المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثامن
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثامن
باب الخيار
 

 

بَابُ الخِيارُ

 

وَهُوَ أَقْسَامٌ: الأوَّلُ خِيَارُ المَجْلِسِ.

قوله: «باب الخيار» .

الخيار اسم مصدر، وفعله اختار، ولا نقول: إنه مصدر؛ لأن مصدر اختار اختيار، وكل كلمة تدل على معنى المصدر، ولكنها لا تتضمن حروف الفعل فإنها تسمى اسم مصدر، مثل كلام اسم مصدر لتكليم، وسلام اسم مصدر لتسليم، وسبحان اسم مصدر لتسبيح، وهلم جرّاً.

والخيار هو الأخذ بخير الأمرين، يقال: اختار، أي: أخذ بخير الأمرين فيما يرى، وإن كان بعضهم يقول: طلب خير الأمرين، إلا أن قولنا: الأخذ بخير الأمرين، هو الأولى؛ لأنه قد لا يكون طالب ومطلوب.

والخيار هنا الأخذ بخير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ، سواء كان للبائع أو للمشتري.

قوله: «وهو أقسام» أي: أقسام سبعة، وحصرت الأقسام بسبعة بناءً على التتبع والاستقراء، أي: أن أهل العلم تتبعوا النصوص الواردة في الخيار، فوجدوا أنها لا تخرج عن سبعة أو أنهم رأوا أنهم حصروها في هذا الباب بسبعة، وإن كانت هناك أشياء فيها الخيار لم تذكر في هذا الباب، ومنها آخر مسألة في الفصل الذي قبل هذا، فإنها لم تذكر في باب الخيار.

قوله: «الأول: خيار المجلس» الإضافة من باب إضافة الشيء إلى مكانه والمجلس موضع الجلوس، والمراد به هنا: مكان التبايع، حتى لو وقع العقد وهما قائمان، أو وقع العقد وهما مضطجعان، فإن الخيار يكون لهما وهو خيار مجلس؛ لأن المراد بالمجلس مكان التبايع، لا خصوص الجلوس.

 

َثْبُتُ فِي الَبيْعِ والصُّلْحِ بِمَعْنَاهُ، وَإِجَارَةٍ، والصَّرْفِ، والسَّلَمِ، دُونَ سَائِرِ العُقُودِ

قوله: «يثبت في البيع» أي: للبائع والمشتري.

ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا»[(190)]. وقوله: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منها بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع» [(191)]، «ما» مصدرية ظرفية يعني مدة عدم تفرقهما، وقوله: «وكانا جميعاً» تأكيد لعدم التفرق، وفيها فائدة وهي ما إذا تبايع رجلان بالهاتف فإنه في هذه الحال لا خيار، بمجرد ما يقول أحد: بعت والثاني يقول: اشتريت وجب البيع.

وقد أخذ بالحديث الأئمة الثلاثة، وأنه يثبت خيار المجلس، وقال مالك: إن المراد به التفرق بالأقوال، وأنه إذا تم العقد فلا خيار في المجلس؛ لأن التفرق بالأقوال يحصل بالقبول بعد الإيجاب، والبيع من العقود اللازمة التي تلزم من حينها ولكن قوله ـ رحمه الله ـ ضعيف جداً، لأن حمله على التفرق بالأقوال يناقض الحديث؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إذا تبايع الرجلان» ، والتبايع يتم بالإيجاب والقبول، ثم قوله: «ما لم يتفرقا وكانا جميعاً» ، المراد في المجلس.

فالصواب ما عليه الجمهور أن خيار المجلس ثابت ما دام المتعاقدان في المجلس.

والحكمة من خيار المجلس هي أن الإنسان قد يتعجل في بيع الشيء أو شرائه ويقع ذلك منه من غير تروٍّ، فيحتاج إلى أن يعطى هذه الفسحة، وإنما أعطي هذه الفسحة لأنه إذا وقع الشيء في ملك الإنسان فإن الرغبة التي كانت عنده قبل أن يتملكه تقل فجعل الشارع له الخيار، وهذا من حكمة الشارع، ولم يكن طويلاً لانتفاء الضرر.

قوله: «والصلح بمعناه» أي: يثبت الخيار في الصلح الذي بمعنى البيع، فالضمير في قوله: «بمعناه» يعود على البيع، وذلك أن الصلح قسمان، كما سيأتي في بابه، أحد القسمين ما كان بمعنى البيع، مثل أن يقر الإنسان لشخص بمائة صاع من البر، ثم يصالحه المقر له على هذه الأصواع بمائة درهم، فهذه مصالحة بمعنى البيع؛ لأنها معاوضة واضحة فيثبت به الخيار قياساً على البيع.

قوله: «وإجارةٍ» أي: وكذلك يثبت في الإجارة؛ لأن الإجارة بيع منافع، فالرجل إذا أجر آخر بيتاً سنة بمائة، فقد باع عليه منافع هذا البيت، والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا تبايع الرجلان» [(192)] ووجه دلالته على ذلك أن نقول: إن الإجارة إما أن تدخل في الحديث بالشمول اللفظي، أو تدخل في الحديث بالشمول المعنوي، فإن كانت الإجارة بيعاً فهي داخلة في الشمول اللفظي، وإن كانت بمعنى البيع وليست بيعاً فهي داخلة في العموم المعنوي، لأنه لا فرق بينها وبين البيع، كلاهما عقد معاوضة.

قوله: «والصرف» أي: ويثبت ـ أيضاً ـ في الصرف؛ لأن الصرف بيع، لكنه بيع خاص بالنقود، فبيع ذهب بفضة صرف، وبيع ذهب بحديد ليس بصرف، والعلماء ـ رحمهم الله ـ خصوا الصرف بباب وأحكام؛ لأنه يختلف عن غيره من أنواع المبيعات، ولذلك نصوا عليه بخصوصه، وإلا فهو من البيع، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء»[(193)].

قوله: «والسلم» السلم يثبت به خيار المجلس، والسلم أن يسلم الإنسان إلى البائع دراهم مع تأجيل السلعة، مثل أن يقول: الرجل للفلاح أريد أن أشتري منك ثمراً بعد سنة أو سنتين بألف درهم، وهذه ألف الدرهم، هذا يسمى سلماً، ويسمى سلفاً، وكلاهما صحيح، أما تسميته سلماً؛ فلأن المشتري أسلم الثمن، وأما تسميته سلفاً؛ فلأنه قدم، والسلف بمعنى المقدم، ومنه قولنا: السلف الصالح؛ لأنهم متقدمون، فالسلم يثبت فيه خيار المجلس، لأنه بيع، وإن كان له أحكام خاصة فيدخل في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا تبايع الرجلان» ، فكل واحد منهما بالخيار.

قوله: «دون سائر العقود» ؛ وذلك لأن الأصل أن العقد بمجرد انعقاده يترتب عليه مقتضاه، خولف في البيع لورود النص فيه فيبقى ما عداه على الأصل، مثل: الرهن، والوقف، والهبة، والمساقاة، والحوالة، والعتق، والنكاح، وما أشبه ذلك، فهذه ليس فيها خيار مجلس؛ وذلك لأن هذه العقود لا تخلو من حالين:

الأولى: أن تكون من العقود الجائزة، فهذه جوازها يغني عن قولنا إن فيها الخيار؛ لأن العقد الجائز يجوز فسخه حتى بعد التفرق، سواء في مجلس العقد أو بعده.

الثانية: أن تكون من العقود النافذة، التي لقوة نفوذها لا يمكن أن يكون فيها خيار، مثل العتق والوقف.

أما المساقاة: فقيل إنها عقد جائز، وعلى هذا فلا خيار فيها؛ لأن المتساقين كل منهما له أن يفسخ.

والمساقاة أن يدفع الإنسان بستانه لشخص فلاح عامل، ويقول: خذ هذا اعمل فيه ولك نصف ثمره، فالمشهور من المذهب أنها عقد جائز، فللعامل أن يفسخ، ولصاحب البستان أن يفسخ، إذاً لا حاجة أن نقول: له خيار مجلس؛ لأن الخيار ثابت، سواء كانوا في مجلس العقد أو بعده، وعلى هذا يمكن أن نأخذ من ذلك قاعدة وهي أن كل عقد جائز فليس فيه خيار المجلس، لأنه يستغنى بجوازه عن الخيار، ما دام أن الإنسان يملك أن يفسخ هذا العقد ولو بعد التفرق فلا حاجة أن نقول: فيه خيار مجلس.

والرهن وهو عقد لازم من أحد الطرفين، وجائز من أحد الطرفين، فمن له الحق، فهو في حقه جائز، ومن عليه الحق فهو في حقه لازم.

مثاله: استقرضت من شخص مالاً فطلب مني رهناً فأعطيته كتاباً، فهذا الرهن من قبلي أنا لازم، ومن قبل صاحب الحق جائز؛ لأن له أن يفسخ الرهن، ويقول: خذ كتابك، ويبقى الدين في ذمتي ديناً مرسلاً.

العتق: لو أعتق الإنسان عبده ثم أراد فسخه في نفس المجلس لم يصح؛ لقوة نفوذه، ومثله الوقف؛ لأن الوقف أخرجه الإنسان لله فلا خيار فيه، ومثله الهبة إذا قبضت لا خيار فيها؛ لأنها ليست عقد معاوضة.

 

وَلكُلٍّ مِنْ المُتَبَايِعَينِ الخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرّقَا عُرْفاً بِأبْدَانِهِمَا وَإِنْ نَفَيَاهُ أَوْ أسْقَطَاهُ سَقَطَ وَإِنْ أسْقَطَهُ أحَدُهُمَا بَقِي خِيَارُ الآخَرِ، ......

قوله: «ولكل من المتبايعين» ، وهما البائع والمشتري، سُمِّيا متبايعين؛ لأن كل واحد منهما يمد باعه إلى الآخر لتسليم ما انتقل عنه، فالبائع يمد يده لتسليم المثمن، والمشتري يمد يده لتسليم الثمن واستلام ما آل إليه.

قوله: «الخيار ما لم يتفرقا عرفاً بأبدانهما» أي: لكل منهما الخيار ما لم يتفرقا، والدليل حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» [(194)]، فإن تفرقا فلا خيار، ولكن بماذا يكون التفرق، هل هو محدود شرعاً؟

الجواب: يقول العلماء: إنه محدود عرفاً؛ لأن الشرع لم يحدده، وكل شيء يأتي به الشرع من غير تحديد، فإنه يرجع فيه إلى العرف، كما قال الناظم:

وكل ما أتى ولم يحدد

بالشرع كالحرز فبالعرف احدد[(195)]

ولهذا قال المؤلف: «ما لم يتفرقا عرفاً بأبدانهما» .

ولكن كيف التفرق عرفاً؟.

الجواب: ننظر، فإذا كانا يمشيان من الجامع إلى المعهد العلمي فباعه عند الجامع، وجعلا يمشيان إلى المعهد العلمي، وهذا المشي يستغرق ثلث ساعة على الأقل، فهذان الرجلان لهما الخيار حتى يتفرقا عند المعهد، فما داما يمشيان جميعاً مصطحبين فلهما الخيار.

وإذا كانا في حجرة وتبايعا، ثم خرج أحدهما من الحجرة إلى الحمام لقضاء الحاجة فقد تفرقا؛ لأن المجلس الأول انتهى.

وإذا كانا في الطيارة متجهين إلى محل بعيد، مقداره ثلاث عشرة ساعة وتبايعا عند إقلاعها، ولا تهبط إلا بعد ثلاث عشرة ساعة، فتكون مدة الخيار ثلاث عشرة ساعة ما داما لم يتفرقا، وحل هذه المشكلة أن يتبايعا على أن لا خيار، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث: «فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع»[(196)]، ومعنى ذلك أن يسقطا الخيار، فيتبايعا على أن لا خيار، وأنه بمجرد الإيجاب والقبول يلزم البيع ولا خيار.

مسألة: فإن لم ينفياه في العقد، وبعد مضي عشر دقائق، قال: يا فلان فلنقطع الخيار؛ لأنه خاف أن يفسخ صاحبه البيع فقطعاه صح؛ لأن الحق لهما وقد أسقطاه، فإن أبى أحدهما لم يصح، لكن هل يسقط خيار الآخر الذي قال: سنسقط الخيار؟

الجواب: في الحديث «أو يخير أحدهما الآخر» [(197)]، فإن خير أحدهما الآخر، أي: جعل الخيار له وحده، سقط خيار الذي أسقط خياره، والظاهر أن طلب إسقاط الخيار ليس إسقاطاً للخيار.

مسألة: لو أنه خاف أن يفسخ البيع، فهل يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله؟

الجواب: في مفارقته المكان إسقاط لحق أخيه الذي جعله الشرع له، فيكون هذا كالتحيل على إسقاط الشفعة في الشقص المبيع، وما أشبه ذلك، وعلى كل حال هو تحيل على إسقاط حق أخيه.

فإن قال قائل: الحديث عام ما لم يتفرقا وليس فيه تفصيل.

قلنا: المراد التفرق الذي لم يقصد به إسقاط حق الآخر، فإن قصد به إسقاط حق الآخر فالأعمال بالنيات، ولهذا جاء في الحديث: «ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله» [(198)].

قوله: «وإن نفياه» أي: نفيا الخيار قبل ثبوته، وكيفية النفي أن يتبايعا على أن لا خيار بينهما، فيقول: أنا سأبيع عليك، لكن لا خيار بيننا، فقال: لا بأس، فيسقط الخيار، ويقع العقد لازماً بمجرد الإيجاب والقبول.

قوله: «أو أسقطاه سقط» بعد ثبوته، أي: بعد أن تم العقد ومضى دقيقة أو دقيقتان أو عشر دقائق، اتفقا على إسقاط الخيار فإنه يسقط، والتعليل أن الحق لهما، فإذا رضيا بإسقاطه سقط.

فإن قال قائل: إن هذا الشرط يحرم ما أحل الله؛ لأن الله أحل لكل منهما الفسخ، فإذا شرطا أن لا خيار أو أسقطاه، فهذا تحريم ما أحل الله.

قلنا: هذا التحريم ليس لحق الله، بل لحق الآدمي، وحق الآدمي الأمر فيه إليه، فإذا أسقطاه بعد العقد أو نفياه مع العقد فلا بأس.

قوله: «وإن أسقطه أحدهما بقي خيار الآخر» أي: إذا تم العقد، وقال: أحدهما أسقطت خياري، أو طلب منه الآخر أن يسقط خياره فأسقطه، بقي خيار صاحبه، ويدل لذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع» [(199)]. فدل ذلك على أنه يصح أن يسقط أحدهما الخيار عنه لصاحبه.

 

وَإِذَا مَضَتْ مُدَّتُه لَزِمَ البَيْعُ الثّانِي: أنْ يَشْتَرِطَاهُ فِي العَقْدِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَلَو طَوِيْلَةً وابتِدَاؤُهَا مِن العَقْدِ.

قوله: «وإذا مضت مدته لزم البيع» عبارة المؤلف توهم أن خيار المجلس له مدة معينة إذا مضت بطل، ولكن هذا ليس مراداً للمؤلف، بل مراده إذا كان التفرق، ولو قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: وإذا تفرقا لزم البيع، لكان أولى لموافقة الحديث لقوله: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع» [(200)].

وقوله: «لزم البيع» أي: وقع لازماً، ليس لأحدهما فسخه إلا بسبب، وهذه المسألة مجمع عليها، ومستند الإجماع، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فقد وجب البيع» ، واللزوم هنا من الطرفين، أي: يلزم من جهة المشتري، ومن جهة البائع، وبهذا عرفنا أن البيع من العقود اللازمة.

والعقود ثلاثة أقسام:

الأول: لازمة من الطرفين.

الثاني: جائزة منهما.

الثالث: لازمة من أحدهما دون الآخر.

فاللازمة من الطرفين لا يمكن فسخها إلا برضاهما، أو بسبب شرعي آخر، مثل: البيع والإجارة.

والجائزة من الطرفين يجوز فسخها برضاهما أو بغير رضاهما، كالوكالة.

والجائزة من طرف واحد كالرهن، فهو جائز من قبل المرتهن، لازم من قبل الراهن؛ لأن الراهن لا يمكنه أن يفسخ الرهن، أما المرتهن فله أن يفسخه.

مسألة ذكرها العلماء: قالوا: إذا تولى واحد طرفي العقد فمتى يكون الخيار؟

يقولون: ليس فيه خيار؛ لأننا لو قلنا له الخيار بقي البيع جائزاً؛ لأنه لا يمكن أن يفارق الشخص نفسه.

مثاله: وكلتك أن تشتري لي كتاباً ووكلك آخر أن تبيعه له، فقلت: اشتريت الكتاب من فلان لفلان، فهنا تولى الوكيل طرفي العقد، والصحيح أن تولي طرفي العقد فيه الخيار ويكون المدار على مفارقة هذا الرجل للمكان الذي أمضى فيه البيع، فإذا قال الوكيل: اشتريت هذا الكتاب من فلان لفلان، ثم قام ومشى فالآن لزم البيع.

قوله: «الثاني» أي من أقسام الخيار.

قوله: «أن يشترطاه» «الثاني» : مبتدأ، وجملة «أن يشترطاه» ، «أن» وما دخلت عليه في تأويل المصدر خبر المبتدأ، فنفهم من قول المؤلف: «الثاني: أن يشترطاه» أن هذا القسم خيار شرط، أي: الأصل عدمه إلا إذا اشترط؛ لأن إضافته إلى الشرط من باب إضافة الشيء إلى سببه، فهذا خيار الشرط.

وقوله: «أن يشترطاه» الفاعل المتبايعان فلا بد أن يكون الشرط من البائع والمشتري، والمفعول به الهاء تعود على الخيار، وهذا القسم دل عليه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» [(201)]، فمفهوم هذا الحديث أن كل شرط في كتاب الله فهو صحيح، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم» [(202)]، ويمكن أن يستدل له من القرآن في قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] ، والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء بالعقد وما يشترط فيه؛ لأن الشروط التي في العقد أوصاف في العقد.

قوله: «في العقد» في للظرفية، فيقتضي أن يكون هذا الشرط في نفس العقد، أي: في صلب العقد، وليس قبله وليس بعده، لكن تقييد ذلك في صلب العقد فيه نظر.

والقول الثاني : أنه يصح في صلب العقد، وفي زمن الخيارين؛ لأن حال الخيار كحال العقد.

والقول الثالث : أنه يصح قبل العقد وفي صلب العقد وفي زمن الخيارين؛ لأن الحق لهما، فإذا اشترطاه، ورضي كل واحد منهما بذلك فلا بأس، فلو قال: أنا أشتري منك البيت، لكن اجعل لي الخيار لمدة شهر، فقال: لا بأس، ثم قال: بعتك البيت بمائة ألف، فقال: قبلت، فهنا يصح الشرط؛ لأنه حق لهما وقد اتفقا عليه، وهذا مثل ما سبق في الشروط في البيع.

إذاً قول المؤلف: «في العقد» ، يقتضي أنه لا يصح شرطه قبل العقد ولا بعد العقد، وظاهره ولو في زمن خيار المجلس أو الشرط.

فلو اتفقا على الشرط قبل العقد ما صح؛ لأنه إضافة شرط قبل وجود السبب، والسبب هو العقد، ولا خيار بدون عقد، والشيء قبل وجود سببه ملغى ولا عبرة به، ولو اتفقا عليه بعد انتهاء زمن الخيار ـ أيضاً ـ لا يصح؛ لأنه إلحاق شرط بعد اللزوم، واللازم لا ينقلب جائزاً، وهذا الشرط مخرج للعقد عن مقتضاه الشرعي فلا يصح.

والصحيح أنه يصح قبل العقد؛ لأننا نقول: العقد هنا مبني على اتفاق سابق، وأنتم تجوِّزون في باب النكاح لو اشترط الزوج على الزوجة شرطاً، أو الزوجة على الزوج شرطاً قبل العقد فإنه يصح، وكذلك في شروط البيع السابقة إذا شرطت قبل العقد، فإن فيها وجهاً قوياً بالصحة، وعلى هذا نقول: الخيار نوع من الشروط، ولا فرق، ما دمنا نحن متفقين عند العقد أن لكل واحد منا الخيار شهراً، ما الذي يبطل هذا؟! وقد قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] .

كذلك ـ أيضاً ـ الخيار بعد اللزوم، فاللزوم بالتفرق ـ مثلاً ـ من حق المتعاقدين، فإذا رضيا بعد التفرق أن يجعلا أجلاً معيناً لكل منهما الخيار فهو من حقهما، مثل ما يجوز أن يجعلا هذا الخيار عند العقد، فما الذي يمنعه بعد لزومه وهو من حقهما؟! فالصواب في هذه المسألة أنهما إذا ألحقا شرط الخيار بعد لزوم البيع فلكل منهما الخيار، فإن قال قائل: هذا يقتضي أن يكون العقد اللازم جائزاً، وهذا ينافي حكم الشرع.

قلنا: المنافاة نوعان: منافاة مطلقة ومطلق منافاة، أما المنافاة المطلقة، فنعم لا تصح، وأما مطلق المنافاة فتصح، فهنا سيجعل عقد البيع جائزاً إلى مدة لا دائماً، أليس الرجل إذا اشترى شيئاً ملكه ومنافعه من حين العقد، ومع ذلك لو شرط البائع منافع المبيع لمدة سنة فإنه يجوز، وهنا نافى مطلق العقد لا العقد المطلق، لأنه لو كان العقد على كماله وتمامه ما استحق البائع المنافع ولو يوماً واحداً، ثم هذا قد تدعو الحاجة إليه.

وكذلك يصح شرط الخيار مع العقد، وبعد العقد، وزمن الخيار، إما خيار الشرط وإما خيار المجلس، لكن كيف في خيار الشرط؟ الجواب: أن يدخل شرطاً على آخر، مثل: أن يقول: اشتريت منك هذا البيت ولي الخيار ثلاثة أيام، فلما صار اليوم الثالث، قال: أريد أن أمدد الخيار إلى ستة أيام فله ذلك؛ لأن العقد لم يلزم الآن، فلا يلزم إلا بعد انتهاء مدة الخيار.

قوله: «مدة معلومة ولو طويلة» علم من هذا أنه لا بد أن تكون المدة معلومة، بأن يقول: إلى دخول شهر رجب أو يوم كذا أو سنة كذا، لو قال إلى وقت الحصاد والجذاذ، فالمذهب أنه لا يصح؛ لأن الحصاد يختلف، فمن الناس من يحصد مبكراً، ومنهم من يحصد متأخراً، وكذلك الجذاذ ـ جذاذ النخيل ـ يختلف فلا يصح؛ لأنه غير معلوم، والقول الثاني يصح ويكون الحكم متعلقاً بغالبه أو بأوله والمسألة متقاربة، وهذا هو الصحيح.

وقوله: «مدة معلومة» يُخرج المدة المجهولة، واختار ابن القيم أنه تجوز المدة المجهولة إذا كان لها غاية مثل أن يقول: أبيعك هذا البيت ولكن لي الخيار حتى أشتري بيتاً، فهذا له غاية، ولكن وإن قلنا: إن هذا له وجه ينبغي أن يحدد أعلاه بأن يقول: لي الخيار حتى أشتري بيتاً ما لم يتجاوز الشهر مثلاً؛ دفعاً للمماطلة.

والمدة إذا كانت مجهولة دخل ذلك في الغرر، وقد صح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه نهى عن بيع الغرر[(203)]؛ ولأن المدة المجهولة يحصل فيها نزاع وخصومة، وكل شروط أو عقود تستلزم ذلك فإنها ملغاة في الشرع.

فإن شرطاه إلى مدة مجهولة وتبايعا على ذلك، وقلنا: إن الخيار فاسد، فهل لمن فات غرضه الخيار؟

نعم، سبق لنا في باب الشروط في البيع أن كل شرط فاسد لا يفسد العقد، فإن من اشترطه له الخيار إذا فات عليه.

وقوله: «مدة معلومة ولو طويلة» أي لو فرض أنه جعل خيار الشرط لمدة شهر أو سنة أو سنتين فلا بأس.

فإن قال قائل: إن هذا الشرط ليس في كتاب الله، لأنه يستلزم أن يكون العقد اللازم عقداً جائزاً؛ لأنه لو كان مدة الخيار شهراً ـ مثلاً ـ فلكل منها أن يفسخ، فهذا يكون منافياً لمقتضى العقد فيكون باطلاً.

فالجواب: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أجاز للمتعاقدين إسقاط خيار المجلس، وفي إسقاط خيار المجلس تنقيص للمدة التي يكون العقد فيها جائزاً، وهذا فيه زيادة للمدة التي يكون العقد فيها جائزاً ولا فرق بين الزيادة والنقص، بل قد يقال: إن الزيادة أرفق بالمتعاقدين من قطع ما هو لهما.

وظاهر كلام المؤلف: حتى فيما يفسد قبل تمام المدة، مثل أن يشتري منه بطيخاً، وقال: لي الخيار لمدة أسبوع فيصح، فإذا خيف فساده بيع، ثم إن أُمضي البيع فالقيمة للمشتري، وإن فسخ البيع فالقيمة للبائع، ويرجع المشتري بثمنه، هكذا قالوا.

ولكن لو قيل: إنه إذا شرط الخيار في شيء يفسد قبل تمام المدة لا يصح لكان له وجه؛ لأنه إذا بيع فإن كانت القيمة أكثر، فسوف يختار المشتري الإمضاء، وإن كانت أقل فسوف يختار الفسخ، وحينئذٍ يكون ضرر على أحد الطرفين.

قوله: «وابتداؤها من العقد» أي: ابتداء مدة الخيار من العقد؛ لأنها شرطت في العقد فيكون ابتداؤها من العقد، فإذا عقد في تمام الساعة الثانية عشرة عند زوال الشمس، وجعل الخيار يوماً فانتهاؤه عند الساعة الثانية عشرة من اليوم التالي.

فإن قيل: ألا يقال: ابتداؤها من التفرق؛ لأن ما قبل التفرق ثابت بالشرع لا بالشرط؟

فيقال: بل من العقد؛ لأنه لا يمنع أن يتوارد سببان على شيء واحد فيكون ما بين العقد والتفرق ثابتاً بالشرع والشرط، ولا مانع.

لكن إن قال: لي الخيار ثلاثة أيام بعد التفرق فحينئذٍ يكون ابتداؤه من التفرق، على أنه لو قال قائل: لي ثلاثة أيام من التفرق لا يصح؛ لأن التفرق أمده مجهول، فيكون الأمد الذي قيد ابتداؤه به مجهولاً، لكن مثل هذا يتسامح فيه، وغالباً أن التفرق يكون قريباً.

وقوله: «ابتداؤها من العقد» لو شرط الخيار بعد العقد بساعة وهما في مكان البيع، فهل تبتدئ المدة من العقد أو من حين الشرط؟ نقول: من حين الشرط، لكن المؤلف قال: «من العقد» ؛ لأنه يرى أن خيار الشرط إنما يكون في صلب العقد، ولهذا قال: «وابتداؤها من العقد» .

 

وَإِذَا مَضَتْ مُدَّتُهُ أَوْ قَطَعاهُ بَطَلَ وَيَثْبُتُ فِي البَيْعِ والصُّلْحِ بِمَعْنَاهُ، وَالإجَارَةِ فِي الذّمّة، أو عَلَى مُدّةٍ لاَ تَلِي الْعَقْدَ ..........

قوله: «وإذا مضت مدته» أي: مدة خيار الشرط.

قوله: «أو قطعاه بطل» «بطل» جواب الشرط للمسألتين كلتيهما، أي: المسألة الأولى «إذا مضت مدته»، والمسألة الثانية «إذا قطعاه»، ولا يصح أن نقول: إذا مضت مدته بطل؛ لأنه تمت المدة ومضت على أنها صحيحة، فلو قال: إذا مضت مدته لزم البيع، وإن قطعاه بطل لكان أحسن؛ لأن بطلانه بعد تمامه لا وجه له، لكن قد يعتذر عن المؤلف ـ رحمه الله ـ بأنه أراد بذلك الاختصار.

وكذلك ـ أيضاً ـ لو قطعاه، أي: في أثناء المدة اتفقا على إلغاء الخيار فإن ذلك صحيح؛ لأن الحق لهما، مثل: أن يقول: اشتريت منك هذا الشيء ولي الخيار لمدة شهر، وفي أثناء الشهر قالا: نريد إلغاء هذا الشرط، حتى يكون لنا التصرف الكامل فلا بأس.

مثال آخر: بعت هذا البيت على رجل بمائة ألف والخيار لمدة شهر، وبعد مضي نصف الشهر جاء إليَّ المشتري، وقال: نريد أن نقطع الخيار حتى أتصرف بما شئت، وأنت ـ أيضاً ـ تتصرف في الثمن، فوافق البائع فإنه يكون ملغى ويبطل؛ ووجه ذلك أن الحق لهما، فإذا أسقطاه سقط ولا محذور في إسقاطه، فإن مات أحدهما فإن الخيار يكون لورثته؛ لأن المبيع انتقل بحقوقه إلى ورثته، فيكون الخيار لهم.

قوله: «ويثبت في البيع والصلح بمعناه» سبق أن خيار المجلس يثبت في البيع، ويثبت ـ أيضاً ـ في الصلح بمعناه، وقد سبق ـ أيضاً ـ معنى الصلح بمعناه، وهو الصلح على إقرار، مثل أن يقر له بعين أو بدَين، ثم يصالحه على بعضه أو على عين أخرى، أو ما أشبه ذلك، فهذا صلح بمعنى البيع.

قوله: «والإجارة في الذمة» الإجارة في الذمة، مثل أن يؤجره على خياطة ثوب، فيقول: خط لي هذا الثوب بعشرة ريالات، فهذه إجارة على عمل في الذمة، فقال: لي الخيار لمدة يومين فالشرط صحيح، لأنه لا محظور فيه؛ إذ إن هذه إجارة على عمل، والعمل يثبت في الذمة.

قوله: « أو على مدة لا تلي العقد» إذا كان على مدة بأن قال: أجّرتك هذا البيت بمائة ريال سنة من الآن، فإن كانت تلي العقد فإن خيار الشرط فيها لا يصح، وإن كانت لا تلي العقد فإنه يصح، ولو قال المؤلف: ابتداؤها بعد انتهاء الخيار لكان أوضح، وهذا يخالف خيار المجلس؛ لأن خيار المجلس يثبت في الإجارة على المدة مطلقاً، أما خيار الشرط فيثبت في الإجارة على مدة بشرط أن تكون ابتداء المدة بعد انتهاء زمن الخيار، على رأي المؤلف.

مثال الإجارة على عمل: قال: آجرتك على أن تحمل لي الحطب إلى بيتي، قال: لا بأس، وتم العقد على أن له الخيار لمدة يوم أو يومين، فيصح الشرط؛ لأنه على عمل وليس فيه ضرر ولا تفوت منفعة وليس فيها محظور إطلاقاً.

مثال على المدة: قال: آجرتك هذا البيت لمدة سنة بمائة ريال، وابتداء المدة من العقد، قال: لا بأس لكن لي الخيار لمدة عشرة أيام، فهذا لا يصح الشرط.

مثال آخر: قال: آجرتك بيتي هذا لمدة سنة بمائة ريال، على أن تبتدئ المدة في أول يوم من رجب، والخيار بيننا إلى خمس وعشرين من شهر جمادى الثانية، ونحن الآن في الليلة الثانية عشرة، فيجوز؛ لأن ابتداء مدة الإيجار بعد انتهاء مدة خيار الشرط وليس فيها ضرر.

ولكن لماذا لا يصح خيار الشرط في إجارة تبتدئ من العقد؟

التعليل؛ لأن ذلك يؤدي إلى أحد أمرين: إما تعطيل المنافع، أو استيفاؤها في مدة الخيار، وكلاهما لا يجوز.

الآن إذا قلت: أجرتك بيتي لمدة سنة بعشرة آلاف على أن لي الخيار شهراً، هذا الشهر الذي يمضي ما ندري هل يكون لصاحب البيت أو يكون للمستأجر؟ لأنه إن بقيت الإجارة صار للمستأجر، وإن فسخت الإجارة صار لصاحب البيت، وحينئذٍ تكون هذه المدة التي فيها الخيار لا يعلم لمن هي، فكان الأمر متردداً بين أن تكون الإجارة في مدة الخيار للمؤجر أو للمستأجر، وهذا يؤدي إلى الغرر وما أدى إلى الغرر فهو باطل.

وهذا التعليل عليل، والصحيح أنه يجوز اشتراط الخيار، ولو على مدة تلي العقد، ولو في خيار لا ينتهي إلا بعد بدء المدة التي لا تلي العقد.

مثال ذلك: قال: آجرتك بيتي مدة سنة بمائة ريال، ابتداء من اليوم، قال: نعم لكن لي الخيار لمدة شهر، فعلى كلام المؤلف وهو المذهب لا يصح؛ لأن المدة تلي العقد، وعلى القول الراجح يصح، فالعقد تم وسكن المستأجر، وبعد مضي عشرين يوماً فسخ الإجارة، فنقول: لا بأس، وعليك أجرة المثل في المدة التي سكنتها، فالآن لم يفت شيء لا على المستأجر ولا على المؤجر، وإنما قلنا: على المستأجر أجرة المثل وليس عليه القسط من الأجرة؛ لأن العقد بعد فسخه رُفع من أصله وتبين أنه لا عقد، والإنسان إذا استوفى منافع من غيره فعليه أجرة مثله، وهذا القول هو الصحيح في هذه المسألة؛ لأن هذا في الحقيقة لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، ولا يضيع لأحدهما حقاً، وكل منهما رضي بهذا الشرط؛ لأنه في الحقيقة سوف يعطي صاحب البيت حقه، وسوف يستوفي المستأجر حقه أيضاً، فليس فيه غرر.

وهذا قد تدعو الحاجة إليه، فقد تدعو الحاجة إلى أن يستأجر هذا البيت لمدة سنة بكذا وكذا، يقول: ولي الخيار لمدة شهر؛ لأن بيتي الآن يعمر وربما ينتهي قبل الشهر، فالصواب أنه يصح خيار الشرط، ولو على مدة تلي العقد، أو على مدة تبتدئ قبل انتهاء وقت خيار الشرط، وإذا فسخ من له الخيار، فإن المدة التي سكنها تقدر عليه بأجرة المثل.

وسكت المؤلف عن أشياء مرت في خيار المجلس ولم يذكرها، مثل الصرف، فذكر أن خيار الشرط يثبت في البيع ولم يذكر أن خيار الشرط يثبت في الصرف؛ لأنه يشترط في الصرف التقابض قبل التفرق؛ لأن الشارع إنما اشترط القبض قبل التفرق؛ لئلا يبقى لكل منهما علقة فيما تصرف فيه، فشرط الخيار ينافي ذلك، فلهذا لا يصح خيار الشرط فيما قَبْضُهُ قبل التفرق شرط لصحته.

ولكن الصحيح ثبوته في الصرف، ونقول: اقبضا قبل التفرق، ويبقى بأيديكما على حسب ما اشترطتما، فإما أن تمضيا البيع، وإما أن تفسخاه؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم»[(204)]، وقوله: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» [(205)].

 

وَإِنْ شَرَطَاهُ لأحَدِهمَا دُونَ صَاحِبِه صَحّ، وَإِلَى الغَدِ أوْ اللّيْلِ يَسْقُطُ بِأوَّلِهِ وَلِمِنْ لَهُ الخِيَارُ الفَسْخُ وَلَوْ مَع غَيْبَة الآخَرِ وَسَخَطِهِ، وَالمِلْكُ مُدَّةَ الخِيَارَينِ لِلمُشْتَرِي .....

قوله: «وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه صح» الألف في قوله: «شرطاه» تعود على المتعاقدين، والضمير «الهاء» يعود على خيار الشرط، أي: شرط المتبايعان الخيار «لأحدهما» ، أي: للبائع أو للمشتري، «دون صاحبه» صح وسقط خيار الآخر.

ويدل لذلك ما سبق من أدلة جواز خيار الشرط مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم»، ويدل عليه ـ أيضاً ـ حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «أو يخير أحدهما صاحبه» [(206)]، فما دام الحق لهما، وشرطاه لأحدهما دون الآخر فهو صحيح، وإن لم يشترطاه لأحدهما، ولا لهما نفذ البيع، فلا خيار.

قوله: «وإلى الغد أو الليل يسقط بأوله» أي إذا قال: لي الخيار إلى الغد، أو لي الخيار إلى الليل فيسقط بأوله؛ لأن الغاية ابتداؤها داخل وانتهاؤها غير داخل، فإذا قال: «إلى الغد» لم يدخل الغد، فينتهي الخيار بطلوع الفجر.

و«إلى الليل» لا يدخل الليل، فينتهي الخيار بغروب الشمس؛ لقوله تعالى: {{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}} [البقرة: 187] .

وقال بعض العلماء: يرجع في ذلك إلى العرف، فإذا قال: إلى الغد، فيمكن أن يحمل على ابتداء السوق، وابتداء الأسواق في الغالب لا يكون من أذان الفجر؛ بل من ارتفاع الشمس، وخروج الناس إلى الأسواق.

وهذا هو الصحيح، فإذا كان عرف التجار أنهم إذا قالوا: «إلى الغد» ، أي: إلى افتتاح السوق، فالأمد إلى افتتاح السوق، نعم إذا لم يكن هناك عرف أو كان العرف غير مطرد فنرجع إلى اللغة، واللغة أن الغد يبتدئ من طلوع الفجر، وإلى الليل إلى غروب الشمس، فإن قدر أن هناك عرفاً يجتمع التجار فيه بعد العشاء، ويرون أن الآجال المؤجلة في الليل، أي: جلسة ما بعد العشاء فإنه يتقيد به، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها «أن المرجع فيما يتداوله الناس من الكلام والأفعال إلى العرف»، فإن لم يكن عرف أو كان العرف مضطرباً، رجعنا إلى اللغة ما لم يكن للشيء حقيقة شرعية، فإن كان للشيء حقيقة شرعية، فهي مقدمة على كل الحقائق.

قوله: «ولمن له الخيار الفسخ ولو مع غيبة الآخر وسخطه» أي: الذي له الخيار سواء كان البائع أو المشتري أو كليهما، فله الفسخ، سواء كان بحضور الآخر أو غيبته أو رضاه أو كراهته؛ لأن الحق له، فإذا تبايعا هذه الدار وجعلا الخيار لهما لمدة عشرة أيام، ثم إن أحدهما فسخ، فقال الآخر: لا أرضى أنا لي الخيار أيضاً، وأنا لم أفسخ فينفسخ ولو لم يرض، ولا يشترط أيضاً علم الآخر بالفسخ؛ لأن القاعدة الفقهية: «أن من لا يشترط رضاه لا يشترط علمه»، ولهذا يجوز للرجل أن يطلق زوجته وإن لم تعلم؛ لأنه لا يشترط رضاها، وإذا لم يشترط رضاها، فلا فائدة من اشتراط العلم.

ولكن كيف يفسخ في غير حضرته؟

الجواب: يُشهد أو يكتب كتابة ويرسلها له بالبريد أو يودعها عند إنسان ثقة، على أنه في اليوم الفلاني قد فسخ عقد البيع الذي اتفق عليه مع فلان... إلخ.

وقوله: «ولو مع غيبة الآخر وسخطه» والتعليل ما يلي:

أولاً: لأن الحق له.

ثانياً: أنه لا يشترط علم صاحبه، فلا يشترط رضاه، ولهذا يجوز أن يفسخ ولو مع غيبة صاحبه، لكن ينبغي أن يقال: يشهد على الفسخ؛ لئلا يقع النزاع بين البائع والمشتري، فيحصل في ذلك فتنة وعداوة وبغضاء.

قوله: «والملك مدة الخيارين للمشتري» فالمِلك، أي: ملك المبيع و «مدة الخيارين» ، أي: خيار المجلس، وخيار الشرط «للمشتري» [(207)]، وإن لم تتم مدة الخيار فله غنمه وعليه غرمه، ولهذا لو تلف ولو بدون تعد أو تفريط، فالضمان على المشتري؛ لأنه ملكه، والدليل على هذا أمران: الأثر والنظر.

أما الدليل الأثري: فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع»[(208)]، فقوله: «ماله للذي باعه» ، أي: من حين العقد؛ لأن البيع يتم بمجرد الإيجاب والقبول «إلا أن يشترطه المبتاع» فيكون للمبتاع الذي هو المشتري؛ لأن أصل هذا المال وهو العبد ملك للمشتري بمجرد العقد، هذا هو الدليل والدلالة فيه خفية جداً، فكون المال لم يدخل للمشتري إلا بشرطه، يدل على أن العبد قد دخل ملكه بدون شرط بل بمجرد العقد.

ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة، هل الملك مدة الخيارين للبائع أو للمشتري أو في ذلك تفصيل؟

فقيل: إنه للبائع؛ لأن البيع لم يلزم بعد؛ إذ أنه لا يلزم حتى تتم المدة قبل الفسخ، وعلى هذا فيكون الملك للبائع.

وقيل: إنه منتظر، فإن تبين الإمضاء فهو للمشتري، وإن فسخ فهو للبائع، وهذا القول من حيث النظر قوي، لكن قد يقال: إن الحديث مقدم على النظر، وهو أن الملك يثبت بمجرد البيع والشراء، يعني بمجرد الإيجاب والقبول، فهذا هو الدليل الأثري.

أما الدليل النظري: فلأن هذا المبيع لو تلف لكان من ضمان المشتري، وإذا كان من ضمانه فكيف نجعل عليه الغرم، ولا نجعل له الغنم؟! فالصحيح ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الملك من حين تمام القبول بعد الإيجاب يكون للمشتري.

 

وَلَهُ نَماؤُهُ المُنْفَصِلُ وَكسْبُهُ، وَيَحْرُمُ وَلاَ يَصِحُّ تَصَرُّفُ أحَدِهِمَا فِي الْمَبِيعِ وَعِوَضِه المُعَيَّنِ فِيْهَا

قوله: «وله نماؤه المنفصل» «له» أي: للمشتري «نماؤه» أي: نماء المبيع، «المنفصل» الذي ينفصل عن المبيع، احترازاً من المتصل، فالمنفصل على اسمه، ما ليس متصلاً بالمبيع، مثل: اللبن، والولد، والثمرة، والنماء المتصل ما لا يمكن انفكاكه عن الأصل، مثل: السمن، وتعلم الصنعة، والصحة بعد المرض، وزوال العيب بعد وجوده، هذا نسميه نماء متصلاً؛ لأنه لا يمكن انفكاكه عن العين، فالنماء المنفصل للمشتري، والنماء المتصل للبائع.

مثال ذلك: اشترى شاة بمائة درهم، واشترط الخيار لمدة شهر، وهذه الشاة فيها لبن، ويأخذ منها كل ليلة ما شاء الله من اللبن، فاللبن للمشتري؛ لأنه نماء منفصل.

وهذه الشاة سمنت وصارت ذات لحم وشحم، فهذا الشحم واللحم للبائع؛ لأنه نماء متصل لا يمكن تخليصه من الأصل، فيكون تبعاً له ويثبت في التابع ما لا يثبت في المستقل.

ولو اشترى شاة حاملاً وفي أثناء الخيار وضعت؟

نقول: إن نشأ الحمل في زمن الخيار فهو نماء منفصل للمشتري، وأما إذا كان قد وقع عليه العقد فهو أحد المبيعين، فيكون للبائع؛ ولهذا لو ردها لرد الولد معها لأن الولد قد وقع عليه العقد.

قوله: «وكسبه» أي: الذي يحصله المبيع، إذا قدر أن المبيع عبد واشترط المشتري الخيار لمدة أسبوع، وفي هذا الأسبوع كسب العبد بأن باع واشترى، فكسب في مدة الأسبوع مثلاً ألف درهم، فالألف للمشتري؛ لأن الكسب نماء منفصل.

وهذا العبد اشتراه وهو هزيل؛ لأنه يأكل وجبة ويحرم من وجبة عند بائعه، فلم يكن عليه لحم، فجاء عند المشتري ووجد ما شاء الله من الأكل، وراحة البال، فسمن في خلال أسبوع فهذا النماء للبائع؛ لأنه تابع ولا يمكن فصله عن الأصل، هذا ما ذهب إليه المؤلف.

وعن الإمام أحمد رواية، أن النماء المتصل لمن حصل في ملكه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وقال: هذا حصل من عمل المشتري الذي هو في ملكه «والخراج بالضمان» [(209)]، أي: من عليه ضمان شيء فله خراجه، والنماء المتصل قد يكون أهم من المنفصل فيكون للمشتري، وإذا كان للمشتري فإذا فسخ البيع يُقَوَّمُ حين العقد، وهو هزيل وحين فسخ البيع وهو نشيط أحمر أزهر سمين، فالفرق نصف القيمة، فتكون نصف القيمة للمشتري، لكن إذا قال البائع: أنا لا أقبل، خذ نماءك المتصل، فماذا نفعل؟ هل نفعل كما فعل سليمان فنقول: ائت بالسكين أم ماذا نعمل؟ نقول: يلزمك ولا بد.

قوله: «ويحرم ولا يصح تصرف أحدهما» رتب على التصرف حكمين: التحريم، والفساد، كلمة تحرم غير كلمة لا يصح؛ لأنه لا يلزم من التحريم عدم الصحة، ويلزم من عدم الصحة التحريم، والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تَلقوا الجَلَب فمن تلقى فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار» [(210)]، فهذا تحريم والعقد الصحيح، لأن قوله: «فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار» ، يدل على صحة العقد؛ إذ لا خيار إلا بعد صحة العقد؛ لأن الخيار فرع عن الصحة، والدليل على أن كل شيء لا يصح فهو حرام، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» [(211)]، قال ذلك محذراً من الشروط التي ليست في كتاب الله.

الأول: يسمى عند الأصوليين حكماً تكليفيّاً، والثاني: يسمى حكماً وضعيّاً؛ لأن عندهم ما ترتب عليه الثواب والعقاب، أو انتفى عنه الثواب والعقاب فهو تكليفي، وما كان صحة أو فساداً أو شرطاً أو مانعاً فهو وضعي.

وقوله: «ويحرم ولا يصح تصرف أحدهما» فيه تنازع بين يحرم ويصح فأيهما يعمل؟

الجواب: يجوز هنا هذا وهذا؛ لأن الضمير ليس ضميراً ظاهراً وإنما هو مستتر.

وقوله: «تصرف أحدهما» يعني البائع والمشتري؛ لأن البائع لو تصرف وأنفذنا تصرفه جَنَينا على المشتري، والمشتري لو تصرف وأنفذنا تصرفه جنينا على البائع، وعلى هذا فنقول: لا يجوز أن يتصرف لا البائع ولا المشتري في المبيع في مدة الخيار.

قوله: «في المبيع» أي: المنتقل من البائع للمشتري.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح مطلقاً حتى في التأجير، وأن ما يمكن تأجيره يبقى معطلاً، فالبيت مثلاً يبقى لا يؤجر؛ لأن التأجير نوع من التصرف، ولأنه إذا أجره ثم اختار البائع الفسخ تعلق به حق المستأجر فيمنعه بعض الحق، ولكن الصحيح أنه يصح تأجيره؛ لأن تأجيره خير من بقائه هدراً، ثم إن أمضي البيع فالأجرة للمشتري وإن فسخ فالأجرة للبائع.

قوله: «وعوضه المعين فيها» أي: المنتقل من المشتري إلى البائع، فالمؤلف قيد العوض الذي هو الثمن بكونه معيناً؛ لأن الثمن الذي في الذمة يتصرف فيه المشتري كما يشاء، فلو قال مثلاً: اشتريت منك هذه الساعة بعشرة ريالات، فالمبيع هنا معين والثمن مقدر ولكنه غير معين، فلم يقل له: بهذه العشرة، وتثبت العشرة في ذمة المشتري؛ لأنه غير معين، فلو كان المشتري في جيبه عشرة ريالات وكان في نيته أن يدفع هذه العشرة قيمة للساعة، ثم إن العشرة سرقت فلا ينفسخ البيع؛ لأن الثمن ليس العشرة التي في الجيب، بل هي في الذمة.

مثال المعين: أن يقول: اشتريت منك هذه الساعة بهذه العشرة، فوقع العقد الآن على عين العشرة، كما وقع على عين الساعة، وعلى هذا فيكون الثمن إما في الذمة، وإما معيناً.

والذي يحرم هو التصرف في الثمن المعين، أما الذي في الذمة فإن المشتري حر حتى يسلمه للبائع.

وفي المثال الذي ذكرتُ: اشتريت منك هذه الساعة بعشرة ريالات وهو ينوي أن ينقد العشرة التي في جيبه ثمناً للساعة، هل يمكن أن يتصرف في هذه العشرة؟

الجواب: نعم، لكن لو قال: بهذه العشرة ثم وضعها في جيبه، فإنه لا يمكن أن يتصرف فيها؛ لأنه لما وقع العقد على عين الثمن صار ملكاً للبائع بمجرد العقد، كما يكون المبيع الذي وقع العقد على عينه ملكاً للمشتري بمجرد العقد.

وهل يمكن أن يكون المبيع في الذمة؟

الجواب: نعم يمكن، فالسلم كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يسلفون في الثمار السنة والسنتين[(212)]، والثمار معلوم أنها في الذمة، إذاً كل من الثمن والمثمن يمكن أن يكون في الذمة، فما كان في الذمة فإن صاحبه يتصرف فيه كما يشاء، وما كان معيناً فإنه لا يتصرف فيه من انتقل ملكه عنه، فالمشتري لا يتصرف في الثمن والبائع لا يتصرف في المبيع.

وقوله: «وعوضه» يشمل ما إذا كان العوض نقداً كما لو قال: اشتريت هذا البيت بهذه الدراهم، أو غير نقد كما لو قال: اشتريت هذا البيت بهذه السيارة، ولهذا قال المؤلف: «بعوضه»، ولم يقل: والدراهم المعينة، حتى يشمل ما إذا كان العوض دراهم أو أعياناً أخر.

 

بَغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ بِغَيْرِ تَجْرِبَةِ المَبِيْعِ إِلاَّ عِتْقَ المُشْتَرِي وَتَصَرُّفُ المُشْترِي فَسْخٌ لِخِيَارِهِ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَطَلَ خِيَارُه.....................

قوله: «بغير إذن الآخر» فإن أذن أحدهما أن يتصرف الآخر في هذا بإجارة أو بإعارة أو بمنفعة فلا حرج، أما بغير إذن فلا.

قوله: «بغير تجربة المبيع» إذا كان تصرف المشتري بتجربة المبيع بأن كان فرساً فيُجرَّب عَدْوُهُ وامتثالُه للأمر، وإذا كانت سيارة يجربها إذا كانت تمشي أو لا جاز؛ فتصرف المشتري في المبيع من أجل التجربة جائز.

وهل من التجربة أن يحلب الشاة أو البقرة؟

الجواب: نعم؛ لأن بعض البقر إذا أردت أن تحلبها فإنها تضربك برجلها، فلا تتمكن من الحلب وكذلك بعض الغنم، وكذلك بعض الإبل، فإذا حلبها للتجربة فلا بأس، وهل يبطل خياره إذا كانت للتجربة؟

الجواب: لا؛ لأنه قد يكون من أسباب اشتراط الخيار تجربة المبيع.

وهل يصح التصرف مع البائع بتأجير أو بيع؟

نعم يجوز؛ لأن قبوله لهذا التصرف إذن لا شك فيه؛ فصار التصرف الجائز في ثلاثة أمور: إذا أذن من له الحق، وإذا كان التصرف مع من له الحق، وإذا كان التصرف لتجربة المبيع.

قوله: «إلا عتق المشتري» «عتق» مصدر مضاف إلى الفاعل، أي: إذا اشترى عبداً واشترط البائع الخيار أو المشتري، فإنه يجوز للمشتري أن يعتق العبد.

هل يحرم أو لا؟

ظاهر كلام المؤلف أنه لا يحرم ويصح.

وقيل: إنه يحرم ويصح وهذا المذهب.

وقيل: يحرم ولا يصح.

وتعليل المذهب أن للعتق نفوذاً قوياً فينفذ، ولذلك لو أن الرجل أعتق نصيبه من عبد، بأن يكون عبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه من العبد، فإن العبد يعتق كله، ويلزم هذا المعتِقُ بدفع قيمة نصيب صاحبه إليه، لقوة نفوذ العتق؛ ولأن الشارع يتشوَّف إلى العتق تشوفاً كبيراً، ويحرم لأنه تصرف بغير إذن صاحبه فهو إسقاط لحقه؛ لأنه إذا أعتقه لا يمكنه أن يفسخ البيع.

ولكن الصحيح أنه يحرم ولا يصح ولا يستثنى العتق، فالعتق كغيره من التصرفات، أما كونه يحرم؛ فلأنه اعتداء على حق صاحبه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»[(213)]، وهذا من الاعتداء على الأموال، وأما كونه لا يصح فلقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»[(214)]، وليس أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم على العدوان على الناس، بل العكس، وعلى هذا فلا يصح.

وهناك ـ أيضاً ـ تعليل فيقال: إن العتق يقع قربة لله ـ عزّ وجل ـ وهل يمكن أن يتقرب إلى الله بمعصيته؟! لا يمكن فهذا تضاد ونوع من الاستهزاء بشريعة الله.

وقوله: «إلا عتق المشتري» لو أن البائع أعتق العبد فلا يصح، والفرق بين البائع والمشتري، أن المشتري قد انتقل إليه الملك، وأما البائع فليس له ملك في هذا المبيع، فلهذا صح عتق المشتري دون عتق البائع.

قوله: «وتصرف المشتري فسخ لخياره» أي: إذا تصرف المشتري في المبيع الذي اشترط فيه الخيار له وحده، فإن تصرفه فسخ لخياره، ويؤخذ من كلام أهل العلم هنا أن الفسخ يثبت بما دل عليه من قول أو فعل.

مثال ذلك: اشترى الرجل بيتاً من شخص واشترط الخيار لمدة شهر، وفي أثناء الشهر آجَره من يسكنه فيبطل خياره، فإن قال: أنا ما أبطلت الخيار؟ نقول: تصرفك دليل على رضاك به، وأنك أسقطت الخيار، وكذلك البيع مع اشتراط الخيار لنفسه في هذا البيت لمدة شهر، وقد اشتراه بمائة ألف، ثم جاءه إنسان وقال: بعني إياه بمائة وعشرة، فباعه بمائة وعشرة فيبطل خياره؛ لتصرفه في البيت، وتصرفه فيه دليل على رضاه به، وأنه لا يريد رده.

ويستثنى من هذا ما سبق من تجربة المبيع، فإن تصرف المشتري بتجربة المبيع لا يفسخ خياره، ولو كان الخيار له وحده؛ لأن هذا هو المقصود من الشرط أن ينظر هل يصلح له أو لا؟

وقوله: «وتصرف المشتري فسخ لخياره» ظاهر كلامه أن تصرف البائع ليس فسخاً لخيار المشتري؛ لأن المشتري حقه باق.

أما لو كان الخيار للبائع وحده فلا يجوز أن يتصرف، وإذا تصرف فلا يصح تصرفه؛ لأن ملك المبيع للمشتري، ولكن يستطيع أن يقول: فسخت البيع ثم يتصرف، والصحيح أنه فسخ لخياره.

مثال ذلك: باع زيد على عمرو هذا البيت بمائة ألف، وقال البائع وهو زيد: لي الخيار لمدة شهر، ثم إن زيداً باعه على رجل آخر فهذا فسخ لخياره؛ لأن بيعه إياه يدل على أنه ألغى البيع الأول، وهذا الفسخ دلالته فعلية لا قولية، أما لو قال البائع: اشهدوا أني فسخت، فهذا دلالته قولية، ولا إشكال فيها، ولكن إذا كان فسخ خياره من أجل تصرفه، فهو فسخ فعلي.

قوله: «ومن مات منهما بطل خياره» أي: من البائع أو المشتري بطل خياره، سواء شرط الخيار له وحده، أو له ولصاحبه فإنه يبطل الخيار.

مثاله: اشترى رجل من آخر بيتاً بمائة ألف، وجعل الخيار له لمدة شهر، ثم مات فإن الخيار يبطل، وعلى هذا فلا خيار للورثة في هذا المبيع، وهذه المسألة ظاهر كلام الماتن فيها غير المذهب.

فإذا قال الورثة: لماذا لم يكن لنا خيار، أليس قد انتقل إلينا من مورثنا بحقوقه ومنها الخيار؟.

نقول: على كلام المؤلف، لا خيار؛ لأن اختيار الإمضاء أو الفسخ لا يكون إلا من قبل المشتري الذي مات، فلا ندري الآن، هل يريد الإمضاء أو يريد الفسخ فيبطل، فإن علمنا أنه يريد الفسخ بحيث يكون قد طالب به، بأن قال: إني أريد الفسخ فإنه يورث من بعده؛ لأن مطالبته به دليل على أنه اختار الفسخ، أما إذا لم يطالب فإننا لا ندري، والأصل بقاء العقد، وهذا هو التعليل عند الأصحاب ـ رحمهم الله ـ.

ولكن تفسير المطالبة بهذا فيه نظر؛ لأنه إذا قال: فسخت، انفسخ البيع، ولم يبق خيار، وأما إذا فسرت المطالبة بأنه قد قال: أنا على خياري، فهذه ثابتة وإن لم يقلها؛ لأنه ما دام اشترى بشرط الخيار ولم يسقط الخيار فالأصل بقاؤه.

القول الثاني: أنه يورث سواء طالب به أم لم يطالب؛ وعللوا ذلك بأن الملك انتقل إلى الورثة بحقوقه، وهذا الذي اشتُرِيَ بشرط الخيار انتقل إلى الورثة بحقوقه، فيثبت لهم ذلك، وإذا كان الخيار للبائع فقد انتقل منه إلى الورثة، فيورث عنه؛ لقوله تعالى في المواريث: {{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}}، {{وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ}} [النساء: 12] ، وكلمة {{تَرَكَ}} تشمل كل متروكاته من أعيان أو منافع أو حقوق، وهذا هو القول الصحيح أنه ينتقل الحق إلى الورثة، ولهم الخيار بين الإمضاء أو الفسخ؛ لأنهم ورثوه من مورثهم على هذا الوجه.

وأما قولهم: لا بد أن يطالب، فيقال: إذا طالب لا حاجة أن نقول: إن خيار الشرط باقٍ؛ لأنه إذا طالب به فقد انتهى الخيار؛ لأنه اختار الفسخ.

مسألة: إذا اختلف الورثة فبعضهم قال: أريد الإمضاء، وبعضهم قال: أريد الفسخ.

فيقال: إن كان الوارث واحداً لم يتصور الخلاف إما أن يفسخ أو يُمْضي، وإن كان أكثر من واحد، واختار بعض الورثة الفسخ، واختار آخرون الإمضاء؛ فإن كان لا ضرر على البائع في تفريق الصفقة، فلكل حكمه، مثل ما لو كانت الصفقة عشر سيارات، كلها متساوية القيم ومن نوع واحد فمات الرجل وخلف أربعة أبناء وبنتين، فيكون لكل بنت سيارة واحدة ولكل ابن سيارتان، إذا قال أحد الأبناء: أنا أختار فسخ البيع، يرد على البائع سيارتين، ويعطيه ثمنهما ولا نقص على البائع، وإذا قالت إحدى البنات: أنا أختار فسخ البيع، يعطى البائع سيارة، ويعطيها ثمنها، وهذا لا إشكال فيه. ولكن إن كان باع عليه حذاء بمائة ريال، وقال: لي الخيار لمدة أسبوع، ومات خلال الأسبوع، وخلف ابنين أحدهما اختار الفسخ والثاني اختار الإمضاء، فهنا لا يمكن تفريق الصفقة؛ لأن البائع يتضرر، فيقال: إما أن تفسخا جميعاً، وإما أن تمضيا جميعاً.

وقوله: «ومن مات منهما بطل خياره» لو مات أحدهما في خيار المجلس يبطل خياره، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن من أعظم التفرق التفرق بالموت، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» [(215)].

مسألة: لو نام أحدهما في خيار المجلس بأن كان متعباً جداً وفيه نوم، فقال البائع: بعتك هذا الشيء، فقال: قبلت، وإذا رأسه على صدره ينعس فنام، فهذا لا يبطل خياره ما داما في المجلس، ولو طال نومه؛ لأنه لم يفارق الحياة بخلاف من مات.

 

الثَّالِثُ: إِذا غُبِنَ في المَبِيْعِ غَبْناً يَخْرُج عَن العَادَةِ وبِزِيَادَةِ النَّاجِشِ وَالمُستَرسِلِ.

قوله: «الثالث: إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة» «الثالث» أي: من أقسام الخيار، خيار الغبن، وأشار إليه بقوله: «إذا غبن في المبيع» ، وكذلك إذا غبن في الثمن، فإذا كان الثمن غير نقود أو كان نقوداً مغشوشة أو ما أشبه ذلك، فالمهم أنه غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة، والغبن معناه الغلبة، أي: إذا غلب غلبة تخرج عن العادة فله الخيار، فالمؤلف قيد الغبن بأن يخرج عن العادة، فمثلاً إذا غبن بريال واحد من مليون بأن اشترى أرضاً بمليون وهي تساوي مليوناً إلا ريالاً، فهذا مما يتغابنه الناس، وواحد من ألف كذلك، وواحد من مائة كذلك لا يخرج عن العادة، وهل واحد من عشرة يعتبر غبناً؟.

الظاهر لي يعتبر غبناً، ولا سيما إذا كانت السيولة بأيدي الناس عزيزة؛ لأن واحداً من عشرة ربما يكون صعباً على كثير من الناس إذا كانت السيولة قليلة، أما مع وفرة المال، فقد يقال: واحد من عشرة ليس بشيء.

وقال بعض العلماء: إن الغبن الذي يخرج عن العادة هو واحد من خمسة، ونسبة واحد من خمسة إلى المائة عشرون في المائة، ولكن في القلب من هذا شيء، بل يقال: إذا جعلنا الأمر مرتبطاً بالعادة فهو أحسن، فإن اختلفنا نرجع إلى أهل الخبرة، إلى الدلاَّلين المعتبرين في البلد، فيقال: ما تقولون إذا غبن في واحد من عشرة؟ وقد يقال: أيضاً إنه يختلف باختلاف الأموال، بعضها الواحد من عشرة غبن، وبعضها غير غبن.

فإذا غُبن الإنسان غبناً يخرج عن العادة، فهل له الخيار به أو لا خيار له؟

يرى بعض العلماء أنه لا خيار له إلا إذا اشترط لنفسه وتحفظ، ويستدلون بحديث الرجل الذي شكى لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه يُغبن في البيوع، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» ، فكان يبايع ويقول: لا خلابة[(216)]، فقالوا: إن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ جعله يشترط لنفسه أن لا خلابة، أي أن لا غلبة، فلو كان هذا الغبن موجباً للخيار بدون شرط، لقال له الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: إذا غبنت فرد ما غبنت به، ولم يقل له: إذا بايعت فقل: لا خلابة.

هذا رأي لبعض العلماء وهو قوي جداً، ويرى آخرون أنه يثبت به الخيار وإن لم يشترط، قالوا: إن هذا من الغش والخيانة، ولو لم نثبت الفسخ لكان في ذلك فتح لباب الغش والخيانة، والشارع يأتي بدرء المفاسد وجلب المصالح، فما دمنا نعرف أن في هذا درءاً للمفسدة وقطعاً على أهل الخيانة والغش طريقهم، فإن الواجب سلوك هذا الطريق، وهذا تعليل قوي، ولكنه يحتاج إلى الإجابة عن الحديث؛ لأن صاحب القول إذا رجح قوله لا بد أن يأتي بالمرجحات، وبالدافعات التي تدفع قول خصمه، فيقولون: إنما أمره الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يشترط وإن كان ثابتاً له بدون اشتراط، لأمرين:

الأول: أنه إذا قال: «لا خلابة»، صار له الخيار فيما غلب فيه سواء كان يخرج عن العادة أم لا يخرج؛ لأن «لا» نافية للجنس، و«خلابة» نكرة في سياق «لا» النافية للجنس فتفيد العموم، أي: لا خلابة، قليلة أو كثيرة.

الثاني: قطع النزاع بين الطرفين لأنه إذا لم يشترط أنه لا خلابة، يمكن للبائع أن يقول: أنا ما غلبتك، فبمجرد ما يقول: لا خلابة، فإن البائع يمتنع من الخلابة من أول الأمر؛ لأنه إذا شرط عليه سيعرف أنه إذا غبن سوف يرد عليه، فهذا فائدة إرشاد النبي صلّى الله عليه وسلّم هذا الرجل لاشتراط أن لا غبن، وعلى هذا يتوجه أن القول الراجح إثبات خيار الغبن، سواء شرط أو لم يشترط.

وقوله: «يخرج عن العادة» أحالنا المؤلف إلى العرف، فما عدّه الناس غبناً فهو غبن، وما لم يعدّوه غبناً فليس بغبن، وقدره بعض العلماء بالثلث، وبعضهم بالربع، وبعضهم بالخمس.

ولكن ما ذهب إليه المؤلف أولى أن يرجع في ذلك إلى العادة، والمحكم في العادة هم أصحاب الخبرة، فإذا قالوا: هذا غبن؛ لأنه يخرج عن العادة، قلنا: يثبت الخيار له.

مسألة: هل خيار الغبن مقيد بشيء معين، أو متى حصل الغبن حصل له الخيار؟.

الجواب: هذه المسألة فيها خلاف، أما المذهب فإن خيار الغبن مخصص بثلاث صور:

الصورة الأولى: تلقي الركبان، أي: أن يخرج عن البلد ليتلقى الجالبين إليه فيشتري منهم، ومن المعلوم أن هذا المتلقي سوف يشتري بأقل من الثمن، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه ـ أي: من الجلب ـ فإذا أتى سيده السوق ـ وهو البائع ـ فهو بالخيار» [(217)]، هذا خيار غبن.

وقوله: «فهو بالخيار» إذا قال قائل: الحديث مطلق «فهو بالخيار» ، ولم يقل: إذا غبن؟.

فالجواب: أنه يحمل على الغالب المعتاد؛ لأن الجالب إذا قدم للسوق، ولم يجد أنه غبن فإنه لن يفسخ، إذ لا فائدة من الفسخ ثم البيع مرة أخرى، فيحمل الحديث على أنه إذا غبن، وإن كان ظاهر الحديث الخيار مطلقاً.

الصورة الثانية: قوله: «وبزيادة الناجش» «الباء» في قوله: «بزيادة» للسببية، أي: بسبب زيادة الناجش، والناجش اسم فاعل من نَجَش يَنْجُش، وأصل النجش الإثارة، فإثارة الشيء نجشه.

والناجش هو من يزيد في السلعة، وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد الإضرار بالمشتري، أو نفع البائع، أو الأمرين جميعاً.

مثال ذلك: عرضت سلعة للسوم فصار الناس يتزايدون فيها، وكان أحد هؤلاء يزيد في الثمن، وهو لا يريد الشراء، ولكن من أجل منفعة البائع؛ لأنه صاحبه، أما هو فلا يريد السلعة، أو يريد إضرار المشتري؛ لأنه عدوه، أو يريد نفع نفسه كأن يكون عنده سلعة مثلها فزاد في ثمنها لأجل أن يزيد ثمن سلعته، أو يريد أن يقول الناس: فلان ما شاء الله يزيد في السلعة، وهذا معناه أنه عنده أموال وتاجر.

فالضابط هو: أن يزيد وهو لا يريد الشراء، وإنما يريد غرضاً آخر، فإذا غبن المشتري بسبب هذه الزيادة غبناً يخرج عن العادة فإن له الخيار.

والنجش محرم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عنه فقال: «لا تناجشوا» [(218)] ولأنه يورث العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأنه إذا علم أن هذا ينجش من أجل الإضرار بالمشترين كرهوه وأبغضوه، ثم عند الفسخ في الغبن ربما لا يرضى البائع بالفسخ، فيحصل بينه وبين المشتري عداوة أيضاً.

الصورة الثالثة: قوله: «والمسترسل» وهو المنقاد مع غيره المطمئن إلى قوله، هذا في اللغة.

وفي الاصطلاح: من جهل القيمة ولم يحسن المماكسة.

والمماكسة هي المحاطة في الثمن، وهي التي تعرف عندنا بالمكاسرة، فإذا أتى إلى صاحب الدكان، وقال: بكم هذه الحاجة؟ قال: بعشرة ريالات، وهو رجل يجهل القيمة ولا يحسن أن يماكس فأخذها بعشرة، فلما عرضها على الناس، قالوا: هذه بخمسة ريالات، قال: ما علمت، فنسمي هذا مسترسلاً له الخيار؛ لأنه إذا كانت قيمة الشيء بخمسة، واشتراها بعشرة فهذا غبن يخرج عن العادة فله الخيار، والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من غش فليس منا» [(219)]، وهو من الخيانة للمسلمين، وكل من غش فيجب أن يحال بينه وبين مأربه، فإن كان يعلم القيمة ويدري أن قيمتها خمسة، ولكنه أخذها بعشرة تطييباً لقلب البائع، كما يعمله بعض الناس مثلاً إذا وجد رجلاً فقيراً عنده بسطة صغيرة، قال: بكم هذه يا فلان؟ قال: بعشرة وهو يعرف أنها بخمسة فأخذها بعشرة فلا يكون مسترسلاً؛ لأنه يعلم القيمة، وكذلك لو رأى مع صبي دجاجة تساوي عشرة، قال: بكم يا بني هذه؟ قال: هذه يا عم بعشرين وهو يدري أنها تساوي عشرة، لكن جبراً لقلب هذا الصبي وإدخالاً للسرور عليه، قال: خذ هذه العشرين، ثم بعدئذٍ ندم قال: كيف أبذل عشرين بما يساوي عشرة؟ فرجع إلى الصبي وقال: يا بني غبنتني فلا خيار له؛ لأنه يعلم القيمة ودخل على بصيرة.

وقوله في الروض[(220)]: «ولم يحسن المماكسة» ظاهره أنه إذا كان يحسن المماكسة فإنه لا خيار له ولو غبن، مثاله: رجل يجهل قيمة الأشياء لكنه جيد في المماكسة، فأتى إلى صاحب الدكان، وقال له: كم قيمة هذا المسجل؟ قال: قيمته مائتا ريال وصاحب الدكان وضع ورقة عليه صغيرة وكتب عليها مائتي ريال، وهو جيد في المماكسة، لكن ظن أن هذه قيمته في الأسواق، فأخذ المسجل ثم لما عرضه على إخوانه، قالوا: هذا يباع في السوق بثمانين ريالاً، فغبن بمائة وعشرين، فرجع إلى الرجل، وقال له: هذا بثمانين ريالاً، فعلى كلام المؤلف لا خيار له؛ لأنه يحسن المماكسة ويقدر أن يحاطه في الثمن حتى يصل إلى الثمانين.

ولكن الصحيح أن له الخيار لجهله بالقيمة ولتغرير البائع به، فلا ينبغي إلا أن نعامل البائع بنقيض قصده لما غره، ونقول: له الخيار.

فإذا قال: هذا الرجل يعرف البيع والشراء لماذا لم يماكسني؟.

نقول: جزاه الله خيراً وثق بك ولست أهلاً للثقة، والآن له الخيار.

ومن المناجشة وهي نوع من الاسترسال أن يقول البائع للمشتري: أعطيت في السلعة كذا وهو يكذب، والمشتري سوف يقول: إذا كانت سيمت بمائتين فسأشتريها بمائتين وعشرة، وفعلاً اشتراها بمائتين وعشرة، وتبين أن قيمتها مائة وخمسون فإن له الخيار؛ لأنه غبن على وجه يشبه النجش.

ومن ذلك ـ أيضاً ـ إذا قال: اشتريتها بمائة وهو كاذب اشتراها بخمسين فأخذها المشتري بمائة وخمسة؛ ليربح ذاك خمسة ريالات، وتبين أنه اشتراها بخمسين فإنه له الخيار؛ لأن هذا من النجش؛ لأنه استثار المشتري حتى اشتراها بأكثر من ثمنها.

فإن قيل: ما حكم النجش، وما حكم أن يفعل ما يسترسل معه المشتري؟.

فالجواب: كله حرام؛ لأنه خلاف ما يجب أن يكون عليه المؤمن لأخيه، فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»[(221)].

فإن قيل: بعض الباعة إذا سئل عن قيمة السلعة، قال: قيمتها مائة وهو يبيعها بثمانين، لكنه يخشى أن يكون المشتري ممن يماكسون، فقال: بمائة على تقدير أنه سيماكس حتى تنزل إلى ثمانين، فهل يجوز له ذلك؟.

الجواب: فيه تفصيل، إذا كان المشتري سيطمئن ويأخذها بما قدره فهذا حرام؛ لأنه من الغش، وإن كان البائع إذا رأى المشتري عازماً على الأخذ، قال له: اصبر يا أخي أنا قلت لك: بمائة؛ لأن بعض الناس يماكسني ويضطرني إلى أن أنزل، ولكن قيمتها الحقيقية ثمانون فهذا جائز، وإن كان فيه شيء بالنسبة للبائع، لكن هو الذي جنى على نفسه؛ لأنه إذا قال: يا أخي القيمة ثمانون، لكني قلت لك بمائة خوفاً من المماكسة فإن المشتري سوف لا يطمئن ـ أيضاً ـ إلى أن القيمة ثمانون، ولهذا نجد بعض المشترين إذا قال له البائع هذا الكلام يأنف ويستنكف ويذهب إلى غيره، فيقال للبائع: قل الثمن ثمانون ولا مماكسة، إن أخذ فهذا المطلوب وإن لم يأخذ فالسلعة باقية.

ويوجد ـ أيضاً ـ بعض الناس إذا جاءه الرجل المحنك الجيد في المماكسة أعلمه بالثمن فَوراً، وإذا جاءه الرجل الذي يكون سليم الصدر، ولا يعرف أو امرأة أو فتى شاب لا يعرف الأمور زاد عليهم في الثمن، فهذا لا يجوز؛ لأنه أخذ للناس بالغرات، فالإنسان الغرير له عنده ثمن، والذكي الجيد له ثمن فهذا حرام، فالواجب أن يكون مخلصاً ناصحاً للعباد؛ لأن هذا من الدين.

فإن قال قائل: هل الغبن يكون للبائع أيضاً؟

الجواب: نعم وهذه تقع كثيراً لا سيما فيما سبق من الزمان، ـ فمثلاً ـ يعلم التاجر بأن السكر ارتفعت قيمته، فيذهب إلى من عندهم السكر، ويشتري كل ما عندهم بالقيمة الحاضرة، وهم لا يعلمون أن قيمته ارتفعت فيكون غبناً ولا شك، وهم لم يفرطوا في الواقع في مثل الصورة التي ذكرتها الآن؛ لأنه باع على أن هذه القيمة، وأن الأسعار مستقرة.

والحاصل أنه كما أن للمشتري الحق إذا غبن في فسخ البيع، فللبائع الحق إذا غبن في فسخ البيع ولا فرق.

 

الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيْسِ، كَتَسْوِيدِ شَعْرِ الجَارِيَةِ، وَتَجْعِيدهِ، وَجمْع مَاءِ الرَّحَى، وَإِرسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا .

قوله: «الرابع: خيار التدليس» التدليس مأخوذ من الدُّلسة وهي الظلمة، ومعناه خيار الإخفاء؛ لأن الذي يخفي الشيء مدلس.

ولو صورتان:

الأولى : أن يظهر الشيء على وجه أكمل مما كان عليه.

الثانية : أن يظهر الشيء على وجه كامل وفيه عيب.

والفرق بينهما ظاهر، فالأولى ليس في المبيع عيب ولكنه يظهره على وجه أجود وأكمل، وفي الثانية فيه شيء ولكنه أخفاه وأظهره على وجه سليم.

أمثلة التدليس فعل الصحابي ـ عفا الله عنه ـ حين وضع الطعام السليم فوق الطعام الذي أصابته[(222)] السماء، فإن هذا تدليس.

ومنه أن يكون عند الإنسان بيت قديم فيليسه حتى يظهره، وكأنه جديد.

ومنه أن يكون عنده سيارة مخدشة فيضربها صبغاً حتى يظن الظان أنه ليس فيها شيء.

قوله: «كتسويد شعر الجارية» أي: عند بيعها، بأن يكون عنده جارية يريد أن يبيعها، وشعرها أبيض إما لآفة أو كبر فيسوِّده؛ ليظن الظان أنها شابة صغيرة، فهذا حرام، وفيه الخيار كما سيأتي.

قوله: «وتجعيده» بمعنى أن يدهنه بدهن يجعله مموجاً، لأنه إذا ظهر مجعداً دل ذلك على أنه قوي، وضده السَّبِط اللين الذي لا يكون له تجعيد، والأول أرغب عند الناس، فإذا كان الشعر قوياً متجعداً فهو أرغب من أن يكون ليناً سهلاً مسترسلاً، فهذا الرجل لما أراد أن يبيع الجارية جعد رأسها من أجل أن يزيد الثمن، فنقول: هذا حرام لا يجوز لأنه غش.

قوله: «وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها» هذان شيئان، لكنهما شيء واحد في الواقع، وذلك بأن يجمع ماء الرحى ثم يرسله عند عرضها للبيع، والرحى كيف يكون لها ماء؟.

هناك أرحية تدور على حسب جريان الماء، فيجعل صاحب الرحى سداً ينحبس به الماء، فإذا أراد بيعها فتح هذا السد ثم اندفع الماء بشدة وسرعة فتدور الرحى دوراناً سريعاً، فيظن المشتري أن هذا هو وصفها وأنها جيدة، وأن الماء يندفع بسرعة فيزيد الثمن، فهذا من التدليس؛ لأنه أظهر المبيع بمظهر مرغوب فيه، وهو خالٍ منه.

فإذا قال قائل: كيف يكون للرحى ماء وهي ستطحن الدقيق؟ وهذا يقتضي أن يكون الدقيق عجيناً؟.

نقول: تُجعل عجلة أي بكرة لها رِيَشٌ يضرب فيها الماء فتدور، ثم في هذه البكرة سير متصل بالرحى البعيدة عن الماء، وهذا السير هو الذي يدير هذه الرحى البعيدة، ويشبهه من بعض الوجوه جنزير العجلة (الدراجة)، فيظن الظان أن هذا هو ماؤها، وأن هذه قوتها فيزيد في ثمنها.

واقتصار المؤلف ـ رحمه الله ـ على هذه الأمثلة الثلاثة، تسويد شعر الجارية، وتجعيده، وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها، لا يعني أنه لا يثبت إلا في هذه فقط، بل هذه أمثلة.

والضابط ما ذكرناه، وهو إظهار المبيع بصفة مرغوب فيها وهو خالٍ منها، ومن ذلك:

تصرية اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، أي: جمع اللبن في ضرع البهيمة، وهو محرم، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تصروا الإبل والغنم» ، فيربط ضرع البهيمة ويجتمع اللبن في الضرع، فإذا جلبها في السوق ورآها المشتري ظن أن هذه عادتها، وأن لبنها كثير فيزيد في ثمنها، فإذا وقع هذا من البائع أعني هذا التدليس، نقول: أما التصرية فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حكم فيها بحكم الله ـ عزّ وجل ـ قال: «ومن ابتاعها بَعْدُ ـ أي بعد التصرية ـ فهو بالخيار إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعاً من تمر» [(223)]، وفي رواية: «هو بالخيار ثلاثة أيام» [(224)]، أي: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل له الخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسك، وإن شاء رد، وجعل الثلاثة لأجل أن يستقر اللبن؛ لأنه ربما يستقر على هذه الكثرة، فإن شاء أمسكها بلا أرش؛ لأن الحديث ظاهر في ذلك، وإن شاء ردها، ورد معها صاعاً من تمر، وربما يمسكها ولو كان لبنها قليلاً؛ لأنه يريد عين هذه البهيمة، أو يرتفع السعر في أثناء هذه المدة فيختارها ولو كان لبنها قليلاً، لكن إذا قال: أنا أريد أن أردها، فنقول: لا بأس ردها ورد معها صاعاً من تمر، وحينئذٍ يرد علينا مسائل:

الأولى: هذا الصاع من التمر هل هو عوض عن اللبن الحادث بعد العقد، أو هو عوض عن اللبن الموجود حين العقد؟

الجواب: هذا الصاع عوض عن اللبن الموجود حين العقد؛ لأن اللبن الموجود حين العقد ملك للبائع، أما ما حدث بعد العقد فهو ملك للمشتري، وقد سبق أن نماء المبيع المنفصل للمشتري.

الثانية: لماذا قدره بصاع، وقد يساوي أكثر من صاع، وقد يساوي أقل؟.

الجواب: قدره النبي صلّى الله عليه وسلّم بصاع قطعاً للنزاع؛ لأنه ربما يتنازع المشتري والبائع، فيقول البائع: اللبن فيها كثير، والمشتري يقول: اللبن فيها قليل، فقطعاً للنزاع قدره النبي صلّى الله عليه وسلّم وقوَّمه للأمة إلى يوم القيامة.

الثالثة: لماذا لم يقل: صاعاً من طعام، وجعله كالفطرة من البر، أو الشعير، أو الزبيب، بل قال: صاعاً من تمر؟.

الجواب: لأن التمر أقرب ما يكون شبهاً إلى اللبن، ففي اللبن حلاوة، وغذاء، والتمر كذلك، فلو أنك أردت أن تشبه بين اللبن والخبز لوجدت الفرق أكثر، لكن اللبن والتمر متقارب، وكله يؤكل ويشرب طرياً بدون كلفة وبدون طبخ.

مسألة: إذا فقد التمر فما يقوم مقامه يجزئ عنه.

الرابعة: لو أراد المشتري أن يرد اللبن الذي حلبه، وقال للبائع: أنا حلبت صاعاً من اللبن أو نصف صاع من اللبن، وهو موجود الآن أرده عليك بعينه، فهل نقول: إنه يجب على البائع أن يقبله؛ لأنه رد عليه عين ملكه، أو نقول: إن الشرع ورد بتقديره من التمر، فلا نعدل عما جاء به الشرع؟.

الجواب: بعض العلماء قال: إذا رده بحاله لزم البائع أن يقبل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل هذا عوضاً عنه؛ لأنه في الغالب أن المشتري إذا حلبه استهلكه.

وقال بعض العلماء: إنه لا يجبر على قبول اللبن؛ لأنه باع اللبن متصلاً بالبهيمة، وفصله المشتري، فكان عرضة للحموضة والفساد، والتمر جنس عيَّنه الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فلا نتعداه.

وعندي أن هذا أقرب إلى الصواب لو لم يكن فيه إلا اتباع السنة لكان كافياً، فيقال: للمشتري إذ أراد أن يرد اللبن: يجب أن ترد صاعاً من تمر، كما أن البائع لو أراد الحليب، قال: أعطني الحليب الذي حلبته، وهو عندك الآن لم تشربه ولم تتصرف فيه، وقال المشتري: أبداً أعطيك صاعاً من التمر، أيهما يقبل؟.

الجواب: يقبل قول المشتري أن يرد الصاع من التمر، إذاً يقبل قول من قال: أرد الصاع؛ لأن البائع ربما يقول للمشتري: أعطني اللبن الذي حلبت وهو عندك الآن، واللبن يساوي ثلاثة آصع من التمر، والمشتري يقول: لا أعطيك إلا ما قدره النبي صلّى الله عليه وسلّم.

والخلاصة: أن كل من طلب ما قدَّره الرسول صلّى الله عليه وسلّم وعيَّنه فهو المقبول.

الخامسة: إذا كان اللبن لا قيمة له شرعاً، كما لو اشترى حمارة مصراة، فهل يرد صاعاً من تمر؟ وذلك إذا قال المشتري: أنا عندي أتان صغير، واللبن هذا وإن كان ليس له قيمة بالنسبة للآدمي؛ لأنه حرام. لكن بالنسبة للأتان الصغير له قيمة.

فيقال: إن هذا ليس له قيمة شرعاً فليس له عوض، لكن ما دام قد دلس عليك واشتريت حمارة مصراة، فلك الرد.

 

الخَامِسُ: خِيَارُ العَيْبِ، وَهُوَ مَا يُنَقِّصُ قِيمَةَ الَمبِيْع كَمَرَضِهِ، وَفَقْدِ عُضْوٍ أوْ سِنٍّ أَوْ زِيادتِهِمَا، ..

قوله: «الخامس» أي: من أقسام الخيار.

قوله: «خيار العيب» خيار مضاف والعيب مضاف إليه وهو من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي: الخيار الذي سببه العيب، والعيب ضد السلامة، فيقال: هذا معيب، وهذا سليم، ويقال في البهيمة التي لا تجزئ في الأضحية: هذه معيبة، والسالمة يقال لها: سليمة، فالعيب ضد السلامة، والمعيب ضد السليم والفرق بين خيار العيب وخيار التدليس، أن العيب فوات كمال، أما التدليس فهو إظهار محاسن والمبيع خالٍ منها.

قوله: «وهو ما يُنَقِّصُ قيمةَ المبيع» فإذا كان هذا المبيع لولا هذا العيب لكان يساوي ألفاً، وبالعيب يساوي ثمانمائة، فهنا نقص قيمة المبيع.

وظاهر كلام المؤلف أنه ولو كان النقص مما يتغابن به عادة، أي: ولو كان النقص يسيراً كاثنين في المائة فظاهر كلامه أن هذا عيب؛ لأنه أطلق فقال: «ما ينقص» وكلمة «ما» اسم موصول تفيد العموم.

وقوله: «ما ينقص قيمة المبيع» هذا هو الضابط، وما بعده فأمثلة.

قوله: «كمرضه» ولو كان المرض يسيراً؛ لأنه من الجائز أن يتطور هذا المرض حتى يتدهور، فإذا وجد في المبيع مرضٌ ولو يسيراً، حتى وإن كان لا ينقص القيمة إلا شيئاً يسيراً، فله الخيار.

قوله: «وفقد عضو» أي: وكفقد عضو، مثل إن وجد أحد أصابعه مقطوعاً فهذا فقد عضو، وظاهر كلامه ـ رحمه الله ـ ولو كان خصاءً، فإذا اشتراه على أنه فحل فتبين أنه خصي، فظاهر كلام المؤلف أنه عيب؛ لأن هذا فقد عضو حتى وإن زادت القيمة لأنه ربما تزيد القيمة.

أما في الرقيق فظاهر أن الخصي أرغب عند الناس من الفحل؛ لأنه أقل فتنة وشراً، وأما في البهائم فقد يكون الخصي أرفع قيمة من الفحل، وقد يكون الفحل أرفع قيمة من الخصي، فقد يشتري هذا الذكر من الضأن على أنه فحل من أجل أن يُنزيه على الشياه، فإذا كان خصيّاً لم ينفع فتنقص قيمته، وقد يشتريه للأكل على أنه فحل فيتبين أنه خصي والخصي في الأكل أرغب عند الناس من الفحل؛ لأنه أطيب لحماً وأكثر قيمة، وعلى كل حال، الخصاء، الصحيح أنه ليس بعيب مطلقاً وليس سلامة مطلقاً، بل على حسب مقاصد المشترين، إذا قصدوا فحلاً فتبين خصيّاً فهو عيب، وإن كان الأمر بالعكس فليس بعيب.

فإذا قال مشتري الرقيق: أنا أريد أن يكون فحلاً لعله في يوم من الأيام يتزوج ويأتيه أولاد، نقول: وإذا تزوج وأتاه أولاد ما فائدتك منه؟! لأنه إن تزوج بحرة فأولادها أحرار، وإن تزوج بمملوكة فأولادها لسيدها ولن تستفيد من ذلك شيئاً، فإن قال: لعلي إذا أعتقته تزوج وأنجب، فيقال: إذا تزوج وأنجب بعد إعتاقه فلا فائدة منه، والخصاء في الرقيق لا شك أنه رفعة لقيمته، وهذا أمر معروف.

والخلاصة: أن فقد عضو عيب، إلا في الخصاء ففيه التفصيل الذي سبق.

قوله: «أو سن» السن ليس عضواً؛ لأنه في حكم المنفصل، ولهذا لو مس إنسان سن امرأته بشهوة، وقلنا: إنه إذا مس امرأته بشهوة انتقض وضوؤه، فمس سنها، وحدث منه أعلى شهوة إلا أنه لم يخرج منه شيء فإن وضوءه لا ينتقض؛ لأنه ليس عضواً وفي حكم المنفصل؛ فلهذا قال: «وفقد عوض أو سن» ولا يقال: هذا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن السن ليس من جنس الأعضاء، بل هو من عطف المغاير على مغايره.

وقوله: «سن» سواء كان من الأسنان أو من الأضراس، فإذا وجد في المبيع أنه فقد سناً واحداً أو أكثر فإنه عيب، ولو أنه جعل بدل السن تركيبة فإنه عيب؛ لأن المركب ليس كالأصلي.

قوله: «أو زيادتهما» فقد العضو أو السن إذا كانا زائدين فليس عيباً؛ لأن هذا زيادة خير والأصبع الزائد الناس يقطعونه، وكذلك السن الزائد، فبعض الناس يكون عنده أسنان مترادفة زائدة، فإذا فقد الزائد فليس بعيب، ولهذا قال:

«أو زيادتهما» فزيادة العضو عيب، وزيادة السن عيب أيضاً؛ لأن ذلك ينقص القيمة، فإذا كان له يدان من المرفق متساويتان، وقال المشتري: هذا عيب، وقال البائع: بل هذا زيادة خير بدلاً من أن يكون له يد واحدة تعمل صار له الآن اثنتان، يقال: يرجع إلى عرف الناس، فإذا قالوا: إن قيمته تزيد بزيادة هذا العضو فليس بعيب، لكن الغالب أنها عيب تنقص قيمته حتى وإن كان يعمل بهما سويّاً.

مسألة: هل يجوز قطع الإصبع الزائدة أو لا؟

الفقهاء يقولون: لا يجوز، ويعللون ذلك بالخطر، ولكن بناء على تقدم الطب الآن فإن الصحيح جواز ذلك؛ لأن هذا إزالة عيب، وليس من باب التجميل، ولو كان من باب التجميل لكان حراماً، ولهذا لعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «النامصة والمتنمصة» [(225)]، لأنها تزيل شيئاً خلقه الله للتجميل، وأما هذا فيقطع أصبعاً زائدة من باب إزالة العيب، وأنت الآن قدر نفسك قد أصبت بهذا الأمر ألست تحب أن لا يراك الناس؟ بلى ما في ذلك شك، فالصواب أن إزالة الأصبع الزائدة في وقتنا الحاضر جائزة ولا شيء فيها، وهذا نظير ما قال العلماء في البواسير، قالوا: إن قطع البواسير حرام؛ لأنه يمكن أن ينزف الدم حتى يموت، فيكون متسبباً في قتل نفسه، ولكنه في الوقت الحاضر أصبحت هذه العملية عملية بسيطة وليس فيها أي نوع من الخطر، فلكل مقام مقال، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

 

وَزنَا الرَّقِيقِ وَسَرِقَتِهِ، وإِبَاقِهِ، وَبَوْلِهِ فِي الفِرَاشِ .

قوله: «وزنا الرقيق» إذا زنا الرقيق فزناه عيب معنوي، وظاهر كلامه ولو مرة واحدة؛ لأن ذلك ينقص قيمته، إذا تبين أن هذا الرقيق الذي اشتراه قد زنا، إن كان ذكراً فالأمر واضح، وإن كان أنثى فكذلك. ولم يفصح المؤلف عن سن الرقيق إذا زنا؛ ولهذا اختلف الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فقال بعضهم: يشترط أن يكون الرقيق قد بلغ عشراً وأطلقوا[(226)].

ويحتمل أن يقال: إذا بلغ عشراً في الذكور، أو تسعاً في الإناث؛ لأن بنت التسع قد تحمل، وابن العشر قد يُحمل له، وما دون ذلك لا حمل.

وقال بعض الفقهاء: العبرة بالبلوغ؛ لأنه قبل ذلك ليس بمكلف.

ولكن الأقرب أن يحدد بعشر سنين في الذكور وبتسع سنوات في النساء، أما ما دون ذلك فينظر إن استمر به هذا الأمر فهو عيب، وإن كان وقع منه مرة واحدة فليس بعيب؛ لأن هذا يكثر فيما بين الصبيان الصغار.

قوله: «وسرقته» أي: أن يكون سارقاً، إذاً فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله، فإذا تبين أنه يسرق فإنه يعتبر عيباً.

وظاهر كلامهم ولو مرة واحدة؛ لأنه لا بد أن يخدشه حتى لو تاب من السرقة ومن الزنى، فإن الناس لا يزال في نفوسهم شيء من ذلك، وليست المسألة مبنية على عدالته في دينه، حتى يقال: إنه إذا تاب فقد زال فسقه، بل المسألة راجعة إلى عرف الناس، فإذا قالوا: إن زناه أو سرقته يوجبان أن تنقص قيمته فهذا عيب.

قوله: «وإباقه» أي: هربه، وسواء كان الإباق مطلقاً بمعنى أن يهرب أياماً، أو كان إباقه مؤقتاً مثل أن يخرج الصبح فلا يرجع إلا في الليل، فإذا كان هذا الرقيق قد عرف بالإباق فهو عيب؛ لأنه يهرب فيفوت على سيده، والإباق لا شك أنه ينقص قيمة المبيع.

قوله: «وبوله في الفراش» فإذا كان يبول في الفراش فهو عيب، وحدَّه الفقهاء بعشر سنوات، ولكن يجب أن يقيد بكونه في سن لا يبول فيها مثله في فراشه، فلو اشترى رقيقاً طفلاً، فالطفل لا بد أن يبول في الفراش، فيكون المراد بقوله: «وبوله في الفراش» أي: إذا بلغ سناً لا يبول فيها مثله في الفراش، وقيده في «الروض» بأن يكون قد بلغ عشر سنين[(227)]، ولكننا إذا كنا نقول: إن العيب ما ينقص قيمة المبيع عرفاً، فإننا نرجع في ذلك إلى العرف، والظاهر أن الناس إذا كان الطفل يبول وعمره ثمان سنوات يعتقدون أن هذا من العيب، وإذا كان به سلس فهذا عيب ومرض أيضاً.

وكونه أعسر لا يعمل بيمينه عملها المعتاد، ويعمل باليسار أكثر مما يعمل بيمينه، فيكتب بيساره، ويرمي بيساره، ويضرب بيساره، ويساره هي التي فيها القوة، واليمين لا يعرف أن يعمل بها شيئاً إلا الأكل، ولولا أنه نهي عن الأكل بالشمال لأكل بشماله، وهذا يسمى أعسر، فإذا اشترى عبداً وتبين أنه أعسر فهو عيب.

وقال بعض العلماء: إنه ليس بعيب إذا كان يعمل بيساره عمل يمينه لو كان غير أعسر، فإن ذلك لا ينقص قيمته، بل ربما يكون عمله باليسار أقوى، ولهذا يقول بعض الناس: هذه ضربة أشدف، والأشدف هو الأعسر الذي لا يضرب إلا باليسار، ويقال: إن ضرب الأعسر أشد، فإذا كان عمله بيساره أشد من عمله بيمينه فكيف يكون عيباً؟! ولدينا قاعدة نبني عليها: هل تنقص قيمته إذا كان أعسر؟ إذا قال أهل البيع في الرقيق: إنها لا تنقص فليس بعيب، وإن قالوا: تنقص فهو عيب، فإذا كان أعسر يَسِر لم يكن عيباً؛ لأن هذا زيادة خير، والأعسر اليسر الذي يعمل بيديه جميعاً على حد سواء، فيوجد بعض الناس يعمل باليد اليمنى واليسرى سواءً، يكتب باليمنى ويكتب باليسرى، فنقول: إذا وجد أعسر يسر فهو زيادة خير.

اقتصر الماتن على أمثلة، وزاد في «الروض»[(228)] أمثلة كثيرة لا حاجة لقراءتها؛ لأن لدينا ضابطاً، وهو أن العيب كل ما ينقص قيمة المبيع.

 

فَإذَا عَلِمَ المُشْتَرِي العَيبَ بَعْدُ أمْسَكَهُ بَأرْشِهِ، وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصّحَةِ والعَيْبِ، أَوْ رَدَّه وَأخَذَ الثَّمَنَ، ...

قوله: «فإذا علم المشتري العيب بعدُ» الفاعل المشتري، هذا إذا كان العيب في المبيع، أو البائع إذا كان العيب في الثمن وهذا يمكن.

مثاله: بعتك شاة بماعز، الشاة مبيع والماعز ثمن، فإذا علم سواء المشتري، أو البائع في ثمن معين.

وقوله: «بعدُ» فيه إشكال بكون الكلمة مرفوعة مع أنها ظرف زمان.

والجواب على الإشكال أنه حُذِف المضاف إليه ونوي معناه، فصار مبنيّاً على الضم، فالحركة هنا حركة بناء، وليست حركة إعراب.

وذكروا أن (قبل وبعد) لهما أربع حالات:

إما أن يذكر المضاف إليه، أو يحذف وينوى لفظه، أو يحذف وينوى معناه، أو يحذف ولا ينوى لفظه ولا معناه، فهو في الحالة الأخيرة معرب منون، ومنه قول الشاعر:

فساغ لي الشراب وكنت قبلاً

أكاد أغص بالماء الفرات

والشاهد قوله: «وكنت قبلاً».

فإذا حذف المضاف ونوي لفظه، فهو معرب غير منون، فتقول: أتيت من قبلِ فوجدت صاحبي، فهنا معرب غير منون؛ لأنه نوي لفظ المضاف إليه.

وإذا حذف المضاف ونوي معناه، فحينئذٍ يبنى على الضم، فتقول: أتيت من قبلُ، أي: من قبل هذا الزمن فوجدت صاحبي.

وإذا ذكر المضاف إليه فحينئذٍ يعرب، وبالطبع لا ينون؛ لأن الشاعر يقول لمخاطبه:

كأني تنوين وأنت إضافة

فأين تراني لا تحل مكاني

فهنا نقول: حذف المضاف إليه ونوي معناه، ويمكن أن تنصب «بعد» وتنوي اللفظ؛ لأن هذا على نية المتكلم، فإذا قال مثلاً: «فإذا علم المشتري العيب بعدَ»، عرفنا أنه حذف المضاف إليه ونوى لفظه.

وقوله: «بعد» أي علم المشتري العيب بعد العقد، فإذا علم به عند العقد فلا خيار له؛ لأنه عقده عليه مع علمه بعيبه يدل على رضاه به، وإذا رضي بالعيب فقد لزم البيع، وكذا لو شُرط عليه ولكن إذا لم يعلم ثم علم به يقول المؤلف:

«أمسكه» أي: أمسك المبيع المعيب.

قوله: «بأرشه، وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب» والأرش فسَّره المؤلف: بقوله: «قسط» ، أي: قسط ما بين قيمة الصحة والعيب، وقال: «قيمة» ولم يقل: ثمن، والفرق بين القيمة والثمن، أن القيمة هي ثمنه عند عامة الناس، والثمن هو الذي وقع عليه العقد، فإذا اشتريت ما يساوي ثمانية بستة، فالقيمة ثمانية والثمن الستة، ولهذا انتبه عند كتابة العقود لا تقل: باعه عليه بقيمة قدرها كذا وكذا، قل: بثمن قدره كذا وكذا، وما أكثر الكُتَّاب الذين يخطئون في هذا، أو يقول: باعه بثمن قدره كذا وكذا، والقيمة واصلة، بدلاً من أن تقول: القيمة، قل: الثمن واصل.

ولهذا قال: «قسط ما بين قيمة الصحة والعيب» فيقوم هذا الشيء صحيحاً ثم يقوم معيباً، وتؤخذ النسبة التي بين قيمته صحيحاً وقيمته معيباً، وتكون هي الأرش، فيسقط نظيرها من الثمن، ويكون التقويم وقت العقد، ولا وقت العلم بالعيب، لأن القيمة قد تختلف فيما بين وقت العقد والعلم بالعيب.

مثال ذلك: باع سيارة قيمتها مائة ألف بخمسين ألفاً، ثم تبين بها عيب، وقلنا: لأهل الخبرة: قدروا العيب، قالوا: هي معيبة تساوي ثمانين وسليمة تساوي مائة، فالأرش الآن الخمس، والثمن كان خمسين ألفاً فينقص عشرة آلاف، ولو قلنا: ينقص ما بين القيمتين كان النقص عشرين وتبقى بثلاثين ألفاً وهذا غلط، ولو باعها بمائتي ألف وتبين بها عيب فقوِّمت السيارة، وقيل إن السيارة سليمة بمائة ومعيبة بثمانين، فالقسط الخمس وينقص من الثمن أربعون ألفاً.

قوله: «أو رده وأخذ الثمن» أي: لك أن ترد المبيع وتفسخ البيع وتأخذ الثمن، فالمشتري بالخيار، هذا ما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله ، لكن شيخ الإسلام يقول: إما أن يأخذه مجاناً وإما أن يرده، أما الأرش فلا بد من رضا البائع لأنه معاوضة، فالبائع يقول: أنا بعت عليك هذا الشيء إما أن تأخذه وأما أن ترده، أما الأرش فهذا يعتبر عقداً جديداً، وما ذهب إليه الشيخ وجيه إلا إذا علمنا أن البائع مدلس ـ أي عالم بالعيب لكنه دلس ـ فهنا يكون الخيار بين الإمساك مع الأرش وبين الرد، معاملة له بأضيق الأمرين، وكذلك يقال في خيار التدليس وخيار الغبن.

فإن باعه بشرط البراءة من العيب، فقد سبق أنه إن أبرأه بعد العقد فالإبراء صحيح، وقيل: العقد لا يصح على المذهب.

وتقدم أن القول الصحيح أنه إن أبرأه، وهو مدلس، أي: البائع، فإنه لا يبرأ، سواء كان قبل العقد أو بعده، وإن كان غير مدلس صح، سواء كان قبل العقد أو بعد العقد.

 

وَإِنْ تَلِفَ المَبِيعُ أَوْ عتَقَ العَبْدُ تَعَيَّنَ الأرْشُ وَإِنْ اشْتَرى مَا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ بِدُونِ كَسْرِهِ كَجَوْزِ هِنْدٍ، وَبَيْضِ نَعَامٍ فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِداً فَأمسَكَهُ فَلَهُ أرْشُهُ وإِن رَدَّهُ رَدَّ أرْشَ كَسرِهِ.......

قوله: «وإن تلف المبيع أو عتق العبد تعين الأرش» المشتري بين خيارين، وإما أن يرد وإما أن يأخذ الأرش، لكن يتعين الأرش إذا تعذر الرد، فهذه القاعدة: إذا تعذر الرد تعين الأرش، ويتعذر الرد إذا تلف المبيع المعيب، وحينئذٍ يتعين الأرش.

مثاله: رجل اشترى ناقة فوجد فيها عيباً، ولكن الناقة ماتت قبل أن يردها فيتعين الأرش.

مثال آخر: اشترى عبداً فأعتقه، ثم وجد فيه عيباً، فيتعين الأرش؛ لأنه تعذر الرد.

فإذا قال قائل: العبد موجود فكيف يتعذر الرد؟.

قلنا: لأن عبوديته الآن زالت، فماليته تلفت في الواقع.

ويتعين الرد إذا لزم من الأرش الربا، مثل أن يبيع حليّاً من الذهب بوزنه دنانير ثم يجد في الحلي عيباً، فهنا لا يمكن أن يأخذ الأرش؛ لأنه يلزم منه الوقوع في الربا، إذ سيكون للمشتري ذهب بوزن الذهب الذي دفع، ثم يزاد على ذلك الأرش.

فالضابط: إذا تعذر الرد تعين الأرش، وإذا لزم منه الوقوع في الربا تعين الرد.

فيقال لهذا الذي وجد في الحلي عيباً: إما أن ترده، وإما أن تمسكه بدون أرش؛ لأنك لو أخذت الأرش لزم من هذا الربا فلا يجوز.

قوله: «وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره كجوز هند وبيض نعام فكسره فوجده فاسداً فأمسكه فله أرشه، وإن رده رد أرش كسره» إذا اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره كجوز الهند، وجوز الهند كبير وكبيض النعام أو نحوه، والمقصود منه ما كان داخل القشر، فإذا كسره فوجد ما كان داخل القشر فاسداً، وهذا عيب، فنقول: أنت الآن بالخيار إن شئت رددته وأخذت الثمن، وإن شئت أمسكته وأخذت الأرش، لكن إن رددته وأخذت الثمن لزمك رد أرش الكسر؛ لأن قشر بيض النعام ينتفع به كأوانٍ.

وظاهر كلام المؤلف أنه إذا لم يكن هناك فساد في الكسر فإنه لا يرد أرش الكسر، كما لو شذبه شذباً متساوياً فصار قطعتين، يمكن أن ينتفع بهما على أنهما إناءان فحينئذٍ نقول: لا أرش لهذا الكسر؛ لأنه لم يتأثر، ثم نقول: إذا كسره كسراً لا يبقى له قيمة بعده، مثل أن يكسره، فيرضَّه رضًّا فإنه حينئذٍ يتعين الأرش؛ لأنه تعذر الرد، فصارت هذه المسألة لها ثلاث حالات:

الأولى: أن يكسره متوازياً بحيث يصلح أن يكون إناء ولا تنقص به القيمة، فهذا لا أرش له؛ لأنه لم ينقص.

الثانية: أن يكسره كسراً لا تبقى معه قيمة، فيتعين الأرش؛ لأنه تعذر الرد.

الثالثة: أن يكسره كسراً تبقى معه القيمة لكنها تنقص، فهذا يأخذ أرش الكسر، وإن أبقاه وأخذ الأرش فهو بالخيار، يعني أنه على الخيار الأول.

 

وَإِنْ كَانَ كَبَيْضِ دَجَاجٍ رَجَعَ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وَخِيَارُ عَيْبٍ مُتَرَاخٍ مَا لَمْ يُوْجَدْ دَلِيلُ الرّضَا.

قوله: «وإن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن» لأن بيض الدجاج لا ينتفع الناس بقشره، بل يرمى في الزبالة، فإذا كسر بيض الدجاج فوجده فاسداً لا يصلح للأكل، فإن المشتري يرجع بكل الثمن؛ لأنه تبين أن العقد عليه فاسد، إذ من شرط العقد أن يكون على عين ينتفع بها، وهذا لا نفع فيه.

ولو قال البائع: أعطني القشور إذا كنت تقول: إن العقد فاسد، فإنه لا يلزمه؛ لأنه لا قيمة لها عادة، وترمى في الزبالة.

وإذا كان بطيخة «حبحبة» فلما شقها وجدها فاسدة، فهل يرجع بكل الثمن؟.

الجواب: لا يرجع بكل الثمن؛ لأن هذه البطيخة يمكن أن تكون علفاً للدواب، فيقال له: لك أن تردها، ولكن ترد أرش الشق الذي حصل منك، والفرق بينها وبين البيض، أن البيض لا ينتفع بقشره بخلاف البطيخة.

قوله: «وخيار عيب متراخٍ» [(229)] أي: أنه لا يلزم المشتري أن يطالب بالرد بالعيب من حين أن يعلم به؛ بل له أن يؤخر الطلب، فإذا علم بالعيب في أول النهار، ولم يطالب بالرد إلا في آخر النهار فله ذلك، ولو قلنا: إنه على الفور لكان إذا علم في أول النهار ولم يطالب بالرد إلا في آخره فليس له الخيار، ولكن الصحيح أنه على التراخي؛ لأنه حق للمشتري لا يلزمه أن يطالب به فوراً، ولا يسقط إلا بما يدل على إسقاطه، ولكن بعض أهل العلم يقول: إنه على التراخي ما لم يؤخر تأخيراً يضر البائع، وهذا أرجح.

قوله: «ما لم يوجد دليل الرضا» ودليل الرضا له صور:

الصورة الأولى: أن يصرح بذلك بأن يقول لصاحبه: باع فلان عليَّ حاجة فوجدتها معيبة، ولكن نظراً لحقه عليَّ فأنا راضٍ بذلك ولن أطالبه بالرد، وهذا صريح فلا يمكن أن يرد بعد هذا القول.

الصورة الثانية: أن يتصرف فيه بعد أن علم بالعيب بأن باعه، أو وقفه أو رهنه أو ما أشبه ذلك، فعلى المذهب يسقط خياره؛ لأن تصرفه فيه دليل على رضاه به.

والصحيح أن في ذلك تفصيلاً، فإن قال: إني تصرفت فيه راضياً بالأرش وعدم الرد فله الأرش، وإن قال: تصرفت فيه مسقطاً للخيار سقط خياره؛ لأن هذا الأمر يعود إلى نيته.

فإن قال البائع: أنا أريد أن أُحلِّفَهُ أنه إنما تصرف فيه راضياً بالأرش لا بالعيب فإنه يُحَلَّف، ويقال: احلف أنك إنما تصرفت فيه إمضاءً للعقد ورضا بالأرش، فإذا حَلَفَ فالأمر موكول إلى ذمته.

 

وَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمٍ وَلاَ رِضَا وَلاَ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَإِن اخْتَلَفَا عِنْدَ مَنْ حَدَثَ العَيْبُ، فَقَوْلُ مُشْتَرٍ مَعَ يمينِهِ، وَإِن لَمْ يَحْتَمِلْ إِلاّ قَوْلَ أحَدِهِمَا قُبِلَ بِلاَ يَمينٍ .

قوله: «ولا يفتقر إلى حكم» أي: لا يفتقر الفسخ بالعيب إلى حكم حاكم، فلا يلزم المشتري إذا أراد أن يفسخ أن يذهب إلى القاضي، ويقول: إنني أريد أن أفسخ البيع الذي حدث مع فلان؛ لأن هذا حق من الحقوق ثابت لصاحبه فلا يحتاج إلى محاكمة، وليس شيئاً مختلفاً فيه حتى نقول: إن الحاكم يرفع حكمه الخلاف بل هو أمر متفق عليه.

قوله: «ولا رضا ولا حضور صاحبه» كذلك لا يفتقر إلى رضا وحضور صاحبه. و «رضا» هنا غير منونة؛ لأنها بنية المضاف إليه، فلا يفتقر إلى رضا صاحبه، ولا حضور صاحبه، أي: فلا يفتقر إلى رضا صاحب المشتري، وهو البائع، ولا إلى حضوره.

ووجه ذلك أن الحق للمشتري، فهو الذي له حق الفسخ، فلم يُشترط رضا المفسوخ عليه، كالطلاق بيد الزوج، ولا يشترط أن ترضى الزوجة ولا أن تحضر، ولهذا لو طلق زوجته، وهي غير حاضرة طلقت وإن لم تعلم إلا بعد يومين أو ثلاثة؛ لأنه لا يشترط رضاها، كذلك أيضاً لا يشترط رضا البائع ولا حضوره.

فإن ادعى المشتري أنه قد فسخ، وأنكر البائع، فالقول قول المشتري؛ لأن هذا لا يعلم إلا من جهته.

قد يقول قائل: إن الأصل عدم الفسخ، فعليه يكون القول قول البائع؟

فيقال: هذا الأصل معارض بأصل آخر، وهو أنه لا يعلم إلا من جهته، فإذا قال: إني فسخت، أخذنا بقوله.

قوله: «وإن اختلفا عند من حدث العيب» الفاعل البائع والمشتري، و «من» استفهامية، اختلفا فقال البائع: حدث العيب عندك فلا خيار لك، وقال المشتري: بل هو سابق للعقد فلي الخيار.

قوله: «فقول مشترٍ مع يمينه، وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما قُبل بلا يمين» فهذه المسألة، أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أنها لا تخلو من حالين:

الحال الأولى: أن يمتنع صدق أحدهما، فهنا القول قول من لا يحتمل قوله الكذب.

الحال الثانية: أن يكون هناك احتمال، فهنا يكون القول قول المشتري.

مثال ما لا يحتمل قول البائع: الإصبع الزائدة، فإذا اشترى عبداً فوجد فيه إصبعاً زائدة، فأراد رده، فقال البائع: حدث هذا العيب عندك، وقال المشتري: أبداً، فالقول قول المشتري؛ إذ لا يمكن أن يحدث له إصبع زائدة، ولو أمكن أن يحدث لكان كل إنسان يتوقع أن يحدث له ذلك، وإذا قبلنا قول المشتري فلا يشترط أن يحلف؛ لأنه لا حاجة للحلف.

مثال ما لا يحتمل قول المشتري: اشترى بهيمة ثم ردها، والعيبُ الذي فيها جُرْحٌ، ادعاه المشتري فنظرنا إلى الجرح وإذا هو يثعب دماً، جرح طري والبيع له مدة أسبوع، فالقول قول البائع بلا يمين؛ لأنه لا يحتمل أن يكون هذا الجرح قبل العقد.

أما إذا كان يحتمل هذا وهذا، كعرج وفساد في طعام، وما أشبه ذلك فالمؤلف يقول: إن القول قول المشتري.

وعلة ذلك أن العيب فوات جزء في البيع وهو الكمال، فالمعيب قد فاته الكمال، والأصل عدم قبض هذا الجزء الفائت، والذي يدعي عدم قبضه المشتري، فيكون القول قول المشتري وهذا وجهه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» [(230)]، فالبائع الآن يقول: إني بعت عليك هذا الشيء سليماً، وهو يقول بعته علي معيباً، والمسألة محتملة فالقول: قول المشتري؛ لأن الأصل عدم قبض هذا الجزء الفائت بالعيب، فيكون المشتري مدعى عليه والبائع مدعياً، وهذه الرواية من مفردات مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

والقول الثاني: أن القول قول البائع، وهو مذهب الأئمة الثلاثة ـ رحمهم الله ـ وهو القول الراجح؛ للأثر والنظر، أما الأثر فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يترادَّان»[(231)] ، وهذا نص صريح؛ ولأن المشتري مدعٍ أن العيب سابق، حتى على قاعدة الفقهاء، المدعي: من إذا سكت تُرك، والمشتري هنا لو سكت لم يُطالب، والرسول صلّى الله عليه وسلّم يقول: «البينة على المدعي»، والمدعي هنا بلا شك هو المشتري، فنقول له: إيت ببينة أن العيب حدث عند البائع.

وأما النظر فلأن الأصل عدمُ وجودِ العيب والسلامةُ، ودعوى أن العيب سابق على العقد خلاف الأصل، وإذا كان لا يقبل قول المشتري في أصل العيب، فكذلك لا يقبل قوله في زمن العيب.

ولكن يجب أن نعلم أن كل من قلنا القول قوله، فإنه لا بد من اليمين، وهذه قاعدة عامة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اليمين على المدعى عليه ـ وفي لفظ ـ على من أنكر، لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال دماء قوم وأموالهم»[(232)].

فإن قال قائل: المدعي يسهل عليه أن يحلف، أولاً: لأجل أن يصر على قوله، وثانياً: طمعاً.

ولكن نقول: إذا حلف على يمين هو فيها كاذب يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، ولا يمكن لمؤمن أن يُقدم على هذا العمل، وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: اليمين الفاجرة تدع البلاد بلاقع، أي: أنها متلِفة، وهذا هو الواقع.

ولقد حدثني أحد الأشخاص الموثوقين أنه صار له دعوى على شخص بدراهم، وليس له بها بينة وهي ثابتة، فتحاكموا إلى القاضي وحكم ببراءة المدعى عليه باليمين، وحلف أنه بريء منها، فدعا عليه المحكوم عليه، فخرج هو وعائلته من البلد التي جرى فيها التحاكم إلى بلد قريبة منها، فأصيب بحادث ومات هو وعائلته، وهذا شاهد لقول الإمام أحمد: إنها تدع الديار بلاقع، أي: خالية ليس فيها أحد، ففائدة اليمين أن فيها خطراً عظيماً دنيوياً وأخروياً، ولا يقدم عليها إنسان إلا رأى النتيجة سيئة قريباً أو بعيداً.

 

السّادِسُ: خِيَارٌ فِي البَيعِ بِتَخْبِيرِ الثّمَنِ، مَتَى بَانَ أقَلّ أوْ أكْثَرَ، وَيَثْبُتُ فِي التَّوْلِيَةِ، وَالشّرِكَةِ، والمُرَابَحَةِ، وَالمُواضعَةِ وَلاَ بُدَّ فِي جَمِيْعِها مِن مَعرِفَةِ المُشتَرِي رَأسَ المَالِ ..

قوله: «السادس» أي من أقسام الخيار.

قوله: «خيار في البيع بتخبير الثمن» «بتخبير الثمن» متعلق بالبيع، وليس متعلقاً بخيار، أي: فيما إذا باعه بتخبيره بالثمن، وتخبير بمعنى إخبار؛ لأنه مصدر خبر يخبر تخبيراً، ويماثله أخبر يخبر إخباراً.

والظاهر ـ والله أعلم أن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ تناقلوها، عبَّر بها الأول ثم تبعه الآخر، وإلا لو قيل: خيار يثبت فيما إذا أخبره بالثمن لكان أوضح، أي: إذا باع الشيء، وقال المشتري: كم الثمن؟ قال: الثمن مائة ريال وهو باعه برأس ماله، الآن أخبره بالثمن، بأن رأس المال مائة ريال، فإذا تبين أن رأس المال تسعون ريالاً، فحينئذٍ يثبت له الخيار بسبب إخبار البائع إياه بالثمن؛ فتبين أن إخباره بالثمن غير صحيح؛ لأنه قال: بمائة، ثم ثبت أنه اشتراه بثمانين.

مثال آخر: جاءني رجل فقال: أنا اشتريت سيارة بثمانين ألفاً، فجاءني رجل وقال: بعنيها برأس مالها، قلت: بعتها عليك برأس المال، فكم رأس المال؟ قلت: مائة ألف، فقال: قبلت، ثم تبين بعد ذلك أن الثمن ثمانون ألفاً، فالبائع حينئذٍ كذب على المشتري حيث أخبره بما لا صحة له.

فسبب ثبوت الخيار للمشتري التخبير الكاذب بالثمن؛ لأن البائع أخبره خبراً كاذباً بثمن هذه السلعة، وهو نوع من الغش والتدليس، فإنه أظهر السلعة بثمن كثير وهي في الواقع بثمن قليل، وهذا حرام، ولهذا جُعل للمشتري الخيار.

والبيع بالتخبير يقابله البيع بالمساومة، فالبيع بالتخبير فيه نوع من التقييد والبيع بالمساومة فيه نوع من التحرر، فالبائع والمشتري غير مقيدين بثمن، والبيع بالمساومة أسلم من وجه ولكنه أخطر من وجه آخر، أسلم من جهة أنه لا يكون فيه كذب، ولكنه أخطر من جهة أن البائع ربما يزيد في ثمن السلعة كثيراً، ففي كل منهما سهولة من وجه وخطورة من وجه آخر، والغالب أن التخبير أشد طمأنينة للمشتري.

قوله: «متى بان أقل أو أكثر» «متى بان أقل» واضح؛ لأن المشتري مغبون، أي: متى بان الثمن أقل مما أخبر به، لكن قوله: «أو أكثر» تصويرها صعب، ولهذا لا توجد هذه العبارة «أكثر» لا في «الإقناع»، ولا في «المنتهى»، ولا في «المقنع» الذي هو أصل هذا الكتاب، ولا غيره، وهي عند التأمل لا وجه لها، فلعلها سبق قلم من المؤلف.

فإذا بان أكثر فليس بمغبون، اللهم إلا إذا قال المشتري: أنا لا أريد أن يمن علي، أنا أريد الثمن الحقيقي بلا زيادة، فهذه ربما تكون صورة المسألة، وأما من الناحية المالية فمتى بان أكثر، فالواقع أن الحظ في جانب المشتري، فكيف يثبت له الخيار؟!

قوله: «ويثبت في التولية، والشركة، والمرابحة، والمواضعة» وجه حصره في هذه الأربع أن هذه هي الصور الممكنة عقلاً، فالبيع بالتخبير يمكن في صور أربع فقط.

التولية هي أن يبيعه برأس ماله، وسميت تولية؛ لأن المشتري صار بدلاً عن البائع، وكأنما يصير وليّاً له أي متابعاً له، كأنه يقول له: وليتك ما توليت، فيشتريه بمائة، ويأتيه آخر ليشتريه منه، فيقول: بعته عليك برأس المال فهذه تولية.

والشركة أن يبيع عليه بعضه بقسطه من الثمن، مثل أن يبيع عليه النصف فيكون على المشتري الثاني نصف الثمن، أو الثلث، أو الربع، أو أكثر، أو أقل، والبيع بالشركة قد يكون تولية وقد يكون مرابحة وقد يكون مواضعة.

والمرابحة أن يبيعه برأس ماله وربح معلوم، فيقول: بعتك برأس ماله وربح عشرة ريالات، أو بعتك برأس ماله مع ربح العشر، أي: سواء عين الربح أو نسبته.

المواضعة أن يضع من الثمن، فيقول: بعتك إياه بخسارة عشرة ريالات، أو العشر، أو الخمس، أو ما أشبه ذلك.

أمثلة أخرى على هذه الصور الأربع:

مثال التولية: أن يقول: اشتريت سيارة بمائة ألف، فجاءني رجل فقال: بعنيها برأس مالها، فقلت: بعتكها برأس مالها.

مثال الشركة: اشتريت أرضاً بمائة ألف، فجاءني رجل فقال لي: اجعل لي نصف الأرض، أنا أريد أن أعمر مستراحاً لي، فقلت: أشركتك بنصف الأرض على حسب رأس المال، فهذه شركة، لكنها حسب الثمن تولية؛ لأنه لم يربح عليه ولا نزل له من الثمن.

مثال المرابحة: اشترى سيارة بمائة ألف فجاءه إنسان، وقال: أنا أريد أن أربحك فبعنيها بربح عشرة آلاف، فيقول: بعتك، هذه مرابحة، أو يقول: بعنيها بربح العشر، فتكون مائة وعشرة آلاف، فالمرابحة تكون بالنسبة، وتكون بالتعيين.

مثال المواضعة: عكس المرابحة، فيقول: اشتريتها بمائة وأضع لك عشرة في المائة، أو يقول: العشر، فتكون بتسعين.

قوله: «ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال» أي: إن بعتها تولية لا بد أن يعرف المشتري رأس المال؛ لأنه إذا لم يعرفه صار مجهولاً، ومن شرط صحة البيع العلم بالثمن.

وظاهر كلام المؤلف حتى ولو كان البائع ممن عرف بالمتاجرة، ووثق من شرائه، فإنه لا بد أن يعرف المشتري رأس المال، فلو جاءني وقال: اشتريت منك هذه الأرض برأس مالها، فقال: بعتك إياها، والمشتري لا يعلم كم رأس المال، فإن البيع لا يصح؛ لأن الثمن مجهول، ومن شروط البيع أن يكون الثمن معلوماً.

ويتخرج القول بالجواز على جواز البيع بمثل ما باع به فلان إذا كان المشتري معروفاً بالحذق في البيع والشراء، والمشتري الذي هو البائع في المسألة الثانية.

مثاله: اشتريتُ أرضاً بمائة ألف ريال، وأنا ممن يتجر في الأراضي ولا يُغبن فيها، فجاءني رجل وقال: بعني الأرض التي اشتريتها برأس مالها، فقلت: بعتها عليك، وهو لا يدري بكم اشتريتها، لكنه يعرف أنني رجل متاجر حاذق لا أغبن في الشراء.

فعلى المذهب لا يجوز، لكن كما سبق يتخرج على القول بجواز البيع كما يبيع الناس أو كما يبيع فلان أنه يجوز، وهو الصحيح؛ لأن كثيراً من الناس إذا عرف أن هذا الرجل ممن يتاجرون بهذه السلعة، وأنه حاذق فيها يثق به، بل ربما لو أراد أن يشتريها لجاء إليه يستشيره، ولكن لا شك أن الأولى والأحسن أن يعلم بالثمن؛ لأن الإنسان قد يقدر ثمن هذه السلعة قليلاً ويكون كثيراً، وهذا يقع بكثرة، فإذا عقد البيع ولزم البيع، فإنه ربما يستحي أن يقول: رجعت، فمن ثم نقول: لا شك أن الأولى بيان الثمن للمشتري؛ لما يلي:

أولاً: للخروج من الخلاف.

ثانياً: لأنه أطيب للقلب، لكن كون هذا شرطاً فيه نظر، بل نقول: إذا كان البائع الذي باع برأس المال ممن عرف بالحذق بالتجارة فإنه يكفي الاعتماد على حذقه واتجاره.

قال في «الروض»[(233)]: «لا بد من معرفة المشتري والبائع رأس المال» الماتن حذف كلمة «البائع» والشارح قال: «والبائع» وإنما حذفها الماتن؛ لأن الغالب أن البائع يعلم رأس المال، لكن قد لا يعلم، بل كثيراً ما يقع وهو لا يعلم؛ مثل أن يكون البائع تاجراً له وكلاء، فاشترى وكيله له أرضاً ثم جاء رجل، وقال للتاجر: بعني الأرض المذكورة برأس المال، قال: أبيعها عليك، فالبائع حينئذٍ لا يعلم، والوكيل هو الذي يعلم، واشتراط علم البائع برأس المال أوكد من اشتراط علم المشتري برأس المال؛ لأن البائع ربما يغبن غبناً كثيراً، فربما يكون وكيله قد اشتراها في زمن الرخص مثلاً بمائة ألف، وهي تساوي مائتين، أو ارتفع السعر وبلغت ضعف قيمتها، وهذا التاجر لا يعلم، فإذا باعها عليه برأس المال، وقال الوكيل: رأس مالها مائة ألف، وهي تساوي مائتي ألف أو أكثر، فسيقول البائع: إن هذا المشتري غبنني وخدعني ويكون في قلبه حسرة، لا سيما إن كان من الحريصين على الدنيا، ويمثلون قول المتنبي:

بليت بِلى الأطلال إن لم أقف بها

وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه

تشبيه عجيب!! الأطلال هي بقايا الديار، فهذا رجل شحيح ضاع خاتمه في التراب، فسيبقى في التراب يبحث حتى يجد الخاتم.

فالحاصل أنه لا بد في الخيار بتخبير الثمن من علم البائع والمشتري برأس المال؛ لأن عدم معرفتهما بذلك جهل، والجهل غرر، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر[(234)].

فإذا باع عليَّ رجل سلعة برأس مالها، فقلت له: كم رأس المال؟ فقال لي: مائة، ثم تبين أن رأس المال ثمانون، فإن لي الخيار، إن شئت أمسكتها وإن شئت رددتها، وهذا الذي مشى عليه المؤلف رواية عن الإمام أحمد، والمذهب أنه لا خيار، فيقال له: نضع عنك الزائد وتلزمك؛ لأن هذا من مصلحته، فكيف نثبت له الخيار بشيء اشتراه برأس المال، وقيل له: إن رأس المال مائة ورضي بمائة، ثم تبيّن أن رأس المال ثمانون، فالخيار لدفع الضرر، وهذا الذي اشترى برأس المال على أنها بمائة، ثم تبين أنها بثمانين وسيأخذها بالثمن الحقيقي ليس عليه ضرر فلا خيار له.

لكن لو رأى القاضي إذا ترافعوا إليه أن من المصلحة إثبات الخيار له؛ لكونه يعلم أن البائع مدلس، فحينئذٍ يتوجه القول بإثبات الخيار تأديباً للبائع على التدليس والكذب، وأما إذا لم يكن هناك شيء فلا يمكن؛ لأن المشتري قد يجعل كون الخيار له وسيلة لترك المبيع؛ لأن قيمته في السوق نقصت فنفتح باب الحيل على الناس.

لكن لو قال البائع: غلطت، قلت: إن الثمن مائة وظننت أنها السلعة الفلانية، أو أن قيمة هذه السلعة مائة غلطاً، فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة؛ لأنه مدعٍ، وإذا لم يكن عنده بينة فالقول قول المشتري، فيحلف أنه لا يعلم أن البائع غلط، ويثبت له الخيار على القول بالخيار.

وسبق أنه لو قيل بقول وسط في هذه المسألة، وهو أنه إذا ثبت أن البائع كاذب متعمد، فإنه ينبغي أن يمكن المشتري من الخيار، تأديباً للبائع وعقوبة له.

 

وَإِن اشْتَرى بِثَمَنٍ مُؤجَّلٍ أوْ مِمّنْ لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، أَوْ بأكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حيِلَةً، .

قوله: «وإن اشترى بثمن مؤجَّل» «اشترى» الفاعل يعود على البائع تولية ولم يبين، مثل أن يقول: بعتك هذا الكتاب برأس ماله، وهذا بيع تولية، فقال: كم رأس ماله؟ قال: رأس ماله عشرون درهماً، قال: اشتريته، وكان هذا الذي باعه قد اشتراه بعشرين درهماً مؤجلاً ولم يخبر المشتري ـ ومعلوم أن الثمن المؤجل يكون أكثر ـ فاشتراه المشتري وصدقه وأخذه بعشرين، ثم تبين أن هذا الثمن كان ثمناً مؤجلاً، فهو صادق في أنه اشتراه بعشرين، لكنه ثمن مؤجل، فنقول: للمشتري الخيار إن شاء أمسكه وإن شاء رده؛ وتعليل ذلك أن البائع غرَّه وخدعه، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» [(235)]، فجزاؤه أن يفسد عليه أمره، وأن يقال للمشتري: أنت بالخيار.

هذا هو الذي مشى عليه المؤلف ـ وهو وجيه جداً ـ وهو الصواب إذا كان البائع الذي باع برأس ماله قد خدعه فنعامله بنقيض قصده.

والمذهب أنه ليس له حق الفسخ، ولكنه يأخذه بأجله؛ وتعليل ذلك أنه في هذه الحال لا ضرر عليه؛ إذ إنه زاده خيراً، فهو في الأول قد رضي أن يشتريه نقداً بعشرين، والآن صار عليه مؤجلاً بعشرين، والتأجيل أرفق به فيكون قد زاده خيراً؛ لأنه سينتفع بالثمن فيبيع به ويشتري، وإذا حل الأجل سلمه للبائع وليس له الخيار؛ لأن الخيار إنما هو لدفع الضرر، وهنا لا ضرر.

ولكن مع ذلك يقال: قد يكون زاده خيراً، وقد يكون زاده شراً، وربما يقول المشتري: أنا أَحَبُّ إلي أن أشتري بنقد؛ لأن الدراهم الآن معي فإن بقيت معي إلى الأجل فربما أصرفها في أشياء غير مفيدة لي، وقد لا يرضى بالتأجيل، فلا يريد أن يبقى الشيء ديناً في ذمته، وربما يكون ـ أيضاً ـ في بلد ظالم واليها، فيخشى إن بقي عنده شيء من المال أن يؤخذ منه مصادرة، ويقول: التعجيل أحب إلي من التأجيل.

ولكن الجواب على هذا أن يقال: إن هذه حال نادرة، والأصل عند جميع الناس من حيث العموم أن المؤجل أيسر على باذله من الحالّ.

ولكن كما سبق إذا علمنا أن البائع قد خدعه يقيناً فإنه في هذه الحال نقطع عليه الطريق، ونقول للمشتري: أنت بالخيار إن شئت افسخ، وإن شئت خذه بأجله.

فإذا قلنا: يأخذه بأجله، فهل يكمل الأجل، أو يبتدئ الأجل من جديد؟

الجواب: يأخذه من جديد؛ لأن الثمن من أوصافه أن يكون مؤجلاً، فيأخذه بأجله ابتداءً، فإذا قدر أنه باعه بعد أن اشتراه بثلاثة أشهر والأجل ستة أشهر يستأنف ستة؛ لأن هذا هو الثمن.

قوله: «أو ممن لا تقبل شهادته له» أي: أو اشترى البائع بتخبير الثمن ممن لا تقبل شهادته له، ثم باعه على آخر ولم يخبره فللثاني الخيار؛ لأن الغالب أن الإنسان مع من لا تقبل شهادته له، لا يستقصي في الثمن، فالغالب أنه لا يماكس.

والذي لا تقبل شهادته له أصوله وفروعه، الآباء والأمهات والأجداد والجدات، والأبناء والبنات وأبناء الأبناء وأبناء البنات، وكذلك الزوجان لا تقبل شهادة أحدهما للآخر.

مثاله: رجل اشترى من أبيه سلعة بمائة، ثم باعها على آخر برأس مالها، ثم تبين للمشتري أن الذي باع عليه قد اشترى من والده، فيقول المؤلف: له الخيار.

وظاهر كلامه أن له الخيار سواء غبن أم لم يغبن، بناءً على أن العادة أن الإنسان لا يستقصي فيما إذا اشترى ممن لا تقبل شهادته له.

ووجه الخيار للمشتري أن البائع لو اشترى من أجنبي لماكسه وكاسره، أما أبوه فيستحي منه، وكذلك يقال في الابن.

والصحيح في هذه المسألة أنه لا يثبت له الخيار إلا إذا ظهر في ذلك غبن، فله الخيار ويكون من باب خيار الغبن، أما إذا لم يكن هناك غبن فإنه كثيراً ما يشتري الإنسان من أصوله أو فروعه، ويستقصي في الثمن.

قوله: «أو بأكثر من ثمنه حيلة» أي: إذا اشترى البائع الذي باعه بتخبير الثمن بأكثر من الثمن حيلة.

مثاله: رجل يطلب من آخر مائة ريال، والمطلوب يماطل، كلما جاءه قال: انتظر، وفي يوم من الأيام اشترى منه سلعة تساوي ثمانين بمائة، فلما اشتراها، قال المشتري ـ الذي هو الطالب ـ للبائع ـ المطلوب الذي يماطل ـ: إذاً مقاصة، فهذا الشراء ليس لرغبة في السلعة؛ بل حيلة على استخلاص حقه؛ فإذا جاء رجل آخر، وقال له: بعني هذه السلعة، فقال: أبيعها عليك برأس المال مائة، ثم تبين بعد ذلك أنه اشتراها بمائة حيلة، ليخلص دينه من هذا المماطل وهي تساوي ثمانين فللمشتري الخيار.

وكذلك إذا كان بأكثر من ثمنه محاباة، أي أن الذي باع بالتخبير اشترى هذه السلعة من شخص صديق له، وهي لا تساوي مائة، لكن اشتراها بمائة؛ لأنه صديقه، أو اشتراها بمائة؛ لأنه رأى أن هذا الرجل فقير، فقال: أزيد الثمن محاباة له وجبراً لخاطره، ثم إن هذا المشتري باعها بالتخبير بالثمن، وقال: إن ثمنها مائة، فنقول للمشتري الذي اشترى بالتخبير بالثمن: لك الخيار إذا تبين أنها أكثر من ثمنها من أجل المحاباة؛ لأن الإنسان إذا حابى أحداً لا يهمه أن يزيد عليه ريالين أو ثلاثة أو عشرة، وأنه إذا باع عليه ـ أيضاً ـ لا يهمه أن ينقص ريالين أو ثلاثة أو عشرة.

قال في «الروض»: «أو لرغبة تخصه»[(236)]، أي الذي باع بتخبير الثمن، اشترى هذه السلعة لرغبة تخصه ليس لأنها زادت في السوق، بل لرغبة تخصه.

مثاله: رجل اشترى بيتاً إلى جنب بيته، فالبيت يساوي مائة ألف، واشتراه بمائة وعشرين؛ لأنه إلى جانب بيته ويداخل البيت، فهذه رغبة تخص المشتري، فلو لم يكن جاراً له لم يشتره بمائة وعشرين، ثم إنه طابت نفسه من البيت وباعه على إنسان بالتخبير بالثمن، فقال المشتري الآخر: بكم اشتريته؟ قال: بمائة وعشرين، قال: أخذته برأس ماله، وتبين أن المائة والعشرين أكثر من الثمن، وأن ثمنه مائة، وزاد العشرين لرغبة تخص المشتري، وهو كونه إلى جنبه ومداخلاً بيته.

مثال آخر: اشترى شاة حلوباً بمائة وعشرين؛ لأن عنده خروفاً من الغنم يحتاج إلى لبن، فاشتراها بمائة وعشرين؛ من أجل أن ترضع هذا الخروف، ثم انتهى رضاعه، وجاء إنسان وقال: اشتريها منك برأس المال مائة وعشرين، ثم تبين أنه اشتراها بمائة وعشرين من أجل إرضاع الخروف.

قال في «الروض»: «أو موسم فات»[(237)]، أي: اشتراه في أيام الموسم.

مثاله: اشترى شاة في عيد الأضحى، وعادة أن الغنم في عيد الأضحى ترتفع قيمتها، فاشترى هذه الشاة بمائة وفي غير الموسم تساوي ثمانين، ثم إنه بعد أن فات الموسم باعها برأس مالها مائة، وهو أكثر من الثمن؛ لأنه اشتراها في موسم، والموسم قد فات.

أما لو باعها في نفس الموسم فهذا لا بأس، لكنه الآن قد فات، فنقول: للمشتري الخيار.

إذاً متى بان الثمن أكثر لسبب من الأسباب يتعلق بالمشتري أو يتعلق بالمبيع، فإن للمشتري الآخر الخيار.

 

أوْ بَاعَ بَعْضَ الصّفْقَةِ بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَلَمْ يُبَيّن ذَلِكَ في تَخْبِيْرِهِ بِالثَّمَنِ، فَلِمُشْتَرٍ الخِيّارُ بَيْنَ الإِمْسَاكِ والرّدِ، وَمَا يُزَادُ فِي ثَمَنٍ، أَو يُحَطُّ مِنْهُ فِي مُدَّةِ خيَارٍ أوْ يُؤخَذُ أرْشاً لعَيْبٍ، أو جنَايةٍ عَلَيْهِ يُلْحَقُ بِرَأسِ مَالِهِ وَيُخْبِرُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ لُزُومِ البَيْعِ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ وَإِنْ أخْبَرَ بِالحَالِ فَحَسَنٌ.

قوله: «أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبين ذلك في تخبيره بالثمن، فلمشترٍ الخيار بين الإمساك والرد» مثال ذلك: اشترى ثلاث سيارات بستين ألفاً، ثمن كل واحدة عشرون ألفاً، باع واحدة منها بقسطها من الثمن عشرين ألفاً، ثم باع الثنتين تولية بأربعين ألفاً، ثم تبين أنه اشترى ثلاث سيارات وباع واحدة، فللمشتري الخيار، وهذا معنى قوله: أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن فللمشتري الخيار، لماذا لم تقل له: إني بعتك سيارتين من ثلاث تولية من رأس المال؟ لا بد أن تبين.

والمذهب أنه إذا كان الثمن ينقسم على المبيع بالأجزاء فلا خيار؛ لأنه ليس فيه ضرر، وإن كان ينقسم عليه بالقيمة ففيه الخيار؛ لأنه إذا كان ينقسم عليه بالقيمة، فالقيمة قد تزداد إذا زاد المبيع وقد تنقص، كما هو معروف في بيع الجملة والتفريد.

أما إذا كان الثمن ينقسم عليه بالأجزاء بحيث إن كان جزء له قسطه من الثمن، فإنه إذا باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن وباع الباقي تولية ولم يذكر أنه باع منها شيئاً، فلا خيار له؛ لأنه لا ضرر عليه، فلو باع ثلاث سيارات بستين ألفاً، قِيمتها مجموعة ومفردة واحدة، فإذا باع واحدة بعشرين ألفاً، فإنه بالضرورة يكون الباقي بأربعين ولا ضرر على المشتري، بخلاف ما إذا اشترى كيساً من القمح بتسعين درهماً ثم باع ثلثه بثلاثين درهماً، فإنه في هذه الحال ربما يكون الباقي يساوي ستين وقد يساوي أكثر، فإذا كان الثمن ينقسم بالقيمة على المبيع، فإنه إذا باع بعضه ولم يخبر به فللمشتري الخيار، وإن كان ينقسم بالأجزاء فإنه لا حرج أن يبيع الباقي بقسطه من الثمن وإن لم يخبر المشتري، وهذا التفصيل أقرب إلى الصواب؛ لأن المشتري لا ضرر عليه إطلاقاً، أما ظاهر كلام المؤلف فإن فيه الخيار مطلقاً، سواء كان الثمن ينقسم على المبيع بالأجزاء أو ينقسم عليه بالقيمة.

فإذا قال قائل: كيف يكون له الخيار؟.

نقول: لأن الناس يفرقون بين بيع التجزئة وبيع الجملة، وقد يزيد الإنسان الثمن في الجملة أو في التجزئة حسب الرغبات، وبهذا نعرف حرص العلماء ـ رحمة الله عليهم ـ على الصدق في البيع والشراء، وإلا لقال بعض الناس: ما دام أنه باع النصف بنصف الثمن، فلماذا لا يكون ملك هذا بخمسين، فيجب أن يصدق، فيقال: هو لم يحصله بخمسين، وإنما حصل عليه مع البقية بمائة، وهذا يساوي خمسين، فالواجب أن يبين.

قوله: «وما يزاد في ثمن» أي: في مدة الخيار فإن يجب أن يخبر به.

مثاله: اشترى شيئاً بمائة وفي أثناء المجلس، قال البائع: أنا مغبون لا أبيعه إلا بمائة وعشرين، وإلا لي الخيار فنحن الآن في المجلس، قال المشتري: قبلت بمائة وعشرين، فجاء رجل آخر يريد أن يشتري من المشتري برأس المال، هل يقول: رأس مالي مائة وعشرون؟

الجواب: لا، لا بد أن يخبر به فيقول: اشتريته بمائة، ثم في زمن الخيار زاد عليَّ؛ لأن العقد الأول كان على مائة فيجب أن يصدق، حتى في هذه الصورة يجب أن يلحق الزيادة برأس المال ويخبر به.

قوله: «أو يحط منه في مدة خيارٍ» أي: في مدة الخيار كذلك فيجب أن يخبر به.

مثاله: لما تم البيع بين البائع والمشتري وهما في المجلس، قال المشتري: أنا مغبون، اشتريته منك بمائة وهو لا يساوي إلا ثمانين، واتفقا على ثمانين فباعه بثمانين، فإذا اشتراه أحد منه برأس ماله فلا بد أن يقول: اشتريته بمائة، ثم حاططته إلى ثمانين مراعاة للعقد الأول؛ لئلا يلغى العقد الأول، أما إذا كان الإسقاط بعد التفرق، مثل: أن اشتريت هذا البيت بعشرة آلاف ريال وتفرقنا وأتيت بالدراهم إلى البائع، فقال: إني الآن أسقط عنك ألف ريال، فإنه هنا لا يجب الإخبار؛ لأنه قال: في مدة خيار وهنا الإسقاط وقع بعد لزوم البيع.

قوله: «أو يؤخذ أرشاً لعيب» مثاله: اشترى رجل شاة بمائة ريال، ثم وجد بها عيباً قُوِّمَ بعشرين، فدفعها البائع للمشتري، والذي اشترى الشاة باعها برأس مالها فهل يقول: إني اشتريتها بثمانين أو يقول بمائة ثم نزلت للعيب عشرين؟

الجواب: الثاني، فلا بد أن يقول هذا، حتى يكون صادقاً في أنه اشتراها بمائة، ثم رُدَّ عليه عشرون من أجل العيب.

قوله: «أو جناية عليه يلحق برأس ماله ويخبر به» .

مثاله: اشترى عبداً بمائة، ثم إن العبد جُنِيَ عليه، بقطع بعض أطرافه أو ما أشبه ذلك، وكان أرش الجناية التي جُنِيَ بها على العبد خمسين فباعه برأس مالها، فإذا باعه برأس ماله وهو معيب يجب أن يقول: إني اشتريته بمائة فجُني عليه بخمسين، فيبين الواقع.

قوله: «وإن كان ذلك» المشار إليه الزيادة والنقص، وليس الجناية.

قوله: «بعد لزوم البيع لم يُلحق به» لأن البيع استقر على الثمن الأول، وأما ما أخذ أرشاً لعيب أو أخذ أرشاً لجناية فيخبر به، وإن كان بعد لزوم البيع، لكن الزيادة والنقص في الثمن يشترط لأن يخبر به أن يكون ذلك قبل لزوم البيع، أما بعد لزوم البيع فإنه لا يجب، ولذلك لو أن البائع الأول الذي باعه بمائة وتم البيع وتفرقا أبرأ المشتري من الثمن، ثم إن المشتري باعه برأس ماله، هل يلزمه أن يقول: إني اشتريته بمائة وأبرأني منها؟

الجواب: لا يلزمه؛ لأن هذا بعد لزوم البيع؛ ولهذا قال: «وإن كان ذلك بعد لزوم البيع لم يُلحق به» .

مسألة: إنسان اشترى ثوباً متسخاً بعشرة دراهم ثم أعطاه القصَّار «الغسَّال» فغسله بدرهمين، فيكون قد تحصل عليه باثني عشر درهماً، فجاءه إنسان وقال: أريد أن تبيعني إياه برأس المال، قال: رأس المال اثنا عشر درهماً، فلا يجوز، مع أنه لم يتحصل عليه إلا باثنى عشر درهماً، فلا بد أن يقول: اشتريته بعشرة دراهم، وغسلته بدرهمين، كل هذا تحرياً للصدق في المعاملات؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في المتبايعين: «إن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما»[(238)].

وعلى هذا فكل شيء يتغير به الحال في باب التولية فلا بد من بيانه.

قوله: «وإن أخبر بالحال» يعني حتى ولو بعد لزوم العقد.

قوله: «فحسن» وعلل ذلك في «الروض» بقوله: لأنه أبلغ في الصدق[(239)].

مسألة: هل يلزمه أن يخبر بكسب العبد، ونماء البهيمة المنفصل فيسقطه من الثمن أو لا يلزم؟.

الجواب: لا يلزم، فلو اشترى عبداً بعشرة آلاف، وبقي عنده شهراً أو شهرين وكسب في هذه المدة ألفين، ثم باعه برأس ماله، وقال: رأس ماله عشرة آلاف، ولا يلحق بها الألفين؛ لأن هذا نماء منفصل وهو للمشتري؛ لأنه في ملكه.

السّابِعُ: خِيَارٌ لاِخْتَلاَفِ المُتَبَايِعَيْنِ، فَإذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثّمَنِ تَحَالَفَا، فَيَحْلِفُ بَائِعُ أوّلاً مَا بِعْتُهُ بكَذَا وَإِنّمَا بِعْتهُ بِكَذا، ثُمّ يَحْلِفُ المُشْتَرِي مَا اشْتَرَيتُهُ بِكَذا، وَإِنّمَا اشْتَريْتُهُ بِكَذَا،

قوله: «السابع: خيار لاختلاف المتبايعين» والخلاف بين المتبايعين من قديم الزمان، فيختلفان في الجنس أو في القدر أو في الصفة أو في العين، أو في أجل أو شرط، والاختلافات لا حصر لها.

والعلماء ـ رحمهم الله ـ ذكروا ما يشبه القواعد في هذا الباب، إذ إن جزئيات المسائل لا يمكن الإحاطة بها، وليس كل اختلاف يوجب الخيار، بل الاختلاف الذي دلت السنة على ثبوت الخيار في مثله، ولهذا يقول في «الروض»: «في الجملة»[(240)]، والفقهاء إذا قالوا: «في الجملة»، فالمعنى أكثر الصور، وإذا قالوا: «بالجملة»، فالمعنى جميع الصور، هذا مصطلح عندهم، والفرق أن «في» للظرفية و«الباء» للاستيعاب.

قوله: «فإذا اختلفا في قدر الثمن» بأن قال البائع: بعته بعشرة، وقال المشتري: اشتريته بثمانية، ولم توجد بينة، فإن وجد بينة تشهد بقول أحدهما فالأمر ظاهر، يحكم بما قالت البينة.

وهل القرينة هنا تنفع؟ أي: لو قيل: إن ما ادعاه المشتري أقرب إلى الثمن في السوق مما ادعاه البائع؟

الجواب: في هذا تفصيل، فإذا كان ما ادعاه أحدهما بعيداً لا يمكن، فهذا لا يقبل، ولا يلتفت له، ولا تُسمع دعواه، وإن كان محتملاً فعلى ما قال المؤلف وسيذكر إن شاء الله.

مثال هذا: باع شخص سيارة على آخر تساوي في السوق ستين ألفاً، ثم اختلفا في الثمن، فقال البائع: بعتها بستين ألفاً، وقال المشتري: اشتريتها بعشرة آلاف، فهذا لا يمكن إلا لسبب من الأسباب، والأصل عدم السبب، ولذلك لو أن أحداً عرض هذه السيارة التي تساوي ستين ألفاً بعشرة آلاف، لقيل: إن هذا سارقها، أو فيها بلاء، كما قلنا في العيب فيما سبق إذا لم يحتمل إلا قول أحدهما قبل بلا يمين.

قوله: «تحالفا» أي: كل واحد يحلف[(241)]، وهذا مشروط بما إذا لم يكن بينة أو قرينة تكذب قول أحدهما.

فإذ قال قائل: كيف نلزمهما بالحلف، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»[(242)]؟

قلنا: حقيقة الأمر أن كل واحد منهما مدع ومنكر، فتلزم اليمين كل واحد منهما، فالبائع مدعٍ أن الثمن مائة ومنكر أنه ثمانون، والمشتري مدع أنه ثمانون ومنكر أنه مائة، ولهذا ألزمنا كل واحد منهما بالحلف، فيتحالفان.

قوله: «فيحلف بائع أولاً ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا» لأنه هو الذي انتقل الملك عنه، فكان جانبه أقوى؛ لأن الأصل عدم خروج الملك من يد صاحبه، ولأن البائع يريد أن يثبت والمشتري يريد أن ينفي، والنفي لا يكون إلا بعد الإثبات، فيحلف البائع أولاً، فيقول: والله ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا، وعلى المثال الذي معنا: والله ما بعته بثمانين وإنما بعته بمائة، فيبدأ بالنفي أولاً كما هي العادة أن التخلية قبل التحلية، ولدفع دعوى المشتري.

قوله: «ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا» ، فيحلف المشتري: والله ما اشتريته بمائة وإنما اشتريته بثمانين، فإذ تمت المحالفة ولم يرض أحدهما بقول الآخر فلكل واحد منهما الفسخ.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من تقدم حلف البائع، فلو بدأ المشتري أولاً لم يصح، فإذا قلنا: للبائع احلف ثم حلف المشتري، فيلزم المشتري في هذه الحال أن يحلف ثانية؛ لأن المؤلف يقول: «فيحلف بائع أولاً» .

وظاهر كلام المؤلف ـ أيضاً ـ أنه لا بد من الجمع بين النفي والإثبات، نفي ما ادعاه خصمه وإثبات ما ادعاه هو، وإنما شرط ذلك ليكون دافعاً لما ادعاه خصمه بالنفي مثبتاً لما ادعاه هو بالإثبات، فلو نفى ما ادعاه خصمه فقط، وقال: والله ما بعته بثمانين، فلا يكفي حتى يحلف على ما ادعاه، ولو اقتصر على الإثبات فقط وقال: والله لقد بعته بمائة، وإن هذا المشتري كاذب، فهذا لا يكفي أيضاً، فلا بد أن يقول بالنفي: ما بعته بثمانين وإنما بعته بمائة، ولو قدم الإثبات على النفي فقال: والله لقد بعته بمائة، وما بعته بثمانين، فعلى كلام المؤلف لا يصح، فلا بد من أمور ثلاثة:

الأول: أن يحلف البائع أولاً.

الثاني: أن يجمع بين النفي والإثبات.

الثالث: أن يقدم النفي.

وكذلك يقال بالنسبة لحلف المشتري لا بد من أمور ثلاثة:

الأول: أن يكون هو الثاني في اليمين.

الثاني: أن يبدأ بالنفي قبل الإثبات.

الثالث: أن يجمع بين النفي والإثبات.

وقال بعض أهل العلم: إن القول قول البائع، والدليل على ذلك ما يلي:

1 ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يترادَّان»[(243)].

2 ـ أن الملك خرج من يده، ولا يمكن أن يخرج إلا بما يرضى به هو ما لم توجد بينة.

وهذا القول أقوى؛ لأنه يؤيده ظاهر الحديث، ويؤيده المعنى أيضاً، ويقال للمشتري: إن رضيت بما قال البائع وإلا فملكه باقٍ، إلا إذا ادعى البائع ثمناً خارجاً عن العادة فحينئذٍ لا يقبل، بأن قال: بعتها بمائة وهي لا تساوي خمسين في السوق.

فإذا قال قائل: لماذا لا يقبل ادعاء البائع؛ لأنه ليس على المشتري ضرر إذ إنه سيفسخ إذا لم يرض بما ادعاه البائع؟

فالجواب: أن في ذلك ضرراً على المشتري؛ لأن المشتري قد تكون حاجته متعلقة بهذه السلعة وقد اشتراها، أو يكون السوق ارتفعت أسعاره أو ما أشبه ذلك، فحينئذٍ نقول: إذا ادعى ثمناً أكثر مما جرت به العادة فإننا لا نقبل قوله لبعده.

وأما على القول بأنهما يتحالفان، فالصحيح أنه لا يحتاج إلى الجمع بين النفي والإثبات، والمقصود هو نفي ما ادعاه صاحبه فقط، أو إثبات ما ادعاه هو، وهذا يحصل بإفراد النفي أو إفراد الإثبات، والجمع بينهما ليس بلازم، وهذا ـ أيضاً ـ أقوى من وجوب الجمع بينهما؛ وذلك لأن المقصود من الألفاظ هو المعاني، فإذا ظهر المعنى اكتفينا به بأي صيغة كانت، فلا يشترط على القول الراجح الجمع بينهما بل نقول: إذا أثبت كفى سواء جاء بطريق الحصر: «والله ما بعته إلا بكذا»، أو قال: «والله لقد بعته بمائة».

وإذا قلنا بالجمع ـ أيضاً ـ فالقول الراجح أيضاً، أنه لا يشترط تقديم النفي، وأنه لو قال: والله لقد بعته بمائة وما بعته بثمانين كفى؛ لأن المقصود حصل.

فإن عكسا في الترتيب فبدأ المشتري أولاً ثم البائع فنقول: يعيد المشتري؛ لأنه لا بد من الترتيب كما قال: «فيحلف بائع أولاً» .

وقيل: إنه لا يشترط الترتيب، وأن المشتري لو بدأ أولاً لاعتبرت يمينه؛ لأن المقصود حاصل.

وقيل: يبدأ المدعي، فمثلاً إذا كان المشتري هو الذي قال: اشتريته بكذا قبل أن يدعي عليه البائع أنه باعه بكذا قدم المشتري.

والظاهر بناء على القاعدة العامة: «أن العبرة في الألفاظ بمعانيها»، فإذا حصل المقصود فإنه يصح ويحكم به، سواء بالتقديم أو التأخير وبتقديم النفي على الإثبات، أو بالاقتصار على الإثبات.

وقوله: «فيحلف بائع أولاً ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا» المراد هذا اللفظ أو معناه، فلو قال: والله لست بائعاً له بثمانين بل أنا بائع إياه بمائة، فإن ذلك كافٍ، فالعبارة التي ذكرها المؤلف لا يشترط لفظها إنما المقصود المعنى، لكن يبدأ أولاً بالنفي، ثم بالإثبات.

 

وَلِكُلٍّ الفَسْخُ إِذَا لَمْ يَرْضَ أحَدُهُما بِقَوْلِ الآخَرِ، فَإِنْ كَانَتْ السّلْعَةُ تَالِفَةً رَجَعَا إِلَى قِيْمَةِ مِثْلِهَا فإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهَا فَقَوْلُ مُشْتَرٍ، وَإِذَا فُسِخَ العقدُ انْفَسَخَ ظَاهِراً وَبَاطِناً.

قوله: «ولكل الفسخ إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر» أي: بعد التحالف نقول: الآن كل واحد منكما بالخيار، فإن رضي أحدهما بقول الآخر فلا فسخ.

فمثلاً المشتري لما رأى أن البائع حلف اتهم نفسه، وقال: إن هذا الرجل لن يحلف هذا الحلف البات إلا عن يقين، ثم رضي، فالقول ما قال البائع، وكذلك لو أن البائع لما رأى المشتري قد حلف وأكد، فقال: أنا أصدقه وأوهم نفسي فإنه يبقى المبيع على ما هو عليه، ولهذا قال: «إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر» . قوله: «فإن كانت السلعة تالفة رجعا إلى قيمة مثلها» .

مثاله: اشترى شاة ثم ذبحها وأكلها، ولما أراد أن يسلم الثمن للبائع قال البائع: الثمن مائة، وقال الذي اشترى الشاة وذبحها: بل الثمن ثمانون، فلو فسخنا العقد فالمبيع تالف، فنرجع إلى قيمة المثل.

وصريح كلام المؤلف أننا لا نرجع إلى المثل بل إلى القيمة؛ وذلك لأن البائع أقر بأنها خرجت من ملكه بالقيمة، فهي مضمونة بالقيمة، وليست كضمان المتلف يرجع فيه إلى المثل ثم إلى القيمة.

وقوله: «قيمة مثلها» هل ذلك وقت العقد أو وقت التلف أو وقت التحالف؟ هذا ينبني على أن الفسخ هل هو رفع للعقد من أصله أو من حينه؟ إن قلنا: إنه رفع للعقد من أصله فهو وقت العقد، وإن قلنا: إنه رفع للعقد من حين الفسخ فالتقويم حين الفسخ، ولكن هنا قد يعارضه أمر آخر وهو التلف، إذ هي حين الفسخ تالفة، فكيف تقوَّم وهي تالفة؟! وعلى هذا يتحول إلى قيمتها وقت التلف؛ لأنه ربما يشتريها ولا يفسخ إلا بعد أسبوع ويتغير السعر، والظاهر أننا نرجع إلى قيمتها وقت العقد؛ لأنه من المعلوم أن المبيع وقت الخيار ملك للمشتري، وزيادة القيمة له، والبائع قد أخرجه من ملكه وقت العقد، فليس له إلا قيمتها وقت العقد.

بقي النظر الآن في اختلافها في القيمة، فظاهر كلام المؤلف أنه يرجع إلى قيمة المثل، ولو كانت أقل مما قال المشتري أو أكثر مما قال البائع.

مثاله: قال البائع: إنها بمائة، والمشتري قال: بثمانين، والسلعة تالفة، وقلنا: نرجع إلى قيمة المثل، فقالوا: إن قيمة المثل لهذه الشاة مائة وخمسون، فصارت القيمة أكثر مما قال البائع، أو قالوا: إن القيمة بستين فهي أنقص مما قال المشتري، فالآن المشتري مقر بأن في ذمته لهذا الرجل ثمانين، والبائع قد أقر أنه لا يطالب المشتري بأكثر من مائة، والآن البائع سيأخذ مائة وخمسين، أو سيدفع المشتري ستين أقل مما ادعى، هذا ظاهر كلام المؤلف؛ وعللوا ذلك بأنه لما انفسخ العقد وصار لا عبرة به، رجعنا إلى الأصل، وهو قيمة المثل، فألغي قول البائع والمشتري.

وقال بعض أهل العلم: إذا صارت القيمة أكثر مما قال البائع فإنه لا يستحق أكثر مما ادعى، وإن كانت القيمة أقل مما قال المشتري ألزم بما أقر به، ولا شك أن هذا هو الورع ألا يأخذ البائع أكثر مما ادعى أنه باع به، والمشتري يدفع ما أقر أنه اشترى به، ولا شك أن هذا هو طريق الورع، لكن هل يلزم حكماً؟

هذا محل خلاف، المذهب أنه يلزم بالقيمة سواء كانت أكثر مما ادعى البائع أو أقل مما ادعى المشتري، ولهذا قال: رجعا إلى قيمة مثلها دون المثل؛ لأن البائع أقر بالخروج من ملكه بالقيمة فهو لا يستحق المثل.

قوله: «فإن اختلفا في صفتها فقول مشتر» أي: صفة السلعة التالفة فالقول قول المشتري.

مثاله: أن يقول البائع: إن العبد الذي هلك كان كاتباً، وقال المشتري: بل كان غير كاتب، فهنا إذا رجعنا إلى القيمة فبينهما فرق عظيم فالكاتب أغلى، فالقول قول المشتري، وذلك بناءً على القاعدة: (أن كل غارم فالقول قوله)؛ لأن ما زاد على غرمه دعوى فيحتاج إلى بينة، فتقدر قيمته غير كاتب.

والعلة أنه غارم، والغارم لا يلزم بأكثر مما أقر به؛ لأن الأكثر مما أقر به دعوى تحتاج إلى بينة.

وقوله: «فإن اختلفا في صفتها فقول مشتر» هل مثل ذلك إذا اختلفا في قدرها؟ بأن قال البائع: إني قد بعت عليك شاتين، وقال المشتري: بل واحدة، وقد تلفت الشاتان، فالقول قول مشتر بناءً على القاعدة؛ لأن البائع يدعي الآن أن المبيع اثنتان والمشتري لم يقر باثنتين، بل أقر بواحدة وأنكر الثانية، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر، إذاً إذا اختلفا في قدر المبيع أو في صفته فالقول قول المشتري.

قوله: «وإذا فسخ العقد انفسخ ظاهراً وباطناً» أي: ردت السلعة إلى البائع يتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم، ورجع الثمن إلى المشتري يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، سواء كان أحدهما صادقاً أم كاذباً، حتى الكاذب ينفسخ العقد في حقه. وقوله: «ظاهراً وباطناً» ظاهراً في الدنيا والحكم، وباطناً عند الله وفي الآخرة، فلا حق لأحدهما على الآخر ولو كان كاذباً[(244)].

مثاله: اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، فقال البائع: بعت عليك هذه الشاة بمائة، وقال: المشتري: بل بثمانين، ولا بينة فتحالفا وتفاسخا، فترجع الشاة إلى البائع، والقيمة المدفوعة للمشتري إذاً انفسخ العقد الآن ظاهراً وباطناً، أما ظاهراً فواضح، فلو ترافعا إلى الحاكم، لحكم برد السلعة إلى البائع، ورد الثمن إلى المشتري.

وأما باطناً فلو فرضنا أن البائع كاذب، وأن البيع بثمانين، والسلعة ردت إليه، الآن نقول له: تصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم، فإذا بعتها أو أجرتها أو وهبتها، فكل العقود التي تكون بعد فسخ العقد الأول تكون نافذة وصحيحة، حتى وإن كنت كاذباً، هذا ما مشى عليه المؤلف ـ رحمه الله ـ ولكن هذا قول ضعيف جداً.

والصواب أن الكاذب منهما لا ينفسخ العقد في حقه باطناً، وأنه لا يحل له أن يتصرف فيه، أي: فيما رجع إليه من ثمن إن كان مشترياً، أو من سلعة إن كان بائعاً، كما قالوا ذلك في الصلح فيمن ادعي عليه بدين وأنكر، وهو كاذب، وجرى الصلح بينه وبين المدعي، فإنهم قالوا هناك: من كذب لم يصح الصلح في حقه باطناً، فيقال: أي فرق بين هذا وهذا؟! فالصواب أن الكاذب منهما ينفسخ العقد في حقه ظاهراً فقط، أما باطناً فلا.

مثال: حلف أنه لم يبع بما قال المشتري، وإنما باع بما ادعاه، وفسخنا العقد فرجعت السلعة إلى البائع، ثم باعها لشخص آخر، فالبيع هذا صحيح ظاهراً وباطناً، حتى لو ترافعا إلى القاضي فيما بعد، فيما لو حصل خلاف بين المشتري الثاني وبين البائع، فإن الحاكم يحكم بأنها ملكه، أما إذا كان كاذباً فهنا محل الخلاف، فالمذهب أن البيع الثاني صحيح حتى عند الحاكم.

والقول الثاني أنه ليس بصحيح، وأن هذا البائع يعتبر كالغاصب الذي تصرف في ملك غيره؛ لأن أصل انفساخ العقد ظلم، إذ إن القول هنا ما قاله المشتري، لكن البائع ظلمه، فادعى أكثر من الثمن من أجل أن يسترد المبيع.

 

وإِن اخْتَلَفَا فِي أجَلٍ أوْ شَرْطٍ فَقَوْلُ مَن يَنْفِيِه وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ المَبِيعِ تَحَالَفَا، وَبَطَلَ البَيْعُ،

قوله: «وإن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه» مثال ما إذا اختلفا في أجل، أن يقول البائع: بعتك هذا الشيء نقداً غير مؤجل، فقال المشتري: بل بعتنيه مؤجلاً، فالقول قول البائع، أي: قول من ينفيه، فيلزم المشتري بدفعه نقداً؛ لأن الأصل عدم التأجيل، فلهذا كان القول قول من ينفيه.

وكذلك لو اختلفا في مقدار الأجل، فالقول قول من ينفي الزيادة، يعني اتفقا على أن الثمن مؤجل، لكن قال البائع: مؤجل إلى ستة أشهر، وقال المشتري: مؤجل إلى سنة، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل عدم الزيادة، فهما قد اتفقا على ستة أشهر واختلفا فيما زاد، والأصل عدم الزيادة.

فإن قال قائل: هل يمكن أن نرجع إلى القرائن في هذه الحال؟ بمعنى أن هذه السلعة لو كانت نقداً لكانت بمائة، ولو كانت مؤجلة إلى سنتين أو أكثر لكانت بمائتين، والثمن الآن مائتان، والمشتري يقول: إنه مؤجل، والبائع يقول: غير مؤجل، فهنا الأصل مع البائع؛ لأن القول قول من ينفيه.

ولكن إذا كانت القرينة تؤيد قول أحدهما، فالقول قوله.

مثاله: هذه السلعة قيمتها في السوق مائة، وإذا كان الثمن مؤجلاً فسوف تكون بمائتين، والثمن مائتان، فالبائع يقول: إنه نقد، والمشتري يقول: إنه مؤجل فالقرينة مع المشتري، ولو سألنا أهل السوق فقلنا: كم تساوي هذه نقداً؟ لقالوا: لا تساوي إلا مائة، وكم تساوي مؤجلة إلى سنتين؟ قالوا: تساوي مائتين فهنا القرينة مع المشتري وعلى هذا فيترجح جانبه، ويقال: يحلف على أن الثمن مؤجل إلى سنتين ويحكم بذلك.

وعلى هذا فيكون إطلاق المؤلف إن كان مراداً ففيه نظر، وإن كان غير مراد وأن هذه الصورة تخرج منه، فالأمر ظاهر.

إذاً إذا اختلفا في الأجل فالقول قول من ينفيه، ما لم تقم قرينة على أن القول قول من يثبته فيحكم بهذه القرينة.

فإذا قال قائل: القرينة أمر ظاهر، فكيف تغلبونه على الأصل، والأصل عدم الأجل؟

قلنا: هذه قاعدة في كل الدعاوى، وإلا فما الذي جعل القول قول المدعي إذا كان عنده بينة، لولا القرينة بالشهادة؟! ثم ما الذي جعل سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يحكم بأن الولد للصغرى حين تنازعت مع الكبرى[(245)] إلا القرينة؟!

وما الذي جعل حاكم يوسف يقول: {{إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ *}} [يوسف: 26، 27] إلا القرينة؟!

وما الذي جعل الأصحاب يقولون: إذا ادعت المرأة المطلقة بأن دِلال المجلس ومبخرة المجلس لها، وقال الزوج: بل هي لي، فالقول قول الزوج إلا القرينة؟!

فالمهم أن القرائن دلائل، فإذا ادعى الإنسان ما يخالف الظاهر فإن القول مع خصمه؛ لأن مخالفة الظاهر قرينة على كذبه.

وقوله: «أو شرط» أي: إذا اختلفا ـ أيضاً ـ في شرط فالأصل عدمه.

مثال ذلك: باع رجل بيته على آخر بثمن، ثم ادعى البائع أنه قد اشترط سكناه لمدة سنة، فالقول قول المشتري؛ لأنه ينفي الشرط، والأصل عدم وجوده.

وأيضاً باع عليه عبداً فقال المشتري: إني اشترطت عليك أن يكون كاتباً، وقال البائع: لم تشترط أنه كاتب، فالقول قول البائع ما لم توجد قرينة، وهنا نضرب مثلاً، فإذا قدر أن هذا العبد بيع بعشرة آلاف ريال، وهو غير كاتب يساوي ألفي ريال، فالقول قول المشتري لوجود القرينة؛ لأنه إذا كان غير كاتب لا يباع بعشرة آلاف، وإنما بألفين، فالقول هنا قول المشتري.

لكن إذا اشتراه صاحب تجارة، ويغلب على ظننا أنه إنما اشتراه ليكون كاتباً عنده في المحل، فقال المشتري: إني قد اشترطت عليك أن يكون كاتباً، وقال البائع: لا، فهذه قرينة خاصة بالطالب الذي هو المشتري، وليست قرينة ظاهرة في العموم، ومن المعلوم أن المشتري ولو كان تاجراً يمكن أن يشتريه للخدمة، لا للكتابة فهذه ليست قرينة، وبهذا نعرف أن القرائن قد تقوى وقد تضعف، لكن إذا كانت القرينة قوية فحينئذٍ ترجح جانب المدعي.

وقوله: «فقول من ينفيه» ظاهره بلا يمين، ولكن ليس مراداً، بل قول من ينفيه بيمينه، فيقول ـ مثلاً ـ: والله ما بعته مؤجلاً، وإنما بعته حالًّا، ويقول الآخر: والله ما اشتريته حالًّا، وإنما اشتريته مؤجلاً.

قوله: «وإن اختلفا في عين المبيع تحالفا» أي: البائع والمشتري، بأن قال البائع: بعتك هذه السيارة، وقال المشتري: بل هذه السيارة لسيارة أخرى، فهنا اختلفا في عين المبيع.

أو قال: بعتك هذا الجمل، فقال: بل بعتني هذه الناقة، فيقول المؤلف: إنهما يتحالفان ويُفْسَخ البيع، والتحالف هنا كالتحالف فيما سبق في قدر الثمن، فيقول البائع: والله ما بعتك هذه، وإنما بعتك هذه، ويقول المشتري: والله ما اشتريت هذه وإنما اشتريت هذه، فإذا تحالفا ولم يرض أحدهما بقول الآخر فسخ البيع، ورجع للمشتري الثمن إن كان قد سلمه، وإلا فالثمن عنده، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله.

والقول الثاني في المسألة: أن القول قول البائع، وهذا هو الراجح وهو المذهب أيضاً، وهذه المسألة مما خالف فيها «الزاد» المشهور من المذهب.

فالصحيح أن القول قول البائع؛ وذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يترادان» [(246)] وعلى هذا فنقول للمشتري: إما أن تأخذ السلعة التي عيَّنها البائع، وإما أن تترك البيع؛ ولأن البائع غارم، فهو الذي ستؤخذ منه السلعة، فلا يغرم غير ما أقر به، فيكون في هذه المسألة دليل وتعليل.

ومثل ذلك الاختلاف في قدر الثمن على ما سبق، فالقول قول البائع للحديث، ولأنه غارم، فلا يمكن أن تخرج السلعة من ملكه إلا بثمن يرتضيه، فإما أن يقبل المشتري بذلك، وإما أن يفسخ البيع، ولا حاجة للتحالف، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في قدر الثمن، وكذلك في عين المبيع من باب أولى.

قوله: «وبطل البيع» في هذا التعبير نظر عند أهل العلم حسب المصطلح بينهم؛ لأن البيع لم يبطل ولكن فسخ، وفرق بين البطلان وبين الفسخ، فصواب العبارة أن يقال: وانفسخ البيع.

 

وَإِنْ أَبى كُلٌّ مِنْهُمَا تَسْلِيمَ مَا بِيَدِهِ حَتّى يَقْبضَ العِوَض، والثّمَنُ عَيْنٌ، نُصِبَ عَدْلٌ يَقْبِضُ مِنْهُمَا، وَيُسَلِّمُ المَبِيْعَ ثُمّ الثّمَنَ، وَإِن كَانَ دَيْناً حَالاًّ أُجبِرَ بَائِعٌ ثُمّ مُشْتَرٍ إِن كَانَ الثّمَنُ فِي المَجْلِسِ..

قوله: «وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض» هذه ـ أيضاً ـ من مسائل الخلاف بين المتبايعين، فإذا اختلفا أيهما يسلم أولاً، فقال البائع: لا أسلمك حتى تسلمني الثمن، وقال المشتري: لا أسلمك حتى تسلمني المبيع، وهذه المسألة لها صور.

قوله: «والثمن عين» أي: معين، هذه الصورة الأولى.

قوله: «نصب عدل يقبض منهما ويسلم المبيع ثم الثمن» «نُصب» مبني لما لم يسم فاعله، والناصب هو الحاكم الشرعي، يعني أن هذين المتبايعين يختصمان إلى الحاكم، ثم ينصّب الحاكم رجلاً يستلم منهما، ثم يسلم المبيع أولاً ثم الثمن ثانياً.

مثاله: اشترى رجل من آخر ساعة، فقال المشتري: أعطني الساعة وأعطيك الثمن، فقال البائع: أعطني الثمن وأعطيك الساعة، تنازعا، فنقول: اذهبا إلى الحاكم في المحكمة الشرعية، ثم الحاكم يجب عليه أن ينصب رجلاً عدلاً موثوقاً، فيأخذ الساعة من البائع، ويأخذ الثمن من المشتري، ثم يسلم الساعة للمشتري، ويسلم الثمن للبائع، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف.

قوله: «وإن كان دَيْناً حالاًّ أجبر بائع، ثم مشتر إن كان الثمن في المجلس» ، الضمير في قوله: «إن كان» يعود على الثمن؛ لأنه قال في الأول: «والثمن عين» فإذا كان ديناً حالاً أجبر بائع، ثم مشترٍ إن كان الثمن في المجلس. هذه الصورة الثانية.

وقوله: «وإن كان ديناً» أي: لم يقع العقد على عينه؛ لأن الثمن المعين هو الذي وقع العقد على عينه، والثمن الذي لم يقع العقد على عينه يسمى ديناً، فإذا قلت: بعني هذه الساعة بهذه الدراهم فالثمن معين، وإذا قلت: بعنيها بعشرة، فقال: بعتكها بعشرة، فالثمن هنا دَين؛ لأنه غير معين، والدين عند الفقهاء ليس هو الدَّين الذي يعرفه العامة، فكل ما لم يعين من ثمن، فهو دين.

وقوله: «أجبر» مبني لما لم يسم فاعله، والمجبِر القاضي (الحاكم)، وعلى هذا نقول: إذا أبى كل واحد منهما أن يسلم ما بيده، والثمن غير معين يذهبان إلى الحاكم، فيقول للبائع: سلم المبيع، ويقال للمشتري: سلم الثمن، ولا حاجة إلى نصب عدل يقبض منهما، وهذا هو الفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى.

ووجه الفرق بينهما، أن الثمن في الثانية تعلق بذمة المشتري، وأما في الأولى فحق البائع تعلق بعين الثمن؛ لأنه قد عين له، ولهذا قلنا في الأولى: يُنْصَبُ عدل يقبض منهما، ثم يسلم المبيع ثم الثمن، أما هنا فقلنا: يجبر البائع.

فإذا قال: كيف تجبرونني؟ انصبوا عدلاً أنا الآن إذا سلمت المبيع أخشى أن يهرب المشتري، فلماذا تجبرونني ولا تنصبوا عدلاً يقبض مني ومنه، ثم يسلم المشتري ويسلمني؟

الجواب: عندنا حقان، الحق في المسألة الأولى تعلق بعين العوض، أما الآن فحقك في المسألة الثانية تعلق بذمته فلا حاجة أن ننصب عدلاً، فسَلِّمْه المبيع الآن وهو يسلمك الثمن، فإذا قال: أخشى إذا سلمته المبيع أن يهرب، قلنا: إذا هرب، فهو مدرك إن شاء الله.

قوله: «وإن كان غائباً في البلد حجر عليه في المبيع وبقية ماله حتى يحضره» «إن كان» الضمير يعود على الثمن.

وقوله: «غائباً في البلد» أي: ليس معه في المجلس، لكنه في البلد في الدكان، فإنه يحجر على المشتري في المبيع وبقية ماله حتى يحضره، هذه الصورة الثالثة.

مثال ذلك: قال: اشتريت منك هذه الساعة بعشرة ريالات، وهي في بيتي، فإننا نعطيه المبيع لكن نحجر عليه في المبيع، فلا يتصرف فيه، وفي بقية ماله، فلو كان عنده من الأموال عقارات وسيارات وأدوات حراثة وغير ذلك حجرنا عليه، فنغلق الدكان فلا تتصرف في أي شيء من مالك حتى تحضر ثمن الساعة «عشرة ريالات»، والدكاكين والعقارات بملايين، فنقول: الآن يوقف التصرف حتى تحضر عشرة ريالات؛ لأنه يخشى أن يتصرف في ماله تصرفاً يضر البائع، وهذا التعليل يقتضي أنه لا يحجر عليه إلا إذا كان الثمن كثيراً، أما إذا كان عنده من الملايين ما عنده، والثمن قليل كعشرة ريالات فنقول: نحجر عليك في هذه الساعة، فما تتصرف فيها ولا في أي شيء من مالك حتى تحضر الثمن!! هذا ظاهر كلام المؤلف.

والتعليل ظاهره: أنه يفرق بين الثمن الكثير والثمن القليل.

وَإِنْ كَانَ غَائِباً فِي البَلَدِ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي المَبِيْعِ وَبَقِيَّةِ مَالِهِ حَتَّى يُحْضِرَهُ، وإِنْ كانَ غَائِباً بَعِيْداً عَنْها وَالمشتَرِي مُعْسِرٌ، فلِلْبَائِعِ الفَسْخُ. وَيَثْبُتُ الخِيَارُ للْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ وَلِتَغَيُّرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ.

قوله: «وإن كان غائباً بعيداً عنها» هذه الصورة الرابعة، فإن للبائع الفسخ.

مثال ذلك: قال: اشتريت منك هذه الساعة بعشرة ريالات، قلنا: سلِّم، قال: عشرة الريالات في منزلي في الرياض، ونحن الآن في عنيزة والرياض بعيدة، فنقول للبائع: لك الفسخ، فتفسخ البيع وترجع السلعة لك، وهذا ثمنه عنده، فصارت صور المسألة كالتالي:

الأولى: إذا كان الثمن معيناً فالحكم أن ننصب عدلاً يقبض من البائع والمشتري ثم يسلم المبيع ثم الثمن.

الثانية: إذا كان الثمن دَيناً حالًّا أي غير معين، وهو في المجلس، يجبر البائع أولاً ثم المشتري ثانياً.

الثالثة: إذا كان الثمن غائباً وهو في البلد، فإنه يحجر عليه في المبيع وبقية ماله حتى يحضره.

الرابعة: إذا كان بعيداً عن البلد فإن للبائع الفسخ.

وهناك صورة خامسة وهي أن يكون الثمن مؤجلاً فيجبر البائع على التسليم، وعلى الانتظار حتى يحل الأجل؛ لأنه دخل على بصيرة.

هذا هو التفصيل فيما إذا أبى كل واحد منهما أن يسلم ما بيده.

والقول الراجح في هذه المسألة أن للبائع حبس المبيع على ثمنه، فيقول: نعم أنا بعت عليك، لكني لا آمن أن تهرب ولا توفيني أو تماطل أو ما أشبه ذلك، فأبقيه عندي محبوساً حتى تسلمني، وهذا القول هو الذي لا يتأتى العمل إلا به، ولا تستقيم أحوال الناس إلا به؛ لأن هذه الصور التي ذكرها المؤلف، فيها مشقة على الناس، فإذا افترضنا أن المحكمة عندها مائة معاملة، تنجز منها كل يوم معاملتين، فعليه أن ينتظر خمسين يوماً، حتى يقال للحاكم: انصب عدلاً يقبض منهما، وهذا لا تستقيم به أحوال الناس، فالصواب أن يقال: إذا أبى كل واحد منهما أن يسلم ما بيده فللبائع أن يحبس المبيع.

وإذا كان كل منهما لا يثق بالآخر فهما بأنفسهما ينصبان عدلاً فيقول: أنت لا تثق بي، وأنا لا أثق بك، نذهب إلى فلان ونعطيه الثمن والسلعة ويسلمنا، هذا هو القول الراجح.

قوله: «والمشتري معسر فللبائع الفسخ» هذه العبارة فيها قلق؛ لأن ظاهر قوله: «والمشتري معسر» أنها قيد فيما إذا كان غائباً بعيداً عنها، وأن الواو للحال، ولكن الواقع خلاف ذلك، فالواو هنا بمعنى «أو» يعني وكذلك إذا ظهر أن المشتري معسر فللبائع الفسخ.

وقوله: «والمشتري معسر» أي: أو ظهر أن المشتري معسر، يدل على أنه لو كان البائع يعلم بعسرة المشتري، فإنه لا خيار له وهو كذلك، فالرجل مثلاً إذا باع على إنسان سلعة يظن أنه غني، ثم تبين أنه معسر فله الفسخ؛ لأن في إنظاره ضرراً عليه، أما إذا باع هذه السلعة على شخص، وهو يعلم أنه معسر فإنه لا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة، فإن ظهر أنه مماطل ليس معسراً، فهل له الفسخ؟

الجواب: نعم، والمذهب لا، فإذا ظهر أنه مماطل يحاكم عند القاضي حتى تجري عليه أحكام المماطلين.

لكن الصحيح أنه إذا ظهر أنه مماطل فللبائع الفسخ؛ لأن بعض المماطلين أسوأ حالاً من الفقراء، فإن الفقير ربما يرزقه الله المال فيوفي، والمماطل إذا كان هذا من عادته فإنه يصعب جداً أن يوفي، فالصواب أن للبائع الفسخ حفاظاً على ماله، وفيه ـ أيضاً ـ مع كونه حفاظاً على مال البائع ردع للمماطل؛ لأن المماطل إذا علم أنه إذا ماطل فُسِخَ البيع فسوف يتأدب ولا يماطل في المستقبل.

فثبت الآن عندنا خيار ثامن، وهو إذا ظهر أن المشتري معسر أو مماطل على القول الراجح.

قوله: «ويثبت الخيار للخلف في الصفة» وهذا هو الخيار التاسع، والخلف في الصفة غير الخلف في الشرط السابق، الذي قلنا: إنه يشترط أن يكون كاتباً أو غير كاتب، الخلف في الصفة أي: أنه باعه شيئاً موصوفاً، مثل أن يقول: بعتك سيارة صفتها كذا وكذا، ثم اختلفا في الصفة، فقال المشتري: وصفتها لي بكذا، وقال البائع: بل وصفتها بكذا وبكذا، فهنا لا مرجح لأحدهما فيثبت لهما الخيار.

والقول الراجح ما سبق من أن القول قول البائع، أو يترادَّان، فيقال: إما أن تقتنع بقول البائع، وإلا فالملك ملكه.

قوله: «ولتغير ما تقدمت رؤيته» أي: لو باعه شيئاً معيناً، ثم تغير بعد ذلك قبل العقد، فإنه يثبت الخيار للمشتري، وهذا فيما إذا كان المبيع مما يمكن تغيره في مدة وجيزة، مثل بعض الألبان التي يكون لها وقت معين، أو غير ذلك من الأشياء التي تتغير قبل العقد.

مثاله: باع عليه لبناً وقد شاهده المشتري بالأمس، ثم في اليوم الذي عقد عليه البيع تغيرت صفته، فتنازعا في ذلك، فإذا تنازعا في ذلك فللمشتري الفسخ؛ لأن المبيع تغير عن رؤيته السابقة.

وبذلك تمت أقسام الخيار، وعلى هذا فحصر الخيار في خمسة أو عشرة أو سبعة لا يستقيم؛ لأن الخيار يثبت فيما يفوت به مقصود أحد المتعاقدين، وإن لم يكن من هذه الأقسام التي عدها المؤلف رحمه الله.

 

فَصْلٌ

 

وَمَنْ اشْتَرى، مَكِيْلاً وَنَحْوَهُ صَحَّ وَلزِمَ بِالعَقْدِ، وَلَمْ يَصِحَّ تَصرفُهُ فِيه حَتَّى يَقْبِضَهُ وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ فَمِنْ ضَمَانِ البَائِعِ، وَإِن تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيّةٍ بَطَل البَيْعُ، وَإِنْ أتْلَفَهُ آدَمِيٌّ، خُيِّرَ مُشْتَرٍ بَيْنَ فَسْخٍ وَإِمْضَاءٍ وَمُطَالَبَةِ مُتْلِفِهِ بِبَدَلِهِ.

قوله: «فصل» هذا الفصل عقده المؤلف لمسألتين:

المسألة الأولى: التصرف في المبيع.

المسألة الثانية: في ضمان المبيع، هل هو من ضمان المشتري من حين العقد أو هو مضمون على البائع؟ وهل للمشتري أن يتصرف في المبيع بمجرد العقد، أو يحتاج إلى تقدم شيء على هذا التصرف؟

قوله: «من اشترى مكيلاً ونحوه» «من» اسم شرط جازم، وجواب الشرط قوله: «صح ولزم بالعقد» .

رتب المؤلف على شراء المكيل ونحوه أحكاماً ابتدأها بقوله:

«صح ولزم بالعقد» هذا هو الحكم الأول والثاني.

وقوله: «مكيلاً ونحوه» كالموزون، والمعدود، والمذروع، فهذه ثلاثة أشياء بالإضافة إلى المكيل تكون أربعة، فإذا اشترى شيئاً من ذلك «صح» ، والفاعل يعود على الشراء؛ لأنه قال: من اشترى شيئاً، ومعلوم أنه إذا صح الاشتراء صح الشراء. فيصح الشراء وإن لم يوكل وإن لم يوزن وإن لم يُعد وإن لم يُذرع.

وقوله: «ولزم بالعقد» أي: لزم الاشتراء بالعقد، أي: بمجرده، ولكن حيث لا خيار، أما إذا كان هناك خيار مجلس فلا يلزم العقد إلا بالتفرق بعده، فيلزم بالعقد إلا أن يكون فيه خيار.

قوله: «ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه» فرتب المؤلف على هذا الاشتراء ثلاثة أشياء:

أولاً: الصحة، أي يصح العقد على المكيل قبل أن يكال وعلى الموزون قبل أن يوزن، وعلى المعدود قبل أن يعد، وعلى المذروع قبل أن يذرع، وهذه تقيد بما إذا تمت شروط الصحة وانتفت الموانع، وهذا أمر قد يقال: إنه معلوم من قوله: «ومن اشترى» ؛ لأن الاشتراء الشرعي لا يكون إلا إذا تمت الشروط وانتفت الموانع.

ثانياً: لزم بالعقد، ويقيد هذا حيث لا خيار.

ثالثاً: لم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه، بكيل إن اشتراه بكيل، وبوزن إن اشتراه بوزن، وبذرعٍ إن اشتراه بذرع، وبِعَدٍّ إن اشتراه بِعَدٍّ.

وهل يقيد أو لا؟

ظاهر كلام المؤلف أن أي تصرف فيه فإنه لا يصح حتى يقبضه، سواء تصرف فيه ببيع، أو هبة، أو جعله صداقاً، أو عوض خلع، أو أجرة إجارة أو غير ذلك؛ لعموم قوله: «تصرفه» ؛ لأن «تصرف» مفرد مضاف فيكون عاماً حتى يقبضه، ولكن هذا العموم المستفاد من قوله: «تصرفه» عموم أريد به الخصوص، فالمراد التصرف العوضي، أي: أن يكون تصرفه بعوض، مثل البيع، والهبة بعوض، وجعله أجرة.

وأما تصرفه فيه بهبة أو صدقة أو هدية أو ما أشبه ذلك فلا بأس، هذا هو المراد وهو المذهب أيضاً؛ لأن عمر ـ رضي الله عنه ـ باع على النبي صلّى الله عليه وسلّم بعيراً، فوهبه النبي صلّى الله عليه وسلّم لابن عمر ـ رضي الله عنه ـ وكان راكبها قبل أن يقبضها من عمر[(247)] ـ رضي الله عنه ـ، فهذا تصرف بهبة بغير معاوضة، ولهذا جاء في الحديث: «فلا يبعه حتى يقبضه»[(248)] ، ومعلوم أن البيع معاوضة، وإذا كان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذكر البيع وحده، فهو دليل على أن ما شابهه كالأجرة، وهبة الثواب ـ يعني الهبة على عوض ـ فهي مثله، أما ما لم يوافقه في العلة ولم يقصد به المعاوضة، وإنما قصد به وجه الله إن كان صدقة، أو التودد والتحبب إن كان هدية وهبة، فإنه لا يساويه في الحكم، وقياس الهبة والهدية على البيع قياس مع الفارق.

وقوله: «ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه» هذا هو الحكم الثالث. وظاهر كلامه ولو مع البائع يعني، ولو كان مع البائع.

مثاله: اشتريت مائة صاع من هذا الرجل، وهي عندي الآن بيدي، ثم بعتها عليه بثمنها أو أكثر فهل يصح؟

ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح، فلا يصح التصرف حتى مع البائع[(249)].

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أنه يصح تصرفه مع البائع، وأن قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «فلا يبعه حتى يقبضه» ، يعني لا يبيعه على غير بائعه؛ لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير ونبيعها بالدنانير، فنأخذ عنها الدراهم، فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء»[(250)] ، وهذا هو الصحيح.

واختار ـ أيضاً ـ أنه إذا باعه تولية فلا بأس، ومعنى تولية أي: برأس المال، وقال: إن العلة في النهي أنه إذا باعه بربح، فقد ربح فيما لم يضمن، أي: فيما لم يدخل في ضمانه، وأيضاً فإن العلة من النهي خوف العداوة والبغضاء، أو محاولة البائع فسخ العقد؛ لأن البائع إذا رأى أن المشتري قد ربح فيه قبل أن ينقله إلى بيته فربما يحاول فسخ العقد بأي طريق، فيحصل بذلك نزاع وخلاف، ولكن الأولى أن يقال: إن النهي في الحديث على ظاهره، وأنه يشمل حتى ما إذا باعه على بائعه، أو باعه تولية أو مشاركة أو مواضعة أو أي شيء، فهذا هو ظاهر النص، والذي ينبغي لنا أن نأخذ بعموم الحديث، وقد سبق لنا أن العلة المستنبطة لا تقوى على تخصيص العموم؛ لأنه من الجائز أن تكون هذه العلة خطأ وأن استنباطنا لها ليس بصواب، فلا نخصص بها عموم الكتاب والسنة بمجرد أن نقول: إن الحكم مبني على هذه العلة، وعلى هذا فيكون هذا من المواضع التي يخالف فيها شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ مع أن غالب اختياراته أقرب إلى الصواب من غيره، كل ما اختاره إذا تأملته وتدبرته وجدته أقرب إلى الصواب من غيره، لكنه ليس بمعصوم، لدينا نحو عشر مسائل أو أكثر نرى أن الصواب خلاف كلامه ـ رحمه الله ـ؛ لأنه كغيره يخطئ ويصيب، ثم هو ظاهر تعليل ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لما سأله طاووس بن كيسان قال له: لم النهي؟ قال: لأنه دراهم بدراهم، والقبض مرجأ[(251)]، أي: مؤخر، وجه ذلك أنني إذا اشتريت من هذا الرجل سلعة بمائة دينار وأبقيتها عنده، ثم بعتها بمائة دينار وعشرة دنانير، صار كأنني بعت مائة دينار بمائة وعشرة فقط؛ وهذه السلعة ممر، وهذا الاستنباط من ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قريب جداً؛ لأنها في هذه الحال تشبه العينة من بعض الوجوه.

وإذا كان ابن عباس ـ رحمه الله ورضي عنه ـ يرى هذا التعليل، وهو صحابي جليل فقيه، فإنه يدلك على قبح المعاملات المشهورة الآن، والتي يسمونها التقسيط، بأن يختار المشتري سلعة معينة، ثم يذهب إلى تاجر من التجار ويقول: اشترها لي ثم بعها عَلَيَّ بربح، فهذا واضح أنه ربا ولا يخفى إلا على إنسان لم يتأمل؛ لأن حقيقته أنه أقرضه الثمن بزائد، فبدلاً من أن يقول: أعطني ـ مثلاً ـ قيمة هذه السلعة وأعطيك فيها ربحاً، قال: اشترها لي ثم بعها عَلَيَّ، والتاجر لم يرد الشراء إطلاقاً، ولولا هذا ما اشتراها بفلس واحد، وواضح أن المقصود هو الربا، ولا يشكل هذا على إنسان إذا تأمله، وإذا كان ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يرى أن العلة في النهي عن بيع الشيء قبل قبضه، هو أنه يشبه بيع الدراهم بالدراهم مع تأخير القبض، فهذه من باب أولى وأعظم، وهي واضحة جداً، لكن مع الأسف أن الناس الآن انكبوا عليها انكباباً عظيماً، ثم إن هؤلاء ينكرون إنكاراً عظيماً على الذين يتبايعون بالربا الصريح مثل البنوك، فالبنك يقول: خذ هذه الألف بألف ومائة صراحة، وهذا يقول: خذ هذه الألف بألف ومائة مع اللف والدوران، ومعلوم أن من يأتي الشيء صريحاً أهون ممن يأتيه مخادعة؛ لأن المخادعة يكون الإنسان قد وقع في مفسدة الربا مع مفسدة الخداع، ثم إن الذي يأتي الشيء بالخداع يأتيه وكأنه أمر حلال، يعني لا يكون عنده خشية لله ـ عزّ وجل ـ، أو يرى أنه مذنب فيخجل من الله، أو أنه مذنب فيحاول أن يستعتب؛ لكنه يرى أن هذا مباح، وأنه سيستمر عليه، لكن من أذنب ذنباً صريحاً فسيكون في قلبه شيء من خشية الله ـ عزّ وجل ـ، وخوف العقوبة والإنابة إلى الله ـ عزّ وجل ـ.

وقوله: «من اشترى مكيلاً ونحوه صح ولزم بالعقد ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه».

ظاهر كلام المؤلف أن المكيل ونحوه لا يجوز التصرف فيه ولو بيع جزافاً، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، وهو الذي دل عليه حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافاً فنهاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يبيعوه حتى يحوّلوه»[(252)]، ولأن حكيم بن حزام ـ رضي الله عنه ـ قال: يا رسول الله إن لي بيوعاً فما يحل لي منها وما يحرم؟ فقال: «إذا ابتعت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه»[(253)] ، و«شيئاً» نكرة في سياق الشرط فتكون للعموم، ويؤيد ذلك تفقه ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لما قال ـ حينما ذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الطعام حتى يقبض ـ: «ولا أحسب كل شيء إلا مثله» [(254)]. وهذا القياس من ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قد دل عليه النص صريحاً، ولعل ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لم يسمع هذا الحديث من النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكذلك حديث زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم» [(255)]، فالصحيح أن كل شيء لا يباع حتى يقبض.

وقيل: إذا بيع جزافاً فلا بأس من التصرف فيه قبل القبض وهو المذهب.

ثم انتقل المؤلف إلى الكلام عن ضمان المبيع قبل قبضه، هل يكون على البائع أو يكون على المشتري؟

قوله: «وإن تلف قبل قبضه فمن ضمان البائع» الضمير يعود على المكيل ونحوه مما بيع جزافاً أو بتقدير فقط. وهذا هو الحكم الرابع.

فالمذهب أنه إذا كان بتقدير يعني بيع المكيل كيلاً، والموزون وزناً، والمعدود عدّاً، والمذروع ذرعاً، فهذا إذا تلف قبل القبض فمن ضمان البائع، وبعد القبض يكون من ضمان المشتري.

مثال ذلك: بعت عليك هذا الكيس من الحنطة، كل صاع بعشرة دراهم، وقبل أن نكيله تلف إما بسرقة أو بأمطار حملته، أو ما أشبه ذلك، فالضمان على البائع؛ لأنه لم يستوف حتى الآن، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الخراج بالضمان»[(256)] ، فكما أن الشارع منعني من بيعه والكسب فيه، فإن ضمانه على من هو في ملكه أولاً، وهذا قد يشكل عليك من جهة أن الملك انتقل بالعقد إلى المشتري. لكن هذا لما كان يحتاج إلى حق توفية منع الشارع من التصرف فيه، وجعل ضمانه على البائع.

قوله: «وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع» «بطل» بمعنى انفسخ؛ وذلك لأن هذا التلف حصل به الانفساخ دون البطلان، فالبطلان يكون لفوات شرط أو لوجود مانع، وهنا لم يفت شرط، ولم يوجد مانع، فيجب أن يفسر البطلان بأنه الانفساخ، وهذا كقوله فيما سبق: «تحالفا وبطل البيع» ، وقلنا: إن الصواب انفساخ البيع.

وقوله: «وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع» الآفة السماوية كل ما لا صنع للآدمي فيه، مثل أمطار أتلفته، أو صاعقة أحرقته، أو رياح حملته، إلى غير ذلك، فالآفة السماوية هي التي ليس للآدمي فيها صنع.

مثال ذلك: رجل باع على شخص كيس حنطة، كل صاع بكذا، ثم أتى السيل فحمله وأفسده وذهب به، فالتلف هنا بآفة سماوية، أو نزلت صاعقة فأحرقته، أو هبت رياح فحملته، فالضمان على البائع، فإن كان قد استلم الثمن رده على المشتري، وإن كان لم يستلمه فهو عند المشتري.

ويشبه الآفة السماوية من لا يمكن تضمينه، كما لو تلف بأكل حيوان له أو تلف بأكل الجند له، يعني مرت جنود السلطان فأخذته، فهذا يلحق بالآفة السماوية؛ لأنه لا يمكن تضمينه، فالحيوان الذي أكله لا يمكن أن يضمن، والجيش الذي مر به فأخذه لا يمكن أن يضمن، وحينئذ نقول: إذا أتلفه ما لا يمكن تضمينه ألحق بالآفة السماوية.

قوله: «وإن أتلفه آدمي» معين يمكن تضمينه.

قوله: «خُيِّر مشترٍ بين فسخ، وإمضاء، ومطالبة متلفه ببدله» فهذه ثلاثة أشياء، وإذا أمضى طَالَب مُتْلِفَهُ، وعلى هذا فقوله: «مطالبة متلفه» ليست داخلة في التخيير، لكنها مفرعة على الإمضاء، يعني فإذا أمضى طالب متلفه ببدله، إذاً: إذا تلف المكيل ونحوه فعلى أربعة أقسام:

أولاً: أن يتلفه البائع.

ثانياً: أن يتلف بآفة سماوية.

ثالثاً: أن يتلفه ما لا يمكن تضمينه.

رابعاً: أن يتلفه آدمي يمكن تضمينه.

وكل قسم من هذه الأقسام له حكم.

القسم الأول: إذا أتلفه البائع انفسخ البيع، وقيل: إن أتلفه البائع ضمنه، وهذا هو الراجح.

والفرق بين القولين أننا إذا قلنا: انفسخ البيع لم يرجع عليه المشتري بشيء، إن كان المشتري قد سلم الثمن فيأخذه، وإن كان لم يسلمه فهو عنده، وإذا قلنا: إنه يضمنه، فإنه ربما تكون القيمة قد زادت بين الشراء والإتلاف، فالمشتري يرجع على البائع بما زاد على الثمن إن زادت القيمة، وهذا القول هو الراجح؛ وذلك لأن البائع الآن أصبح ظالماً غاصباً.

القسم الثاني: أن يتلف بآفة سماوية فينفسخ البيع، ويرجع المشتري بالثمن إن كان قد سلمه، وإن لم يسلمه فالثمن عنده، ويستدل لذلك بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق»[(257)] ، فجعل ضمانه على البائع ولا يرجع بشيء.

القسم الثالث: أن يتلفه ما لا يمكن تضمينه من آدمي أو غيره، فحكمه حكم ما تلف بآفة سماوية، أي: أنه ينفسخ البيع.

القسم الرابع: أن يتلفه آدمي يمكن تضمينه، فهنا يخير المشتري بين أمرين، بين أن يفسخ البيع، ويرجع على البائع بالثمن، أو يمضي البيع ويرجع على المتلف بالبدل، والفرق بين قولنا بالبدل وقولنا بالثمن، أنه إذا فسخ البيع فليس له إلا الثمن، وإذا لم يفسخه رجع بالبدل.

مثال ذلك: اشترى شخص كيساً من الحنطة، كل صاع بكذا، فجاء آدمي فأتلفه بإحراق أو أكل أو غير ذلك، فنقول للمشتري: الآن أنت بالخيار إن شئت فسخت البيع ورجعت على البائع بالثمن، فإن فسخ البيع يعطيه البائع مائة ريال، أو نقول: أبقِ البيع على ما هو عليه وارجع على المتلف بالبدل، فإذا كان الآن عند إتلافه يساوي مائة وعشرين فالمشتري في هذه الحال سوف يختار الإمضاء ويرجع على المتلف بالبدل، أي: بمثله إن كان مثليّاً، وقيمته إن كان متقوَّماً، فالحنطة من المثليات فيرجع عليه بمثل الحنطة التي أتلفها.

وعلى هذا فلا يمكن أن يكون المكيل إلا مثلياً ما لم ينتقل هذا الطعام إلى صنعة، فيصنع خبزاً أو طبيخاً، فحينئذ يكون غير مثلي.

 

وَمَا عَدَاهُ يَجُوزُ تَصَرّفُ المُشْتَرِي فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ.

قوله: «وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه» أي: ما عدا ما اشتري بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو رؤية سابقة أو صفة، فيجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه.

مثاله: باع عبداً، أو بعيراً، أو داراً، أو سيارة معينة ولم يقبضها، فيجوز أن يتصرف فيها قبل القبض؛ لأنه لا يحتاج إلى توفية، أي ليس مبيعاً بكيل حتى يحتاج إلى كيل، وربما يزيد أو ينقص، أو وزن وربما يزيد أو ينقص، فهذا شيء معين يجوز أن تبيعه قبل قبضه ولو في مكان بيعه.

والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يتصرف في المبيع قبل قبضه مطلقاً في كل شيء، وهذا ما ذهب إليه عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ حيث قال: «ولا أحسب كل شيء إلا مثله» [(258)]، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، وقال: إن المبيع لا يباع قبل القبض سواء بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع أو رؤية سابقة أو صفة، وهذا الذي يؤيده حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «أنهم كانوا يبيعون الطعام جزافاً على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم في السوق فنهاهم أن يبيعوه حتى ينقلوه»[(259)]، أي: إلى مكان آخر.

واستدل الشارح لهذه المسألة: بحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: «كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم ـ وفي لفظ بالنقيع بالدراهم ـ فنأخذ عنها الدنانير وبالعكس»، أي: بالدنانير فنأخذ الدراهم فسألنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «لا بأس أن تؤخذ بسعر يومها ما لم يفترقا وبينهما شيء»[(260)] .

والحديث دليل لا يطابق المدلول؛ وجه ذلك أن الحديث إنما هو بيع ما في الذمة، وليس بيع شيء معين، فقد كانوا يبيعون الإبل بالدراهم، والدراهم ثابتة في ذمة المشتري، ويبيعونها بالدنانير وهي ثابتة في ذمة المشتري، فيأخذون عن الدراهم دنانير، وعن الدنانير دراهم، وكلامنا نحن في الشيء المعين، هل يجوز أن يباع قبل أن يقبض أو لا؟ وعليه فلا دلالة في الحديث لما استدل به الشارح عليه[(261)]، وأنا سقت هذا الحديث لفائدة، وهي أنه يجوز بيع الدين على من هو عليه بشرطين:

الشرط الأول: أن يكون بسعر يومه.

والشرط الثاني: أن يتقابضا قبل التفرق، لكن هذا فيما يشترط فيه التقابض كالدراهم بالدنانير، والدنانير بالدراهم، والبر بالشعير، والشعير بالبر، وما أشبهها.

أما شرط التقابض بين الدراهم والدنانير ونحوها فظاهر، ووجه ظهوره أنه لا يباع الشيء بالشيء في مثل هذه الصورة إلا بالتقابض؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الذهب والفضة والبر والتمر والشعير والملح: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»[(262)] ، وأما كونها بسعر يومها فلئلا يربح فيما لا يدخل في ضمانه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن ربح ما لم يضمن» [(263)].

مثاله: أن يكون لي في ذمة رجل دنانير فبعتها عليه بدراهم، وبيع الدنانير بالدراهم يشترط فيه القبض ولا يشترط التساوي للحديث: «إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» ، فيعطيني الدراهم فقط، وليس بلازم أن يحضر الدنانير، فالدنانير عنده في ذمته قد قبضها.

مثال كونها بسعر يومها: إذا قدرنا أن عشرة دنانير قيمتها في السوق مائة درهم فأبيعها عليه بمائة درهم لا أزيد ولا أنقص؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «بسعر يومها»[(264)] ، فلو بعت الدنانير بمائة وعشرة فهذا لا يجوز؛ لأني ربحت عشرة في شيء في ذمة البائع لم يدخل في ضماني إلى الآن، ولو بعت الدنانير العشرة ـ التي تساوي مائة ـ بتسعين، فإذا نظرنا إلى ظاهر الحديث قلنا: إنه لا يجوز، ولو نظرنا إلى العلة والحكمة فإن هذا الرجل الذي باع العشرة التي تساوي مائة بتسعين لم يربح، بل إنه أبرأ البائع من عشرة، لكن لم يُذْكر هذا في الحديث؛ لأنه أمر نادر، والذي يكون غالباً هو الربح، ولهذا قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «بسعر يومها» ، وتحرير المسألة أن نقول: إذا باعها بأقل فقد زاد المدين خيراً، وإن باعها بأكثر فقد ربح فيما لم يدخل في ضمانه، وهذا حرام ولا يجوز.

وقوله: «وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه» ظاهر كلام المؤلف أنه يشمل حتى المبيع برؤية سابقة أو بصفة، ولم يتكلم على المبيع برؤية أو صفة، إنما تكلم على المكيل، والموزون، والمعدود، والمذروع، فظاهر كلامه أن ما عدا ذلك يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، ولكن المذهب يلحقون ما بيع بصفة أو رؤية سابقة بالمكيل ونحوه؛ لأنه يحتاج إلى حق توفية، ولهذا إذا تغير المبيع عن الرؤية السابقة أو الصفة فله الخيار كما سبق، ونحن رجحنا أن كل مبيع لا يجوز بيعه إلا بعد القبض.

مسألة: هل يجوز بيع ثمر النخل على رؤوس النخل؟ أي: إذا اشتريتُ ثمراً، ثم بعتُها جاز، وهي من ضمان البائع، فلو تلفت بآفة سماوية بعد أن بعتُها رجع المشتري عليّ، وأنا أرجع على البائع الأول.

إذاً ليس كل شيء يكون من ضمان البائع لا يصح التصرف فيه، بل قد يكون من ضمان البائع، ويصح التصرف فيه كالثمر على رؤوس النخل.

فصارت الأشياء التي يصح التصرف فيها قبل القبض ستة أشياء: ما بيع بكيل، أو وزن، أو عدٍّ، أو ذرع، أو صفة، أو رؤية متقدمة، فهذه لا يصح التصرف فيها حتى تستوفى، وكلها مضمونة على البائع قبل أن تستوفى، ويُزاد شيء سابع وهو الثمر على الشجر، فإنه من ضمان البائع ومع ذلك يصح تصرف المشتري فيه.

هذا القبض الذي عرف ينفع في مواضع كثيرة، ينفع في كل ما يعتبر فيه القبض شرطاً لصحته أو شرطاً للزومه، كل ما يعتبر القبض فيه شرطاً لصحته كمسائل الربا، أو شرطاً للزومه كمسألة الرهن والهبة، فإنه على المذهب لا تلزم إلا بالقبض، فمعرفة ما يحصل به القبض أمر لا بد منه وليس مسألة هينة؛ لأنه سيمر في مواضع كثيرة من أبواب الفقه.

 

وَإِنْ تَلِفَ مَا عَدَا المَبِيْعَ بِكَيْلٍ وَنَحْوِهِ فَمِنْ ضَمَانِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ بَائع مِن قَبْضِهِ.

قوله: «وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه» أي: ضمان المشتري، و«ما» هنا اسم موصول بمعنى «الذي» و«عدا» بمعنى «جاوز» أو بمعنى «سوى»، أي: إن تلف ما سوى المبيع بكيل ونحوه وهو: الوزن، والعد، والذرع «فمن ضمانه» أي من ضمان المشتري.

ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع»[(265)] ، فجعل الملك ينتقل بمجرد العقد، والأصل أن الضمان على من انتقل الملك إليه لحديث «الخراج بالضمان» [(266)]، أي: من له غنم شيء فعليه غرمه، فكما أن الملك للمشتري وله غنم المملوك فعليه ـ أيضاً ـ غرمه، فإذا تلف ما عدا المبيع السابق وقد عددناه سبعة أصناف فهو من ضمان المشتري؛ ولأن ذلك لا يحتاج إلى حق توفية وقال ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً فمن ضمان المشتري» [(267)] يعني ما أدركته الصفقة غير محتاج إلى أن يستوفى، فهو من ضمان المشتري.

وهل كلام المؤلف هنا على ظاهره؛ لأنه لم يستثن إلا ما بيع بكيل ونحوه؟

الجواب: ليس على ظاهره؛ لأننا نقول: وإن تلف ما عدا المبيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع أو صفة، أو رؤية سابقة أو الثمر على الشجر، فالمؤلف أسقط ثلاث مسائل، وعليه فيكون قوله: «ما عدا المبيع بكيل ونحوه» فيه قصور، والصواب أن يزاد ثلاثة أشياء المبيع برؤية سابقة، أو بصفة، والثمر على الشجر.

قوله: «ما لم يمنعه بائع من قبضه» «يمنعه» الهاء تعود على المشتري، أي: إلا إذا منع البائعُ المشتريَ من قبضه، فإنه يكون من ضمان البائع.

مثال ذلك: باع عليه سيارة، والسيارة ليست بكيل، ولا وزن، ولا عد، ولا ذرع، ولا برؤية سابقة ولا صفة، فأراد المشتري أن يأخذها فقال البائع: لا، فمنعه، فهنا الضمان على البائع، لكنه يضمنها ضمان غصب، ومعنى ضمان الغصب أن عليه أجرتها مدة منعه إياها، وأنها لو تلفت ضمنها بقيمتها وقت التلف، لا بما وقع عليه العقد، وإذا ضمنها ضمان غصب بما تساوي وقت التلف فإنه يضمنها بقيمتها، سواء زادت على ثمنها أم نقصت، فإن زادت فالأمر ظاهر؛ لأن الغنم للمشتري فزيادة سعرها من مصلحته، فإذا قدرنا أنه اشتراها بخمسين ألفاً ومنعه البائع من قبضها واحترقت وكانت تساوي حين الاحتراق ستين ألفاً، فإن البائع يضمن ستين ألفاً وهذا واضح؛ وذلك لأن المشتري له غنمها وعليه غرمها، وهذا الرجل يضمنها ضمان غصب.

فإن كانت حين احتراقها لا تساوي إلا أربعين، فهل يضمنها بأربعين أو بخمسين؟

الجواب: إذا قلنا: ضمان غصب، فإنه قد اختلف العلماء هل نقص السعر مضمون على الغاصب أو لا؟ فإن قلنا: إنه مضمون على الغاصب فإنه يضمنها بخمسين، وإن قلنا: ليس بمضمون فإنه لا يضمنها إلا بأربعين، لكن ينبغي أن يقال: إنه يضمنها بخمسين على كل حال؛ لأنه معتد بمنعها.

وقوله: «ما لم يمنعه بائع من قبضه» سواء تمكن من قبضه أم لم يتمكن، واختار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أن المدار على التمكن من القبض، فما تمكن المشتري من قبضه فعليه، وما لم يتمكن من قبضه فعلى البائع. وقال: إن هذا هو منصوص الإمام أحمد، وكلامه أقيس؛ لأن الثمرة على الشجرة إنما كانت من ضمان البائع؛ لأن المشتري لا يتمكن من قبضها، لأن المشتري لن يأخذها جملة بل سيتفكه ويأخذها شيئاً فشيئاً، والمبيع بكيل أو نحوه ما دام لم يكل ولم يعرف مقداره فضمانه على البائع؛ لأن المشتري لا يتمكن من قبضه، وعلى هذا فإن بيع الشيء جزافاً فإنه لا يصح بيعه، ولكن إن تلف فمن ضمان المشتري؛ لتمكنه من قبضه.

وقوله: «ما لم يمنعه بائع من قبضه» يفهم منه أن ما كان ضمانه على شخص فمنع منه عاد الضمان على المانع؛ لأن الضمان فيما عدا ما بيع بكيل ونحوه من ضمان المشتري إلا إذا منعه البائع، والعكس كذلك، أي: فيما سبق أنه من ضمان البائع إذا سلمه البائع المشتري، ولكن المشتري أبى قال: لا أستلم حتى تلف، فإن الضمان حينئذٍ يكون على المشتري؛ لأن البائع قد بذله ولكنه امتنع، والبائع يقول: أنت الآن وضعته عندي على سبيل الوديعة، فضمانه عليك وأنا قد بذلته، وهذه تجري كثيراً، ربما يكون المشتري لم يهيئ مكاناً للسلع، أو أراد أن يضار البائع بشغل مكانه بسلعه التي باعها، فحينئذ نقول: إنه من ضمان المشتري؛ لأنه هو الذي امتنع من قبضه الواجب عليه.

فصار البائع إذا منع المشتري من قبض ما يجب عليه إقباضه فالضمان عليه، وكذلك إذا امتنع المشتري من قبض ما يجب عليه قبضه، فإن الضمان ينتفي عن البائع حتى في الأمور التي ضمانها على البائع.

مثال ذلك: باع عليه براً مكايلة، ثم قال له البائع: خذه، ولكن المشتري قال: انتظر، ثم تلف، فالضمان على المشتري وليس على البائع؛ لأن البائع بذل ما يجب عليه والمشتري هو الذي تأخر وفرط، ولأنه ربما يؤدي ذلك إلى المضارة بالبائع بحيث يحبس المبيع عنده حتى يتضرر بشغل مكانه.

لنعود الآن ونقرر هذه المسائل، وهي مسائل عظيمة وليست هينة، أولاً لنحرر المذهب فيها:

أولاً: التصرف، فيجوز للمشتري أن يتصرف فيما اشتراه إلا في ست مسائل وهي: ما بيع بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو رؤية سابقة، أو صفة.

ثانياً: من جهة الضمان، الضمان على المشتري إلا في سبع مسائل وهي: ما بيع بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو رؤية سابقة، أو صفة، أو الثمر على الشجر، أما الثامنة وهي ما منعه البائع من قبضه فهذه على المذهب وغيره واضحة، والضمان فيها مخالف للضمان فيما سبق؛ لأن الضمان فيها ضمان غصب بمعنى أنها لو تلفت بآفة سماوية فإنه يرجع المشتري على البائع بالبدل بمثلها إن كانت مثلية وبقيمتها إن كانت متقومة.

أما عند شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ فكل مبيع لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه إلا إذا باعه تولية أو باعه على البائع، كما أنه يخص التصرف بالبيع، ونحن نقول: نلحق بالبيع ما كان بمعناه، وأما بالنسبة للضمان فيقول: إن المدار في الضمان على التمكن من القبض، فإن تمكن المشتري من القبض فالضمان عليه، وإن لم يتمكن فالضمان على البائع، ويوافق المذهب فيما إذا منعه البائع فإن الضمان على البائع، ويوافق المذهب أيضاً فيما إذا بذل البائع التسليم فأبى المشتري ـ فيما يضمنه البائع ـ فالضمان على المشتري.

 

وَيَحْصُلُ قَبْضُ مَا بِيْعَ بكَيْلٍ أوْ وَزْنٍ أوْ عَدٍّ أوْ ذَرْعٍ بِذَلِكَ وَفِي صُبْرَةٍ، وَمَا يُنْقلُ بِنَقْلِهِ، وَمَا يُتَنَاوَلُ بِتَنَاوُلِهِ، وَغَيْرِهِ بِتَخْلِيَتِهِ والإقَالَةُ فَسْخٌ، تَجُوْزُ قَبْلَ قَبضِ المَبِيْعِ بِمِثْلِ الثّمَنِ وَلاَ خِيَارَ فِيْهَا، وَلاَ شُفْعَةَ.

قوله: «ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع بذلك» المشار إليه ما سبق، فما بيع بكيل يحصل قبضه بكيله، ووزن بوزنه، وعد بعده، وذرع بذرعه، ولا يكفي أن تستولي يد المشتري عليه، فلو فرض أن المشتري قبضه وهو مبيع مكايلة، ولكنه لم يكله، فإنه لم يقبضه حقيقة؛ لأنه لا يقبض إلا بالاستيفاء بكيل ما يكال، ووزن ما يوزن، وعد ما يعد، وذرع ما يذرع.

وظاهر كلام المؤلف أنه إذا حصل الكيل والوزن والعد والذرع جاز التصرف فيه وإن لم ينقله عن مكانه؛ لأنه حصل القبض، ولكن سبق لنا أن القول الراجح أن السلع لا تباع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، وعلى هذا فلا يكفي الكيل حتى يقبضه، فيكون ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع بذلك لا يتم قبضه إلا بأمرين:

الأول: حيازته.

الثاني: استيفاؤه بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

أما على كلام المؤلف ـ وهو المذهب ـ فإنه متى حصل الكيل، أو الوزن، أو العد، أو الذرع، ولو في مكانه فهذا قبض.

قوله: «وفي صبرة» «الصبرة» هي الكومة من الطعام.

قوله: «وما ينقل بنقله» مثل: الثياب والحيوان والسيارات وما أشبه ذلك، يحصل قبضها بنقلها؛ لأن هذا هو العرف.

قوله: «وما يتناول بتناوله» أي: ما يتناول بالأيدي فإنه يحصل القبض بتناوله، مثل: الدراهم والجواهر والساعات والأقلام، فهذه نقلها باليد يناولها صاحبها.

قوله: «وغيره بتخليته» أي: ويحصل قبض غير هذه الأشياء بالتخلية، ومعنى التخلية أن يخلي بين المبيع والمشتري فيسلمه المفتاح ـ مثلاً ـ في البيت، وينتقل عن الأرض في الأرض، وما أشبه ذلك.

وإذا قال قائل: إنه يرجع في ذلك إلى العرف لكان صحيحاً ما دام لا يحتاج إلى حق استيفاء، أي: لا يحتاج إلى كيل أو وزن أو عد أو ذرع، فنرجع إلى العرف، فما عده الناس قبضاً فهو قبض وما لم يعدوه قبضاً فليس بقبض، لكن المؤلف ـ رحمه الله ـ عين ما ذكره بناءً على أن هذا هو العرف في هذه الأشياء.

قوله: «والإقالة فسخ» الإقالة: هي أن يرضى أحد المتبايعين بفسخ العقد إذا طالبه صاحبه بدون سبب، أي: لا يلزمه بالعقد ويفسخه.

وحكمها التكليفي أنها سنة، وحكمها الوضعي أنها فسخ، ومعلوم في أصول الفقه أن الأحكام نوعان: تكليفية ووضعية، فحكمها التكليفي أنها سنة، ولكن هي سنة في حق المقيل، ومباحة في حق المستقيل، أي: لا بأس أن تطلب من صاحبك أن يقيلك، سواء كنت البائع أو المشتري، أما في حق المقيل فهي سنة لما فيها من الإحسان إلى الغير، وقد قال الله تعالى: {{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}} [البقرة: 195] ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة»[(268)] ، ولأن فيها إدخال سرور على المُقال وتفريجاً لكربته، لا سيما إذا كان الشيء كثيراً وكبيراً، فتكون داخلة في قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» [(269)]، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى» [(270)]، فتكون سبباً للدخول في دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم بالرحمة، فعليه إذا جاءك أخوك نادماً وقال: أنا اشتريت منك هذا الشيء وليس بيننا خيار، والعقد لازم، لكني ندمت فأرجو منك أن تفسخ العقد، فإننا نقول: يسن لك أن تفسخ رجاء هذا الثواب أن الله ـ تعالى ـ يقيل عثرتك يوم القيامة، ثم إن من المشاهد المحسوس أن الغالب أن الإنسان إذا أقال أخاه فإن الله ـ تعالى ـ يبارك له في المبيع وتزداد قيمته، وكم من أناس أقالوا بيعاتهم، ثم ارتفعت الأسعار فباعوها بأكثر من ثمنها الأول، وهذا جزاء دنيوي مقدم، أما بالنسبة للمستقيل فهي مباحة لا حرج فيها، وليست من السؤال المذموم، ونظيرها العاريَّة مباحة للمستعير سنة للمعير، والعلة في هذا أنها إحسان.

وقوله: «فسخ» هذا حكمها الوضعي، أي: أنها فسخ لا بيع، وعندنا ثلاثة أمور: إبطال وفسخ وعقد، والفرق أنه إذا قلنا: إنها إبطال صار معناه أن العقد الأول بطل، وإذا قلنا: إنها فسخ صار العقد الأول ثابتاً ويكون الفسخ من حين الإقالة، وعلى هذا فما حصل من نماء بين الإقالة والعقد يكون للمشتري، وما حصل من عيب يكون على المشتري، وإذا قلنا: إنها عقد، ترتب عليها شروط البيع، فكأنها تكون بيعاً جديداً، وإذا كانت بيعاً جديداً فلا بد أن تراعى شروط البيع، ولكن الصواب أن الإقالة فسخ؛ لأنها قبل الإقالة على ملك المشتري، وبعد الإقالة ليست إبطالاً للعقد الأول ولا عقداً جديداً، فلو جاء رجل واشترى مني سيارة، ثم جاء يطلب الإقالة والفسخ، فإن فسخت البيع فهو إقالة، وإن قلت: أنا لن أفسخ البيع ولكن أشتريها منك شراءً جديداً، أنت اشتريتها مني بعشرة آلاف ونقدت الثمن، وأنا أشتريها منك بثمانية آلاف ريال، فهذا بيع.

قوله: «تجوز قبل قبض المبيع» ولو كان المبيع مكيلاً أو موزوناً، فلو باع شخص على آخر كيساً من البر، كل صاع بدرهم، فإنه لا يجوز أن يبيعه على أحد ولا على بائعه نفسه حتى يقبضه بالكيل، لكن لو استقال من البيعة وأقاله البائع صح؛ لأنها ليست بيعاً؛ بل هي فسخ، أي إلغاء للعقد الأول فيرد ما كان على ما كان عليه، ولو قلنا: هي بيع ما جاز أن يقيله حتى يقبضه ويستوفيه.

قوله: «بمثل الثمن» أي: أنها لا تجوز إلا بمثل الثمن، فلا تجوز بزيادة ولا نقص ولا اختلاف نوع أو اختلاف جنس.

مثال ذلك: اشترى هذه السيارة بمائة دينار ثم ندم المشتري، وقال للبائع: أقلني، فقال: أقيلك بشرط أن تعطيني بدل الدنانير دراهم، فالإقالة هنا لا تصح؛ لأنه أقاله بغير مثل الثمن، أي بنوع آخر؛ إذ إنها انتقلت من الفسخ إلى المعاوضة والمصارفة.

مثال آخر: اشترى هذه السيارة بخمسين ألفاً ثم عاد إلى البائع وقال: أقلني، فقال: أقيلك بشرط أن تعطيني خمسة آلاف ريال فهذا لا يجوز؛ لأنها زادت على الثمن الآن، فسوف تصير القيمة خمسة وخمسين ألفاً فلا تصح، قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: لأنها تشبه العينة، حيث ربح البائع على المشتري.

وكذلك ـ أيضاً ـ لو أن البائع طلب من المشتري الإقالة فقال: أقيلك على أن تعطيني كذا وكذا زيادة على الثمن فإنه لا يجوز؛ لأنها تشبه العينة حيث زيد على الثمن.

ولكن القول الراجح أنها تجوز بأقل وأكثر إذا كان من جنس الثمن؛ لأن محذور الربا في هذا بعيد فليست كمسألة العينة؛ لأن مسألة العينة محذور الربا فيها قريب، أما هذه فبعيد، وقد قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ في «القواعد»: إن للإمام أحمد رواية تدل على جواز ذلك، حيث استدل ببيع العربون الوارد عن عمر ـ رضي الله عنه ـ[(271)]، وقال: الإقالة بعوض مثله، وعليه فيكون هناك رواية أومأ إليها الإمام أحمد بجواز الزيادة على الثمن والنقص منه، وهذا هو القول الراجح، وهو الذي عليه عمل الناس، وهو من مصلحة الجميع؛ وذلك لأن البائع إذا أقال المشتري، فإن الناس سوف يتكلمون ويقولون: لولا أن السلعة فيها عيب ما ردها المشتري، فيأخذ البائع عوضاً زائداً على الثمن من أجل جبر هذا النقص.

قوله: «ولا خيار فيها» أي: ليس في الإقالة خيار، و «خيار» نكرة في سياق النفي فتشمل خيار العيب، وخيار الشرط وغير ذلك؛ لأنها ليست بيعاً، وإنما هي رجوع في العقد، فلو أقاله وبعد أن أقاله في مجلس الإقالة رجع، فهل له ذلك؟ لا، لما سبق أنها ليست بيعاً.

قوله: «ولا شفعة» أي: ليس فيها شفعة، والشفعة معناها انتزاع حصة الشريك ممن انتقلت إليه بعوض مالي.

مثال ذلك: رجلان بينهما أرض، فباع أحدهما نصيبه منها، فلشريكه أن يُشَفِّعَ، أي: أن يضم هذا السهم إلى نصيبه فيأخذه من المشتري قهراً، فمثلاً، زيد وعمرو شريكان في أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر، فزيد هو الذي له حق الشفعة، لكن زيداً قال: إن بكراً حبيب إلي ولا أريد أن آخذها بالشفعة، فأسقط حقه من الشفعة، ثم إن بكراً جاء إلى عمرو وقال له: إني نادم وأحب أن تقيلني، فأقاله، أي: أقال عمرو بكراً، فهل لزيد أن يأخذها من عمرو بالشفعة؟

الجواب: لا؛ لأن الإقالة فسخ، ولو أن بكراً باعها على عمرو، يعني أن زيداً لم يأخذها بالشفعة من بكر، ثم إن بكراً باعها على عمرو بيعاً جديداً، فهل لزيد أن يأخذ بالشفعة؟

الجواب: نعم.

إذاً قول المؤلف: «لا شفعة» يعني أنه لو أقيل المشتري الذي أسقط الشريك شفعته عنه فإنه لا يرجع بالشفعة، لأنها ليست بيعاً.

 

-------------------------

 

[190]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا بيّن البيعان ولم يكتما (2079)؛ ومسلم في البيوع/ باب الصدق في البيع (1532) عن حكيم بن حزام ـ رضي الله عنه ـ.

[191]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا خير أحدهما صاحبه (2112)، ومسلم في البيوع/ باب ثبوت خيار المجلس (1531) (44) عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ.

[192]    سبق تخريجه ص(262).

[193]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة (2134) ومسلم في البيوع/ باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً (1586) عن عمر ـ رضي الله عنه ـ.

[194]    سبق تخريجه ص(262).

[195]    «منظومة أصول الفقه وقواعده» لشيخنا ـ رحمه الله ـ ص(3).

[196]    سبق تخريجه ص(262).

[197]    سبق تخريجه ص(262).

[198]    أخرجه الإمام أحمد (2/183)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في خيار المتبايعين (3456)؛ والترمذي في البيوع/ باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (1247)؛ والنسائي في البيوع/ باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما بأبدانهما (7/252)؛ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

              وحسنه الترمذي، وفي «الإرواء» (5/155): (حسن).

[199]    سبق تخريجه ص(262).

[200]    سبق تخريجه ص(262).

[201]    سبق تخريجه ص(189).

[202]      سبق تخريجه ص(224).

[203]    سبق تخريجه ص(143).

[204]    سبق تخريجه ص(224).

[205]      سبق تخريجه ص(189).

[206]    سبق تخريجه ص(262).

[207]    وهذا هو المذهب.

[208]    سبق تخريجه ص(61).

[209]    سبق تخريجه ص(242).

[210]    أخرجه مسلم في البيوع/ باب تحريم تلقي الجلب (1519) (17) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[211]    سبق تخريجه ص (189).

[212]    سبق تخريجه ص(150).

[213]    أخرجه البخاري في العلم/ باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رب مبلغ أوعى من سامع» (67)؛ ومسلم في القسامة/ باب تغليظ تحريم الدماء (1679) عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ.

[214]    سبق تخريجه ص(97).

[215]    سبق تخريجه ص(262).

[216]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب ما يكره من الخداع في البيع (2117)؛ ومسلم في البيوع/ باب ما يخدع في البيع (1533) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[217]    سبق تخريجه ص(287).

[218]    أخرجه البخاري في الأدب/ باب {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} ...} (6066)؛ ومسلم في البر والصلة/ باب تحريم الظن (2563) (30) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[219]    أخرجه مسلم في الإيمان/ باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من غشنا فليس منا» (164) (101)، وأبو داود في البيوع/ باب في النهي عن الغش (3452) والترمذي في البيوع/ باب ما جاء في كراهية الغش... (315) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[220]    حاشية ابن قاسم على الروض المربع (4/436).

[221]    سبق تخريجه ص(201).

[222]    سبق تخريجه ص(301).

[223]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل... (2150)؛ ومسلم في البيوع/ باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه (1515) (11) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[224]    أخرجها مسلم في البيوع/ باب حكم بيع المصراة (1524) (24) (25) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[225]    أخرجه البخاري في اللباس/ باب المتنمصات (5939) ومسلم في اللباس/ باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة... (2125) عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ واللفظ لمسلم.

[226]    وهو المذهب.

[227]    الروض مع حاشية ابن قاسم (4/442)

[228]    «الروض مع حاشية ابن القاسم» (4/442).

[229]    وهذا هو المذهب.

[230]    أخرجه البخاري في التفسير/ باب {{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بَعَهْدِ اللَّهِ} ..} (4552)؛ ومسلم في الأقضية/ باب اليمين على المدعى عليه (1711) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ولفظه: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» واللفظ الذي أشار إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ عند البيهقي (10/252) هكذا: «ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، قال الحافظ في «البلوغ» (1408): بإسناد صحيح.

[231]    أخرجه الإمام أحمد (1/466)؛ وأبو داود في البيوع/ باب إذا اختلف المتبايعان والمبيع قائم (3511) والنسائي في البيوع/ باب اختلاف المتبايعين في الثمن (7/302)؛ والترمذي في البيوع/ باب ما جاء إذا اختلف البيعان (1270)؛ وابن ماجه في التجارات/ باب البيعان يختلفان (2186)، واللفظ لأحمد وابن ماجه عن ابن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ، والحديث صححه الحاكم (2/45) ووافقه الذهبي، وحسنه البيهقي (5/332) وقال: «قد روي بأسانيد مراسيل إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قوياً». وانظر: «التلخيص» (1222) و«الإرواء» (5/166).

[232]    سبق تخريجه ص(325).

[233]    «الروض مع حاشية ابن القاسم» (4/459).

[234]    سبق تخريجه ص(143).

[235]    أخرجه البخاري تعليقاً في الحرث والمزارعة باب/ من أحيا أرضاً مواتاً؛ وأبو داود في الخراج/ باب في إحياء الموات (3073)؛ والترمذي في الأحكام/ باب ما ذكر في إحياء أرض الموات (1378)؛ عن سعيد بن زيد ـ رضي الله عنه ـ وقال الترمذي: (حسن غريب، وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرسلاً)؛ وأخرجه أبو داود (3074) عن عروة بن الزبير قال: قال رجل من الصحابة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحسنه الحافظ في «البلوغ» (897).

              وقد روي أيضاً عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ مرفوعاً عند الطيالسي (1440)؛ والدارقطني (4/217)؛ والبيهقي (6/142)، وعن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ في زيادات عبد الله على «المسند» (5/326)؛ والطبراني في الكبير كما في المجمع (4/174).

              قال الحافظ في الفتح (5/19): «وفي أسانيدها مقال، ولكن يتقوى بعضها ببعض»، ومثله في «الإرواء» (5/356).

[236]    الروض مع حاشية ابن قاسم (4/461).

[237]    الروض مع حاشية ابن قاسم (4/461).

[238]    سبق تخريجه ص(262).

[239]    «الروض مع حاشية ابن القاسم» (4/464).

[240]    «الروض مع حاشية ابن القاسم» (4/465).

[241]    وهذا هو المذهب.

[242]    سبق تخريجه ص(325).

[243]    سبق تخريجه ص(326).

[244]    وهذا هو المذهب.

[245]    أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء/ باب قوله تعالى: {{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ}} (3427)؛ ومسلم في الأقضية/ باب بيان اختلاف المجتهدين (1720) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[246]    سبق تخريجه ص(326).

[247]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا اشترى شيئاً فوهب من ساعته (2115) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[248]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب بيع الطعام قبل أن يقبض (2135)؛ ومسلم في البيوع/ باب بطلان بيع المبيع قبل القبض (1525) (30) واللفظ لمسلم، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ولفظه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه»، قال ابن عباس: «وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام».

[249]    وهذا هو المذهب.

[250]    سبق تخريجه ص(208).

[251]    سبق تخريجه ص(211).

[252]    سبق تخريجه ص(212).

[253]    أخرجه الإمام أحمد (3/402)؛ والنسائي في البيوع/ باب بيع الطعام قبل أن يستوفى (7/286)؛ وصححه ابن حبان (4983).

[254]    سبق تخريجه ص(368).

[255]     سبق تخريجه ص(212).

[256]    سبق تخريجه ص(242).

[257]    أخرجه مسلم في المساقاة/ باب وضع الجوائح (1554) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.

[258]    سبق تخريجه ص(368).

[259]     سبق تخريجه ص(212).

[260]    سبق تخريجه ص(208).

[261]    «الروض مع حاشية ابن قاسم» (481).

[262]    سبق تخريجه ص(207).

[263]    سبق تخريجه ص(209).

[264]    سبق تخريجه ص(208).

[265]    سبق تخريجه ص(61).

[266]     سبق تخريجه ص(242).

[267]    أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في البيوع/ باب إذا اشترى متاعاً أو دابة فوضعه عند البائع، دون قوله: «مضت السنة»؛ ووصله الدارقطني (3/54)؛ والحافظ في «تغليق التعليق» (3/242) موقوفاً على ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وصحح إسناده إليه، وصحح وقفه أبو حاتم كما في «العلل» (1182).

[268]    أخرجه أبو داود في البيوع/ باب في فضل الإقالة (3460)؛ وابن ماجه واللفظ له، في التجارات/ باب الإقالة (2199)؛ وابن حبان (5029) «موارد»؛ والحاكم (2/45)، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وصححه ابن دقيق العيد وابن حزم؛ انظر: «التلخيص» (1197).

[269]    أخرجه مسلم في الذكر والدعاء/ باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن (2699) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[270]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع (2076) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.

[271]    سبق تخريجه ص(255).

 

 

تاريخ التحديث : Feb 18, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com