المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد التاسع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد التاسع
بَابُ الصُّلح
 

 

بَابُ الصُّلح

 

قوله: «باب الصلح» الصلح مصدر صالح يصالح صلحاً، ويشتق منه ـ أيضاً ـ أصلح يصلح إصلاحاً، وهو في اللغة قطع النزاع.

والصلح عقد يحصل به قطع النزاع بين المتخاصمين ، هذا هو الأصل، وله أنواع كثيرة، ويتعلق بجميع الحقوق المالية وغيرها، فكلها يمكن أن يقع فيها الصلح، قال الله تعالى: {{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}} [النساء: 128] .

وهذا فيما بين الزوجين من حقوق، وقال الله تعالى: {{لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}} [النساء: 114] ، وجاز شرعاً أن يكذب الإنسان من أجل السير إلى الصلح والمصالحة بين الناس، وحث الشرع على الإصلاح بين الناس، وثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه صالح المشركين في غزوة الحديبية[(108)]، وهذا فيما يقع بين المسلمين والمشركين من العهود.

ولكن يمتنع الإصلاح في حالة واحدة، وهي ما إذا تبين للقاضي أن الحق مع أحد الخصمين، فإن الصلح هنا ممتنع ولا يجوز ما لم يبين لصاحب الحق أن الحق له، ثم يطلب منه الصلح؛ لأنه يوجد قضاة علمهم ضعيف، فكل مسألة ترد عليهم يجعلونها صلحاً، وهذا حرام ولا يجوز.

المهم أن الصلح جارٍ في كل شيء، وبين كل متعاقدين، وهو كما جاء في الحديث المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول «الصلح جائز بين المسلمين» ، أي في كل شيء، وجائز بمعنى نافذ، «إلاَّ صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» [(109)]، أي: فإنه لا ينفذ.

والصلح أنواع، فيكون في الحقوق والأموال والأعراض، كل شيء، ولهذا أطلق الله ـ سبحانه وتعالى ـ فقال: {{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}} [النساء: 128] وهنا في هذا الباب، يريد الفقهاء به الصلح في الأموال، ويذكرون الصلح في النزاع بين الزوج وزوجته في باب عِشْرَة النساء، وفي باب أهل الزكاة في الغارم لإصلاح ذات البين، ففي كل موضع بحسبه، فالذي معنا هنا الصلح في الأموال، وهو على نوعين صلح على إقرار وصلح على إنكار، أي: الصلح يكون على شيء أقرَّ به مَنْ عليه الحق، ويكون على شيء أنكره من عليه الحق.

الأول: الصلح على إقرار، وقد بينه المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله: «إذا أقر له بدين أو عين فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صح» .

 

إِذَا أقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أوْ عَيْنٍ فَأسْقَطَ أَوْ وَهَبَ البَعْضَ وَتَرَكَ البَاقِيَ صَحَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَاهُ، وَمِمَّنْ لاَ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ.

قوله: «إذا أقر له بدين» بأن قال: في ذمتي لك ألف ريال.

وقوله: «أو عين» بأن قال: هذا المسجل لك.

وقوله: «فأسقط» يعود على الدين.

وقوله: «أو وهب» يعود على العين، ففيه لف ونشر مرتب، يعني يذكر شيئين ثم يثني بمثل حكمهما مرتباً؛ لأنه أعاد الأول على الأول والثاني على الثاني، ومن ذلك قوله تعالى: {{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ *خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ *}{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ}} [هود] ، فهذا يسمى لفّاً ونشراً مرتّباً.

وهناك لف ونشر غير مرتب، بأن يُذكر ما يعود على الثاني، ثم ما يعود على الأول، قال الله تعالى: {{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ}} [آل عمران: 106] ، هذا لف ونشر غير مرتب.

وهذه كلها من أساليب البلاغة، ولا بد لكل ما خالف الأصل من فائدة، وإلا فالأصل أن يكون اللف والنشر مرتبين.

وقوله: «فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صح» ، بأن قال حينما أقر له بمائة ريال قال: أسقطت عنك خمسين ريالاً صح؛ لأن هذا إبراء محض وإحسان ومطلوب، ولكن قد يقال: أين هذا من الصلح؟ فهل حصل نزاع حتى يحصل صلح؟! الجواب: الفقهاء يقولون: لو وقع هذا بلفظ الصلح لم يصح، وهذا وجه إدخاله في باب الصلح، فلو أن صاحب الحق قال للمقر: قد صالحتك على بعض الدين، يقولون: لا يصح، لأنه لا يمكن أن يصالحه عن ماله ببعضه، لكن القول الثاني أنه يصح بلفظ الصلح؛ لأن المقصود المعنى.

وكذلك لو أقر له بعين فقال: وهبتك نصفها أو ربعها أو ما أشبه ذلك فإنه جائز، لكن لو قال: صالحتك بنصفها فالفقهاء يقولون: لم يصح؛ وهذا وجه إدخاله في باب الصلح، والصحيح أنه يجوز ولو وقع بلفظ الصلح ولكن بشروط:

قوله: «إن لم يكن شرطاه» أي: المتنازعان، أو إن لم يكن شرطاً، أي: بشرط ألا يكون المقر أقر للشخص بهذا الشرط، أي: بأن منعه حقه إلا بأن يسقط أو يهب، فإن كان كذلك فإنه لا يجوز؛ لأنه لا يحل له أن يمنعه حقه إلا إذا تنازل عن بعضه فهذا حرام، ومن أكل المال بالباطل، ولكن هل لا يجوز للمسقِط أو لا يجوز للمسقَط عنه؟ أيهما الظالم؟

الجواب: الظالم هو المسقَط عنه، إذا قال: أنا أقر لك بهذا الدين بشرط أن تسقط كذا وكذا، فالظالم المسقَط عنه، إذا كان الدَّين حقيقة ثابتاً، فيشترط ألا يكون شرطاه، فإن شرطاه فإنه لا يصح، لكن في حق المعتدي منهما؛ لأن العبرة بما في الأمر نفسه.

قوله: «وممن لا يصح تبرعه» هذه الجملة معطوفة على قوله: «شرطاه» يعني وإن لم يكن ممن لا يصح تبرعه، أي: ويشترط ـ أيضاً ـ ألا يكون ممن لا يصح تبرعه، أي: بذله المال مجاناً، وهناك فرق بين من يصح تبرعه ومن يصح تصرفه، فالذي يصح تصرفه أوسع من الذي يصح تبرعه، فمثلاً ولي اليتيم يصح تصرفه ولا يصح تبرعه، وكذلك الوكيل.

إذاً يشترط أن يكون الإسقاط أو الهبة ممن يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم يصح الإسقاط ولا الهبة لفوات الشرط.

فإذا أسقط ولي اليتيم بعض دينه وأخذ الباقي فلا يصح الإسقاط؛ لأن ولي اليتيم لا يصح تبرعه، ولكن قد يقال: إنه إذا لم يتمكن من الوصول إلى حقه إلاّ بالإسقاط، فإن الإسقاط جائز؛ لما في ذلك من المصلحة، فمثلاً هذا رجل مماطل وأنا بعت عليه على أنه رجل موفٍ وأنه مليء ثم تبين الأمر بالعكس، ثم صالحته على إسقاط بعض الشيء، فهنا استدراك بعض الشيء خير من فوات الكل، فيدخل في عموم قوله تعالى: {{وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ}} [الأنعام: 152] وهل يضمن الولي في هذه الحال؟

الجواب: ينظر إن كان مفرطاً ضمن، وإن كان غير مفرط لم يضمن.

ومن الشروط ـ أيضاً ـ ألا يقع بلفظ الصلح؛ لأنه لا يصح أن يصالح بشيء من ماله على ماله.

مثاله: أن يقول: أقرضتك مائة درهم فصالحني على بعضها، فيقول: صالحتك، فهذا لا يصح. هكذا قالوا ـ رحمهم الله ـ.

ولكن ينبغي أن يقال: إذا فهم من هذه المصالحة أنها إسقاط في دين، أو هبة في عين، فينبغي قَبول ذلك؛ لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ، فإذا علمنا أن مرادهما بالمصالحة، الهبة في العين، والإسقاط في الدين، فلا مانع.

صحيح أن المصالحة لا تكون إلا بعد نزاع، ولا تكون إلا لفض النزاع، وهنا لا نزاع في المسألة؛ لأنه إقرار وهبة، لكن يقال: ما دمنا عرفنا أن المقصود بالمصالحة هنا، الإسقاط في الدين، والهبة في العين، فإن الألفاظ قوالب في الواقع، والعبرة بالمعاني.

إذاً هذا يسمى الصلح على إقرار، وشرطه ألا يكون مشروطاً، ومن باب أولى ألا يمنعه حقه بدونه، فإن منعه حقه بدونه، قال: لا أقر لك إلا أن تسقط، فإنه لا يصح، وهذا معنى قولنا: ألا يكون شرطاً، والثاني: أن يكون ممن يصح تبرعه.

 

وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الحَالِّ وَأجَّلَ بَاقِيَهُ صَحَّ الإسْقَاطُ فَقَطْ. وَإِنْ صَالَحَ عَنْ المُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالاًّ، أَوْ بِالعَكْسِ، ................

قوله: «وإن وضع بعض الحال وأجَّل باقيه صح الإسقاط فقط» أي: دون التأجيل.

مثال ذلك: إنسان عنده لشخص مائة درهم قد أقر بها، فقال له: أنا أريد أن تسقط عني خمسين درهماً وتؤجل الباقي، فقال: لا بأس أفعل، ففعل.

يقول المؤلف: يصح الإسقاط ولا يصح التأجيل، فيصح الإسقاط؛ لأنه أسقط عنه، فقال: وضعت عنك خمسين درهماً، وفي ذمتك خمسون درهماً، لكن التأجيل لا يصح؛ لأن الفقهاء عندهم ـ رحمهم الله ـ قاعدة: وهي أن الحال لا يمكن أن يتأجل، ولا يقبل التأجيل، ولهذا مر علينا في القرض، أنه إذا استقرض شيئاً، وأجَّل وفاءه، فإنه لا يصح التأجيل ولا يلزم.

ولكن الصحيح في هذه المسألة، وفي مسألة القرض أنه يصح، فإذا قال: وضعت عنك خمسين درهماً وأجَّلت الخمسين، فإنه يجب أن يفي بوعده؛ لأن إخلافَ الوعدِ ـ ولا سيما في مثل هذه الأمور المالية التي قد يترتب عليها ضمان أو نقص ـ محرمٌ، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال محذراً منه: «آية المنافق ثلاث ومنها إذا وعد أخلف» [(110)]، ويلزمه خمسون مؤجلة.

فالصواب أنه يصح الوضع، وأن الحال يتأجل بالتأجيل وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ لأنه عهد ووعد، وقد قال الله تعالى: {{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ}} [الإسراء: 34] ، ولأن هذا الذي أجلته عليه ربما يبني على تأجيلك إياه تصرفاً لولا أنك أجلته لم يتصرفه، فإذا قلت: أعطني إياه الآن تضرر، ونظير ذلك جئت إلى رجل وقلت: أنا محتاج عشرة آلاف ريال، اشتري سيارة وليس عندي شيء أقرضنيها وأجلها إلى سنة، فقال: تفضل، فأخذتها واشتريت السيارة، فلما اشتريت السيارة، أتى إليَّ من الغد وقال: أعطني عشرة آلاف الريال، على المذهب له أن يطالبني؛ لأن القرض حال والحال لا يتأجل، فيترتب عليَّ من الضرر الكثير، ولا شك أن هذا حتى الفطرة السليمة لا تقبله، وأما على رأي شيخ الإسلام فإنه يتأجل لعموم: «المسلمون على شروطهم» [(111)].

قوله: «وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاً» فإنه لا يصح.

مثاله: رجل في ذمته لآخر مائة درهم مؤجلة إلى سنة، وفي أثناء السنة جاء الدائن للمدين، وقال: أعطني منها خمسين وأبرئك من الباقي، يقول المؤلف: «لم يصح» ؛ لأن هذا يشبه الربا، حيث أخذ عن المائة خمسين.

والصواب أنه جائز، وأن الإنسان إذا أخذ البعض في المؤجل وأسقط الباقي فإن ذلك صحيح؛ لأن السنة وردت به في قصة إجلاء بني النضير من المدينة، حيث قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ضعوا وتعجلوا» [(112)]، ضعوا أي: أسقطوا، وتعجلوا أي: المؤجل؛ ولأن فيه مصلحة للطرفين، أما الطالب فمصلحته التعجيل، وأما المطلوب فمصلحته الإسقاط، ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بمنع عقد فيه مصلحة للطرفين، وليس فيه غرر ولا جهالة، وأيضاً فإن الربا في هذا بعيد جداً؛ لأن المدين لم يطرأ على باله حين استدان أنه سوف يرده أنقص معجلاً، فمحظور الربا بعيد جداً، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ـ رحمه الله ـ.

لكن لو أجبر أحدهما الآخر على هذا الفعل فإنه لا يصح، أي: لو قال المطلوب للطالب: هذا نصف حقك أعجله لك، وأسقط عني الباقي، قال: لا، أنا أريد حقي كاملاً متى حلَّ، فإنه لا يجبره.

فإن أعطاه حقه كاملاً حالاً عن المؤجل فهل يجبره أو لا؟

الجواب: في هذا خلاف، فالمذهب لا يجبره.

والصواب: أنه يجبره ما لم يكن عليه ضرر.

مثال ذلك: إنسان في ذمته لشخص مائة درهم تحل بعد سنة، وقبل تمام السنة جاء المطلوب إلى الطالب بالمائة درهم، وقال: خذ حقك، قال: لا، حتى تحل، فهل يجبر الطالب؟

في هذا خلاف، فالمشهور من المذهب أنه لا يجبر؛ لأنه حق مؤجل لا يلزمه قبل أجله.

والصحيح أنه يجبر إلا إذا كان في ذلك ضرر عليه؛ ووجه ذلك أنه إذا عجل له دينه فهو مصلحة بلا مضرة، وفيه مصلحة للمطلوب؛ لأن المطلوب يقول: الآن توفر عندي المال، وأخشى إذا جاء أجل الدين ألا يكون عندي مال، فيكون في هذا ضرر عليك.

فالصواب أنه إذا عجل المؤجل فإنه يلزم الطالب القبول ويجبر عليه؛ لأنه زاده خيراً، إلا إذا كان فيه ضرر، بأن قال الطالب: نحن الآن في وقت خوف، وأخشى أن آخذ المال منك فيسرق، أو قال: إني على سفر وليس عندي ما أودعه به، وما أشبه ذلك فإنه لا يلزم بالقبول.

قوله: «أو بالعكس» أي إذا صالح عن الحال بزائد عليه مؤجل، فإنه لا يصح.

مثال ذلك: رجل في ذمته لشخص مائة درهم حالة، فقال المطلوب: أصالحك على أن تؤجل الحق، وتكون بمائة وعشرة، فهذا لا يجوز؛ ووجه ذلك أنه ربا، وهذا هو الربا الذي كانوا يتعاطونه في الجاهلية والذي قال الله فيه: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *}} [آل عمران] ، فإن صالح عن بعضه مؤجلاً، فهي المسألة الأولى، ولهذا اضطررنا إلى أن نقول: «بالعكس» أن يصالح عن الحال بأكثر منه مؤجلاً لا ببعضه مؤجلاً بل بأكثر منه مؤجلاً، فإنه لا يصح، والعلة واضحة.

 

أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِبَيْتٍ فَصَالَحَهُ عَلَى سُكْناهُ، أَوْ يَبْنِيَ لَهُ فَوْقَهُ غُرْفَةً، أَوْ صَالَحَ مُكَلَّفاً لِيُقِرَّ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، أَوْ امْرأةً لتُقرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ بِعِوَضٍ لَمْ يَصِح...............

قوله: «أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه» أي: أقر لشخص ببيت وصالحه على أن يسكنه، فهذا صلح على إقرار، بأن قال: هذا البيت لك ولكن صالحني على أن أسكنه لمدة سنة، فإنه لا يصح؛ لأنه صالح عن بعض ماله ببعضه، ولكن يمكن أن نقول في مثل هذا، إذا أقر له بالبيت: إن للمُقَرَّ له أن يمنحه إياه للسكن سنة ـ مثلاً ـ أو أقل أو أكثر، أما أن يجعل ذلك صلحاً فلا يصح.

قوله: «أو يبني له فوقه غرفة» فلا يصح، لأنه صالح عن ماله ببعض ماله، فإذا قال: الذي فوق ليس لك؟ نقول: له إلى السماء، وإلى الأرض السابعة، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه يوم القيامة من سبع أراضين» [(113)]، والغالب أن مثل هذا لا يتأتى إلا إذا امتنع المقر من الإقرار إلا أن يبنيها له، أما أن يقر ويقول: البيت بيتك، ثم يقول: صالحني على أن أبني، هذا لا يستقيم في الغالب إلا إذا منعه، وسبق لنا أن الصلح على إقرار إذا كان بشرط أو منع حقه بدونه فإنه لا يصح.

قوله: «أو صالح مكلفاً ليقر له بالعبودية» وهذا يقع حيلة في الغالب، مثاله: قال: يا فلان أنا أريد أن أدعي أنك عبدي، تعال فأَقِرْ عند القاضي ففعل، فذهبا إلى القاضي، وقال: هذا عبدي وأريد أن توثق ملكي به، فقال: نعم، فكتب وثيقة بأن فلاناً بن فلان عبد لفلان، فهذا لا يصح؛ لأن الحر لا يمكن أن يكون عبداً، بل قد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: قال الله ـ تعالى ـ: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرّاً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يؤته أجره»[(114)].

فإن قال قائل: وهل يمكن هذا؟

الجواب: نعم بأن يتفق اثنان على أن يقر أحدهما للآخر بالعبودية، ثم إن المقر له يبيعه، ويأخذ الثمن ويقول للذي أقر بالعبودية: الثمن بيني وبينك ثم يوصيه، ويقول: إذا بعتك على فلان وأخذت الثمن فعليك بالإباق، إذاً نقول: هذه المصالحة لا تصح، وهي حرام ومن كبائر الذنوب؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر أن الله خصم هؤلاء، وهذا وعيد.

وقوله: «أو صالح مكلفاً» عبر بقوله: مكلفاً؛ لأن غير المكلف لا يصح إقراره أصلاً، وإذا كان لا يصح إقراره فإنه لا تصح المصالحة معه.

قوله: «أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض لم يصح» ، مثاله: الدولة فرضت للإنسان الأعزب شيئاً من بيت المال وللمتزوج ضعفه، فطلب إنسان من امرأة أن تقر بأنها زوجته؛ ليعطى مكافأة متزوج، وفعلت، فهذا حرام؛ لأنه يترتب على هذا أمور كثيرة، لو أنه مات لورثته، ولو ماتت لورثها، ثم لو أتت بولد زنا لألحق بهذا الرجل الذي أقرت له بالزوجية، وترتب عليه مسائل كثيرة، فلا يحل أن يصالح امرأة لتقر له بالزوجية.

هذا لو صالح امرأة لتقر له بعوض، فلو صالحها بغير عوض فالحكم كذلك، ولكن في الغالب أنه لا يكون إلا بعوض، إما عين وإما منفعة أو غير ذلك.

مسألة: لو كانت المرأة زوجة حقيقية وأنكرت أنها زوجته، والشهود قد ماتوا ووثيقة النكاح ضاعت، ولم يبق الآن إلا إقرارها، فصالحها لتقر له بالزوجية فما حكم هذا الصلح؟

الجواب: هذا بالنسبة للمرأة حرام عليها أن تأخذ عوضاً عن هذا الإقرار لأنها امرأته، أما بالنسبة للرجل فهو جائز أن يبذل العوض، لأن فيه استنقاذاً لحقه، ونظير ذلك لو أن أحداً أخذ منك شيئاً وأبى أن يقر أنه لك إلا بعوض تعطيه إياه، فأعطيته إياه فهذا بالنسبة لك جائز، وبالنسبة له محرم.

 

وَإِنْ بِذَلاَهُمَا لَهُ صُلْحاً عَنْ دَعْوَاهُ صَحَّ، وَإِنْ قَالَ: أَقِرَّ بِدَيْنِي وَأعِطيكَ مِنْهُ كَذَا فَفَعَلَ، صَحَّ الإِقْرِارُ لاَ الصُّلْحُ.

قوله: «وإن بذلاهما له صلحاً عن دعواه صح» «بذلاهما له» يعني بذل المُدَّعى عليه العبودية والمُدَّعى عليها الزوجية، والضمير في «هما» للعوضين، «وله» الضمير يعود على المدعي «صلحاً عن دعواه صح» ، لأن المراد بذلك دفع الدعوى فقط فيصح.

مثال ذلك: رجل قال لآخر: أنت عبدي وألح عليه، وقال له: نذهب إلى المحكمة لأثبت أنك عبدي، إما أن نذهب إلى القاضي أو تعطيني ألف درهم، وهذا الذي ادعيت عليه العبودية لا يريد مشكلات ففعل، قال: خذ ألف درهم ولا نذهب للقاضي، فهذا يصح، فالإقرار غير صحيح ظاهراً، أما في الآخرة فالظالم منهما لا يصح الإقرار في حقه، ويصح في حق المظلوم.

وكذلك بالنسبة للزوجية، رجل أمسك امرأة وقال: أنت زوجتي، فأنكرت وقالت: لست بزوجة لك، فأصر إلا أن تقر، أو تذهب إلى المحكمة، فقالت: هذه ألف درهم صلحاً عن دعواك، فهنا يصح في حقها هي ظاهراً وباطناً، ويصح في حق المدعي ظاهراً لا باطناً، ولهذا يحاسب عند الله ـ عزّ وجل ـ على كذبه على هذه المرأة.

قوله: «وإن قال: أقرَّ بديني وأعطيك منه كذا ففعل صح الإقرار لا الصلح» .

مثاله: رجل قال: أقر بديني ولك نصفه، بأن قال: أنا أطلبك بعشرة آلاف ريال، أقر بها ولك منها خمسة آلاف، قال: نعم، فأقر بها عند القاضي بأن في ذمتي لفلان عشرة آلاف ريال، على أنه سيعطيه منها خمسة آلاف، فيصح الإقرار؛ لأنه وقع من أهله ولا يصح الصلح؛ لأنه أكل للمال بالباطل.

ولكن الصحيح أن في هذا تفصيلاً، فإذا كان المدين أبى أن يقر إلا بهذا، فالصلح باطل والإقرار ثابت، يُطَالَبُ به ظاهراً، وأما إذا كان غير ممانع وهو مقر فإن إسقاط بعضه يكون من باب الوعد، والصحيح أن الوفاء بالوعد واجب، وأنه لا يجوز للإنسان أن يخلف الوعد؛ لأن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، ما لم يكن هناك ضرر.

 

فصلٌ

 

وَمن ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ فَسَكَتَ، أَوْ أَنْكَرَ وَهَوَ يَجْهَلُهُ ثُمَّ صَالَحَ بِمالٍ صَحَّ.

قوله: «فصل» هذا الفصل فيه الصلح على إنكار، وفيه بيان حقوق الجيران بعضهم على بعض، وإنما جعل الفقهاء ـ رحمهم الله ـ حقوق الجيران بعضهم على بعض في هذا الباب؛ لكثرة المصالحة بين الجيران في حقوقهم.

قوله: «ومن ادُّعي عليه بدين أو عين فسكت أو أنكر وهو يجهله ثم صالح بمال صح» أي: إذا ادعي عليه بدين أو عين، بأن قال شخص لآخر: أنا أطالبك بمائة ألف ريال، فسكت فلم يقر ولم ينكر، ثم صالح بمال عوضاً عن مائة ألف، فيصح، فإن أقر وصالح عنه بمال، فهو من باب الصلح على الإقرار وسبق.

وقوله: «أو أنكر» أي: أنكر المدعى عليه، قال: ليس في ذمتي لك شيء، ثم صالح بمال، فالمصالحة صحيحة.

وكذلك إذا ادُّعي عليه بعين، بأن قال شخص لآخر: هذا المسجل لي، فقال من بيده المسجل: لا، ليس لك، فهذا إنكار، ثم صالح عنه بمالٍ بأن تصالحا على أن يعطيه مائة ريال عن هذا المسجل، فهو صحيح؛ لأن الأصل الحل، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» [(115)]؛ فإن مفهومه كل شرط في كتاب الله فهو حق، وقوله: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» [(116)]، وهذا لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً فيجوز.

وكذلك إذا جاء إليَّ شخص وقال: إن في ذمتك لي مائة درهم، فقلت: ليس لك عليَّ شيء، فإنكاري هذا قد يكون عن علم أو عن نسيان وقد يكون عن جهل، أي: إني لا أدري هل الذي يطلبني فلان أو فلان، فهذا جهل، فالمهم أنه ادعى علي وأنكرتُ إما عن علم أو جهل أو نسيان، مع ذلك قلت: ما دمت تدعي عليَّ بهذا وأنا لا أقر به، فلنجعل بيننا صلحاً، فأعطيك عن مائة الدرهم خمسين درهماً فيجوز وينفذ الصلح، ويلزم كل من الطرفين بما تم عليه الاتفاق، ولهذا قال المؤلف: «ثم صالح بمال صح» .

وقوله: «بمال» يشمل الحالَّ والمؤجل، ولو صالح بمنفعة بأن قال: أصالحك على أن تسكن داري شهراً، يجوز؛ لأن المنفعة المباحة مال.

ولكن هل يدخل هذا في باب الإبراء، أو في باب البيع؟ الجواب:

 

وَهُوَ للْمُدَّعِيِ بَيْعٌ، يَرُدُّ مَعِيبَهُ وَيَفْسَخُ الصُّلْحَ وَيُؤْخذُ مِنْهُ بِشُفْعَةٍ، وَللآخَرِ إِبْراءٌ فَلاَ رَدَّ وَلاَ شُفْعَةَ، وَإِنْ كَذَبَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّهِ بَاطَناً وَمَا أَخَذَهُ حَرَامٌ...

قوله: «وهو للمدعي بيع» فإذا ادعى عليه بأن هذا المسجل ملكه، فقال: ليس ملكك، ثم تصالحا على مال، فالمدعي الآن يعتقد أنه أدخل ملكه على هذا الشخص بعوض، فهذا الصلح صحيح، لكن هو للمدعي بيع؛ لأنه يعتقد أن ما ادعاه حق، وأن ملكه انتقل إلى الآخر بعوض، وهذا هو حقيقة البيع، فهو له بيع، وإذا كان له بيع فإنه:

«يرد معيبه ويفسخ الصلح، ويؤخذ منه بشفعة» لأنه بيع، فيعامل المدعي معاملة البائع تماماً أو المشتري، فالمهم أنه يكون في حقه بيعاً، ولنفرض أن هذا الذي ادعى المسجل، وأنكر من هو بيده، صالحه على راديو، أخذ الراديو ثم إنه وجد في الراديو عيباً فله أن يرده، فيقول: أنا أخذت الراديو، لكن تبين أن به عيباً، وأنا قد أخذته منك على أنه عوض عن ملكي، فأنا أعتبر نفسي بائعاً، فوجدت هذا العيب في هذا الراديو فلي أن أرده وأفسخ الصلح وأطالب بالمسجل؛ لأن الصلح في حقه هنا بيع، وإذا رده تبقى دعواه على ما هي عليه أولاً قبل الصلح.

وقوله: «ويؤخذ منه بشفعة» مثاله ادعيتُ على هذا الرجل أن البيت الذي يسكنه لي، فقال: ليس لك، وليس عندي بينة، ثم صالحني وقال: سأعطيك عوضاً وهو نصيبي في هذه الأرض، لي نصفها ولشريكي نصفها، فقبلت، فقام شريكه وأخذه مني بالشفعة فله الحق في ذلك؛ لأنه دخل ملكي على سبيل المعاوضة؛ لأني أعتقد أن البيت ملك لي، وأن هذا عوض عنه فيأخذه شريكه مني بالشفعة.

قوله: «وللآخر إبراء فلا رد» الآخر، أي: المدعى عليه، يعني المنكر، هو في حقه إبراء فلا رد ولا شفعة.

وقوله: «فلا رد» هذا الذي ادعي عليه أن المسجل للمدعي وأنكر ثم صالح براديو، وبعد ذلك وجد في المسجل عيباً، فإنه لا يرده على ذاك؛ لأنه لا يعتقد أنه ملكه من قِبَلِهِ، هذا المنكر يعتقد أنه ملكه من الأصل وأن ذاك ليس له به ملك، ولكنه أبرأه من المطالبة بما صالحه عليه من الراديو، فإن وجد المنكر في المسجل عيباً فإنه لا رد له؛ لأن هذا مقتضى الإقرار والإنكار، أنت حينما أنكرت أن هذا المسجل له تعتقد أنه ملكك، وأنك لم تملكه من قِبَلِهِ فكيف ترده عليه؟! فهو في حقك إبراء فلا رَدَّ لك.

قوله: «ولا شفعة» فلو قلتُ لرجل إن البيت الذي أنت فيه لي نصفه فقال: لا، ثم أخذت منه عوضاً عما ادعيت، فشريكه في هذا البيت لا يأخذ هذا الشقص الذي ادعيته بالشفعة؛ لأن هذا الشخص دخل على المنكر لا على سبيل المعاوضة لكن على سبيل الإبراء؛ لأنه لما أعطاني العوض أبرأته منه إبراءً.

قوله: «وإن كذب أحدهما لم يصح في حقه باطناً وما أخذه حرام» «أحدهما» أي: المدعى عليه أو المدعي، لم يصح في حقه باطناً، أي: فيما بينه وبين الله، أما ظاهراً فإنهما لو ترافعا إلى القاضي في المحكمة حكم بالصلح، لكن باطناً فيما بينه وبين الله، فالكاذب لا يصح الصلح في حقه، وعلى هذا فلا يصح أن يتصرف في العين التي أخذها وهو يعتقد أنها ليست له في الواقع؛ لأنه ادعاها كذباً، وما أخذه من العوض ـ سواء كان المدعي أو المدعى عليه ـ حرام لا يحل له؛ لأنه أخذه بغير حق.

مثال ذلك: رجل ادعى على رجل أن قطعة الأرض هذه له، وهي أرض مشتركة، فأنكر من بيده الأرض ثم اتفقا على الصلح، فأعطى المدعى عليه للمدعي مائة درهم، عوضاً عن الأرض، إن كان المدعي صادقاً، والمنكر ـ المدعى عليه ـ كاذباً، فالأرض حرام على المدعى عليه كالأرض المغصوبة تماماً، وإن كان بالعكس، المدعى عليه هو المحق والمدعي هو المبطل، فالعوض الذي أخذه عن الأرض وهو الدراهم تكون حراماً عليه، وهذا واضح ويتمشى مع القواعد الشرعية؛ لأن كلَّ من أخذ شيئاً بغير حق فهو حرام عليه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنكم تختصمون إليَّ ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن اقتطعت له شيئاً من مال أخيه فإنما أقتطع له جمرة من النار فليستقل أو ليستكثر [(117)]، فجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم هذا الحكم له جهتان، جهة الظاهر يحكم بحسب الظاهر، وجهة الباطن يعذب على حسب الباطل، لو كان الحكم الظاهر يقضي على الحكم الباطن، لكان إذا حكم لأخيه بشيء حسب الدعوى لا تكون قطعة من النار، لكنها إذا كانت دعوى باطلة كانت قطعة من النار.

 

وَلاَ يَصِحُّ بِعِوَضٍ عَنْ حَدِّ سَرِقَةٍ وَقَذْفٍ، وَلاَ حَقِّ شُفْعَةٍ وَلاَ تَرْكِ شَهَادَةٍ، وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ والحَدُّ.

قوله: «ولا يصح بعوض عن حد سرقة» لأن حد السرقة لله ـ عزّ وجل ـ فلا يمكن أن يأخذ المخلوق عوضاً عنه، وإذا بلغت الحدود السلطان فلا شفعة، وإنما مثل المؤلف بالسرقة؛ لأنها تتعلق بالآدمي، بدليل أن المسروق منه لو لم يطالب لم تقطع يد السارق، بدليل قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ لصفوان بن أمية ـ رضي الله عنه ـ: هلاَّ كان قبل أن تأتيني به [(118)].

وعلم من قوله: «عن حد سرقة» أنه يصح عن المال المسروق، فلو أن شخصاً سرق من آخر حليّاً، فضاع الحلي واعترف السارق به، ثم صالح عنه بعوض، فالصلح جائز ولا بأس به، لكن لو صالح عن حد السرقة فإنه لا يصح، فلو مُسِكَ السارق، وقال للذي أَمْسَكَهُ: دعني، وأعطيك عشرة آلاف ريال، ولا ترفعني للولاة، لا يصح فليس له ذلك، فإما أن يرفعه للولي، وإما أن يستر عليه ويدعه إن كان يرى أن المصلحة في ذلك، أما أن يأخذ عوضاً عن هذا فلا يجوز، ثم فيه مفسدة عظيمة، فكل واحد يُمْسَكُ على شيء يبذل عوضاً ويترك.

قوله: «وقذف» فلا يصح بعوض عن حد قذف، حد القذف للمخلوق لكنه فيه شائبة حق لله ـ عزّ وجل ـ، فلو قال المقذوف للقاذف: سأرفعك إلى ولي الأمر، فقال القاذف: لا ترفعني، أنا أعطيك عن حقك في القذف مائة ألف ولا ترفعني، فوافق فلا يجوز؛ لأن حد القذف لله ـ عزّ وجل ـ فإما أن ترفعه لولي الأمر أو تتركه، لا سيما على القول بأنه لا يشترط لإقامة حد القذف مطالبة المقذوف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا يشترط في إقامة الحد مطالبة المقذوف؛ لأنه حق لله، حماية لأعراض المسلمين، ولهذا جاء في الآية الكريمة: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا}} [النور: 4] ، فهو كقوله: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}} [النور: 2] ، لكن على القول بأنه حق للمقذوف وأن للمقذوف إسقاطه، قالوا: إنه لا يصح بعوض؛ لأن هذا الحق ليس ماليّاً، ولا يقصد به المال فلا يصح بعوض، وهذا هو القول الأول.

والقول الثاني: أنه يصح بالعوض؛ لأن الذي سوف تسود صحيفته به هو المقذوف، فبدلاً من هذا، يقول: أعطني مائة ألف ريال، وأنا ـ إن شاء الله ـ سأدافع عن نفسي فيما يتعلق بالقذف، وهذا القول له وجهة نظر؛ لأنه حق لآدمي في الواقع، ولهذا لا يقام حد القذف إلا بمطالبة من المقذوف.

أما إذا قلنا: إنه حق محض لله، وأنه لا تشترط مطالبة المقذوف، فإنه لا يصح بعوض.

قوله: «ولا حق شفعة» حق الشفعة يتضح بالمثال: شخصان شريكان في أرض، فباع أحدهما نصيبه على ثالث، فالذي له الشفعة هو الشريك الذي لم يبع، فذهب المشتري إلى الشريك، وقال: أنت لك حق الشفعة، ولكن أنا سأعطيك عشرة آلاف ريال وأسقط حقك ففعل، يقول المؤلف: إنه لا يصح عن إسقاط الشفعة؛ لأن الشريك إما أن يأخذ بالشفعة وإما أن يدع ويتركها مجاناً بلا عوض.

القول الثاني: أنه يصح بعوض عن إسقاط حق الشفعة؛ لأن حق الشفعة يتعلق بالمال، فهو حق آدمي فالمشتري صالح الشفيع عن حق له فهو حق محض للآدمي، فإذا أسقط الآدمي حقه بعوض فلا بأس بذلك، وما المحظور؟! فإذا قال: أنا أعطيك كذا وتنازل عن المطالبة بالشفعة، فلا مانع وهو حق له، وهذا هو الصواب في هذه المسألة، أنه يصح أن يصالح عن حق الشفعة، وتسقط الشفعة.

قوله: «ولا ترك شهادة» أي: لو صالح إنساناً يشهد عليه بحق، وقال له: لا تقم الشهادة عليّ وأعطيك كذا وكذا.

مثاله: إنسان طلق زوجته في حضور شاهدين، ثم أنكر الطلاق، فقالت المرأة: عندي شهود، رجلان يشهدان، فذهب الزوج إلى الشاهدين، وقال: أنا سأعطي كل واحد منكما ألف ريال واتركا الشهادة، فهذا لا يجوز ولا إشكال فيه؛ لأن الله ـ عزّ وجل ـ يقول: {{وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}} [البقرة: 283] ، ولا يصح بأي حال من الأحوال حتى لو فرضنا أن المسألة حق مالي لا زوجية، فإنه لا يجوز.

وهل يجوز أن يصالح إنساناً يشهد له بغير حق؟

مثاله: ادعى على زيد بأن عنده له ألف ريال، وليس عنده شهود، فذهب إلى رجلين وقال: اشهدا لي وأعطيكما كذا وكذا، فلا يجوز، وفي بعض البلاد يقولون: الشهادة مقننة على حسب الحق، فإذا كان حقّاً كبيراً فالشهادة بمائة ريال، أو صغيراً فبعشرة ريالات، فلا يجوز للإنسان أن يعطي شخصاً ليشهد له، فهذه شهادة زور من أكبر الكبائر.

قوله: «وتسقط الشفعة والحد» أي: حد القذف يسقط؛ لأن الرجل أسقطه، لكن لو قال: أنا أسقطته بعوض، فإما أن تعطوني العوض، وإلا فأنا أريد إقامة الحد على القاذف، نقول له: لا نعطيك عوضاً، ولا نقيم لك الحد؛ لأنك أسقطته.

وكذلك الشفعة؛ لأنه أسقطها، وليس له عوض؛ لأن العوض على ترك الشفعة غير صحيح.

والصحيح أنه كما قلنا: تجوز المصالحة بعوض عن إسقاط الشفعة.

وأما بالنسبة للقذف فتقدم حكم الصلح عنه، لكن للمقذوف أن يطالب بحقه إذا علم أن الصلح غير صحيح؛ لأنه أسقطه بناء على أن الصلح صحيح وأنه سيأخذ عوضاً عنه، فإذا لم يكن هناك عوض فلا يمكن أن يفوت حقه بالمطالبة بحد القاذف.

 

وَإِنْ حَصَلَ غُصْنُ شَجَرَتِهِ فِي هَوَاءِ غَيْرِهِ أَوْ قَرَارِهِ أزَالَهُ، فَإِنْ أَبَى لَوَاهُ إِنْ أمْكَنَ، وَإِلاَّ فَلَهُ قَطْعُهُ.

قوله: «وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره أزاله» بدأ المؤلف بذكر شيء من حقوق الجار، وإنما ذكر الفقهاء حقوق الجار في هذا الباب؛ لأن الغالب أن النزاعات التي تكون بين الجيران تحل عن طريق المصالحة؛ لهذا ذكروا أحكام الجوار في هذا الباب، ولها مناسبة أخرى فيمكن أن تكون في آخر الفقه لكن هنا رأوا أنه أنسب، ومن المعلوم أن الجار له حق كما قال الله ـ تعالى ـ: {{وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ}} [النساء: 36] ، فإن كان مسلماً قريباً كان له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق القرابة، وحق الجوار، فإن كان مسلماً غير قريب، فله حقان حق الإسلام، وحق الجوار، وإن كان كافراً غير قريب فله حق واحد، وهو حق الجوار.

فالجار له حق حتى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»[(119)]، وقال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه»[(120)]، أي: تعديه وظلمه، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»[(121)]. ولننظر في أنفسنا نحن، هل قمنا بحق الجوار؟

الجواب: أكثر الناس في غفلة عن هذا الحق، ولا يرون أن للجار حقّاً، ولكن هذا خطأ، فالذي ينبغي للإنسان أن يواصل جاره بحسب ما تقتضيه الحال وطبيعة الناس، وأن يكف شره عن الجار، يعطيه من الخير ويكف عن الشر، حتى قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك»[(122)].

ومن الأشياء التي يجب أن تُكَفَّ عن الجار،، إذا حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره.

القرار الأرض، والهواء ما فوق الأرض، فإذا حصل غصن الشجرة في الهواء بأن يكون الإنسان عنده شجرة في بيته، ولها أغصان متدلية على ملك جاره هذا هواء.

والقرار إنسان عنده شجرة في البيت، لكنها من الشجر الذي يمتد على الأرض مثل البطيخ، فحصل غصن هذه الشجرة في أرض جاره، فهذا حصل في القرار، وهناك شيء ثالث يمتد ـ أيضاً ـ إلى الجار وهو العروق، والعروق في باطن الأرض، فعندنا الآن ثلاثة أشياء: غصن على القرار، وغصن في الهواء، والثالث عروق في باطن الأرض.

أما الغصن في الهواء أو على القرار، فإنه يجب على صاحب الغصن أن يزيله إذا طالبه صاحب الأرض الذي هو الجار، فإذا قال: أزل عني هذا الغصن، وجب عليه أن يزيله.

فإن قال صاحب الشجرة: هذا الغصن ينفعك، يظلك، فتجلس أنت وأهلك في ظلاله، قال: أنا لا أريد هذا الغصن، فهل يلزم صاحب الشجرة إزالته؟

الجواب: نعم يلزم.

فإن تصالحا على أن تكون الثمرة التي في هذا الغصن الممتد بينهما، قال العلماء: إنه يصح.

وكذلك لو كان في القرار، أي: تسرح الأغصان على الأرض، فإنه إذا طالبه الجار يجب عليه إزالته.

وعلم من هذا الكلام أن الهواء ملك لصاحب الأرض إلى السماء الدنيا، فلا يمكن لأحد أن يتخذ روشناً، أو ما أشبه ذلك على أرضه، إلا بإذنه.

وأما العروق، إذا امتدت عروق الشجرة إلى أرض الجار، فهل للجار أن يطالب صاحب الشجرة بقطع العروق؟

نقول: في هذا تفصيل، إن كانت العروق تؤذيه أو تضره فله أن يطالب، وإن كانت لا تؤذيه ولا تضره فليس له حق المطالبة؛ لأن هذا مما جرت العادة بالتسامح فيه، فتؤذيه وتضره بأن كانت تنقل الرطوبة إلى أرضه، أو ربما كانت تبرز على سطح الأرض، فبعض الأشجار يكون لها عروق قوية تدفع حتى الحصى، وهذا الإنسان عنده قبو في الأرض، وعروق شجرة الجار تدفع الجدار، وربما تدفعه حتى يسقط أو ربما تشقه إذا كان من الطين ثم تتدلى في هذا القبو، فهذا ضرر، فلصاحب الملك أن يطالب صاحب الشجرة بقطع هذه العروق، أما إذا كان لا يتأذى ولا يتضرر فلا نلزمه بإزالتها؛ لأن هذا مما جرت العادة بالتسامح فيه.

قوله: «فإن أبى لواه» أي: إن أبى صاحب الشجرة أن يزيله لوى صاحب الأرض الغصن.

قوله: «إن أمكن» يعني إن أمكن لَيُّهُ.

قوله: «وإلا فله قطعه» فصار هذا الغصن له مراحل:

الأولى: أن نطالب صاحب الغصن بالإزالة.

الثانية: إذا أبى فيلوي الغصن.

الثالثة: فإن لم يمكن ليه لكونه قاسياً، أو لا يمكن أن يلتوي إلا بالكسر فله قطعه دفعاً لأذاه.

لكن لو قال قائل: إنه لا ينبغي للإنسان أن يطالب بإزالة الغصن الذي في الهواء من غير أن يكون عليه ضرر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره» [(123)]، فإذا كان الشارع نهاني أن أمنع جاري من وضع الخشب على الجدار، فكيف بالعسبان التي هي بعيدة لا تؤذي ولا يسقط منها ورق مثل النخل؟! ولا يضرني إذا كان العسيب على ملكي، ولأنه من حسن الجوار الذي أمر به الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» [(124)]، ولأن ذلك مما جرت به عادة الناس.

لكن لو تدلت الشجرة كلها عليَّ، مثل نخلة كبيرة أصابها عاصف فمالت حتى صارت كلها على بيتي، فلي مطالبته بإزالته؛ لأن هذا يهددني.

ولو أن صاحب الشجرة قال لصاحب الأرض: أنا أصالحك على أن أدفع لك كل شهر كذا وكذا، فهل تصح الأجرة؟

نقول: لا تصح؛ لأن الأغصان تمتد وتكبر فيكون ما تشغله فيما بعد مجهولاً فلا يمكن أن تكون بأجرة، لكن لو فرض أنه آجره إياه على حسب المساحة، وقال: إذا شغل الغصن مساحة متر فبكذا، أو مساحة مترين فبكذا، فالظاهر الصحة؛ لأن هذا ليس فيه محظور شرعي ولا جهالة، وإذا صالحه على أن له نصف الثمر الذي في هذا الغصن المتدلي فهذا يصح؛ لأن الغصن حتى لو كبر وامتد، فسوف يزيد الثمر، فيصح؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، وليس فيه غرر كثير.

 

وَيَجُوزُ فِي الدَّرْبِ النَّافِذِ فَتْحُ الأبْوابِ للاسْتِطْرَاقِ، لاَ إِخراجَ رَوْشَنٍ وَسَابَاطٍ وَدَكَّةٍ وَمِيزَابٍ، وَلاَ يَفْعَلُ ذلِكَ فِي مُلْكِ جَارٍ وَدَرْبٍ مُشْتَرَكٍ بِلاَ إِذْنِ المُسْتَحِقِّ،...........

قوله: «ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق» الدروب يعني الطرق، تنقسم إلى قسمين: قسم نافذ، وقسم مسدود لا ينفذ، والطريق النافذ ملك للجميع فيجوز أن يفتح باباً للاستطراق في الدرب النافذ، سواء من أول الدرب أو من وسطه، أو من آخره ما دام بيته ممتدّاً من أول الشارع إلى آخره، وما دام هو للاستطراق فهو ملك عام له أن يفتح الباب.

وقوله: «للاستطراق» ، مفهومه أنه إذا جاز فتح الباب للاستطراق ففتح الباب للهواء والإضاءة من باب أولى؛ لأنه لا يضر أحداً؛ ولأنه يجوز أن يهدم جداره حتى لا يبقى إلا نحو قامة الرجل.

إذن له أن يفتح المنافذ الهوائية، وله أن يفتح الأبواب للاستطراق.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يفتحه في مقابل باب جاره أو في غير مقابل باب جاره؛ لأن الطريق ملك للجميع، وهو كذلك، فلا فرق بين أن يكون أمام باب جاره أو لا، إلا إذا كان الجار يتأذى بفتح باب أمامه، فحينئذٍ لا يحل له أن يفتحه أمام باب بيت جاره؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»[(125)]، وقال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من لا يأمن جاره بوائقه»[(126)].

قوله: «لا إخراج روشن وساباط ودكة وميزاب» أي لا يجوز إخراج الروشن والساباط والدكة والميزاب في الدروب النافذة.

و«الروشن» هو أن يجعل سقفاً لا يتصل بالجدار الآخر.

و«الساباط» أن يجعل سقفاً يتصل بالجدار الآخر.

فلا يجوز أن يخرج على الشارع العام شيئاً زائداً عن ملكه.

ووجه ذلك أن الهواء تابع للقرار، وهذا الطريق ملك لعامة الناس، فلا يجوز أن تخرج شيئاً يكون على هواء هذا الطريق.

وكذلك الساباط، لو كان الإنسان له ـ مثلاً ـ بيتان، يفصل بينهما طريق نافذ، فأراد أن يجعل جسراً بين البيتين فإنه ليس له ذلك؛ لأن الهواء تابع للقرار، والشارع ملك لعامة الناس لا يختص به أحد دون آخر.

وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ سواء كان في ذلك ضرر أم لم يكن، بل ظاهر كلامه حتى ولو كان في ذلك مصلحة لمن طرق هذا الشارع، مثل أن يكون ظلاً يقي من الشمس ومن المطر، فإنه ليس له ذلك.

والصحيح أنه لا بأس أن يُخْرِجَ ما جرت به العادة، مما لا يضر الناس وبإذن الإمام، فإن كان مما يضرهم فإنه لا يجوز حتى لو أذن من له الولاية على البلد، كرئيس البلدية ـ مثلاً ـ، فلو أذن له أن يخرج هذا الساباط أو الروشن وهو يضر بالناس فإنه ليس له أن يفعله، فإن أخرجه وكان نازلاً بحيث يضرب الراكب أو ما أشبه ذلك فإنه ممنوع.

وقوله: «ودكة» وهي العتبة، أي ليس له أن يخرج عتبة، ولو كان بيته أرفع من الشارع، فإنه لا يحل له أن يخرج عتبة في الشارع؛ لأن الشارع ملك للجميع؛ ولأن العتبة تضيق الشارع وربما تكدم أقدام الناس، لا سيما إذا كان الشارع يتطرق معه أناس كثيرون، فلا يجوز أن يخرج دكة.

وظاهر كلام المؤلف ولو كان الشارع واسعاً، ولو بإذن من له الإذن في ذلك، وهذه ـ أيضاً ـ يقال فيها ما قلنا في الروشن والساباط، وهو أنه إذا لم يكن في ذلك ضرر بأن كان الطريق واسعاً والعتبة منخفضة، ولا ضرر فيها على أحد وأذن الإمام فله أن يفعل ذلك كما جرت به العادة، أما ما يفعله بعض الناس الآن فيجعل في الشارع الضيق درجاً ربما يصل إلى خمس درجات، أو ست درجات فهذا لا يجوز؛ لأن في ذلك تضييقاً للشارع وضرراً على المسلمين، والشارع ليس ملكاً لأحد، بل هو ملك عام.

وقوله: «وميزاب» وهو المثعب الذي يصب منه الماء من السطوح، فلا يجوز أن يخرجه على الدرب النافذ، إذاً ماذا نصنع؟

الجواب: نجعل المطر يصب في داخل البيت ويخرج من أسفل.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز مطلقاً، سواء كان في ذلك أذية وضرر أم لا، وسواء كان بإذن ولي الأمر في البلد أم لا.

والصحيح خلاف ذلك، وأن له إخراج الميازيب بشرط ألا يحصل بها ضرر؛ لأن هذا عادة الناس حتى في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، الميازيب تكون في الشارع[(127)]، وقال شيخ الإسلام: إن استئذان الإمام خلاف السنة، وأن السنة جرت أن الناس يخرجون ميازيبهم بدون استئذان الحاكم، وهذا هو الصحيح والعمل عليه إلى يومنا هذا.

فالصواب أنه يجوز أن يخرج الميزاب، بشرط ألا يكون في ذلك ضرر، والضرر أن يكون الميزاب نازلاً يضرب رأس الراكب وما أشبه ذلك.

فإن قال قائل: الضرر لا بد أن يكون في الميزاب؛ لأنه إذا جاء المطر فسوف يصب على المارة؟

فيقال: أولاً: هذا ليس دائماً.

وثانياً: الناس في أوقات المطر الشديد، الذي يصب من الميازيب سوف يكونون في البيوت لا يخرجون، وهذا ضرر مغتفر في جانب المصلحة التي تكون للناس.

قوله: «ولا يفعل ذلك في ملك جار ودرب مشترك بلا إذن المستحق» «ذلك» المشار إليه كل ما سبق، إخراج الروشن والساباط والدكة والميزاب، لا يفعله في ملك جار إلا بإذنه، ومثاله: بيتي جداره إلى جاري فأردت أن أخرج روشناً فمنعني الجار فيحرم عليَّ إخراجه؛ لأن الهواء تابع للقرار، فجاري ملكه إلى السماء وإلى أسفل الأرض، والساباط من باب أولى؛ لأنه يصل إلى الجدار، والدكة، والميزاب كذلك لا يجوز إلا بإذنه، وهل يجوز أن أفتح نافذة عليه؟

يجوز بشرط ألا يكون بذلك مشرفاً عليه بأن يكون رفيعاً؛ لأنه إذا كان لي أن أنهي الجدار إلى هذا الحد، فأنا إذا فتحت نافذة فقد أنهيت بعض الجدار إلى هذا الحد.

وقوله: «ودرب مشترك» هذا هو النوع الثاني من الدروب، وهو الدرب المشترك الذي ليس بنافذ، فالشارع الذي ليس بنافذ مشتركٌ للجيران وهم أهل الحق فيه، فلا يجوز أن يخرج هذه الأشياء الأربعة التي هي: الروشن، والساباط، والدكة، والميزاب، إلا بإذن المستحق، والمستحقون هم الذين لهم أبواب شارعة على هذا الدرب، وليس الذين لهم بيوت على الدرب؛ فالذي له بيت على الدرب وليس له باب، لا حق له في الدرب، لكن إذا كان له باب فله حق في الدرب، فلا يجوز إخراج هذه الأربعة إلا بإذنهم، فإذا أذنوا فالحق لهم، وإن لم يأذنوا فإنه لا يحل له ذلك، لكن يختلف هذا عن الدرب النافذ بأن الواحد منهم لا يُخرج باباً أدنى من بابه إلا بإذن الآخرين، أي: لو كان أحد هؤلاء المشتركين في الدرب له باب في أوله، فأراد أن يحوله إلى آخره فليس له ذلك؛ لأنه لا يملك من هذا الدرب إلا ما كان محاذياً لبابه أو أدنى منه لفم الدرب.

فلو فرضنا أن هذا الدرب عليه ستة أبواب، بابان في الآخر عند نهاية الدرب، وبابان على اليمين، وعلى اليسار، فأصحاب الأبواب التي في الآخر، هؤلاء لهم حق أن يفتحوا في أي مكان من هذا الدرب، والسبب لأنهم يملكون كل الدرب، فلهم حق في كل الدرب.

وأصحاب الأبواب التي على اليمين واليسار من كان منهم أدنى إلى فم الدرب، فليس له أن ينقل بابه إلى الداخل إلا بإذنهم، وأما ما أراد نقله إلى فم الدرب فله ذلك؛ لأنه أسقط حقه، لكن بشرط ألا يفتحه أمام باب جاره إلا بإذنه؛ لأنه ربما يتأذى.

وهل له أن يفتح باباً للهواء في الطريق المشترك؟

الجواب: نعم، له ذلك ولا يحتاج إلى إذن، والسبب أنه لا ضرر على أهل الشارع؛ ولأن له الحق في أن يهدم من جداره إلى مقدار قامة الرجل، فإخراج النوافذ للهواء لا بأس به.

 

وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّسْقِيفُ إِلاَّ بِهِ، وَكَذَلِكَ المَسْجِدُ وَغَيْرُهُ.

قوله: «وليس له وضع خشبه على حائط جاره إلا عند الضرورة» هذه مسألة جديدة، فالجيران لا بد أن يكون بينهم، جدار، وهذا الجدار إما أن يكون لواحد منهم فقط أو يكون مشتركاً، فإذا كان لواحد منهم فهو ملكه، وإذا كان مشتركاً فهو ملك للجميع، وكلام المؤلف الآن فيما إذا كان خاصّاً بأحدهما أي: بأحد الجارين، فهل للثاني أن يضع خشبه على هذا الجدار؟

يقول المؤلف: إذا كان هناك ضرورة فلا بأس وإلا فليس له ذلك إلا إذا أذن المالك، فإنه يجوز مطلقاً سواء اضطر إلى ذلك أم لم يضطر، وسواء كان على الجدار ضرر أم لم يكن؛ لأن الجدار ملك للجار فإذا أذن فلا بأس، ولا أحد يحول بينه وبين ماله، وأما إذا لم يأذن فإنه لا يجوز أن يضع الخشب إلا بشرطين:

الأول: الضرورة إلى وضعه.

الثاني: ألاَّ يكون على الجدار ضرر.

قوله: «إذا لم يمكنه التسقيف إلا به» هذه الضرورة مثل أن يكون الخشب قصيراً لو أنه سَقَّفَهُ على جداره هو لكانت المسافة بعيدة، فلا يمكن التسقيف به لقصر الخشب.

مثاله: حجرة طولها أربعة أمتار وعرضها متران، والعرض هو جدار الجار، والخشب الذي عنده طوله متران ونصف، فلو أراد أن يجعل الخشب على الأمتار الأربعة لا يمكن، إذن لا بد أن يجعله على المترين، والمتران هما الجدار الذي لصاحبه، فنقول: لك أن تضع الخشب على جدار جارك سواء رضي أم لم يرض، فإن قال هل لذلك شرط؟

قلنا: نعم، الشرط ألا يتضرر الجدار بذلك، مثل أن يكون الجدار رهيفاً والخشب ثقيلاً، ويتضرر الجدار، ويخشى عليه من الانهدام فحينئذٍ لا يحل له أن يضعه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار»[(128)]، لكن إذا كان لا يضره فإنه لا يمنعه ما دام محتاجاً إلى ذلك.

فإذا قال الجار: أخرج عمودين واجعل بينهما جسراً، وضع الخشبة عليهما من داخل بيتك فإنه لا يلزمه؛ لأننا إذا قلنا: يلزمه، لم يبق للحديث الذي ذكره النبي صلّى الله عليه وسلّم معنى من المعاني أبداً، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره»، والنهي هنا للتحريم، وإنما حرم النبي صلّى الله عليه وسلّم المنع؛ لأن في وضع الخشب مصلحة لصاحب الجدار ومصلحة للجار.

أما مصلحة الجار فظاهرة؛ لأنه يسلم من أن يقيم أعمدة وسقوفاً قوية تحمل الخشب، وأما مصلحة ذلك لصاحب الجدار؛ فلأن الخشب يشد الجدار ويقويه، ويقيه الشمس، والمطر، ففيه مصلحة للطرفين، ولهذا نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم الجار أن يمنع جاره من وضع خشبه على جداره، قال أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم» [(129)]، قال ذلك حين كان أميراً على المدينة، وكلامه ـ رضي الله عنه ـ يحتمل معنيين:

المعنى الأول: «ما لي أراكم عنها»، أي: عن هذه السنة «معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم»، وخص الأكتاف لأنها موضع التحمل.

المعنى الثاني: «ما لي أراكم عنها معرضين»، أي: تمنعون من وضع الخشب، «والله لأرمين بها ـ أي بالخشب ـ بين أكتافكم»، يعني لو لم أجد ما أضعها عليه إلا أكتافكم لوضعتها على أكتافكم؛ لأنه كان أميراً، وهذا كقول عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لمحمد بن مسلمة: «والله لأجرينه ولو على بطنك»[(130)]؛ وذلك أن له مُلْكَين وبينهما ملك لجاره، فأراد أن يجري الماء من ملكه إلى ملكه الثاني مارّاً بملك جاره، فمنعه جاره وقال: لا يمكن أن تجري الماء على أرضي، فألزمه عمر ـ رضي الله عنه ـ بذلك، أي: بأن يجري الماء على أرضه؛ لأنه لم تكن هناك مصلحة من المنع، فصاحب الأرض ينتفع فيزرع ويغرس على هذا الساقي الذي يمشي، والجار ـ أيضاً ـ ينتفع، لكن لو فرض أن الجار الذي منع من جريان الماء يريد أن يقيم عليها بيتاً فحينئذٍ له الحق، أما وهي بستان فجريان الماء ينفعها.

ولو قال صاحب الجدار: لا تضع الخشب حتى تسلم نصف قيمة الإيجار، فإنه لا يلزمه أن يسلمه؛ لأن الجدار ملك لبانيه، وهذا الجار إن رضي أن يكون شريكاً له في هذا الجدار ويشتريه منه فله، وإن لم يرض فإنه لا يجبر، وبناء على ذلك فإن ما يعرف عند الناس بالمباناة لا تحل للجار، فبعض الناس إذا بنى بيته وجاء جاره وبنى قال له: أعطني نصف تكاليف الجدار، فهذا حرام عليه؛ لأنه إنما بنى الجدار على أنه ملكه، فما الذي يُحل له أن يأخذ نصف تكاليفه من هذا الجار؟! نعم تلزمه إن علمنا أن الجار تباطأ في البناء وتأخر من أجل أن يبني الجار.

فالشرط لوضع الخشب ألا يكون على الجدار ضرر، والشرط الذي أشار إليه المؤلف أن يكون الجار محتاجاً إلى وضع الخشب.

قوله: «وكذلك المسجد» أي: أن المسجد كالجار، فإذا احتاج جار المسجد إلى أن يضع خشبه على جدار المسجد، أو أن يغرزها فيه غرزاً، فلا بأس بالشرطين المذكورين وهما الضرورة، وعدم الضرر على الجدار.

ولا يُقال: إن المسجد وقف عام للمسلمين، بل يُقال: إن العلة هي مصلحة الطرفين، وهذا لا يضر المسجد وهو مصلحة للجار.

قوله: «وغيره» أي: كالمدارس والرُّبُط وبيوت الأيتام وما أشبه ذلك من الأوقاف العامة، فإنه يضع خشبه عليها كما يضع على جدار الجار بالشرطين المذكورين، وهما الضرورة إلى وضع الخشب، وعدم الضرر على الجدار.

وظاهر كلام المؤلف أن للجار أن يُعَلِّيَ بناءه على جاره فيجعله ـ مثلاً ـ خمسة طوابق أو ستة طوابق، وجاره ليس له إلا طابق واحد؛ لأن الهواء تابع للقرار وهذا صحيح، فله ذلك حتى لو حجب الشمس والهواء عنه؛ لأن هذا ملكه، لكن إن علمنا أنه قصد الإضرار بجاره فهنا نمنعه؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يُضَار جاره، والمضارة ممنوعة شرعاً، حتى إن الرجل إذا أراد أن يُراجع زوجته التي طلقها حَرُم عليه إذا كان قصده المضارة؛ لقوله تعالى: {{وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}} [البقرة: 231] .

أما إذا كان لغرض صحيح، كأن يستغل ملكه فيجعله شققاً ويؤجرها فله ذلك.

 

وَإِذَا انْهَدَمَ جِدَارُهُمَا أوْ خِيفَ ضَرَرُهُ فَطَلَبَ أحَدُهُما أَنْ يُعَمِّرَهُ الآخَرُ مَعَهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَكَذَا النَّهْرُ والدُّولاَبُ والقَنَاةُ.

قوله: «وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أجبر عليه» .

«إذا انهدم جدارهما» الضمير يعود على الجارين، أي: هذا جدار مشترك بين أرضيهما، وأقيم على نفقتيهما ثم انهدم الجدار فطلب أحدهما من الآخر أن يُعَمِّره، فقال الآخر: أنا لن أعمره؛ لأنه ليس لي حاجة لإقامة الجدار، فإنه يجبر على ذلك؛ لأنه شريك مع صاحبه فيجبر على عمارة ما كانا شريكين فيه.

فإذا أراد أحدهما أن يهدمه ليعمره بالإسمنت وهو قد عُمِّر بلبن الطين، فهل يجبر؟

الجواب: لا؛ لأن هناك فرقاً بين إصلاح ما فسد، وبين التجميل والتزويق والنقل إلى أفضل، فإصلاح ما فسد يجبر الآخر عليه، كما لو انهدم، أو خيف ضرره بأن يكون مَالَ أو تشقق، أما أن ينقل إلى أفضل فلا يجبر الآخر.

وإذا قال: أنا أريد أن أقوم به ـ والجدار مشترك ـ على نفقتي وامتنع الشريك، يُنظر في هذا فإن كان قصده من الامتناع المراغمة لجاره، وقال أهل الخبرة: إن الجدار إذا أقيم على الطراز الحديث أفضل وأحسن فهنا يجبر؛ لأنه في هذه الحال ليس عليه ضرر.

فإذا قال: اللبن ملكي كيف تأخذونه وتهدمونه؟ قلنا له: إنما نقلناه إلى أحسن وأنت ليس عليك ضرر، فالنفقة ليست عليك والجدار باق على الشركة، فأي ضرر في ذلك؟! وأنت إذا امتنعت لا تريد إلاَّ المراغمة فقط.

فإن قال: أنا لا أريد المراغمة، لكن إذا كان طيناً أمكنني أن أضرب الوتد في الجدار، أما الآن فلا يمكنني، فهذا قد يكون غرضاً، بأن يكون ممن يغسل الثياب ويريد أن يضع أوتاداً على الجدار؛ من أجل أن ينشر عليها الثياب.

والخلاصة: أنه إذا امتنع لغرض صحيح فهنا لا نجبره، أما إذا امتنع مراغمة لجاره، فإنه لا ضرر ولا ضرار.

وقوله: «أو خيف ضرره» بأن يكون الجدار متشققاً ويخشى سقوطه والشقوق عرضية فإنه يخشى منه، وإذا كانت الشقوق طولا فلا يخشى منه وهذا بالنسبة لبيوت الطين، وأما بالنسبة للبيوت المسلحة، فالظاهر أنها كلها عيب، لكن الشقوق العرضية أخطر، إلا إذا كان يوجد جسر فوق، فالظاهر أنه لا يؤثر، فإذا خيف أن يسقط الجدار ففي هذه الحال إذا طلب أحدهما من الآخر أن يعمر أجبر عليه.

قوله: «وكذا النهر» أي: لو كان بين أراضيهما نهر، وذلك بأن فتح على النهر الأم ساقية ينطلق منها الماء، فخربت الساقية وهي مشتركة بين الجارين، فهل يجبر أحدهما الآخر على إصلاحها؟

الجواب: نعم يجبره؛ لأنها مشتركة، والآن خربت ولا بد من إصلاحها، فإن طلب أحدهما من الآخر أن يوسع النهر فهل يجبر؟

الجواب: لا يجبر؛ لأن هذا كمال وليس إصلاح فاسد، فلو اتسع ملك أحدهما واحتاج إلى زيادة ماء، فقال: أنا أريد أن أوسع مدخل الماء حتى يكثر، وقال الآخر: لا، فهل يجبر؟

الجواب: لا يجبر؛ لأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى زيادة الماء، ولا يمكن أن ترهقني بالنفقة، فإن قال الجار: أنا أقوم بالنفقة وأبى، فهل يجبر؟

الجواب: فيه تفصيل، إن كان يقول: أخشى إن زاد مدخل الماء أن يغرقني وأنا لا أتحمل، والنهر يزيد وينقص، فأخشى أن يغرقني، وإذا كان مدخله ضيقاً أمكنني أن أدرأه فأنا لا أوافق، والثاني يقول: أنا أرضي اتسعت وأحتاج إلى زيادة الماء، فينظر في الحقيقة، نقول: إذا كان الاحتمال الذي أبداه الشريك وهو خوف زيادة الماء وإغراق الزرع وارداً فهذا له حق الامتناع، ويقول لصاحبه: افتح نهراً لك، وأما إذا كان غير وارد والنهر مطرد على حال واحدة ولا يخشى منه، فإننا نجبره إذا التزم الشريك بالنفقة.

قوله: «والدولاب» وهو دولاب الماء المعروف، فإذا خرب هذا الدولاب المشترك، وطلب أحد الشريكين من الآخر أن يعمره ألزم بذلك.

قوله: «والقناة» وهي الماسورة، يعني إذا كان هؤلاء لهم ماسورة تنطلق من نهر أو بئر وخربت، وطلب أحدهما من الآخر أن يعمرها وجب عليه.

والخلاصة:

أولاً: أن إصلاح الفاسد يُجبر عليه الممتنع.

ثانياً: فعل الأكمل لا يجبر عليه، إلا إذا التزم من أراد إصلاحه بالنفقة، ولم يكن على الآخر ضرر فإنه يجبر.

ثالثاً: إذا أراد نقله لمساوٍ فإنه لا يجبر مطلقاً، حتى ولو التزم الآخر بالنفقة، مثل أن ينقل الجدار بمواد هي المواد الأولى، لكن أراد أن يجعله أبيض بدل أسود أو أحمر بدل أبيض وما أشبه ذلك، فإنه لا يجبر؛ لأنه ليس فيه مصلحة.

قال في الروض[(131)]: «ومن له عُلوٌ لم يلزمه عمارة سفله إذا انهدم بل يجبر عليه مالكه» ويُتصور هذا، فيمكن لواحد أن يشتري الدور الأعلى، والآخر الدور الأسفل فإذا انهدم الأسفل فإن الأعلى سينهدم، فقال الأعلى للأسفل: اعمر، فقال: لا، بل سأرحل إلى محل آخر فهنا يجبر صاحب الأسفل، ونقول له: إذا كنت لا تريده أقم الأعمدة والجسور والسقف؛ لأنه مالكه، فإذا قال المالك: لك الأرض لا أريدها ولن أعمرها، اعْمُرْ أنت على الأرض، فهنا ننظر أيهما أحسن أن يسكن فوق، أو أسفل؟ فالأعلى أفضل من وجوه، إذاً ما دام الأسفل ليس أحسن مطلقاً لا يجبر عليه بل يعود إلى رضاه، فإن رضي وإلا فله الحق بمطالبته بالبناء، أما لو كان الأسفل أحسن مطلقاً فإننا نلزمه؛ لأنه إذا أبى مع أنه أحسن مطلقاً علمنا أنه يريد بذلك المضارة، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم «لا ضرر ولا ضرار» [(132)]، ونقول في مثل هذه الحال: يجبر على القبول وإلا فهو وشأنه.

قال في الروض[(133)]: «ويلزم الأعلى سترة تمنع مشارفة الأسفل»، فمثلاً لي بيت مرتفع فيجب أن أبني جداراً يمنع مشارفة الأسفل، وكم ارتفاعه؟ العلماء يقولون: العبرة في ذلك بقامة الرجل المتوسط، فلا بد أن يضع جداراً بحيث إذا وقف الإنسان لا يشرف على جاره.

وإذا كان الجار ليس ملاصقاً لكن بيني وبينه سور، وبيتي يطل عليه فهنا يلزمني أن أضع سترة؛ لأن هذا ضرر على الجيران، ومِثْلُ ذلك النَّوافِذُ، فلا بد أن يكونَ جدارُها رفيعاً، فإن كان غير رفيع فإنه لا يجوز، فإن قال قائل: لن أرفع هذه النوافذ، ولكن سأضع زجاجاً مثلجاً يمنع الرؤية، فقال الجار: هذا الزجاج إن كانت أبوابه متحركة فيمكن تبقى مفتوحة، وإن كانت ثابتة فصحيح ربما يمنع لكن الزجاج قابل للكسر، لو يأتي بَرَد من السحاب ويضرب الزجاج كسره، أو يعبث شخص بالحصى لكسر الزجاج، فأنا أتوقف في هذه المسألة.

 

----------------------

 

[108]    أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (2731) و(2732).

[109]    أخرجه الترمذي في الأحكام/ باب ما ذكر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده، وقال: حسن صحيح.

              ورواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في الإجارة/ باب أجرة السمسرة، بلفظ «المسلمون على شروطهم» ووصله أبو داود في القضاء/ باب المسلمين على شروطهم (3594)، والحاكم (2/92) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه الدارقطني (3/27 ـ 28) والحاكم (2/49 ـ 50) عن عائشة وأنس رضي الله عنهما بلفظ «المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق» وصححه النووي في المجموع (9/464) والألباني في الإرواء (1303).

[110]    أخرجه البخاري في الإيمان/ باب علامة المنافق (33)؛ ومسلم في الإيمان/ باب خصال المنافق (58) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[111]    سبق تخريجه ص(18).

[112]    أخرجه الدارقطني (3/46)؛ والبيهقي (6/28) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.

               قال الدارقطني: «اضطرب في إسناده مسلم بن خالد وهو سيئ الحفظ ضعيف»، وضعفه ابن القطان، انظر: «بيان الوهم والإيهام» رقم (431).

[113]    أخرجه البخاري في المظالم/ باب إثم من ظلم شيئاً من الأرض (2452)، ومسلم في البيوع/ باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (1610) عن سعيد بن زيد ـ رضي الله عنه ـ، واللفظ لمسلم.

[114]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب إثم من باع حرّاً (2227) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[115]    سبق تخريجه ص(100).

[116]      سبق تخريجه ص(227).

[117]    أخرجه البخاري في الشهادات/ باب من أقام البينة بعد اليمين (2680)، ومسلم في الأقضية/ باب بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن (1713) عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ.

[118]    أخرجه أحمد (3/401)، وأبو داود في الحدود/ باب فيمن سرق من حرز (4394)، والنسائي في قطع السارق/ باب ما يكون حرزاً وما لا يكون (8/69)، وابن ماجه في الحدود/ باب من سرق من حرز (2595)، وصححه الحاكم (4/380) ووافقه الذهبي، وانظر: الإرواء (2317).

[119]    أخرجه البخاري في الأدب/ باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (6019) عن أبي شريح العدوي ـ رضي الله عنه ـ ومسلم في الإيمان/ باب الحث على إكرام الجار والضيف... (47) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[120]    أخرجه البخاري في الأدب/ باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه (6016) عن أبي شريح ـ رضي الله عنه ـ.

[121]    أخرجه البخاري في الأدب/ باب الوصاءة بالجار (6014)، ومسلم في الأدب/ باب الوصية بالجار والإحسان إليه (2624) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.

[122]    أخرجه مسلم في الأدب/ باب الوصية بالجار والإحسان إليه (2625) (142) عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ.

[123]    أخرجه البخاري في المظالم/ باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره (2463)، ومسلم في البيوع/ باب غرز الخشب في جدار الجار (1609) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[124]    سبق تخريجه ص(249).

[125]    سبق تخريجه ص(249).

[126]    سبق تخريجه ص(249).

[127]    مما يدل على ذلك قصة قلع عمر ـ رضي الله عنه ـ لميزاب بيت العباس ـ رضي الله عنه ـ وكان مشرعاً على الشارع، فقال له العباس ـ رضي الله عنه ـ: والله ما وضعه حيث كان إلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأمره عمر ـ رضي الله عنه ـ برده، أخرجه عبد الرزاق (15264)؛ والحاكم (3/332)؛ والبيهقي (6/66)؛ وقال الهيثمي في «المجمع» (4/206): «رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن هشام بن سعد لم يسمع من عبيد الله». وضعفه الألباني في «الإرواء» (5/256).

[128]    سبق تخريجه ص(37).

[129]    أخرجه البخاري في المظالم/ باب لا يمنع جار أن يغرز خشبه في جداره (2463)؛ ومسلم في المساقاة/ باب غرز الخشب في جدار الجار (1609)، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[130]    أخرجه مالك في «الموطأ» (2/746)؛ وصحح إسناده الحافظ في «الفتح» تحت الحديث (2463).

[131]    الروض مع حاشية ابن قاسم (5/160).

[132]    سبق تخريجه ص(37).

[133]    الروض مع حاشية ابن قاسم (5/161).

 

 

تاريخ التحديث : Feb 19, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com