المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد التاسع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد التاسع
بَابُ الحَوَالَةِ
 

 

بَابُ الحَوَالَةِ

 

قوله: «باب الحَوَالَة» الحوالة معناها التحويل أو التحول، أي: تحول الحق من ذمة إلى ذمة، وهو عبارة عن انتقال الحق من فلان إلى فلان، مثاله: عندي لشخص مائة درهم وعند زيد لي مائة درهم، فجاء يطلبني حقه الذي عليَّ فقلت له: أحلتك به على زيد، فالآن نقلتُ الحق من ذمتي أنا المطلوب، إلى ذمة رجل آخر وهو الذي أنا أطلبه.

وهي من حسن القضاء والاقتضاء؛ لأن المحال إذا قَبِل فقد يسر الأمر على المحيل؛ ولأن المحيل ـ أيضاً ـ إذا أحال صاحبَ الدين بدينه فهذا من التيسير؛ لأن المحيل قد يكون معسراً فيحيله على موسر.

وهي من الإحسان والمعروف، إذا كان فيها تسهيل وتيسير على المكلف.

أما حكمها شرعاً فإنها جائزة بل مستحبة بل واجبة عند بعض العلماء لكن بشروط، والدليل على جوازها قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ومن أحيل بدَينه على مليء فليحتل»[(104)] فهذا أصل في جواز الحوالة، لكنها لها شروط:

الشرط الأول: ذكره المؤلف في قوله:

 

لاَ تَصِحُّ إِلاَّ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، وَلاَ يُعْتَبَرُ اسْتِقْرَارُ المُحَالِ بِهِ، وَيُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ جِنْساً وَوَصْفاً وَوَقْتاً وَقَدْراً، وَلاَ يُؤَثِّرُ الفَاضِلُ.

«لا تصح إلا على دينٍ مستقر» أي: أنه لا بد من استقرار المحال عليه، عندنا الآن دَيْنان، محال به ومحال عليه، وعندنا مُحيل ومحتال ومُحال عليه، فالدَّينان أحدهما عند المحيل والثاني عند المحال عليه، والمحيل هو المطلوب والمحتال هو الطالب والمحال عليه ـ أيضاً ـ هو المطلوب للمحيل.

فلا بد أن يكون الدين المحال عليه مستقرّاً، أي ثابتاً ثبوتاً ليس فيه فسخ أو عرضة لفسخ، كثمن المبيع، والأجرة بعد تمام المدة، والقرض، وغُرم الجنايات، وما أشبهها.

المهم أن يكون على دين مستقر، احترازاً من الدَّين غير المستقر كدين الكتابة.

مثاله: إنسان كاتب عبده بعشرة آلاف، فصار على العبد دين، حيث اشترى نفسه من سيده بعشرة آلاف ريال، فلا يملك السيد الآن أن يحيل على الدين الذي في ذمة المكاتب؛ لأنه غير مستقر، فإذا كان هذا السيد عليه عشرة آلاف وأراد أن يحيل صاحب الدين على دين الكتابة، فقد تحصل وقد لا تحصل، فيكون هذا الذي تحول إما سالماً وإما غارماً، أي: أنه لا يدري هل يغرم أو يحصل على حقه؛ لأن هذا العبد قد يعجز عن تسليم المال المكاتب عليه فيضيع حق المحتال، فلهذا لا بد من أن يكون المحال عليه مستقراً.

كذلك مهر المرأة قبل الدخول غير مستقر على الزوج؛ لأنه لا يستقر إلا بالدخول، فإذا أحالت المرأة به على الزوج صارت الحوالة غير صحيحة؛ لأنه غير مستقر؛ لأنه ما دام لم يدخل فيجوز أن يجد فيها عيباً فيفسخ النكاح ويأخذ المهر كاملاً، ويجوز أن يطلقها فتستحق نصف المهر، ويجوز أن يدخل بها فتستحق المهر كاملاً، إذاً فالمهر هنا دين غير مستقر فلا تصح الحوالة عليه.

قوله: «ولا يُعتبر استقرارُ المحالِ به» أي أن المحال به لا يشترط استقراره وهو الدين الذي على المحيل، والمحال عليه هو الدين الذي على الشخص المحال عليه، فلو أن المكاتب أحال سيده بدينه على من في ذمته دين مستقر للمكاتب، فإن الحوالة صحيحة؛ لأنه لا يشترط استقرار المحال به، ومثل لو أحال الزوج زوجته بمهرها قبل الدخول على شخص يطلبه فيجوز، مثال ذلك: تزوجت امرأة بعشرة آلاف ريال وأطلب رجلاً بعشرة آلاف ريال، فأحلتها بعشرة آلاف ريال على الرجل الذي أطلبُه فهذا يجوز؛ لأن طلبي على فلان مستقر، لكن طلب المرأة عليَّ غير مستقر، لكنه لا يضر؛ لأن استقرار المحال به ليس بشرط، لكن هذه المرأة لا تملك أن تطالب هذا الرجل بمهرها قبل الدخول، لكنها تعرف أن حقها عند هذا الرجل.

فالشرط أن تكون على دين مستقر، فإن كانت على عين فتوكيل، وإن كانت على دين غير مستقر لم تصح، وإن كان على غير دين ولا عين فهذه لا تصح حوالة، لكنها توكيل في الاستقراض.

الشرط الثاني قوله: «ويشترط اتفاق الدَّينين» أي المحال به، والمحال عليه.

قوله: «جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً» أي: اتفاقهما في أربعة أمور:

الأمر الأول: الجنس، بأن يحيل مائة صاع بر في ذمته، على من له في ذمته مائة صاع بر، فإن أحاله بمائة صاع بر على مائة صاع شعير فإنه لا يصح، لاختلاف الجنسين، فهي ليست حوالة ولكنها في الحقيقة بيع.

وأيضاً لو أحاله بعشرة دنانير على عشرة دراهم، فلا يصح لاختلاف الجنسين.

الأمر الثاني: الوصف بأن يكون كل منهما جيداً، أو رديئاً، أو وسطاً، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح أن يحيل جيداً على رديء، ولا رديئاً على جيد، وفي هذا نظر؛ لأنه لا محظور من ذلك، فإذا أحال بجيد على رديء، وقَبِلَ المحال الرديء عن الجيد فما المانع؟ ما دام الجنس واحداً والقدر واحداً، فليس فيه ربا ولا غرر.

فهذا الذي أحيل بالجيد على رديء، يقول: أنا أحب أن آخذ الرديء ولا يبقى حقي في ذمة هذا الرجل الفقير أو المماطل.

وكذلك العكس، لو أحال بمائة صاع رديء على مائة صاع جيد فليس في ذلك شيء؛ لأن المحيل الآن أحال باختياره، كما لو أوفاه جيداً عن رديء.

فالصواب أن الوصف إذا قصد به الرداءة والجودة أنه لا بأس به.

الأمر الثالث: الوقت، وذلك فيما إذا كان الدَّينان مؤجلين، فلا بد من اتفاق الدينين في الأجل، فلا يحيل ما يحل بعد شهر، على ما يحل بعد شهرين، أو ما يحل بعد شهرين على ما يحل بعد شهر؛ وذلك لعدم الاتفاق في الوقت، ولا يجوز أن يحيل مؤجلاً بحال ـ أيضاً ـ للاختلاف في الوقت.

وهذا ـ أيضاً ـ فيه نظر، فأي مانع يمنع إذا أحلت عشرة دراهم تحل بعد شهر، على عشرة دراهم لا تحل إلا بعد شهرين ورضي المحال؟ فليس في ذلك أي ضرر، والصحيح أنه جائز.

قد يقول قائل: إن هذه تشبه بيع الدراهم بالدراهم إلى أجل؟

فيقال: هذا ليس بيعاً، ولكنه استيفاء، ومن المعلوم أنه لو عجل المؤجل، أو أجل المعجل، فإنه لا بأس به، فالصواب إذن أنه لا يشترط اتفاقهما في الوقت.

الأمر الرابع: القدر فيشترط ـ أيضاً ـ اتفاق الدَّينين قدراً، فلا يحيل بعشرة على ثمانية؛ لأن هذا يشبه البيع، والبيع مع التفاضل لا يجوز، فلو أسقط عنه اثنين، وأحاله على فلان بثمانية فهذا يجوز، لأنه لما أسقط الاثنين صار الذي عنده ثمانية، فإذا أحاله بها على من يطلبه ثمانية تساويا.

أما بثمانية على عشرة فلا بأس، ولهذا قال المؤلف:

«ولا يؤثر الفاضل» يعني الزائد في المحال عليه، ولا بأس به؛ لأنه كأنه أحاله على ثمانية من عشرة، وهذا لا بأس به، وهذا معنى قوله: «ولا يؤثر الفاضل» ويبقى الفاضل لصاحبه.

فإن قال: أحلتك بثمانية على عشرة ليقبض كل العشرة؟ فهذا لا يجوز، لأنه صار معاوضة، والمعاوضة بين جنسين ربويين لا بد أن يكون أحدهما مساوياً للآخر إذا كان الجنس واحداً، ومعلوم أنه إذا اختلف الجنس فهو معاوضة من باب أولى.

فصار اتفاقهما في القدر تحته أمران:

الأول: التحويل بالناقص على الزائد، على أساس أنه يأخذ مقدار حقه والباقي يبقى في ذمة المحال عليه، فهذا جائز.

الثاني: التحويل بالزائد على الناقص ـ على كلام المؤلف ـ لا يصح، لكن ما هو الطريق للصحة؟

الجواب: الطريق أن يبرئه من الزائد، ثم يحيله على المساوي.

فإذا قال: أنا أريد أن أبرأ منه نهائيّاً؟ قلنا: الطريق إلى هذا أن يبرئه من الزائد ثم يحيله، وهذه حيلة لا بأس بها؛ لأنها حيلة على مباح.

ولو قيل: إذا لم يكن في المسألة إجماع، فإنه يصح بدون إبراء لكان له وجه؛ لأن حقيقة تحول الدائن على ما هو أقل من حقه حقيقته الإبراء، لكن بدلاً من أن يقول: أبرأتك ثم ذاك يقول: أحلتك، اكتفى بالحوالة.

والخلاصة: (أن الحوالة من باب الاستيفاء، فإذا انقلبت إلى معاوضة صار لا بد من مراعاة شروط البيع المعروفة)، هذه هي القاعدة، أما هذه الشروط التي ذكرها المؤلف فكما سبق أن بعضها فيه نظر.

 

وَإِذَا صَحَّتْ نَقَلَتِ الحَقَّ إِلَى ذِمَّةِ المُحَالِ عَلَيْهِ وَبَرِئَ المُحِيلُ. وَيُعَتَبرُ رِضَاهُ لاَ رِضَا المُحَالِ عَلَيْهِ، وَلاَ المُحْتَالِ عَلَى مَلِيءٍ

قوله: «وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل» وتصح الحوالة بتمام الشروط وانتفاء الموانع؛ لأن كل شيء من عبادة أو معاملة لا يصح إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، فإذا صحت نقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وبرئ المحيل براءة تامة، والحوالة غير الضمان، فالضمان سبق أنه لا ينقل الحق؛ فلا ينقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، وكذلك الكفالة، لكن الحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويبقى المحيل بريئاً.

ولكن يشترط هنا وفي كل عقد أن يكون العاقد جائز التصرف، وكل عقد ـ أيضاً ـ لا بد أن يكون من مالك للعقد أو من يقوم مقامه، فهذان الشرطان يُصطحبان في كل عقد في البيوع والأوقاف والرهون والهبات والأنكحة وغيرها.

ولو فرض أن المحال عليه أعسر، فهل يرجع المحال على المحيل؟

الجواب: لا؛ لأن الحق انتقل وبرئ المحيل براءة تامة.

وقوله: «وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل» ، دليل ذلك قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيل بدينه على مليء فليحتل»[(105)]، أي: يتحول من المحيل إلى المحال عليه، فلو كان رجل عليه مائة ألف، وأحال بها على شخص، وتمت الشروط، ثم إن المحال عليه افتقر، فإن المحال لا يملك الرجوع إلى المحيل، فيقول المحيل: أنا أحلتك والحوالة تمت، وإذا تمت، فإنها تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.

قوله: «ويعتبر رضاه» هذا هو الشرط الثالث من شروط صحة الحوالة.

والدليل على ذلك أن الله ـ تعالى ـ قال: {{إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}} [النساء: 29] ، فالرضا لا بد منه في جميع العقود حتى عقد النكاح ـ على القول الراجح ـ فيما إذا كانت البنت بكراً.

قوله: «لا رضا المحال عليه» المحال عليه لا يعتبر رضاه، فلو أحال رجل بدينه على آخر، وقال المحال عليه: لا أقبل؛ لأن المحتال رجل سيئ الطلب، ويتعب المطلوب، أنا أريد الأول؛ لأنه أسهل وأيسر، فلا يملك ذلك، قال العلماء: لأنه ـ أي: صاحب الحق ـ يملك استيفاءه بنفسه وبوكيله، والمحتال كأنه وكيل، فكما أن لصاحب الحق أن يوكل رجلاً خصماً لدوداً في استيفاء حقه فله أن يحيله أيضاً.

وإذا امتنع المحيل عن الحوالة لكونه فقيراً، فهل يملك صاحب الدين أن يجبره على إحالته على دينه في ذمة غني؟

الجواب: على كلام المؤلف لا يملك؛ لأنه يشترط رضاه على كل حال.

فلو قال الدائن: أنت الآن ليس عندك شيء، لكن لك في ذمة فلان الغني الباذل كذا وكذا، فأحلني عليه، فقال: لا أحيلك، فإنه لا يلزمه، لكن لو رأى القاضي أن إحالته لا بد منها فله ذلك، ونظير هذا، لو أن المدين غيَّبَ ماله وقال: ليس عندي شيء، وكان عنده مال، لكنه غيبه وكتمه، فإنه يُلزم بأن يظهر هذا المال ويوفي منه، فالقول بأنه في هذه الحال لا يعتبر رضاه وأنه يجبر على الإحالة قول قوي؛ لئلا يضيع حق صاحب الدين.

قوله: «ولا المحتال على مليء» المحتال في رضاه تفصيل إن كان على مليء لم يعتبر رضاه، وإن كان على غير مليء اعتبر رضاه؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم بدينه على مليء فليحتل»[(106)] ، ومفهومه أنه إذا أحيل على غير مليء لا يلزمه الاحتيال، فصار المحيل والمحتال والمحال عليه باعتبار الرضا على ثلاثة أقسام:

الأول: من يعتبر رضاه بكل حال وهو المحيل.

الثاني: من لا يعتبر رضاه على كل حال وهو المحال عليه.

الثالث: من فيه التفصيل وهو المحتال، إن كان على مليء لم يشترط رضاه، وإن كان على غير مليء اشترط رضاه.

ومن هو المليء؟

الجواب: قال العلماء: هو القادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه.

أما «قوله»: فألا يكون كاذباً يَعِدُ ويُخْلِفُ، وهذا هو المماطل، فإذا أحاله على شخص غني، لكن من عادَته أن يماطل فيعد ويكذب، فإنه يعتبر رضا المحتال.

«وماله» بأن يكون عنده مال يستطيع الوفاء منه، فإن كان فقيراً اعتبر رضا المحتال.

«وبدنه» وهو أن يمكن إحضاره عند المحاكمة إلى مجلس الحكم، فإن كان لا يمكن محاكمته شرعاً أو عادة، فإنه لا يلزمه أن يتحول، ولا بد من رضاه.

والذي لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم شرعاً الأب، فإن العلماء ـ رحمهم الله ـ يقولون: لا تمكن مطالبة الأب بالدَّيْن، إلا ما كان من النفقة فقط، أما غيره فلا يمكن، فلو استقرض أبوك منك مالاً، وطالبته به فلا يمكن أن تحضره إلى مجلس الحكم، ولو طالبته أن يحضر فإن القاضي لا ينظر في ذلك، فإذا أحالك إنسان إلى أبيك، فقال: أنت تطالبني بعشرة آلاف، وأنا أطالب والدك بعشرة آلاف، أحيلك على أبيك، فهل لك أن ترفض؟ هذه مشكلة؛ لأنك لو رفضت، صار قدحاً عظيماً في والدك، وإن قبلت ربما يضيع حقك.

ونحن عرفنا المسألة فقهاً، أما واقعاً، فينبغي للإنسان أن ينظر إلى ما يترتب على ذلك من مفاسد، فقد يكون بره بأبيه ورفع معنوية أبيه خيراً من أن يحصل على مقصوده.

ومثال من لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم عادة السلطان.

مثاله: إنسان يطلب منك عشرة آلاف ريال، وأنت تطلب من الأمير عشرة آلاف ريال، فقلت: أحلتك على الأمير، فهنا لا يلزمه القبول، ولا بد من رضاه؛ لأن الأمير لا تمكن مطالبته، فإذا ألزمناه بأن يتحول صار هذا سبباً لضياع حقه، والظلم ظلمات يوم القيامة.

إذاً رضا المحتال فيه تفصيل: إن كان على مليء لم يُعتبر رضاه، وإن كان على غير مليء اعتبر رضاه، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وهو ما مشى عليه المؤلف، بناء على أن الأمر في قوله: «فليحتل» للوجوب، وعلى هذا فيجبر المحتال أن يتحول وتبرأ ذمة المحيل إذا كان المحال عليه مليئاً.

وذهب أكثر العلماء إلى اعتبار رضاه حتى وإن أحيل على مليء، وقالوا: إن أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «فليحتل»[(107)] ، على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب؛ لأنه من حُسن الاقتضاء، وأنا أميل إلى هذا القول وأنه لا يجب قبول التحول؛ لأنه صاحب حق، وأنت ربما تُحيلني على مليء، قادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه، وأستطيع أن أحضره إلى مجلس الحكم، لكن له احترام عندي، إما أنه أخ، أو قريب، أو صديق، أو ذو شرف وجاه، فكيف تجبرني؟ أو بالعكس، فلا أُنَزِّل نفسي بمنزلة هذا السفيه مثلاً.

فالصواب أنه لا بد من رضا المحتال سواء كان على مليء أم على غير مليء، وهو قول الجمهور.

 

وَإِنْ كَانَ مُفْلِسَاً وَلَمْ يَكُنْ رِضِيَ رَجَعَ بِهِ وَمَنْ أُحِيلَ بِثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ أُحِيلَ بِهِ عَلَيْهِ فَبَانَ البَيْعُ بَاطِلاً فلا حَوَالَةَ، وإذا فُسِخَ البيعُ لم تَبْطُلْ. ولَهُمَا أَنْ يُحِيلا.

قوله: «وإن كان مفلساً» أي: المحال عليه.

قوله: «ولم يكن» أي: المحتال.

قوله: «رضي» أي: بالحوالة عليه.

قوله: «رجع به» أي: بما أحيل به.

مثال ذلك: أحلت فلاناً على زيد ثم تبين أنه مفلس، فإنه يرجع بذلك؛ لأن صاحبه كان مفلساً، لكن إن رضي المحتال، وتبين أن المحال عليه مفلس، فإنه لا يرجع، وهذه المسألة لها ثلاث حالات:

الحال الأولى: ألا يكون المحتال رضي، بأن قال المحيل للمحتال: أحلتك على فلان وهو مفلس ليس عنده دراهم، فقال: لا أقبل، فهنا يرجع قولاً واحداً، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه يشترط للمحتال على غير مليء أن يكون راضياً، وهنا لم يرض، فيرجع بلا خلاف.

الحال الثانية: أن يعلم أنه مفلس ويرضى بذلك، فهنا لا يرجع بلا خلاف؛ لأنه رضي به فلا يرجع.

الحال الثالثة: أن يرضى وهو لا يعلم بحاله ثم يتبين أنه مفلس، فعلى كلام المؤلف لا يرجع؛ لأنه قيد ذلك بما إذا لم يكن رضي، وهذا الرجل رضي.

فإن قال المحتال: أنا رضيت، أحسب أن فلاناً غني، فلما تبين أنه مفلس أريد أن أرجع إلى الذي أحالني، وآخذ حقي منه؟

قلنا: لا رجوع لك؛ لأنك فرطت، فلماذا لم تشترط الملاءة حين أحالك، وأنت لا تدري عن صاحبك المحال عليه؟

فيقال: ما دمت أنك لم تشترطها فأنت الذي فرطت فلا رجوع لك.

فالأحوال إذن ثلاث :

حالتان لا خلاف فيهما، وحالة فيها التفصيل.

الأولى: إذا كان يعلم أنه مفلس ورضي، فلا رجوع، قولاً واحداً.

الثانية: إذا كان لم يرض، والمحال عليه مفلس، فيرجع بكل حال.

الثالثة: إذا كان رضي، ولم يعلم عن حال المحال عليه، ثم تبين أنه مفلس فيقول المؤلف: إنه لا يرجع؛ لأنه مفرط، فلماذا لم يشترط أن يكون المحال عليه مليّاً حين كان يجهل حاله؟

وقيل: إنه يرجع في هذه الحال؛ لأن كثيراً من الناس قد يستحي أن يستفصل أو يشترط عند الحوالة، ويحسن الظن بالمحيل والمحال عليه ويسكت، فإذا تبين أنه مفلس فإنه يرجع، ولا سيما إذا غلب على ظننا أن المحيل قد غرَّه، وهو يعلم أنه مفلس ولم يخبره، فهنا يتوجه القول بالرجوع.

كذلك ـ أيضاً ـ لو كانت حال المحال عليه جيدة، وكان غنيّاً بالأمس، وقَبِلَ المحتال الحوالة دون اشتراط الملاءة، بناءً على حال المحال عليه، وأنه غني، ثم تبين أن المحال عليه قد أصيب بجائحة، وأنه لا يمكن الاستيفاء منه، فحينئذٍ يتوجه القول بأنه يرجع؛ لأن المحتال إنما قبل بناءً على ما كان من حال المحال عليه.

فتبين الآن ما ذهب إليه المؤلف، والراجح فيه تفصيل، وهو أننا إذا علمنا أن المحيل قد غر المحتال بحيث يكون عالماً بإفلاس المحال عليه ولم يخبره، أو كان المحتال قد بنى على حال المحال عليه من قبل، حيث كان غنيّاً ثم اجتيح ماله فإن له أن يرجع، وإلا فإن ما ذهب إليه المؤلف وجيه؛ لأن المحتَال مفرِّط، إذ كان يلزمه أن يسأل ويبحث عن المحال عليه، أو على الأقل أن يشترط عند التحويل أن يكون مليّاً.

قوله: «ومن أحيل بثمن مبيع، أو أحيل به عليه فبان البيع باطلاً فلا حوالة، وإذا فسخ البيع لم تبطل» الصورة الأولى عندنا بائع ومشترٍ ومحال عليه، ثلاثة، فالذي يُحال بثمن المبيع البائع، يعني أن المشتري أحال البائع على مدين له فَقَبِل الحوالة، ولكن تبين أن البيع باطل، فالحوالة باطلة؛ وذلك لأن المبني على باطل يكون باطلاً.

مثال ذلك: عبد الرحمن اشترى من الطاهر كتاباً بعشرة ريالات، فأحال عبدُ الرحمن الطاهرَ على سامي، لأنه كان مديناً له، فتبين بطلان البيع لكون الكتاب وقفاً والوقف لا يباع، فهنا تبطل الحوالة والبائع يرجع على المشتري بالمبيع، وهو هنا الطاهر فيأخذ كتابه وتنتهي المسألة.

ولكن إذا فسخ البيع فإنها لا تبطل، مثلاً لما اشترى عبد الرحمن الكتاب من الطاهر وجد فيه عيباً، فرده لعيبه، فهذا فسخ للعقد فالحوالة لا تبطل، وللطاهر أن يطالب سامياً بالثمن؛ لأنه أحيل عليه به، فله أن يطالبه، ولكنه إذا قبضه يرده إلى المشتري وهو عبد الرحمن؛ لأنه فسخ العقد.

إذاً إن كانت الحوالة مبنية على باطل فهي باطلة، وإن كانت مبنية على صحيح ولكن فُسخ، فالحوالة صحيحة ولا تبطل.

فإن طالب الطاهر ـ الذي هو البائع ـ المحال عليه ـ وهو سامي ـ بالثمن، فقال سامي: ما دام البيع قد فسخ فلا حق لك، أنا أعطي ديني الذي عليَّ لصاحبي فهل يملك ذلك؟ لا يملك هذا؛ لأن المفروض أن الذي يسلم الثمن بعد الفسخ هو البائع، وهو سيقول: إن البيع لما فسخ فإن المشتري سوف يطالبني، فأعطني الدراهم التي أُحلت بها عليك وأنا أسلمها للمشتري.

وقوله: «أو أحيل به عليه» هذه هي الصورة الثانية، أي: أحيل بثمن المبيع على شخص، أي أن البائع أحال شخصاً يأخذ الثمن من المشتري، يعني عكس الصورة الأولى، مثلاً الطاهر باع كتاباً لعبد الرحمن، وسامي يطلب الطاهرَ ديناً له عليه فأحال الطاهرُ سامياً على عبد الرحمن.

فللمسألة صورتان، تارة يحيل المشتري البائعَ على مدين له، وتارة يحيل البائعُ مدينَه على المشتري.

قوله: «ولهما أن يحيلا» يعني للمشتري في الأولى، وللبائع في الثانية.

ففي المثال الأول عبد الرحمن اشترى من الطاهر كتاباً بعشرة ريالات وأحال الطاهرَ على سامي بالعشرة، فثبتت العشرة التي في ذمة سامي للطاهر، فللطاهر لما فسخ البيع أن يحيل المشتري ـ عبد الرحمن ـ على سامي؛ لأن عبد الرحمن لا يملك مطالبة سامي؛ لأن الحق انتقل إلى البائع ـ الذي هو الطاهر ـ فللبائع أن يحيل عبد الرحمن على سامي.

فالطاهر الآن صار مديناً للمشتري ـ عبد الرحمن ـ فأحاله على مدينه ـ سامي، وسامي كان مديناً لعبد الرحمن ـ المشتري؛ ثم صار مديناً للبائع ـ الطاهر ـ فأحال البائع بدينه عليه.

وفي المسألة الثانية: [المثال الثاني] بالعكس، البائع أحال مدينه على المشتري.

مثال ذلك: اشترى عبد الرحمن من الطاهر كتاباً بعشرة ريالات، فثبت في ذمة عبد الرحمن للطاهر عشرة ريالات، كان سامي يطلب الطاهر عشرة ريالات، فقال له الطاهر: أحلتك على عبد الرحمن ـ المشتري ـ فإذا فسخ البيع، فإن سامياً سوف يستلم من المشتري ـ عبد الرحمن ـ وهنا سوف يحيل المشتري ـ عبد الرحمن ـ سامياً على البائع ـ الطاهر ـ.

 

-------------------------------

 

[104]  سبق تخريجه ص(91).

[105]  سبق تخريجه ص(91).

[106]  سبق تخريجه ص(91).

[107]  سبق تخريجه ص(91).

 

 

تاريخ التحديث : Feb 19, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com