المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد التاسع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد التاسع
بَابُ الضمان
 

 

بَابُ الضمان

 

قوله: «باب الضمان» . الضمان هو النوع الثاني من عقود التوثقة، والضمان لغة مشتق من الضِّمن، والضمن معناه دخول الشيء في الشيء؛ لأن ذمة الضامن دخلت في ذمة المضمون عنه.

وأما في الشرع: فهو التزام جائز التصرف ما وجب أو يجب على غيره، من حق مالي.

مثال الأول: التزام ما وجب: أن يكون شخص مديناً لآخر بدراهم فيمسكه صاحب الدين، ويقول: أعطني ديني الآن، وإلا رفعت أمرك إلى السلطات، فيأتي إنسان من أهل الخير ويقول: أنا أضمن دينه.

ومنه ضمان أبي قتادة ـ رضي الله عنه ـ دين الميت الأنصاري، حين قُدِّم إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليصلي عليه فقال: «أعليه دين»؟ قالوا: نعم، فتأخر وقال: «صلوا على صاحبكم» ، فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ، فتقدم النبي صلّى الله عليه وسلّم فصلى عليه[(96)].

أما التزام ما يجب: فمثل أن يكتب شخص لآخر ورقة: أنا ضامن كل ما يستدينه هذا الرجل من هذا المحل التجاري، أي: إنسان أراد أن يشتري بضاعة من صاحب دكان وليس معه مال، فجاء إلى رجل آخر غنيٍّ فقال له: أنا أريد أن أشتري بضاعة من المحل الفلاني، ولكن ليس معي نقود، أعطني ورقة ضمان فيعطيه ورقة ضمان، يقول فيها: ما استدانه هذا الرجل من هذا المحل فضمانه عليَّ، فهذا التزام ما قد يجب وهو لم يجب بعد.

وإنما توسع الفقهاء في ذلك من أجل التيسير على الناس حتى تسير أمورهم بسهولة؛ ولأن الأصل في المعاملات كلها الحل إلا ما قام الدليل على منعه، وهذا مصلحة ـ أي: ضمان ما يجب ـ، فلا ينبغي أن يكون ممنوعاً وإن كان فيه جهالة؛ لأنه قد يشتري شيئاً كثيراً، وقد يشتري شيئاً قليلاً، لكن نظراً للمصلحة المترتبة على ذلك صار جائزاً، وإن شاء الضامن حدد فقال: أنا أضمن ما اشترى من هذا التاجر في حدود ألف ريال ـ مثلاً ـ فهذا ضمان شيء محدد، وهذا أولى أي: أن الأولى للضامن إذا ضمن ما لم يجب، أن يحدد مقدار ما يضمنه؛ لئلا يستدين المضمون شيئاً يجحف بمال الضامن.

أما حكم الضمان، فنقول: في حق المضمون عنه جائز؛ لأنه لو جاء شخص، وقال لآخر: اضمني جاز كما يجوز أن يقول: أقرضني.

أما في حق الضامن فهو سنة مستحبة؛ لأنه من الإحسان، والله يحب المحسنين، ولكنه سنة بقيد وهو قدرة الضامن على الوفاء، فإن لم يكن قادراً فلا ينبغي أن تأخذه العاطفة في مساعدة أخيه لمضرة نفسه، فإن هذا من الخطأ، ويوجد الآن أناس غارمون، وسبب الغرم الضمان، فنقول: هذا خطأ لا تحسن إلى غيرك وتسيء إلى نفسك؛ فإن هذا ليس من الحكمة.

والضمان من عقود التوثيقات، ففيه توثيق صاحب الدَّين بدينه وقد مر علينا الرهن وسيأتينا ـ إن شاء الله ـ الكفالة من الشهادة، فالأشياء التي تحفظ بها الحقوق: الشهادة، وهذه يستوفى بها الحق، والضمان والكفالة والرهن، وهذه يستوفى منها الحق، فالضمان مما يتوثق به الحق؛ لأنني إذا لم أتمكن من قبضه من المضمون عنه أخذته من الضامن.

وللضمان شروط منها:

 

لاَ يَصِحُّ إِلاَّ مِن جَائِزِ التَّصَرُّفِ وَلِرَبِّ الحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الحَيَاةِ وَالمَوْتِ .

قوله: «لا يصح إلا من جائز التصرف» ، «لا يصح» الفاعل يعود على الضمان، وجائز التصرف، هو البالغ العاقل، الحر، الرشيد، أي: من جمع أربعة أوصاف:

الأول: أن يكون بالغاً، وضده الصغير، والصغير لا يعطى ماله، حتى وإن كان يحسن التصرف؛ لقول الله ـ تعالى ـ: {{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}} [النساء: 6] ، فاشترط الله لدفع المال شرطين:

الأول: {{إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ}}.

الثاني: أن نبصر منهم الرشد، لقوله: {{آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا}}.

والرشد: هو إحسان التصرف في المال، وهو في كل موضع بحسبه، فمثلاً الرشد في الدين استقامة الدين، الرشد في باب الولي في النكاح، معرفة الكفء ومصالح النكاح، والرشيد في العبادات هو الذي قام بالواجبات وترك المحرمات، والرشد في المال إحسان التصرف فيه؛ لأن هناك كلمات تفسر في كل موضع بما يناسب.

الثاني: أن يكون عاقلاً، وضده المجنون، ودليله أن الله اشترط إيناس الرشد، والرشد لا يكون مع الجنون أبداً.

الثالث: أن يكون حراً، والحر ضده العبد، فالعبد لا يصح أن يضمن؛ لأن العبد لا يتصرف إلا بإذن سيده.

الرابع: أن يكون رشيداً، والرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ بألا يصرف المال في محرم، ولا فيما لا فائدة فيه.

فهل هذا القيد مقبول؟

الجواب: لا؛ لأننا لو قبلنا هذا لكان جميع المدخنين سفهاء غير رشيدين، ولحجرنا عليهم كلهم.

لكن نقول: الرشيد هو من أحسن التصرف في ماله بيعاً وشراء وتأجيراً وإيجاراً ورهناً وارتهاناً، وما أشبه ذلك.

أما كونه لا يصرفه في المحرم أو ما أشبه ذلك، فلا شك أن الذي يصرفه في المحرم سفيه، لكنه ليس السفه الذي يمنع من التصرف، وإلا لوجب أن نحجر على كل من يتعامل بشيء محرم.

فلا يصح من صغير، فلو أراد الصغير أن يضمن، فإنه لا يصح حتى وإن كان شيئاً يسيراً، فلو أن صبياناً يتبايعون في الدجاج، فباع أحدهم على الآخر، وقال البائع: لا أقبل حتى تأتي بضامن، فقال: هذا صاحبي، وصاحبه مثله صبي، فهذا لا يصح؛ لأنه ليس جائز التصرف، لكونه صغيراً.

وكذلك يقال في المجنون وفي السفيه.

هذا الذي ذكره شرط، والشرط التالي ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ في آخر الباب، وهو أن يكون الدين واجباً، أو مآله إلى الوجوب، فإن كان غير واجب ولا مآله إلى الوجوب، فلا يصح ضمانه كما سيأتي.

قوله: «ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت» رب الحق هو الدائن، له مطالبة من شاء منهما، أي: من الضامن والمضمون عنه في الحياة وفي الموت.

أما في الحياة فأن يكون كل منهما حيّاً، فيأتي صاحب الحق لزيد الذي هو الضامن، أو لعمرو الذي هو المضمون، فيطالب هذا وهذا، وله أن يطالبهما جميعاً بأن يأتي هذا في الصباح، وهذا في المساء، أو يطلب واحداً منهما، ويسكت عن الآخر.

وأما في الموت فلو مات الضامن، فله أن يطالبه في تركته؛ لأن الدين المضمون صار ديناً على الضامن كأنه أصيل، فكما أن الإنسان إذا مات مدينه يطالب الورثة من التركة فهكذا الضامن، فإن لم يخلف مالاً فإنه يطالبه في الآخرة لأنه التزم أن يقضي هذا الدين.

أما المضمون عنه فواضح، فلو مات المضمون عنه فإن لصاحب الحق أن يطالبه في تركته، فإن لم يخلف تركة طالبه يوم القيامة.

 

فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ المَضْمُونِ عَنْهُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ لاَ عَكْسُهُ، وَلاَ يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ للمَضْمُونِ عَنْهُ وَلاَ لَهُ؛ بَلْ رِضَا الضَّامِنِ،

وقوله: «لرب الحق مطالبة من شاء منهما» ظاهره أنه لا فرق بين أن يتمكن صاحب الحق من استيفاء الحق من المضمون عنه أو لا يتمكن، أي أنه لا يشترط لجواز مطالبة الضامن، أن تتعذر مطالبة المضمون عنه، وهذا هو المذهب، فلو أن صاحب الدين جاء إلى الضامن، وقال: أعطني، أنت ضمنت فلاناً بعشرة آلاف ريال، قال: اذهب إليه هو الأصل، فهل يملك ذلك؟

الجواب: لا؛ لأن صاحب الحق له مطالبة هذا أو هذا، هذا ما ذهب إليه المؤلف؛ وتعليل ذلك أن الضامن التزم وفاء الحق بدون شرط، أي: لم يقل الضامن حين ضمانه: إن تعذر استيفاؤك من المضمون عنه فأنا ضامن، فلو قال هذا لكان المسلمون على شروطهم، لكن لما لم يقل هذا بل التزم التزاماً مطلقاً فلرب الحق أن يطالبه.

القول الثاني: أنه لا يملك مطالبة الضامن إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه بموت، أو غيبة، أو مماطلة، أو فقر، فإذا تعذرت مطالبة المضمون عنه فله أن يطالب الضامن.

وحجة هؤلاء أنه لا يرجع للفرع مع تمكن الاستيفاء من الأصل، فإذا أمكن الرجوع إلى الأصل فإنه يستغنى به عن الفرع، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ وعمل الناس اليوم على هذا القول، أما في المحاكم، فالظاهر أنهم يحكمون بالمذهب وأن صاحب الحق إذا طالب الضامن ألزم بأن يدفع عنه الحق الذي ضمنه.

ولو أنه شرط فقال: إنك لا تطالبني إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه، فالقاعدة على المذهب أن كل شرط يخالف مقتضى العقد فإنه لا يصح، ومعلوم أنه إذا كان مقتضى العقد مطالبة الرجلين جميعاً، فإنه إذا شرط ألا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه صار منافياً لمقتضى العقد، ولكن الصحيح ـ حتى لو قلنا: بأن له مطالبة الرجلين ـ أنه إذا اشترط الضامن ألا يطالبه إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه، فالصحيح أنه شرط صحيح؛ لعموم قوله: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» [(97)]، وهذا الشرط لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، وغاية ما هنالك أن صاحب الحق أسقط مطالبة الضامن باختياره، فقد أسقط حقاً جعله الشارع له ولا ينافي الشرع.

وعلم من كلام المؤلف أن المضمون عنه لا تبرأ ذمته لو التزم به الضامن؛ لأنه قال: له مطالبتهما جميعاً.

وقال بعض العلماء: إذا ضمن عن الميت برئت ذمة الميت؛ لأن الميت لا ذمة له، فإذا ضمن عنه صارت الذمة واحدة وهي ذمة الضامن؛ لأن ذمته عامرة بخلاف الميت.

واستدلوا لذلك بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما ضمن أبو قتادة ـ رضي الله عنه ـ الدينارين عن الميت تقدم وصلى عليه، وقال: «حق الغريم وبرئ منهما الميت؟ قال: نعم»[(98)]، فهذا يدل على أنه إذا ضمن ميتاً برئت ذمة الميت، كما قلنا في الرهن: إنه إذا مات الميت وعليه دين برهن يوفي فإن ذمته بريئة، وهذا القول لا شك أن له قوته، حتى وإن صحت الرواية التي قال فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبي قتادة: «أوفيت أو أديت عنه، قال: نعم، قال: الآن برَّدْتَ عليه جلدته»[(99)]، فهذه اللفظة لا نعرف عن صحتها، لكن إن صحت فليس معنى ذلك أن ذمة الميت لم تبرأ؛ لأنه لولا أن ذمة الميت برئت ما صلى عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، بل إنه اشترط قال: «حق الغريم وبرئ منه الميت؟ قال: نعم»[(100)].

أيضاً ظاهر كلام المؤلف أن من ضمن دين ميت فإن ذمة الميت لا تبرأ، بدليل أنه أجاز للمضمون له أن يطالب في تركة الميت، ولكن الذي يظهر أنه إذا التزم التزاماً كاملاً، بغير نية الرجوع فإن ذمة الميت تبرأ، أما إذا التزم مع نية الرجوع، فمعلوم أن ذمة الميت ـ وإن برئت من الأول ـ تعلق بها حق الثاني، لكن حق الثاني لا يتعلق بذمة الميت وإنما يتعلق بالتركة.

قوله: «فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا عكسه» وبماذا تبرأ ذمة المضمون عنه؟

الجواب: تبرأ بإيفائه، والمضمون عنه إذا أوفى برئت ذمة الضامن؛ لأن الضامن فرع، فإذا برأ الأصل برأ الفرع؛ ولأنه إن برئت ذمة المضمون عنه لم يبق هناك شيء يضمن.

وقوله: «إن برئت» لم يقل إن قضى المضمون عنه الدين؛ لأن براءة الذمة قد تكون بقضاء الدين وقد تكون بالإبراء وقد تكون بشراء شيء يكون عوضاً عن الدين مثلاً، فكلمة «إن برئت» أعم من قوله: «إن قضى الدين».

وقوله: «لا عكسه» أي: لو برئت ذمة الضامن فإنها لا تبرأ ذمة المضمون عنه، وتحصل براءة ذمة الضامن بأمرين:

الأول: إما أن يُبرئه صاحب الحق ويقول له: يا فلان أسقطت ضمانك، اذهب ليس عليك شيء.

الثاني: أن يوفي الضامن، فإذا أوفى برئت ذمته، لكن إذا أوفى بنية الرجوع فيرجع على المضمون عنه، وعلى هذا فإذا برئت ذمة الضامن، فلا تبرأ ذمة المضمون سواء برئت ذمة الضامن بإيفاء أو بإبراء.

قوله: «ولا يعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه» هل يمكن أن يضمن عمن لا يعرفه؟

الجواب: يمكن بأن يجد شخصاً يشتري شيئاً في السوق، وهو لا يعرفه لكن رق له، وقال: أنا أضمنك، فهذا لا بأس به، لكن لاَحِظْ أنه في هذه الحال، قد عرض نفسه لخطر وهو ألا يوفي المضمون عنه، ويأتيه المضمون له الذي هو صاحب الحق، ويقول له: أوفني، فإذا أوفاه ربما يضيع حقه، إلا أن يسَّر الله أن يأتي هذا المجهول.

قوله: «ولا له» فليس بشرط أن يعرف المضمون له، وهذا واضح جدّاً؛ لأن المضمون له هو الذي يطلب الضامن، ويبحث عنه فلا يشترط أن يعرفه.

وهل يُشترط معرفة الدَّين المضمون؟

الجواب: لا يشترط أن يعرف الدين المضمون، لكن على كل حال كلما عرفه فهو أحسن وأبعد عن المشكلات، ولكنه ليس بواجب.

فعندنا الآن: ضامن، ومضمون، ومضمون له، ومضمون عنه، فالمضمون له والمضمون عنه لا تشترط معرفتهما، والمضمون الذي هو الدين لا تشترط معرفته، كذلك الضامن لا يشترط أيضاً، لكن من المعلوم أن صاحب الحق لا يمكن أن يقبل ضامناً بدون معرفة، لكن المسألة تصح.

قوله: «بل رضا الضامن» أي: بل يعتبر رضا الضامن، أي: أننا لا نكره أحداً على أن يضمن، فلا بد أن يرضى، فإن لم يرض فإنه لا يُلزم بالحق، حتى لو أراد سلطان جائر أن يُلزم فلاناً بأن يضمن فلاناً فإنه لا يلزمه؛ لقول الله تعالى في التجارة: {{إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}} [النساء: 29] ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما البيع عن تراض»[(101)]، وهكذا جميع العقود لا بد فيها من الرضا، إلا من أكره بحق كالمحجور عليه ونحو ذلك.

وأما رضا المضمون له والمضمون عنه فليس بشرط، لكن إذا علمنا أنه يضر بسمعة المضمون عنه فقد نشترط ذلك، ويمكن التخلص من ذلك بأن يأتي بالحق ويسلمه.

 

وَيَصِحُّ ضَمَانُ المَجْهُولِ إِذَا آلَ إِلَى العِلْمِ، والعَوَارِي، وَالمَغْصُوبِ، وَالمَقْبُوضِ بِسَوْمٍ وَعُهْدَةِ مَبِيعٍ، لاَ ضَمَانُ الأمَانَاتِ، بَلْ التَّعَدِّي فِيهَا.

قوله: «ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العِلم» ضمان المجهول إذا آل إلى العلم جائز، ومنه ما يعرف عند الفقهاء بضمان السوق، بأن يلتزم الإنسان بضمان كل ما يجب على هذا المضمون في معاملته في هذا السوق.

مثلاً: سوق الذهب، كل معاملة تجري في سوق الذهب فأنا ضامن لهذا الرجل، فهذا يجوز مع أنه مجهول.

لكن يقال: ضمان المجهول لا بأس به، إلا أننا ذكرنا أنه ينبغي أن يحدد مقدار الدين، وأن يحدد الرجل الذي يريد أن يستدين منه؛ لأنه إذا لم يحدد وضمن في حدود عشرة آلاف، فيمكن أن يقف على أحد الدكاكين ويقول: هذا الضمان بعشرة آلاف، فيشتري بعشرة آلاف، ثم يذهب إلى دكان آخر ويشتري بعشرة آلاف، ويقول: هذا الضمان، إلا إذا قال: متى قدمت هذه الوثيقة واشتريت بمقدار ما ضمنته لك فليكتب تحتها: انتهى مقدار المضمون، فلا بأس، وإلا فيمكن أن يتلاعب المستدين.

والدليل على صحة ضمان المجهول إذا آل إلى العلم قوله تعالى: {{وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}} [يوسف: 72] وحمل البعير غير معلوم قد يزيد وقد ينقص وإن كان الغالب أنه معلوم؛ فقد يقال: إن الاستدلال بهذه الآية فيه نظر؛ لأن الحمل قد يكون معلوماً بالعرف والعادة، لكن يقال: هناك تعليل، وهو أن الضمان عقد تبرع وليس عقد معاوضة، وعقد التبرع يسامح فيه ما لا يسامح في عقد المعاوضة؛ ولهذا جازت الجعالة مع أن العمل فيها مجهول؛ لأنها تشبه عقد التبرع، وجاز هبة المجهول على القول الراجح؛ لأنها تبرع.

وعُلم من قوله: «إذا آل إلى العلم» أنه إذا لم يؤل إلى العلم فإنه لا يجوز، كضمان متلفات لشخص لا يدري ما هي.

مثاله: أتلف إنسان متلفات عظيمة، فقيل له: ما هي؟ قال: لا يحضرني، فلا أدري تساوي مليوناً، أو عشرة ريالات، ولا يمكن أن نعلم بها، فهذا مجهول لا يمكن العلم به، فلا يصح ضمانه؛ لأن الضامن لا يدري ماذا يؤدي؟ حتى لو جاءه من أتلفت له هذه المتلفات، وقال: أنا أطالب، قيل له: حدد وعين، فلا بد من أن يكون هذا المجهول مآله إلى العلم.

قوله: «والعواري» العواري جمع عارية، وهي إباحة نفع العين لمن ينتفع بها ويردها.

مثاله: جاء إنسان يستعير سيارة من شخص ليسافر بها إلى بريدة، فقال صاحب السيارة: أنا أريد ضامناً يضمن السيارة لي، قال: هذا فلان يضمن فيصح.

مثال آخر: إنسان أتى يستعير كتاباً من شخص، فقال: أنا أريد أن تأتي بضامن يضمن الكتاب، فيصح هذا؛ لأن العارية مضمونة فإذا كانت مضمونة، صارت آيلة إلى الوجوب، أي: إلى وجوب الضمان، بمعنى أن الإنسان إذا استعار شيئاً فتلف، فالمستعير ضامن على كل حال سواء فرط، أو تعدى، أو لم يفرط ولم يتعدَّ، ويأتي ـ إن شاء الله ـ الخلاف في هذه المسألة.

فالمذهب أن العارية مضمونة بكل حال، ولهذا صح ضمانها أي: ضمان العواري؛ لأنها مضمونة على قابضها بكل حال.

القول الثاني: أن العارية كسائر الأمانات لا تضمن إلا بالتعدي، أو التفريط، فالأمانات لا يصح فيها الضمان؛ لأنها لا تؤول إلى الوجوب، فصار ضمانها غير صحيح؛ لأنها غير مضمونة على الآخذ وهو الأصل، فلا تضمن على الفرع الذي هو الضامن.

فإن ضمن التعدي فيها أو التفريط صح؛ لأنه إذا ضمن التعدي أو التفريط فإن المستعير سيضمن في هذه الحال فيصح ضمانه.

فالقول الثاني: أن العارية لا تضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط، بمعنى أن الإنسان لو استعار الكتاب ووضعه في بيته في مكان محرز، وجاء سارق فسرقه، أو نزل عليه مطر فأفسده، أو احترق المكان فاحترق الكتاب، فإنه غير ضامن؛ لأنه ليس متعدياً ولا مفرطاً، وهذا القول هو الراجح.

فعلى هذا القول هل يصح ضمان العارية في هذه الحال مطلقاً؟

الجواب: لا، لكن يصح أن يضمن التعدي أو التفريط، بمعنى أن يقول: أنا ضامن إن تعدى أو فرط.

قوله: «والمغصوب» وهو ما أخذ من صاحبه قهراً بغير حق، فضمان المغصوب صحيح؛ لأن الغاصب ضامن بكل حال.

مثاله: إنسان غصب آخَرَ ساعة وأخذها قهراً منه، وهرب فوجده صاحب الساعة فأمسكه، وقال: أذهب بك إلى السجن، أو أعطني ساعتي، فقال: الساعة في البيت ليست معي، قال صاحب الساعة: سوف أرفعك حتى تسجن، فتقدم رجل آخر وقال: أنا أضمن الساعة، فهنا يصح الضمان؛ لأن المغصوب مضمون على كل حال والغاصب ضامن على كل حال؛ لأنه معتدٍ، يده ليست يد أمانة، وعلى هذا ففي هذه الحال يصح للضامن أن يضمن هذه الساعة؛ لأنها مضمونة بكل حال.

قوله: «والمقبوض بسوم» أي: ويصح ـ أيضاً ـ ضمان المقبوض بسوم، والمقبوض على وجه السوم له صور:

الصورة الأولى: أن يساومه ويقطع الثمن.

مثاله: أن يقف الإنسان على صاحب محل، ويقول: هذه السلعة اشتريتها منك بمائة ريال، فسامها منه الآن، وقال صاحب المحل: لا بأس، قال: سأذهب إلى أهلي أريهم إياها، إن وافقوا أخذتها وإن لم يوافقوا رددتها، قال: لا بأس، فأخذها الذي سامها ليذهب بها إلى أهله، فتلفت السلعة، فهي مضمونة على كل حال على السائم، سواء تعدى أو فرط أو لم يتعد ولم يفرط؛ وذلك لأنه قبضها وقطع الثمن فصار كأن البيع تم، فهي مضمونة عليه بكل حال، ولهذا صح ضمان هذه السلعة المقبوضة على وجه السوم.

وكيف يضمن؟

الجواب: هذا الرجل الذي أراد أن يأخذ السلعة ليريها أهله إن وافقوا أخذها، وإن لم يوافقوا ردها، قال له صاحب الدكان: لا أعرفك، فتقدم رجل وقال: أعطه وأنا ضامن، فهذا يصح، فيصح أن يضمن المقبوض على وجه السوم، بناءً على أنه مضمون على القابض بكل حال، والمقبوض على وجه السوم ليس محل اتفاق أنه مضمون بكل حال.

فالقول الثاني: وهو الصحيح، أنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط؛ ووجه ذلك أن هذا المقبوض حصل بيد السائم بإذن مالكه، فيده يد أمانة، وكونه سامه وقطع الثمن أو سامه ولم يقطع الثمن، فإنه لا أثر له في الضمان؛ لأن الرجل الذي قبضه أمين ائتمنه صاحب السلعة، وعلى هذا فيكون المقبوض على وجه السوم ليس مضموناً على قابضه إلا أن يتعدى أو يفرط، وبناءً على هذا القول هل يصح ضمان المقبوض على وجه السوم؟

الجواب: لا يصح؛ لأنه ليس مضموناً على القابض، وإذا لم يكن الأصل ضامناً، فالفرع لا يصح أن يكون ضامناً، لكن يصح أن يضمن التعدي أو التفريط، فيقول: أنا أضمن إذا تعدى أو فرط؛ لأنه كسائر الأمانات.

الصورة الثانية: أن يساومه بدون قطع الثمن، مثل أن يساومه ولكن لم يرض بالسوم، فقال: أعطني أذهب به إلى أهلي إذا رضوا أتيت إليك، وزدتك واشتريت، فهذا يضمن على المذهب؛ لأنه إذا قبضه بعد المساومة صار مضموناً عليه، والصحيح أنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط؛ لأن هذا الرجل الذي أخذ المال بعد المساومة أخذه من صاحبه باختياره، فصار المال بيده بإذن مالكه فهو أمين، والأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط.

الصورة الثالثة: أن يقبضه قبل أن يساومه، فقال: أعطني هذا أريه أهلي إذا رضوا اشتريته منك، فهذا مقبوض بلا مساومة، فهذا لا يصح ضمانه؛ لأنه لم يسم؛ لأن الضمان إنما يكون فيما يجب.

الخلاصة: هل المقبوض على وجه السوم مضمون بكل حال؟ المذهب نعم إذا ساومه وقطع الثمن.

والقول الثاني: أنه ليس مضموناً إلا إذا حصل تعدٍ أو تفريط.

والفرق بين التعدي والتفريط أن التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب.

قوله: «وعهدة مبيع» وذلك أن البائع إذا باع الشيء فقد ضمن عهدته، أي تعهد بأن هذا البيع صحيح، وأن المال ملكه وما أشبه ذلك، والمشتري إذا اشتراه فقد تعهد بإقباضه الثمن وتسليمه، فعهدة المبيع يصح ضمانها سواء ضمنت عهدة المبيع للمشتري أو ضمنت عهدة الثمن للبائع، مثاله: عنده سيارة وعند الآخر سيارة فقال له: بعني سيارتك الكبيرة بسيارتي الصغيرة، فالثمن السيارة الصغيرة، فقال المشتري: من يضمن لي عهدة السيارة الكبيرة، ومعنى عهدتها أنني خفت أنها مسروقة أو مستعارة وليست للبائع أو ليس له ولاية عليها، بمعنى أنها إذا خرجت مستحقة أو أن البيع فاسد فإنه يضمن لي القيمة، فهذا عهدة المبيع للمشتري.

وعهدة الثمن للبائع فالصغيرة هي الثمن، فقال البائع: أنا أخشى أن هذه السيارة الصغيرة مسروقة فأطلب أحداً يضمن العهدة، فهذا يصح؛ لأنه لو ظهر الثمن مستَحَقاً لكان الذي دفعه واجباً عليه أن يضمن فصار ضمانه جائزاً.

وفي ضمان عهدة المبيع فوائد: أن فيه راحة لمن ضمن له، وأيضاً تمشية حال للمضمون عنه؛ فلهذا كان من محاسن الشريعة أنه يصح ضمان عهدة المبيع سواء كان ذلك عهدة الثمن للبائع، أو عهدة المثمن للمشتري.

هل من ضمان عهدة المبيع إذا ظهر به عيب أن يرجع الإنسان بأرش العيب، فقال: أريد أحداً يضمن لي العهدة إذا ظهر فيه عيب، أن يضمن لي الأرش أو يضمن لي التمكن من الرد؟ نعم هذا جائز.

قوله: «لا ضمان الأمانات» أي: لا يصح ضمان الأمانات، وهي كل عين بيدك بإذن من الشرع أو إذن من المالك.

ولا ضمان فيها إلا بتعدٍّ أو تفريط فلا يصح ضمانها؛ لأن الأصل غير ضامن، وإذا كان الأصل غير ضامن، فلا يصح أن يبنى على شيء لم يثبت فلم يضمن الفرع.

قوله: «بل التعدي فيها» أي: لكن التعدي فيها يصح ضمانه؛ لأنه إذا تعدى الأمين انتفت عنه الأمانة وصار ضامناً بكل حال، فيصح أن يضمن التعدي فيها.

مثاله: رجل أودع عند آخر وديعة، ولتكن ألف ريال، ثم بعد أن أودعه صار عنده إشكال، فتقدم رجل آخر، وقال: أنا أضمن لك الوديعة، فالضمان هنا لا يصح؛ لأن الأصل غير ضامن، لكن لو قال: أنا أضمن لك إن تعدى أو فرط، فهذا صحيح؛ لأنه في حال التعدي أو التفريط يكون ضامناً، فحينئذٍ يصح الضمان.

وهذا مأخوذ من الشرط الذي اشترطناه، وهو أن يكون الدين واجباً أو مآله إلى الوجوب؛ لأن ما ليس مضموناً بكل حال ليس بواجب فلا يستحقه صاحبه.

مسألة: لو قضى الضامن الدين، فهل يرجع على المضمون عنه؟

الجواب: نعم يرجع؛ لأنه هو الأصيل، ومعلوم أنه لا يمكن أن نجعل الضامن يخسر ولا يُعوض، ورجوعه لا يخلو من ثلاث حالات:

الأولى: أن ينوي التبرع فهذا لا يرجع.

الثانية: أن ينوي الرجوع فيرجع.

الثالثة: إذا أوفى ولم يطرأ على باله نية الرجوع أو عدمها، على المذهب لا يرجع، والصحيح أنه يرجع؛ لأنه إنما التزمها فرعاً عن أصل.

وعلى هذا فإنه على القول الراجح يرجع في حالين، إذا نوى الرجوع، وإذا لم ينو شيئاً، ولا يرجع إذا نوى التبرع، والمذهب يرجع إذا نوى الرجوع فقط، قال العلماء: وهكذا كل من أدى عن غيره ديناً واجباً، فإنه يرجع إن نوى الرجوع، ولو بغير إذنه، إلا إذا كان الدين مما تشترط فيه نية المدين، فإنه لا يرجع إلا بإذن مثل الزكاة والكفارة؛ لأن الذي عليه الزكاة لم ينوِ ولم يوكل.

مثاله: جاء رجل وقال: أنا سأذهب إلى المجاهدين أعطوني دراهم من الزكاة، وكنت أعلم أن صاحبي عنده زكاة كثيرة، فأعطيت هذا الرجل ثلاثين ألفاً على أنها زكاة صاحبي فهل أرجع؟ لا؛ لأن الزكاة تجب فيها النية، وهنا الذي عليه الزكاة لم ينو، وأما الثلاثون ألفاً فلا تذهب، بل عند الله وفيها أجر وتكون صدقة للذي بذلها.

فلو أنني أخبرته، وقلت: إنني دفعت عنك زكاة، فقال: جزاك الله خيراً، وأنا مجيز لك هذا التصرف، فالمذهب لا يجزئ؛ لعدم وجود النية حين الدفع، والصحيح جواز ذلك، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ في قصة حفظه التمر، وهو وكيل للرسول صلّى الله عليه وسلّم على صدقة الفطر يحفظها، فجاءه الشيطان ليلة من الليالي وأخذ من التمر فأمسكه أبو هريرة، فقال الشيطان: إنه فقير وله عائلة، فَرَقَّ له أبو هريرة وتركه، وهكذا الليلة الثانية، والليلة الثالثة قال: لا بد أن تذهب إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم فخاف من الرسول صلّى الله عليه وسلّم وقال: أخبرك بآية تقرؤها، فإن قرأتها في ليلة لم يزل عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأعلمه بآية الكرسي، فلما أصبح قال له الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ما فعل أسيرك البارحة؟ وقال: إنه صدقك وهو كذوب، فقال: أتدري من تخاطب منذ ثلاثة أيام؟ فقال: لا، فقال: ذلك شيطان[(102)].

فأبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ حين دفع من الزكاة لم يدفع بإذن الرسول، لكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أجازه.

فالصحيح أن الإنسان لو دفع عن غيره زكاة وأجازه الغير، فإن الصحيح جواز ذلك.

 

فصلٌ

 

وَتَصِحُّ الكَفَالَةُ بِكُلِّ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، وَبِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، لاَ حَدَّ وَلاَ قِصَاصَ، وَيُعْتَبَرُ رِضَا الكَفِيلِ لاَ مَكْفُولٍ بِهِ، فَإِنْ مَاتَ أَوْ تَلِفَتِ العَيْنُ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى، أوْ سَلَّمَ نَفْسَه بَرِئَ الكَفِيلُ.

قوله: «فصل: وتصح الكفالة» الكفالة هي العقد الثالث من عقود التوثقة؛ لأن عقود التوثقة رهن وضمان وكفالة.

والكفالة التزام جائز التصرف إحضار بدن من عليه الحق، وإن شئت فقل: إحضار من يصح ضمانه؛ حتى تدخل الأعيان المضمونة كالعواري على القول بأنها مضمونة بكل حال، والمغصوب، وعهدة المبيع، وضمان التعدي في الأمانات.

وبهذا التعريف نعرف الفرق بينها وبين الضمان، فالضمان أن يلتزم إحضار الدين، وهذا إحضار البدن، فإذا أحضر الكافل المكفول وسلمه لصاحب الحق برئ منه، سواء أوفاه أو لم يوفه، وهذا فرق واضح وحينئذٍ تكون الكفالة أدنى توثقة من الضمان؛ لأن الضمان يضمن الدين، وهذا يضمن من عليه الدين، فإذا أحضره برئ منه، وإذا مات المكفول برئ، وإذا مات في الضمان لا يبرأ.

ولكن لو كان العرف عند الناس أن الكفالة بمعنى الضمان، فهل يحمل المعنى على العرف أو على الشرع؟

الجواب: على العرف؛ لأن هذه معاملات يجري الناس فيها على أعرافهم، فعندنا الآن عرف متبع، إذا قال: أنا أكفل فلاناً، يريدون بذلك أن يضمن ما عليه من الدين.

لكن بدؤوا الآن يعرفون بعض الشيء، فصار إذا قال: أنا أكفله، إن أضاف إليها كفالةَ غُرمٍ صار ضامناً، وإن أطلق فهي كفالة بدن، فيُعمل بالعُرف سواء في هذا أو هذا.

وقوله: «وتصح الكفالة» المؤلف ـ رحمه الله ـ تكلم على الكفالة وعلى الضمان، فيما سبق من حيث الحكم الوضعي، هل هما صحيحان أو غير صحيحين، لكن لم يتكلم عنهما من حيث الحكم التكليفي.

فما حكم الضمان، وما حكم الكفالة؟

سبق أن قلنا في الضمان: إنه سنة للضامن؛ لما فيه من مساعدة أخيه وتفريج كربته وغير ذلك، ولكننا قيدنا ذلك بما إذا كان الضامن قادراً على الوفاء، أما إذا كان فقيراً ثم بعد أن يحل الأجل يطالب وليس عنده شيء، فهذا خطأ وليس بمستحب؛ بل هو في أقل الأحوال أن يكون مكروهاً؛ لأنه يُلزم نفسه ما لا يلزمه.

وكذلك يقال في الكفالة، فالكفالة من حيث هي سنة للكفيل وهذا بشرط أن يعلم أنه قادر على إحضار بدن المكفول، أو إيفاء الدين عنه، فإن عرف من نفسه أنه غير قادر فلا ينبغي أن يكفل أحداً؛ ولهذا نجد الآن أناساً كثيرين يأتون وهم يشكون ديوناً عظيمة عليهم، سببها أنهم يكفلون الناس، والإنسان إذا عرف أن مكفوله متساهل ومتلاعب فلا يكفله.

فنقول: احرص على ألا تكفل؛ لأن الناس في الوقت الحاضر خاصة لا أحد يوثق به إلا من شاء الله.

أما من حيث المكفول والمضمون، فهذا لا يعتبر له رضاً، ولا يعتبر له علم؛ لأنه ليس عليه ضرر، وقد سبق لنا التفصيل في مسألة الضمان أنه إذا كان عليه ضرر، فإنه لا ينبغي للضامن أن يُقْدِم ويضمن.

قوله: «بكل عين مضمونة» هل الأعيان التي تضمن هي التي تكفل؟

الجواب: لا، وإنما الذي يكفل بدن من عنده عين مضمونة، ولهذا تعتبر عبارة المؤلف ـ رحمه الله ـ قاصرة، أي: أنه اختصر اختصاراً مُخِلًّا؛ لأن الذي يقرأ هذه العبارة يفهم بأن الذي تكفل هي العين، وليس كذلك، بل الذي يكفل هو الشخص الذي عنده العين.

إذاً كل عين مضمونة، يصح كفالة بدن من هي عنده.

والعين المضمونة هي التي تضمن بكل حال سواء بتفريط أو بغير تفريط.

مثاله: المسروق عند السارق عين مضمونة، والمغصوب عند الغاصب عين مضمونة، المبيع بكيل أو وزن أو ما أشبه ذلك قبل قبضه هذا ـ أيضاً ـ من الأعيان المضمونة على البائع، فكل عين تضمن بكل حال فإنها تصح الكفالة ببدن من هي عنده.

أما بالنسبة للعارية فعلى ما جرى عليه المؤلف فهي عين مضمونة تصح كفالة من هي عنده، وأما على القول الصحيح فليست من الأعيان المضمونة؛ بل هي أمانة وإذا وجد فيها تلفاً، نظرنا هل يضمن أو لا يضمن؟.

قوله: «وببدن من عليه دين» لأن الحقوق الواجبة للغير إما أعيان ـ واشترط المؤلف أن تكون مضمونة ـ، وإما ديون في الذمم.

فقوله: «وببدن من عليه دين» أي: تصح الكفالة ببدن من عليه الدين، كرجل في ذمته لشخص ألف ريال، فطالبه صاحب الحق، وأمسك به وقال: أوفني، ولكنه ليس معه شيء، فقال: سوف أرفعك إلى الجهات المسؤولة، فتقدم إنسان محسن، وقال: أنا أكفل الرجل؛ لأنه لو قال: أنا أكفل الدين صار ضامناً، لكن قال: أنا أكفل الرجل، يعني إحضاره، فهذا يصح.

ولا فرق في الدين بين أن يكون عن قرض، أو عن إجارة، أو عن قيمة متلف، أو قيمة مبيع، أو صداق، أو غير ذلك، المهم أن يكون الدين ثابتاً، فتجوز الكفالة ببدن من عليه دين.

قوله: «لا حد» أي: لا ببدن من عليه حد.

مثاله: رجل سارق أمسكته الجهات المسؤولة لتقطع يده، فقال: ذروني أذهب إلى أهلي، وأخبرهم بأني مستحق لقطع اليد فقالت الجهات المسؤولة: لا نتركك، لا بد من القطع الآن، فقال السارق: لي من يكفلني وهو فلان، يكفلني إلى أن أرجع، فتقدم رجل وقال: أنا أكفله فلا يصح أن يكفله؛ لأنه لو تعذر الاستيفاء من السارق، لم يمكن الاستيفاء من الكفيل، فأي فائدة في الكفالة؟ فلا فائدة في الواقع، أما لو كان عليه مال وجاء وقت الإحضار ولم يحضره أخذنا المال منه.

وقد يقول قائل: بل هناك فائدة؛ لأن هذا الرجل الذي كفله له سلطة، فهو ـ مثلاً ـ أمير قومه، وهذا الرجل من قومه، ويستطيع أن يحضره، وَتَعَذُّر إحضاره أمر طارئ، وإلا فالأصل أن هذا الكفيل قادر على إحضاره، وبناءً على هذا يمكن أن يفرق بين شخص له القدرة التامة على إحضار بدن من عليه حد، وبين شخص عاديٍّ لا يستطيع، فالأول قد يقال: بصحة كفالته، والثاني: لا تصح بلا شك.

والمشهور من المذهب ـ الذي مشى عليه المؤلف ـ أنه لا تصح كفالةُ مَنْ عليه حَدٌّ بأي حال من الأحوال؛ والعلة في ذلك ما ذكرنا وهي تعذر الاستيفاء من الكفيل، لو تعذر الاستيفاءُ من المكفول.

قوله: «ولا قصاص» أي: من عليه قصاص، أي: أن يكون قاتلاً وطالب أولياء المقتول بقتله وثبت ذلك، وأردنا أن نقتله، فقال: ذروني أذهب إلى أهلي، وأكتب وصيتي، وأخبرهم بما عليّ من الديون وغيرها، ثم أرجع، فقيل له: من يكفلك؟ قال: يكفلني فلان، فلا يصح؛ لأنه لو تعذر حضور هذا الذي وجب عليه القصاص لم نتمكن من استيفائه من الكفيل، لكن يلاحظ أن القصاص أهون؛ لأنه إذا تعذر القصاص رجعنا إلى الدية، والدية يمكن أن يقوم بها الكفيل، ولهذا من صحح الكفالة في الحد فيمن يستطيع إحضار المكفول، فإنه يصحح الكفالة فيمن عليه قصاص من باب أولى؛ وذلك لأنه إذا تعذر القصاص لعدم حضور المكفول فإنه يمكن أن يعاد إلى الدية.

والمذهب أنه لا تصح كفالة بدن من عليه قصاص؛ ووجه ذلك أنه لو تعذر حضور المكفول، لم نتمكن من استيفاء القصاص من الكفيل، فتكون الكفالة لا فائدة منها.

فالقاعدة في هذا تؤخذ من التعليل (أن كل شخص لا يمكن الاستيفاء منه لو تغيب المكفول فإنه لا يصح أن يكفل).

مثال آخر: امرأة أمسكت بزوجها ولها ضرة، وقالت: أنت لا تقسم لي، فالليلة المقبلة لي، وأنت لم تحضر قبل ليلتين، أو أربع ليالٍ والآن لا بد من المحاكمة، فقال لها: أمهليني، فقالت: لا أمهلك، فقام رجل فقال: أنا أكفل الرجل أن يحضر إليك، فهذا لا يمكن؛ لأن المكفول لو لم يحضر، فإن الكفيل لا يمكن أن يقوم مقام المكفول.

فالقاعدة أنه متى تعذر الاستيفاء من الكفيل فإن الكفالة لا تصح؛ وذلك لعدم الفائدة منها، وأحكام الله لا تؤخذ باللعب واللغو الذي لا فائدة منه.

قوله: «ويعتبر رضا الكفيل لا مكفول به» وهذا معلوم؛ لأنه سوف يلتزم بحق وإذا لم يرض بذلك فإنه لا يلزم به، والمكفول له لا تمكن له الكفالة إلا بطلب منه، فإذا تقدم إنسان يكفل له، وقال المكفول له: لا حاجة في أن تكفل فلاناً أنا أعرفه، فهنا لا كفالة؛ لأن المكفول له يجوز له إسقاط الكفالة بعد ثبوتها، فعدم قبولها من أول الأمر من باب أولى.

وقوله: «لا مكفولٍ به» المكفول به في الواقع هو الدين أو الحق، والعبارة السليمة: «لا مكفول» يعني لا يعتبر رضا المكفول، فلو قال إنسان لشخص: أنا أكفل فلاناً، فقال المكفول: أنت تكفلني؟! أنا أوثق منك عند الناس وأوفى منك، وأعلى منك حسباً، أنت تكفلني، من أنت؟!

فهنا يقول: أنا لا أرضى أن تكفلني، فهل يعتبر؟

الجواب: لا يعتبر؛ لأن عندنا حقاً للمكفول له، وحقاً للكفيل فهما صاحبا الحق، أما المكفول فليس له حق، لكن كما سبق في الضمان، إذا كان يترتب على هذا سوء السمعة بالنسبة للمكفول، فإنه لا يجوز أن يتقدم أحد في كفالته؛ لأن ذلك يضر بسمعته، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار»[(103)].

قوله: «فإن مات» الضمير يعود على المكفول، أي: إن مات برئ الكفيل حتى من الدين؛ لأنه لما مات المكفول فلا يمكن إحضاره، فإن طالب من له الحق بإحضاره، قال له الكفيل: تعال وأوقفه عند المقبرة، وقال له: خذ حقك منه!! وهذا لا يمكن، ولو قيل هذا القول له، لقال: إنها سخرية بي، فيقال: إذا مات المكفول برئ الكفيل، وهذا من الفروق بين الكفالة والضمان، فالضمان إذا مات المضمون لم يبرأ الضامن، أما الكفالة فإذا مات المكفول برئ الكفيل.

قوله: «أو تلفت العين بفعل الله تعالى» وهذا يعود على ما إذا كفله بعين مضمونة فتلفت العين بفعل الله، مثل أن يأتي سيل عظيم يجترف هذه العين، فهذه تلفت بفعل الله لا بتعدٍّ ولا تفريط فيبرأ الكفيل، ولو كان ضماناً لم يبرأ.

وعلم من قول المؤلف: «بفعل الله» أنها لو تلفت بفعل آدمي فإن الكفيلَ لا يبرأ؛ لأن الكفيل في هذه الحال يمكنه مطالبة المتلف، فيقول للمتلف: أحضر بدل ما أتلفت، لكن إذا كانت العين تلفت بفعل الله فإنه يبرأ ولا ضمان عليه.

قوله: «أو سَلَّم نفسه برئ الكفيل» «سلم» الفاعل هو المكفول، سلم نفسه وجاء في الوقت المحدد فإنه يبرأ الكفيل، وهذا واضح إذا سلمه عند حلول الأجل.

مثاله: الدين يحل في أول يوم من رمضان، فجاء هذا الرجل أول يوم من رمضان وسلم نفسه لصاحب الحق، فإنه يبرأ الكفيل، سواء قدر على الاستيفاء منه أم لم يقدر؛ لأنه إنما التزم بإحضار بدنه وقد حضر.

فإن سلم نفسه قبل حلول الأجل فهل يبرأ؟ فيه تفصيل، إن سلم نفسه قبل حلول الأجل وليس ثَمَّة يد ظالمة تحول بينه وبين استيفاء حقه فلا بأس وإلا فلا؛ لأنه لو سلم نفسه قبل أن يحل الدين، ربما يكون هذا حيلة ليبرأ الكفيل، ثم بعد ذلك يهرب، لكن إذا لم يكن هناك يد حائلة ظالمة تمنع من استيفاء الحق، فلا بأس بأن قال: أنا الآن أسلم نفسي وأعطيك الحق الآن.

وإن أُبرئ المكفول برئ الكفيل، كما ذكرنا في الضمان، إذا برئ المضمون عنه برئ الضامن؛ لأن القاعدة أنه إذا برئ الأصل برئ الفرع، وإن أبرئ الكفيل لم يبرأ المكفول، لأنه لا يبرأ الأصل ببراءة الفرع.

 

----------------------------

 

[96]   أخرجه البخاري في الكفالة/ باب الدين (2298)، ومسلم في الفرائض/ باب من ترك مالاً فلورثته (1619) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[97]   سبق تخريجه ص(18).

[98]   أخرجه الإمام أحمد (3/330) والحاكم (2/58) وصححه، والبيهقي (6/75) عن جابر رضي الله عنه، وحسنه الهيثمي في المجمع (3/39).

[99]   أخرجها الإمام أحمد (3/330)؛ والدارقطني (3/79)؛ والحاكم (2/58) والبيهقي (6/74) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «المجمع» (3/39): «رواه أحمد والبزار وإسناده حسن» وليس فيه: «أوفيت أو أديت»، وإنما فيه: «حق الغريم وبرئ منهما الميت»، وفي لفظ آخر عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: «هو عليك وهو بريء منه»، قال في «المجمع» (3/40): «رواه الطبراني في الأوسط وفيه حكيم بن نافع وثقه ابن معين وضعفه أبو زرعة وبقية رجاله ثقات».

[100] سبق تخريجه ص(188).

[101] أخرجه ابن ماجه في التجارات/ باب بيع الخيار (2185)، وابن حبان (4967) إحسان، والبيهقي (6/17) عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ، وقال البوصيري: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات».

[102] أخرجه البخاري في الوكالة/ باب إذا وكل رجلاً... (2311) معلقاً بصيغة الجزم.

[103] سبق تخريجه ص(37).

 

 

تاريخ التحديث : Feb 19, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com