|
كتاب البيعُ
العلماء ـ رحمهم الله ـ يبدؤون تصانيفهم بالعبادات، ثم بالمعاملات، ثم بالأنكحة، ثم بما يتعلق بالدماء، ثم بالقضاء، فبدؤوا بالعبادات؛ لأنها هي التي خُلق الإنسان من أجلها، وبدؤوا بالصلاة؛ لأنها أهم العبادات، وقدموا الطهارة؛ لأنها من شروطها؛ لأن الطهارة فيها تنزيه ونزاهة.
فالترتيب السليم أن يبدأ أولاً بالتطهر ثم بعد ذلك يبنى عليه، ولهذا من العبارات المعروفة عند العلماء: «التخلية قبل التحلية»، أي: يخلي المكان من الأذى، ثم يحلى بعد ذلك، ثم بعد الصلاة ذكروا الزكاة؛ لأنها آكد أركان الإسلام بعد الصلاة، ثم بالصوم؛ لأنه هو الركن الرابع، ثم بالحج.
ولماذا جعلوا الجهاد في قسم العبادات؟ ولم يجعلوه في كتاب الحدود مثلاً؟
الجواب: لأن كون الجهاد عبادة أظهر من كونه انتقاماً وردعاً، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة في فضله وثوابه والحث عليه، فجعلوه من قسم العبادات، ثم بدؤوا في المعاملات بالبيوع وما يتعلق بها، ثم ذكروا النكاح وما يتعلق به؛ لأن الأصل ملء البطن قبل النكاح، فالناس محتاجون للطعام والشراب من حين ما يولدون، ومن أكبر طرق الحصول على ذلك البيع والشراء، ولهذا بدؤوا في المعاملات بالبيوع وما يتعلق بها، فالإنسان إذا شبع يطلب النكاح؛ ولهذا جاؤوا بالنكاح بعد ذلك، ثم إذا تمت النعمة بشبع البطن وكسوة البدن وتحصين الفرج، فإنه قد يحصل له من الأشر والبطر ما يحتاج معه إلى ردع، فذكروا القصاص والحدود والقضاء... إلخ.
وجعلوا باب الإقرار آخر شيء مع أن باب الإقرار له مكان في البيوع كإقرار الإنسان بأنه باع، أو أنه اشترى، أو أنه استأجر تفاؤلاً أن يكون آخر كلام الإنسان من الدنيا الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وجعل بعض العلماء آخر الأبواب العتق تفاؤلاً بأن يعتق من النار، ولكلٍ وجهة.
فهذا هو ترتيب العلماء ـ رحمهم الله ـ فيما ألفوه من الكتب، وبعضهم قد يدخل شيئاً من الأشياء في موضع لا يدخلها الآخرون، ولهذا رأى بعض المتأخرين أن يرتب الفقه على الحروف الهجائية؛ لأنها لا يغلط فيها أحد، لكن الأبواب الفقهية قد يكون ترتيب فقهاء الحنابلة فيها غير ترتيب فقهاء الشافعية أو الحنفية أو آخرين، لكن الناس متفقون على ترتيب حروف الهجاء، وهذه وجهة طيبة، وقد سلكها من ألفوا في الموسوعات الفقهية وبدؤوا بالألف.
قوله: «كتاب البيع» البيع جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، والنظر الصحيح.
أما الكتاب فقوله تعالى: {{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}} [البقرة: 275] .
وأما السنة فمثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً» [(68)]، وقوله: «لا يبع أحدكم على بيع بعض»[(69)]، والأحاديث في هذا كثيرة.
وأما الإجماع فمعلوم بالضرورة من دين الإسلام.
وأما النظر الصحيح فلأن الإنسان يحتاج لما في يد غيره من متاع الدنيا، ولا وسيلة إلى ذلك إلا بالظلم وأخذه منه قهراً، أو بالبيع.
فلهذا كان من الضروري أن يَحِلَّ البيعُ فأحله الله ـ عزّ وجل ـ، وفي حل البيع دليل على شمول الشريعة الإسلامية، وأنها ليست كما قال أعداؤها: لا تنظم إلا المعاملات التي بين الخالق والمخلوق، بل هي تنظم المعاملات بين الخالق والمخلوق، وبين المخلوقين بعضهم مع بعض، وتنظيمها للمعاملة بين المخلوقين بعضهم مع بعض من أهم الأمور؛ لأنه لولا ذلك لأكل الناس بعضهم بعضاً، واعتدى الناس بعضهم على بعض، فكان من الحكمة ومن مقتضى عدل الله ـ عزّ وجل ـ أن تنظم المعاملات بين الخلق؛ لئلا ترجع إلى أهوائهم وعدوانهم، ثم إن أطول آية في كتاب الله هي آية الدين، وهي في المعاملات بين الخلق فكيف يقال: إن الشريعة الإسلامية تنظم المعاملة بين الخالق والمخلوق فقط؟ ولهذا قال رجل من المشركين لسلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ: «علمكم نبيكم حتى الخراءة؟ قال: أجل»[(70)]، يعني آداب قضاء الحاجة، ففي السنة آداب قضاء الحاجة، وفي القرآن آداب الجلوس، قال الله تعالى: {{إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا}} [المجادلة: 11] ، وآداب الاستئذان، وآداب الدخول، قال الله تعالى: {{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ}} [النور: 61] ، فالشريعة ـ والحمد لله ـ شاملة لكل شيء، لكن من الأشياء ما تنص عليه الشريعة بعينه، ومن الأشياء ما يكون داخلاً تحت قاعدة عامة من قواعد الشريعة، ولقد أخطأ من قال: إن النصوص لا تفي بعشر ما يحتاج الناس إليه، بل نقول: إن النصوص وافية بكل ما يحتاج الناس إليه، ولكن من الأشياء ما هو منصوص عليه، ومنها ما يدخل تحت القواعد العامة يدركها من رزق علماً وفهماً.
قال في الروض[(71)]: «وهو جائز بالإجماع؛ لقوله تعالى: {{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}} [البقرة: 275] ، بعضهم يقول: إن هذا التعبير فيه نظر.
والصواب أن يقال: جائز بالكتاب والسنة والإجماع، لكن المؤلف له وجهة نظر، فأراد أن يبدأ بالإجماع، ثم يذكر مستنده؛ لأن الإجماع قاطع للنزاع بخلاف النص، فالنص قد يكون فيه مدخل لمؤول فلا يوافقك من استدللت عليه به على ما استدللت به عليه، ولكل وجهة. فمن قال: أبدأ بالكتاب والسنة والإجماع فله نظر؛ لأن الكتاب أقوى الأدلة ثم السنة ثم الإجماع، والإجماع لا بد أن يكون له مستند من الكتاب والسنة، إما معلوم وإما خفي على بعض الناس، وإلا فلا يمكن أبداً أن يوجد إجماع بلا مستند في كتاب الله أو سنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.
وَهُوَ مُبَادَلَةُ مَالٍ وَلَو في الذِّمَّةِ أَوْ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ كَمَمَرٍّ فِي دَارٍ بِمِثْلِ أحَدِهِمَا عَلَى التَّأبِيدِ غَيْرَ رِباً وَقَرْضٍ ......
قوله: «وهو» الضمير يعود على البيع.
قوله: «مبادلة...» إلى آخره هذا تعريف له في الاصطلاح، وله تعريف في اللغة أعم من تعريفه في الاصطلاح، وهكذا جميع الكلمات والحقائق التي لها حقائق لغوية وحقائق شرعية، تجد أن الحقائق اللغوية أوسع من الحقائق الشرعية، إلا في بعض كلمات كالإيمان مثلاً، فهو في اللغة محله القلب، لأنه إقرار القلب بالشيء، لكن في الشرع أعم، إذ يشمل قول الإنسان، وعمل الجوارح بالإضافة إلى إقرار القلب وهذا نادر، لكن الأكثر أن تكون المعاني اللغوية أوسع من المعاني الشرعية.
إذاً البيع في اللغة أعم من البيع شرعاً، فهو أخذ شيء وإعطاء شيء، حتى ولو كان على سبيل العارية أو الوديعة، فإذا مددت إليك شيئاً أعيرك إياه فهو بيع في اللغة؛ لأنه مأخوذ من الباع، إذ إن كل واحد من المتعاطيين يمد باعه إلى الآخر.
لكن في الاصطلاح يقول: «مبادلة مال ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممر في دار بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض» .
وقوله: «مبادلة مال» المراد بالمال هنا: كل عين مباحة النفع بلا حاجة، فيدخل في ذلك الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، والسيارات، والأواني، والعقارات، وغيرها.
وقولنا: «مباحة النفع» معناه أنه لا بد أن يكون فيها نفع، فالعين التي لا نفع فيها لا تدخل في هذا التعريف.
وقولنا: «مباحة النفع» خرج به محرمة النفع كآلات الزمر، والمعازف، فهذه لا تدخل في اسم المال هنا.
وقولنا: «بلا حاجة» احترازاً مما يباح نفعه للحاجة أو للضرورة، فمثلاً الميتة تباح لكن للضرورة، وجلد الميتة إذا دبغ يباح للحاجة، وأيضاً لا يباح استعماله إلا في اليابسات على المشهور من المذهب، إذاً لا بد من هذا القيد «عين مباحة النفع بلا حاجة».
فكلب الصيد عين مباحة النفع لكن لحاجة، ولهذا قيدت منفعته بقيد معين، فتبين الآن أن المال كل عين مباحة النفع بلا حاجة.
وقوله: «ولو في الذمة» لو تدل على أن هناك شيئاً مقابلاً لما في الذمة وهو المعيَّن، فالبيع قد يقع على شيء معين، وقد يقع على شيء في الذمة.
ويظهر هذا بالمثال، فإذا قلت: بعتك هذا الكتاب بهذا الكتاب، فهذا معين بمعين ليس في الذمة، وإذا قلت: بعتك هذا الكتاب بعشرة ريالات، فهذا معين بما في الذمة حتى إن قلت: عشرة ريالات، أي: ما عينتها بل هي في ذمتي.
وقوله: «ولو في الذمة» يشمل ما في الذمة بما في الذمة.
مثاله: اشتريت منك كيلو من السكر بعشرة ريالات، ثم ذهب البائع يزن لي السكر، وأنا أخرجت الدراهم من جيبي وأعطيتها إياه، هنا العقد وقع على شيء في الذمة بشيء في الذمة.
وقوله: «أو منفعة مباحة» يعني مبادلة مال بمنفعة مباحة، مثاله: ممر في دار، هذا رجل له دار وله جار، والجار بينه وبين الشارع، فقال الآخر: أشتري منك ممراً في دارك إلى الشارع، قال: نعم، فاشترى منه الممر إلى الشارع بدراهم، فهذه يقال لها: مبادلة مال بمنفعة، فليس للجار الذي اشترى من جاره المنفعة إلا الاستطراق من داره عبر بيت جاره إلى الشارع، فلا يتصرف في هذا الممر، أي: لو قال: أنا أبلط الممر الذي يريد أن يعبر عليه إلى الشارع، فلصاحب الدار أن يمنعه ويقول: ليس بملكك، أنت لك الاستطراق فقط، والاستطراق هو المنفعة، لك علي ألاَّ أحول بينك وبين الانتفاع، لأنك تملك المنفعة فهذه مبادلة مال بمنفعة.
تبين الآن أن الذي يقع عليه العقد، إما أعيان، وإما منافع، والأعيان إما مشار إليها، وإما في الذمة.
وقوله: «منفعة مباحة» احترازاً من المنفعة غير المباحة، مثل لو اشترى منه الانتفاع بآلة عزف، قال: بع علي الانتفاع بهذه الآلة، فقال: أشتريها منك للانتفاع بها فقط بخمسين ريالاً، قال: بعتها عليك، فهذا لا يجوز؛ لأن المنفعة هنا محرمة، وكل عقد على محرم فهو باطل لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»[(72)].
وقوله: «بمثل أحدهما» متعلق بمبادلة، أي: أن يبادل المال ولو في الذمة أو المنفعة بمثل أحدهما، يعني يقع العقد على ثلاثة أشياء:
مال معين، ومال في الذمة، ومنفعة، إذا ضربت بعضها في بعض (ثلاثة في ثلاثة) صار الناتج تسع صور؛ وهي:
الأولى: مال معين بمال معين.
الثانية: مال معين بمال في الذمة.
الثالثة: مال معين بمنفعة.
الرابعة: مال في الذمة بمال معين.
الخامسة: مال في الذمة بمال في الذمة.
السادسة: مال في الذمة بمنفعة.
السابعة: منفعة بمال معين.
الثامنة: منفعة بما في الذمة.
التاسعة: منفعة بمنفعة.
قد يقال: ما دام أنها مبادلة، لماذا لا نجعلها ست صور؟
نقول: لأن ما دخلت عليه الباء فهو الثمن، وما وقع عليه الفعل فهو المُثمَن، فإذا قلت: بعتك كتاباً بدرهم، الفعل وقع على كتاب، إذاً هو المثمن، وقولنا: بدرهم، الباء دخلت على «درهم» فهو الثمن.
فالقاعدة: أن ما وقع عليه الفعل فهو المثمن، وما دخلت عليه الباء فهو الثمن.
وقوله: «على التأبيد» لا بد أن يكون هذا التبادل على التأبيد احترازاً من الإجارة، فالإجارة فيها مبادلة ولا شك، فإذا استأجرت منك هذا البيت بمائة ريال فأنا الآن استأجرت معيناً بما في الذمة، ولا يقال: إن هذا بيع؛ لأنه ليس على التأبيد، فالبيع إذاً لا بد أن يكون على التأبيد، ولهذا لو قال قائل: بعت هذه الدار لمدة سنة بألف ريال، لم يصح هذا العقد على أنه بيع؛ لأنه ليس على التأبيد.
وهل يصح على أنه إجارة؟ هذا ينبني على قاعدة معروفة عند الفقهاء: «إذا وصف العقد بوصف على خلاف ما اتُّفِقَ عليه، هل يُنَزَّل على الوجه الصحيح، أو يلغى كله؟» فيه خلاف.
وقوله: «غير ربا» الربا لا يسمى بيعاً وإن وجد فيه التبادل، فإذا أعطيتك درهماً بدرهمين فهو عين بعين؛ لكنه ليس بيعاً، وما الذي أخرجه؟
الجواب: أن الله جعله قسيماً للبيع، وقسيم الشيء ليس هو الشيء، قال الله تعالى: {{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}} [البقرة: 275] ، إذاً ليس الربا ببيع، وإلا لما صح التقسيم.
وقوله: «وقرض» أي: وغير قرض فلا يسمى بيعاً وإن وجدت فيه المبادلة.
مثاله: أن يأتي الإنسان الغني لمن طلب منه القرض ويقول: خذ هذه الدراهم أقرضتك إياها، فالدراهم الآن معينة والقرض في الذمة، فهو يشبه مبادلة معين بما في الذمة، لكنه لا يسمى بيعاً؛ لأنه لو كان بيعاً لبطل القرض في الأموال الربوية.
فمثلاً: لو بعتك درهماً بدرهم لا أقبضه منك إلا بعد يومين فهو ربا.
ولو أقرضتك درهماً قرضاً تعطيني إياه بعد يومين فجائز.
إذاً لو قلنا: إن القرض بيع، ما صح القرض في الأموال الربوية؛ لأنه يؤدي إلى تأخير القبض بإقراض الشيء بجنسه، ومعلوم أن تأخير القبض في بيع الشيء بجنسه حرام وربا.
إذا قال قائل: ما الذي أخرج القرض عن البيع، وهو مبادلة مال بمال؟
قلنا: أخرجه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»[(73)]، فما الذي نواه المقرض، هل نوى المعاوضة والاتجار أو نوى الإرفاق؟ الجواب:الثاني، فهو نوى الإرفاق، ومن أجل أنه نوى الإحسان صار مقابلاً لنية المرابي؛ لأن الأصل في الربا هو الظلم كما قال تعالى: {{فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}} [البقرة: 279] ، فصار القرض على نقيض مقصود الربا، إذ إن المقصود منه الإرفاق، فلذلك خرج عن كونه بيعاً.
إذاً ما الدليل على خروج القرض من البيع؟
الجواب: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وذلك أن المقرض والمستقرض لم ينو أحد منهما المعاوضة، إنما قصد المقرض الإرفاق وقصد المستقرض سد حاجته، ولهذا صار القرض ليس بيعاً، وقد سبق أننا لو جعلنا القرض بيعاً لبطل القرض في جميع الربويات بجنسها.
وَيَنْعَقِدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ بَعْدَهُ وَقَبْلَهُ. ....
قوله: «وينعقد» أي البيع، والانعقاد ضد الانحلال، والعقد بمعنى الإحكام وربط الشيء بعضه ببعض، تقول: عقدت الحبل أي: ربطت بعضه ببعض، وكلمة: «ينعقد» وصف لجميع العقود، سواء أكانت عقود بيع، أم إجارة، أم رهن، أم وقف؛ لأنها ربط وإحكام وشد.
قوله: «بإيجاب وقبول» الإيجاب هو اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من المشتري، أو من يقوم مقامه، والحقيقة أني قلت: أو من يقوم مقامه من باب التوضيح فقط، وإلا فمن يقوم مقام البائع يسمى بائعاً، فالوكيل مثلاً بائع، وكذلك من يقوم مقام المشتري.
قوله: «بعده» اشترط المؤلف أن يكون القبول بعد الإيجاب؛ لأنه فرع عنه، بحيث يقول: بعتك هذا، ويقول المشتري: قبلت، فلو تقدم القبول على الإيجاب، بأن قال المشتري: قبلت، ثم قال البائع: بعتك، فإنه لا يصح؛ لأن القبول فرع الإيجاب.
ولم يذكر المؤلف صيغة معينة للبيع؛ فدل هذا على أنه ينعقد بما دل عليه، مثل أن يقول: بعتك هذا الشيء، أعطيتك هذا الشيء، ملكتك هذا الشيء، فالمهم أنه ليس هناك لفظ معين للبيع، فأي لفظ يدل عليه فإنه ينعقد به.
وهل هذا شامل لجميع العقود؟
الجواب: فيه خلاف، فمن العلماء من اشترط لبعض العقود ألفاظاً معينة وقال: لا بد من الإتيان بها، كالنكاح مثلاً، قال: لا بد أن يقال: زوَّجتك وهذا يقول: قبلت.
ومنهم من قال: جميع العقود تنعقد بما دل عليه عرفاً، وهذا القول هو الراجح، وهو المتعين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ؛ لأن المعاملات ليست عبادات يتقيد الإنسان فيها بما ورد، بل هي معاملات بين الناس، فما عدّه الناس بيعاً فهو بيع، وما عدّوه رهناً فهو رهن، وما عدّوه وقفاً فهو وقف، وما عدّوه نكاحاً فهو نكاح.
فالصواب: أن جميع العقود ليس لها صيغ معينة، بل تنعقد بما دل عليها، ولا يمكن لإنسان أن يأتي بفارق بين البيع وبين غيره، فإذا قالوا مثلاً: النكاح ذكره الله بلفظ النكاح، قلنا: والبيع ذكره الله بلفظ البيع، فهل تقولون: إنه لا بد أن تقول: بعت؟ يقولون: ليس بشرط، إذاً ينعقد بكل لفظ دل عليه عرفاً بإيجاب، وقبول بعده.
قوله: «وقبله» يعني ويصح ـ أيضاً ـ بقبول قبله، لكن في صور معينة، وهذه الصور لا بد أن تكون دالة على العقد، مثل أن يقول: بعني كذا بعشرة، فيقول البائع: بعتك، مع أن ما يدل على القبول قد سبق الإيجاب، لكننا قعَّدنا قاعدة وهي أنه ينعقد بما دل عليه.
لو قال: أتبيعني كذا بكذا؟ فقال: بعتك، هل ينعقد؟ الجواب: لا ينعقد، فإذا قال: بعتك، يقول: قبلت؛ ولهذا قال في الروض[(74)]: «بلفظ أمر أو ماض مجرد عن استفهام ونحوه»؛ لأن المعنى حاصل به، فلو قال: اشتريت منك كذا بكذا، فقال: بعتك، ينعقد؛ لأنه دل على أن الرجل قابل، فصار ينعقد إذا تقدم القبول على الإيجاب بشرط أن يكون دالاً عليه، أما إذا كان لم يدل كمضارع، يستفهم هل تبيعني كذا؟ أو أتبيعني كذا؟ أو ما أشبه ذلك؟ فهذا لا يعتبر قبولاً مرضياً.
مُتَراخِياً عَنْهُ فِي مَجْلِسِهِ، فَإِن اشتَغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ بَطَلَ وَهِي الصِّيغَةُ القَوْلِيَّة وَبِمُعَاطَاةٍ وَهِيَ الفِعْلِيَّةُ ..
قوله: «متراخياً عنه في مجلسه، فإن اشتغلا بما يقطعه بطل» متراخياً: هذا حال من القبول، يعني أن القبول يجوز أن يكون عقيب الإيجاب، ويجوز أن يكون متراخياً عنه، أما كونه جائزاً عقيب الإيجاب فالأمر واضح، كأن يقول: بعتك هذا بعشرة، ويقول المشتري: قبلت، فالقبول هنا أعقب الإيجاب وهذا لا إشكال فيه، ويجوز أن يتراخى عن الإيجاب، فيقول: بعتك هذا بعشرة، ثم يسكت المشتري يفكر؛ لأن الإنسان قبل أن يبتاع الشيء يجد في نفسه رغبة فيه، فإذا قال: بعتك، ربما يتريث وتزول هذه الرغبة، وأحب شيء إلى الإنسان ما مُنِعَ، ولهذا تجد الصيادين الذين يصيدون الطيور قبل أن يرمي الطير يكون عنده رغبة في هذا الطير، فإذا رماه وسقط على الأرض صار لا يساوي شيئاً عنده، وهذه السلع التي في يد البائع، إذا قال: هل تبيعني هذا الشيء بعشرة؟ قال: نعم أبيعه بعشرة، فهنا لو تأخر القبول فلا بأس، لكن نقول: إذا تراخى عنه فلا بد من شروط:
الأول: أن يكون في مجلسه.
الثاني: ألا يتشاغلا عنه بما يقطعه.
الثالث: أن يطابق القبول الإيجاب.
أما كونه في المجلس فهو احتراز مما لو كان في غير المجلس، بأن قال: بعتك هذه السلعة بعشرة ثم تفرقا ثم رجع، وقال: قبلت فلا يصح هذا القبول لتغير المجلس.
وكذلك لو تشاغلا بما يقطعه بأن قال: بعتك هذه السيارة بثلاثين ألفاً، فقال: مررت اليوم بالكلية، ووجدت فلاناً ناجحاً، وفلاناً راسباً، وفلاناً مكملاً، وقال: هذه النتيجة ليست بطيبة، ثم قال: قبلت فلا يصح؛ لأنه تشاغلَ بما يقطعه، فلا بد إذاً في صحة هذا العقد من أن يعيد البائع الإيجاب حتى يكون القبول عقبه.
وكذلك لا بد أن يطابق القبول الإيجاب كمية وجنساً ونوعاً، فلو قال: بعتك شرح ابن عقيل بعشرة، فقال: قبلت الروض المربع بعشرة فلا يصح؛ لأنه اختلف القبول عن الإيجاب، وكذا لو قال: بعتك شرح ابن عقيل بعشرة، فقال: قبلته بتسعة فلا يصح لعدم المطابقة، ولو قال: قبلته بأحد عشر صح؛ لأن ذلك في مصلحة البائع، فيقول: آخذ العشرة والباقي لك، إذا كان لا يريد أن يمن عليه بالزيادة فالظاهر الصحة، وأن الذي لا يصح إذا نقص الثمن عما أوجبه البائع.
فإذا زاد فقد زاده خيراً، وعادة لا يرد البائع الزيادة، هذا هو الغالب.
قوله: «وهي الصيغة القولية وبمعاطاة وهي الفعلية» إذاً للعقد صيغتان: صيغة قولية، وصيغة فعلية.
الصيغة القولية هي الإيجاب والقبول.
الصيغة الفعلية هي المعاطاة، وهي أن يعطي كل واحد الثاني بدون قول.
ولها ثلاث صور:
الأولى: أن تكون معاطاة من الجانبين.
الثانية: أن تكون معاطاة من البائع.
والثالثة: أن تكون معاطاة من المشتري.
مثالها من الجانبين: أن يكون هنا أدوية مثلاً قد كتب عليها سعرها، ووضع إلى جانبها وعاء للثمن، فيأتي المشتري، ويضع ثمن هذا الدواء بوعاء الثمن ويأخذ الدواء، هذه معاطاة من الجانبين.
معاطاة من البائع: قال المشتري: أعطني بهذا الدرهم خبزاً، فأخذ البائع كيس الخبز وأعطاه للمشتري، هذه معاطاة من البائع.
معاطاة من المشتري: قال البائع: خذ هذا الكتاب بعشرة فأخذه المشتري، ولم يقل: قبلت، ولكن أعطاه عشرة، فالمعاطاة هنا من المشتري، فالبائع قدر الثمن وأوجب فقال: بعتك هذا الكتاب بعشرة، أو قال: خذ هذا الكتاب بعشرة، فأخذ المشتري، ولم يتكلم وأعطاه العشرة، وهذا يدلنا على أن مسألة المعاملات أمرها سهل يرجع فيه إلى ما تعارفه الناس، والناس كلهم قد تعارفوا على أن هذه المعاطاة تعدّ عقداً واضحاً.
والخلاصة: أن لعقد البيع صيغتين: قولية وفعلية.
القولية: هي الإيجاب والقبول، والإيجاب هو اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه، وقد ذكرنا شروط القبول.
وأما الصيغة الثانية فهي الصيغة الفعلية وهي المعاطاة.
وعلل الشارح[(75)] بعلة ينبغي أن نفهمها قال: «لعدم التعبد فيه»، أي: لأنه لا تعبد بالصيغة، فكل ما دل على العقد فهو عقد.
قوله: «ويشترط التراضي منهما» لما ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ تعريف البيع، ذكر شروطه، وكان الأولى أن يذكر حكمه؛ لأن التعريف يستلزم تصور الشيء، وبعد التصور يكون الحكم، ولهذا من الكلمات السائرة عند العلماء: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره» وقال ابن القيم في النونية:
إن البدار بِرَدِّ شيء لم تحط
علماً به سبب إلى الحرمان
فالبيع جائز، وقد سبق لنا أنه جائز بالكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح، لكن لا بد فيه من شروط، ومن حكمة هذه الشريعة أنها جعلت للعبادات شروطاً، وللعقود شروطاً، وللتبرعات شروطاً؛ لأن هذه الشروط هي التي تضبط ما كانت شرطاً فيه، وإلا صارت المسألة فوضى، فالشروط من ضرورات انتظام الأحكام؛ ولهذا كان للبيع شروط، وللإجارة شروط، وللوقف شروط، وللرهن شروط، وهلم جرًّا حتى تنضبط الأحكام والعقود.
وهذه الشروط التي يذكرها العلماء، أو الأركان أو الواجبات ادّعى بعض الناس أنها بدعة، ولا يجوز التصنيف على هذا الوجه.
فيقال لهم: إنْ تعبدنا لله تعالى بذلك التصنيف فبدعة، وإن أردنا تقريب العلوم إلى طالبيها فليس ببدعة، وما زال الناس يؤلفون بالأبواب والفصول والكتب، نعم إذا وضع شرط لا دليل عليه فحينئذٍ يرد، أما مع الدليل فليس فيه إشكال، والرسول صلّى الله عليه وسلّم يذكر أحياناً ما يدل على ذلك كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «سبعة يظلهم الله في ظله»[(76)]، مع أن هناك آخرين يظلهم الله غير هؤلاء السبعة، وكقوله: «ثلاثة لا يكلمهم الله...»[(77)]، وما أشبه ذلك.
فالبيع له شروط سبعة، فإذا قال قائل: ما الدليل على هذا الحصر؟
فالجواب: التتبع، أي أن العلماء تتبعوا فوجدوا أنه لا بد من شروط يصح بها البيع وهي سبعة، وسنبين إن شاء الله ـ تعالى ـ أن هذه السبعة تدور على ثلاثة أمور: الظلم، والغرر، والربا، لكن التفصيل حسن.
وَيُشْتَرَطُ التَّرَاضِي مِنْهُمَا، فَلاَ يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ بِلاَ حَقٍّ ..............
وقوله: «ويشترط التراضي منهما» هذا هو الشرط الأول: التراضي منهما.
أي يشترط التراضي من البائع والمشتري، ودليل ذلك:
الأول: من القرآن قول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}} [النساء: 29] ، ومعنى {{تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}}: أي تجارة صادرة عن تراضٍ منكم.
الثاني: من السنة قال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما يروى عنه: «إنما البيع عن تراضٍ»[(78)].
الثالث: أن النظر الصحيح يقتضي ذلك أيضاً؛ لأننا لو لم نشترط التراضي لأصبح الناس يأكل بعضهم بعضاً، فكل إنسان يرغب في سلعة عند شخص يذهب إليه ويقول له: اشتريتها منك بكذا قهراً عليك، وهذا يؤدي إلى الفوضى والشغب والعداوة والبغضاء.
قوله: «فلا يصح من مكره بلا حق» أي: لا يصح البيع من مكره بلا حق، والمكره هو الملجأ إلى البيع، أي: المغصوب على البيع، فلا يصح من المكره إلا بحق، فلو أن سلطاناً جائراً أرغم شخصاً على أن يبيع هذه السلعة لفلان فباعها، فإن البيع لا يصح؛ لأنها صدرت عن غير تراضٍ، ومثل ذلك ما لو علمت أن هذا البائع باع عليك حياءً وخجلاً، فإنه لا يجوز لك أن تشتري منه ما دمت تعلم أنه لولا الحياء والخجل لم يبع عليك، ولهذا قال العلماء ـ رحمهم الله ـ: يحرم قبول هدية إذا علم أن الرجل أهداها له على سبيل الحياء والخجل؛ لأن هذا وإن لم يصرح بأنه غير راضٍ، لكن دلالة الحال على أنه غير راضٍ.
وقوله: «فلا يصح من مكره بلا حق» أفادنا ـ رحمه الله ـ أنه إذا كان مكرهاً بحق فلا بأس؛ لأن هذا إثبات للحق، أي: إذا أكرهنا الإنسان على البيع بحق، فإن هذا إثبات للحق وليس ظلماً ولا عدواناً.
مثال ذلك: شخص رهن بيته لإنسان في دين عليه وحل الدين فطالب الدائن بدينه، ولكن الراهن الذي عليه الدين أبى، ففي هذه الحال يجبر الراهن على بيع بيته؛ لأجل أن يستوفي صاحب الحق حقه فيرغم على ذلك.
مثال آخر: أرض مشتركة بين شخصين وهي أرض صغيرة لا تمكن قسمتها، فطلب أحد الشريكين من الآخر أن تباع فأبى الشريك الآخر، فهنا تُباع الأرض قهراً على من امتنع؛ لأن هذا بحق من أجل دفع الضرر عن شريكه.
فالضابط إذاً: (أنه إذا كان الإكراه بحق فإن البيع يصح ولو كان البائع غير راض بذلك)؛ لأننا هنا لم نرتكب إثماً لا بظلم ولا بغيره فيكون ذلك جائزاً.
مسألة ذكرها في الروض[(79)]:
إذا أكره على شيء فباع ملكه من أجل دفع ما أكره عليه، بمعنى أنه جاء إنسان ظالم وأكرهه، وقال له: لا بد أن تدفع لي الآن مائة ألف ريال وإلا حبستك، والرجل ليس عنده شيء فباع بيته ليسدد مائة ألف ريال فما حكم بيعه لبيته؟
الجواب: إننا إذا طبقنا مسألتنا هذه على هذا الشرط، فهل هذا الرجل أكره على بيع البيت، أو أكره على دفع المال؟
الجواب: أكره على دفع المال، فجائز أن يذهب إلى شخص يستلف منه أو يستقرض أو يأخذ من الزكاة وما أشبه ذلك، إذاً فهو لم يكره على بيع البيت فيكون البيع صحيحاً.
بقي أن يقال: هل يكره أن يُشترى منه بيته؛ لأنه مكره على بيعه ولا يرغب أن يخرج عن ملكه؟
الجواب: قال الفقهاء: إنه يكره أن يُشترى منه[(80)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يكره؛ لأننا إذا اشترينا منه فقد أحسنا إليه لدفع ضرورته، والصحيح أن في ذلك تفصيلاً:
إن كان الناس كلهم سيُضربون عن شرائه ويؤدي ذلك إلى أن يتراجع المُكره، فهنا نقول: يحرمُ الشراء منه، ويجب علينا ألا نشتري إذا علمنا أن في ذلك رفعاً للإكراه.
أما إذا كان المُكره لا يمكن أن يتراجع عن إكراهه، فلا وجه لكراهة الشراء منه، بل إن الشراء منه في الواقع إحسان إليه.
وَأَن يَكُونَ العَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ. فَلاَ يَصِحُّ تَصَرُّفُ صَبِيٍّ وَسَفِيهٍ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيٍّ .
قوله: «وأن يكون العاقد جائز التصرف» هذا هو الشرط الثاني: أن يكون العاقد جائز التصرف.
والعاقد هو البائع والمشتري، وهنا قال: «جائز التصرف» ولم يقل: «جائز التبرع»؛ وذلك لأنه لا يشترط أن يكون البائع أو المشتري جائز التبرع، بل يشترط أن يكون جائز التصرف، فالتبرع أضيق من التصرف، فمن جاز تبرعه جاز تصرفه، وليس كل من جاز تصرفه جاز تبرعه.
وجائز التصرف من جمع أربعة أوصاف: أن يكون حرّاً، بالغاً، عاقلاً، رشيداً.
فالأول: أن يكون حرّاً، وضده العبد، والعبد لا يصح بيعه ولا شراؤه إلا بإذن سيده؛ ووجه ذلك أن العبد لا يملك، فما في يد العبد ملك لسيده؛ والدليل على هذا، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المُبتاع»[(81)]، فهنا نقول: العبد لا يصح بيعه إلا بإذن سيده.
الثاني: أن يكون بالغاً، وضد البالغ الصبي.
ولهذا قال المؤلف: «فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن ولي» حتى وإن كان مراهقاً له أربع عشرة سنة، وكان حاذقاً جيداً في البيع والشراء، فإنه لا يصح بيعه؛ لأنه صغير لم يبلغ.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}} [النساء: 6] ، فاشترط الله لدفع أموالهم شرطين: بلوغ النكاح وذلك بالبلوغ، والرشد.
الثالث: أن يكون عاقلاً، وضده المجنون، فالمجنون لا يصح تصرفه، ومن ذلك المُهَذْري لا يصح بيعه، فلو أن رجلاً أصيب بالهذرات، أي: هرم وكبر، وجاء إلى إنسان، وقال له: أنا أبيع عليك بيتي وسيارتي فلا يصح البيع منه لفقد العقل، ومن شرط جواز التصرف أن يكون الإنسان عاقلاً.
الرابع: أن يكون رشيداً، والرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، بحيث لا يبذله في شيء محرم، ولا في شيء لا فائدة منه، كأن يبيع الشيء الذي يساوي مائة بعشرة، أو يشتري ما يساوي عشرة بمائة، فالمهم أنه يحسن التصرف، وضد الرشيد السفيه؛ ولهذا قال المؤلف: «وسفيه» أي ولا يصح تصرف سفيه بغير إذن وليّ، فإن أذن له فلا بأس.
والولي هو من يتولى مال السفيه، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ في «باب الحجر» من الذي يتولى مال السفيه، ولكن ظاهر كلام المؤلف أنه يصح إذن الولي للسفيه بالتصرف المطلق والمعين.
المطلق، بأن يقول: خذ هذا المال واتجر به.
والمعين، أن يقول: خذ هذا المال اتجر به في شيء معين كبيع الدجاج، أو بيع البيض، أو بيع الأشياء الخفيفة، هذا ظاهر كلام المؤلف، ولكن هذا الظاهر غير مراد، بل يقال: بغير إذن وليه في الشيء المعين بأن يأتي إليه، ويقول: أنا أريد أن أشتري مثلاً دبَّاباً، فيقول: اشتر، أو يأتي إليه ويقول: أنا أريد أن أبيع دبَّابي ـ مثلاً ـ فيقول: بعه، إلا في الشيء اليسير الذي جرت العادة بإعطاء الصغار إياه فلا بأس.
ولكن هل يجوز أن يأذن للسفيه أو الصبي إرضاء لهما من غير مراعاة المصلحة المالية؟
الجواب: لا، ولذلك نقول: يحرم على الولي أن يأذن بدون مصلحة؛ لقول الله تعالى: {{وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ}} [الأنعام: 24] .
تَكُونَ العَيْنُ مُبَاحَةَ النَّفْعِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَالبَغْلِ وَالحِمَارِ وَدُودِ القَزِّ وَبَزْرِهِ وَالفِيْلِ وَسِبَاع البَهَائِمِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ إِلاَّ الكَلْبَ وَالحَشَرَاتِ وَالمُصْحَفَ وَالمَيْتَةَ وَالسَّرْجِينَ النَّجسَ،..
قوله: «وأن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة» ، هذا هو الشرط الثالث أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة، أي: أن تكون العين التي وقع العقد عليها بالشراء مباحة النفع بغير حاجة، وهذه تقتضي ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون فيها نفع.
الثاني: أن يكون النفع مباحاً.
الثالث: أن تكون الإباحة بلا حاجة.
فخرج بقولنا: مباحة النفع، محرمة النفع، مثل آلات اللهو، فإنه لا يجوز بيعها؛ لأن منفعتها محرمة، وكذلك الخمر؛ لأن منفعته محرمة.
وخرج بقولنا: أن يكون فيها نفع، ما لا نفع فيه كالحشرات، فلا يصح بيعها، فلو أن شخصاً جمع صراصر في إناء، وقال لإنسان: أبيع عليك هذه الصراصر فلا يجوز بيعها؛ لأنها ليس فيها نفع، لكن لو جمع جراداً في إناء، وقال: أبيع عليك هذا الجراد فهنا يجوز البيع؛ لأن فيها نفعاً مباحاً؛ إذاً الحشرات لا يجوز بيعها؛ لأنها ليس فيها نفع.
وقولنا: من غير حاجة، احترازاً مما إذا كانت مباحة النفع لحاجة كالكلب، فالكلب يباح نفعه لكن لا مطلقاً بل لحاجة كالصيد، والحرث والماشية، فلا يصح بيع الكلب، حتى وإن كان كلب صيد، ولو كان معلماً مع أن فيه نفعاً مباحاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ثمن الكلب[(82)].
«أما الهر» فالواقع أن فيه نفعاً؛ لأنه يأكل الفأر، والحشرات، والأوزاغ والصراصر، وبعض الهررة يدور على الإنسان إذا نام، وتجد لصدره صوتاً وحركة، وإذا قرب من الإنسان النائم أي حشرة ضربها بيده، ثم إن اشتهاها أكلها أو تركها، فهذا نفع، ولهذا قال الفقهاء: إنه يجوز بيع الهر[(83)]، لكن قد ورد في صحيح مسلم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الهر[(84)]، ولهذا اختلف العلماء في ذلك.
فمنهم من أجازه، وحمل الحديث الذي فيه النهي على هرٍّ لا فائدة منه؛ لأن أكثر الهررة معتدٍ، لكن إذا وجدنا هرًّا مربى ينتفع به فالقول بجواز بيعه ظاهر؛ لأن فيه نفعاً.
أما «بيع الميتة» فالميتة فيها نفع مباح، لكنه للضرورة، ولهذا حرم بيعها.
إذاً مباح من غير حاجة، وهل نقول: من غير ضرورة أو نكتفي بقولنا من غير حاجة؟
الجواب: الثاني؛ لأنه إذا كان لضرورة فهو من باب أولى فلا.
أما إذا كان في العين نفع، لكنه نفع مقيد ليس نفعاً مطلقاً مثل جلد الميتة إذا دبغ، فالمشهور من المذهب أنه لا ينتفع به في كل شيء، وإنما ينتفع به في اليابسات، وبناءً على هذا يقولون: لا يصح بيعه؛ لأن نفعه ليس مطلقاً، بل هو نفع مقيد، فيشترط ألا يكون النفع مقيداً، فإن كان مقيداً فإنه لا يصح بيعه؛ لأن المشتري لا يملك به عموم الانتفاع، لكن الراجح في جلد الميتة أنه إذا كان يطهر بالدباغ يصح بيعه.
قوله: «كالبغل والحمار» البغل، حيوان متولد بين الحمار والفرس، وهو أن ينزو الحمار على الفرس فتلد ما يسمى بالبغل، وفيه من طبائع الحمير ومن طبائع الخيل، وحكمه أنه حرام؛ لأنه متولد من حلال وحرام على وجه لا يتميز فغُلبَ جانب التحريم.
فإذا قال قائل: كيف نغلب جانب التحريم؟ ولماذا لا نغلب جانب الحل؟
العلماء يقولون: إذا اجتمع موجب التحليل والتحريم على وجه لا تمييز بينهما غلب جانب التحريم؛ لأن اجتناب الحرام واجب، ولا يمكن اجتنابه إلا باجتناب الحلال، واجتناب الحلال حلال، فأنا إذا اجتنبت الحلال لا حرج عليَّ، لكن لو فعلت الحرام فعلي الإثم؛ لهذا غلب جانب التحريم.
وقيل: إن البغل حرام لكن يجوز بيعه؛ لأنه ما زال المسلمون يتبايعون البغال من عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا، وكذلك الحمار يجوز بيعه، والدليل الإجماع، فالمسلمون مجمعون على بيع الحمير من عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا.
فإن قال قائل: يشكل على ذلك قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه»[(85)] والبغل حرام والحمار حرام؟
فنقول: حرم ثمنه، أي ثمن ذلك المحرم، ولهذا لو اشترى شخص بغلاً ليأكله فهو حرام عليه، فلا يجوز أن يأخذ على شيء محرم عوضاً، وهو يشتريه لا لأكله، ولكن لركوبه، وركوبه والانتفاع به حلال، فلا يعارض الحديث.
قوله: «ودود القز» القز نوع من أفخر أنواع الحرير، وله دود هذه الدودة ـ بإذن الله ـ يظهر منها هذا القز، وهي بنفسها تطوي على نفسها هذا القز حتى إذا غمها، ماتت ويبست، فأُخِذَ هذا القز، لكنه بكميات كبيرة وهائلة.
فدود القز يجوز بيعه مع أنه حشرة؛ لأنه ينتفع بها.
قوله : «وبزره» كذلك بزر هذا الدود الذي لم يصل إلى حد أن يتولد منه القز، يجوز بيعه؛ لأنه ينتفع به في المآل.
قوله: «والفيل، وسباع البهائم التي تصلح للصيد» الفيل معروف، يجوز بيعه؛ لأنه يُحمل عليه الأثقال ففيه منفعة، وكذلك سباع البهائم التي تصلح للصيد كالنمور، والفهود، والآساد، إن كانت تصلح، وكذلك الصقور وغيرها، كل سباع البهائم من طائر وماش إذا كان يصلح للصيد فإنه يجوز بيعه، لأنه يباع لمنفعة مباحة فجاز كالحمار.
قوله: «إلا الكلب» فإنه لا يجوز بيعه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيعه مع أن الكلب يصلح للصيد، أليس قد أباح النبي صلّى الله عليه وسلّم اقتناءه لثلاثة أمور: الحرث، والماشية، والصيد[(86)]؟ ومع ذلك لا يجوز بيعه، حتى لو باعه لهذا الغرض، أي للصيد فإنه لا يجوز.
فإن قال قائل: كيف مُنع بيع الكلب مع ما فيه من المنافع، ولم تمنع سباع البهائم التي تصلح للصيد؟
قلنا: التفريق بالنص، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ثمن الكلب[(87)]، ولا يصح أن تقاس سباع البهائم التي تصلح للصيد عليه، لدخولها في عموم قوله تعالى: {{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}} [البقرة: 275] ؛ ولأنها أخف ضرراً من الكلب، إذ إن الكلب إذا ولغ في إناء يجب أن يغسل سبعاً إحداها بالتراب، وغيره من السباع لا يجب التسبيع فيه ولا التتريب، فظهر الفرق وامتنع القياس.
فإن قال قائل: أليس قد ورد فيما رواه النسائي[(88)]، وغيره، استثناء كلب الصيد؟
قلنا: بلى ولكن المحققين من أهل الحديث والفقه قالوا: إن هذا الاستثناء شاذ فلا يعول عليه، وأيضاً لو صح هذا الاستثناء لكان نهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ثمن الكلب من باب اللغو؛ لأن كلباً لا يصاد به لا ينتفع به في الحرث، ولا الماشية، لا يمكن أن يباع، فلذلك تعين أن يكون النهي عن ثمن الكلب إنما هو في الكلب الذي ينتفع به ويباح اقتناؤه.
قوله: «والحشرات» الحشرات لا يصح بيعها، والعلة أنه ليس فيها نفع، فبذل المال فيها إضاعة له، وقد نهى صلّى الله عليه وسلّم عن إضاعة المال[(89)]، وعلم من هذا التعليل أنه لو كان فيها نفع جاز بيعها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ومن النفع العلق لمص الدم، والديدان لصيد السمك.
قوله: «والمصحف» رحمة الله على المؤلف في سياق هذه الصيغة؛ لأن عطف المصحف على الحشرات أسلوب ليس بجيد، لكن ـ عفا الله عنه ـ لو أنه أفرده بجملة وحده لكان أولى، لكن أراد ـ رحمه الله ـ أن المصحف لا يصح بيعه، والدليل على هذا أثر ونظر.
أما الأثر: فأثر ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: «وددت أن الأيدي تقطع ببيعه»[(90)]، فجعل آخذ ثمنه بمنزلة السارق تقطع يده.
وأما النظر فيقال: إن كان الإنسان مستغنياً عنه فبذله واجب، والواجب لا يجوز أخذ العوض عنه، وإن كان غير مستغن عنه فإن بيعه حرام عليه؛ لأنه محتاج له فلا يصح.
وتعليل نظري آخر هو أن في بيعه ابتذالاً له، كما تبتذل السلع، والمصحف يجب أن يحترم ويعظم.
وقال بعض العلماء: إنه يحرم بيعه ويصح، وفي هذا نظر؛ لأنه مخالف للقواعد[(91)]، إذ إن القاعدة أن كل عقد محرم فإنه لا يصح، فهذا القول فيه نظر، فإما أن نقول: يحرم ولا يصح، وإما أن نقول بما عليه جمهور العلماء وعمل المسلمين من أزمنة متطاولة: إنه يجوز، ويصح بيع المصحف.
والصحيح: أنه يجوز بيع المصحف ويصح للأصل، وهو الحل، وما زال عمل المسلمين عليه إلى اليوم، ولو أننا حرمنا بيعه لكان في ذلك منع للانتفاع به؛ لأن أكثر الناس يشح أن يبذله لغيره، وإذا كان عنده شيء من الورع وبذله، فإنه يبذله على إغماض، ولو قلنا لكل أحد إذا كنت مستغنياً عن المصحف، يجب أن تبذله لغيرك لشق على كثير من الناس.
وأما ما ورد عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فلعله كان في وقت يحتاج الناس فيه إلى المصاحف، وأن المصاحف قليلة فيحتاجون إليها، فلو أبيح البيع في ذلك الوقت لكان الناس يطلبون أثماناً كثيرة لقلته؛ فلهذا رأى ـ رضي الله عنه ـ ألا يباع.
قوله: «والميتة» هذا عطف على قوله: «إلا الكلب» ، يريد ـ رحمه الله ـ أن يبين ما يحرم بيعه من الأعيان: فذكر الكلب، والحشرات، والمصحف، والميتة.
والحشرات استثنينا منها ما يمكن الانتفاع به، ومثَّلنا لذلك بالعَلَق لمص الدم، والديدان لصيد السمك.
الميتة لا يصح بيعها؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله حرم بيع الميتة» ، وأضاف التحريم إلى الله تأكيداً له؛ لأن إضافة الشيء إلى ملك الملوك معناه قطع النزاع فيه، وأنه لا يمكن لأحد أن ينازع، فالله ـ عزّ وجل ـ حرم بيع الميتة.
وأورد الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وهم الحريصون على العلم، إيراداً «فقالوا: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟».
السفن من خشب وتطلى بالشحوم؛ ليكون بها الدهن الذي يزل عنه الماء ولا يدخل في الخشب، لأنه لو دخل في الخشب لأثقلها.
«وتدهن بها الجلود» ـ وهذا ظاهر ـ لتلين؛ لأن الجلد إذا دهن لان.
«ويستصبح بها الناس»، أي: يجعلونها مصابيح، فقد كان الناس في الأول يجعلون الدهن بمنزلة (الوقود) يضعونه في إناء، ويضعون فيه فتيلاً ويوقدون رأس الفتيل للاستضاءة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا، هو حرام» [(92)].
فاختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في قوله: «لا، هو حرام» فقيل: إنه البيع؛ لأنه موضوع الحديث، وهو المتحدثُ عنه: «إن الله حرم بيع الميتة» ، والصحابة إنما أوردوا الانتفاع بها ليسوِّغوا جواز بيعها، ويبينوا أن هذه المنافع لا تذهب هدراً فينبغي أن تباع، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا، هو ـ أي البيع ـ حرام» .
وهذا القول هو الصحيح أن الضمير في قوله: «هو حرام» يعود على البيع حتى مع هذه الانتفاعات التي عدها الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ؛ وذلك لأن المقام عن الحديث في البيع.
وقيل: «هو حرام» ، يعني الانتفاع بها في هذه الوجوه، فلا يجوز أن تطلى بها السفن، ولا أن تدهن بها الجلود، ولا أن يستصبح بها الناس، ولكن هذا القول ضعيف.
والصحيح أنه يجوز أن تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس.
مسألة: هل يستثنى من الميتات شيء؟
الجواب: يستثنى من الميتة الميتات الطاهرة التي تؤكل، فإن بيعها حلال؛ لأنها حلال، والله تعالى لا يحرم بيع شيء أحله لعباده، مثل السمك، فلو جاء إنسان بسمك ميت فإنه يحل بيعه، وكذلك الجراد يحل بيعه ولو ميتاً، فلو وجد الإنسان جراداً ميتاً على ظهر الأرض فحازه ثم باعه فلا بأس؛ لأن ميتته تؤكل.
مسألة: ما حكم بيع الثعلب المحنط؟
لا يجوز؛ لأنه ميتة وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الخمر والميتة[(93)]، وعلى هذا فالذي يوجد الآن في الأسواق يحرم شراؤه وبيعه.
فلو كان المحنط أرنباً فإن حُنِّطَ بدون تذكية بأن ضرب بإبرة أماتته وبقي هكذا فهو حرام لأنه ميتة، وإن ذُكِيَ ذكاة شرعية ولكنه لم يسلخ جلده وبقي، فينظر هل به فائدة أم لا؟ فإن كان فيه فائدة جاز شراؤه وبيعه وإلا فلا.
قوله: «والسرجين النجس» يعني ولا يصح بيع السرجين النجس.
والسرجين هو ما يعرف بالسماد الذي تسمد به الأشجار والزروع، وهذا السماد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: سماد نجس، وسماد طاهر، وسماد متنجس.
فالسماد النجس لا يصح بيعه، كروث الحمير، وعذرة الإنسان، وما أشبه ذلك؛ والعلة في ذلك أن هذا النوع من السماد لا يصح أن يُسمد به، يعني لو أن الإنسان سمد بنجس كان حراماً.
لكن أكثر أهل العلم يجيزون السماد بالنجس وأن تسمد الأشجار والزروع بروث الحمير وعذرات الإنسان، فهل نقول على هذا القول: إنه يجوز بيعها؛ لأنه ينتفع بها؟
الظاهر لا يجوز، وإن كان ينتفع بها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما قال: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، قالوا: أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ يعني يتخذون منها المصابيح، قال: لا، هو حرام»[(94)] يعني البيع، مع أن فيه انتفاعاً، لكن منع النبي صلّى الله عليه وسلّم من بيعه؛ لأنه نجس، فعلى هذا نقول: السرجين النجس لا يصح بيعه، حتى لو قلنا بجواز السماد به.
الثاني من أقسام السماد: المتنجس يجوز بيعه؛ لأنه يمكن تطهيره.
ومثل المتنجس تراب بال عليه حيوان من الحيوانات التي بولها نجس، هذا التراب أصله طاهر، ووردت عليه النجاسة فيكون متنجساً، فهل يجوز بيع هذا التراب المتنجس قبل أن نطهره؟
الجواب: نعم يجوز، لأنه يمكن إزالة نجاسته، كما لو باع الإنسان ثوباً متنجساً، أليس إذا كان عنده ثوب متنجس وباعه على أحد من الناس فالبيع جائز، لكن يجب أن يخبر المشتري أنه متنجس؛ لئلا يغتر به.
الثالث: الطاهر، وبيعه حلال من باب أولى.
وَالأدهَانَ النَّجِسَةَ وَلاَ المُتَنِجِّسَة ...
قوله: «والأدهان النجسة» كالأدهان التي تكون من شحم الميتة؛ لأن الميتة نجسة والأدهان الخارجة من شحمها نجسة، فالأدهان النجسة لا يجوز بيعها، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، قالوا: أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: لا، هو حرام»[(95)] أي: بيعها، مع أنهم ذكروا أن الناس ينتفعون بها، وهل يجوز الانتفاع بها؟ الجواب: نعم، يجوز الانتفاع بها على وجه لا تتعدى، كأن تدهن بها الجلود، وتطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس.
قوله: «ولا المتنجسة» يعني ولا يصح بيع الأدهان المتنجسة، وهي الأدهان الطاهرة التي وردت عليها النجاسة كإنسان عنده جالون من الزيت وقع فيه نجاسة، فالمذهب لا يجوز بيع الأدهان المتنجسة؛ لأنه لا يمكن تطهيرها، وإذا لم يمكن تطهيرها صارت كالنجسة، والصحيح أن بيع الأدهان المتنجسة جائز؛ لأنه يمكن تطهيرها، فتكون كبيع الثوب المتنجس.
إذاً كلام المؤلف في أن الأدهان النجسة لا يجوز بيعها صحيح، ودليله حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ: «إن الله حرم بيع الخمر...»، والمتنجسة يقول المؤلف: إنه لا يجوز بيعها، والصحيح أن بيعها جائز؛ لأن منع بيعها بناءً على أنه لا يمكن تطهيرها، ولكن الصحيح أن تطهيرها ممكن، ولكن كيف يمكن تطهيرها وهي أدهان؟
الجواب: يمكن هذا بإضافة مواد إليها تطهرها، أو بإضافة ماء إليها وغليها، المهم أنه متى أمكن تطهيرها فإنه يجوز بيعها.
قوله: «ويجوز الاستصباح بها في غير مسجد» «بها»، الضمير يعود على أقرب مذكور، وهو الأدهان المتنجسة.
وَيَجُوزُ الاسْتِصْبَاحُ بِهَا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ ............
«يجوز الاستصباح بها» أي: اتخاذ المصابيح منها.
وكيف ذلك؟ كانوا فيما سبق ليس عندهم الكيروسين ولا الغاز ولا الكهرباء، فبماذا يوقدون؟ يوقدون بالأدهان، يأتون بالدهن ويضعونه في إناء صغير ويضعون فيه فتيلة ويوقدون فيه النار، وما دام الدهن باقياً فإنها تشتعل، فيقول المؤلف: «يجوز الاستصباح بها في غير مسجد».
وقوله: «يجوز الاستصباح بها» هذه الجملة جملة استطرادية؛ لأن الكلام هنا ليس في جواز الاستعمال وعدمه، ولكنه في جواز البيع وعدمه، ولكنه ذكرها ـ رحمه الله ـ استطراداً، والاستطراد في مسائل العلم إذا دعت الحاجة إليه أو اقتضته المصلحة من هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومثاله من السنة: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الوضوء بماء البحر؟ فقال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»[(96)]، فقوله: «الحل ميتته» لم يرد عنها سؤال؛ لكن لاقتضاء المصلحة ذلك ذكرها.
إذاً الاستصباح بالمتنجسة جائز، لكن اشترط المؤلف ألا يكون ذلك في المسجد، فإن كان في المسجد فإنه لا يجوز الاستصباح بها.
مثال ذلك: رجل عنده إناء من دهن وقعت فيه نجاسة، فصار نجساً، فيجوز أن يستصبح به في بيته، أما في المسجد فإنه لا يجوز؛ لأن هذا يؤدي إلى تنجيس المسجد بالدخان، وتنجيس المسجد حرام.
وهذا ينبني على أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة، فأما على القول بأن النجاسة تطهر بالاستحالة فإنه يجوز، وللعلماء في ذلك قولان سبقا في باب النجاسات، والاستحالة تحول العين من عين إلى أخرى، مثال ذلك: كلب وقع في مملحة فصار ملحاً، وهذا ممكن، فالحديد إذا وقع في المملحة صار ملحاً، وهل هو باق على نجاسته أو لا؟
الجواب على الخلاف: إن قلنا: بأن الاستحالة لا تطهر النجس فإن هذه الكتلة من الملح نجسة، وإن قلنا: بأن النجاسة تطهر بالاستحالة؛ لأنها انتقلت من عين إلى أخرى، قلنا: إن هذه الكتلة من الملح طاهرة.
فدخان النجاسة مستحيل من عين إلى دخان، فإذا قلنا بطهارة النجس إذا استحال، قلنا: يجوز الاستصباح بالأدهان النجسة والمتنجسة في المسجد وغير المسجد.
وفهم من قول المؤلف: «يجوز الاستصباح بها» أي بالمتنجسة: أنه لا يجوز الاستصباح بالنجسة كدهن الميتة، مطلقاً لا في المسجد ولا غيره، وهذا محل خلاف بين العلماء مبني على قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هو حرام» ، هل يعود الضمير على الانتفاع الذي ذكره الصحابة، أو يعود على البيع الذي تحدث عنه الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟
الثاني على رأي، والأول على رأي آخر، والله أعلم.
يستثنى من جنس الميتات: كل ميتة يحل أكلها.
ويستثنى من أجزاء الميتة:
أولاً: ما هو في حكم المنفصل، مثل: الشعر، والوبر، والصوف، والريش، وما أشبه ذلك، فهذا يجوز بيعه، لأنه طاهر، فلو ماتت شاة لإنسان وفيها صوف، وجزه وباعه فلا حرج.
ثانياً: يستثنى من ذلك على القول الراجح الجلد؛ لأن الجلد يمكن تطهيره، فهو كالثوب المتنجس.
وقيل: لا يستثنى، لأنه جزء من أجزاء الميتة فهو نجس، ثم لا نعلم هذا الذي اشتراه أيدبغه فيطهر أم لا؟ وهذا القول أحوط، والأول أقعد، أنه ما دام يمكن أن يُطهر وينتفع به فإنه يجوز بيعه، والمذهب أن جلد الميتة لا يطهر بالدبغ، وأنه لا يجوز بيعه ـ أيضاً ـ ولو دبغ؛ لأنه لا يستعمل إلا في اليابسات.
وَأَنْ يَكُونَ مِن مَالِكٍ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ .............
قوله: «وأن يكون من مالك» . هذا الشرط الرابع من شروط صحة البيع، أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه.
والدليل على هذا الشرط: القرآن، والسنة، والنظر الصحيح.
أما القرآن: فقوله تبارك وتعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}} [النساء: 29] ، ومعلوم أنه لا يوجد أحد يرضى أن يتصرف غيره في ماله ويبيعه.
وأما السنة فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك»[(97)]، فنهاه أن يبيع ما ليس عنده، والمراد ما ليس في حوزته أو ما ليس قادراً عليه، كما سيأتي إن شاء الله في الشرح.
وأما النظر فلأنه لو جاز أن يبيع الإنسان ما لا يملك لكان في ذلك من العدوان والفوضى ما لا تستقيم معه حياة البشر، فلا يمكن أن يسلط الناس بعضهم على بعض في بيع أموالهم.
قوله: «أو من يقوم مقامه» يعني من يقوم مقام المالك وهم أربعة أصناف: الوكيل، والوصي، والولي، والناظر، هؤلاء هم الذين يقومون مقام المالك.
فالوكيل هو من أُذن له بالتصرف في حال الحياة، كرجل أعطى شخصاً سيارته، وقال: بعها، فهذا وكيل يصح أن يبيعها؛ لأنه قائم مقام المالك بالتوكيل؛ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم وكّل في البيع والشراء[(98)]، وهذا دليل من السنة.
الوصي وهو من أمر له بالتصرف بعد الموت، مثل أن يوصي شخص بشيء من ماله إلى زيد، فهذا الموصى إليه يجوز أن يتصرف فيما وصي فيه بما يراه أصلح، وهو ليس بمالك، ولكنه قائم مقام المالك.
الناظر هو الذي جعل على الوقف، أي: وكل في الوقف، مثل أن يقول رجل: هذا البيت وقف على الفقراء والمساكين، والناظر عليه فلان ابن فلان، فهذا ـ أيضاً ـ يصح تصرفه مع أنه ليس بمالك، لكنه قائم مقام المالك، ونسمي هذا ناظراً، وقد وقف عمر ـ رضي الله عنه ـ ما ملكه في خيبر، وقال: تليه حفصة، ثم ذوو الرأي من آله[(99)]، فحفصة جعلها عمر ـ رضي الله عنهما ـ ناظرة على وقفه.
الولي: هو من يتصرف لغيره بإذن الشارع.
والولاية نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة ولاية الحكام، كالقضاة مثلاً، فإن لهم ولاية عامة على الأموال المجهول مالكها، وعلى أموال اليتامى إذا لم يكن لهم ولي خاص، وعلى غير ذلك.
أما الولاية الخاصة فهي الولاية على اليتيم من شخص خاص، كولاية العم على ابن أخيه اليتيم، وجعلنا هذا وليّاً ولم نجعله وكيلاً؛ لأنه استفاد تصرفه عن طريق الشرع، والوكيل والوصي والناظر عن الطريق الخاص بالمالك، أما الولي فولايته مستفادة من الشرع.
وعلى هذا، فإذا وكل إنسان إنساناً في بيع شيء فباعه صح، مع أن الوكيل ليس بمالك، ولكنه قائم مقام المالك، لكن يجب على الوكيل أن يتصرف بما يراه أصلح، فإذا كانت السلعة تزيد فإنه لا يبيعها حتى تنتهي الزيادة، بخلاف الذي يتصرف لنفسه فإنه يجوز أن يبيع السلعة بما هو دون، والفرق بينهما أن المتصرف لغيره يجب أن يتصرف بالأحظ، والمتصرف لنفسه يتصرف بما شاء، فمثلاً لو أعطيت هذا الرجل مسجلاً يبيعه، فصار الناس يزيدون في المسجل حتى بلغ مائة أو مائتين، فلا يجوز له أن يبيعه والناس يزيدون فيه حتى يقف السعر، لكن لو باعه مالكه بمائة ريال وهو يساوي مائتين جاز؛ لأن المالك يتصرف لنفسه، وذاك يتصرف لغيره.
وانظر إلى هذه المسألة وهي التصرف للغير بالأحظ، حتى في العبادات، فالإمام يجب أن يصلي بالناس حسب السنة، وغيره يصلي ما شاء، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء»[(100)].
فَإِن بَاعَ مُلْكَ غَيْرِهِ أَوْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ بِلاَ إِذْنِهِ لَمْ يَصِح وَإِن اشْتَرَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِلاَ إِذْنِهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ فِي العَقْدِ صَحَّ لَهُ بِالإِجَازَة، وَلَزِمَ المُشْتَرِيَ بِعَدَمِهَا مُلْكاً......
قوله: «فإن باع ملك غيره» لم يصح؛ لأنه ليس المالك لفوات الشرط وهو الملك، فلو باع ملك أبيه أو ملك ابنه لم يصح.
فإن قال قائل: أليس الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «أنت ومالك لأبيك» [(101)]؟ قلنا: بلى، لكن إذا أراد الأب أن يبيع ملك ابنه فليتملكه أولاً ثم يبيعه ثانياً؛ لأنه قبل تملكه مِلْكٌ لابنه، فنحن نقول: لا مانع، تملك هذا المال، ثم بعه، أما أن تبيعه، وهو على ملك ابنك بدون إذنه فلا تملك ذلك.
قوله: «أو اشترى بعين ماله بلا إذنه لم يصح» مثاله: إنسان أعطاك دراهم، وقال: خذ هذه الدراهم وأوصلها إلى فلان، فأنت الآن أمين مرسل، فمررت بالسوق ومعك هذه الدراهم فاشتريت سلعة بهذه الدراهم، أي: قلت للبائع: اشتريت منك هذا الثوب بهذه الدراهم، إذاً اشترى بعين المال، فالبيع لا يصح؛ لأن شراءه بعين المال كبيعه عين المال، فكما أنه لا يجوز أن آخذ كتاب زيد وأبيعه كذلك لا يجوز أن أشتري بعين ماله، فالشراء بعين المال هو بيع لعين المال في الواقع، وعلى هذا فلا يصح، وظاهر كلام المؤلف أن هذا لا يصح، وإن كان فيه مصلحة، وظاهر كلامه ـ أيضاً ـ أنه لا يصح وإن أجازه المالك لفوات الشرط.
والصحيح أنه إذا أجازه المالك صح البيع، والدليل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وكل عروة بن الجعد ـ رضي الله عنه ـ أن يشتري له أضحية وأعطاه ديناراً، فاشترى أضحيتين بدينار واحد، ثم باع إحداهما بدينار، وُكِّل بأن يشتري أضحية فاشترى أضحيتين، وهذا فيه مصلحة لا شك، ثم باع واحدة من الأضحيتين بدينار، وهذا فيه مصلحة أيضاً، فرجع إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بديناره وشاة فقال (ص): «اللهم بارك له في بيعه»[(102)]، فكان لا يتجر في شيء إلا ربح فيه ببركة دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعلى كلام المؤلف يكون هذا التصرف غير صحيح، ولكن الصحيح أنه جائز ونافذ إذا أجازه المالك.
فإن قال قائل: هل يجوز للإنسان أن يقدم على بيع ملك غيره بدون إذنه؟
قلنا: يجوز بقرينة، والقرينة هي أن أعرف أن صاحبي يريد أن يبيع بيته، فجاء إنسان واشترى البيت بمائة ألف، وهو يساوي تسعين، وأنا أعرف أن صاحب البيت يريد بيعه فيجوز لي أن أبيعه بمائة ألف؛ لأن هذا فيه مصلحة، فالرجل يريد أن يبيع بيته بتسعين فإذا جاء إنسان يشتريه بمائة فهذا مصلحة فيجوز أن أقدم على التصرف، وإلا فالأصل منع الإقدام على التصرف؛ لأنه ملك غيرك، لكن إذا رأيت المصلحة في ذلك فلا بأس.
وقوله: «اشترى بعين ماله» هذه أقل شأناً من الأولى؛ لأن الإنسان لا يهمه أن يأخذ هذا الدرهم أو هذا الدرهم، فإذا اشترى بعين ماله فالمذهب أن ذلك لا يصح؛ لأنه كبيع عين ماله؛ لأن العقد وقع على عين الدراهم المملوكة لغيره.
ولكن قد يقال بالفرق؛ لأن المشتري بعين ماله إذا أعطى صاحب الدراهم دراهمَ لا يهمه أن يعطيه دراهمه الأولى أو دراهم بدلها.
قوله: «إن اشترى له» أي للغير.
قوله: «في ذمته» أي: لا بعين ماله؛ لأن العقد إذا كان في الذمة لم يقع على ملك غيره لكن الممنوع أن يتصرف في ملك غيره، وأما الذمة فهي أوسع.
قوله: «بلا إذنه ولم يسمه في العقد صح له» أي: للغير.
قوله: «بالإجازة ولزم المشتري بعدمها» أي: بعدم الإجازة.
قوله: «ملكاً» أي: للمشتري.
وصورة المسألة: أعلم أن فلاناً يريد أن يشتري ساعة فوقفت على صاحب الساعات واشتريت لفلان في ذمتي وهو لم يوكلني، ولم يأذن لي، ولم أقل للبائع: اشتريت لفلان، ثم قلت للرجل الذي اشتريت له: إني اشتريت لك ساعة، فإن أجاز فالملك له، وإن لم يجز فالملك لي.
مثال آخر: أعرف أن فلاناً يريد أن يشتري شاة للدرِّ، أي: ليحلبها، فاشتريت له شاة ممن يبيع الغنم، ولم أقل: إنها لفلان ولم أسمه في العقد، ثم قلت لصاحبي الذي اشتريت له: اشتريت لك شاة، فقال: قبلت ذلك، فهي لمن اشتراها له، واللبن الذي حصل بعد العقد للذي اشتراها له، لأنه نماء ملكه.
فإن قال: لا أريدها فهي للمشتري، فتلزمه.
ولهذا قال: «ولزم المشتري بعدمها» أي بعدم الإجازة.
«ملكاً له» أي للمشتري، ويتملكها من العقد، وعلى هذا فيكون اللبن للمشتري، وهذه الصورة هي الصورة الوحيدة التي يصح فيها التصرف الفضولي على المذهب.
فإن اشترى له بعين ماله لا في ذمته فإنه لا يصح البيع، بأن قال للذي يبيع الغنم: أعطني بهذه الدراهم شاة ونواها لفلان فإن العقد لا يصح؛ لأنه اشترى له بعين ماله لا بذمته، وكذلك لو سمَّاه فقال لصاحب الغنم: اشتريت منك هذه الشاة بمائة لفلان، ثم اقتاد الشاة وأوصلها إلى فلان، فقبل بذلك، لم يصح البيع؛ لأنه سماه في العقد، وهو إذا سماه في العقد صار شراؤه له بالوكالة، وهو لم يوكله، ولهذا قالوا: إذا سماه في العقد لا يصح البيع؛ لأنه إذا سماه في العقد فقد نزَّل نفسه منزلة الوكيل، والواقع أنه لم يوكله.
والقول الثاني في المسألة، أنه يصح كما ذكرناه في السابق، من أن تصرف الفضولي إذا أجازه من تُصُرِّفَ له فهو صحيح، وقد ذكرنا الدليل والتعليل.
وإذا لم يجز لزم المشتري، فلا يملك المشتري أن يرده على البائع ويقول: أنا اشتريته لفلان، ولكنه لم يقبل، فالبائع له أن يرفض ويقول: أنت اشتريت مني على أنك أنت المشتري فيلزمك.
فإن قال قائل: هل الأولى أن يقبل المُشْتَرى له ذلك العقد أو الأولى ألاّ يقبل؟
قلنا: الأولى أن يقبل، لا سيما إذا علمنا أن هذا المشتري إنما اشتراها اجتهاداً لا تغريماً وإخساراً، فإنه لا ينبغي أن يجازى المحسن بالإساءة؛ لأنه ربما يكون ثمن السلعة باهظاً جدّاً، وهذا المشتري ليس عنده مال، فالأولى للمُشترى له أن يقبل ولو كان عليه بعض الغضاضة.
وَلاَ يُبَاعُ غَيْرُ المساكِنِ مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً كَأرْضِ الشّامِ وَمِصْرَ وَالعِرَاقِ بَلْ تُؤَجَّرُ ....
قوله: «ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة كأرض الشام ومصر والعراق» ذكر المؤلف هذا تفريعاً على اشتراط كون البائع مالكاً.
فقوله: «المساكن» الدور فتشمل البناء والأرض، البناء: المساكن، والأرض هي الأرض البيضاء التي ليس عليها بناء، أو أرض البناء التي بُني عليها، فهذه الأرض أو هذه المساكن إذا باعها بأرضها فالبيع غير صحيح، وإن باع المساكن فالبيع صحيح في الأراضي التي فتحت عنوة.
ومعنى عنوة، أي: قهراً وقوة.
وقوله: «كأرض الشام ومصر والعراق» إذا قيل: الشام عند العلماء فإنه يشمل سوريا وفلسطين والأردن وكل ما كان شمال الجزيرة العربية، فأرض الشام ومصر والعراق لا يباع فيها إلا المساكن، وأما الأرض نفسها فإنها لا تباع؛ لأن عمر ـ رضي الله عنه ـ وقفها[(103)]، والوقف لا يباع، فعمر ـ رضي الله عنه ـ لما فتح هذه الأمصار، رأى أن قسمها بين الغانمين يحرم الأجيال المستقبلة من أجيال المسلمين، فرأى أن يقفها، ويضرب عليها خراجاً، أي: كالأجرة يؤخذ منها كل سنة فصارت وقفاً، والوقف لا يجوز بيعه، وهذا الذي مشى عليه المؤلف.
وأما المساكن في هذه الأراضي فتباع؛ لأن المساكن ملك للساكن فهو الذي أقام البناء حتى استقام، فله ثمن هذا البناء الذي أقامه فيصح العقد عليه، أما الأرض فلا.
قوله: «بل تؤجر» الحمد لله لم ينسد الباب، نقول: لا تبعها، ولكن أجرها، والأجرة لك؛ لأن الأجرة في مقابل المنفعة لا في مقابل العين، فلهذا جاز تأجيرها، ولم يجز بيعها، وهذا القول ضعيف جدّاً[(104)].
والصواب: أن بيعها حلال جائز وصحيح، وسواء المساكن أو الأراضي، وينزل المشتري منزلة البائع في أداء الخراج المضروب على الأرض، وكان هذا فيما مضى، أما الآن فلا خراج ولا وقف، لكن لا بد أن نفهم الحكم الشرعي.
أما الأمر الواقع فالناس يتبايعون الأراضي والمساكن والبساتين من غير نكير، بل هو شبه إجماع، ولهذا يعتبر هذا القول ضعيفاً جدّاً، فالصواب جواز بيع المساكن والأرض.
ثم هذا الوقف ليس وقفاً خاصّاً، حتى نقول: إن الأوقاف الخاصة لا تباع إلا أن تتعطل منافعها، فهذا وقف عام على المسلمين عموماً، فليس له مستحق خاص، وإذا كان كذلك كان منع المسلمين من تداوله بالبيع من أشق ما يكون على الناس، ورفع الحرج معلوم في الشريعة الإسلامية.
مسألة: لم يذكر الماتن بيوت مكة، لكن ذكرها الشارح؛ فبيوت مكة لا يجوز بيعها ولا إجارتها، فهي أضيق مما فتح عنوة، ودليلهم حديث «رباع مكة حرام بيعها، حرام إجارتها» ، ولكنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة[(105)]، وهذا لو عمل الناس به لكان فيه إشكال كبير، لكن فَرَّج الفقهاء الذين يقولون بالتحريم للناس فقالوا: فإن لم يجد ما يسكنه إلا بأجرة لم يأثم بدفعها، والإثم على المؤجر؛ لأنه لا يستحق ذلك، وهذا في مكة، فما بالك بالمشاعر التي يتحتم على الإنسان أن يبقى فيها، فيكون بيعها أولى بالتحريم؛ ولهذا لا شك أن الذين بنوا في منى أو مزدلفة أو عرفة، غاصبون وآثمون؛ لأن هذا مشعر لا بد للمسلمين من المكوث فيه، فهو كالمساجد، فلو جاء إنسان إلى مسجد جامع كبير وبنى له غرفة في المسجد، وصار يؤجرها، كان حراماً، والآن منى مشعر يجب على المسلمين أن يبقوا فيها، والمبيت فيها واجب من واجبات الحج، فإذا جاء إنسان وبنى فيها وصار يؤجرها للناس فهو لا شك غاصب، آثم، ظالم، ولا يحل له ذلك، وهو أشد إثماً ممن يبيع المساكن في مكة؛ لأن المساكن في مكة لا يلزم الإنسان أن يبقى فيها، إذ يجوز أن يبقى في الخارج وينزل.
واختار شيخ الإسلام جواز البيع دون الإجارة لقوله تعالى: {{وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}} [الحج: 25] ، وقيل: يجوز بيعها وإجارتها وهذا مذهب الشافعي، وحجتهم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قيل له عام الفتح: أتنزل غداً في دارك؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من دار أو رباع ؟![(106)] وعقيل هو الذي ورث أبا طالب، وظاهر هذا الحديث أن بيوت مكة تملك، وإذا ملكت جاز بيعها، وجازت إجارتها، وما ذهب إليه الشافعي وغيره هو الذي نصره الموفق في المغني، وأيده بأدلة كثيرة وقال: إن الصحيح جواز البيع والإجارة في بيوت مكة، والعمل على هذا القول، وأما القول بأنه لا يجوز بيعها ولا إجارتها فهو قول ضعيف، وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام فهو وإن كان فيه شيء من القوة، فإنه يمكن أن يجاب عنه بأن الآية في أمكنة المشاعر، فهذه لا شك أنها لا تملك.
فصارت البلاد ثلاثة أقسام:
الأول: ما يجوز بيعه وإجارته.
الثاني: ما تجوز إجارته دون بيعه.
الثالث: ما لا يجوز بيعه ولا إجارته.
فالذي فتح عنوة تجوز إجارته دون بيعه، إلا المساكن، ومكة لا يجوز بيعها ولا إجارتها، وبقية الأماكن يجوز بيعها وإجارتها كأرض المدينة وبيت المقدس وبقية الأراضي.
وقوله: «ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة» يؤخذ منه أنه يجوز بيع الأرض والمساكن مما فتح صلحاً، وهو كذلك؛ وذلك أن أرض العدو إما أن تفتح عنوة، وإما أن تفتح صلحاً على أنها لهم ونقرها معهم بالخراج، وإما أن تفتح صلحاً على أنها لنا، فإن كانت لهم فهي ملكهم يتصرفون فيها، وإن كانت لنا فهي ملكنا نتصرف فيها، هذا إذا كانت صلحاً، أما العنوة فقد بينا حكمها.
وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ نَقْع البِئْرِ وَلاَ ما نَبَتَ فِي أرْضِهِ مِنْ كَلأٍ وَشَوْكٍ، وَيَمْلِكُهُ آخِذُهُ، ..
قوله: «ولا يصح بيع نقع البئر» نقع البئر هو ماء البئر الذي نبع من الأرض، فلا يجوز بيع هذا الماء؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار»[(107)]؛ ولأن هذا الماء لم يخرج بقدرة الإنسان؛ بل بقدرة الله عزّ وجل، فقد يحفر الإنسان بئراً عميقاً ولا يخرج الماء فليس من كَدِّه ولا فعله، بل هو سبب، فلذلك لا يملكه، وإذا كان لا يملكه فإنه لا يصح بيعه، أما إذا ملكه وحازه وأخرجه ووضعه في البركة، فإنه يجوز بيعه؛ لأنه صار ملكاً له بالحيازة.
إذا قلنا: لا يصح بيع نقع البئر، فلو جاء إنسان وَرَكَّبَ على بئري ما يستخرج به الماء، فهل لي أن أمنعه؟
الجواب: إذا لم يكن في ذلك عليّ ضرر فليس لي أن أمنعه، وإن كان علي ضرر فإن لي أن أمنعه.
والضرر مثل أن أتضرر بكونه يتخطى ملكي إلى البئر، أو بكونه يطلع على عورات النساء، أو بكونه يقلل الماء علي.
فالمهم أنه إذا لم يكن علي ضرر فإن الواجب علي أن أمكنه من أن يضع على بئري ما يستقي به الماء.
قوله: «ولا ما نبت في أرضه من كلأ وشوك» الكلأ هو العشب، والشوك الشجر، فما ينبت في الأرض بفعل الله ـ عزّ وجل ـ فإنه لا يجوز لي أن أبيعه؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار»[(108)] فلا يصح بيع ما أنبته الله ـ تعالى ـ في ملكي من كلأ أو شوك.
فإن كنت أحتاجه لرعي إبلي أو بقري أو غنمي فأنا أحق به، ولي أن أمنع منه؛ لأنني أحق به، أما إذا كنت لا أحتاجه فليس لي أن أمنع من يريد أخذه، إلا إذا كان يلحقني في ذلك ضرر فلي أن أمنعه؛ لأنه لا يمكن أن يُرتَكب الضرر لمصلحة الغير وصاحب الأرض أحق به.
وقوله: «ولا ما نبت في أرضه» علم منه أن ما أنبته الإنسان في أرضه فله بيعه، كما لو غرس نخلاً أو شجراً، أو زرع زرعاً فإنه ملكه له أن يبيعه.
فما نبت في أرضه من الزرع والشجر في بيعه تفصيل:
أولاً: إذا أنبته هو فهو ملكه، ويجوز بيعه، لكن الزروع لا بد أن تشتد كما سيأتي إن شاء الله.
ثانياً: إذا كان من عند الله لم يتسبب فيه، فإنه لا يجوز؛ لأن الناس شركاء فيه وهذا هو القول الأول[(109)].
القول الثاني: أنه إن استنبته فهو له يملكه، ويجوز بيعه، وإلا فلا، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومعنى استنباته أن يحرث الأرض حتى تكون قابلة للنبات إذا نزل المطر، أو أن يدع الأرض لا يحرثها لزرعه الخاص ترقباً لما ينبت عليها من الكلأ والحشيش؛ لأنه الآن باختياره أن يحرث الأرض ولا تنبت إلا ما زرعه هو.
وهذا أشبه ما يكون بالصواب كما قلنا في أحواض الماء التي يعدها لاستقبال الماء، فإذا جاء الماء ونزل فيها صار ملكه.
القول الثالث: أن له بيعه وأن قوله: «الناس شركاء في ثلاث»[(110)] في غير الأرض المملوكة، أما الأرض المملوكة فإن ما نبت عليها يتبعها فيكون ملكاً له، فالأقوال إذاً ثلاثة.
قوله: «ويملكه آخذه» يملكه الضمير يعود على نقع البئر، وعلى ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك، فلو أن رجلاً دخل على بستان شخص وحشَّ الحشيش، وقطع الشجر فإنه يكون ملكاً له؛ لأنه حازه.
فإذا قال صاحب الأرض: لماذا اعتديت على أرضي وأخذته؟
قلنا له: هو أخطأ في اعتدائه، ولكنه ملكه بحوزه، ولهذا قال: «يملكه آخذه» .
وَأنْ يَكُون مَقْدُوراً عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ آبِقٍ وَشَارِدٍ وَطَيْرٍ فِي هَوَاءٍ وسَمَكٍ فِي مَاءٍ، وَلاَ مَغْصُوبٍ مِن غَيْر غَاصِبِهِ، أوْ قَادِرٍ عَلَى أخْذِهِ
قوله: «وأن يكون مقدوراً على تسليمه» هذا هو الشرط الخامس، والضمير في قوله: «يكون» يعود على المعقود عليه سواء كان الثمن أو المثمن، أي: يشترط أن يكون المبيع أو الثمن مقدوراً على تسليمه، أي: يقدر على تسليمه، فيكون كل من البائع والمشتري قادراً على تسلم أو تسليم ما انتقل من ملكه أو إلى ملكه، ودليل هذا الشرط ما يلي:
أولاً: قول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}} [المائدة: 90] ، فبيع ما لا يقدر على تسليمه من الميسر؛ ووجه ذلك أن بيع ما لا يقدر على تسليمه سيكون بأقل من ثمنه الحقيقي؛ لأن المشتري مخاطر قد يحصل عليه وقد لا يحصل، فإذا قدر أن هذا الذي لا يقدر على تسليمه يساوي مائة لو كان مقدوراً على تسليمه، فسيباع إذا كان لا يقدر على تسليمه بخمسين، فيبقى المشتري الآن إما غانماً وإما غارماً، إن قدر عليه فهو غانم، وإن فاته فهو غارم، وهذه هي قاعدة الميسر.
ثانياً: قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}} [النساء: 29] ، ووجه الدلالة أن ما يعجز عن تسليمه لا يرضى به الإنسان غالباً، ولا يقدم عليه إلا رجل مخاطر قد يحصل له ذلك، وقد لا يحصل له.
ثالثاً: حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر، أخرجه مسلم[(111)]؛ ووجه كونه غرراً أن المعجوز عن تسليمه لا بد أن تنقص قيمته، وحينئذٍ إن تمكن المشتري من تسلُّمِه صار غانماً، وإن لم يتمكن صار غارماً، وهذا هو الضرر.
والذي لا يقدر على تسليمه لا شك أنه غرر، إذ قد يبذل المشتري الثمن ولا يستفيد.
رابعاً: ونستدل عليه ـ أيضاً ـ بالنظر الصحيح، وهو أن المسلمين يجب أن يكونوا قلباً واحداً متآلفين متحابين، وهذا البيع يوجب البغضاء والتنافر؛ وذلك أن المشتري لو حصل عليه لكان في قلب البائع شيء يغبطه ويحسده عليه، ولو لم يقدر عليه لكان في قلب المشتري شيء يغبط البائع ويحسده عليه، وكل ما أدى إلى البغضاء والعداوة فإن الشرع يمنعه منعاً باتّاً؛ لأن الدين الإسلامي مبني على الألفة والمحبة والموالاة بين المسلمين.
فصار الدليل على اشتراط هذا الشرط: القرآن، والسنة، والنظر الصحيح.
ثم فرع المؤلف على هذا الشرط فقال:
«فلا يصح بيع آبق وشارد» الآبق هو العبد الهارب من سيده، والشارد هو الجمل الشارد من صاحبه.
فبيع الآبق لا يصح سواء عُلم خبره أم لم يعلم؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، فالبائع لا يستطيع أن يسلمه للمشتري حتى لو علمنا خبره، وأنه أبق إلى البلد الفلاني؛ لأن العثور عليه يصعب، لا سيما مع ضعف السلطان، وعدم استتباب الأمن، وعدم الضبط فيصعب جدّاً أن يناله المشتري[(112)].
وقوله: «فلا يصح بيع آبق» ظاهره سواء كان المشتري قادراً على رده أم غير قادر.
وقيل: إن كان قادراً على رده فإن البيع صحيح؛ لأن الحكم يثبت بعلته ويزول بزوال العلة، فإذا كان هذا الرجل يعلم مكان الآبق، وهو قادر على أخذه بكل سهولة؛ فما المانع من صحة البيع، لكن بشرط ألا يغر البائع، أي: ألاّ يوهمه أنه لا يقدر على العثور عليه؛ وذلك لأنه إذا أعلمه أنه قادر عليه فسوف يرفع السعر، أي: ثمنه، وإذا لم يعلم فسوف يخفض السعر، فلا بد من أن يعلمه.
وقوله: «ولا شارد» الشارد هو الجمل الهارب، وهذا مثال، وإلا فلو أن بقرة هربت أو شاة أو ما أشبه ذلك، وعُجز عنها فهي داخلة في هذا.
قوله: «وطير في هواء» مثل أن يكون عند الإنسان حمام، وليس الآن في مكانه فيبيعه صاحبه، فإن بيعه لا يصح؛ لأنه غير مقدور عليه. وظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح بيعه ولو ألف الرجوع، وكان من عادته أن يأتي في الليل ويبيت في مكانه فإنه لا يصح بيعه؛ وذلك لأنه ـ وإن كان آلفاً للرجوع ـ فقد يُرمى، وقد يهلك، إذ ليس بين أيدينا الآن.
وقيل: إن ألف الرجوع صح البيع، ثم إن رجع، وإلا فللمشتري الفسخ، وهذا القول أصح.
فإذا حضر وأراد البائع ألاَّ يسلمه إياه أجبرناه على تسليمه إياه؛ لأن البيع وقع صحيحاً، وإن لم يحضر فإن للمشتري الفسخ؛ لأن المشتري لم يشتر شيئاً لا ينتفع به، ولا يعود عليه.
قوله: «وسمك في ماء» أي: ولا بيع سمك في ماء ولو كان مرئياً فإنه لا يجوز بيعه.
وظاهر كلام المؤلف ولو كان مرئياً بمكان يمكن أخذه منه؛ لأنه أطلق قال: «سمك في ماء» ، ولكن الصحيح الذي مشى عليه في الروض[(113)]، أنه إذا كان مرئياً يسهل أخذه فإنه يجوز بيعه، كالسمك الذي يكون في برك بعض البساتين، لكن سمك في البحر أو في نهر لا يصح بيعه، أو في مكان ليس بحراً ولا نهراً؛ لكن يصعب أخذه فإنه لا يصح بيعه؛ وذلك لأن هذا السمك ربما ينغرز في الطين فلا يقدر عليه.
قوله: «ولا مغصوب من غير غاصبه أو قادر على أخذه» المغصوب ما أخذ من مالكه قهراً، أي: لا يصح بيع مغصوب من المالك، فلو أن مالك المغصوب باعه على طرف ثالث فإنه لا يصح؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، إلا أن المؤلف استثنى قال: «من غير غاصبه أو قادر على أخذه» فإن كان من غاصبه بأن قال المالك للغاصب: اشتر مني ما غصبتني، فاشتراه فهذا صحيح؛ لأن العلة وهي القدرة على التسليم موجودة؛ إذ أن هذا المغصوب عنده فيصح البيع، لكن بشرط ألاَّ يمنعه إياه بدون البيع، فإن منعه الغاصب إياه إلا بالبيع فالبيع غير صحيح؛ لأنه بغير رضا ومن شرط البيع الرضا، أي: بأن قال الغاصب: أنا لا أرده عليك وأريد أن تبيعه علي، فالمالك باعه عليه اضطراراً؛ لأنه يقول: آخذ العوض، ولا يذهب مالي وعوض مالي فإن البيع لا يصح.
وإن بذل الغاصب ثمناً أكثر من قيمته أضعافاً مضاعفة، وباعه المالك عليه فهل يصح أو لا؟
الجواب: لا يصح ما دام لم يرض حتى لو أعطي أضعافاً مضاعفة؛ لأن المالك ربما لا يرضى أن يبيعه على الغاصب ولو أعطاه أضعاف أضعاف القيمة؛ لأنه يريد أن يتشفى منه، وهو يعرف أنه لو أخذ هذه القيمة اشترى عشرة من جنس ما أخذ منه، لكن يريد أن يحول بين الغاصب وبين جشعه وطمعه، فيقول: أنا لا أبيع أبداً، فهذا نقول: لا يصح البيع ولو كان بأضعاف مضاعفة.
وقوله: «أو قادر على أخذه» أي: على أخذه من الغاصب، مثل أن يغصبه شخص، فيبيعه المالك على عم هذا الشخص القادر على أخذه منه، أو على أبيه فإنه يصح؛ لأن علة صحة البيع وهي القدرة على أخذه موجودة، فإن كان المشتري اشتراه بناء على أنه قادر على أخذه ولكنه عجز فيما بعد، فله الفسخ؛ لأنه تعذر الحصول على مقصودهم.
قوله: «وأن يكون معلوماً برؤية أو صفة» هذا هو الشرط السادس من شروط البيع: أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة، أي: عند البائع والمشتري، فلا يكفي علم أحدهما، والجهل إما أن يكون منهما جميعاً، أو من البائع وحده أو من المشتري وحده، وفي كل الصور الثلاث لا يصح البيع، فلا بد أن يكون معلوماً عند المتعاقدين، ودليل ذلك حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر[(114)]، والمجهول بيعه غرر لا شك.
فإن قيل: لماذا نهي عن الغرر؟
قلنا: لما يحصل به من العداوة والبغضاء والكراهية؛ لأن المغلوب منهما سوف يكره الغالب فلذلك نُهي عن بيع الغرر.
مسألة: هل يشترط أن يكون المشتري عنده علم بالمبيع؟ مثل ما لو كان المبيع جوهراً ـ والجواهر معلوم أن أهلها مخصوصون ـ فأراد أن يبيع هذا الجوهر على شخص لا يعرف الفرق بين الخزف والدر، فظاهر كلام الفقهاء أن ذلك جائز، حتى لو أتاه بحديدة وهو لا يدري ما هي، وظن أن فيها فائدة عظيمة فاشتراها، فالفقهاء يقولون: البيع صحيح، وهو الذي فرط، وقال بعض العلماء: لا بد أن يكون لدى المشتري علم بما يكون له هذا الشيء، وبقيمة هذا الشيء، وهذا لا شك أنه أحوط وأبرأ.
والقائلون بالجواز يقولون: إن البيع صحيح، ولكن الغرر والخطأ يمكن دفعه بخيار الغبن.
وقوله: «وأن يكون معلوماً برؤية أو صفة» أي: أن طرق العلم إما الرؤية وإما الصفة، ولكن هذا فيه قصور، فطرق العلم متعددة: الرؤية، والسمع، والشم، والذوق، واللمس، والوصف.
فالرؤية فيما يكون الغرض منه رؤيته، والسمع فيما يكون الغرض منه سماعه، والشم فيما يكون الغرض منه ريحه، والذوق فيما يكون الغرض منه طعمه، واللمس فيما يكون الغرض منه ملمسه، هل هو لين أو خشن؟ أو ما أشبه ذلك، والوصف سيأتي إن شاء الله.
وَأنْ يَكُونَ مَعْلُوماً بِرُؤيَةٍ أو صِفَةٍ فَإِن اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ، أَوْ رَآهُ وَجَهِلَهُ، أَوْ وُصِفَ لَهُ بِمَا لاَ يَكْفِي سَلَماً لَمْ يَصِح ..
وقوله: «وأن يكون معلوماً برؤية» لم يشترط أن تكون الرؤية للجميع، وعلى هذا فإذا كانت رؤية بعضه دالة على الجميع اكتفي بها ولا بد من هذا؛ لأن كومة الطعام كالتمر أو البر ـ مثلاً ـ لا نرى كل حبة منها لكن نرى بعضها الدال على بقيتها، إذاً المؤلف أطلق ولم يقل برؤية الجميع، فيشمل رؤية الجميع ورؤية البعض الدال على الكل.
وقوله: «برؤية» هذه الرؤية متى تكون؟
الجواب: تكون حين العقد، أي: لا بد أن يراه حين العقد، أو يراه قبل العقد بزمن لا يتغير فيه المبيع تغيراً ظاهراً بعد الرؤية، فمثلاً لو رأى رطباً قبل يومين وعقد عليه البيع الآن، فهل تكفي الرؤية السابقة قبل يومين؟ الجواب: لا، لأنه يتغير، ولو رأى بطيخة قبل يومين ثم عقد عليها البيع اليوم فكذلك لا يصح؛ لأنه في خلال هذه المدة تتغير.
إذاً الرؤية وقتها عند العقد، أو قبله بزمن لا يتغير فيه المبيع.
وقوله: «أو صفة» وهذا طريق العلم بالوصف، والموصوف ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون معيناً.
الثاني: أن يكون في الذمة.
مثال المعين: أن تقول: بعتك سيارتي الفلانية التي صفتها كذا وكذا.
مثال الذي في الذمة: أن تقول: بعتك سيارة صفتها كذا وكذا، فالسيارة هنا غير معينة.
وكلاهما صحيح ولكن يشترط أن تنطبق الصفة.
ودليل الاكتفاء بالوصف، حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: «قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»[(115)]، فالعلم بالمسلم فيه هنا بالوصف؛ لأنه يسلف السنة والسنتين في الثمار، وهي لم تخلق الآن، إذاً يكون العلم بالوصف، ولكن لا بد من شرطين:
الأول: أن يكون الموصوف مما يمكن انضباطه بالصفة.
الثاني: أن يضبط بالصفة.
فالبيع بالصفة أضيق من البيع بالرؤية أو ما يشبهها.
أما ما لا يمكن انضباطه بالصفة، كالجواهر واللآلئ وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز أن يباع بالوصف؛ لأنه يختلف اختلافاً عظيماً، فرب خرزة من اللؤلؤ تساوي ـ مثلاً ـ ألف ريال، وأخرى لا تساوي عشرة ريالات فلا يمكن ضبطها، فلا بد أن يمكن انضباطه بالصفة، ولا بد أن يضبط ـ أيضاً ـ بالصفة بحيث تحرر الصفة تحريراً بالغاً، حتى لا يحصل اختلاف عند التسليم.
وهل يمكن انضباط المصنوعات؟
الجواب: نعم يمكن، ومن أضبط ما يكون الأباريق والفناجيل والأقلام وما أشبهها، فهذه يمكن انضباطها، وقد يكون انضباط المصنوعات أكبر بكثير من انضباط البر والتمر كما هو ظاهر.
لكن إذا قال قائل: الناس يسلمون في الثمار في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ومن المعلوم أن انضباطه بالصفة على وجه دقيق جدّاً أمر لا يمكن إما متعسر وإما متعذر.
قلنا: ما يغتفر فيه الجهالة اليسيرة فإنه لا يضر.
مسألة: هل يصح بيع الأنموذج؟
وهو أن آتي بصاع أو ربع الصاع أو فنجال من البر، وأقول: أبيع عليك مثل هذا الصاع بكذا وكذا، فهذا ضبط بالصفة عن طريق الرؤية، فأنا ما رأيت الكل، لكن رأيت الفنجال، وقال: أنا عندي من الطعام مثل هذا الذي في الفنجال؟
الجواب: في هذا خلاف بين العلماء، منهم من يرى أنه لا يصح[(116)]، والصحيح أن البيع صحيح؛ لأن العلم مدرك بهذا، وما زال الناس يتعاملون به.
قوله: «فإن اشترى ما لم يره» مثاله: قال: بعت عليك السيارة الفلانية بكذا وكذا ولم يرها، أو بعت عليك كتاباً بكذا وكذا وهو لم يره فإنه لا يصح البيع، أما لو وصفه صح البيع إذا كان مما يمكن انضباطه بالصفة، ولهذا قال المؤلف ـ رحمه الله ـ في الروض[(117)]: «ما لم يره بلا وصف»، وقد يقال: إن المؤلف الماتن قصر، وقد يقال: إنه لم يقصر بناء على أن العلم يكون بالرؤية وبالصفة.
قوله: «أو رآه وجهله» أي: قال: بعت عليك ما في هذا الكيس، وهو لا يدري هل هو رمل أو سكر، فلا يصح البيع؛ لأنه لا يدري.
فإن كان يجهل منفعته ولا يجهله هو، بأن باع عليه آلة ميكانيكية لكنه لا يدري ماذا يصنع بها، فهل يقال: إن هذا علْم فيصح البيع، أو يقال: إنه ليس بعلم فلا يصح؟
الجواب: أن هذه الصورة تحتمل الأمرين، فقد يقال: إنها معلومة، وجهل المشتري بكيفية استعمالها لا يعد جهلاً بذات المبيع، بل هو نقص في المشتري العاقد، لا في المعقود عليه.
وقد يقال: بل لا بد من العلم بهذا، فقد يأتي إنسان غرير، ويرى هذه الآلات وهي تشتغل أمامه وتتحرك، ويظن أن هذا شيء يصنع القنابل أو الطائرات فيشتريه بغالي الثمن، وإذا هو لا يصنع ولا الإبرة، فيكون هذا جهلاً عظيماً؛ فلذلك نرى أنه لا بد أن يعلم الإنسان كيف يُنتفع بهذا الشيء، وإلا حصل غرر كبير.
قوله: «أو وصف له بما لا يكفي سلماً لم يصح» لعدم العلم بالمبيع ويأتينا ـ إن شاء الله ـ السلم وما الذي يمكن انضباطه والذي لا يمكن، فإذا وصف بما لا يكفي سلماً فإنه لا يصح البيع.
وقيل: إنه يصح أن يبيع ما لم يره ولم يوصف له، ولمشتر الخيار إذا رآه، فيقول مثلاً: بعت عليك سيارتي، فقال له: ما هذه السيارة؟ قال: إن شاء الله ستراها وتعرفها، قال له: بكم؟ قال: بخمسة آلاف، قال: اشتريت.
فعلى المذهب لا يصح؛ لأنه لم يرها ولم توصف له.
ومذهب أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ أنه يصح البيع ويكون للمشتري الخيار إذا رآه وهذا هو الصحيح، وهو شبيه ببيع الفضولي؛ لأنه إذا كان له الخيار إذا رآه فليس عليه نقص.
فإذا قيل: كيف الطريق إلى تصحيح البيع على القول الأول؟
الجواب: أنه إذا رآه عقد عليه من جديد، وهذا هو الذي تظهر به ثمرة الخلاف بين القولين، فعلى القول بالصحة يكون نماء هذا المبيع ما بين عقد البيع ورؤيته للمشتري، وعلى الرأي الأول يكون النماء للبائع؛ لأن البيع لم يصح.
وَلاَ يُبَاعُ حَمْلٌ فِي بَطْنٍ، وَلَبَنٌ فِي ضَرْعٍ مُنْفَرِدَيْنِ، وَلاَ مِسْكٌ فِي فَأرَتِهِ وَلا نَوَى فِي تَمْرِهِ وَصُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، وفِجْلٌ وَنَحْوُهُ قَبْل قَلْعِهِ .
قوله: «ولا يباع حمل في بطن، ولبن في ضرع منفردين» الحمل في البطن لا يصح بيعه إذا بيع منفرداً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر[(118)]، وهذا غرر فإن الحمل قد يكون واحداً أو أكثر، وقد يكون ذكراً أو أنثى، وقد يخرج حيّاً وقد يخرج ميتاً، فالجهالة فيه كبيرة، ولهذا نقول: إنه داخل في العموم، وهو أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر، وورد النهي عنه بخصوصه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع»[(119)]، ونهى عن بيع حَبَل الحبلة[(120)].
وكذلك اللبن في الضرع لا يصح بيعه؛ لأنه مجهول، ولأن الدابة قد توافق على حلبها وتدر، وقد لا تدر ولا توافق على أن تُحلب، فهناك بعض البقر إذا أرادوا أن يحلبوها منعت إما برفسها برجلها، وإما أن تنطح بقرنها، وإما أن تمنع اللبن فلا تحلب أبداً، فلذلك يكون مجهولاً، ثم إذا قدِّر أنه انتفت هذه الموانع فكم مقداره؟ فيكون مجهولاً، والمسألة بسيطة نقول: بدلاً من أن تشتريه في الضرع انتظر حتى يحلب فهذا أحسن وأسلم.
وقوله: «منفردين» هذه حال من «حمل» ومن «لبن» ، ومفهومه أنهما إذا بيعا مع الأم في الحمل، ومع ذات اللبن في اللبن، فالبيع صحيح بشرط ألا يفردا بعقد، فيقول: بعتك هذه الشاة الحامل وما في بطنها؛ لأن المؤلف اشترط أن يكونا منفردين، فمفهومه إذا كانا تبعاً جاز، وهل إذا قال: بعتك هذه الحامل وما في بطنها هل هذا بيع انفراد؟
نقول: نعم؛ لأنه نص عليه، وهو إنما يجوز إذا كان تبعاً للأم، وكذلك يقال في اللبن، وقد أخذ الفقهاء هذا من قاعدة، وهي «أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً».
قوله: «ولا مسك في فأرته» الفأرة وعاء المسك المنفصل من غزال المسك، فإن من الغزلان ما يسمى بغزال المسك، وذلك على ما حدثنا به شيخنا عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ، أن هذه الغزلان تركض ومع شدة ركضها وشدة تعبها ينزل من بطنها صرة من الدم، ثم تربط هذه الصرة برباط قوي جدّاً بحيث لا يصل إليها الدم الذي هو دم الغذاء، وإذا مر عدة أيام انفصلت من الجلد فأخذوها، فإذا هذا الدم الذي احتقن في هذه الصرة هو المسك، وفي ذلك يقول المتنبي:
فإن تفق الأنام وأنت منهم
فإن المسك بعض دم الغزال
هذا ما ذهب إليه المؤلف أنه لا يصح بيع المسك في فأرته، وهو المذهب؛ لأنه مجهول، والمسك غالٍ إن قدرته بالوزن فقد تكون الفأرة سميكة، وإن قدرته بالحجم فكذلك.
القول الثاني: أنه يصح بيعه في فأرته؛ لأن هذه الفأرة وعاء طبيعي فهي كقشرة الرمانة، ومن المعلوم أن الرمانة يصح بيعها ووعاؤها قشرها، فقد يكون فيه شيء من الشحم كثير، وقد يكون فيه شيء قليل، ثم إن أهل الخبرة في هذا يعرفونه إما باللمس والضغط عليه، أو بأي شيء، وهم يقولون: إن هذا مستتر بأصل الخلقة، وقد تبايعه الناس في كل عصر ومصر من غير نكير، فيقال: أيضاً المسك في فأرته مستتر بأصل الخلقة، وهذا الذي ذهب إليه ابن القيم، فهو مستتر بأصل الخلقة كالبطيخ والرمان وما أشبه ذلك، وهذا هو الصحيح.
قوله: «ولا نوى في تمره» فلو أن إنساناً عنده تمر في وعاء، وقال له آخر: بعني نوى هذا التمر، وقال: نعم أبيعك النوى، فإن البيع لا يصح؛ لأنه كالحمل في البطن. ويصح بيع التمر بنواه، كما يصح بيع الحامل بحملها ولا يصح بيع النوى في التمر؛ لأنه مجهول فيكون داخلاً في بيع الغرر، والنوى يختلف حتى في النوع الواحد، ربما تأكل تمرة فتجد فيها نواة كبيرة، وربما تأكل تمرة من هذا النوع فتجد فيها نواة صغيرة؛ لذلك لا يصح بيع النوى في التمر.
وفهم من قوله: «بيع النوى في التمر» أنه لو أخرج النوى من التمر ثم باعه فالبيع صحيح؛ لأنه معلوم.
قوله: «وصوف على ظهر» لحديث ورد في النهي عنه[(121)]؛ ولأنه جزء من الحيوان أو متصل بالحيوان، فلم يجز بيعه كبيع الجزء من الحيوان كما لو باعه يداً، أو رجلاً، ولأنه يزيد فتكون الزيادة مجهولة، فإذاً عندنا دليل وتعليلان.
مثاله: إنسان عنده شاة فجاءه شخص يغزل الصوف، فقال: بعني ما على شاتك من الصوف فباعه عليه فلا يجوز[(122)].
القول الثاني: أنه يصح بيع الصوف على الظهر بشرط الجز في الحال وألا تتضرر به البهيمة؛ لأنه مشاهد معلوم؛ ولا مانع من بيعه فلا يشتمل البيع على محذور، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه إذا بيع بشرط الجز في الحال فهو كما لو بيع الزرع بشرط الجز في الحال، والنماء الذي قد يحصل يزول باشتراط جزه في الحال.
فإن قال قائل: ما الجواب على الحديث الذي اسْتُدِلَّ به وهو حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ؟.
قلنا الجواب: إن صح الحديث، فإنما نهى عنه؛ لأنه قد يتأذى الحيوان بجزه، ولا سيما إذا جزه في أيام الشتاء فيكون النهي ليس لعلة الجهالة ولكن لعلة الأذى.
وأما القياس وهو أنه متصل بالحيوان، فهو كجزء من أجزائه، فجوابنا على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أننا لا نسلم منع بيع الجزء المعلوم المشاهد، كبيع الرأس مثلاً، وبيع الرقبة، وبيع اليد من العضد فلا نسلم أن بيع هذا حرام؛ لأنه مشاهد معلوم، وليس فيه غرر ولا جهالة.
الوجه الثاني: أنه لا يصح القياس؛ لأن الشعر أو الصوف في حكم المنفصل، فكيف يجعل في حكم الجزء، والعجب أن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ قالوا: إنَّ مس المرأة لشهوة ناقض للوضوء، ومس شعرها لا ينقض الوضوء، قالوا: لأنه في حكم المنفصل!!
فالراجح في هذه المسألة أن بيع الصوف على الظهر جائز، لكن بشرط أن يجز في الحال وألاَّ يلحق الحيوان أذى، أما إذا لحق الحيوان أذى مُنِعَ لا لأنه مجهول، ولكن لأذى الحيوان.
قوله: «وفجل ونحوه قبل قلعه» الفجل معروف، فلا يصح بيعه حتى يقلع من الأرض ويشاهد؛ لأنه مدفون في الأرض فقد يكون كبيراً وقد يكون متوسطاً وقد يكون صغيراً.
وقوله: «ونحوه» مثل البصل والجزر، فكل ما المقصود منه في الأرض فإنه مجهول لا يصح بيعه حتى يقلع، فإذا قلع وصار بارزاً ظاهراً على الأرض فإنه يباع، وهذا ـ أيضاً ـ فيه خلاف بين العلماء.
القول الثاني: أنه يصح بيعه؛ لأنه وإن كان المقصود منه مستتراً فإنه يكون معلوماً عند ذوي الخبرة فيعرفونه، فيمكن أن تأتي للفلاح وتقول: بعني هذه القطعة من الأرض التي فيها البصل أو الثوم أو الفجل بكذا وكذا، وذلك بعد تكامل النماء، فيصح بيعه، وهذا القول أصح، وهو الذي عليه العمل من زمن قديم، ولا يرون في هذا جهالة، ثم إذا قدر أن هناك جهالة فهي جهالة يسيرة لا تكون غرراً، واختار هذا القول شيخ الإسلام وابن القيم ـ رحمهما الله ـ.
وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ المُلاَمَسَةِ والمُنَابَذَةِ وَلاَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيْدِهِ وَنَحْوِهِ، .......
قوله: «ولا يصح بيع الملامسة» الملامسة مفاعلة، والمفاعلة تكون غالباً من طرفين، وهي مأخوذة من اللمس، مثل أن يقول البائع للمشتري: أي ثوب تلمسه فهو عليك بكذا، فلا يصح البيع؛ لأن المشتري قد يلمس ثوباً يساوي مائة أو يلمس ثوباً لا يساوي إلا عشرة ففيه جهل وغرر، وهو يشبه القمار بلا شك إن لم يكن منه.
وهناك معنى آخر للملامسة وهو أن يقول: أي ثوب تلمسه فهو عليك بعشرة، ولو كانت الثياب من نوع واحد وعلى تفصيل واحد، وهذا الوجه مبني على عدم صحة تعليق البيع بالشرط؛ لأن «أي ثوب تلمسه» هذه جملة شرطية، ولكن هذا المثال الأخير إنما يصح على قول من يقول: إن تعليق البيع بالشرط لا يصح، وهي مسألة خلافية، والصحيح أنه يصح تعليق العقد بالشرط.
قوله: «والمنابذة» مأخوذة من النبذ وهو الطرح، مثل أن يقول المشتري للبائع: أي ثوب تنبذه علي فهو بعشرة، فالذي يختاره البائع في هذه الحال أقل ما يمكن، فيكون مجهولاً، وربما ينبذ إليه ثوباً يساوي عشرة ويظن أنه ينبذ إليه ثوباً يساوي مائة، والدليل على عدم الصحة عام وخاص:
أما العام فحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: نهى عن بيع الغرر[(123)]، وهذا الحديث قاعدة عظيمة.
والخاص أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الملامسة والمنابذة[(124)].
وبيع الحصاة مثله لا يصح، وله صورتان:
الصورة الأولى: أن يقول: احذف حصاة فعلى أي شيء تقع فهو بعشرة فحذف الحصاة، فوقعت على علبة كبريت فارغة فيكون بعشرة، وحذف حصاة أخرى، فوقعت على حلي مرصع بالجواهر يساوي آلافاً، ففيه جهالة.
الصورة الثانية: أن يقول: احذف هذه الحصاة فأي مدى بلغته من الأرض فهو لك بكذا وهذا ـ أيضاً ـ مجهول؛ لأنه يختلف الحاذف، فرجل نشيط وقوي إذا رمى أبعد، ورجل آخر دونه، فتختلف الحال، ثم تختلف ـ أيضاً ـ الأحوال باعتبار الريح فقد تكون مقابلة، وقد تكون على جنب وقد تكون مدابرة فتختلف، فبيع الحصاة منهي عنه ولا يصح؛ لأنه غرر وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر[(125)].
مسألة: في بعض الدكاكين كل شيء بخمسة ريالات، كل شيء بعشر ريالات، هل هذا من هذا النوع؟.
الجواب: لا؛ لأنه لن يشتري إلا وقد علم ما أراد، فيقول: أخذت الحقيبة، أخذت الكتاب، أخذت القلم، أخذت الساعة بعشرة فكل شيء معلوم.
مسألة: لو أتى إنسان بكرتون فيه ثياب وطواقٍ وعبايات ونعال كلها مخلوطة، فقال: بعت عليك هذا الكرتون كل فرد منها بدرهم، فلا يصح؛ لأنه مجهول، لكن لو قال: فيه عشر من النعال، وعشر من الطواقي، وعشر من الثياب، وعشر من العبايات، وكل واحد بكذا فهذا يصح؛ لأنه معلوم لكنه يحتاج إلى حساب، أما إذا كان لا يعلم قدر كل شيء فهذا لا يصح.
قوله: «ولا عبد من عبيده ونحوه» أي: لا يصح أن يبيع عبداً من عبيده؛ وذلك لعدم التعيين فلا بد أن يكون المبيع معيناً فإذا لم يعين فإن البيع لا يصح، مثاله: إنسان عنده مائة عبد، وهذا قد يحصل، فالزبير ـ رضي الله عنه ـ كان عنده ألف عبد، وكان يخارجهم، أي: يعطيه كل واحد منهم كل يوم درهماً، فكانوا يأتونه كل يوم بألف درهم، ويقول الباقي لكم، فهذه تسمى مخارجة، والمخارجة أن يقول السيد لعبده: ائتني كل يوم بدرهم، وما زاد فلك فهذا جائز، لكن إذا لم يحصّل الدرهم لا يلزمه به؛ لأنه إذا ألزمه به كان غير جائز.
وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه لا يصح البيع ولو كانت القيمة واحدة، وهذا فيه خلاف بين أهل العلم.
فإن منهم من قال: إذا تساوت القيم صح البيع، وفي هذا القول ـ أيضاً ـ شيء من النظر؛ لأنها قد تتساوى القيم مع اختلاف الصفات، فمثلاً هذا قيمته مائة لأنه سمين، والثاني قيمته مائة؛ لأنه حامل، والثالث قيمته مائة لأنه كبير الجسم، فتساوي القيم في الواقع لا يرفع الجهالة إذا كان المقصود عين المبيع، أما إذا كان المقصود التجارة فإنه إذا تساوت القيم فلا جهالة؛ لأن التجارة يُراد بها الثمن أو القيمة، فإذا تساوت القيم فلا بأس أن نقول: إنه يصح البيع إذا كان المقصود التجارة، أما إذا كان المقصود عين المبيع فإنه لا بد أن يُعيّن، وتساوي القيم قد يحصل مع اختلاف الأغراض.
مثال آخر: هذه شاة حامل ولكنها هزيلة، وهذه شاة سمينة ولكنها صغيرة الجسم، وهذه شاة كبيرة الجسم ولكنها هزيلة.
والقيم متساوية فالحامل رفع قيمتها الحمل، والصغيرة السمينة رفع قيمتها السمن، والكبيرة الجسم القليلة اللحم رفع قيمتها كبر الجسم، والإنسان قد يكون له غرض في الحامل دون السمينة أو بالسمينة دون الحامل، أو بالسمينة دون الكبيرة الجسم.
إذاً يمكن أن يبيع عبداً من عبيده إذا لم يفت الغرض، وأما إذا فات الغرض فلا بد من التعيين.
مسألة: يوجد الآن بيع يتبايعه الناس يكون عنده كومة من الحبحب، فلو قال لك: بعت عليك واحدة من هذه الكومة بريالين، تخير، فعادة الناس الآن أن البيع صحيح نافذ وأن المشتري إذا أخذ الحبة التي يريدها، أجازها البائع أو منع، لكن البائع قد عرف أن أعلى ما يكون من ثمن هذه المجموعة أن يبلغ ريالين، ويعلم أنه غير مغبون فمثل هذا ينبغي أنه يقال بالصحة؛ لأن الناس تعارفوا على هذا البيع ولا يرون فيه جهالة ولا غرراً، والأصل في المبايعات والعقود الحل والصحة، وكذلك بيع شاة من قطيع، يأتي إلى قطيع من الغنم ويقول: اختر ما شئت بمائة ريال، هذه ـ أيضاً ـ جرى بها العرف، وهو إذا اختار فإن البائع يعلم أن أعلى ما يكون بمائة ريال.
وَلاَ اسْتِثْنَاؤُهُ إِلاَّ مُعَيَّناً وَإِن اسْتَثْنَى مِن حَيوانٍ يُؤكَلُ رَأسَهُ وَجِلْدَهُ وَأطْرَافَهُ صَحَّ وَعَكْسُهُ الشَّحْمُ، والحَمْلُ وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا مَأكُولُهُ فِي جَوفِهِ كَرُمَّانٍ وَبَطِّيخٍ، وَبَيعُ البَاقِلاَّء وَنَحْوِهِ فِي قِشْرِهِ والحَبِّ المُشْتَدِّ فِي سُنْبُلِهِ....
قوله: «ولا استثناؤه إلا معيناً» أي: لا يصح استثناء عبد من العبيد إلا معيناً، فلو قال: بعتك هؤلاء العبيد إلا واحداً، فالبيع غير صحيح للجهالة.
قالوا: لأن جهالة المستثنى تستلزم جهالة المستثنى منه؛ إذاً استثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولاً.
مثاله: أمامنا عبيد عشرة، فالمستثنى منه الآن معلوم، لكن إذا استثنينا واحداً أصبح المبيع مجهولاً؛ لأن هذا الواحد ربما تكون قيمته نصف قيمة هذا المجموع، وعلى هذا فلا يصح هذا الاستثناء.
والخلاص إذا أردنا أن نستثني واحداً أن أعيِّن، فأقول: إلا العبد المسمى محمداً، أو المسمى عبد الله، أو ما أشبه ذلك، وبهذا يرتفع المحذور.
ولو قال: بعتك هؤلاء العبيد إلا هذا وأشار إليه؟ فالبيع صحيح؛ لأنه أصبح معيناً بالإشارة.
قوله: «وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسَه وجلده وأطرافه صح» «رأسَه» مفعول لاستثنى؛ ولهذا لو قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: «وإن استثنى رأس حيوان مأكول»، لكان أحسن للعبارة وأوضح.
فقوله: «وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه صح» أي: فيصح هذا الاستثناء لأنه معلوم، فالرأس أمامنا كأنه كومة من لحم، والأطراف ـ أي الأكارع ـ والجلد كذلك، وإن كان يختلف أحياناً في الرقة واللين، أو الثخانة والشفافة، لكنه اختلاف يسير مغتفر.
فإذا قال: بعتك هذه الشاة إلا رأسها فالبيع صحيح، ولكن المشكل إذا طالب البائع بالرأس وأبى المشتري أن يذبحها فماذا نعمل؟
نقول: إن اشترط ذبحها أجبر عليه، وإن لم يشترط ذبحها فإنه يبقى له، وإذا أراد المشتري أن يبيعها، يبيع الشاة إلا رأسها؛ لأن رأسها ليس له.
في هذه الحال لو قيل: إذا أبى أن يذبح فإن إبقاء الشركة ضرر فيبقى النزاع دائماً، ففي هذه الحال نقومه ونجبر البائع على قبول التقويم، فننظر كم يساوي الرأس لو انفرد، فإذا كان يساوي ريالين، وقيمة الشاة مائة ريال ففي هذه الحال نجبر البائع، ونقول له: خذ هذه قيمة الرأس وتبقى الشاة كلها للمشتري، وكذلك يُقال في الأكارع والجلد.
ولو استثنى من حيوان يؤكل أَلْيته، والأَلْية تكون في الضأن هل يجوز أو لا؟
الجواب: على قياس الرأس يجوز؛ لأن هذا عضو مستقل معلوم بالمشاهدة فيصح.
ولو استثنى من العنز ذيلها فهل له قيمة؟ الجواب: ليس له قيمة الآن، وعلى كل حال إذا استثنى صح لكن ليس له قيمة.
وقوله: «إن استثنى من حيوان يؤكل» ، «يؤكل» صفة للحيوان، فلو أنه استثنى من حيوان لا يؤكل، مثل أن يقول: بعت عليك هذا الحمار إلا رأسه، لم يصح؛ لأنه لا يستفيد من الرأس شيئاً، ولا يستفيد من الرأس إلا الأكل، والأكل محرم، والمحرم لا قيمة له، وعلى هذا فلا بد أن يكون الذي استثنى منه رأسه وجلده وأطرافه مما يؤكل.
مسألة: لو أن المشتري اشترى الشاة إلا رأسها استثناه البائع، فلما ذهب المشتري بالشاة وجد أن الشاة عوراء، والعور عيب تنقص به القيمة، فقال المشتري: أنا أريد أن أفسخ البيع؛ لأنها عوراء، فقال البائع: العور في الرأس، والرأس لي فليس لك الفسخ.
نقول: بل له الفسخ؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» [(126)]، فلا بد أن يكون هذا العيب مؤثراً في بقية البدن، وإذا قُدر أنه لم يؤثر لكونه برأ وانتهى فإنه يؤثر في القيمة، فأنا اشتريتها منك بمائة على أنها سليمة، وإذا كانت عوراء فستكون بثمانين فتنقص القيمة، وعلى هذا فنقول: إن للمشتري الفسخ بعيب يختص بالمستثنى، ولا يمكن للبائع أن يقول: هذا فيما استثنيت، ولا يمكن أن ترجع، والدليل الحديث، وإذا قدر أنه قد زال أثر هذا العيب فنرجع إلى التعليل بالقيمة.
قوله: «وعكسه الشحم» فلا يصح استثناء الشحم إذا باع الحيوان؛ وذلك لعدم العلم به؛ لأنه مجهول إذ هو مختلط باللحم، ولا يمكن العلم به إلا بعد أن تذبح ويكشط ويميز، أما وهي كذلك فإنه لا يمكن العلم به، ولهذا لو قال: بعت عليك هذه الشاة إلا شحمها فالاستثناء غير صحيح، وإذا لم يصح الاستثناء لم يصح البيع.
قوله: «والحمل» فاستثناء الحمل ـ أيضاً ـ لا يصح، مثل أن يبيع عليه شاة حاملاً، وقال: بعتك هذه الشاة الحامل إلا حملها؛ لأن البائع يعرف أنها شاة طيبة، وسيكون نتاجها طيباً فلا يصح الاستثناء؛ لأن الحمل مجهول، وهذا هو المذهب، وهو أحد القولين في المسألة.
والقول الثاني: صحة استثناء الحمل؛ لأن الحمل جزء منفصل، وإذا استثنيت الحمل فكأنني بعت عليك شاة حائلاً ليس فيها حمل.
فإن قال قائل: هذا يضاد نهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الحمل[(127)]، قلنا: لا، لا يضاد، وحاشا لله أن نقول قولاً يضاد قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم مع علمنا بذلك، ولكن الفرق أن بيع الحمل بيع معاوضة كل يشاح الآخر فيه، أما الاستثناء فهو استبقاء؛ لأن البائع لم يبع شيئاً، والمشتري لم يشتر شيئاً، غاية ما فيه أن البائع استبقى الحمل، والاستبقاء معناه عدم نقل الملك في الحمل، وهذا لا يضر المشتري شيئاً.
فالصواب: جواز استثناء الحمل.
فإن قال قائل: يمكن أن يكون الحمل اثنين أو ثلاثة، قلنا: لا يضر؛ لأنه لا معاوضة فيه، غاية ما هنالك كأنه باع عليه حيواناً حائلاً، وهذا أعني استثناء الحمل يقع كثيراً في الخيل، ويقع ـ أيضاً ـ في البقر، ويقع في الإبل، وربما يقع في الغنم فتكون هذه الأم كثيرة النتاج كثيرة اللبن وفي الخيل سريعة العدو، فيريد أن يأخذ من نتاجها.
مسألة: إذا استثنى شيئاً معيناً منه، مثاله:
قال: بعتك هذه الشاة إلا رطلاً من لحمها، فالفقهاء يقولون: لا يجوز؛ لأن الرطل معلوم واللحم مجهول، واستثناء المعلوم من المجهول يُصيره مجهولاً.
ولكن الصحيح أنه إذا كان المستثنى قليلاً بالنسبة لبقية الحيوان فإن البيع يصح؛ لأن رطلاً من اللحم، والحيوان مائة رطل، لا ضرر ولا غرر فيه.
لكن لو قال: بعتك هذه الشاة إلا ثلاثين رطلاً من اللحم، واللحم قد يكون ثلاثين رطلاً وقد يكون أقل، فهنا الاستثناء غير صحيح؛ لعدم التمكن من استيفائه، أما إذا كان يمكن استيفاؤه كرطل من اللحم أو قطعة من الفخذ أو قطعة من العضد فلا حرج في ذلك، ولهذا نقول: إذا استثنى شيئاً معيناً يمكن إدراكه وتحصيله فلا بأس به.
ولو استثنى الكبد فقال: بعتك هذه الشاة إلا كبدها، المذهب لا يصح، والصحيح أنه يصح؛ لأن هذا الاستثناء استبقاء.
فإذا قال قائل: ربما تكون الكبد كبيرة أو صغيرة.
قلنا: نعم هذا وارد، لكن هذا استبقاء، وهو جزء منفصل منفرد معلوم.
قوله: «ويصح بيع ما مأكوله في جوفه كرمان وبطيخ» ومثله: البرتقال، والفواكه، والبيض، فيصح بيع ما مأكوله في جوفه؛ لأنه جرت العادة بذلك، وتعامل الناس به من غير نكير؛ ولأن في فتحه إفساداً له، والنبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن إضاعة المال وإفساده[(128)].
فلو قيل: لا تبع البيض إلا إذا فقشته أو لا تبع البرتقال إلا إذا فتحته لخرب وفسد، لكن لو قال المشتري: أنا لا أشتري حتى تفتح البطيخة، وهو ما يسمى عندهم بالعرف (على السكين) فهل يصح؟.
نقول: نعم يصح؛ لأن هذه صفقة معينة، فيوجد بعض الباعة الآن ولا سيما باعة الحبحب يفتح واحدة منها، وينشرها أمام الناس، فيراها الناس حمراء، أي: جيدة، فهذا يشبه بيع الأنموذج، فإذا اشترى واحدة ثم ذهب بها إلى البيت وفتحها وإذا هي بيضاء فهل له أن يرجع عليه؟ الظاهر له أن يرجع، وهذا وإن لم يكن شرطاً لفظيّاً فهو شرط فعلي، كأن هذا البائع يقول للناس: إن هذا الحبحب على هذا الشكل.
قوله: «وبيع الباقلاء ونحوه في قشره» الباقلاء هي الفول، والحمص، والجوز، واللوز معروفة، فكله مأكوله في جوفه.
قوله: «والحَب المشتد» أي: الذي صَلُب.
قوله: «في سنبله» «في» هنا بمعنى مع، فإن باع الحب وحده دون قشره فعلى رأي المؤلف لا يصح يقول: لأنه كبيع النوى في التمر، وقد تقدم أن بيع النوى منفرداً لا يجوز، فإذا بيع الحب في قشره منفرداً لا يجوز.
والدليل على صحة بيع هذه الأشياء مع قشرها ما يلي:
أولاً: السنّة وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: نهى عن بيع الحب حتى يشتد[(129)]، فالحب هو البر والشعير ونحوهما، نهى عن بيع ذلك حتى يشتد، ومعلوم أنه بمفهوم الحديث أنه إذا اشتد جاز بيعه، ومأكول السنبل في جوفه.
ثانياً: دعاء الحاجة إلى ذلك.
ثالثاً: تعامل الناس بذلك من غير نكير.
رابعاً: لأن فتحها يكون سبباً لفسادها.
وَأن يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُوماً فَإِنْ بَاعَهُ بِرَقْمِهِ، أَوْ بِألْفِ دِرِهَمٍ ذَهَباً وَفِضَّةً، أَوْ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ، أَوْ بِمَا بَاعَ بِه زَيْدٌ وَجَهِلاَهُ أو أحَدُهُمَا لَمْ يَصِح.
قوله: «وأن يكون الثمن معلوماً» هذا هو الشرط السابع، أن يكون الثمن معلوماً، برؤية أو صفة أو عدّ أو وزن، وما أشبه ذلك، والفرق بين المبيع وبين الثمن، قيل: الثمن ما كان من النقدين، أي: من الدراهم والدنانير، فإذا قلت: بعت عليك هذا الثوب بدرهم فالثمن درهم، وإذا قال: بعت عليك هذا الدرهم بثوب فالثمن الدرهم.
وقال بعض العلماء: الثمن ما دخلت عليه الباء، فإذا قلت: بعت عليك ثوباً بدرهم فالثمن الدرهم، وإذا قال: بعت عليك درهماً بثوب فالثمن الثوب، وبعت عليك قلماً بساعة، فالثمن الساعة، وبعت ساعة بقلم فالثمن القلم، وهذا هو الأظهر حتى في عرف الناس أن الثمن ما دخلت عليه الباء.
فيشترط أن يكون الثمن معلوماً كما يشترط أن يكون المبيع معلوماً، والدليل حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر»[(130)]؛ ولأنه أحد العوضين، فاشترط فيه العلم كالعوض الآخر، وإنما قلت بهذا القياس؛ لأن العوض الآخر قد وردت أحاديث في عين المبيع المجهول كبيع الحمل مثلاً[(131)].
مسألة: لو قال: اشتريت منك هذا البيت بهذه الكومة من الدراهم فهل يصح البيع؟
يقول الفقهاء: إن ذلك صحيح؛ لأن الثمن هنا معلوم بالمشاهدة، مع أن هذا فيه غرر كبير، وكذلك لو قال: اشتريت منك هذه السيارة بهذه الربطة من الأوراق النقدية فئة خمسمائة ريال، فعلى المذهب يصح؛ لأنه معلوم بالمشاهدة، ولكن هذا غير صحيح؛ لأنه يختلف حتى الأوراق التي استعملت غير الأوراق الجديدة، فالأوراق الجديدة صغيرة السُّمْك ولكنها كثيرة العدد والعكس بالعكس، ولو قال: اشتريت منك هذه السيارة بوزن هذا الحجر ذهباً فعلى المذهب يجوز؛ لأن هذا مشاهد، ولو قال: اشتريت منك هذا البيت بملئ هذا الإناء فضة جاز على المذهب؛ لأنه مشاهد وأنا ذكرت هذا لأنه ذكره في «الروض»[(132)]، وكل هذا ضعيف وفيه من الغرر ما هو ظاهر، ويدخل في حديث أبي هريرة بلا شك.
قوله: «فإن باعه برقمه» أي: بما كتب على السلعة من الثمن كما يفعل الناس في الأدوية مثلاً؛ لأنه مجهول إما للبائع وإما للمشتري أو لهما جميعاً، فهل يمكن أن يكون مجهولاً للجميع؟
الجواب: يمكن أن تكون هذه البضاعة واردة مكتوباً عليها قيمتها من قبل المسؤولين، والبائع والمشتري كلاهما لا يدري.
هل يمكن أن يكون معلوماً للبائع مجهولاً للمشتري؟
الجواب: يمكن.
وهل يمكن أن يكون معلوماً للمشتري مجهولاً للبائع؟ يمكن، فإذاً لا بد أن يكون معلوماً، فإذا باع بالرقم فإنه لا يصح البيع، وهذا هو المذهب.
القول الثاني: أنه يصح البيع بالرقم إذا كان من قبل الدولة، بل هذا ربما يكون أشد اطمئناناً للبائع والمشتري، أما إذا كان البائع نفسه هو الذي يرقم ما شاء على سلعته، فهذا لا بد أن يكون معلوماً.
مثاله: إنسان مسعر للساعات، كتب ورقة صغيرة على الساعة سعرها خمسمائة ريال، قال المشتري: كم تبيعها؟ قال له: برقمها فلا يصح؛ لأن هذا البائع ربما يرقم عليها أضعاف أضعاف القيمة، لكن إذا علمنا أن هذا مقدر ومرقوم من جهة مسؤولة، فإنه لا شك في جواز البيع بالرقم.
لو قال البائع عندما سأله المشتري: كم القيمة؟ قال: برقمها فنظر المشتري، وإذا الرقم كثير فأبى أن يشتريها بذلك جاز، وإن نظر إلى رقمها وإذا هو مناسب فقال: قبلت صح؛ لأنه الآن عُلمَ الرقم.
وقوله: «باعه برقمه» أي: برقم لا يعرف حين العقد.
قوله: «أو بألف درهم ذهباً وفضة» هذه المسألة لها صورتان:
الأولى: أن يقول: بعتك بألف ذهباً وفضة.
الثانية: أن يقول: بعتك بألف درهم ذهباً وفضة.
والمذهب لا يصح في الصورتين، وقيل: يصح في الصورتين ويحمل على المناصفة فتكون القيمة خمسمائة درهم وخمسمائة دينار، لكن لو قال: بألف درهم ذهباً وفضة لا ندري كم سيعطي ربما يعطي أكثرها ذهباً والباقي فضة أو بالعكس فلا ندري.
لكن لو قال قائل: إذا كانت الدراهم والدنانير مقررة، كل اثني عشر درهماً يعادل ديناراً، فإذا قال: بعتك بألف درهم ذهباً وفضة صار معلوماً، سواء من الدنانير أو الدراهم صح.
لكن قد يكون له غرض في أن يكون أكثر الثمن دنانير أو أكثر الثمن دراهم، فيكون له غرض صحيح، وعلى هذا فقول المؤلف: إنه لا يصح قول صحيح، حتى لو فرض أن قيمة الدراهم من قيمة الدنانير لا تتغير، فإنه قد يكون له غرض في تعيينها.
والخلاصة : أنه لو قال: بعتك بألف ذهباً وفضة، فالبيع صحيح ويحمل على المناصفة، وإذا قال بألف درهم ذهباً وفضة لا يصح؛ لأنه ربما يجعل الأكثر ذهباً والأقل فضة أو بالعكس، وكذلك لو قال: بمائة دينار ذهباً وفضة لا يصح للجهالة.
قوله: «أو بما ينقطع به السعر» قال: أبيعك إياه بما يقف عليه في المساومة فإنه لا يصح[(133)]؛ لأننا لا ندري هل يقف على ثمن كثير أو على ثمن قليل، وربما يأتي شخص يناجش فيرتفع الثمن، وربما يكون الحضور قليلين فينقص الثمن؛ ولهذا لا يصح أن يبيعه بما ينقطع به السعر.
وقيل: إنه يصح، وأن بيعه بما ينقطع به السعر أشد طمأنينة من بيعه بالمساومة؛ لأن الإنسان يطمئن فيقول: ما دام الناس وقفوا على هذا السعر فذلك يدل على أن القيمة مطابقة، ولكن في النفس من هذا شيء.
والأقرب: أنه لا يصح بما ينقطع به السعر؛ وذلك لأن ما ينقطع به السعر مجهول، فلو حصل مناجشة زاد، ولو قل الحاضرون نقص، فالجهالة إذاً موجودة، ولهذا ينبغي ألاَّ يباع بما ينقطع به السعر.
قوله: «أو بما باع به زَيد وجهلاه أو أحدهما لم يصح» لأن بيع زيد مجهول، وهذا هو المذهب. وقيل: يصح لأنه يمكن معرفته بالرجوع إلى زيد، وقيل: إن كان زيد ممن يعتبر بتقديره الثمن، فإن البيع بما يبيع به صحيح، فمثلاً: زيد مشهور بالبلد معروف أنه هو الذي يعرف الأسعار، فقال البائع: أبيعك كما يبيع زيد.
فالقول الثالث: أن ذلك صحيح؛ لأن هذا أوثق ما يكون، أي: اعتبار الناس بالرجل المشهور الذي قد نصب نفسه لبيع البضائع، أكثر من اعتبارهم ببيع المساومة.
فالصحيح في هذه المسألة أنه يصح، أما إذا كان زيد من عامة الناس الذين لا يعرفون التجارة فلا يصح أن يقول: بعتك بما باع به زيد؛ لأن زيداً قد يُغبن فيشتري بأقل أو بالعكس.
وَإِنْ بَاعَ ثَوْباً أَوْ صُبْرَةً، أَوْ قَطِيعاً كُلَّ ذِرَاعٍ أَوْ قَفِيزٍ أَوْ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ وَإِن بَاعَ مِنْ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ بِمَائَةِ دِرْهَمٍ إِلاَّ دِينَاراً وَعَكسُهُ
قوله: «وإن باع ثوباً» الثوب يراد به المخيط وغير المخيط، والغالب أنه في غير المخيط.
قوله: «أو صُبرة» الصبرة هي الكومة من الطعام.
قوله: «أو قطيعاً» وهو الطائفة من الغنم.
قوله: «كل ذراع» يعود على الثوب.
قوله: «أو قفيز» يعود على الصبرة، والقفيز نوع من المكاييل.
وقوله: «أو شاة» يعود على القطيع، ففي الكلام إذاً لف ونشر مرتب؛ لأنه أجمل في الأول، ثم فصل على الترتيب.
قوله: «بدرهم صح» وإن لم يعلما القدر؛ لأنه باع الجملة، وجعل هذا التحديد تقديراً للثمن، أما المبيع فمعلوم.
مثاله: إنسان عنده قطيع من الغنم، فقال: بعتك هذا القطيع كله، كل شاة بدرهم، صح؛ لأن المبيع معلوم، وتقديره بالشاة أي بالواحدة من أجل معرفة قدر الثمن فيصح، وهذا القطيع ربما يكون فيه مائة رأس، أو مائتان، فلا يضر هذا؛ لأنه معلوم بالمشاهدة، وكوني أحدد الثمن على كل رأس إنما هو لتقدير الثمن فقط.
ومثل ذلك ـ أيضاً ـ إذا باع عليه الصبرة كلها كل قفيز، وإن شئت فقل كل صاع بدرهم فلا بأس.
وكذلك لو باعه الثوب المتر بكذا وكذا، فهذا جائز.
قوله: «وإن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم» أي: إن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم، أو من الثوب كل ذراع بدرهم، أو من القطيع كل شاة بدرهم فهنا لا يصح البيع؛ لأن «مِنْ» للتبعيض فلا ندري هل يأخذ من هذا القطيع شيئاً كثيراً أو شيئاً قليلاً، فعاد الأمر إلى جهالة المبيع؛ لأنه قد يأخذ من القطيع مثلاً خمسين رأساً أو عشرين رأساً أو كل القطيع، فهو مجهول فلهذا لا يصح.
والفرق بين المسألتين: أنه في الأولى وقع البيع على الجميع، وكون كل واحد بكذا إنما هو لمعرفة قدر الثمن، فالمبيع الآن معلوم.
وفي المسألة الثانية يقول: من القطيع كل شاة بدرهم، «من» للتبعيض، فلو أخذ من القطيع ـ الذي عددُهُ ألفٌ ـ ثلاثاً لم نلزمه بأكثر من ثلاث؛ لأنه قال: «من»، ومن تأتي للتبعيض، والحكم كذلك فيما لو أخذ أكثر، فلا أدري ماذا يأخذ من القطيع فهو مجهول لي، هذا هو الفرق.
والقول الثاني في المسألة الثانية: أن هذا صحيح؛ وذلك لأن البائع قد اطمأن على أنه ربما يأخذ المشتري جميع القطيع، وأنه أتى بـ «من» للتبعيض لأجل أن يكون المشتري بالخيار، إن شاء أخذ كثيراً، وإن شاء أخذ قليلاً، ثم إن المسألة ستعلم، فإذا قال: أنا أريد عشرة من القطيع عُلم، فيصح، وهذا مثلها لأنه مثل الإجارة، لو قال: استأجرت منك هذا البيت كل سنة بمائة درهم فإنه يجوز، وقد روي عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه استؤجر على أن يسقي بستاناً كل دلو بتمرة[(134)]، فإذا صح هذا في الإجارة صح في البيع؛ لأن كلًّا منهما يشترط فيه العلم.
وهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة، أنه إذا باعه من القطيع كل شاة بدرهم، أو من الثوب كل ذراع بدرهم، أو من الصبرة كل قفيز بدرهم، فإن البيع صحيح كما لو باعه الكل، وقد ذكرنا سابقاً أن الناس جرت عادتهم أن المشتري إذا جاء إلى القطيع، وقال له صاحب القطيع: خذ ما شئت ـ مثلاً ـ شاتين أو ثلاثاً أو أربعاً تخير، فيأخذ واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً ويمشي، والناس يتبايعون بهذا، وعليه العمل، فالصواب إذاً صحة ذلك في هذا وفي هذا.
قوله: «أو بمائة درهم إلا ديناراً» لم يصح.
قوله: «وعكسه» بأن باعه بدينار إلا درهماً لم يصح، هاتان مسألتان:
المسألة الأولى: إذا باعه بمائة درهم إلا ديناراً فإنه لا يصح؛ لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه، فإذا باعه بمائة درهم إلا درهماً، صح البيع؛ لأن المستثنى من جنس المستثنى منه.
وبمائة درهم إلا ديناراً لا يصح، ولو قال: نقدر قيمة الدينار ونسقطه من الدراهم، فمثلاً بعدما يتم البيع نقول: كم يساوي الدينار؟ قال: يساوي عشرة دراهم فيكون البيع بتسعين فلماذا لم يصح؟
قالوا: لأننا قد نقدر قيمته فربما يكون أكثر أو أقل، وبناءً على هذا نقول: إذا كانت الدراهم والدنانير معلومة القيمة، بمعنى أنها مقررة من قبل الدولة بأن عشرة الدراهم دينار، فقلت: بعت بمائة درهم إلا ديناراً، فإن البيع يكون صحيحاً لزوال الجهالة، وربما يكون هذا مراد الأصحاب ـ رحمهم الله ـ أنه إذا كانت قيمة الدينار غير معلومة، أما إذا كانت معلومة فإن الثمن سيكون معلوماً.
الثانية: بعتك هذا الشيء بدينار لا درهماً لا يصح البيع على كلام المؤلف؛ لأن قيمة الدرهم المستثنى غير معلومة بالنسبة للدينار، والمستثنى من غير جنس المستثنى منه فلا يصح، وبناءً على ما قررنا نقول: إذا كانت نسبة الدراهم إلى الدنانير لا تختلف فالبيع صحيح.
وكيف نأخذ الثمن من المشتري؟
نقول: إذا كان الدينار يساوي عشرة دراهم يكون البيع بتسعة، والأمر واضح.
والحاصل : أنه إذا استثنى أحد النقدين من الآخر فالبيع على المذهب غير صحيح، ونقيد ذلك بما إذا كانت القيمة قابلة للزيادة والنقص، أما إذا كانت القيمة مقررة بحيث يكون كل عشرة دراهم ديناراً فالاستثناء صحيح.
أَوْ بَاعَ مَعلُوماً وَمَجْهُولاً يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ وَلَمْ يَقُلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِكَذَا لَمْ يَصِحَّ فَإِن لَّمْ يَتَعذّرْ صَحَّ فِي المَعْلوِمِ بِقِسطِهِ ...
قوله: «أو باع معلوماً ومجهولاً يتعذر علمه ولم يقل: كل منهما بكذا، لم يصح» فإن قال: كل منهما بكذا صح.
مثاله: قال: بعتك هذه الناقة وما في بطن ناقة أخرى بألف درهم، فالثمن الآن معلوم، والمبيع بعضه معلوم وبعضه غير معلوم، يتعذر علمه الآن؛ لأنه حمل.
إذاً نقول: إن قال: كل منهما بكذا صح، بأن قال: بعتك هذه الناقة وما في بطن ناقة أخرى بألف درهم، فهذه الناقة بثمانمائة والحمل بمائتين يصح؛ لأن هذا ليس فيه جهالة، لكن بيع الناقة وما في بطن الأخرى بألف لا يمكن أن نقسم الثمن عليهما؛ لأن قيمة الحمل الذي في بطن الناقة الأخرى مجهول، ولا يمكن أن نصل إلى قيمتها فيبقى الثمن الآن مجهولاً، وهذا واضح.
فإن قال: بعتك هذه الناقة وحملها بمائة، هي بثمانين والحمل بعشرين يقولون: إنه لا يصح؛ لأن الحمل لا يصح بيعه إلا تبعاً، فإذا قلت: هذه الناقة بثمانين والحمل بعشرين صار الآن مستقلاً فلا يصح بيعه، كما لا يصح بيع حمل الناقة الأخرى في المثال الأول وتبقى الأم بثمانين.
قالوا: إذا صححنا البيع في الأم دون الحمل، صار كبيع الحامل مع استثناء حملها، وقد سبق أن بيع الحامل مع استثناء حملها على المذهب لا يصح، وبناءً على ما رجحناه من أن الإنسان إذا باع حاملاً واستثنى الحمل، فالبيع صحيح فإنه يصح هنا.
قوله: «فإن لم يتعذر صح في المعلوم بقسطه» أي: إن لم يتعذر علم المجهول صح في المعلوم بقسطه؛ لأنه يمكن أن يقسط الثمن على المعلوم وعلى المجهول، ويعرف ثمن المعلوم.
مثال ذلك: باع عليه السيارة الموجودة الآن هنا، وسيارة أخرى غائبة، فالسيارتان بعشرة آلاف، فالسيارة الأخرى الغائبة مجهولة، فيصح في الحاضرة، والغائبة لا يصح فيها البيع؛ لأنها مجهولة.
وكيف نقسط الثمن؟.
نقدر كم قيمة الموجودة بين أيدينا، فإذا كانت: قيمتها عشرة، وقيمة الأخرى خمسة، نوزع الثمن أثلاثاً، ثلثاه للحاضرة، وثلثه للغائبة، فصار يقسط الثمن على المعلوم الحاضر وعلى المجهول الغائب، ويؤخذ ثمن المعلوم الحاضر وذاك يسقط؛ لأنه لم يصح فيه البيع.
فصار بيع المعلوم مع المجهول ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يتعذر علم المجهول.
الثاني: ألا يتعذر.
إن تعذر علمه فالبيع لا يصح ما لم يقدر لكل منهما ثمناً، وأما إذا لم يتعذر علمه وهو القسم الثاني فإنه يصح في المعلوم بقسطه، ونسقط قيمة المجهول من الثمن.
وهذه تسمى تفريق الصفقة، وهذه إحدى الصفقات الثلاث، لأن عندهم ثلاث صفقات يصح البيع فيها بما يصح عقد البيع عليه، ولا يصح في الباقي، فهذه المسألة إذا تعذر صح في المعلوم بقسطه هي إحدى مسائل تفريق الصفقة.
ومعنى الصفقة العقد؛ لأن المتعاقدين ولا سيما في الزمن الأول إذا باع قال له: بكم بعت علي؟ قال: بعت عليك بكذا ويصفق على يديه، فالصفقة هي العقد، وتفريقها، أي تصحيح بعضها وإبطال البعض، والمسألة التي معنا الآن إذا باع معلوماً ومجهولاً لا يتعذر علمه، هنا فرقنا الصفقة فصححناها فيما يصح وأبطلناها فيما يبطل.
وَلَوَ بَاعَ مُشَاعاً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَعَبْدٍ أَوْ مَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالأجْزَاءِ صَحَّ فِي نَصِيْبِهِ بِقِسْطِهِ وَإِنْ بَاعَ عَبْدَهُ وعَبْدَ غَيْرِه بِغَيْرِ إِذْنِه أَوْ عَبْداً وَحُرّاً، أَو خَلًّا وَخمراً صَفْقَةً وَاحِدَةً، صحَّ فِي عَبْدِهِ، وَفِي الَخلِّ بِقِسْطِهِ، وَلِمُشْتَرٍ الخِيَارُ إنْ جَهِلَ الحَالَ.
قوله: «ولو باع مشاعاً بينه وبين غيره» هذه المسألة الثانية «مشاعاً» أي مشتركاً بينه وبين غيره.
قوله: «كعبد» وكسيارة، أو أرض، أو أي شيء يكون مشتركاً مشاعاً باعه جميعاً.
فمثلاً هذه السيارة بيني وبين أخي فبعتها على إنسان كلها، فالآن بعت مشاعاً بيني وبين غيري، فبيعي لملكي صحيح؛ لأنه من مالك، وبيعي لملك أخي لا يصح؛ لأني لست وكيلاً، إذاً فرقنا الصفقة، فنقول للمشتري: لك الآن نصف السيارة؛ لأنه صح فيها البيع، أما بيع نصيب أخي فلا يصح.
لو قال المشتري: أنا سأذهب بالسيارة إلى مكة والمدينة، وقال الشريك الثاني: إذا سافرت عليها فيكون ذلك بنصف الأجرة، فهل يكون للمشتري الخيار في هذه الحال لتفريق الصفقة عليه؟.
نقول: نعم له الخيار؛ لأن تفريق الصفقة يضره.
قوله: «أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء» أي: ليس مشاعاً، لكن ينقسم عليه الثمن بالأجزاء كصاعين من بر، أحدهما لي، والثاني للآخر، خلطتهما ثم بعتهما، فهل يصح البيع في الصاعين، أو في الصاع الذي لي فقط؟ قال:
«صح في نصيبه بقسطه» أي: في الصاع الذي لي فقط، ولا يصح في الصاع الآخر، والفرق بين هذه المسألة والأولى، أن الأولى الشركة فيها مشاعة، والثانية الشركة فيها بالأجزاء؛ لأن الحب الآن، حبة لي وحبة للآخر، ولكن المشاع أي ذرة في المملوك فهي مشتركة.
فإذا باع ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء بعضه له، وبعضه للآخر، صح البيع فيما هو له، ولم يصح البيع للآخر؛ لأن الآخر لا يملكه ولم يوكل فيه، وهذه المسألة الثانية من مسائل تفريق الصفقة.
قوله: «وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه» أي: باع عينين قائمتين كل واحدة قائمة بنفسها عبده وعبد غيره، أخذ عبد غيره من بيته وذهب به معه إلى السوق ومعه عبده فنادى عليهما جميعاً وباعهما، فالآن وقع العقد على ما يملك بيعه وما لا يملك، فنقول: يصح في عبده، ولا يصح في عبد غيره، والفرق بين هذه وبين التي قبلها واضح، فهذه ليس فيها اختلاط، فكل عين متميزة، وكذلك باع سيارته وسيارة غيره يصح في سيارته، ولا يصح في سيارة غيره.
قوله: «أو عبداً وحراً» الحر غير مملوك، فباع عبده وحراً بثمن واحد صفقة واحدة، يصح في عبده ولا يصح في الحر؛ لأن الحر لا يصح عقد البيع عليه.
قوله: «أو خلًّا وخمراً صفقة واحدة صح في عبده، وفي الخل بقسطه» عنده الآن جَرَّتان، إحداهما: خمر، والثانية: خل، فباعهما جميعاً، فيصح في الخل ولا يصح في الخمر.
وقوله: «صح في عبده» فلو نودي على هذين العبدين كم يساوي كل واحد؟ قالوا: أحدهما يساوي ألفاً، والثاني يساوي ألفين، فإذا كان عبده يساوي ألفين أسقطنا الثلثين من الثمن، وعبد غيره يساوي ألفاً أسقطنا الثلث.
وإذا باع عبده وحراً كيف نقوِّم الحر؟ قلنا: يقدر أنه عبد، فيقال: يقدر أن هذا الحر عبد مع عبدك الذي بعته، قال: لو كان الحر عبداً لكان يساوي ألفين، وعبدي يساوي ألفاً فنسقط من الثمن الثلثين.
أما مسألة الخل والخمر، فمعلوم أن الخمر ليس له قيمة شرعاً، فماذا نصنع؟ قالوا: يقدر الخمر خلًّا، أي يقدر شراباً لم يتخمر، فلو كان خلًّا يساوي عشرة، والخل الذي معه يساوي خمسة، فنسقط من الثمن الثلثين فقط.
قوله: «ولمشتر الخيار إن جهل الحال» أي: في مسائل تفريق الصفقة له الخيار إن جهل، فإن علم فلا خيار له.
مثاله: باع الرجل عبده وعبد غيره على رجل، والرجل يعلم أن هذا العبد ليس له، فالعبد الذي ليس له لا يصح بيعه، فهل للمشتري الخيار؟.
الجواب: لا؛ لأنه دخل على بصيرة، فلا خيار له، إذاً للمشتري الخيار إن جهل الحال، وإلا فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة.
والخلاصة: أن مسائل تفريق الصفقة ثلاث:
الأولى: إذا باع معلوماً ومجهولاً لا يتعذر علمه.
الثانية: إذا باع مشاعاً بينه وبين غيره.
الثالثة: إذا باع شيئين، أحدهما يصح البيع فيه، والآخر لا يصح.
والمذهب فيها كلها أن البيع يصح فيما يصح ويبطل فيما يبطل، وللمشتري الخيار.
والقول الثاني في المسألة: أن البيع لا يصح في الجميع؛ لأن الصفقة واحدة ولا يمكن أن تتفرق ولكن الصحيح المذهب.
وبهذا انتهت شروط البيع، وتبين أن الشروط تدور على ثلاثة أشياء: الظلم، والربا، والغرر، فمن باع ما لا يملك فهذا من باب الظلم، ومن تعامل بالربا فهذا من باب الربا، ومن باع بالمجهول فهذا من باب الغرر.
فَصْلٌ
وَلاَ يَصِحُّ البَيْعُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ بَعْدَ نِدَائِهَا الثَّانِي وَيَصحُّ النّكَاحُ وَسَائِرُ العُقُودِ .
قوله: «فصل» المؤلف ـ رحمه الله ـ لما ذكر شروط صحة البيع ذكر بعد ذلك موانع البيع، وإنما صنع ذلك؛ لأن الأشياء لا تتم إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع؛ لأنه إذا تمت الشروط ولم تنتف الموانع لم تصح العبادة ولا المعاملة، وكذلك لو عدمت الموانع ولم تتم الشروط لا تصح، أرأيت الرجل يكون أباً للإنسان أو ابناً له فإنه يرث؛ ولكن إذا وجد فيه مانع من موانع الإرث لم يرث؛ لأنه لا يتم الشيء إلا بوجود شروطه، وانتفاء موانعه، وهذه القاعدة نافعة في باب الأحكام وفي باب الأخبار.
قوله: «ولا يصح البيع» يعني ولا الشراء.
قوله: «ممن تلزمه الجمعة» احترازاً ممن لا تلزمه، فيجوز له البيع والشراء كالنساء والأولاد الصغار فيما يتبايعونه بينهم؛ لأن من لا تلزمه الجمعة لا يلزمه السعي إليها، وإذا لم يلزمه السعي إليها صار البيع والشراء في حقه حلالاً، إذ إن الذي لا يصح البيع منه هو الذي يوجه إليه الخطاب في قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}} [الجمعة: 9] ، فأمر بالسعي إلى ذكر الله، وهي الخطبة والصلاة، والمراد بالسعي هنا مجرد الانطلاق، وليس المراد به السعي الذي هو الركض؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الإسراع فيمن أتى إلى الصلاة[(135)].
ونحن قلنا: لا يصح البيع ولا الشراء، أفلا يقول قائل: إن البيع والشراء متلازمان؟.
قلنا: مراده بالشراء هنا القبول؛ لأنه قد يوجب البائع البيع، فيقول: بعت عليك هذا بعشرة، وبعد ذلك يقول المؤذن: الله أكبر، فيقول الثاني: قبلت، فالذي وقع بعد النداء هو الشراء، وإلا فمن المعلوم أنه لا بيع إلا بشراء ولا شراء إلا ببيع، لكن قد يقع القبول بعد النداء، والإيجاب قبل النداء، فنقول: إن البيع لا يصح.
وقوله: «ممن تلزمه الجمعة» يشمل من تلزمه بنفسه ومن تلزمه بغيره، فالذي تلزمه بنفسه من اجتمعت فيه شروط الوجوب، وأما من تلزمه بغيره فهو من لم تجتمع فيه الشروط، ولكن إذا أقيمت الجمعة وجبت عليه، من ذلك المسافر الذي يلزمه الإتمام وهو ـ على المذهب ـ من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، وتفصيل ذلك يوجب علينا أن نرجع إلى شروط من تجب عليه الجمعة، وهي مذكورة في باب صلاة الجمعة.
قوله: «بعد ندائها الثاني» أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن للجمعة ندائين، أولاً وثانياً، فأما الثاني فهو الموجود على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم حين يجيء الإمام فيؤذن المؤذن فحملت الآية عليه؛ لأنها نزلت في وقت لا يوجد فيه إلا أذان واحد وهو الثاني، فلذلك نقول: إن الحكم معلق به. أما الأذان الأول فإنما حدث في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ حين اتسعت المدينة وبَعُدَ الناس، جعل للجمعة نداءين من أجل أن يتهيأ الناس إلى الحضور فيمكنهم الحضور حين حضور الإمام[(136)].
فإن قال قائل: إحداث ذلك بدعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يشرع إلا أذاناً واحداً، والأذان عبادة لا يمكن شرعها إلا بإذن من الشارع؟.
فالجواب على ذلك من وجهين:
الأول: أن هذا من سنة الخلفاء الراشدين؛ لأن عثمان ـ رضي الله عنه ـ منهم، وللخلفاء الراشدين سنة متبعة بسنة الرسول صلّى الله عليه وسلّم فقد قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» [(137)].
الثاني: أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ لم يسنه إلا لسبب لم يكن موجوداً في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهو سعة المدينة وتباعد الناس، فلا يقال: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يشرعه؛ لأنه في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يكن هناك سعة يحتاج الناس معها إلى أن ينادوا للصلاة، وقد علم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم شرع أذاناً في آخر الليل ليس لصلاة الفجر، بل من أجل إيقاظ النائم، وإرجاع القائم، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» [(138)].
إذاً فقد شرع النبي صلّى الله عليه وسلّم أذاناً في آخر الليل لا من أجل وقت صلاة، ولكن من أجل أن يستعد الناس للسحور، قد يكون الداعي إلى مشروعية الأذان الأول يوم الجمعة أقوى من ذلك، فعلى هذا تكون هذه السنة التي سنها أمير المؤمنين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ سنة شرعية نحن مأمورون باتباعها.
وبهذا يعرف غرور بعض الأغرار الصغار من طلاب العلم الذين ينتسبون إلى علم الحديث، فيضللون أمير المؤمنين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ويقولون: إنه مبتدع ـ نسأل الله العافية ـ وهم إذا قالوا: إن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ مبتدع، لزم من ذلك أن يكون جميع الصحابة الذين أدركوا عهده مبتدعة؛ لأنهم أقروا البدعة، وهذا مبدأ خطير ينبئ عن غرور وإعجاب بالنفس ـ والعياذ بالله ـ وعدم اكتراث بما كان عليه السلف الصالح، ووالله إن علم السلف الصالح أقرب إلى الصواب من علم المتأخرين، وأهدى سبيلاً، وهذا شيء معلوم، حتى إن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ كان يأمر باتباع هدي الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ويقول: «إنهم أعمق علوماً، وأبر قلوباً»، فإذا اجتمع بِرُّ القلب وعمق العلم، تبين أن من بعدهم خَلْفٌ وليسوا أماماً، وإني أحذر إخواني طلبة العلم من ركوب مثل هذا الصعب، وأقول: لا ترتقوا مرتقًى صعباً، عليكم بسنة الخلفاء الراشدين كما أمركم نبيكم صلّى الله عليه وسلّم[(139)]، وإياكم أن تطلقوا ألسنتكم عليهم بمثل هذا الكلام السخيف، أيقال لأمير المؤمنين عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين: إنه مبتدع؟!! أو يقال لمن أدرك زمنه من الصحابة: إنهم مقرُّون للبدعة؟!! من أنت أيها الصبي؟ من أنت أيها الغر؟ اعرف قدر نفسك حتى تعرف قدر الناس، نسأل الله السلامة.
إذاً النداء الأول للجمعة إذا وقع البيع والشراء بعده فلا بأس؛ لأنه لا نهي فيه.
وشمل قوله: «بعد ندائها الثاني» بيع رجلين أقبلا إلى المسجد بعد الأذان فتبايعا وهما يمشيان إلى المسجد، فلا يصح بيعهما ما دام وقع بعد الأذان ولو قبل الخطبة لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}} [الجمعة: 9] .
وقوله: «لا يصح البيع» إذا قال قائل: ما الدليل على الفساد؟
قلنا الدليل: نهي الله ـ عزّ وجل ـ؛ لأن قوله {{وَذَرُوا الْبَيْعَ}} [الجمعة: 9] يعني لا تبيعوا، والنهي يقتضي الفساد، هذه القاعدة التي دلت عليها سنة الرسول صلّى الله عليه وسلّم لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [(140)]، وقال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» [(141)]، ولأننا لو صححنا ما نهى عنه الله ورسوله (ص) لكان في ذلك مضادة لله ورسوله، إذ إن النهي يقتضي البعد عنه وعدم ممارسته، والتصحيح يستلزم ممارسة هذا الشيء ونفاذه، وهذا مضادة لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.
فإن قال قائل: لم لا تقولون هو حرام ولكنه صحيح، كما قلتم في تلقي الجَلَب؟
فالجواب: الفرق بينهما ظاهر، أولاً: لأن حديث التلقي قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار» [(142)]، فثبوت الخيار فرع عن صحة العقد، فيكون في الحديث دليل على أن العقد صحيح.
ثانياً: أن النهي عن التلقي ليس نهياً عن العقد لذاته، ولكن نهي عن العقد لحق الغير، حيث إنه ربما يكون فيه خديعة للقادم فيشتريه المتلقي بأقل، ولهذا جعل الحق له في إمضاء البيع أو فسخه، وأما مسألتنا فإن النهي عن البيع بعينه، وما نهي عنه بعينه لا يمكن أن نقول: إنه صحيح، سواء في العبادات أو في المعاملات؛ لأن تصحيحنا لما جاء فيه النهي بعينه إمضاء لهذا الشيء الذي نهى الشارع عنه؛ لأن الذي نهى الشارع عنه يريد منا أن نتركه ونتجنبه، فإذا حكمنا بصحته فهذا من باب المضادة لأمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ.
وعلى هذا نقول: إن البيع بعد نداء الجمعة الثاني حرام وباطل أيضاً، وعليه فلا يترتب عليه آثار البيع، فلا يجوز للمشتري التصرف في المبيع؛ لأنه لم يملكه ولا للبائع أن يتصرف في الثمن المعين؛ لأنه لم يملكه، وهذه مسألة خطيرة؛ لأن بعض الناس ربما يتبايعون بعد نداء الجمعة الثاني ثم يأخذونه على أنه ملك لهم.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم شامل حتى فيما يتعلق بنفس صلاة الجمعة، مثل: لو أن إنساناً اشترى ماء للوضوء بعد نداء الجمعة الثاني، فهل يصح أو لا؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح؛ لأنه لم يستثن، والعلماء لا بد أن نأخذ بظاهر كلامهم ثم نبين الصحيح، فهل هذا الظاهر مراد للمؤلف ومقصود له، أو أنه حذف الاستثناء اختصاراً؟ مثل هذه ينظر فيها إذا كانت مسألة إجماعية من أهل العلم فإن المؤلف حذفه اختصاراً لا شك؛ لأنه لا يخرج عن الإجماع، وإذا كانت المسألة خلافية فمعنى ذلك أن المؤلف يختار القول الثاني الذي ليس فيه استثناء، لكن الواقع أنه يستثنى من ذلك ما يتعلق بالصلاة، فإذا لم يكن على وضوء ووجد مع إنسان غير مكلف أو لا تجب عليه الجمعة فإنه يجوز لهذا أن يشتري الماء ليتوضأ به؛ لأن ذلك مما يتعلق بهذه الصلاة.
فإن قيل: إن الآية عامة {{وَذَرُوا الْبَيْعَ}}؟ فالجواب: نعم الآية عامة، ولكننا نقول: ما الحكمة من النهي عن البيع؟ من أجل المحافظة على الصلاة، ولهذا قال: {{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}}، ومن المحافظة عليها أن نأتي بواجباتها، وهذا قادر على أن يأخذ ماء ويتوضأ.
قوله: «ويصح النكاح» أي: يصح عقد النكاح بعد أذان الجمعة الثاني؛ لأن الله إنما نهى عن البيع، وأما النكاح فلم ينه عنه؛ ولأن البيع عقد معاوضة يكثر تناوله بين الناس بخلاف النكاح.
قوله: «وسائر العقود» [(143)] ظاهر كلامه: أنه يصح الرهن، والضمان، والقرض، والإجارة، وإمضاء بيع الخيار، والإقالة وغير ذلك، وكل العقود تصح.
ولكن الصحيح خلاف كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ وأن سائر العقود منهي عنها كالبيع، وإنما ذكر الله البيع بحسب الواقع؛ لأن هذا هو الذي حصل، فالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما وردت العير من الشام خرجوا وبدؤوا يتبايعون فيها[(144)]، فتقييد الحكم بالبيع إنما هو باعتبار الواقع فقط، وإلا فكل ما ألهى عن حضور الجمعة فهو كالبيع ولا فرق.
والمؤلف في هذه المسألة أخذ بمذهب أهل الظاهر، وهو الاقتصار على لفظ النص فقط، وهو قوله: {{وَذَرُوا الْبَيْعَ}}.
فالصواب أن جميع العقود لا تصح، وأنها حرام، لا يستثنى من ذلك النكاح، ولا القرض، ولا الرهن، ولا غيرها، نعم ربما يقول قائل: إن عقود التبرعات كالهبة لا تضر؛ لأنها لا تُلهي ولا تشغل، فمثلاً لو أن رجلين أقبلا على المسجد، وفي حال إقبالهما أُذِّن لصلاة الجمعة، فوهب أحدهما الآخر شيئاً، فهنا قد يقال: إنه يصح؛ لأنه لم يحصل بذلك إشغال ولا إلهاء، لكن شيئاً يحتاج إلى معالجة، ونقول: إنه يصح مع أن الله نهى عن البيع هذا فيه نظر.
وَلاَ يَصِحُ بَيْعُ عصِيرٍ ممَّن يَتَّخذُهُ خَمْراً. وَلاَ سِلاَحٍ فِي فِتْنَةٍ
وَلاَ عَبدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ إِذَا لَمْ يَعْتُقْ عَلَيْهِ، ..........
قوله: «ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمراً» أي: لا يصح بيع عصير على من يتخذه خمراً، والدليل قول الله تعالى: {{وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}} [المائدة: 2] .
فإن قال قائل: ما الذي يدريني أن هذا الرجل اشترى العصير ليتخذه خمراً أو ليشربه في الوقت الحاضر؟.
نقول: إذا غلب على الظن أن هذا من القوم الذين يشترون العصير ليتخذوه خمراً كفى ذلك وصار هذا حراماً؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد نهى عن ذلك، وإلا فالأصل الصحة، وعدم المنع.
قوله: «ولا سلاح في فتنة» كذلك لا يصح بيع سلاح في فتنة بين المسلمين، فلو حصل فتنة وقتال بين المسلمين، وجاء رجل يشتري سلاحاً، وغلب على الظن أنه اشترى السلاح ليقاتل المسلمين، فإنه يحرم بيعه.
فإن قال صاحب السلاح: لعله اشتراه لأجل أن يصطاد به صيداً مباحاً فما الجواب؟.
نقول: لا نمنع إلا إذا غلب على الظن أنه اشتراه من أجل أن يقاتل المسلمين.
وكذلك لو اشترى رجل سلاحاً ليصطاد به صيداً في الحرم، بأن تعرف أن هذا الرجل من أهل الصيد، وهو الآن في الحرم واشترى السلاح لأجل أن يصطاد به صيداً في الحرم، فهذا حرام ولا يصح البيع؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، وتأمل القرآن الكريم في قوله: {{وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}} [المائدة: 2] يدخل فيه آلاف المسائل؛ لأنها كلمة عامة تشمل التعاون على الإثم والعدوان، في العقود والتبرعات والمعاوضات والأنكحة وغير ذلك، فكل ما فيه التعاون على الإثم والعدوان فإنه حرام.
وكذلك لا يصح بيع أوانٍ لمن يسقي بها الخمر، بأن أعرف أن صاحب هذا المطعم يأتيه الناس يشربون الخمر عنده، وأتى ليشتري أواني يسقي بها الخمر، فلا يجوز بيعه؛ لأن هذا من باب التعاون على الإثم والعدوان.
وكذا إذا اشترى رجل أمواساً لحلق اللحى، وأعرف أنه اشتراها لذلك فلا يجوز؛ لأن هذا تعاون على الإثم والعدوان، وكثير من العامة يظنون أن حلق اللحية لا بأس به، حتى إن بعض الناس يسألنا في الحج يقول: إنني لبست ثيابي قبل أن أحلق يشير إلى لحيته، نقول: لا تحلق لا بعد الحل، ولا قبل الحل، فهذا حرام عليك.
وكذا إذا اشترى رجل مني بيضاً من أجل أن يقامر فلا يجوز؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، ولكن كيف القمار على البيض؟.
يقولون: إذا ضغطت على البيضة طولاً لا تكسرها أبداً، وعرضاً تكسرها، فالناس يقامرون عليه بهذه الصفة، فإن علمنا أن هذا الرجل اشترى البيضة من أجل القمار عليها قلنا: هذا لا يجوز؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان.
قوله: «ولا عبد مسلم لكافر» العبد المسلم لا يجوز أن تبيعه على كافر؛ لأنه من المعلوم أن السيد له سلطة وإمرة على عبده، فإذا بعت العبد المسلم على الكافر سلطت الكافر عليه، وأذللت المسلم أمام الكافر، وإذلال المسلم حرام، فلا يحل للإنسان المسلم أن يبيع عبده المسلم على كافر.
وبيع العبد الكافر على الكافر صحيح، بأن كان عند إنسان عبد كافر وباعه على كافر.
قوله: «إذا لم يعتق عليه» أي: على الكافر، فإن عتق على الكافر بالشراء صح بيعه عليه، ومن الذي يعتق على مشتريه؟ هو ذو الرحم المحرم[(145)] أي: ابنه، وابن بنته، وأخوه، وعمه، وخاله، وابن أخيه وما أشبه ذلك، فكل من بينهما رحم محرم إذا ملك أحدهما الآخر عتق عليه، فإذا كان هذا العبد ابن أخ للكافر وبعته على الكافر يصح؛ لأنه بمجرد ما يقول: قبلت يكون العبد حراً، وهذا في الحقيقة فيه مصلحة للعبد، إذ إن فيه تعجيلاً لحريته، ولا يمكن أن يبقى ملك الكافر عليه ولا لحظة؛ لأنه بمجرد ما يقول: قبلت يعتق، فإذا كان يعتق عليه فإنه يصح بيعه.
كذلك ـ أيضاً ـ لو كان يعتق عليه بالتعليق، بأن يقول: هذا الكافر إذا ملكت هذا العبد فهو حر، فإنه بمجرد ما يملكه يكون حراً، والمؤلف عمم قال: «إذا لم يعتق عليه» ، فإذا عتق عليه إما لرحم محرم، وإما بتعليق فإنه يصح بيعه عليه؛ لأن في ذلك استعجالاً لحريته.
وهل يصح بيع العبد الكافر لمسلم؟.
الجواب: يصح بيع العبد المسلم لمسلم، والكافر للكافر، والكافر للمسلم، أما المسلم فلا يصح بيعه للكافر.
وَإِنْ أسْلَمَ فِي يَدِهِ أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مُلكِهِ، وَلاَ تَكْفِي مُكَاتَبَتُهُ ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَكِتَابَةٍ أَوْ بَيْعٍ وَصَرفٍ صَحَّ فِي غَيْرِ الكِتَابَةِ .......
قوله: «وإن أسلم في يده أُجبر على إزالة ملكه» إن أسلم في يد الكافر أجبر الكافر على إزالة ملكه؛ لأنه لا يمكن أن يكون للكافر ولاية وسلطة على مسلم.
مثال ذلك: رجل كافر عنده عبد كافر، ثم إن العبد الكافر منّ الله عليه بالإسلام فأسلم، فنقول للكافر لا يمكن أن يبقى على ملكك فلا بد أن تخرجه من ملكك بالعتق، أو بالبيع أو الهبة، لكن بشرط ألا يبيعه ولا يهبه لكافر، فإن باعه على كافر فالبيع حرام ولا يصح.
فقول المؤلف: «أجبر على إزالة ملكه» عام أي: إزالة ملكه ببيع أو هبة أو عتق أو غير ذلك، لكنه إذا كان ببيع أو هبة فإنه لا يبيعه ولا يهبه على إنسان كافر.
قوله: «ولا تكفي مكاتبته» أي: لو أن الكافر الذي أسلم عبده قال: أنا أكاتبه، والمكاتبة أن يبيع السيد عبده على نفسه، كما في قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}} [النور: 33] ، فهذا الرجل الكافر، قال: ليس عندي مانع أن أزيل ملك عبدي لكني أريد أن أزيله بالمكاتبة، أبيع نفسه عليه، فنقول: هذا لا يكفي؛ لأن المكاتبة لا تخرج ملك السيد عن العبد حتى يوفي تماماً، وقبل الوفاء هو في رق السيد، فلهذا لا تكفي المكاتبة.
ولو قال: أنا أبيعه لكن أريد أن أشترط الخيار لي لمدة شهر فلا يكفي؛ لأنها لم تنقطع عِلَقُهُ عنه، فربما يقول: أنا فسخت البيع، إذاً لو كاتبه أو باعه بالخيار لم يكفِ.
قوله: «وإن جمع بين بيع وكتابة أو بيع وصرف صح في غير الكتابة» هذا الجمع بين العقدين، فإذا جمع بين عقدين فإن كان بشرط فالعقد غير صحيح، وإن كان بغير شرط فالعقد صحيح.
مثال ذلك: قال: بعت عليك بيتي هذا بمائة ألف، بشرط أن تؤجرني بيتك بعشرة آلاف، قال: قبلت لا مانع عندي، فالعقد غير صحيح لا البيع ولا الإجارة؛ لأنه شَرْطُ عقد في عقد فلا يصح، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع» [(146)]، هذا هو المذهب.
والصحيح أنه جائز إذا لم يتضمن محذوراً شرعيّاً، والحاجة داعية لذلك فقد يقول: أنا لا أحب أن أبيع عليك بيتي حتى أضمن أنني ساكن في بيت آخر، فيقول: بعت عليك البيت بمائة ألف، بشرط أن تؤجرني بيتك بعشرة آلاف أو بألف، فليس هناك مانع.
وأما قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ولا شرطان في بيع» فالعبارة مطلقة فتحمل على المقيد، وهما الشرطان اللذان يلزم منهما الوقوع في محذور شرعي.
لكن إذا كان بغير شرط فجمع بين بيع وكتابة، أو بيع وصرف، أو بيع وإجارة، أو بيع ومهر، فإن العقد يصح.
وقوله: «بين بيع وكتابة» أي: قال لعبده: بعتك هذه السيارة وكاتبتك بعشرة آلاف، فالثمن واحد والصفقة واحدة، فيقول المؤلف: لا يصح البيع في هذه الحال؛ لأنه باع ملكه على ملكه، فهذا العبد الذي كاتبه لم يخرج عن ملكه فلا يخرج حتى يؤدي، فإذا باع ملكه على ملكه لم يصح، والمسألة فيها خلاف لكن هذا المذهب، والتعليل أن من شرط البيع أن يبيع على من يملك ملكاً تامّاً، وهذا لا يملك ملكاً تامّاً؛ إذ إنه ما زال على ملك سيده؛ ولأن العبد إلى الآن لم يملك كسبَهُ فقد اجتمع المشروط وشرطه، ويشترط في الشرط أن يتقدم على المشروط، وقال بعض الفقهاء: إنه يصح الجمع بين البيع والكتابة ولا مانع من أن يجتمع الشرط مع المشروط؛ لأن المحذور أن يتأخر الشرط عن المشروط، أما إذا اقترن به فلا حرج، وهذا القول أقرب للصحة عندي ولا مانع.
واعلم أن قول المؤلف: «صح في غير الكتابة» فيه إيهام عظيم؛ لأن معنى قوله هنا أن الكتابة لا تصح والبيع يصح، هذا هو المتبادر من العبارة، ولكن المعنى صح البيع في غير ما إذا جمع مع الكتابة، فإذا جمع مع الكتابة لم يصح.
فإذا جمع بين بيع وإجارة قال: بعتك بيتي هذا بمائة ألف، وآجرتك البيت الثاني بعشرة آلاف، قال: قبلت فهذا صحيح، أو قال: بعتك بيتي هذا وآجرتك بيتي هذا بمائة ألف هذا أيضاً صحيح، ويقسط العوض عليهما عند الحاجة.
وقوله: «بيع وصرف» الواقع أن الصرف بيع، لكن يختص بأنه مبادلة نقد بنقد، وله أحكام معروفة، لكن الكلام على أنه مبادلة، فدنانير بدراهم صرف، ودنانير بثياب غير صرف، والصرف بيع لا شك، لكن لما كان الصرف له أحكام خاصة صاروا يفردونه بالقول، فيقولون: بيع وصرف.
مثاله: قال بعتك هذه الدنانير وهذه السيارة بعشرة آلاف درهم، الصفقة واحدة والثمن واحد، فيصح البيع، فإذا قبض الثمن فلا إشكال، وإن لم يقبض صح في السيارة دون الصرف، لأنك إذا بعت دراهم بدنانير لا بد من التقابض قبل التفرق.
وَيُقَسَّطُ العِوضُ عَلَيْهِمَا وَيَحْرُمُ بَيْعُهُ عَلَى بَيْع أخِيْهِ كَأن يَقُولَ لَمِنَ اشْتَرَى سِلْعَةً بعَشَرَةٍ أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ، وَشِرَاؤُهُ عَلَى شِرَائِهِ كَأن يَقُولَ لَمِنْ بَاعَ سلْعَةً بتسْعَةٍ: عِنْدِي فيهَا عَشَرَةٌ لِيَفْسَخَ لِيَفْسَخَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ وَيَبْطُلُ العَقْدُ فِيهِمَا،........
قوله: «ويقسط العوض عليهما» أي: يوزع العوض عليهما بالقسط، وذلك عند الحاجة.
مثال ذلك: بعتك هذه السيارة وآجرتك هذا البيت بمائة ألف، الثمن واحد، والعقد واحد، فلو قدر أن البيت انهدم، بأن جاءته أمطار فهدمته، فالإجارة تنفسخ؛ لأن العين المعقود عليها تلفت، وهذا العوض فيه أجرة وفيه ثمن، فكيف نوزع هذا العوض؟ الجواب: يوزع بالقيمة، فيقال: بكم يؤجر البيت؟ فقالوا: يؤجر بعشرين ألفاً، فتكون قيمة السيارة ثمانين ألفاً، إذاً ينزل من العوض عشرون، فإن قُدر أنه عند التقويم صار يساوي مائتي ألف، وقالوا: إن الإجارة قيمتها عشرون ألفاً والعقد بمائة ألف، نقول: عشرون ألف من مائتين تقابل 10%، فنرجع إلى الثمن الذي هو مائة فنخصم منه 10%، هذا معنى قول المؤلف: «يقسط العوض عليهما» أي: لو احتجنا إلى توزيع العوض، فإنه يقسط على قيمة المبيع وعلى الأجرة.
قوله: «ويحرم بيعه على بيع أخيه» أي: يحرم بيع المسلم على بيع أخيه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» [(147)]، ولأن ذلك عدوان على أخيه، ولأنه يوجب العداوة والبغضاء والتقاطع، وكل ما أوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين فإنه محرم، وهذه قاعدة عامة لقوله تعالى في تعليل تحريم الخمر والميسر: {{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ}} [المائدة: 91] ؛ ولأن هذا الدين دين التآلف، ودين الأخوة والمحبة حتى قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [(148)].
وكذلك ـ أيضاً ـ يحرم الشراء على شرائه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» [(149)]، والشراء نوع من البيع، ولما فيه من العدوان على أخيه، وإحداث للعداوة والبغضاء.
وقوله: «على بيع أخيه» هل المراد أخوة النسب، أو أخوة الرضاع؟ أو أخوة الدين؟
الجواب: أخوة الدين؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسلم أخو المسلم»[(150)].
وعلم من كلامه أنه يجوز أن يبيع على بيع الكافر، ولو كان له عهد وذمة؛ لأنه ليس أخاً له، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «على بيع أخيه» ، والكافر ليس بأخ، ولأن الكافر لا حرمة له، وإلى هذا ذهب أهل الظاهر، وقالوا: لنا ظاهر اللفظ، ولا يحرم البيع إلا على بيع المسلم.
والقول الثاني في المسألة: أنه يحرم البيع على بيع المعصوم، سواء كان مسلماً أو كافراً أو ذميّاً؛ لأن العدوان على الكافر الذمي حرام لا يحل؛ إذ إنه معصوم الدم والعِرض والمال، وتقييد النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك بالأخ بناءً على الأغلب، أو من أجل العطف على أخيك، وعدم التعرض له، وهذا القول أقرب للعدل.
قوله: «كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة» هذا بيع على بيع.
مثاله: اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرة آلاف فذهب رجل إلى زيد، وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل.
فإن قال: أنا أعطيك مثلها بعشرة، فهل هذا بيع على بيع المسلم؟
ظاهر كلام المؤلف لا؛ لأنه لم يزده كمية ولا كيفية، لكن قد يقال: إنه بيع على بيع مسلم؛ لعموم الحديث، ولأن هذا المشتري قد يترك البيع الأول، لأن الآخر قد يكون قريباً له أو صاحباً له أو محابياً له أو ما أشبه ذلك.
والصحيح العموم، يعني سواء زاده كمية أو كيفية، أو لم يزده، حتى بالثمن المساوي.
قوله: «وشراؤه على شرائه، كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة ليفسخ» هذا شراء على الشراء.
مثاله: باع زيد على عمرو سلعة بتسعة فجاء آخر، وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم، قال: أنا أعطيك فيها عشرة، فهذا يسمى شراء على شرائه، فلا يحل لما سبق من الدليل الأثري والنظري.
وظاهر كلام المؤلف أن البيع على بيع أخيه جائز بعد زمن الخيار بدليل أنه قال: «ليفسخ» ، وهو لا يملك الفسخ إلا زمن الخيار، فأما بعد زمن الخيار فلا يملك الفسخ، وعليه فيجوز أن يبيع على بيع أخيه حينئذٍ وهو المذهب.
مثاله في زمن خيار المجلس: لو أننا كنا في مجلس فباع زيد على عمرو سلعة بتسعة، فقال أحد الحاضرين: أنا أعطيك عشرة بعد أن أوجب البيع عليه، فهذا شراء على شرائه في زمن الخيار فيحرم، وهنا يتمكن البائع من الفسخ.
وكذلك لو كان في زمن خيار الشرط، بأن باعه سلعة بعشرة وجعل لنفسه الخيار يومين، فجاء إنسان في اليوم الثاني، وقال: أنا أعطيك فيها أحد عشر فلا يحل؛ لأنه في هذه الحال يتمكن من فسخ البيع، والعقد مع الثاني، أما إذا لم يكن هناك خيار فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، هل يجوز البيع والشراء أو لا يجوز؟
وأضرب مثلاً لهذا يتبين به الحكم، باع زيد على عمرو سلعة بعشرة واستلم الثمن وذاك استلم السلعة وتفرَّقا، وانتهى كل شيء، فجاء إنسان إلى المشتري، وقال: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو خيراً منها بعشرة، فهذا يسمى بيعاً على بيع، فهل يجوز أو لا يجوز؟
الجواب: في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنه لا يجوز، ومنهم من قال: إنه يجوز.
أما من قال: إنه يجوز فقال: إن الخيار قد انتهى، ولا يمكن لأي واحد منهما أن يفسخ العقد، فوجود البيع على بيعه أو الشراء على شرائه كعدمه؛ لأنه لو أراد أن يفسخ لم يتمكن، وهذا هو المذهب.
القول الثاني في المسألة: أن ما بعد زمن الخيار كالذي في زمن الخيار، يعني أنه يحرم ولو بعد زمن الخيار.
وعلّلوا ذلك بما يلي:
أولاً: عموم الحديث: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه»[(151)]، فهذا عام ليس فيه تقييد.
ثانياً: أنه ربما تحيل على الفسخ بأي سبب من الأسباب، كأن يدعي عيباً، أو ما أشبه ذلك مما يمكنه من الفسخ.
ثالثاً: أنه يؤدي إلى العداوة بين البائع الأول والمشتري؛ لأنه سيقول: غبنني، ويكون في قلبه شيء عليه.
وهذا القول هو الراجح، أي: أن البيع على بيع أخيه حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيارين أو بعد ذلك، ولكن إذا كان بعد مدة طويلة فإن ذلك لا بأس به، يعني لو حصل هذا قبل أسبوع أو شهر أو ما أشبه ذلك، وجاء وقال: أنا أعطيك مثل هذه السلعة بتسعة وهو قد اشتراها بعشرة فهنا لا بأس به؛ لأن محاولة الرد في مثل هذه الصورة بعيد.
قوله: «ليفسخ ويعقد معه» كلمة (ليفسخ) تعليل للتحريم وعلم منه: أنه لو كان على غير هذا الوجه، بأن كان المشتري يريد سلعاً كثيرة واشترى من فلان عشر سلع على عشرة، ولكنه ما زال يطلبها من الناس، فقال له إنسان: أنا أعطيك بتسعة وهو يعلم أنه لن يفسخ العقد الأول؛ لأنه يريد سلعاً كثيرة فهذا لا بأس به؛ لأنه في هذه الحال ليس فيه إغرار، على ما مشى عليه المؤلف، لكن هنا قد نقول: إنه لن يفسخ العقد، لكن ربما يجد في نفسه شيئاً على البائع الأول؛ لكونه غبنه، فالتحرز عن هذا مطلقاً أولى، وهو الموافق لظاهر الحديث، وهو الأبعد عن حلول العداوة والبغضاء بين المسلمين.
مثال آخر: اشترى رجل من زيد عشر قطع بعشرة ريالات ثم جاء ليلتمس في السوق من هذه القطع فجاءه رجل، فقال: أنا أبيع عليك بتسعة، فهذا بيع على بيعه، ونعلم أن المشتري لن يفسخ العقد؛ لأنه يحتاج سلعاً كثيرة سواء زاد الثمن أم نقص، فنقول: هذا لا يحرم على ظاهر كلام المؤلف، ولكنا ذكرنا أنه يمكن أن يقال بالتحريم؛ لأنه يحدث العداوة والبغضاء بين المشتري والبائع.
قوله: «ويبطل العقد فيهما» يعني في البيع على بيعه، والشراء على شرائه، والدليل النهي عن ذلك، والنهي عن الشيء بعينه يقتضي الفساد؛ لأننا لو صححناه لكان في ذلك مضادة لحكم الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، فالنهي عن الشيء بعينه يقتضي فساده، ولهذا لو صام الإنسان يوم العيد فصومه حرام باطل؛ لأنه منهي عنه، وكذلك إذا باع على بيع أخيه فالبيع حرام وباطل.
وقوله: «ويبطل العقد» نص على بطلان العقد؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن العقد صحيح، لأن النهي هنا لا يعود إلى ذات المعقود عليه، وإنما يعود إلى أمر خارج وهو العدوان على المسلم، فيكون العقد حراماً ولكنه صحيح.
ويدل على ذلك أن هذا الذي باع على بيع أخيه لو أذن له الذي بيع على بيعه لكان العقد صحيحاً ولا شيء فيه، فإذاً يكون التحريم غير عائد إلى ذات المنهي عنه ويكون العقد صحيحاً مع الإثم، ولكن القول بالمذهب من باب السياسة ويمنع العدوان على الناس، فيكون قولاً جيداً.
مسألة: لو استأجر على استئجار أخيه فما الحكم؟
الجواب: الحكم واحد؛ لأن الإجارة بيع منافع.
ولو خطب على خطبة أخيه لا يجوز أيضاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ذلك[(152)]، ولأن العلة واحدة.
وَمَنْ بَاعَ رَبِويّاً بِنَسِيئَةٍ وَاعْتَاضَ عَن ثَمَنِهِ مَا لاَ يُبَاعُ بِهِ نَسِيْئَةً أوْ اشْتَرَى شَيْئاً نَقْداً بِدُونِ مَا بَاعَ بهِ نَسِيئَةِ لا بِالعَكْسِ لَمْ يَجُزْ وَإِن اشْتَرَاه بِغَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ بَعْدَ قَبْضِ ثَمنِهِ، أو بَعْدَ تَغَيُّرِ صِفتِهِ أوْ مِنْ غَيْرِ مُشْتَرِيهِ، أوْ اشْتَرَاهُ أبُوهُ
أوْ ابْنُهُ جَازَ.
قوله: «ومن باع ربوياً بنسيئة» أي: بثمن مؤجل.
قوله: «واعتاض عن ثمنه» ـ أي: ثمن ذلك الربوي.
قوله: «ما لا يباع» ـ نائب الفاعل يعود على الربوي.
قوله: «به نسيئة» ، أي: شيئاً لا يباع بالذي باعه نسيئة فإنه لا يصح. والربويات ستة: (الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح)، فالبر ربوي: باع مائة صاع بر بمائتي ريال مؤجلة إلى سنة، فحين حل الأجل جاء البائع إلى المشتري، وقال له: أعطني الدراهم، قال: ليس عندي إلا تمر، وهل يباع التمر بالبر نسيئة أي بدون تقابض؟
الجواب: لا، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» [(153)]، إذاً لا يجوز أن يأخذ بدل الدراهم تمراً؛ لأن التمر لا يباع بالبر نسيئة، فإن فعل فقد اعتاض عن ثمنه بما لا يباع به نسيئة فيكون حراماً؛ لأنه قد يُتخذ حيلة على بيع البر بالتمر مع عدم التقابض، فيقول مثلاً: بعتك براً بمائتي ريال إلى أجل ثم يقضيه تمراً، فيتحيل على بيع البر بالتمر مع تأخر قبض الثمن، والحيل ممنوعة شرعاً؛ لأنها خداع لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأنها من دأب اليهود، قال الله تعالى في الذين اعتدوا في السبت وتحيلوا عليه: {{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ *}} [البقرة] ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات»[(154)].
مثال آخر: باع برّاً بدراهم، واعتاض عن الدراهم دنانير فهذا يجوز؛ لأن بيع البر بالدنانير يجوز نسيئة، فهذا الرجل مثلاً: باع مائة صاع بر بمائتي درهم، وعند حلول الأجل قال المشتري: ليس عندي شيء من الدراهم، لكن عندي دنانير، فهذا يجوز؛ لأن بيع البر بالدراهم أو الدنانير يجوز نسيئة فليس فيه محظور، ولكن اشترط النبي صلّى الله عليه وسلّم شرطين:
الأول: أن يكون بسعر يومها.
الثاني: أن يتقابضا قبل التفرق.
لأن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ استفتاه قال: «يا رسول الله كنت أبيع الإبل بالدراهم، وآخذ الدنانير، وأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، فهل يجوز ذلك؟ قال: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء»[(155)].
وقال الموفق صاحب المغني: يجوز بيع ربوي بنسيئة، وأن تعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة؛ لأن الحيلة هنا بعيدة، كيف يبيع برّاً بتمر بعد سنة؟ فهذا بعيد وما كان بعيداً فلا عبرة به.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجوز للحاجة، فتوسط بين القولين، وكيف يجوز للحاجة؟
مثاله: باع عليه براً بدراهم إلى سنة ولما حلّ الأجل، وجاء البائع للمشتري لأخذ الدراهم فقال المشتري: أنا رجل فلاح وليس عندي دراهم، ويسمونها الناس في العرف التجاري (سيولة) ولكن عندي تمر ـ فهذه حاجة ـ فقال: أنا آخذ التمر بدل الدراهم، فعلى رأي شيخ الإسلام يجوز.
فالمسألة فيها إذاً ثلاثة أقوال:
ـ الأول: المنع مطلقاً.
ـ الثاني: الجواز مطلقاً.
ـ الثالث: الجواز للحاجة.
وهذا عندي أنه أحسن الأقوال، دفعاً للشبهة، ولئلا ينفتح الباب لغيرنا، فنحن قد لا نفعل هذا حيلة، لكن غيرنا قد يتحيل.
بقي علينا شرط لا بد منه على القول بالجواز، وهو ألا يربح المستوفي، ونأخذ هذا الشرط من قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها» [(156)]، ونأخذ هذا ـ أيضاً ـ من نهي الرسول صلّى الله عليه وسلّم «عن ربح ما لم يضمن»[(157)]، أي: نهى أن تربح في شيء لم يدخل في ضمانك.
فمثلاً: باع عليه برّاً بمائتي درهم إلى سنة، ولما حلّت السنة قال: ليس عندي إلا تمر، فقال: أنا آخذ التمر، فأخذ منه أربعمائة كيلو تمر تساوي مائتين وخمسين درهماً، فهذا لا يجوز؛ لأنه الآن ربح في شيء لم يدخل في ضمانه، فهذا التمر يساوي مائتين وخمسين، والذي في ذمة الرجل مائتان فكسب بدل مائتين، مائتين وخمسين في شيء لم يدخل في ضمانه، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم «عن ربح ما لم يضمن» ؛ لأنه لو جاز ذلك لأمكن لكل إنسان يطلب شخصاً دراهم مثلاً، ثم تحلّ فيقول: أعطني بدلها طعاماً، فالدراهم مائتان ويقول أعطني طعاماً يساوي مائتين وخمسين، فيربح، ثم ربما كلما حلّ الديْن أخذ عوضاً أكثر من الدين، فتتكرر مضاعفة الربح على هذا الفقير، فيحصل بذلك ضرر.
قوله: «أو اشترى شيئاً نقداً بدون ما باع به نسيئة» مثاله: أنا بعت على زيد سيارة بعشرين ألفاً إلى سنة، فهذا بيع نسيئة، ثم إني اشتريتها من هذا الرجل بثمانية عشر ألفاً، فهذا حرام لا يجوز؛ لأنه يتخذ حيلة إلى أن أبيع السيارة بيعاً صورياً بعشرين ألفاً، ثم أعود فأشتريها بثمانية عشر ألفاً نقداً، فيكون قد أخذ مني ثمانية عشر ألفاً وسيوفيني عشرين ألفاً وهذا ربا، فهذا لا يجوز؛ لأنه حيلة واضحة، ولذلك قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «دراهم بدراهم وبينهما حريرة» [(158)] وهذه تسمى «مسألة العِينة»؛ لأن الرجل أعطى عيناً وأخذ عيناً، والعين النقد الذهب والفضة، وهي محرمة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه من قلوبكم حتى ترجعوا إلى دينكم»[(159)] . إذاً هو محرم، بل من كبائر الذنوب، أو قد نقول: ليس من الكبائر؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جعله كبيرة إذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة، وهذا واحد من أربعة، فعلى كل حال هذا الحديث يدل على التحذير من التبايع بالعينة.
ومن مسائل العينة أو من التحيل على الربا ما يفعله بعض الناس اليوم، يحتاج إلى سيارة، فيذهب إلى تاجر، ويقول: أنا أحتاج السيارة الفلانية في المعرض الفلاني، فيذهب التاجر ويشتريها من المعرض بثمن، ثم يبيعها بأكثر من الثمن على هذا الذي احتاج السيارة إلى أجل، فهذا حيلة ظاهرة على الربا؛ لأن حقيقة الأمر أنه أقرضه ثمن السيارة الحاضرة بزيادة؛ لأنه لولا طلب هذا الرجل ما اشتراها وهذه حيلة واضحة، وإن كان مع الأسف أن كثيراً من الناس انغمس فيها، ولكن لا عبرة بعمل الناس، العبرة بتطبيق الأحكام على النصوص الشرعية.
وكذلك ـ أيضاً ـ انتشرت حيلة سابقة، يأتي الفقير إلى شخص فيقول: أنا أحتاج ألف ريال، فيذهب التاجر إلى صاحب دكان، عنده أكياس أرز أو أي شيء، فيشتري التاجر الأكياس من صاحب الدكان مثلاً بألف ريال، ثم يبيعها على المحتاج بألف ومائتين، ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يباع قبل قبضه، فكيفية القبض عندهم أن يمسح على الأكياس بيده، مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نهى أن تباع السلع حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم»[(160)]، فهل هذا قبض؟! هذا يسمى عداً لا يسمى قبضاً، لكن كانوا يفعلون هذا، بعد ذلك يأتي الفقير إلى صاحب الدكان الذي عنده هذه الأكياس، ويبيعها عليه بأقل مما اشتراها منه التاجر؛ لأن الفقير يريد دراهم ولا يريد أكياس طعام، فمثلاً يبيعها على صاحب الدكان بألف إلا مائة ريال، فيُؤكل المسكين الفقير من الجانبين، من جانب التاجر الأول ومن صاحب الدكان، فصاحب الدكان أخذ منه مائة ريال، والتاجر أخذ مائتين زائداً على الألف، وهذه سماها شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ المسألة الثلاثية، لأنها مكوّنة من ثلاثة أشخاص، ومسائل الربا لا تحل بالحيل.
واعلم أنه كلما احتال الإنسان على محرم لم يزدد إلا خبثاً، فالمحرم خبيث، فإذا احتلت عليه صار أخبث؛ لأنك جمعت بين حقيقة المحرم وبين خداع الرب ـ عزّ وجل ـ والله ـ سبحانه وتعالى ـ لا تخفى عليه خافية، «وإنما الأعمال بالنيات»[(161)]، ولولا الزيادة الربوية ما عرفت هذا الرجل، والعجيب أن الشيطان يغر ابن آدم فيقول: نحن نفعل هذا رحمة بالفقير من أجل أن تتيسر أحواله، ولولا هذا ما تيسرت، لكن أقول كلما كان أفقر صارت الزيادة عليه أكثر، فهذه نقمة وليست رحمة، فمثلاً: يأتي إنسان متوسط الحال يستدين من هذا الرجل، فيبيع عليه ما يساوي ألفاً بألف ومائتين، ويأتي إنسان آخر يستدين من أجل أن يأكل هو وأهله، فيبيع عليه ما يساوي ألفاً بألف وخمسائة، فيقول: لأن هذا لا يفي، ومتى يفي؟ فأين الرحمة؟ ولو كان غرضه الرحمة بالفقير لكان هذا الثاني، أولى بالرحمة من الأول المتوسط الحال، لكن الشيطان يلعب على ابن آدم.
وقوله: «أو اشترى شيئاً نقداً» علم منه أن الشراء هو المحرم، وأما البيع الأول فكلام المؤلف يدل على أنه حلال، لكن إذا علمنا أنهم اتخذوا ذلك حيلة فإن البيع الأول يكون باطلاً أيضاً، لأنه صار وسيلة إلى محرم، ووسائل الحرام حرام، وانظر كيف أن الشريعة الإسلامية تسد الباب سداً منيعاً بالنسبة للربا؛ لأن النفوس مجبولة على حب المال فهي تتحيل عليه بكل وسيلة، وحماية الشرع لجناب الربا وإبعاد الناس عنه أمر ظاهر في الشريعة، مثل ما حمت الشريعة جانب التوحيد وأبطلت كل ما يمكن أن يكون وسيلة للشرك، كذلك الربا حيث أن النفوس تطلبه وتحبه سدت الشريعة كل باب يمكن أن يوصل إلى الربا، والربا ليس بالأمر الهين ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الربا ـ وهو من أعظم الذنوب، فلا يوجد معصية علقت عليها عقوبة، وهي دون الكفر مثل الربا.
قوله: «لا بالعكس لم يجز» كلام الماتن يحتمل المعنى أنها عكس مسألة العينة، بأن يبيع شيئاً نقداً بثمن، ثم يشتريه مؤجلاً بأكثر، ويحتمل أن المعنى: «لا بالعكس» ، أي مثل ما باع به نسيئة؛ لأن المؤلف صور المسألة بقوله: «بدون ما باع به نسيئة» ، فعلى المعنى الثاني في قوله: «لا بالعكس» يعني لا مثل الثمن ولا أكثر من الثمن.
وذلك أنه إما أن يشتريها بأقل وهي مسألة المؤلف، أو بمثلٍ، أو بأكثر.
مثال ذلك: بعت على هذا الرجل سيارة بعشرين ألفاً إلى سنة، ثم عدت واشتريتها منه بعشرين ألفاً نقداً، فهذا يجوز؛ لأنه لا يوجد فيه ربا.
وكذلك لو بعتها بعشرين واشتريتها بخمسة وعشرين، فهذا جائز؛ لأنه ليس في هذا ربا، لأني إذا أعطيته أكثر مما بعت به فهذا من مصلحته، والربا الأصل فيه الظلم، وهذا ليس فيه ظلم، بل فيه فضل.
مسألة: عكس مسألة العينة، أن أبيع عليه شيئاً نقداً بثمن ثم اشتريه منه مؤجلاً بأكثر.
مثاله: أن أبيع عليه السيارة بعشرين ألفاً نقداً، ثم أشتريها منه بخمسة وعشرين إلى سنة، فهل هذا جائز؟
ظاهر كلام المؤلف: «لا بالعكس» أنه يجوز، لأن محذور الربا فيها بعيد، لكن فيها عن أحمد روايتان:
ـ رواية أنها كمسألة العينة فلا تجوز.
ـ ورواية أنه جائز بلا حيلة.
والصحيح الجواز إلا إذا علمنا أنها حيلة.
قوله: «وإن اشتراه بغير جنسه» أي اشترى الذي باعه مؤجلاً بنقد غير جنس النقد الذي باعه به، مثل أن يكون باعه بذهب فيشتريه بفضة، يقول المؤلف: إن ذلك جائز؛ لأن التفاضل بين الذهب والفضة جائز، وإذا كان جائزاً فلا حرج؛ لأننا منعنا فيما إذا اشتراه بأقل مما باعه نسيئة واشتراه نقداً، عللنا ذلك بأنه باع دراهم بدراهم مع التفاضل وجعل هذه السلعة واسطة.
وظاهر كلام المؤلف ولو كان جنسه مما يجري ربا النسيئة فيه بينه وبين الثمن، فإنه يجوز، مثاله: بعت هذا البيت بمائة دينار ـ تساوي ألف درهم ـ مؤجلاً ثم رجعت إليه واشتريته بثمانمائة درهم نقداً، فعلى كلام المؤلف يجوز؛ لأنني اشتريته بغير ما بعته به؛ لأن التفاضل بين الذهب والفضة جائز ولا يجري بينهما ربا الفضل، ولكن الصحيح أنه لا يجوز إذا اشتراه بثمن يجري ربا النسيئة بينه وبين الثمن الذي باعه به؛ لأننا نقول: وإن انتفى ربا الفضل فعندنا ربا النسيئة، وهو ممنوع شرعاً وقد يتحيل الإنسان عليه بمثل هذه الصورة.
نعم لو أنني بعت البيت بمائة درهم إلى سنة ثم اشتريته بمائتي كيلو تمر نقداً، فهذا جائز ولا إشكال؛ لأن التفاضل والنسيئة بين الدراهم والتمر جائزان، وإذا جاز التفاضل والنسيئة بينهما على وجه صريح، فهذه المسألة تجوز من باب أولى.
والخلاصة أن هذه المسألة لها ثلاث صور:
الأولى: بعت عليك هذا البيت بألف درهم لمدة سنة، واشتريته بثمانمائة درهم نقداً، فهذه الصورة لا تجوز، وهذه هي مسألة العينة.
الثانية: بعت عليك هذا البيت بعشرة دنانير إلى سنة ـ تساوي مائة درهم ـ ثم اشتريته نقداً بثمانين درهماً، فعلى كلام المؤلف تجوز، لأن الثمن الذي اشتريته به ليس من جنس الثمن الذي بعت به.
الثالثة: بعته عليك بمائة درهم إلى سنة، ثم اشتريته بمائة كيلو تمر نقداً، فهنا تجوز حتى على كلام المؤلف لأنه قال: «بغير جنسه» .
فعندنا الآن: إذا اشتراه بجنس الثمن فهو حرام قولاً واحداً.
إذا اشتراه بغير جنسه مما لا نسيئة بينه وبين الثمن، فهو جائز قولاً واحداً.
إذا اشتراه بغير جنسه ولكن يجري ربا النسيئة بينه وبين الثمن، فعلى كلام المؤلف يجوز، وعلى القول الراجح لا يجوز؛ لأننا نقول: وإن كان ربا الفضل بين الثمن الأول والثاني جائزاً لكن ربا النسيئة ممنوع.
وهذا قد يتخذ حيلة على بيع الذهب بالفضة مع التأجيل وهو غير جائز.
قوله: «أو بعد قبض ثمنه» أي: لو اشتراه بعد قبض ثمنه بأقل، فلا بأس، وكذلك لو اشتراه بأكثر أو بمساوٍ.
مثاله: باع السيارة بعشرين ألفاً إلى سنة، ولما تمت السنة قبض عشرين ألفاً، ثم اشتراها من المشتري بخمسة عشر ألفاً، فهذا جائز؛ لأن الحيلة منتفية هنا، فإذا اشتراها بأقل مما باعها به بعد قبض الثمن فلا بأس.
قوله: «أو بعد تغير صفته» مثاله: أن أبيع عليه بقرة سمينة بمائة درهم إلى ستة أشهر، وبعد مضي ثلاثة أشهر هزلت البقرة، فأصبحت لا تساوي إلا نصف القيمة، فاشتراها البائع بنصف قيمتها، أي: بأقل مما باع نقداً، يقول المؤلف: لا بأس بذلك؛ لأن النقص هنا ليس في مقابل الأجل، ولكن في مقابل تغير الصفة.
لكن ينبغي أن يقيد هذا بما كان الفرق بين الثمنين، هو ما نقصت به العين بسبب التغير، لا من أجل التأجيل والنقد، فلا بد أن يكون نقص الثمن بمقدار نقص الصفة.
فمثلاً إذا قدرنا هذه البقرة هزلت وصارت بعد أن كانت تساوي مائتين إلى أجل، لو بعناها الآن لكانت تساوي مائة وثمانين، فاشتراها بهذا السعر، فهذا جائز؛ لأن النقص مقابل نقص الصفة، لكن لو كانت لم تنقص إلا عشرين باعتبار الصفة، وهو اشتراها بمائة وستين، وفرق العشرين هذه من أجل الفرق بين التأجيل وبين النقد فهذا حرام؛ لأن الفرق الذي حصل الآن بين الثمنين، من أجل تغير الصفة ومن أجل التأجيل، فلذلك كان حراماً؛ لأن هذه هي مسألة العينة فصار لا بد من هذا القيد.
مثال آخر: باع السيارة بعشرين ألفاً إلى سنة، وبعد مضي ثلاثة أشهر اشتراها بثمانية عشر ألفاً، والسيارة الآن تغيرت فصار فيها صدمات ومشت مسافة أكثر، فنقول: إذا كان نقص الألفين بمقدار نقص الصفة، فهذا جائز، ولكن إن كان أقل ونقص من أجل النقد، فهذا لا يجوز.
قوله: «أو من غير مشتريه» أي: إذا اشتراها بأقل من غير مشتريها، مثاله: إذا باع السلعة بثمن مؤجل، ثم إن الذي اشتراها باعها على آخر، ثم اشتراها البائع الأول من الآخر بثمن منقود أقل، فهذا جائز؛ لأن محذور الربا هنا بعيد، إذ إن التعامل صار مع طرف ثالث.
مثال آخر: بعت هذه السيارة بمائة ألف إلى سنة، ثم إن صاحبها باعها إلى شخص آخر بما شاء من قليل أو كثير، أو وهبها له، ثم اشتريتها أنا من الثاني بثمانين ألفاً نقداً، فهذا جائز؛ لأن المعاملة هذه مع طرف ثالث، ليست مع الطرف الذي بعت السيارة عليه، فإذاً يكون محذور الربا بعيداً فيصح.
مثال ثالث: بعت هذه السيارة بمائة ألف إلى سنة، ثم مات المشتري وانتقلت السيارة إلى وارثه، فاشتريتها من وارثه بثمانين ألفاً نقداً، فهذا جائز؛ لأني اشتريتها من غير مشتريها، فمحذور الربا بعيد.
قوله: «أو اشتراه أبوه» أي: أبو البائع، مثاله: باع زيد سيارته بمائة ألف على شخص إلى سنة، ثم إن أبا زيد اشترى هذه السيارة ممن اشتراها من ابنه بثمانين ألفاً نقداً، فهذا لا بأس به؛ لأن المعاملة الآن مع طرف ثالث، إلا إذا كان للأب شركة في هذه السيارة فإنه لا يجوز؛ لأنها ستعود إلى الطرف البائع أولاً.
قوله: «أو ابنه جاز» : إذا اشتراها ابنه، بأن باع زيد هذه السيارة على شخص بمائة ألف إلى سنة، ثم إن ابنه اشتراها من الذي باع عليه أبوه بثمانين نقداً، فإن هذا لا بأس به؛ لأن المعاملة صارت مع طرف ثالث، ولهذا قال: «جاز» ، ولكن بشرط أن لا يكون شريكاً فيها.
قوله في الروض[(162)]: «ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بأكثر ليتوسع بثمنه فلا بأس وتسمى مسألة التورق».
يقول: «ومن احتاج إلى نقد» مثاله: إنسان يريد أن يتزوج وليس عنده أموال فاشترى ما يساوي مائة بأكثر، أي: اشترى سيارة تساوي مائة بأكثر مؤجلة ليتوسع بثمنه، بأن يبيعها نقداً لغير من باعها عليه بأقل مما اشتراها به مؤجلاً فلا بأس وتسمى مسألة التورق، وهذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد.
فمن العلماء من قال: هي جائزة؛ لأن هذه السلعة قد يشتريها الإنسان لغرض مقصود بعين السلعة، كرجل اشترى سيارة من أجل أن يستعملها، أو يكون الغرض قيمة السيارة، فاشتراها لأجل أن يبيعها ويتوسع بالثمن، فهذا الغرض كالغرض الأول، لكن الغرض الأول أراد الانتفاع بعينها، وهذا أراد الانتفاع بقيمتها فلا فرق.
القول الثاني: إنها حرام، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المروي عن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ.
ووجه ذلك: أن مقصود الذي اشترى السيارة هو الدراهم، فكأنه أخذ دراهم قدرها ثمانون بدراهم قدرها مائة إلى أجل، فيكون حيلة، وقد نص الإمام أحمد أن مسألة التورق من مسائل العينة.
ولكن على القول بأنها حلال لا بد أن يكون الباعث لها الحاجة لقوله: «ومن احتاج»، فلو كان الباعث لها الزيادة والتكاثر فإن ذلك حرام لا يجوز؛ لأن قولهم: «ومن احتاج»، ليست لبيان الواقع ولكنها شرط؛ لأنه إذا لم يكن حاجة فلا وجه لجوازها، إذ إنها حيلة قريبة على الربا.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه (إعلام الموقعين): إن شيخنا ـ رحمه الله ـ كان يُراجع فيها كثيراً لعله يحللها، ولكنه ـ رحمه الله ـ يأبى ويقول: هي حرام، والحيل لا تزد المحرمات إلا خبثاً.
لكن أنا أرى أنها حلال بشروط هي:
الشرط الأول: أن يتعذر القرض أو السلم، أي: أن يتعذر الحصول على المال بطريق مباح، والقرض في وقتنا الحاضر، الغالب أنه متعذر، ولا سيما عند التجار إلا من شاء الله، والسلم ـ أيضاً ـ قليل، ولا يعرفه الناس كثيراً، والسلم هو تعجيل الثمن وتأخير المبيع، أي: آتي للشخص وأقول: أنا محتاج عشرين ألف ريال، اعطني عشرين ألف ريال أعطيك بدلها بعد سنة سيارة صفتها كذا وكذا، أو أعطيك بدلها برّاً أو أرزاً، ويصفه فهذا يسمى السلم، ويسمى السلف، وهو جائز فقد كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يفعلون ذلك السنة والسنتين في الثمار، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»[(163)].
الشرط الثاني: أن يكون محتاجاً لذلك حاجة بيِّنة.
الشرط الثالث: أن تكون السلعة عند البائع، فإن لم تكن عند البائع فقد باع ما لم يدخل في ضمانه، وإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع السلع في مكان شرائها حتى ينقلها التاجر إلى رحله[(164)]، فهذا من باب أولى؛ لأنها ليست عنده، فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة، فأرجو ألا يكون بها بأس، لأن الإنسان قد يضطر أحياناً إلى هذه المعاملات.
------------------------
[68] أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا خير أحدهما صاحبه (2112)؛ ومسلم في البيوع/ باب ثبوت خيار المجلس (1531) (44) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
[69] أخرجه البخاري في البيوع/ باب لا يبع على بيع أخيه (2139)؛ وأخرجه مسلم في النكاح/ باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه (1412) (50) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
[70] وتمامه: «فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم».
أخرجه مسلم في الطهارة/ باب الاستطابة (262) عن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ.
[71] «الروض مع حاشية ابن قاسم» (4/325).
[72] أخرجه مسلم في الأقضية/ باب نقض الأحكام الباطلة ورد المحدثات (1718) (18) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
[73] سبق تخريجه ص(77).
[74] «الروض مع حاشية ابن القاسم» (4/328).
[75] «الروض مع حاشية ابن القاسم» (4/331).
[76] أخرجه البخاري في الأذان/ باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (660) ومسلم في الزكاة/ باب فضل إخفاء الصدقة (1031) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[77] أخرجه مسلم في الإيمان/ باب بيان غلظ تحري إسبال... (106) عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ.
[78] أخرجه ابن ماجه في التجارات/ باب بيع الخيار (2185)؛ وابن حبان (4967) إحسان؛ والبيهقي (6/17) عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ.
وقال البوصيري: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات».
[79] «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (4/332).
[80] وهو المذهب.
[81] سبق تخريجه ص(61).
[82] أخرجه البخاري في البيوع/ باب ثمن الكلب (2237) ومسلم في البيوع/ باب تحريم ثمن الكلب (1567) عن أبي مسعود الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ.
[83] وهو المذهب.
[84] أخرجه مسلم في المساقاة/ باب تحريم ثمن الكلب (1569) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
ولفظه: عن أبي الزبير قال: «سألت جابراً عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: زجر النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك».
[85] أخرجه الإمام أحمد (1/247، 293، 332)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في ثمن الخمر والميتة (3488)؛ وابن حبان (4938) إحسان، والطبراني (12887)؛ والبيهقي (6/13) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ. وصححه ابن حبان، وقال ابن القيم في «الهدي» (5/746): «إسناده صحيح».
[86] لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من اقتنى كلباً إلا كلباً ضارياً لصيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان»، أخرجه البخاري في الذبائح والصيد/ باب من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد أو ماشية (4581)؛ ومسلم في المساقاة/ باب الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه (1574).
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: «من أمسك كلباً فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط إلا كلب حرث أو ماشية»، أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة/ باب اقتناء الكلب للحرث (2322)؛ ومسلم (1575) (59).
ولمسلم: «من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض، فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم» (1575) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[87] سبق تخريجه ص(113).
[88] في البيوع/ باب ما استثني من بيع الكلاب (7/190، 309) والإمام أحمد (3/17) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ، قال النسائي: «منكر»، وانظر: «بيان الوهم والإيهام» (1288).
[89] أخرجه البخاري في الاعتصام/ باب ما يكره من كثرة السؤال (7292)؛ ومسلم في الأقضية/ باب النهي عن كثرة المسائل (1715) عن المغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنه ـ.
[90] رواه ابن أبي شيبة (6/61)؛ والبيهقي (6/16).
[91] وهذا هو المذهب.
[92] أخرجه البخاري في البيوع/ باب بيع الميتة والأصنام (2236)؛ ومسلم في المساقاة/ باب تحريم بيع الخمر والميتة (1581) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
[93] سبق تخريجه ص(120).
[94] سبق تخريجه ص(120).
[95] سبق تخريجه ص(120).
[96] أخرجه الإمام أحمد (2/237، 338، 361)؛ وأبو داود في الطهارة/ باب الوضوء بماء البحر (83)؛ والترمذي في الطهارة/ باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور (69)؛ والنسائي في المياه/ باب الوضوء بماء البحر (1/176)؛ وابن ماجه في الطهارة/ باب الوضوء بماء البحر (386)؛ ومالك (1/22)؛ والشافعي في «المسند» (42) ترتيب؛ والدارمي (1/201)؛ وابن خزيمة (111)؛ والحاكم (1/141)؛ والبيهقي (1/3) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
وصححه: البخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي.
انظر: «التلخيص» (1)؛ و«نصب الراية» (1/95).
[97] أخرجه الإمام أحمد (3/402، 434)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في الرجل يبيع ما ليس عنده (3503)؛ والنسائي في البيوع/ باب بيع ما ليس عند البائع (7/289)؛ والترمذي في البيوع/ باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عنده (1232)؛ وابن ماجه في التجارات/ باب النهي عن بيع ما ليس عندك (2187).
وقال الترمذي: «حديث حسن»، وصححه ابن حزم (5/519)؛ وصححه في «الإرواء» (5/132).
[98] أخرجه البخاري في المناقب/ باب علامات النبوة (3642) عن عروة ـ رضي الله عنه ـ.
[99] أخرجه أبو داود في الوصايا/ باب ما جاء في الرجل يوقف الوقف (2879)؛ والبيهقي (6/160). وإسناده صحيح كما في «الإرواء» (6/30).
وأصل الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ دون ذكر من يلي الوقف، أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في الوقف (2737)؛ ومسلم في الوصية/ باب الوقف (1632).
[100] أخرجه البخاري في الأذان/ باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء (703)؛ ومسلم في الصلاة/ باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (467) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[101] أخرجه ابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2291)، عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ. وصححه البوصيري على شرط البخاري، وصححه ابن حبان (410) إحسان، عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
وأخرجه الإمام أحمد (2/179، 204، 214)؛ وأبو داود في البيوع/ باب الرجل يأكل من مال ولده (3530)؛ وابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2292)، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحسن إسناده في «الإرواء» (3/325).
[102] سبق تخريجه ص(128).
[103] سبق تخريجه ص(34).
[104] وهو المذهب.
[105] أخرجه الدارقطني (3/57)؛ والحاكم (2/53)؛ والبيهقي (6/35) عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ وضعفه البيهقي، والذهبي، وصوب الدارقطني وقفه، وروي بلفظ: «مكة لا تباع ولا تكرى بيوتها»، أخرجه الدارقطني (3/58)؛ والحاكم (2/53)؛ والبيهقي (6/35) عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ وضعفه الدارقطني والبيهقي.
[106] أخرجه البخاري في الحج/ باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها (1588)؛ ومسلم في الحج/ باب نزول الحاج بمكة وتوريث دورها (1351) عن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ.
[107] أخرجه الإمام أحمد (5/364)؛ وأبو داود في الإجارة/ باب في منع الماء (3477) عن رجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام/ باب المسلمون شركاء في ثلاث (2472) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وضعفه البوصيري، وأخرجه ابن ماجه في الموضع السابق عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً (2473) ولفظه: «ثلاث لا يمنعن...»، وصححه البوصيري والحافظ في «التلخيص» (1304).
[108] سبق تخريجه ص(139).
[109] وهو المذهب.
[110] سبق تخريجه ص(139).
[111] في البيوع/ باب بطلان بيع الحصاة (1513).
[112] وهذا هو المذهب.
[113] «الروض مع حاشية ابن قاسم» (4/350).
[114] سبق تخريجه ص(143).
[115] أخرجه البخاري في السلم/ باب السلم في كيل معلوم (2240)؛ ومسلم في المساقاة/ باب السلم (1604).
[116] وهذا هو المذهب.
[117] «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (4/353).
[118] سبق تخريجه ص(143).
[119] كما في حديث أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص».
أخرجه الإمام أحمد (3/42)؛ وابن ماجه في التجارات/ باب النهي عن شراء ما في بطون الأنعام (2196).
وضعفه الحافظ في «البلوغ» (821) وكما في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع المضامين والملاقيح، أخرجه البزار (1267) «كشف الأستار» وضعفه الحافظ في «البلوغ» (824)، وأخرجه البزار (1268) «كشف الأستار»؛ والطبراني في «الكبير» (11581) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وأخرجه عبد الرزاق (14138) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ والحديث صححه ابن القيم في «الهدي» (5/819). والملاقيح جمع ملقوح وهو جنين الناقة، قاله ابن الأثير (4/263).
[120] أخرجه البخاري في البيوع/ باب بيع الغرر وحبل الحبلة (2143)؛ ومسلم في البيوع/ باب تحريم بيع حبل الحبلة (1514) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
[121] رواه ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا يباع صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع»، أخرجه الدارقطني (3/14)؛ والطبراني في «الكبير» (11935) وفي «الأوسط» (3708)؛ والبيهقي (5/340).
وأخرجه أبو داود في «المراسيل» عن عكرمة (183)، وأخرجه أيضاً موقوفاً على ابن عباس (182)، وكذا ابن أبي شيبة (6/533)، قال الحافظ في «البلوغ» (833): «إسناده قوي».
ورجح البيهقي (5/340)؛ والحافظ في «الدراية» (2/120) وقفه على ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ
[122] وهو المذهب.
[123] سبق تخريجه ص(143).
[124] أخرجه البخاري في البيوع/ باب بيع المنابذة (2146)؛ ومسلم في البيوع/ باب بيع الملامسة والمنابذة (1511) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[125] سبق تخريجه ص(143).
[126] أخرجه البخاري في الأدب/ باب رحمة الناس والبهائم (6011)؛ ومسلم في البر والصلة/ باب تراحم المؤمنين (2586) عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ واللفظ لمسلم.
[127] سبق تخريجه ص(153).
[128] سبق تخريجه ص(118).
[129] أخرجه الإمام أحمد (3/221، 250)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها (3371)؛ والترمذي في البيوع/ باب ما جاء في كراهية بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها (1228)؛ وابن ماجه في التجارات/ باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها (2217)؛ والحاكم (2/19) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ. وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وقال في «الإرواء» (5/211): «صحيح».
[130] سبق تخريجه ص(143).
[131] سبق تخريجه ص(153).
[132] 4/363.
[133] هذا هو المذهب.
[134] أخرجه الترمذي في صفة القيامة/ بابٌ (2473) وقال: «حسن غريب»؛ وابن ماجه في الرهون/ باب الرجل يستقي كل دلو بتمرة (2447)؛ وصححه البوصيري في «مصباح الزجاجة».
[135] أخرجه البخاري في الأذان/ باب لا يسعى إلى الصلاة (636)؛ ومسلم في الصلاة/ باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (602) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[136] أخرجه البخاري في الجمعة/ باب الأذان يوم الجمعة (912) عن السائب بن يزيد ـ رضي الله عنه ـ.
[137] أخرجه الإمام أحمد (4/126)؛ وأبو داود في السنة/ باب لزوم السنة (4606)؛ والترمذي في العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة (2676)؛ وابن ماجه في المقدمة/ باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (42) عن العرباض بن سارية ـ رضي الله عنه ـ وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه ابن حبان (5)؛ والحاكم (1/96).
[138] أخرجه البخاري في الأذان/ باب الأذان قبل الفجر (621)؛ ومسلم في الصيام/ باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (1093) عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ.
[139] سبق تخريجه ص(187).
[140] سبق تخريجه ص(97).
[141] أخرجه البخاري في المكاتب/ باب استعانة المكاتب (2563)؛ ومسلم في العتق/ باب إنما الولاء لمن أعتق (1504) (8) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
[142] أخرجه مسلم في البيوع/ باب تحريم تلقي الجلب (1519) (17) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[143] وهذا هو المذهب.
[144] أخرجه البخاري في البيوع/ باب قول الله عز وجل: {{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا}} (2058)، ومسلم في الصلاة/ باب في قوله تعالى: {{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً}} (863) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
[145] لحديث سمرة مرفوعاً: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر»، أخرجه الإمام أحمد (5/15، 18، 20)؛ وأبو داود في العتق/ باب فيمن ملك ذا رحم محرم (3949)؛ والترمذي في الأحكام/ باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم (1365)؛ وابن ماجه في العتق/ باب من ملك ذا رحم محرم فهو حر (2524)؛ والحاكم (2/214)؛ والبيهقي (10/289) عن سمرة ـ رضي الله عنه ـ قال الحافظ في «البلوغ»: رجح جمع من الحفاظ أنه موقوف (1425) وانظر: «التلخيص» (2149)؛ و«الدراية» (2/85)؛ و«نصب الراية» (3/278) وروي عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أخرجه عنه النسائي في «الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» (7157)؛ وابن ماجه (2525)؛ والترمذي تعليقاً في الموضع السابق، قال النسائي: منكر، وقال الترمذي: هو حديث خطأ عند أهل الحديث.
[146] أخرجه الإمام أحمد (2/174)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في الرجل يبيع ما ليس عنده (3504)؛ والترمذي في البيوع/ باب في كراهية بيع ما ليس عنده (1234)؛ والنسائي في البيوع/ باب بيع ما ليس عند البائع (7/288، 295)؛ وابن حبان (4321) إحسان؛ والحاكم (2/17) عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ.
وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.
[147] سبق تخريجه ص(93).
[148] أخرجه البخاري في الإيمان/ باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (13)؛ ومسلم في الإيمان/ باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه (45) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
[149] سبق تخريجه ص(93).
[150] أخرجه البخاري في المظالم/ باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ (2442) ومسلم في الأدب/ باب تحريم الظلم (2580) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[151] سبق تخريجه ص(93).
[152] أخرجه البخاري في البيوع/ باب لا يبع على بيع أخيه (2140)؛ ومسلم في النكاح/ باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك؛ (1413) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[153] أخرجه مسلم في المساقاة/ باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً (1587) (81) عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ.
[154] سبق تخريجه ص(77).
[155] أخرجه الإمام أحمد (2/83، 139)؛ وأبو داود في البيوع/ باب اقتضاء الذهب من الورق (3354)؛ والترمذي في البيوع/ باب ما جاء في الصرف (1242)؛ والنسائي في البيوع/ باب بيع الفضة والذهب (7/281)، وابن ماجه في التجارات/ باب اقتضاء الذهب من الورق (2262)؛ وصححه ابن حبان (18620) إحسان؛ والحاكم 2/44، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصوَّب شعبة والترمذي والبيهقي أنه موقوف (2/284)، ورجحه الحافظ في الدراية (2/155).
[156] سبق تخريجه ص(208).
[157] أخرجه الإمام أحمد (2/174) وأبو داود في البيوع/ باب في الرجل يبيع ما ليس عنده (3504) والترمذي في البيوع/ باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك (1234) والنسائي في البيوع/ باب سلف وبيع (7/295) وابن حبان (4321) والحاكم 2/17 عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.
[158] أخرجه ابن حزم معلقاً (9/48)، وعزاه ابن القيم في تهذيب السنن للحافظ مُطيٍّ وصححه ابن القيم.
[159] أخرجه الإمام أحمد (2/28، 42، 84)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في النهي عن العينة (3462) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وصححه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (2484)؛ وابن القيم في «تهذيب السنن» (5/104).
[160] أخرجه الإمام أحمد (5/191)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في بيع الطعام قبل أن يستوفى (3499)؛ وصححه ابن حبان (4984)؛ والحاكم (2/40) عن زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ.
وقال صاحب التنقيح: «سنده جيد» كما في «التعليق المغني على سنن الدارقطني» (3/213)؛ وأخرجه البخاري في البيوع/ باب من رأى إذا اشترى طعاماً جزافاً... (2137)؛ ومسلم واللفظ له في البيوع/ باب بطلان بيع المبيع قبل القبض (1527) (38)، عن ابن عمر قال: «قد رأيت الناس في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا ابتاعوا طعاماً جزافاً يُضرَبون في أن يبيعوه في مكانهم ذلك حتى يؤوه إلى رحالهم».
[161] سبق تخريجه ص(77).
[162] «الروض مع حاشية ابن قاسم» (4/388).
[163] سبق تخريجه ص(149).
[164] سبق تخريجه ص(212).
|