاها الناس وضرب عليها خراجاً مستمرّاً فله في ذلك سلف، وهو عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ[(27)]، فإن عمر بن الخطاب قال: «إذا قسمت الأرض بين المقاتلين الآن لم ينتفع بها من بعدهم»، وهي أرض ليست شيئاً منقولاً تتلف بمرّ الزمن، بل هذه ستبقى أبد الآبدين إلى يوم القيامة، فكوني أقسمها بين الغانمين، وتبقى ملكاً لهم يتوارثونها فيما بينهم، ويتبايعونها فيما بينهم، هذا يحرم بقية أجيال المسلمين، فأنا أبقيها وقفاً وأضرب عليها خراجاً.

والخراج أن يقول مثلاً: كل ألف متر عليه ألف ريال سنويّاً يُؤخذ ممن هي بيده، فإن كانت بيد من عمرها بيتاً أخذ من صاحب البيت، وإذا كانت بيد من زرعها وغرسها أُخذت من الزارع والغارس، وهي تشبه ما يسمى عندنا هنا «بالصبرة»، وما يسمى في الحجاز: «بالحكرة أو الحكورة»، أي: أن تبقى الأرض لا تُملك، للمسلمين، لكن من هي بيده أحق بها من غيره، وعليه مقابل كونه ينتفع بها دراهم يقدرها الإمام، ولهذا قال: «بين قسمها ووقفها على المسلمين» ، وهذا التخيير تخيير مصلحة وليس تخيير تَشَهٍّ؛ وذلك للقاعدة التي سبقت (أن من خُيِّر بين شيئين ويتصرف لغيره وجب عليه فعل الأصلح، وإن كان لنفسه فله أن يعدل إلى الأسهل سواء كان أصلح أو غير أصلح)، ولذلك نقول: من عليه كفارة يمين فهو مخير بين أيها شاء: عتق رقبة أو الكسوة أو الإطعام، حتى لو اختار الأقل، وهو الإطعام ـ في الغالب ـ فله ذلك.

ويجب على الإمام أن يستشير أولي الرأي بين أن يقسم الأرض بين الغانمين، ويجعل لكل إنسان أرضاً يتصرف فيها وتورث من بعده، وبين أن يجعلها وقفاً على المسلمين وليست ملكاً ولا يدخل فيها الإرث[(28)]، ويضرب عليها خراجاً مستمرّاً تؤخذ ممن هي بيده، بمعنى أنها تكون كأجرة تؤخذ ممن هي بيده كل عام، قد يكون الأفضل الأول وقد يكون الأفضل الثاني، حسب الحال.

 

والمَرْجِعُ فِي الخَرَاجِ والجِزْيَةِ إِلَى اجْتِهَاد الإِمَامِ ...............

قوله: «والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام» أي: المرجع في الخراج الذي يوضع على الأرض المغنومة إلى اجتهاد الإمام، أما الجزية ـ فذكرها المؤلف هنا استطراداً ـ وهي التي تُوضع على كل فرد من أفراد أهل الذمة عوضاً عن إقامتهم في دارنا وحمايتهم، وهذه ـ أيضاً ـ مرجعها إلى الإمام، ومعلوم أن هذه تختلف باختلاف الأراضي والأزمان واختلاف الأشخاص في باب الجزية، فيرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، لكنهم قالوا: إذا وضعه من سبقه، فإنه لا يجوز للثاني تغييره ما لم يتغير السبب، فمثلاً ما وضعه عمر ـ رضي الله عنه ـ على الأراضي الخراجية ـ وإن كان الأمر الآن قد اندرس ـ لا يجوز أن نغيره الآن بزيادة أو نقص إلا إذا وجد سبب التغيير، بأن تكون الأراضي رخصت فننزل، أو زادت فنرفع الخراج حسب الحال، أما إذا لم يوجد سبب فالواجب اتباع ما ضربه الإمام الأول على هذه الأرض وعلى أهل الذمة، والذي يظهر لي أن مثل هذه المسائل إذا لم تكن صادرة من النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ أنها من أمور القضاء الوقتي، أي التي رأى الخلفاء في ذلك الوقت أنها أنسب.

مسألة: هل يتعلق الخراج بذمة المورث؛ ويكون دَيناً في ذمته تتعلق به نفسه بعد موته، أو هو على من انتقلت إليه؟.

الجواب: الثاني، إلا إذا كان بقي من الخراج الذي أدركه الأول حيّاً شيء فإنه يتعلق بذمته، فمثلاً: لو مضى عليه خمس سنوات لم يؤد الخراج، ثم مات فهذا يتعلق بذمته خمس سنوات، وما بعدها يتعلق بمن انتقلت إليه الأرض من الورثة.

وبهذا التقرير يطمئن الإنسان الذي اشترى بيتاً فيه صبرة، ثم أدى الصبرة التي حلت في حياته ومات، فهل نقول: هذه الصبرة تتعلق بذمة الميت؟.

الجواب: لا تتعلق؛ لأنه برئت ذمته في حياته.

وكذلك ـ أيضاً ـ لو أن الأرض المصبرة بيعت من شخص، فهل للذي صبرها الأول أن يرجع على البائع، أو يرجع على المشتري الذي هي بيده؟

الجواب: الثاني؛ لأنه جرت العادة أن الصبرة يُطالب بها من كانت العين في يده فلا يُطالب بها البائع.

قد يقول المصبر الأول: أنا صبرتك أنت فأعطني صبرتي؟ فيقال: لا؛ لأنه جرت العادة على أنه إذا باعها أن يطالب المشتري كالأرض الخراجية سواء.

 

وَمَنْ عَجَزَ عَن عِمَارَةِ أرْضِهِ أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا، أوْ رَفْعِ يَدهِ عَنْهَا. وَيَجْرِي فِيهَا المِيرَاثُ، وَمَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ كَجِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ وَعُشْرٍ، وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعاً، وَخُمسِ خُمسِ الغَنِيْمَةِ، فَفَيءٌ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ........

قوله: «ومن عجز عن عمارة أرضه أجبر على إجارتها أو رفع يده عنها» هذا رجل من الناس اقتطع أرضاً من الأرض الخراجية يريد أن يزرعها، مساحتها كيلو مثلاً، فالإمام يجب أن يعطيه؛ لأن هذا من مصلحة المسلمين؛ إذ سيعود الدخل إلى بيت مال المسلمين، وبعد أن أخذها عجز عن عمارتها، نقول له: يجب عليك أحد أمرين، إما أن ترفع يدك ليأخذها غيرك، وإما أن تؤجرها، لأنه إذا عجز عن عمارتها وبقيت أرضاً بيضاء وأردنا أن نطالبه بالخراج فمن أين نأخذ؟ فيضيع حق المسلمين.

ولو طلب مهلة علينا أن نعطيه مهلة بشرط ألا يفوت بها موسم الزرع، فإن طلب مهلة يفوت بها زرعها لم نعطه؛ لئلا تتعطل الأرض ثم يتعطل خراجها.

قوله: «ويجري فيها الميراث» أي: الأرض الخراجية يجري فيها الميراث، فإذا مات إنسان قد استولى على أرض خراجية انتقلت الأرض بخراجها إلى الورثة، فإذا قال الورثة: لا نريدها ما دام قد ضرب عليها خراج، نقول لهم: ارفعوا أيديكم عنها، وتعطى أناساً آخرين، ولا نجبرهم عليها؛ لأن الذي التزم بها هو مورثهم.

قوله: «وما أخذ من مال مشرك» المراد بذلك من لا يدين بالإسلام، سواء كان يهوديّاً، أو نصرانيّاً، أو وثنيّاً، أو غير ذلك، المهم أنه كافر لا يدين بالإسلام.

قوله: «كجزية» التمثيل بالجزية، وما عطف عليها يدل على أنه أخذ بغير قتال؛ وذلك لأن ما أخذ من مال الكفار بالقتال فهو غنيمة، لكن هذا أخذ بغير قتال.

والجزية هي ما يوضع على أفراد أهل الذمة من يهود ونصارى، وغيرهم على القول الراجح.

قوله: «وخراج» كذلك ـ أيضاً ـ الخراج وهو المال المضروب على الأرض الخراجية التي غنمت ثم وقفت على المسلمين.

قوله: «وعشر» العشر يؤخذ من كل كافر اتجر في بلاد الإسلام[(29)]، ثم إن كان حربيّاً أخذنا منه العشر، وإن كان ذميّاً أخذنا منه نصف العشر، وهو حق للمسلمين وليس هذا بمكس، لأنه إذا اتجر في بلاد المسلمين يكون هو المستفيد، ويجوز للحربي أن يطلب الأمان؛ ليدخل التجارة إلى بلاد المسلمين ويبيعها ثم يمشي، فنأخذ عليه عشر التجارة بمعنى أنه إذا كان ما معه يساوي عشرة آلاف نأخذ منه ألفاً، أما إذا دخل بغير أمان فإننا نأخذه هو وماله؛ لأنه حربي.

أما إذا كان ذميّاً فنأخذ منه نصف العشر؛ لأن الذمي له شيء من الحق، وإن كان مسلماً لا نأخذ شيئاً، إذاً الناس ثلاثة أقسام:

الأول: الذمي، فهذا نأخذ منه نصف العشر، أي: واحداً من عشرين.

الثاني: الحربي، الذي دخل بأمان، ونأخذ منه العشر كاملاً أي: واحداً من عشرة.

الثالث: المسلم، ولا يحل لنا أن نأخذ منه شيئاً؛ لأنه محترم بماله ونفسه.

قوله: «وما تركوه فزعاً» أي: ما تركه الكفار فزعاً منا، يعني لما علموا بأن المسلمين أقبلوا عليهم هربوا وتركوا الأموال، فهذه الأموال أخذت بغير قتال فتكون فيئاً؛ وذلك لأن المقاتلين لم يتعبوا في تحصيلها فلا تقسم بينهم، بل تكون فيئاً يصرف في مصالح المسلمين العامة، كرَزْقِ القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء، والمعلمين، وغير ذلك من مصالح المسلمين.

قوله: «وخمس خمس الغنيمة ففيء يصرف في مصالح المسلمين» خمس خمس الغنيمة هو واحد من خمسة وعشرين جزءاً يصرف في الفيء؛ وخمس خمس الغنيمة هو أن الغنيمة إذا غنمت يؤخذ منها الخمس لخمسة أصناف، وتقسم أربعة الأخماس الباقية على الغانمين، والخمس الذي يؤخذ أولاً يصرف إلى خمس جهات لقوله تعالى: {{فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}} [الأنفال: 41] ، ولكن كيف يتم صرفه؟.

الجواب: لا بد أن يكون على ما فيه مصلحة للمسلمين، قال شيخ الإسلام في كتاب السياسة الشرعية: لا يجوز أن يُصرف هذا في غير المصالح فضلاً عن أن يعطى المغنِّين والمتمسخرين وما أشبه ذلك؛ لأن هذه منافع محرمة، فلا يجوز أن تبذل الأموال فيها، وإنما تبذل في المصالح، وهنا أسئلة:

أولاً: هل إصلاح الطرق من المصالح؟ الجواب: نعم من المصالح.

ثانياً: هل إقامة السدود على الأودية من المصالح؟ الجواب: نعم من المصالح.

ثالثاً: هل غرس الأشجار في مواقف الناس التي يحتاجون إلى الوقوف فيها من المصالح؟ الجواب: نعم من المصالح.

إذاً المصالح عامة، فكل ما فيه مصلحة للمسلمين في دينهم أو دنياهم فإنه يؤخذ من بيت المال، ولا يجوز أن يصرف هذا الفيء، أعني بيت المال إلا فيما فيه مصلحة للمسلمين، فأما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يجوز أن يصرف منه قرش واحد؛ لأن هذا من إضاعة المال، وإذا كان الإنسان منهيّاً عن إضاعة المال الذي يملكه، فكيف بإضاعة المال الذي هو للمسلمين عموماً.

وإذا بذل في محرم صار فيه إثمان:

الأول: اقتطاع جزء من مال المسلمين في غير مصالحهم.

الثاني: أنه صرف في المحرم فهو إعانة على المحرم.

ولهذا نقول: إن مسؤولية من يتولون أموال المسلمين، أشد من مسؤولية من يتولى مال اليتيم، أو مال سفيه، أو مال نفسه؛ لأن هذا يتعلق به جميع حقوق المسلمين، فكل المسلمين لهم حق فيه، ولا يخفى ما جرى لعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فيما يذكره أهل التاريخ، أنه كان ـ رضي الله عنه ـ في إحدى الليالي يمشي في شوارع المدينة يتفقد الناس فوجد ناراً فذهب إليها، وكان معه مولى يُقال له: أسلم، فذهب إلى هذه النار فوجد امرأة عجوزاً عندها صبيان جوعى يصيحون، وقد أوقدت النار تحت قِدر ليس فيه إلا الماء لتسكتهم به، فجاء إليها وقال: ما لك يا أمة الله؟ قالت: هؤلاء صبيان، قال: ما الذي في القدر؟ قالت: ماء أسكتهم به، الله بيننا وبين عمر ـ كلمة عظيمة ـ، عمر ولاه الله على العباد لا بد أن يسأله الله عن هذه الولاية، فقال لها ـ وهي لا تعلم أنه عمر ـ: ما أدرى عمر بكم؟ قالت: يتولى أمرنا ولا يدري عنا؟ هذه كلمة أكبر من الأولى.

فذهب مسرعاً ـ رضي الله عنه ـ إلى خزانة الطعام وأخذ كيساً من دقيق، وأخذ ما يقابله من الودك وحمله، فقال له مولاه أسلم: يا أمير المؤمنين أنا أحمله، قال: إنك لو حملته عني لم تحمل عني أوزاري يوم القيامة، ثم خرج به وجعل هو ينفخ في النار حتى إن الدخان يتخلل لحيته، ويصب من الدقيق والودك في هذا القدر حتى طبخ هو بنفسه، خليفة المسلمين من مشرق الأرض إلى مغربها يطبخ بنفسه لهذه العجوز!! لأنه يطبخ مخلصاً لله بذلك ليبرئ ذمته بهذا، ففعل ثم تنحى ناحية وجلس وقال: والله لا أرجع حتى أرى هؤلاء الصبيان الذين يبكون يتضاحكون، فشبعوا من الطعام وجعلوا يضحكون ويتصارعون، فذهب وقال لها: إذا كان غداً فأتي إلى عمر، وذهب وهي لا تدري من هذا الرجل، قالت: والله إنك لخير لنا من عمر[(30)]؛ لأن عمر على زعمها نائم في فراشه، وهذا يتفقد الناس ويأتي إليهم بالطعام، فالمسؤولية عظيمة جداً، نسأل الله تعالى أن يعين ولاة أمورنا على ما فيه خير البلاد والعباد.

يقول صاحب الروض المربع[(31)]:

«فصل في الأمان والهدنة»

«يصح الأمان من مسلم عاقل مختار غير سكران ولو قِنّاً أو أنثى، بلا ضرر في عشر سنين فأقل، منجَّزاً ومعلقاً، من إمام لجميع المشركين، ومن أمير لأهل بلدة جعل بإزائهم، ومن كلِّ أحد لقافلة وحصن صغيرين عرفاً، ويحرم به قتل، ورق، وأسر».

قوله: «يصح الأمان» الأمان: عبارة عن تأمين الكافر مدة محدودة، أي يؤمن حتى يبيع تجارته ويرجع، أو حتى يشاهد بلاد المسلمين ويرجع، أو حتى يسمع كلام الله ويرجع، وهذا التأمين ليس عقداً بل أمان فقط، ولهذا صح من كل إنسان حتى من امرأة، وحتى من قن، لكن لا بد أن يكون المُؤَمِّنُ مسلماً، فلو فرضنا أن في البلد طوائف متعددة، نصارى ومشركين، لكنهم باقون في عهد المسلمين، فهؤلاء لا يصح منهم أن يؤمّنوا كافراً يدخل من بلاد الكفر؛ لأنهم لا يُؤْمَنُونَ، فقد يكون بينهم وبين هذا الطالب للأمان اتفاق فيؤمِّنونه حتى يأتي ليأخذ أسرار المسلمين وأحوالهم.

ولا بد أن يكون عاقلاً، وضده المجنون؛ لأن المجنون لا عقل له ولا قصد له.

ومختاراً لا مكرهاً، فلو دخل كافر مسلح، ووجد رجلاً من المسلمين وقال له: أمّنِّي وإلا قتلتك، فأمَّنه مكرهاً، فهذا الأمان لا يصح، ولكن اشترط المؤلف للأمان ألا يكون فيه ضرر على المسلمين، وأن يكون في عشر سنين فأقل، أي: لا يملك أي إنسان أن يُؤَمِّنَ الكافر أكثر من عشر سنين.

قوله: «منجَّزاً ومعلَّقاً» منجَّزاً مثل: أمَّنتك.

ومعلَّقاً مثل إذا دخل الشهر الفلاني فأنت في أمان.

قوله: «من إمام لجميع المشركين» أي: يصح الأمان من إمامٍ لجميع المشركين؛ لأن ولايته عامة، فجاز أن يكون تأمينه عامّاً.

قوله: «ومن أمير لأهل بلدة جعل بإزائهم» هذا أقل من عموم المشركين، فأهل البلدة يؤمِّنهم أمير جعل بإزائهم، مثل أن يكون هناك قرية مسلمة وعليها أمير مسلم، وبجانبها قرية كافرة فيؤمِّنها هذا الرجل المسلم.

قوله: «ومن كل أحد لقافلة وحصن صغيرين عرفاً» أيُّ واحد من عامة المسلمين يؤمن القافلة الصغيرة والحصن الصغير أو الرجل أو الرجلين وما أشبه ذلك، فإنه جائز.

وما الذي يترتب على الأمان؟.

الجواب: قوله: «ويحرم به» أي: بالأمان.

قوله: «قتل ورق وأسر» أي: إذا أعطينا الأمان لشخص حرم قتله ورقه وأسره؛ لأنه قد أعطي الأمان، والمسلمون هم أشد الناس وفاءً بالعهود. ومن طلب الأمان؛ ليسمع كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام لزم إجابته ثم يرد إلى مأمنه، ودليل ذلك قوله تعالى: {{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}} [التوبة: 6] ، لكن بشرط ألاَّ نخاف أنه قال ذلك احتيالاً ومكراً، فإن خفنا هذا فإننا لا نؤمنه؛ لأنه يخشى من شره.

قوله: «والهدنة عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو طالت بقدر الحاجة» كلامه هنا لا يخالف كلامه الأول، فالكلام الأول إنما هو تأمين فقط، وكلامه هنا عن عقد يكون بين الإمام وبين الكفار كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديبية[(32)]، واشترط المؤلف بقوله: «عقد الإمام أو نائبه» أن الهدنة لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه، ومعروف أن الإمام هو الذي له الولاية العامة على كل المسلمين، ولكن هذا فُقد من أزمنة طويلة، وأقر المسلمون الوضع على ما هو عليه، وقالوا: كل إنسان ولي أمرٍ على البلاد التي تحت سيطرته فتجب طاعته، كما ذكره الصنعاني في سبل السلام، وغيره ـ أيضاً ـ من أهل العلم.

قوله: «على ترك القتال مدة معلومة» فلا يصح أن يقول: نحن عاهدناكم مدة ألاّ نقاتلكم؛ لأنها مجهولة، فلا بد أن تكون معلومة.

ولو قال: نعقد الهدنة بيننا حتى يكون لنا قدرة على القتال، فلا تصح لأنها غير معلومة.

قوله: «ولو طالت لكن بقدر الحاجة» ، «لو» إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا تجوز الهدنة مع الكفار إلا في عشر سنين فأقل، أما أكثر من ذلك فلا تجوز

والحجة في هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سالم قريشاً لمدة عشر سنوات، قالوا: والأصل وجوب قتال وجهاد الكفار، فلا نعدل عن هذا الأصل إلا بمقدار ما جاءت به السنة، والسنة جاءت بعشر سنوات فلا نزيد، فإن زاد على هذا بطلت الزيادة.

وقيل: يبطل العقد كله، وهذا مبني على تفريق الصفقة المعروفة في كتاب البيع.

والصفقة إذا باع الإنسان شيئاً يجوز بيعه وشيئاً لا يجوز، هل يبطل البيع في الجميع أو فيما لا يجوز؟.

الجواب: فيما لا يجوز.

مثاله: باع عبداً وحرّاً، أو باع سيارته وسيارة جاره، وجاره لم يوكله، فيصح بيع سيارته دون سيارة جاره.

وقيل: يبطل البيع كله.

والمذهب أنه لا بأس أن تزيد المدة على عشر سنين إذا كان في ذلك حاجة، وتقدير النبي صلّى الله عليه وسلّم المدة بعشر سنين؛ لأنه رأى أن هذا كافٍ، وأن المسلمين سوف يقوون، وتزيد قوتهم في هذه المدة فيكون تقدير المدة لا لاختصاصها بهذا القدر، ولكن تبعاً للحاجة.

فالمذهب أنها تصح مؤقتة ولو عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أكثر إذا دعت الحاجة لذلك، مثل أن يعرف المسلمون أنهم ضعفاء لا يستطيعون في خلال خمس سنوات، أو عشر سنوات، أو عشرين سنة أن يقابلوا العدو فلهم أن يزيدوا إلى المدة التي تقتضيها الحاجة.

وقال شيخ الإسلام: يجوز عقد الهدنة مطلقاً بدون تحديد إذا كان في ذلك مصلحة، ولكن يكون هذا عقداً جائزاً، بمعنى أن للمسلمين أن ينقضوه إذا رأوا مصلحة في نقضه، فصارت الأقوال ثلاثة:

القول الأول: لا يجوز أن يعقد السلام أو الهدنة أكثر من عشر سنوات[(33)].

القول الثاني: يجوز أكثر لكن يحدد؛ لأن العقد على وجه الإطلاق يعني إبطال الجهاد.

القول الثالث: يجوز مطلقاً بدون تحديد للمصلحة، ولكن هذا القول يجعله عقداً جائزاً، بمعنى أن المسلمين إذا رأوا من أنفسهم القوة نبذوا العهد، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، ولكن لا بد أن يُعلموا عدوهم بأننا عقدنا معكم هذه الهدنة للحاجة، والآن لا نحتاجها، فإما أن تسلموا، وإما أن نقاتلكم، وهذا الذي قاله شيخ الإسلام هو قياس المذهب في أن المرجع في ذلك إلى المصلحة، ولو زاد على عشر سنين، فما دمتم تقولون: إننا نزيد على عشر السنوات التي حددها الرسول صلّى الله عليه وسلّم في الصلح بينه وبين قريش من أجل المصلحة، فلنقل أيضاً: قد نظن أن المصلحة في عشر سنوات ـ مثلاً ـ أو عشرين سنة، ولكن يتبين أننا نحتاج إلى وقت أطول، فإذا أطلقناها وصار لنا الحق في أن نقول لهؤلاء القوم: نحن أطلقناها ولم نقيد مدة معينة فإذا لم نقيد مدة معينة، فإنكم لا تلزموننا بشيء، ونقول لهم: هذا إذا قوينا وصار عندنا قدرة نستطيع أن نجبرهم على الإسلام، أو دفع الجزية إن كانوا من أهل الجزية.

قوله: «وهي لازمة يجوز عقدها للمصلحة حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين» ، «وهي» الضمير يعود على الهدنة، «لازمة» ؛ لأنها عهد بيننا وبين الكفار، وليعلم أن العهد الذي بيننا وبين الكفار له ثلاث حالات كلها في القرآن:

الحال الأولى: أن ينقضوا العهد هم بأنفسهم، فإذا نقضوا العهد انتقض العهد الذي بيننا وبينهم.

ومثاله: قصة قريش؛ لأن قريشاً نقضوا العهد حين ساعدوا حلفاءهم على حلفاء النبي صلّى الله عليه وسلّم، وحينئذ ينتقض العهد، والدليل قوله تعالى: {{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ *}{أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ}} [التوبة: 12، 13] .

الحال الثانية: أن يستقيموا لنا ولا نخاف منهم خيانة ولم نر منهم خيانة، فحينئذ يجب علينا أن نستقيم لهم كما قال الله تعالى: {{فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}} [التوبة: 7] .

الحال الثالثة: أن نخاف منهم نقض العهد، فهنا لا يلزمنا أن نبقى على العهد، ولا يجوز لنا أن نقاتلهم، بل ننبذ إليهم على سواء، وإليه الإشارة في قوله تعالى: {{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}} [الأنفال: 58] ، أي: انبذ العهد على سواء؛ لتكون أنت وإياهم على سواء في أنه لا عهد بينكم، وهذا هو الإنصاف؛ لأن الدين الإسلامي أقوم الأديان وأعدلها، فما استقاموا لنا فإننا نستقيم لهم، وإن نقضوا عهدنا فلا عهد لهم، وإن خفنا منهم ننبذ إليهم على سواء، فنقول: لا عهد بيننا وبينكم، ولا نأتيهم على غرة ونباغتهم؛ لأن الأصل قيام العهد.

قوله: «تجوز بشرط حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين» وفي وقتنا هذا فينا ضعف؛ لذلك تجوز الهدنة على المذهب بدون تقييد، ولكن لا بد أن تكون المدة معلومة مقيدة.

قوله: «ولو بمال منا ضرورة» أي: ولو كان عقد الهدنة بمال، وعقد الهدنة بمال إما أن يكون منهم، وإما أن يكون منا ولا ثالث لذلك، ويكون منهم إذا كانوا هم الضعفاء فيفرحون أن نأخذ منهم ضريبة مالية وندع جهادهم، ويكون منا إذا كان الضعف فينا، ولهذا قيدها المؤلف بقوله: «لو بمال منا ضرورة» وهذا إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا يجوز أن نعطيهم على الهدنة مالاً أبداً، ولهذا «لما شاور النبي صلّى الله عليه وسلّم سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ على أن يعطي مالاً في مقابلة المصالحة أبوا، وقالوا: لا يمكن يا رسول الله، في الجاهلية لا يقدرون أن يدخلوا المدينة إلا بأمان ليأخذوا التمر، فكيف نعطيهم الآن تمراً من المدينة[(34)]؟» فوافقهم النبي صلّى الله عليه وسلّم.

فقال بعض العلماء: إن عرض النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك يدل على الجواز، وقال بعض العلماء: إن موافقته للسعدين يدل على المنع، وأن هذا ذل للمسلمين أن يبذلوا مالاً لعدوهم، ولكن يقال: بذل المال أهون من القتل إذا كان العدو قويّاً، وليس لنا به طاقة إطلاقاً، فإن بذل شيء من أموالنا أهون من أن يسحقنا العدو نحن وأموالنا، فالمسألة كلها تعود إلى المصلحة ودفع الضرر، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

قوله: «ويجوز شرط رد رجل جاء منهم مسلماً للحاجة» أي: لو شرط هؤلاء الكفار أنه من جاء منهم مسلماً رددناه إليهم كان ذلك شرطاً جائزاً، لكن إذا دعت الحاجة إليه، ومن دعاء الحاجة إلى ذلك أن يتوقف الصلح على هذا الشرط، فإذا توقف الصلح على هذا الشرط، وقالوا: لا نصالحكم إلا بهذا الشرط، فإن لنا أن نشترطه.

فإن قال قائل: في هذا غضاضة علينا.

قلنا: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم فعل ذلك بأمر الله، فإن قريشاً اشترطوا عليه أن من جاء منهم مسلماً رده عليهم وفعل ذلك، وجعل الله لمن جاء مسلماً ورد إليهم فرجاً، حتى إنهم هم بأنفسهم أرسلوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يقولون: امنع الذين جاؤوا وأسلموا وألغ الشرط ففعل، والقصة مع أبي بصير ـ رضي الله عنه ـ؛ لأن أبا بصير جاء مسلماً من قريش فأرسلوا في طلبه رجلين، فما إن وصل المدينة حتى وصل الرجلان، ثم طلبا من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يرد إليهم هذا الرجل الذي جاء مسلماً فرده إليهم حسب الشرط، ولما كان في أثناء الطريق وجلسوا يتغدون، قال لأحدهم: أرني سيفك هذا فإنه سيف جيد فأراه إياه؛ لأنه قال: هذا الرجل أسير في أيدينا؛ فلما أخذه ضرب به عنقه حتى أطار رأسه، وصاحبه الثاني هرب إلى المدينة وجاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فلحقه أبو بصير، وقال: يا رسول الله إن الله أبرأ ذمتك وأوفى بعهدك ورددتني إليهم، ولكن الله أنجاني منهم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ويل أمه مِسْعَر حرب لو يجد من ينصره» ففهم أبو بصير ـ رضي الله عنه ـ أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم سيرده، فخرج من المدينة وجلس على قاعدة في البحر، وصار إذا مرت به تجارة لقريش أغار عليها وأخذها، فسمع به أناس من أهل مكة من الشبان فخرجوا إليه، فصاروا طائفة، وحينئذ عجزت قريش عنهم، فانتهى الأمر بردهم إلى المدينة[(35)]، والحمد لله.

قوله: «وأمَرَهُ سرّاً بقتالهم والفرار منهم» أي: نعطيه إياهم، ونقول: إن أمكنك أن تقتل أحداً منهم أو تقاتل فافعل، أو أمكنك أن تفر منهم فافعل، لكن إلى حيث لا يصلون إليك، فلا تأت إلينا، فإنك إن أتيتنا رددناك إليهم.

قوله: «ولو هرب قن فأسلم لم يردّ وهو حرّ» أي: هرب عبدٌ مملوك من سيده من الكفار فأسلم لم يرد إليهم خوفاً من أن يرتد إلى الكفر؛ لأنه قن فيأخذه سيده ويكرهه على الكفر فيكفر.

قوله: «ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال، وقَوَد، وحَدّ» الضمير في قوله: «يؤخذون» يعود على المعاهدين الذين بيننا وبينهم عهد، فلو أخذوا مال مسلم وجب عليهم رده، ولو قتلوا مسلماً قتلوا إذا أمكن، ولو قذفوا مسلماً حدُّوا للقذف؛ لأنهم معاهدون.

قوله: «ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا رهائننا» أي: لو كان بيننا وبينهم رهائن، وأحياناً يخافون أن ننقض العهد ونحن نخاف أن ينقضوا العهد فنقول: أعطونا رهائن، وهم أيضاً يقولون: أعطونا رهائن، أي: أشخاصاً يكونون عندهم، إذا غدر أحد قُتِل هؤلاء الرهائن، فإن قتلوا رهائننا فلنا أن نقتل رهائنهم.

فإن قال قائل: كيف نقتل رهائنهم وقد قال الله تعالى: {{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}} [الإسراء: 15] ؟

قلنا: لأن القوم طائفة واحدة، فجناية واحد منهم جناية من الجميع.

واستفدنا من كلام المؤلف أنه يجوز أن نعطي الكفار رهائن، ولكن بشرط أن يعطونا رهائن، أما أن نعطيهم رجالنا يقتلونهم متى شاؤوا دون أن يكون لدينا رهائن نقتلهم إذا قتلوا رهائننا، فهذا لا شك أنه لا يجوز، لكن إذا أخذوا منا رهائن فإننا نطلب منهم مقابل ذلك.

قوله: «وإن خيف نقض عهدهم أعلمهم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم» دليل ذلك قوله تعالى: {{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}} [الأنفال: 58] ، أي: أنت وهم سواء في أنه لا عهد بينكم، أما أن تغير عليهم بدون أن تعلمهم فإن هذا لا يجوز؛ لأن الأصل بقاء العهد، وقد ذكرنا فيما سبق أن المعاهدين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

الأول: من نقض العهد، فهؤلاء انتقض عهدهم ونقاتلهم.

والثاني: من استقام على العهد، فهؤلاء نستقيم على عهدهم؛ لقوله تعالى: {{فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}} [التوبة: 7] .

والثالث: من خيف منه نقض لعهد، فهذا لا نغير عليه ولا نؤمِّنه، ولكننا نقول له: إن العهد الذي بيننا وبينكم قد نقض، وإذا انتقض العهد جاز لنا أن نغير عليهم.

 

----------------------------

 

[1]      قال الزيلعي في «تخريج أحاديث الكشاف» (825): «غريب جداً وذكره الثعلبي هكذا من غير سند»،                              وأخرجه البيهقي بمعناه في «الزهد» (373) عن جابر ـ رضي الله عنه&#146>;ـ وضعف إسناده.

[2]      أخرجه مسلم في الزكاة/ باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1063) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.

[3]      أخرجه مسلم في الإمارة/ باب فضل الرمي (1917) عن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ.

[4]      أخرجه الإمام أحمد (5/231)؛ والترمذي في الإيمان/ باب ما جاء في حرمة الصلاة (2616)؛ والنسائي في «الكبرى» في التفسير (11330)؛ وابن ماجه في الفتن/ باب كف اللسان في الفتنة (3973) عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ.

           وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (2/412) ووافقه الذهبي.

[5]      أخرجه البخاري في الوصايا/ باب قول الله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى}} (2766)؛ ومسلم في الإيمان/ باب بيان الكبائر وأكبرها (89) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[6]      أخرجه البخاري كتاب الأذان/ باب إقامة العبد والمولى (693) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ ولفظه: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة».

[7]      أخرجه البخاري في الجهاد/ باب لا هجرة بعد الفتح (3077)؛ ومسلم في الإمارة/ باب المبايعة بعد فتح مكة (1353) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.

[8]      أخرجه الطبراني في «الكبير» (7606)، وقال في «مجمع الزوائد» (5/292): «وفيه أيوب بن مدرك وهو متروك»، وأخرجه ابن أبي شيبة (5/328) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ موقوفاً وعن مكحول عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرسلاً (5/328)؛ والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (5/23).

[9]      أخرجه البخاري في المناقب/ باب علامات النبوة في الإسلام (3603)؛ ومسلم في المغازي/ باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول (1843)، عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ.

[10]   أخرجه البخاري في المغازي/ باب سرية عبد الله بن حذافة... (4340)؛ ومسلم في الإمارة/ باب وجوب طاعة الأمراء... (1840) عن علي ـ رضي الله عنه ـ.

[11]   أخرجه البخاري في الأدب/ باب ما ينهى من السباب واللعن (6047)؛ ومسلم في الإيمان/ باب بيان غلظة تحريم قتل الإنسان نفسه (110)، عن ثابت بن الضحاك ـ رضي الله عنه ـ.

[12]   أخرجه البخاري في الأحكام/ باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (7145)؛ ومسلم في الإمارة/ باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (1840)، عن علي ـ رضي الله عنه ـ.

[13]   أخرجه البخاري في اللباس/ باب إعفاء اللحى (5893)؛ ومسلم في الطهارة/ باب خصال الفطرة (259) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[14]   «الروض مع حاشية ابن قاسم» (4/269).

[15]   أخرجه مسلم في الجهاد/ باب تأمير الإمام الأمراء على الجيوش (1731) عن بريدة ـ رضي الله عنه ـ.

[16]   أخرجه أبو داود في «المراسيل» (335) عن مكحول مرسلاً، ووصله العقيلي في «الضعفاء» (2/244) عن علي ـ رضي الله عنه ـ، وإسناده ضعيف كما قال الحافظ في «البلوغ» (1282).

[17]   أخرجه عبد الرزاق (9689)؛ وابن أبي شيبة (12/411)؛ وسعيد بن منصور (2791)؛ والطحاوي في «الشرح» (3/245)؛ والبيهقي (9/50)، وصحح إسناده، وأخرجه البيهقي (9/50، 51) عن أبي بكر وعلي ـ رضي الله عنهما ـ.

[18]   وهو المذهب.

[19]   وهو المذهب.

[20]   أخرجه البخاري في الزكاة/ باب وجوب الزكاة (1395) ومسلم في الإيمان/ باب الدعاء إلى الشهادتين (19).

[21]   أخرجه البخاري في المغازي/ باب غزوة خيبر (4228)؛ ومسلم في الجهاد/ باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين (1762)، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[22]   رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، ويرد مشدهم على مضعفهم، ومتسريهم على قاعدهم».

           أخرجه الإمام أحمد (2/180)؛ وأبو داود في الجهاد/ باب في السرية ترد على أهل العسكر (2751)؛ وابن ماجه في الديات/ باب المسلمون تتكافأ دماؤهم (2685)؛ وعبد الرزاق (9445)؛ وابن المنذر في «الأوسط» (11/151)، وصححه الألباني في «الإرواء» (7/265).

[23]   أخرجه البخاري في الجهاد/ باب الغلول (3073)؛ ومسلم في الإمارة/ باب غلظ تحريم الغلول (1831) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[24]   أخرجه البخاري في الأيمان والنذور/ باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والغنم والزرع والأمتعة (6707)؛ ومسلم في الإيمان/ باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون (115) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[25]   عزاه في «المغني» (13/168) إلى سعيد بن منصور، ولم نقف عليه في «سننه»، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ حرقوا متاع الغال».

           أخرجه أبو داود في الجهاد/ باب في عقوبة الغال (2715)؛ والحاكم (2/131)؛ والبيهقي (9/102)، قال الحاكم: «غريب صحيح»، وقال الحافظ في «التغليق» (3/466): «زهير بن محمد ضعيف الحديث والمحفوظ عن عمرو بن شعيب قوله: «وروي عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه». أخرجه أبو داود (2713)؛ والحاكم (1/127)؛ والبيهقي (9/102). وضعفه أبو داود والبيهقي والحافظ في «التغليق» (3/264).

[26]ـ[27] أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة/ باب أوقاف أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم (2334)، وانظر:  «الأموال» لأبي عبيد ص(60).

[28]   أي: إرث التملك.

[29]   روي ذلك عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه كان يأمر بذلك عماله، أخرجه عبد الرزاق (10124) والبيهقي (20919، 210).

[30]   أخرجه الطبري في «تاريخه» (4/205).

[31]   الروض مع حاشية ابن قاسم: 4/296.

[32]   أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في الجهاد (2731)، (2732).

[33]   وهو المذهب.

[34]   أخرجه البزار (1803) «كشف الأستار» ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ وعزاه الهيثمي في «المجمع» (6/135) للطبراني وقال: «فيه محمد بن عمرو وحديثه حسن وبقية رجاله ثقات».

[35]     سبق تخريجه ص(44).

 

 

تاريخ التحديث : Feb 18, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com