المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثامن
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثامن
باب عقد الذمة وأحكامها
 

 

بَابُ عَقْدِ الذِّمة وأحكَامِهَا

 

قوله: «باب عقد الذمة وأحكامها» هذا الباب اشتمل على مسألتين:

الأولى: عقد الذمة، وتتضمن: معنى عقد الذمة، ومن تعقد له.

الثانية: أحكام أهل الذمة، أي: ما يلزم المسلمين نحو أهل الذمة، وما يلزم أهل الذمة نحو المسلمين.

الذمة لغة هي: العهد، ودليل ذلك قوله تعالى: {{لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}} [التوبة: 10] ، والإل بمعنى القرابة والذمة بمعنى العهد؛ لأن الأصل أن الإنسان يحتمي بأمرين: إما بالقرابة، وإما بالعهد، قال تعالى: {{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}} [الإسراء: 34] . وقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه: «إذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله» [(36)]، وعلى هذا فالذمة معناها العهد.

وتعريفه اصطلاحاً : «إقرار بعض الكفار على دينهم على وجه معين» الوجه المعين يأتي في أحكام أهل الذمة.

وقولنا: «إقرار بعض الكفار على دينهم على وجه معين» يفيد أن الأصل عدم إقرار الكافر على دينه، وهو كذلك لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» [(37)]، ووجه هذا الأصل الذي دل عليه القرآن ـ كما سنذكره ـ ودلَّت عليه السنّة، أن الخلق عبادٌ لله يجب عليهم أن يقوموا بمقتضى هذه العبودية من التذلل له والتزام أحكام شريعته، فإذا خالفوا ذلك خرجوا عن مقتضى هذه العبودية، فكان يجب أن يردوا إليها؛ لأنهم خلقوا من أجلها، ولكن لنا أن نقرهم على دينهم بالذمة والعهد.

ولكن ما معنى الذمة هنا، هل هي العهد السابق؟.

الجواب : معنى الذمة هنا إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة.

أما العهد السابق فهو الهدنة، فنعاهد الكفار، وهم في أرضهم مستقلون عن المسلمين ليس لنا من شأنهم شيء إلا وضع القتال.

وقولنا: التزام أحكام الملة، وليس التزام الملة؛ لأنهم لو التزموا الملة لكانوا مسلمين، لكن التزام أحكام الملة، أي: ما حكمت به الشريعة الإسلامية عليهم.

والأصل في هذا قوله تعالى: {{قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *}} [التوبة] ، والخطاب في قوله: {{قَاتِلُوا}} للمسلمين عامة، فيكون قتالهم فرض كفاية، وقوله: {{مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}}، «من» هنا يتعين أن تكون لبيان الجنس، وليس للتبعيض؛ وذلك لأن جميع أهل الكتاب لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم ولا يدينون دين الحق، ولو جعلنا «من» للتبعيض لكان بعض أهل الكتاب على دين ومؤمناً، ولكن الأمر ليس كذلك، فيتعين أن تكون «من» هنا لبيان الجنس كقوله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ}} [البينة: 6] ، فإن «من» هنا لبيان الجنس، يعني صنف الكفرة إلى قسمين: أهل كتاب ومشركين.

 

لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُم،...................

قوله: «لا يعقد» بالبناء للمجهول، وسيأتي أن الذي يتولى عقدها الإمام أو نائبه.

قوله: «لغير المجوس» المجوس هم الذين يعبدون النار وهم مشركون، لكنهم طائفة مستقلة عن الشرك العام بخصائص معروفة في دينهم، يقولون بالأصلين الظلمة والنور ـ وهم فِرَق وهذه من فرقهم ـ ويقولون: إن الحوادث إما خير وإما شر، فالخير خلقه النور، والشر خلقته الظلمة، ومع ذلك لا يرون أن هذين الإلهين متساويان بل يقولون: إن النور خير من الظلمة، ويقولون: إن النور قديم، ويختلفون في الظلمة هل هي حادثة أو لا؟ ولهذا قال شيخ الإسلام: لم يُعلم أن أحداً من أرباب المقالات قال: إن للخلق إلـهين متساويين أبداً، حتى القائلين بالتثنية لا يرون أن هذا مساوٍ لهذا، فهؤلاء يعقد لهم.

ودليل ذلك أنه ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ الجزية من مجوس هجر[(38)]، وهجر هي الأحساء وما حولها وكان فيها مجوس؛ لأنها بجانب أرض الفرس، فأخذ منهم النبي صلّى الله عليه وسلّم الجزية، ومعلوم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إذا أخذ الجزية فهي شريعة.

قوله: «وأهل الكتابين» الكتابان هما التوراة والإنجيل، أنزل الله التوراة على موسى ـ عليه السلام ـ والإنجيل على عيسى ـ عليه السلام ـ والمتمسكون بالتوراة يقال لهم: اليهود، والمتمسكون بالإنجيل يقال لهم: النصارى، فهؤلاء يعقد لهم بنص القرآن الكريم، قال تعالى: {{قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *}} [التوبة] ، «حتى» غائية لا تعليلية، والفرق بينهما: إذا كانت بمعنى إلى فهي غائية، وإذا كانت بمعنى اللام فهي تعليلية، فمثال التعليلية قوله تعالى: {{لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا}} [المنافقون: 7] ، أما قوله تعالى: {{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ}} [التوبة: 29] ، فالمعنى إلى أن يعطوا، إذاً فهي غائية.

وقوله تعالى: {{عَنْ يَدٍ}}، قيل: معناها أن يعطوكم الجزية يداً بيد، بمعنى أن الواحد منهم يأتي ويسلم الجزية بيده لا يعطيها خادمه، ويقول له: اذهب بها إلى السلطان أو نائب السلطان، لا، هو بنفسه يأتي بها؛ لأن هذا أذل له مما لو أرسل بها خادمه.

وقيل: «عن يد» ، أي عن قوة منكم عليهم، بمعنى أننا نظهر أننا أقوياء أمامهم حتى يذلوا؛ لأنه كلما قوي الإنسان على عدوه ازداد العدو ذلًّا.

والآية تصلح للمعنيين جميعاً، فهي بمعنى أن الواحد منهم يأتي بها ويسلمها بيده، وأن نريه القوة والبأس حتى يكون ذلك أذل له.

أما ما قاله بعض الفقهاء: من أنه يطال وقوفهم عند تسليمها بحيث نصدُّ عنه أو نتلهى عنه بشيء لأجل إذلاله، ثم إذا أخذها منه تُجَر يدُه بقوة وربما تنخلع يده؛ لأن هذا من باب الإذلال.

لكن الصحيح خلاف ذلك، وأنه يكفي أن يأتوا أذلاء يسلمون الجزية عن يد.

إذاً لا تعقد إلا للمجوس واليهود والنصارى، ومن سواهم لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال، فلا جزية، وهذا هو المشهور من المذهب.

واستدلوا بعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» إلى آخر الحديث[(39)]، ففيه أننا نقاتل الناس عامة، خُص منهم المجوس؛ لأنه ثبت بالسنة أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أخذ منهم الجزية، واليهود والنصارى في القرآن، فيبقى سائر الكفار على أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال.

لكن الصحيح أنها تصح من كل كافر، والدليل على هذا حديث بريدة الذي رواه مسلم في صحيحه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً، ثم أوصاه بوصايا، منها: أنه إذا لم يسلم القوم فيدعوهم إلى أخذ الجزية فإن أبوا قاتلهم»[(40)]، وهذا دليل على العموم، ويدل لذلك أيضاً: كون النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذها من مجوس هجر[(41)] مع أنهم ليسوا من أهل الكتاب فيدل على أنها تؤخذ من كل كافر، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأنه إذا جاز أخذها من أهل الكتاب والمجوس، فغيرهم مثلهم؛ لأن المقصود إقرار الكافر على دينه على وجه معين أو مخصوص وهو حاصل لكل كافر، وعلى هذا فإذا طلب أحد من المشركين أن نأخذ منه الجزية ويقر على دينه ورأينا المصلحة في ذلك فإننا نفعله.

تنبيه : زعم بعض العلماء أن المجوس لهم شبهة كتاب، ولكن نقول: أين الشبهة وأين الكتاب المشتبه فيه؟ إنما أخذها الرسول صلّى الله عليه وسلّم منهم؛ لأن الله تعالى قال: {{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}} [الأنفال: 39] ، فإذا كان الدين لله وغلب الدين الإسلامي على غيره، وأعطى هؤلاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فهذا هو الذي نريده، نحن لا نريد أن نلزم الناس بالإسلام، نريد أن يلتزم الناس بالإسلام، أي بأحكامه حتى يكون الإسلام هو العالي، وكلمة الله هي العليا، هذا هو الصحيح، وأن قتال الكفار لا لإلزامهم بالإسلام، ولكن لإلزامهم بالخضوع لأحكام الإسلام، وذلك بأخذ الجزية منهم عن يد وهم صاغرون.

قوله: «ومن تبعهم» أي: من تبع أهل الكتاب، وإن لم يكونوا من بني إسرائيل، أو ممن أنزل عليهم الكتاب أو لا. قال في الروض: فَتَدَيَّنَ بأحد الدينين كالسامرة، والفرنج، والصابئين؛ لعموم قوله تعالى: {{مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}}[(42)] فالعبرة بالدين لا بالنسب والجنس.

 

وَلاَ يَعْقِدُهَا إِلاّ إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ ..................

قوله: «ولا يعقدها» أي: الذمة بين المسلمين والكفار.

قوله: «إلا إمام أو نائبه» إذا قال العلماء: «الإمام» فيعنون به صاحب السلطة العليا في الدولة، «أو نائبه» من الوزراء أو الأمراء أو من يوليهم الإمام مثل هذا العقد.

وإنما كان كذلك؛ لأنه عقد يترتب عليه أحكام كبيرة، وليس كالأمان، فالأمان سبق أنه يصح من كل إنسان، حتى من المرأة، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ»[(43)] ، أما عقد الذمة، فلا بد أن يكون من إمام أو نائبه، ولأنه ـ أيضاً ـ عقد مؤبد، ليس فيه تقييد بسنة أو سنتين أو شهر أو شهرين، ولذلك صار يجب أن يتولاه الإمام أو نائبه. بخلاف الهدنة فإنها تكون مؤقتة وتصح مطلقة، ولا تصح مؤبدة؛ لأن عقد الهدنة على أن تكون مؤبدة يتضمن إلغاء الجهاد، وهذا لا يجوز؛ لأن الجهاد فرض كفاية فلا بد منه، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم[(44)]، لكن عقد الذمة فيه خضوع من الكفار، وعدم اعتداء على المسلمين، والتزام لأحكام الإسلام فتصح مؤبدة.

وإذا طلب الكفار بذلك الجزية، هل يجب علينا أن نقبل أو نقاتلهم ولو دفعوا الجزية؟.

الجواب: الأول إذا قالوا نحن لا نقاتلكم أيها المسلمون، لكن لكم علينا أن نعطيكم الجزية، فلا يجوز قتالهم؛ لأن الله قال: {{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ}} [التوبة: 29] ، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أعطوا الجزية فاقبل منهم وكف عنهم» [(45)]، هكذا أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا يدل على كذب ما يدعيه اليهود والنصارى اليوم وغيرهم من أن الإسلام دين جبروت، وأنه يرغم الناس على الإسلام، فالإسلام لا يرغم أحداً، ثم لو فرض أنه أرغم فله الحق؛ لأن الإسلام دين الله ـ عزّ وجل ـ فرضه على عباده، فيلزم العباد أن يقوموا به، لكن من تخفيف الله ـ عزّ وجل ـ على العباد، ولو كانوا كفاراً أنه يقبل منهم الجزية بدلاً عن القتال.

ونقول: ابقوا على دينكم وسلموا الجزية، والغالب أنه إذا انفتح الناس هذا الانفتاح أنه يحصل بذلك تسهيل لدخول الناس في الإسلام؛ لأنهم سوف يمتزجون بالمسلمين ويشاهدون أحوال الإسلام وربما يرغبون فيه.

 

وَلاَ جِزْيَةَ عَلَى صبَيّ وَلاَ امْرَأةٍ ولاَ عَبْدٍ، وَلاَ فَقِيرٍ يَعْجزُ عَنْهَا،

قوله: «ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا عبد» الجزية لا تجب على كل أحد من الكفار، أي: لو عقدنا الذمة لهؤلاء اليهود أو هؤلاء النصارى الذين يقيمون في بلادنا فهل نجعل الجزية على رب العائلة وأفراد العائلة؟.

الجواب: لا؛ لأنه يقول: «لا جزية على صبي» وإنما لم يكن عليه جزية؛ لأنه ليس أهلاً للقتال، والجزية إنما تكون على من يقاتل، أما من لا يقاتل فلا جزية عليه؛ لأنه لا شر فيه.

وكذلك لا جزية على امرأة؛ لأنها ليست من أهل القتال، هذا هو الأصل أن النساء لسن من أهل القتال، ولا يجب عليهن الجهاد، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين سألته عائشة ـ رضي الله عنها ـ: هل على النساء جهاد؟ قال: «عليهنّ جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» [(46)].

وكذلك أيضاً لا جزية على عبد؛ لأنه لا يملك، فهو بمنزلة الفقير أو أشد، ومُلك العبد لسيده لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع»[(47)].

قوله: «ولا فقير يعجز عنها» لأن الفقير ليس له مال، وكل الأموال الواجبة من شرطها الغنى، أي: القدرة عليها، والغنى يختلف، فغنى الزكاة الذي يحصل به الوجوب غير غنى الزكاة الذي يحصل به الامتناع من أخذها، والغنى هنا غير الغنى هناك، والغنى في باب النفقات غير الغنى في هذه المواضع، فكل شيء بحسبه.

 

وَمَن صَار أهْلاً لَهَا أُخِذَتْ مِنْهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَمَتَى بَذَلُوا الوَاجِبَ عَلَيْهِمْ وَجَبَ قَبُولُهُ وَحَرُمُ قِتَالُهُمْ، وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أخْذِها، وَيُطَالُ وقُوفُهُمْ، وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ..

قوله: «ومن صار أهلاً لها أخذت منه في آخر الحول» أي: من صار أهلاً لها من هؤلاء، كصبي بلغ، وعبد عتق، وفقير اغتنى، فإنها تؤخذ منه في آخر الحول، وكيف تؤخذ؟ هل تؤخذ منه جزية حول كامل أو بالحساب؟

الجواب: العدل بالحساب، فمثلاً: لو أنه بلغ في نصف العام، وكنا نأخذ منهم الجزية في آخر شهر ذي الحجة، والجزية مقدارها مائة درهم على كل واحد مثلاً، فنأخذ منه خمسين، هذا هو العدل، فلا نظلمه، ولا نظلم بيت المال، وكل شيء بحسابه.

قوله: «ومتى بذلوا الواجب عليهم وجب قبوله وحرم قتالهم» أي: إذا تم العقد بيننا وبينهم وبذلوا الواجب فإنه لا يجوز لنا أن نرجع في هذا العقد ونقول: لا نقبل منكم إلا الإسلام، بل يجب أن نقبل منهم ما بذلوا؛ لقول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] ، وهذه الآية من أجمع الآيات في باب المعاملات، فكل عقد بينك وبين غيرك فإنه يجب عليك الوفاء به إذا كان قد أذن به الشرع، وهذا الشرط الذي ذكرته مأخوذ من قوله تعالى: {{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}}؛ لأن الله تعالى لا يأمر بوفاء ما لم يأذن به، فيجب علينا أن نقبله، وإذا بذلوا الجزية حرم قتالهم؛ لأنهم يؤمِّنون أنفسهم بهذه الجزية، فيجب أن ندافع عنهم؛ لأنهم مؤمَّنون ملتزمون بأحكام الذمة، ونحن نلتزم لهم بذلك أيضاً.

مسألة: إذا أسلم أحد في أثناء الحول فإنها تسقط عنه؛ لأنه أسلم فلم يكن من أهل الجزية، ولا يؤخذ منه شيء ترغيباً له في الإسلام.

قوله: «ويمتهنون عند أخذها» الضمير في «يمتهنون» يعود على أهل الذمة، أي: لا يكرمون عند أخذها، فإذا جاء الذمي يريد أن يعطي الجزية إلى الجابي فإنه لا يستقبله بالحفاوة والإكرام، ويقدم له الفراش والأكل والشراب بل يمتهنه؛ لقول الله تعالى: {{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}} [التوبة: 29] ، والإكرام ضد الصَّغار.

قوله: «ويطال وقوفهم» ؛ أي: إذا جاء ليسلمها إلى الجابي فلا يأخذها منه، بل يدعه يبقى ويطال وقوفه، إلى متى؟

الجواب: إلى ما يحصل به الامتهان، فلا يباشرون بالأخذ منهم، وكل هذا إعزازاً للإسلام لا انتقاماً منهم ولا انتصاراً لأنفسنا، ولكن إعزازاً لدين الله وبياناً أن الدين قوي.

ولو أن الناس استعملوا هذا في الوقت الحاضر لقيل: هذه عنصرية، وهذا جفاء وهؤلاء أجلاف؛ لأن الأمور تغيرت، فمثلاً لو قدر أن المسلمين الآن عقدوا الذمة لأحد، هل يحسن أن يعاملوه هذه المعاملة؟ أو يقال: إن صَغار كل شيء بحسبه؟ فنحن إذا لم نكرمهم فهو في عرف الناس الآن يعتبر إذلالاً وإصغاراً، هذا محل نظر.

قوله: «وتجر أيديهم» أي: عندما يُقدم الجزية لا نأخذها من طرف يده، بل نأخذ يده ونجرها بقوة، وكل هذا كما سبق من أجل إعزاز الإسلام وإعلائه حتى تكون كلمة الله هي العليا.

وقال بعض العلماء: لا يعاملون هذه المعاملة، بل يعاملون بالصغار دون أن يطال وقوفهم ودون أن تجر أيديهم، بل تستلم منهم استلاماً عادياً بشرط ألاّ نظهر إكرامهم، ويكفينا أن يأتوا بها إلينا.

فإن قال قائل: هل يجوز للواحد منهم أن يرسل بها خادمه أو ابنه؟

فالجواب: لا؛ لقوله تعالى: {{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}} [التوبة: 29] ، وهل المعنى عن قوة؟ أو يداً بيد؟ أو الجميع؟

الجواب: الجميع؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير وهي أنه متى احتملت الآية معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما جميعاً؛ لأن ذلك أعم، وكلما عمت دلالة الآية كان أولى، فنقول عن يد: أي يعطونها بأيديهم.

والثاني: عن يد، أي: عن قوة، أي أننا نظهر لهم القوة، وأننا أعلى منهم.

 

فَصْلٌ

 

وَيَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ بِحُكْمِ الإِسْلاَمِ فِي النَّفْسِ والمَالِ والعِرْضِ..

قوله: «فصل» أي: في أحكام أهل الذمة.

قوله: «ويلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام» أي: أخذ أهل الذمة بحكم الإسلام، أي: بما يقتضيه الإسلام من الأحكام، «فحكم» هنا مفرد مضاف فيكون عاماً؛ لأن المفرد إذا أضيف صار للعموم، ومنه قوله تعالى: {{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}} [النحل: 18] ، فقوله: {{نِعْمَةَ اللَّهِ}} هذا مفرد، والمفرد لو أريد به مدلوله لكنا نحصيه، لكن المراد كل النعم فهي لا تحصى، إذاً حكم الإسلام: أي جميع أحكام الإسلام.

قوله: «في النفس والمال والعرض» في النفس، أي: إذا قتلوا أحداً قتلناهم، وإذا قتلهم مثلهم قتلناه، وإن قتلهم مسلم لا نقتله؛ لأنه لا يُقتل مسلم بكافر خلافاً لمن ذهب إلى قتل المسلم بقتل المعاهد.

والصواب أنه لا يُقتل المسلم بالكافر، ومن حمل هذا الحديث: «لا يُقتل مسلم بكافر»[(48)] على أن المراد به غير المعاهد فحمله ضعيف جداً؛ لأن غير المعاهد يُقتل سواء قتل على وجه القصاص أو على وجه الحرابة؛ لأنه محارب.

وكذلك في المال فإذا أتلفوا مال مسلم ضَمَّناهم، وإن أتلف مسلم مالهم ضَمَّناه؛ لأن هذا مقتضى حكم الإسلام أن متلف المال ضامن سواء كان مسلماً أو كافراً.

كذلك العرض فلا يجوز لنا أن نغتابهم، ولا أن نقذفهم بالزنا؛ وذلك لأنهم محترمون، فهم من المعصومين، فيجب على الإمام أخذهم بذلك كله، وهم ـ أيضاً ـ إذا اغتابوا أحداً من المسلمين أو قذفوا أحداً من المسلمين ألزموا بما يقتضيه الإسلام في هذا الأمر.

 

وَإِقَامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ فيِمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيْمَهُ دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ...

قوله: «وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله» الحدود هي عقوبة مقدرة شرعاً تمنع من الوقوع في مثلها وتكفر ذنب صاحبها، وإقامة الحدود فرض كفاية، والمطالب بها الإمام، فهؤلاء الذميون إذا فعلوا ما يوجب الحد إن كانوا يعتقدون التحريم أقمنا عليهم الحد، وإن كانوا لا يعتقدونه فإننا لا نقيم عليهم الحد، فالزنا مثلاً يقام عليهم الحد فيه؛ لأنهم يعتقدون تحريمه، فإذا ترافعوا إلينا في قضية زنا فإنه يجب علينا أن نحكم عليهم بمقتضى الإسلام، فإذا كانوا محصنين فالرجم، وإن كانوا غير محصنين فالجلد والتغريب، وإذا قدرنا أنهم يعتقدون التحريم، لكن لا يعتقدون إقامة الحد فهؤلاء نقول: إن ترافعوا إلينا ألزمناهم بحكم الإسلام، وإن لم يترافعوا إلينا تركناهم وشأنهم، مع أن حد الزنا ثابت حتى في التوراة والإنجيل.

ودليل ذلك ما ورد في قصة عبد الله بن صوريا في الذي زنا بامرأة يهودية وترافع إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وجيء بالتوراة فإذا فيها آية الرجم[(49)].

وقوله: «دون ما يعتقدون حله» مثل الخمر، فالخمر يعتقد أهل الكتاب أنه حلال، فإذا جيء إلينا بسكران من أهل الذمة فإننا لا نقيم عليه حد الخمر، حتى وإن قلنا: إن عقوبة شارب الخمر حد فإننا لا نقيم عليه الحد؛ لأنه يعتقد حله، والذي يعتقد حل الشيء كيف يعاقب عليه؟! لكن سيأتي أنهم يمنعون من إظهار شرب الخمر، فإن أظهروا ذلك فإننا نعزِّرهم بما يردعهم.

ويؤخذ من هذا الحكم الذي أقره الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن من اعتقد حل شيء مختلف فيه فإنه لا يلزم بحكم من يرى تحريمه، مثل الدخان، فالدخان ليس مجمعاً على تحريمه، فمن العلماء من خالف فيه لا سيما أول ما ظهر، فإذا رأينا شخصاً يشرب الدخان وهو يرى أنه حلال فإننا لا نعزره، وإن كان يعتقد أنه حرام فإننا نعزره؛ لأن التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.

وهل نقره؟ بمعنى هل يجوز أن أجلس إلى جنب واحد يدخن ويعتقد حل الدخان؟.

الجواب: لا.

ولو رأيت أحداً أكل لحم إبل ولم يتوضأ وقام يصلي وهو لا يعتقد وجوب الوضوء من لحم الإبل هل تنكر عليه؟.

الجواب: لا، وهل تصلي معه؟.

الجواب: نعم، وهذا إقرار وليس بإنكار.

إذاً ما الفرق بين ترك الواجب وفعل المحرم؟.

الجواب: لا فرق، لكن لا ينبغي لذوي المروءة أن يجلسوا مع الذين يشربون الدخان ولو كانوا يعتقدون حله؛ لأن هذا دناءة، وفي ظني أن الذين يعتقدون حله من العلماء لا يرون أنه من فعل ذوي المروءة، كما أننا مثلاً نرى أن أكل الفصفص لا بأس به، لكن لو أتى معلم يعلم الطلبة وعنده كيس فصفص يأخذ منه ويأكل، فهذا يعتبر مخالفاً للمروءة وإن كان ليس حراماً، لكن الإنسان يجب أن يكون عنده أدب، فيؤخذ من كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في هذه أن ما يعتقده الإنسان حلالاً ولو كان كافراً فإنه لا يلزم بحكم الإسلام فيه، وإذا كان ذلك في حق الكفار ففي حق المسلمين من باب أولى فيما ذهبوا إليه بتأويل سائغ، أما من عاند كإنسان مسلم يأكل الخنزير، ويقول: أنا أعتقد أنه حلال فلا نقره؛ لأنه مجمع عليه، ولا يمكن لأي إنسان أن يحلل لحم الخنزير بأي مسوغ، ففرق بين هذا وهذا.

 

وَيَلْزَمُهُمُ التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِيْنَ، وَلَهُمْ رَكُوبُ غَيْرِ خَيلٍ بِغَيْرِ سَرجٍ بإِكافٍ ...

قوله: «ويلزمهم» الضمير مفعول به يعود على أهل الذمة.

قوله: «التميُّز عن المسلمين» أي: أن يكونوا متميزين عن المسلمين في الحياة وفي الممات.

أما في الممات فيلزم أن تكون قبورهم منفردة لا يقبرون مع المسلمين، حتى لو كان صبيّاً مات وأبواه كافران فإنه لا يجوز أن يدفن في مقابر المسلمين، بل يتميزون.

وكذلك في الحياة يجب أن يتميزوا عن المسلمين في المظهر والملبس والمركب؛ لئلا يغتر الناس بهم، فمثلاً:

في المظهر قالوا: يحلقون مقدم رؤوسهم، أي: تكون لهم قصة للشعر يتميزون بها عن غيرهم من المسلمين.

وفي الملبس يشدون أوساطهم بالزِّنّار حتى يعرف أنهم من أهل الذمة.

وكذلك يجعل لهم علامة عند دخول الحمامات «جلجل» أي: جرس صغير أو طوق تطوق به أعناقهم، بشرط ألاّ يكون فيه الصليب؛ لأنهم يمنعون من إظهار الصليب؛ إذ إن الصليب شعار دينهم، فيمنعون من إظهاره.

وكذلك أيضاً في المراكب، لا يركبون الخيل أبداً؛ لأن الخيل هي مادة القتال والجهاد، وإنما يركبون الإبل والحمير.

ولهذا قال: «ولهم ركوب غير خيل بغير سرج بإكاف» أي: يركبون غير الخيل كالحمير، ولا يُسرجونها أي: لا يجعلون عليها سَرْجاً، والسَّرج هو عبارة عن الرحل المنمق المحسن، بل يركبون بإكاف، والإكاف هو البردعة، وهي عبارة عن شيء كالمخدة مستطيل على طول ظهر الحمار، تربط عليه ثم يركب عليها لأنها لا تنبئ عن كبرياء أو شرف، أما السرج فمعروف أنه يكون له نقوش، ووشي، وأشياء تتدلى، ويكون حسناً.

ويجب أن يكون ركوبهم عرضاً ليس كركوب المسلمين، أي: إذا ركب الإنسان الدابة يجعل إحدى رجليه عن اليمين والثانية عن اليسار، وهم يجعلون الأرجل إما على اليمين، وإما على اليسار جميعاً، ولا يجعل الرجل اليمنى على اليمين واليسرى على اليسار؛ بل يركبون عرضاً، هكذا جرت الشروط التي بينهم وبين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ[(50)].

وفي عهدنا الآن ليس هناك خيل، ولا حمير تركب وتستعمل؛ ولكن يوجد سيارات، فماذا يركبون من السيارات؟ الجواب: أما الأشياء الفخمة فَيُمنعون منها؛ لأن هذا يدعو إلى شرفهم وسيادتهم وأن يشار إليهم بالأصابع.

ويحتمل أن يقال: إنهم منعوا من ركوب الخيل؛ لأنها مادة الحرب وآلة الحرب لا من أجل أن فيها الفخر وفيها الزينة، ولكن الأول أولى، أي: أنهم يمنعون من ركوب الأشياء الفخمة قياساً على الخيل.

 

وَلاَ يَجُوزُ تَصْدِيْرُهُم فِي المَجَالِسِ، وَلاَ القِيَامُ لَهُم ...........

قوله: «ولا يجوز تصديرهم في المجالس» أي: لا يجوز أن يكونوا في صدر المجلس بل في آخره، هذا عند ابتداء الجلوس لا إشكال فيه، أي: إذا دخل جماعة من المسلمين، ومعهم أحد من أهل الذمة، فإنه لا يمكن أن يتقدم أهل الذمة حتى يكونوا في صدر المجلس؛ لأن صدر المجلس إنما هو لأشراف القوم وأسيادهم، وهم ليسوا من أهل الشرف والسيادة.

لكن إذا كانوا في مجلس جالسين، ثم دخل جماعة من المسلمين هل يُقَامُون من صدر المجلس؟

الجواب: نعم إذا كان المجلس عاماً، أما إذا كان المجلس بيتاً لهم فهم في بيوتهم أحرار، وإن كان عامّاً فإنهم لا يصدرون في المجالس؛ لأن الإسلام هو الذي له الشرف، وهو الذي يعلو ولا يُعلى عليه.

قوله: «ولا القيام لهم» أي: إذا أقبلوا فلا تقم لهم؛ لأن ذلك إكرام لهم، وإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه»[(51)]، فإن القيام لهم ينافي ذلك تمام المنافاة؛ لأنه إكرام لهم.

وعُلِمَ من قول المؤلف: «ولا القيام لهم» أنه يجوز القيام للمسلمين، فإذا دخَل إنسان ذو شرف وجاه فإنه لا بأس بالقيام له، لكن هو نفسه لا يحب ولا يتمنى أن يقوم الناس له، إنما إذا قاموا له فإنه لا حرج عليهم، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يكره أن يُقام له»[(52)]، فتركه الصحابة استجابة لرغبة النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولكنه لا بأس أن يقوم الإنسان لذي الشرف والجاه إكراماً له.

وليعلم أن القيام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قيام للشخص، وقيام عليه، وقيام إليه.

فالقيام له، أي: أنه إذا دخل قمت إجلالاً وإكراماً له، ثم إن شئت فقل: اجلس في مكاني، وإن شئت جلست.

والقيام إليه: أن يتقدم الإنسان إلى القادم ويخطو خطوات وهذا جائز، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أقبل سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ للتحكيم: «قوموا إلى سيدكم»[(53)] ، فأمر بالقيام إليه إكراماً له.

وأما القيام على الشخص فإنه لا يجوز، إلا إذا كان في ذلك إغاظة للمشركين؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى أن نقوم على غيرنا كما تقوم الأعاجم على ملوكها[(54)]، بل في الصلاة لما صلى جالساً وصلوا خلفه قياماً أمرهم أن يجلسوا[(55)]؛ لئلا تظهر صورة المشابهة حتى في الصلاة، فإن كان في ذلك إغاظة للمشركين فإنه لا بأس به، بل قد يكون محموداً ومأموراً به كما فعل المغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنه ـ حين قام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقريش تراسله في صلح الحديبية[(56)]، فهذا لا شك أنه محمود؛ ليتبين لهؤلاء الكفار أن المسلمين يعظمون زعماءهم وعظماءهم.

إذاً القيام لأهل الذمة حرام، ولا يجوز ولو كان كبيراً، بأن كان وزيراً، أو كان رئيساً، لكن إذا لم يكن من أهل الذمة وقدم إلى بلد الإسلام فهل يقام له؛ لأنه من ذوي الشرف والجاه في قومه، ولأن ذلك مما جرت به العادة بين الناس ورؤساء الدول، أو لا يقام له؟

الجواب: هذا محل نظر، وفرق بين هذه المسألة وبين مسألة أهل الذمة؛ لأن أهل الذمة تحت ولايتنا، ونحن لنا الولاية عليهم فلا يمكن أن نكرمهم بالقيام لهم.

 

وَلاَ بَدَاءَتُهُمْ بالسَّلاَمِ .......

قوله: «ولا بداءتهم بالسلام» أي: لا يجوز أن نبدأهم بالسلام، فإذا لقيناهم لا نقول: السلام عليكم، فإن سلموا وجب الرد؛ لقول الله تعالى: {{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}} [النساء: 86] ، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»[(57)] ، فأمرنا أن نرد عليهم، أما البداءة فلا.

وهل يجوز أن نبدأهم بكيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ وما أشبه ذلك؟

الجواب: المذهب لا يجوز؛ لأن النهي عن بداءتهم بالسلام؛ لئلا نكرمهم بدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه»[(58)]، فإذا قلنا: كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ كيف أنت؟ كيف حالك؟ فهذا نوع من الإكرام.

وقال شيخ الإسلام: يجوز أن نقول له كيف حالك؟ وكيف أصبحت؟ وكيف أنت؟؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إنما نهى عن بداءتهم بالسلام، والسلام يتضمن الإكرام والدعاء؛ لأنك إذا قلت: السلام عليك فأنت تدعو له، أما هذا فهو مجرد ترحيب وتحية.

وينبغي أن يقال: إذا كانوا يفعلون بنا مثل ذلك فلنفعله بهم، أو كان هذا لمصلحة كالتأليف لقلوبهم فلنفعله بهم، أو كان ذلك خوفاً من شرهم فلنفعله بهم، فإذا قدر مثلاً أنك في شركة مديرها كافر، فإنك لو دخلت عليه لتراجعه في شأن هذه الشركة ولم تسلم عليه، لكان في قلبه عليك شيء وربما يضرك، فإذا قلت: كيف أصبحت؟ كيف حالك؟ فهذا يزيل ما في قلبه من الضغينة وتَسلم من شره، ولا يدخل هذا في نهي الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن بداءتهم بالسلام.

وإذا سلموا فيجب علينا أن نرد عليهم بدلالة القرآن والسنة، ولكن هل نرد عليهم بقول: وعليكم؟ أو نرد عليهم بمثل ما سلموا؟

الجواب: نقول: لا يخلو السلام الذي ألقوه إلينا إما أن يكون صريحاً بقولهم: السلام عليكم، أو صريحاً بقولهم السام عليكم، أو غير صريح، لم يبيّنوا اللام ولم يحذفوها حذفاً واضحاً، فإن صرحوا بقولهم السلام عليكم كما يوجد الآن في الكفار الذين عندنا يقولون: السلام عليكم، صراحة؛ لأن ألسنتهم أعجمية فهم يتعلمون السلام تلقيناً فتجده يقول: السلام عليكم بصراحة، فهنا لنا أن نرد عليهم ونقول: عليكم السلام، ولنا أن نقول: وعليكم، وإن صرحوا بقولهم: السام عليكم فإننا نقول: عليكم السام، أو نقول وهو أولى: وعليكم، ودليل ذلك أن رجلاً يهودياً مر بالنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: السام عليك يا محمد، فقالت عائشة رضي الله عنها: عليك السام واللعنة، فنهاها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وقال: «إن الله رفيق يحب الرفق»[(59)] ، وقال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»[(60)] ، وفي الصحيح أنه قال: «إن أهل الكتاب يقولون: السام عليكم فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم»[(61)].

وإن كان محتملاً فهنا يتعين أن نقول: وعليكم؛ لأنه إن قال: السلام فهو عليه، وإن قال: السام فهو عليه.

مسألة: هل يجوز أن نهنئهم، أو نعزيهم، أو نعود مرضاهم أو نشهد جنائزهم؟

الجواب: أما التهنئة بالأعياد فهذه حرام بلا شك، وربما لا يسلم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضا بها، والرضا بالكفر كفر، ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى بعيد الكرسمس، أو عيد الفَصْح أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز إطلاقاً، حتى وإن كانوا يهنئونا بأعيادنا فإننا لا نهنئهم بأعيادهم، والفرق أنّ تهنئتهم إيانا بأعيادنا تهنئة بحق، وأن تهنئتنا إياهم بأعيادهم تهنئة بباطل، فلا نقول: إننا نعاملهم بالمثل إذا هنؤونا بأعيادنا فإننا نهنئهم بأعيادهم للفرق الذي سبق.

وأما تهنئتهم بأمور دنيوية كما لو ولد له مولود، أو وجد له مفقود فهنأناه، أو بنى بيتاً فهنأناه، أو ما أشبه ذلك فهذه ينظر، إذا كان في هذا مصلحة فلا بأس بذلك، وإن لم يكن فيه مصلحة فإنه نوع إكرام فلا يهنَّؤون، ومن المصلحة أن يكون ذلك على وجه المكافأة، مثل أن يكون من عادتهم أن يهنِّئونا بمثل ذلك فإننا نهنئهم.

وأما تعزيتهم فلا يجوز أن نعزيهم؛ لأن التعزية تسلية للمصاب وجبر لمصيبته، ونحن لا نود أن يَسلَموا من المصائب، بل نقول: {{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا}} [التوبة: 52] وهذا لا شك في أهل الحرب.

لكن في أهل الذمة، قال بعض أهل العلم: تعزيتهم تجوز للمصلحة، كمصلحة التأليف لقلوبهم، أو للمكافأة، إذا فعلوا بنا ذلك فإننا نفعل بهم.

وأما عيادتهم فالصحيح جواز ذلك، لكن للمصلحة أيضاً، بأن يرجى إسلامه بعرض الإسلام عليه، كما زار النبي صلّى الله عليه وسلّم خادماً له يهودياً فعرض عليه الإسلام، فرد بصره إلى أبيه كأنه يشاوره، فقال له أبوه: أطع محمداً، فأسلم فخرج النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار»[(62)]، فإذا كان في عيادتهم مصلحة كالدعوة للإسلام فلا بأس، بل قد تكون مندوبة مستحبة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»[(63)].

 

وَيُمْنَعُونَ مِن إِحْدَاثِ كنَائِسَ، وَبِيَعٍ، وَبِنَاءِ مَا انْهَدَمَ مِنْهَا وَلَوْ ظُلْماً،......

قوله: «ويمنعون من إحداث كنائس، وبِيَعٍ، وبناء ما انهدم منها ولو ظلماً» ، «يمنعون» الضمير يعود على أهل الذمة الذين في بلادنا، فيمنعون من الأمور الآتية:

أولاً: إحداث كنائس، والكنائس جمع كنيسة وهي متعبدهم سواء كانوا نصارى أو يهوداً، فيمنعون من بناء الكنيسة؛ لأن هذا إحداث شعائر كفرية في بلاد الإسلام.

ثانياً: إحداث بيع يمنعون من إحداثها وهي متعبد اليهود، كما يمنعون من إحداث الكنائس.

فإن قال قائل: إذا كانوا لا يمنعوننا من إحداث المساجد في بلادهم، فهل لنا أن نمنعهم من إحداث الكنائس في بلادنا؟

الجواب: نعم، وليس هذا من باب المكافأة أو المماثلة؛ لأن الكنائس دور الكفر والشرك، والمساجد دور الإيمان والإخلاص، فنحن إذا بنينا المسجد في أرض الله فقد بنيناه بحق، فالأرض لله، والمساجد لله، والعبادة التي تقام فيها كلها إخلاص لله، واتباع لرسوله صلّى الله عليه وسلّم، بخلاف الكنائس والبيع.

ومن سفه بعض الناس أنه يقول: لماذا لا نمكنهم من بناء الكنائس في بلادنا كما يمكنوننا من بناء المساجد في بلادهم؟

الجواب: نقول: هذا من السفه، ليست المسألة من باب المكافأة، إذ ليست مسائل دنيوية، فهي مسائل دينية، فالكنائس بيوت الكفر والشرك، والمساجد بيوت الإيمان والإخلاص فبينهما فرق، والأرض لله، فنحن إذا بنينا مسجداً في أي مكان من الأرض فقد بنينا بيوت الله في أرض الله بخلافهم.

ثالثاً: بناء ما انهدم منها، أي: لو كان هناك كنائس موجودة قبل فتحنا البلاد واستيلائنا عليها، وصار أهلها أهل ذمة بالنسبة لنا لكن انهدمت هذه الكنائس فإننا نمنعهم من بنائها؛ لأن البناء إحداث فنمنعهم منه.

وقوله: «ولو ظلماً» أي: ولو هدمت ظلماً، كما لو سطا عليها أحد من المسلمين وهدمها فإنها لا تقام مرة أخرى، وهذه إشارة خلاف، أعني قوله: «ولو ظلماً» ، فإن بعض أهل العلم قال: إذا هدمت ظلماً فلهم إعادة بنائها، ولو قيل: إنه يعيدها من هدمها ويضمن لكان له وجه؛ لأن هذا عدوان وظلم، وأهل الذمة يجب علينا منع الظلم والعدوان عنهم.

فالصواب أنه إذا هدمت ظلماً فإنها تعاد؛ وذلك لأنها لم تنهدم بنفسها، فإن هدموها هم وأرادوا تجديدها فإنهم يمنعون منه.

 

وَمِن تَعْلِيَةِ بُنْيَانٍ عَلَى مُسْلِمٍ لاَ مِن مُسَاوَاتِهِ لَهُ ..

رابعاً: قوله: «ومن تعلية بنيان على مسلم» أي: إذا كانوا في حي من الأحياء، وأرادوا أن يبنوا عمارات رفيعة تعلو بناء المسلمين فإننا نمنعهم.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكونوا مجاورين ملاصقين أو غير ملاصقين وهو كذلك، حتى لو كان بينهم وبين المسلم شارع، فإنه لا يجوز أن يمكنوا من تعلية البنيان على المسلم؛ لما في ذلك من إذلال المسلم واحتمال الأذى له؛ لأن العالي يستطيع أن يطلع على النازل ولا عكس، ونحن لا نأمن هؤلاء الكفار فلذلك يمنعون من تعلية البنيان على المسلم.

أما لو رضي المسلم وقال: لا مانع عندي، فهل يمنعون أو لا؟

الجواب: نعم يمنعون؛ لأن الحق هنا فيه شائبة حق لله، ولأن هذا المسلم موجود الآن، لكنه لن يبقى إلى الأبد فإنه سيموت أو يرتحل فيبقى البناء عالياً على من بعده، ولهذا لا يجوز أن يعلو البنيان على المسلم ولو بإذن المسلم ورضاه.

فإن ملكوه عالياً من مسلم، أي: اشتروا عمارة فخمة طويلة من المسلم فهل يجب أن نهدمها؟

الجواب: نقول: لكم الخيار إما أن نهدمها، وإما أن تردوا البيع.

فإذا قالوا: إذاً نرد البيع أهون علينا من الهدم ولكن المسلم أبى، وقال: أنا لا أريد فسخ البيع.

قلنا: نلزمك لأنك بعت عليهم بنياناً لا يجوز إقرارهم عليه، فأنت الذي اعتديت فنلزمك بأن تفسخ البيع.

قوله: «لا من مساواته له» أي: لا يمنعون من مساواة بنيانهم لبناء المسلمين؛ لأنهم لم يعلوا على المسلمين.

فإن قال قائل: هل يمنعون من تشييد بنيانهم، وتحسينه، ووضع الزخارف فيه وما أشبه ذلك؟

الجواب: نقول: أما من الداخل فإنهم لا يمنعون، وأما من الخارج فهذا يرجع إلى اجتهاد الإمام، إن رأى أنهم إذا أظهروا منازلهم بهذا المظهر، وبيوت المسلمين حولهم دون ذلك وأن في ذلك افتخاراً لهؤلاء الكفار فله أن يمنعهم؛ لأن هذا وإن لم يكن علوّاً حسيّاً فهو علو معنوي فيمنعون، وإن رأى أن الناس لا يهتمون بذلك ولا يقيمون له وزناً فليبقهم على ما هم عليه.

ويفهم من كلام المؤلف في قوله: «ومن تعلية بنيان على مسلم» أنهم لو ملكوه من مسلم عالياً فإنهم لا يمنعون، لكن الصحيح ما قررناه أولاً أنهم يمنعون، فيُهدم أو يفسخ البيع.

 

وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ، وَنَاقُوسٍ وَجَهْرٍ بِكِتَابِهم وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يُقرَّ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلاَّ الإِسْلاَمُ أَوْ دِينُهُ......

قوله: «ومن إظهار خمر وخنزير» أي: يمنعون من إظهار الخمر ومن إظهار أكل لحم الخنزير؛ لأن ذلك عند المسلمين حرام، فيمنعون منه، أما لو شربوه في بيوتهم أو صنعوه في بيوتهم ولم يبيعوه علناً فإننا لا نمنعهم.

وكذلك يقال في لحم الخنزير؛ لأنهم يعتقدون أن الخمر حلال، وأن لحم الخنزير حلال، فلا نتعرض لهم في ديانتهم، لكن إظهار ما هو ممنوع عند المسلمين ممنوع.

قوله: «وناقوس وجهر بكتابهم» الناقوس هو شيء يصوَّت به عند أداء شعائر دينهم، فإذا كان لهم ناقوس قوي الصوت يسمعه الناس فإننا نمنعهم من إظهاره، والمراد إظهار صوته لا إظهار حجمه أو عينه، فأهم شيء هو إظهار الصوت، فنمنعهم من إظهار صوت النواقيس؛ لأنهم في بلاد الإسلام.

وكذلك نمنعهم من الجهر بكتابهم؛ لما في ذلك من الصد عن سبيل الله.

فإن قيل: وهذه الإذاعات التي تنشر الآن عبر المذياع، هل يمنعون منها؟

الجواب: ليس لنا سلطة عليهم؛ لأنها تبث من بلادهم وليس لنا سلطة عليها، لكن يجب علينا أن نحول بين الناس وبين سماعها بقدر الإمكان، فإذا أمكن أن نشوش عليها بأجهزة التشويش المعروفة، فيجب على المسلمين أن يشوشوا عليها.

فإن قيل: يُخْشَى إذا شوشنا عليهم دعوتهم للنصرانية أن يشوشوا علينا دعوتنا للإسلام، وهذا وارد، فهل نتركهم ونحذر المسلمين من شرهم؟ أم ماذا؟ هذا محل بحث ونظر.

تنبيه: هذا الكتاب مختصر، لم يستوعب جميع الأحكام التي تطبق على أهل الذمة، لكن ابن القيم ـ رحمه الله ـ توسع في ذلك في كتابه: «أحكام أهل الذمة» وهو مطبوع في مجلدين وموجود، وكنا قبل هذا الوقت نقول: لا حاجة لقراءة الجهاد؛ لأنه لا يوجد جهاد، ولا لقراءة أحكام أهل الذمة؛ لأنهم غير موجودين عندنا.

أما الآن فلا بد لطلبة العلم من أن يقرؤوا، ويحققوا أحكام الجهاد، وأحكام أهل الذمة وسائر الكفار؛ لأنه في هذا الوقت انفتحت جبهات للجهاد ولله الحمد، وأما الكفار فقد ابتلينا بهم وكثروا بيننا ـ لا كثَّرهم الله ـ، فالواجب أن نعرف كيف نعامل هؤلاء الكفار.

ومن أهم الأشياء في مسألة الكفار، أنه لا يجوز إقرارهم في جزيرة العرب للسكنى؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ذلك بل قال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب»[(64)]، وقال وهو في مرض موته: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»[(65)]، وقال: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً»[(66)]؛ لهذا يجب أن نعلم أنه لا يجوز إقرار اليهود أو النصارى أو المشركين في جزيرة العرب على وجه السكنى، أما على وجه العمل فلا بأس، بشرط ألا نخشى منهم محظوراً، فإن خشينا منهم محظوراً مثل بث أفكارهم بيننا، أو شرب الخمر علناً، أو تصنيع الخمر وبيعه على الناس، فإنه لا يجوز إقرارهم أبداً؛ لأنهم يكونون في هذه الحال مفسدين في الأرض، ثم من جملة أحكام أهل الذمة ما ذكره المؤلف.

قوله: «وإن تهوَّد نصراني أو عكسه» تهود نصراني، أي: صار النصراني يهوديّاً، وعكسه بأن تنصَّر يهودي، أي: صار اليهودي نصرانيّاً، وأيهما أكمل أن يتهوَّد النصراني، أو يتنصَّر اليهودي؟

نقول: كلها باطلة؛ لأن اليهودي إذا انتقل إلى النصرانية فقد انتقل إلى دين منسوخ لا يقبله الله ـ عزّ وجل ـ، وصحيح أن النصارى بعد اليهود، وأنهم أقرب إلى الحق من اليهود، وإن كانوا كلهم على باطل، لكن النصارى يؤمنون بعيسى، واليهود لا يؤمنون به؛ ولهذا كانوا أقرب إلى الحق من اليهود، أما من جهة الكفر فهم في الحقيقة على حد سواء.

وكان النصارى قبل البعثة ضالين يعبدون الله على ضلال ويريدون الحق، لكن عموا عنه ـ والعياذ بالله ـ واليهود كانوا مغضوباً عليهم؛ لأنهم يعلمون الحق ولكن لم يعملوا به، أما بعد بعثة الرسول صلّى الله عليه وسلّم فكانوا كلهم مغضوباً عليهم، اليهود والنصارى؛ لأن اليهود تركوا الحق عن عمد، والنصارى ـ أيضاً ـ تركوا الحق عن عمد، فلا فرق بينهم، فيكون الجميع على دين غير مقبول عند الله لا اليهود ولا النصارى، لكن لا شك أن طبائع اليهود وغلظهم وخداعهم وخيانتهم ومكرهم أشد وأعظم من النصارى، ومع ذلك بعد الحروب التي وقعت بين النصارى والمسلمين صار النصارى يكنّون للمسلمين، مثل ما يكنّ اليهود لهم، فنسأل الله تعالى أن يدفع الجميع عنا.

قوله: «لم يقر ولم يقبل منه إلا الإسلام أو دينه» أي: لو أن النصراني صار يهودياً نقول: لا نقبل منك، فإما أن تسلم، وإما أن ترجع إلى دينك الذي انتقلت منه.

وإن تمجَّس نصراني فمن باب أولى، أو تنصَّر مجوسي فكذلك، فكل من انتقل عن دينه الذي هو عليه، قلنا له: إما أن ترجع وإما أن تسلم؛ وذلك لأنه لا يمكن أن ينتقل إلى دين أفضل من حيث القبول عند الله، فكل الأديان سوى الإسلام غير مقبولة عند الله، فلا فائدة من انتقاله.

وإذا تنصر يهودي ـ أيضاً ـ لا نقبل منه، فنقول: إما أن ترجع إلى اليهودية وإما أن تسلم.

وقال بعض أهل العلم: إن تهود نصراني لا يقبل منه إلا الإسلام؛ لأن انتقاله من النصرانية إلى اليهودية إقرار منه بأن النصرانية باطلة وانتقل إلى دين باطل، إذاً الدين الذي كنت عليه أولاً باطل، والذي انتقلت إليه ـ أيضاً ـ باطل، فلا نقرك على الباطل، ونقول: أسلم وإلا قتلناك، ولا شك أن لهذا القول وجهاً قويّاً، فإن أبى وقال: لا أرجع ولا أسلم، فإنه يقتل؛ لأنه على غير دين صحيح الآن، ولكن الإمام أحمد سئل عن ذلك فتوقف فيه أو قال: لا يقتل، ولكن الذي يظهر من الأدلة أنه يقتل؛ لأنه الآن على دين لا يقر عليه، لكن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ رأى أنه ذو ذمة وعهد، وأن ذمته وعهده لا ينتقض بذلك، فلا يجوز أن يقتل، هذا وجه قول الإمام أحمد: إننا لا نقتله.

 

فَصْلٌ

 

فَإِنْ أبَى الذِّمِيُّ بَذْلَ الجِزْيَةِ أَو التِزَامَ حُكْمِ الإِسْلاَم أَوْ تَعَدَّى عَلَى مُسلِمٍ بِقَتْلٍ أو زِنا، أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ تَجَسُّسٍ، أَو إِيْوَاءِ جَاسُوسٍ، أَوْ ذَكَرَ اللهَ أَوْ رَسُولَهُ أَوْ كِتَابَهُ بِسُوءٍ انْتَقَض عَهْدُهُ دُونَ نِسائِهِ وَأَوْلاَدِهِ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ.

قوله: «فصل» هذا الفصل ذكر فيه المؤلف ـ رحمه الله ـ ما ينتقض به العهد.

والمعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: من غدر فإنه قد انتقض عهده، ولا عهد له، كما قال تعالى: {{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ}} [التوبة: 12] .

القسم الثاني: من استقام لنا، فإننا نستقيم له، ويبقى على عهده، لقوله تعالى: {{فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}} [التوبة: 7] .

القسم الثالث: من خيف منه الغدر، فإننا ننبذ إليه العهد، ونخبره بأنه لا عهد بيننا وبينه؛ لنكون نحن وإياه على سواء، كما قال تعالى: {{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}} [الأنفال: 58] ، أي: انبذ إليهم عهدهم لتكون أنت وإياهم سواء.

والذمي داخل في هذا، فإذا خرج عما يلزمه من أحكام الإسلام فإنه ينتقض عهده؛ لأن العهد الذي بيننا وبينه أن يلتزم بأحكام الإسلام، ومنها أن يبذل الجزية.

قوله: «فإن أبى الذمي بذل الجزية» أي: رفض إعطاء الجزية، فإن عهده ينتقض، ويحل دمه وماله.

قوله: «أو التزام حكم الإسلام» بأن صار يجهر بشرب الخمر ويعلنه، ولا يلتزم بإقامة الحدود عليه فيما يعتقد تحريمه، ولا يتورع عن نكاح ذوات المحارم في غير المجوسي؛ لأن المجوسي يرى أن نكاح ذوات المحارم جائز، لكن اليهود والنصارى لا يرون ذلك، فإذا أبى التزام أحكام الإسلام انتقض عهده.

قوله: «أو تعدى على مسلم بقتل» إذا تعدى على مسلم بأن قتل مسلماً فإن عهده ينتقض حتى لو عفا أولياء المقتول فإن عهده ينتقض؛ لأن أولياء المقتول إن طالبوا بالقصاص اقتص منه وإلا لم يقتص منه، لكن بالنسبة للعهد ينتقض؛ لأنه إذا قتل هذا يمكن أن يقتل آخر.

قوله: «أو زنا» وكذلك إذا اعتدى على مسلم بزنا، فلو زنا بمسلمة ولو برضاها فإنه ينتقض عهده؛ لأن الواجب عليه أن يلتزم أحكام الإسلام، ومثل ذلك لو اعتدى على غلام بلواط فإنه ينتقض عهده.

وعلم من قول المؤلف: «فإن تعدى على مسلم بقتل، أو زنا» أنه لو تعدى على كافر مثله بقتل أو زنا فإن عهده لا ينتقض، ولكن ماذا نصنع به؟.

الجواب: إذا تمت شروط القصاص في القتل قتل قصاصاً، وفي الزنا إذا تحاكما إلينا أقمنا عليه الحد، وقد سبق أن الزنا محرم في جميع الشرائع، وأن حده في التوراة كحده في القرآن.

قوله: «أو قطع طريق» أي: تعدى بقطع طريق، بأن كان يعترض الناس في الطرقات فيغصبهم المال مجاهرة ومعه السلاح، فمن جاء إليه قال له: سلم المال، وقاتله، فإن هذا قاطع طريق ويعتبر فعله هذا نقضاً للعهد.

قوله: «أو تجسُّس» وهذا من أشر ما يكون إذا تعدى على المسلمين بالتجسس، فصار ينقل أخبار المسلمين إلى العدو، فإن عهده ينتقض، ولا إشكال فيه، بل إن الجاسوس وإن كان مسلماً يجب أن يقتل إذا تجسس للعدو، والدليل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما اطلع على الجاسوس الذي تجسس لقريش وهو حاطب بن أبي بلتعة ـ رضي الله عنه ـ وعلم به، استأذن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن يقتله فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنه من أهل بدر، وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»[(67)]، فجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم الجاسوسية مبيحة للدم، لكن وجد مانع وهو كونه من أهل بدر، وهذه العلة لا توجد في عهدنا الآن، فإذا وجد إنسان، جاسوس يكتب بأخبارنا إلى العدو، أو ينقلها مشافهة، أو ينقلها عبر الأشرطة، فإنه يجب أن يقتل حتى لو تاب؛ لأن ذلك كالحد لدفع شره، وردع أمثاله عن ذلك.

قوله: «أو إيواء جاسوس» أي: لم يتجسس لكنه آوى جاسوساً وتستَّر عليه، فإن عهده ينتقض؛ لأنه لما آوى الجاسوس، رضي بالجاسوسية، وهذا إضرار بالمسلمين.

قوله: «أو ذكر الله، أو رسوله، أو كتابه بسوء» وينبغي أن يلحق: «أو شريعته» ، فإذا ذكر الله بسوء، فسبَّ الله كما قالت اليهود: {{يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}} [المائدة: 64] ، فإذا قال: يد الله مغلولة، أو قال: إِن الله فقير، فإن عهده ينتقض؛ لأنه ذكر الله بسوء، أو قال: إن الله لم يعدل حيث جعل لأمة محمد صلّى الله عليه وسلّم كفلين من الأجر، وجعل لغيرهم كفلاً واحداً، وهذا غير عدل فإنه ينتقض عهده، أو قال: إن الله تعالى جاهل ولا يدري، فإن عهده ينتقض، المهم إذا ذكر الله تعالى بأي سوء فإن عهده ينتقض.

وكذلك إذا ذكر رسوله، والرسول هنا مفرد مضاف فيعم كل رسول، فلو ذكر اليهودي عيسى ابن مريم صلّى الله عليه وسلّم بسوء فإن عهده ينتقض، ولو ذكر النصراني محمداً صلّى الله عليه وسلّم بسوء فإن عهده ينتقض، وكذلك لو ذكر الشريعة الإسلامية بسوء فإن عهده ينتقض؛ لأنه ليس هذا الذي بيننا وبينه.

قوله: «انتقض عهده دون نسائه وأولاده» فيتبعض الحكم لتبعُّض موجِبِه، فالنساء والأولاد لم يفعلوا شيئاً يوجب نقض العهد فيبقون على العهد، وهو فَعَلَ ما يوجب نقض العهد فينتقض.

قوله: «وحل دمه» أي: حتى لو قال إنه تاب، وإذا انتقض عهده انتقل من الذمة إلى الحرابة فصار حَرْبِيّاً، وإذا صار حَرْبِيّاً يخير فيه الإمام بين أربعة أشياء: إما القتل، أو الاسترقاق، أو المنّ بدون شيء ـ يعني مجاناً ـ، أو المن بفداء، والفداء إما بمال أو بمنفعة، المهم أن يكون حكمه حكم الحربي.

مسألة: إن كان انتقاض عهده بسب الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فذهب بعض أهل العلم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ إلى أنه يتعين قتله إذا سب الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولو تاب؛ لأن هذا حق للرسول صلّى الله عليه وسلّم ولا نعلم أنه عفا عنه، والأصل أن يؤخذ للرسول صلّى الله عليه وسلّم بالثأر، إلا إذا علمنا أنه عفا، فإنه عفا صلّى الله عليه وسلّم عن الناس الذين كانوا يسبونه في عهده، وارتفع عنهم القتل.

قوله: «وماله» إذا قال قائل: كيف يحل ماله، وأهله لم ينتقض عهدهم؟ أفلا نقول: إن المال يبقى للأهل؟

الجواب: لا؛ لأن أهله لا يملكون ماله إلا بعد موته، أما وهو حي فالمال ماله، وتبين الآن أنه لا حرمة له بنفسه، فلا حرمة له بماله.

 

----------------------------

 

[36]   سبق تخريجه ص(23).

[37]   أخرجه البخاري في الإيمان/ باب {{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} ...} (25)؛ ومسلم في الإيمان/ باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله... (22) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[38]   أخرجه البخاري في الجزية/ باب الجزية والموادعة (3157) عن عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ.

[39]   سبق تخريجه ص(54).

[40]   سبق تخريجه ص(23).

[41]      سبق تخريجه ص(56).

[42]   الروض مع حاشية ابن قاسم 4/304.

[43]   أخرجه البخاري في الصلاة/ باب عقد الإزار على القفا في الصلاة (357)؛ ومسلم في الصلاة / باب استحباب صلاة الضحى (336) (82)، عن أم هانئ ـ رضي الله عنها ـ.

[44]   أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في «الأوسط» (4775) عن جابر وعلي ـ رضي الله عنهما ـ؛ وأخرجه أبو داود (2532) بلفظ: «والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال» انظر: «نصب الراية» (3/377).

[45]   سبق تخريجه ص(23).

[46]   أخرجه الإمام أحمد (6/71، 165) وابن ماجه في المناسك/ باب الحج جهاد النساء (2901) قال الحافظ في البلوغ (709) بإسناد صحيح.

[47]   أخرجه البخاري في المساقاة/ باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل (2379)؛ ومسلم في البيوع/ باب من باع نخلاً عليها تمر (1543) (80)، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[48]   أخرجه البخاري في الديات/ باب العاقلة (6903) عن علي ـ رضي الله عنه ـ.

[49]   أخرجه البخاري في الحدود/ باب أحكام أهل الذمة (6841)؛ ومسلم في الحدود/ باب رجم اليهود في الزنى (1699) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

          تنبيه: ابن صوريا أحد أحبار اليهود، وقد ورد التصريح باسمه في رواية الطبري في «تفسيره» (11921) ط/شاكر.

[50]   أخرجه البيهقي (9/202)؛ وابن حزم في «المحلى» (7/346) عن عبد الرحمن بن غنم ـ رضي الله عنه ـ.

[51]   أخرجه مسلم في السلام/ باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (2167)، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[52]   أخرجه الإمام أحمد (3/132، 134)؛ والترمذي في الأدب/ باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل (2754) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ. وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وفي «تخريج المشكاة» (3/331): «إسناده صحيح».

[53]   أخرجه البخاري في الجهاد/ باب إذا نزل العدو على حكم رجل (3043)؛ ومسلم في الجهاد/ باب جواز قتال من نقض العهد (1768) عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ.

[54]   أبو داود في الأدب/ باب الرجل يقوم للرجل يعظمه بذلك (5230) وابن ماجه في الدعاء/ باب دعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (3836) عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ.

[55]   أخرجه مسلم في الصلاة/ باب ائتمام المأموم بالإمام (413) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.

[56]   سبق تخريجه ص(44).

[57]   أخرجه البخاري في الاستئذان/ باب كيف الرد على أهل الذمة (6258)؛ ومسلم في السلام/ باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (2163) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.

[58]   سبق تخريجه ص(71).

[59]   أخرجه البخاري في الاستئذان/ باب كيف الرد على أهل الذمة (6927)؛ ومسلم في السلام/ باب النهي عن ابتداء أهل الذمة بالسلام (2593)، عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.

[60]   سبق تخريجه ص(73).

[61]   أخرجه البخاري في الاستئذان/ باب من لم يسلم على من اقترف ذنباً (6257)؛ ومسلم في الآداب/ باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (2164)، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[62]   أخرجه البخاري في الجنائز/ باب إذا أسلم الصبي (1356)، عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.

[63]   أخرجه البخاري في بدء الوحي/ باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (1) ومسلم في الإمارة/ باب قوله صلّى الله عليه وسلّم إنما الأعمال بالنية (1907) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[64]   أخرجه الإمام أحمد (1/195)؛ والدارمي (2498)؛ والبيهقي (9/208) عن أبي عبيدة ـ رضي الله عنه ـ، ولفظه: «أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب»، وقال الهيثمي في «المجمع» (5/328): «رواه أحمد بأسانيد، ورجال طريقين منها ثقات متصل إسنادهما».

           وأخرجه الطبراني في «الكبير» (23/265) عن أم سلمة، ولفظه: «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب».

           وفي «المجمع» (5/328): «رواه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصحيح».

[65]   أخرجه البخاري في المغازي/ باب مرض النبي ووفاته (4431)؛ ومسلم في الوصية/ باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه (1637)، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.

[66]   أخرجه مسلم في الجهاد والسير/ باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب (1767) عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ.

[67]   أخرجه البخاري في المغازي/ باب من شهد بدراً (3007)؛ ومسلم في فضائل الصحابة/ باب من فضائل أهل بدر (2494) عن علي ـ رضي الله عنه ـ.

 

 

تاريخ التحديث : Feb 18, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com