|
بَابُ الحَجْرِ
وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَفَاءِ شَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ وَحَرُمَ حَبْسُهُ، وَمَنْ مَالُهُ قَدْرَ دَيِنِه لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ وَأُمِرَ بِوَفَائِهِ، فَإنْ أَبَى حُبِسَ بِطَلَبِ رَبِّهِ، فَإِنْ أصَرَّ وَلَمْ يَبِعْ مَالَهُ بَاعَهُ الحَاكِمُ وَقَضَاهُ وَلاَ يُطَالَبُ بمُؤَجَّلٍ.
قوله: «باب الحجر» الحجر في اللغة: المنع والتضييق، ومنه سمي العقل حِجْراً، قال: ـ تعالى ـ: {{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ *}} [الفجر: 5] ، أي: لذي عقل، وسمي العقل حجراً؛ لأنه يمنع صاحبه من فعل ما لا يليق شرعاً أو عرفاً.
أما في الاصطلاح: فهو منع إنسان من التصرف في ماله، وذمته، أو في ماله فقط.
وهو قسمان: إما لمصلحته أو لمصلحة غيره، أي أن الحجر قد يكون لمصلحة المحجور عليه، وقد يكون لمصلحة غيره، فإن كان لمصلحته فهو حجر في المال والذمة، وإن كان لمصلحة الغير فهو حجر في المال فقط.
فمثلاً إذا قلنا للموصي: لا توص بأكثر من الثلث، أي: حجرنا عليه فيما زاد على الثلث فهذا لمصلحة الغير، فيمنع من التصرف في ماله ولا يمنع من التصرف في ذمته، وإذا حجرنا على السفيه ألا يتصرف في ماله أو ذمته فهذا لمصلحة نفسه، فالمهم أن الحجر تارة يكون لمصلحة الغير، وتارة يكون لمصلحة المحجور عليه نفسه، وله أسباب تتبين في الشرح.
قوله: «ومن لم يقدر على وفاء شيء من دَينه لم يطالب به وحرم حبسه» .
قسم المؤلف ـ رحمه الله ـ المدين إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من لم يقدر على وفاء شيء من دينه، يعني ليس عنده شيء يفي به، كرجل عليه مائة درهم، لكن ليس عنده شيء، فكيف نعامل هذا؟
يقول المؤلف: «لم يطالب به وحرم حبسه» يعني لا يحل لغريمه أن يطالبه، بل ولا أن نطلبه؛ دليل ذلك قوله ـ تعالى ـ: {{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}} [البقرة: 280]، ولما قال: {{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}}. قال: {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا}} [الطلاق: 7] ، إذاً هذا لا يتعرض له ويترك حتى يرزقه الله ويوفي دينه، هذا الذي لا يستطيع وفاء شيء من دينه، فليس عنده شيء أبداً.
وبهذا نعرف أن أولئك الظلمة، الذين يطالبون الغرماء الذين ليس عندهم شيء، لا يخافون الله، ولا يرحمون عباد الله، لا يخافون الله؛ لأنهم عصوا الله، فالله يقول: {{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}}، وهؤلاء لم ينظروه، ولم يرحموا عباد الله؛ لأنهم يكلفون العبد ما لا يطيق، وربما أدى ذلك إلى حبسه؛ لأن بعض القضاة قد لا يتصرف تصرفاً حسناً، فيحبس هذا الغريم مع أنه لا يستطيع الوفاء، وما أحسن أن تقرأ في حاشية العنقري كلاماً لابن هبيرة.
وقوله: «وحرم حبسه» حرم على ولي الأمر أن يحبسه، سواء حبسه في السجن العام، أو حبسه في بيته؛ لأن الحبس لا يعني أن يكون في السجن العام، بل قد يحبس الإنسان في بيته ويرسم عليه، ويقال: لا تخرج من البيت؛ لما سبق من الآيات التي ذكرناها.
فلا يحل للقاضي أن يحكم بحبس المطلوب؛ لأن حبسه ليس فيه فائدة بل لا يزيد الأمر إلا شدة، ليدعه يطلب الرزق في أرض الله فلعله أن يوفي، بل ويحرم على القاضي سماع الدعوى في مطالبته متى تبين له أنه فقير، ويجب على القاضي إذا نهى من له الدين عن الطلب وأصرَّ، أن يؤدب هذا المطالب؛ لأنه فعل معصية، وقد قال العلماء: التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، لكن لو ادَّعى العسرة وهو كاذب فلا بد من بينة، فلو ادعى العسرة وليس هناك قرينة تدل على أنه موسر فإنه يحلف ويخلى، فإن كان هناك قرينة تدل على أنه موسر فللقاضي أن يحبسه.
قوله: «ومن ماله قدر دينه لم يحجر عليه» لا يعني بذلك أن يكون المال قدر الدين سواء بسواء، بل المراد من ماله قدر دينه أو أكثر فإنه لا يحجر عليه، كرجل عليه مائة درهم وبيده مائة درهم، فهذا ماله قدر دينه، فلا يحجر عليه؛ لأنه لا حاجة للحجر.
مثال آخر: رجل عليه مائة درهم وبيده مائتا درهم، فهذا لا يحجر عليه، إذاً مراد المؤلف بقوله: «من ماله قدر دينه» هذا الحد الأدنى، يعني قدر الدين أو أعلى فإنه لا يحجر عليه، ولا يمنع من التصرف في ماله ولكن ماذا نفعل؟
يقول: «وأمر بوفائه» «أمر» مبني لما لم يسمَّ فاعله، فمن الفاعل الآمر؟
الجواب: هو ولي الأمر من قاض، أو أمير، أو غيرهما، فإن أبى حبس بطلب رب الدين أي: صاحب الدين، فيحبسه ولي الأمر إما في السجن العام، وإما في بيته، وإما في بيت آخر، المهم أنه يمنع من التصرف، ومن التجول.
قوله: «فإن أبى حبس بطلب ربه» أي: رب الدين، والرب هنا بمعنى الصاحب، فهو يطلق على عدة معانٍ منها الصاحب، يعني إذا طلب صاحب الدين أن يحبس حبس؛ والدليل على الحبس قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَيُّ الواجد ظلم يُحل عرضه وعقوبته»[(134)]، «لَيّ» بمعنى مطل، و«الواجد» هو القادر على الوفاء، «عرضه»، أي: غيبته في الشكوى بأنه مماطل، و«عقوبته» لم يبين نوع العقوبة، فقال بعض العلماء: الحبس، وعندي أن الحديث ينبغي أن يكون على إطلاقه، وأن يراد بالعقوبة ما تجعله يوفي ما عليه، فقد يكون الحبس أنكى له فيبادر بالوفاء، وقد يكون الضرب أنكى، وقد يكون التشهير به أنكى له فيبادر بالقضاء، فالصحيح أن العقوبة مطلقة ترجع إلى اجتهاد القاضي، هذا إذا كان ماله قدر دينه.
فإن لم يطلب وقال للقاضي ـ مثلاً ـ لما رأى أنه متوجه إلى حبسه: لا تحبسه، إذا آل الأمر إلى حبسه فأنا أصبر، فهنا لا يحبس؛ لأن الحق لصاحب الدين ولو شاء أن يبرئه لأبرأه، فإذا كان الحق حقه ولو شاء أن يبرئه لأبرأه فهنا يبرئه من الحبس، فيقول: لا يُحبس اتركه متى أراد أوفى، فإن أصر حبس، وهذه الصورة قد تكون نادرة، لكن ربما تقع من بعض السفهاء أو من بعض من يريد الإضرار بالدائن، المهم يحبس يومين أو ثلاثة أو أكثر.
قوله: «فإن أصر ولم يبع ماله باعه الحاكم وقضاه» ولم يذكر المؤلف الضرب، يعني أنه يحبس ولا يضرب، وظاهر كلامه أنه لا يضرب.
وقال بعض أهل العلم: بل يضرب، فيعزر كل يوم، لكن لا يزاد على عدد الجلدات التعزيرية، وهي على المشهور عشر جلدات، كل يوم نجلده عشر جلدات، فيحبس ليلاً ونهاراً ويجلد صباحاً، ويقال له: أوف ما عليك وإذا لم ينفع فيه حبس ولا ضرب، حينئذٍ يبيع الحاكم ماله ويقضي دينه، لكن المؤلف ـ رحمه الله ـ مشى على أنه لا ضرب؛ لأنه لا فائدة، فرجل صبر على الحبس ولم يوف فما الفائدة من ضربه؟ لكن لو رأى ولي الأمر من قاض أو أمير، أن ضربه قد يفيد فله أن يضربه ضرباً غير مبرح، وعلى هذا فنجعل الضرب ليس لازماً بل هو راجع إلى المصلحة.
وظاهر كلام المؤلف أن الحاكم لا يبيع ماله فوراً، بمعنى أنه إذا قيل له: أوف الدين، قال: لا، قلنا: نحبسك، قال: احبسوني، فظاهر كلام المؤلف: أنه لا يباع، وإنما يستعمل معه الحبس، وإلى متى؟ إلى يومين أو ثلاثة أو أربعة، فلم يحدد، بل إلى أن يوفي، وإلا سيبقى في الحبس دائماً، ولا شك أن هذا فيه إضرار بلا مصلحة، إضرار بصاحب الدين من جهة، وإضرار بالغريم المدين من جهة أخرى.
ولهذا لو كان أحد من العلماء يقول: بأنه لا يحبس ولا يضرب، وإنما يتولى الحاكم الوفاء مباشرة مما عنده، لو قيل بهذا لكان له وجه؛ لأن في ذلك مصلحة للطرفين، أما صاحب الحق فمصلحته ظاهرة أنه يسلم إليه الحق، وأما المدين وهو الغريم فالمصلحة في حقه انتفاء الضرر عليه بالسجن أو الضرب، وحينئذٍ نقول: إذا استوفى صاحب الحق حقه، فلا حرج على القاضي أو ولي الأمر أن يؤدب هذا المماطل بحبس، أو ضرب، فيكون هنا التأديب فيه مصلحة، ألا يعود مثل هذا إلى المماطلة، وأما المبادرة بتولي قضاء الدين ففيه مصلحة لصاحب الدين.
وقوله: «فإن أصر ولم يبع ماله باعه الحاكم وقضاه» «باعه» الهاء تعود على المال، و«الحاكم» القاضي، وكلما جاءت كلمة «الحاكم»، فالمراد به القاضي، لكن لو أنه جَعَلَ هيئةً للنظر في الديون، صارت هذه الهيئة تتولى شؤون الديون، ولا يتولاها الحاكم.
مسألة: هل يجوز أن يشتري الناس والمالك لم يرضَ؟ يجوز، لأنه بيع بحق والبيع لا يصح إذا كان مكرهاً بغير حق، أما إن كان بحق فلا بأس به، ومن ثَمَّ ننتقل إلى مسألة مشكلة وهي ما تأخذه الحكومة تعزيراً، فهل يجوز أن نشتريه إذا عرض للبيع؟ نعم يجوز؛ لأنها أخذت بحق مثل السيارات والأراضي ونحوها.
وقوله: «باعه الحاكم» هذا مقيد بما إذا لم يكن المال عنده من جنس الدين، فإن كان من جنس الدين فلا حاجة لبيعه.
مثاله: رجل يُطْلَبُ منه مائة صاع بر، وعنده مائة صاع بر، إذاً ماله الآن قدر دينه فلا يحجر عليه، ومن جنس دينه فلا يباع، اللهم إلا أن يكون ما في ذمته موصوفاً بصفات لا توجد في هذا البر الذي عنده، فحينئذٍ لا بد من بيعه، سواء كان الذي عنده أطيب أو أردأ، إن كان أردأ فإن صاحب الحق لا يرضى، وإن رضي فلا حرج، وإن كان أطيب فإن المدين لا يرضى وإن رضي فلا حرج.
قوله: «ولا يطالب بمؤجل» يعني أن المدين لا يطلب ولا يطالب ـ أيضاً ـ بمؤجل حتى يحل أجله، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم»[(135)]، وصاحب الدين قد رضي بتأجيله، فيجب عليه الانتظار حتى يحل الأجل، فإذا حل الأجل عملنا ما سبق، يعني صار كالحال.
وَمَنْ مَالُهُ لاَ يَفِي بِمَا عَلَيْهِ حَالًّا وَجَبَ الحَجْرُ عَلَيْهِ بِسُؤَالِ غُرَمَائِهِ أَوْ بَعْضِهِمْ وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ، وَلاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ بَعْدَ الحَجْرِ، وَلاَ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ بَاعَهُ أَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئاً بَعْدَهُ رَجَعَ فِيهِ إِنْ جَهِلَ حَجْرَهُ وَإِلاَّ فَلاَ،
قوله: «ومن ماله لا يفي بما عليه حالًّا وجب الحجر عليه» هذا هو القسم الثالث، مثاله: رجل له ألف ريال وهو مطلوب بألفين، فالمال الذي عنده لا يفي بما عليه حالًّا، فماذا نصنع؟
يقول المؤلف: «وجب الحجر عليه» أي: وجب على الحاكم الذي يتولى هذه الأمور الحجر على من ماله لا يفي بما عليه.
قوله: «بسؤال غرمائه» يعني إذا سأل الغرماء الحجر عليه.
قوله: «أو بعضهم» أي: أو سأل بعضهم الحجر عليه وجبت إجابته، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حجر على معاذ ـ رضي الله عنه ـ وباع ماله في دين عليه[(136)]، هذا من جهة الأثر، وإن كان فيه مقال.
ومن جهة النظر؛ فلأنه في الحجر عليه حماية لحق الدائن وحماية لذمة المدين، فالدائن حتى يعطى حقه أو بعضه، وحماية لذمة المدين لئلا تبقى ذمته معلقة مشغولة بالدين دائماً، وهذه مصلحة كبرى عظيمة للدائن والمدين، فكان مقتضى النظر الصحيح أن يثبت الحجر.
ومن جهة النظر ـ أيضاً ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل مطل الغني ظلماً[(137)]، وهذا وإن لم يكن غنيّاً الغناء التام الذي يوفي، لكن عنده بعض الشيء فيكون ظالماً بمنع الحقوق، والظلم يجب رفعه، ولا سبيل لنا إلى رفعه في هذه الحال إلا بالحجر عليه؛ لأنه لو قال قائل: احبسوه، كما في القسم الثاني، قلنا: ولو حبسناه ليس فيه فائدة؛ لأن المال الذي عنده لا يفي بخلاف القسم الثاني فالمال يفي، أما هنا فلا حاجة، والظلم تجب إزالته، فلهذا وجب الحجر.
ومعنى الحجر أن نمنعه من التصرف في ماله، لا في ذمته، فلا يتصرف ببيع ولا شراء ولا هبة ولا وقف ولا رهن، ولا غير ذلك، فإذا كان صاحب متجر أغلقنا المتجر بحيث لا يتصرف فيه بشيء، ولو صاحب زراعة، منعناه من التصرف في زراعته، المهم أن نمنعه من التصرف في أعيان ماله، حفظاً لذمته ولحق الغرماء.
قوله: «ويستحب إظهاره» أي: إظهار الحجر بوسائل الإعلام، فلان محجور عليه؛ وذلك لفائدتين:
الأولى: ليظهر من له دين عند هذا الرجل؛ لأنه إذا اشتهر أنه حجر عليه فأهل الدين سيأتون.
الثانية: لئلا يغتر الناس فيعاملوه بعد الحجر، ومعلوم أن معاملته بعد الحجر باطلة، يعني لو أن أحداً اشترى منه شيئاً بعد الحجر، فإن الشراء لا يصح ولا ينفذ، فيعلم الناس حتى لا يغتروا بمعاملته؛ لأنه إذا لم يعلم فإنه ربما يغتر الناس ويعاملونه، فيستحب إظهاره لما فيه من الفائدة للمحجور عليه، وللغرماء ولغيرهم من الناس.
قوله: «ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر» يعني بعد أن نحجر عليه لا ينفذ تصرفه في ماله، لا ببيع ولا شراء ولا تأجير ولا هبة ولا رهن ولا وقف، فأي تصرف في المال لا ينفذ؛ لأنه محجور عليه فأصبحت أمواله مشغولة بحقوق الغرماء، فصار كالراهن يبيع الرهن، وبيع الرهن ـ كما سبق ـ غير صحيح، وهذه فائدة الحجر، أن نمنعه من التصرف في ماله لحق الغرماء، فهذا محجور عليه لحق غيره.
مثال ذلك: رجل حجرنا عليه وعنده سيارة قد وضعها في المعرض قبل الحجر عليه، فهل يمكن أن يبيعها؟
الجواب: لا يمكن؛ لأنه إذا حجر عليه لا يمكن أن يتصرف.
وقوله: «في ماله» يؤخذ منه أنه يصح تصرفه في ذمته، بأن يشتري شيئاً بثمن مؤجل، وهو كذلك، فلو اشترى المحجور عليه في ذمته لم نمنعه؛ لأن المال الذي حجر عليه لا يتضرر بذلك، ولكن البائع لا يدخل مع الغرماء فيما حجر عليه فيه هذا الشخص، فإذا اشترى من شخص سيارة فنقول: الشراء صحيح، لكن لا ينقد ثمنها من المال الذي عنده، وتكون السيارة للمحجور عليه.
وصاحب السيارة لا يدخل مع الغرماء في ماله السابق؛ وذلك لأنه حجر عليه قبل هذا التصرف.
وقوله: «بعد الحجر» يؤخذ منه أن تصرفه قبل الحجر صحيح، ولو أضر بالغرماء، فلو كان عليه دين وماله أقل من دينه، وتصرف فيه بالهبة بأن وهب من وجد من الناس، فتصرفه صحيح.
مثاله: إنسان عليه عشرة آلاف، وليس عنده إلا ثمانية آلاف، فذهب يتبرع للناس، فكل من وجد تبرع له، فنقول: لا يصح التبرع، مع أنه بالغ عاقل رشيد؛ لأن المال الآن تعلق به حق الغرماء.
فظاهر كلام المؤلف أن تصرفه صحيح ولو أضر بالغرماء ولكنه آثم، وهذا هو المذهب.
واختار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أن تصرفه قبل الحجر، إن كان مضراً بالغرماء فهو غير صحيح ولا نافذ، وإن كان غير مضر فهو صحيح ونافذ، وهذا أصح؛ ووجهه أن تصرفه في ماله تصرفاً يضر الغرماء حرام ـ حتى على المذهب ـ والشيء الحرام لا يجوز أن ينفذ؛ لأن تنفيذ ما حرم الله مضادة لله ـ عزّ وجل ـ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» [(138)]، ولهذا سئل الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عن المدين، هل يتصدق أو لا؟ قال: بالشيء اليسير كالخبزة وشبهها، وأما ما يضر بالغرماء فلا يجوز، على أننا نرى أنه لا يجوز أن يتصدق ولو بالقليل ما دام عليه دين أكثر مما عنده من المال؛ لأن القليل، مع القليل كثير، فإذا قلنا تصدق ـ مثلاً ـ بدرهم على هذا الفقير، فجاء فقير آخر تصدق بدرهم وهلم جراً، فصار القليل كثيراً فالمنع أولى؛ ولأننا إذا منعناه من الصدقة، وقلنا: لا يمكن أن تتصدق، صار ذلك أشحذ لهمته في وفاء دينه؛ لأن الإنسان قد لا يحتمل أن يبقى لا يتصدق.
ولو أراد أن يعتمر وعليه دين أكثر من ماله، ومعه مال الآن يستطيع أن يعتمر به، فإننا نقول: لا تعتمر، وهذا حرام عليك، قال: ما أديت الفريضة، قلنا: لا فريضة عليك؛ لأن من شرط وجوب العمرة والحج ألا يكون على الإنسان دين، فليس عليك فريضة الآن، قال: زملائي يحجون، قلنا: ولو كان، فلا يمكن حتى توفي الدَّين، فإذا قال: يريدون أن أذهب معهم مجاناً، فهذا فيه تفصيل:
إن كان يمنعه من عمل يكسب به فلا يجوز، وإن كان لا يمنعه وهو إنسان عاطل ليس عنده عمل، أو جاءت الإجازة ـ مثلاً ـ فلا حرج؛ لأنه هنا لا يضر بالغريم في شيء.
والعجب أن بعض الناس ـ نسأل الله لنا ولهم الهداية ـ تكون عليهم الديون ويقومون بإكرام الناس ودعوتهم كما يفعل الغني، هذا خطأ! وهو آثم في ذلك؛ لأن قضاء الدين واجب، ومثل هذه الأمور مستحبة وليست بواجبة؛ لكن أكثر الناس لا يعقلون هذا الأمر ويستهينون بأمر الدَّيْن، مع أن أمر الدَّيْن عظيم جدّاً، حتى إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يفتح الله عليه كان إذا قدمت إليه جنازة وعليها دين يمتنع من الصلاة عليها[(139)]، وهذا أمر عظيم، الرسول صلّى الله عليه وسلّم لا يشفع له! وكذلك ـ أيضاً ـ الرجل يقتل في سبيل الله، تكفر الشهادة كل شيء إلا الدَّين، ولهذا لما سئل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الشهادة قال: «إنها تكفِّر كل شيء» ، فانصرف الرجل فناداه فقال: «إلا الدَّين أخبرني بذلك جبريل آنفاً» [(140)]، فالتهاون بالدين ليس من العقل ولا من الشرع أيضاً.
والخلاصة الآن: يحجر على المدين إذا كان ماله أقل من دينه، لكن بشرط سؤال الغرماء أو بعضهم، فإن لم يسألوا فلا حرج إذا لم يحجر عليه، لكن الصحيح أنه محجور عليه شرعاً، لا حكماً، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مطل الغني ظلم» ،[(141)] والتبرع بماله يؤدي إلى المطل، وعدم الوفاء، فيكون ذلك ظلماً، لكن يفترق عن المحجور عليه حكماً، بأن هذا يصح أن يتصرف في ماله بغير التبرع، فيجوز أن يتصرف لكن لا يتبرع فيبيع ويشتري ـ مثلاً ـ ولا حرج، فهذا هو الفرق.
ولهذا نقول للمدين الذي ماله أقل من دينه ولم يحجر عليه: بع واشتر ليس ثمة مانع، لكن لا تتصدق ولا تتبرع، وإذا جاءه صاحب له وأراد أن يبيع عليه ما يساوي عشرة بثمانية فهذا لا يجوز؛ لأن هذا تبرع في الواقع.
قوله: «ولا إقراره عليه» يعني لا يصح بعد الحجر أن يقر على شيء من ماله الذي بيده، ويصح إقراره في ذمته.
مثال ذلك: لما حجرنا عليه قال: هذه السيارة لفلان، فلا يقبل إقراره على المال، لكن يقبل في ذمته وكيف ذلك؟ نقول: أما السيارة الآن فإنها تباع ويوفى منها الدين، وأما الذي أقر له بالسيارة فيطالبه بعد فك الحجر عنه، ويقول: أعطني قيمة السيارة، فإقراره على عين ماله لا يقبل.
والحكمة من أنه لا يقبل؛ لئلا يتواطأ الغريم وآخر على الإقرار، بأن هذا الشيء للآخر؛ من أجل ألا يباع في دينه.
مثاله: إنسان حجرنا عليه وعنده سيارة تساوي خمسين ألفاً، فجاءه صاحب له فقال: يا فلان أقر بأن السيارة لي؛ من أجل ألا تباع في الدين، هذا وارد لا شك، ولهذا يسد الباب.
كذلك لو قال لشخص: إن له علي ألف درهم في ذمتي، بعد أن حجرنا عليه، فهنا لم يقر بعين وإنما أقر بدين.
قلنا: لا يقبل بمعنى أنه لا يدخل مع الغرماء، ولكن يطالب بعد فك الحجر عنه؛ لأن التهمة حاصلة، فقد يأتي إنسان صاحباً له ويقول: أنت عليك دراهم للناس، أقر لي بشيء حتى أشاركهم، وإذا أخذته أعطيتك إياه، وهذا وارد، فإننا نقول: لا يقبل إقراره بالنسبة لمشاركة الغرماء، أما بالنسبة لبقاء الدين في ذمته فهو باق، ولهذا قال: «ولا إقراره عليه» أي: على ماله، يعني على أعيان ماله لا يقبل.
قوله: «ومن باعه أو أقرضه شيئاً بعده» أي: بعد الحجر.
قوله: «رجع فيه» أي: فيما باعه أو أقرضه.
قوله: «إن جهل حجره وإلا فلا» يعني إنسان باع على المحجور عليه شيئاً وهو لا يعلم ـ والمراد أنه باعه في ذمته؛ لأنه سبق أنه لو باعه بماله لم يصح ـ ثم علم أنه محجور عليه، فإننا نقول له: ارجع بمالك ولا ضرر؛ لأن التصرف معه بعد الحجر غير نافذ، حتى لو فرض أن هذا المحجور عليه استعمله يومين أو ثلاثة أو أكثر، فيكفيك أن يرجع إليك عين مالك.
مثال هذا: رجل باع على هذا المحجور عليه سيارة بخمسين ألفاً، وهو لا يدري أنه محجور عليه ثم علم، فنقول: خذ السيارة ما دمت لم تعلم، فإن كان عالماً فإنه لا يرجع وتدخل السيارة في دينه، تباع وتوزع على الغرماء، ولا يدلي مع الغرماء؛ لأن هذا التصرف وقع بعد أن منع هذا من التصرف.
وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ أقَرَّ بِدَيْنٍ أَوْ جِنَايَةٍ تُوجِبُ قَوَداً أَوْ مَالاً صَحَّ وَيُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الحَجْرِ عَنْهُ، وَيَبِيْعُ الحَاكِمُ مَالَهُ وَيُقَسِّمُ ثَمَنَهُ بَقَدْرِ ديونِ غُرَمَائِهِ،
قوله: «وإن تصرف في ذمته» المحجور عليه لا يصح تصرفه في عين ماله، فإذا حجرنا على الرجل لوجود دين عليه أكثر مما معه فإنه لا يمكن أن يبيع شيئاً من ماله ولو قلّ، فلا يمكنه أن يبيع قلماً، ولا ساعة، ولا غيره؛ لأن أعيان ماله تعلق بها حق الغرماء، لكن إن تصرف في ذمته فلا بأس، ومعنى تصرفه في ذمته أي: لو استقرض من شخص شيئاً فلا حرج، فهذا الرجل الذي حجرنا عليه لو احتاج إلى مال واستقرض من غيره فلا حرج، فإذا كان عليه دين يبلغ عشرة آلاف، والمال الذي عنده يساوي ثمانية آلاف، فإننا نحجر عليه ولا يتصرف في ماله، فإذا استقرض من شخص مالاً فالقرض هنا صحيح؛ لأنه لم يتصرف في المال الذي حجرنا عليه فيه وإنما يتصرف في ذمته، وكذلك ـ أيضاً ـ لو اشترى شيئاً لكن لم يشتر بعين ماله، كما لو اشترى من شخص بيتاً أو سيارة فلا بأس؛ لأن الحجر عليه إنما هو في أعيان المال فقط، أما الذمة فليس عليها حجر.
قوله: «أو أقر بدين» أي: حال الحَجْر أقر بدَين، يعني أن هذا الرجل الذي عليه عشرة آلاف، وعنده ثمانية وحجرنا عليه، بعد الحجر قال: في ذمتي لفلان أربعة آلاف، فإننا لا نقبله على المال الموجود نقبله في ذمته، فنقول: الآن ثبت في ذمتك للذي أقررت له أربعة آلاف، لكن لا تؤخذ أربعة الآلاف من المال؛ لوجهين:
الأول: أن هذا التصرف بعد الحجر والتصرف بعد الحجر لا يمكن أن يصح فيما يتعلق بالمال.
الثاني: أن هذا المدين ربما يتفق مع شخص ويقول: سأقر لك بخمسين ألف ريال من أجل أن يشارك الغرماء، فإذا وزعت الدراهم وأخذ هذا المُقَرُّ له الدراهم، أعادها على المحجور عليه.
قوله: «أو جناية توجب قوداً» أي: أقر بجناية توجب قوداً، فقال: إن عبده قطع يد إنسان من المفصل، أو أقر بأنه قطع يد إنسان من المفصل واختار المجني عليه الدية.
فكلمة «توجب قوداً» تشمل ما إذا أقر على نفسه بجناية توجب قوداً فإنه يصح، لكن لا يطالب بالدية إلا بعد فك الحجر.
والجناية التي توجب قوداً مثل أن يقر أنه قطع يد إنسان من المفصل عمداً، فهذه جناية توجب القود وهو القصاص، فنقول: الإقرار صحيح، لكن المُقَرَّ له إذا اختار الدية لا يشارك الغرماء؛ لأن هذا الإقرار بعد الحجر ولا يطالبه إلا بعد فك الحجر، ما لم يطالب بالقود، فإن طالب بالقود فلا بأس أن يقاد، بأن قال المقر له: أنا أريد أن يقتص منه وتقطع يده، قلنا: لا بأس؛ لأن هذا لا يتعلق بماله.
قوله: «أو مالاً صح» الجناية التي توجب المال، مثل القطع من دون المفصل، يعني لو قطعه من الذراع من دون المفصل فلا قود فيه، وإنما يجب المال، والمال إذا كان في الإنسان شيئان فإن في أحدهما نصف الدية، فهذا قطع يده من نصف الذراع فلا قود ولكن فيه نصف الدية، فإذا أقر بذلك يقبل الإقرار، ولا يطالب به إلا بعد فك الحجر.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن تكون الجناية جديدة أو قديمة، فلو فرض أن هذا الرجل الذي أقر المحجور عليه بأنه هو الذي قطع يده، أن يده قد برئت منذ زمن والحجر ليس له إلا عشرة أيام فقط، فهنا نعلم أن القطع كان قبل الحجر، وأن الدية وجبت قبل الحجر، لكن نقول: شرط وجوب الدية هو الإقرار ولم يكن إلا بعد الحجر، واحتمال أن يكون المحجور عليه كاذباً في إقراره وارد، فالمهم أنه لو أقر بجناية توجب قوداً أو مالاً فالإقرار صحيح، لكن لا يطالب به إلا بعد فك الحجر.
وكذلك لو كان له عبد وأقر بأن عبده جنى، والعبد من جملة المال يباع في الدين، فإننا لا نقبله إلا بعد فك الحجر، أما الآن فلا.
قوله: «ويطالب به بعد فك الحجر عنه» أي: بما أقر به بعد فك الحجر، ويفك الحجر إذا أعطينا الغرماء ما وجدوه من ماله، فإذا قسم ما وجدنا من ماله على الغرماء فقد انتهى الحجر، فيطالب بما أقر به ويطالب بما ثبت في ذمته، فإن حجرنا عليه مرة ثانية شارك من أقر لهم غرماءه الأولين، فالأحكام التي تترتب على الحجر هي:
الأول: لا ينفذ تصرفه في ماله.
الثاني: أن إقراره بعد الحجر لا يصح على ماله، ولكن يصح في ذمته ويطالب به بعد فك الحجر.
قوله: «ويبيع الحاكم ماله» هذا هو الحكم الثالث، الحاكم أي: القاضي، وهل المراد أن الحاكم نفسه يتولى بيعه فيقف في السوق ويقول: من يشتري هذا، أو يأمر من يبيع؟
الجواب: الثاني؛ لأن الحاكم عادة ـ الذي هو القاضي ـ لا يقف في الأسواق يقول: من يشتري هذا المال؟ لكن يأمر من يبيع ماله، أي: مال المحجور عليه، لكن بشرط ألا يكون ماله من جنس الدين، فإن كان من جنس الدين فإنه لا يبيعه؛ لأنه لا حاجة للبيع حينئذٍ، ولأن البيع قد يضر هذا المحجور عليه، فربما يباع الشيء بأقل من قيمته، والبيع يحتاج إلى نقل وتفريغ وأجرة دلاَّل، وهذا ضرر على المحجور عليه.
قوله: «ويقسِّم ثمنه بقدر ديون غرمائه» أي: ثمن المبيع يقسم بقدر ديون الغرماء، ولا فرق بين ما ثبت قريباً وما ثبت بعيداً، بمعنى أننا لا نقدم الدين الأول، على الدين الثاني.
وكيفية ذلك أن تَنْسِبَ الموجود للدين، فما حصل من النسبة فهو لكل واحد من دينه بقدر تلك النسبة.
مثال ذلك:الدَّيْنُ عشرة آلاف ريال والموجود ثمانية، انسب الثمانية إلى العشرة تكن أربعة أخماس، فلكل واحد من الغرماء أربعة أخماس ماله، فمن له ألف نعطيه ثمانمائة، ومن له مائة نعطيه ثمانين، وإذا كان دين أحدهم خمسة ريالات فإننا نعطيه أربعة ريالات وهلم جرّاً؛ لأن النسبة هكذا تكون.
وَلاَ يَحِلُّ مُؤَجَّلٌ بِفَلَسٍ وَلاَ بِمَوْتٍ إِنْ وَثَّقَ وَرَثَتُهُ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ وَإنْ ظَهَر غَرِيمٌ بَعْدَ القِسْمَةِ رَجَعَ عَلَى الغُرَمَاءِ بقِسْطِهِ وَلاَ يَفُكُّ حَجْرَهُ إِلاَّ حَاكِمٌ.
قوله: «ولا يحل مؤجل بفلس» يعني إذا كان على الإنسان دين مؤجل وحجر عليه فهل يحل الدين أو يبقى على أجله؟
يقول المؤلف: إنه لا يحل فيبقى على أجله ويطالب إذا حل الأجل.
مثال هذا: إنسان استدان من شخص ديناً لمدة سنة، وفي أثناء السنة حجر على المدين، فجاء صاحب الدين ليطالب مع الغرماء، فنقول: لا حق لك؛ لأنه لم يحل دينك المؤجل؛ لأن الأجل حق للمدين، وحق المدين لا يسقط بفلسه.
فإذا قال صاحب الدين المؤجل: أنتم لما حجرتم عليه سوف تبيعون ماله، ولا يبقى لي شيء، فإننا نقول: لا؛ لأنه لا حق لك فيه، بل أنت على حقك، وربما إذا حل دينك يأتي الله تعالى برزق.
قوله: «ولا بموت» كذلك لا يحل المؤجل بموت، أي موت المدين إلا أن المؤلف استثنى فقال:
«إن وثق ورثته برهن أو كفيل مليء» فإن لم يوثقوا حل.
مثال هذا: رجل عليه عشرة آلاف ريال تحل بعد سنة، ثم مات الرجل فهل يحل الدين؟
الجواب: لا يحل؛ لأن المال انتقل إلى الورثة بأعيانه وأوصافه، ومن أوصافه أنه مؤجل، فالحق للورثة الآن فإذا قالوا: لن نوفيك؛ لأن دينك لم يحل، فالقول قولهم، ولكن اشترط المؤلف «إن وثق ورثته برهن أو كفيل مليء» يعني إذا قالوا: حقك الآن لم يحل ولا تطالبنا بشيء.
فإذا قال: أخشى أن تقتسموا المال ويضيع حقي، قالوا: لك هذا البيت رهناً، والبيت يساوي عشرين ألفاً، والدين عشرة آلاف، وهذا الرهن يكفي للدين، فإذا لم يرهنوه شيئاً، وقال: قدموا لي كفيلاً، قالوا: هذا فلان يكفل دينك، نظرنا فإن كان مليئاً لم يحل الدين، وإن كان غير مليء حل الدين.
والمليء هو القادر على الوفاء بماله وقوله وبدنه.
فالمليء بماله أن يكون عنده أموال تكفي لهذا الدين.
والقادر ببدنه أن يكون ممن يمكن إحضاره لمجلس الحكم عند التحاكم.
والقادر بقوله ألا يكون مماطلاً، فيقول: غداً بعد غد، ويماطل، فإذا أتوا بكفيل غني لو أبى أن يوفي حوكم فالدين لا يحل.
وعلم من قوله: «أو كفيل مليء» أنهم لو جاؤوا بكفيل غير مليء فإن الدين يحل؛ لئلا يضيع حق الدائن، فإذا جاؤوا إليه بكفيل، والكفيل لا يملك إلا ألف ريال، والدين عشرة آلاف، فإنه لا يكفي؛ لأنه ليس مليّاً بماله، وإذا أتوا بكفيل عنده أموال كثيرة، لكنه مماطل لا يكاد يخرج الحق منه، فهذا ـ أيضاً ـ لا يكفي في إحرازه.
فلو أتوا بإنسان غني وعنده مال وغير معروف بالمماطلة، لكن لو ماطل لم نتمكن من إحضاره إلى القضاء، إما لأنه ذو سلطان لا يمكن أن يؤتى به إلى القضاء؛ وإما لأنه قريب للإنسان يخجل أن يجر قريبه إلى القضاء كأبيه ـ مثلاً ـ فهنا نقول: هذا الكفيل لا يكفي فيحل الدين؛ لئلا يضيع حق الدائن، وعلى هذا فإذا توفي رجل وعليه دين لآخر يحل بعد سنة، وجاء صاحب الدين يطالب الورثة، ففيه تفصيل:
إن أعطوه رهناً يكفي، أو أقاموا كفيلاً مليئاً فإن الدين لا يحل، وإلا فإن الدين يحل، ويطالب صاحب الدين الورثة بدينه.
بقي أن يقال: إذا كان هذا الدين ثمن مبيع، فالغالب أن الدين إذا كان ثمن مبيع سوف يزيد على الثمن الحاضر، فإذا كنت أبيع هذه السيارة بعشرة آلاف اليوم، سأبيعها إذا كان الثمن مؤجلاً باثني عشر ألف مثلاً.
مثاله: رجل اشترى سيارة من شخص باثني عشر ألف إلى سنة، وثمنها الحاضر عشرة آلاف ثم مات يوم شرائه، ولم يكن عند الورثة رهن يحرز، ولم يأتوا بكفيل، فحل الدين، فهل للدائن أن يأخذ جميع الدين، أو لا يأخذ إلا ثمنه الحاضر؟
الجواب: على المذهب، أنه يحل بكامله ولا ينزل منه شيء؛ لأنه ثبت في ذمة الميت اثنا عشر ألفاً، والميت لو كان حيّاً لم يوف إلا بعد سنة.
لكن لو قيل: بأنه إذا مات بمثل هذه السرعة في يومه، فينبغي أن يثبت له قيمة السيارة في اليوم الحاضر؛ لأن السعر لم يتغير، أو يقال له: خذ سيارتك لم يأتها شيء.
فالخلاصة الآن: إذا أفلس الرجل المدين فإنه لا يحل دينه ويبقى مؤجلاً.
وإذا مات المدين، فإن فيه تفصيلاً: فإن وثق الورثة من له الدين، برهن يكفي، أو أتوا بكفيل مليء فالدين باق لا يحل؛ لأنه لا ضرر على صاحب الدين، وأما إذا لم يأتوا برهن أو لم يأتوا بكفيل مليء، فإنه يحل الدين؛ لئلا يضيع حقه.
بقي علينا الإشكال الذي أوردناه، هل يحل الدين بكامله، أو يخصم منه ما كان زائداً على الثمن الحاضر؟
فالمذهب أنه يحل الدين بكامله؛ لأنه دين ثبت في ذمة الميت فيبقى على ما هو عليه، والذي ينبغي أن يقال: إنه لا يحل الدين بكامله؛ لئلا نظلم الورثة.
قوله: «وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه» أي: بعد قسمة ماله، يعني حجرنا على الرجل وقسمنا ماله ولم يبق عنده شيء، ظهر بعد ذلك غريم لم يعلموا به من قبل، وقد سبق دينُهُ الحَجْرَ عليه، قال المؤلف: «رجع على الغرماء بقسطه» وما قسطه؟ ننظر نسبة دينه إلى ما أخذه الغرماء، فإذا وجدناه نصف ما أخذه الغرماء، يرجع على كل واحد بنصف ما أخذ، ولو الربع يرجع على كل واحد بربع ما أخذ.
مثال ذلك: الدين ثمانية آلاف والموجود ستة آلاف، قسمنا الستة بين الغرماء، ثم ظهر غريم دينه أربعة آلاف، فإنك تضمها إلى الدين السابق فيكون مجموع الدين اثني عشر ألفاً، ونسبة الدين الذي ظهر إلى مجموع الدين الثلث، فيرجع على كل واحد بثلث نصيبه.
قوله: «ولا يفك حجره إلا حاكم» أي: حجر المحجور عليه لفلس لا يفكه إلا حاكم، والتعليل: لأنه ثبت بحكم الحاكم، وما ثبت بحكم الحاكم لا يرتفع إلا بحكمه.
فلا نقول: إننا إذا قسمنا ماله بين غرمائه انفك الحجر؛ بل لا بد أن يفكه الحاكم، وعلى الحاكم أن يبادر بفك الحجر عنه فلا يماطل، فمثلاً نحن قسمنا ماله الموجود بين الغرماء يوم السبت، فلا يجوز للقاضي أن يؤخر فك الحجر إلى يوم الجمعة مثلاً؛ لأن في ذلك ضرراً عليه، بل نقول: يجب أن يفكه فور قسمته.
فصلٌ
وَيُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ والصَّغِيرِ والمَجْنُونِ لِحَظِّهِمْ وَمَنْ أعْطَاهُمْ مَالَهُ بَيْعَاً أَوْ قَرْضَاً رَجَعَ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ أتْلَفُوهُ لَمْ يَضْمَنُوا،
قوله: «ويحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظِّهم» هذا هو القسم الثاني من أقسام الحجر، وهو المحجور عليه لحظِّ نفسه، وهم ثلاثة:
السفيه: وهو الذي لا يحسن التصرف في المال، فهو بالغ عاقل لكن لا يحسن التصرف في المال، فيذهب يشتري به ما لا نفع فيه ولا فائدة.
الصغير: وهو الذي لم يبلغ.
المجنون: وهو فاقد العقل.
فهؤلاء الثلاثة يحجر عليهم، فلا يمكنون من التصرف في مالهم، لكن لحظهم لا لحظ غيرهم، فإذا كان السفيه مراهقاً حجرنا عليه من وجهين، هما: السفه، والصغر، ولكن لا بأس أن نعطيه ما يتصرف به مما جرت به العادة لنختبره؛ لأن الله تعالى قال: {{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}} [النساء: 6] ، بمعنى أننا لا نحجر عليه حجراً تاماً، بل نعطيه ما يتصرف به بقدره، حتى نعرف أنه يحسن التصرف فإذا بلغ أعطيناه ماله.
والمجنون هل نعطيه شيئاً للاختبار؟
الجواب: لا؛ لأنه مجنون، فلو أعطيناه أيَّ شيء فسوف يفسده.
والسفيه البالغ كالمراهق، بمعنى أننا لا نمكنه من التصرف في ماله كما يريد، ولكن نعطيه شيئاً مما جرت به العادة من الأشياء اليسيرة.
وأطلق المؤلف فلم يقل: يحجر عليهم في أموالهم أو في ذممهم، فهؤلاء محجور عليهم في الأموال، بمعنى أنهم لا يتصرفون في أموالهم، وفي الذمم بمعنى أنهم لا يتصرفون في ذممهم، فلا يستقرضون ولا يشترون شيئاً بدين؛ لأنهم محجور عليهم في المال والذمة.
وقوله: «لحظهم» هذه إشارة إلى الحكمة من الحجر عليهم وهو حظهم ومنفعتهم، فلسنا نحجر على هؤلاء من باب التضييق ولكن من باب المصلحة.
قوله: «ومن أعطاهم ماله بيعاً أو قرضاً رجع بعينه وإن أتلفوه لم يضمنوا» «من أعطاهم» «من» اسم شرط، واسم الشرط يدل على العموم، يعني أيَّ إنسان أعطاهم ماله بيعاً أو قرضاً رجع بعينه، وإن أتلفوه لم يضمنوا.
مثال ذلك: رجل باع على السفيه ساعة ثم إن السفيه أتلفها، فهل يصح البيع؟
الجواب: لا يصح، فإن كان أخذ ثمنها من السفيه وجب عليه رده، وهل يضمنها هذا السفيه؟
الجواب: لا يضمنها؛ لأن الرجل هو الذي سلطه على ماله فلا يضمن، وكذلك لو جاء إنسان سفيه لشخص فقال: أقرضني مائة ريال، وهو يعرفه فقال: هذه مائة ريال، فلو أتلف هذا السفيه مائة الريال فإنه لا يضمنها، لكن إن بقيت المائة في يده فلمن أقرضه إياها أن يأخذها منه؛ لأن هذا التصرف غير صحيح، وإذا قدر أن هذا السفيه اشترى بها حاجة، فهل يرجع عليه بها؟
الجواب: نعم يرجع؛ لأن البدل له حكم المبدل، فإذا جاء هذا السفيه إلى شخص، وقال: أقرضني مائة ريال، قال له: هذه مائة ريال، فذهب واشترى بها ساعة، فهل يرجع الذي أعطاه المائة ريال بالساعة أو لا؟
الجواب: يرجع؛ لأنها بدل ماله، لو وجد ماله عند السفيه لأخذه، فكذلك إذا وجد بدله، أما لو اشترى هذا السفيه بالمائة ريال حلوى وأكلها، أو بطيخاً وأكله، أو عمل بها وليمة دعا إليها أصحابه وأكلها، فإنه لا يضمن؛ لأنه هو الذي سلطه على ماله وهذا سفيه، فكيف تعطي مالك للسفهاء؟!
ومثل ذلك الصغير، فلو جاء الصغير وقال لشخص: سلفني عشرة ريالات، فقال له: خذ هذه العشرة، فأخذها الصغير واشترى بها أشياء وأتلفها فلا يضمن الصغير، لكن لو وجد العشرة بيده، أخذها منه؛ لأنها عين ماله.
ولو جاء الصغير وقال لرجل: إن أبي يقول لك: من فضلك أقرضني مائة ريال، فادعى أن أباه أوصاه بذلك، فأقرضه، ثم إن الصبي أتلفها، هل يضمن؟
الجواب فيه تفصيل: إن صَدَّق الوالد ابنه فإن الأب يضمن؛ لأن الولد قبضها وكيلاً عن أبيه، فإذا تلفت بيد الولد كأنما تلفت بيد أبيه، وإن قال: لم أرسله ولا علمت بذلك، فلا ضمان على الصبي؛ لأن هذا الرجل هو الذي سلط الصغير على ماله.
والذي قررناه هو مقتضى كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ لكن فيه إشكال؛ لأنها جرت العادة في مثل هذا أن الإنسان يقول لابنه، الذي لم يبلغ بأن يكون مراهقاً، أو له إحدى عشرة سنة أو ما أشبه ذلك: يا بني اذهب لجارنا، وقل له: أقرضني مائة ريال مثلاً، فهنا لا شك أن الرجل لم يعطه مائة ريال إلا وهو واثق من أن أباه قد أوصاه، وإلا لم يعطه، فهذه المسألة عندي فيها توقف، وهو أنه إذا جرت العادة بأن صاحبه يرسل إليه ولده ليستقرض منه، فينبغي أن يقال: إنه يضمن، لكن في هذه الحال الذي يضمن هو الوالد؛ لأن الرجل إنما أقرضه بناءً على أن أباه أرسله.
هذا إذا كانت العادة جارية بينهما مطردة، أما إذا لم تكن العادة جارية مطردة فإن هذا الصغير لا يضمن، ووالده ـ أيضاً ـ لا يضمن، إذا كذبه.
وقوله: «ومن أعطاهم» ذكرنا أنها عامة، فإذا كان الذي أعطاهم مثلهم يعني صغيراً أعطى صغيراً، وتلف المال عند الصغير، فهل نقول: عليهم الضمان؛ لأن عطية الصغير هنا غير معتبرة، فكأن الصغير الذي أعطي المال أتلفه بدون إعطاء؛ لأن هذا الإعطاء غير معتبر لكونه ممن لا يصح تصرفه؟ أو نقول: إن هذا الصغير لما سلط الصغير على المال فإنه لا ضمان؟ الأقرب الضمان؛ لأن حق الآدمي مضمون بكل حال، وإعطاء الصغار لمثلهم لا عبرة به.
وَيَلْزَمُهُمْ أرْشُ الجِنَايَةِ، وَضَمَانُ مَالِ مَنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ تَمَّ لِصَغِيرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً،
قوله: «ويلزمهم أرش الجناية» يعني إذا جنى هؤلاء الثلاثة فإن أرش الجناية ـ أي: ما تقدر به الجناية ـ لازم لهم، سواء كانت الجناية على النفس أو على المال، فلو أن هؤلاء الثلاثة اعتدوا على شاة إنسان وكسروها لزمهم أرش الجناية، ولو اعتدوا عليه نفسه وكسروا يده لزمهم أرش الجناية؛ لأن حق الآدمي لا يفرق فيه بين المكلف وغير المكلف؛ إذ إنه مبني على المشاحة، ولا يمكن أن يضيع حق بعمل مكلف أو غير مكلف، فلا بد أن يضمن، لكن إن كانت دية فالدية على عاقلته، وإن كان دون ثلث الدية فهو عليه نفسه.
قوله: «وضمان مال من لم يدفعه إليهم» حتى وإن لم يكن لهم تمييز، فلو أن المجنون اعتدى على مال إنسان وأحرقه فإنه يضمنه؛ لأنه لم يسلطه عليه.
فإذا قال قائل: أليس قد رفع القلم عن ثلاثة؟
قلنا: نعم رفع القلم عن ثلاثة باعتبار حق الله، ولهذا لا يأثم هذا المجنون، ولا يأثم هذا السفيه، ولا يأثم هذا الصغير، ويأثم إذا كان بالغاً، ولكن الضمان لازم لهم؛ لأن هذا حق للآدمي؛ ولذلك لو أن نائماً انقلب على مال أحد وأتلفه فإنه يضمنه؛ لأن الإتلاف يستوي فيه العامد والمخطئ والصغير والكبير.
فإن لم يكن عندهم مال فإنه لا يؤخذ من وليهم، لكن يبقى في ذممهم حتى يكبروا ويتوظفوا أو يتجروا ويؤخذ منهم.
فخلاصة هذا أن هؤلاء الثلاثة محجور عليهم في أموالهم وذممهم، وأن من سلطهم على ماله ببيع أو إجارة أو قرض أو غير ذلك فإنه لا ضمان عليهم؛ لأنه هو الذي سلطهم على ماله، وأما إن اعتدوا هم بأنفسهم فعليهم الضمان، فيلزمهم أرش جناية وضمان مال من لم يدفعه إليهم.
قوله: «وإن تم لصغير خمس عشرة سنة» (خمسَ عشرةَ) بالفتح؛ لأنها مبنية على الفتح، وكل الأعداد المركبة ما عدا اثني عشر مبنية على الفتح، ثلاثةَ عشرَ عاماً، وأربعَ عشرةَ سنة، خمسةَ عشرَ، ستةَ عشرَ، وسبعةَ عشرَ، وثمانيةَ عشرَ، وتسعَ عشرةَ، وأحدَ عشرَ أيضاً، أو إحدى عشرة، أي مبنية على فتح الجزءين، أما اثنا عشر فإنها بحسب العوامل، فتقول: جاءني اثنا عشر رجلاً وأكرمت اثني عشر رجلاً.
أَوْ نَبَتَ حَولَ قُبُلِهِ شَعْرٌ خَشِنٌ أَوْ أَنَزَلَ، أَوْ عَقَلَ مَجْنُونٌ وَرَشَدَ، أَوْ رَشَدَ سَفِيهٌ زَالَ حَجْرُهُم بِلاَ قَضَاءٍ وَتَزِيدُ الجَارِيَةُ فِي البُلُوغِ بِالحَيْضِ، وَإِنْ حَمَلَتْ حُكِمَ بِبُلُوغِهَا، وَلاَ يَنْفَكُّ قَبْلَ شُرُوطِهِ.
قوله: «أو نبت حول قُبُله شعر خشن أو أنزل» هذه ثلاثة أشياء بها يحصل البلوغ، الأول: إذا تم له خمس عشرة سنة فقد حصل البلوغ، والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: «عرضت على النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني».
وفي رواية صحيحة للبيهقي وابن حبان: «ولم يرن بلغت»[(142)]، «وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت»[(143)]، الشاهد قوله: «ورآني بلغت»، لأننا لو اقتصرنا على الرواية الأولى رواية البخاري، لنازع منازع وقال: إنه لم يجزه، لا لأنه لم يبلغ، ولا لأنه بلغ، ولكن لأنه ليس أهلاً للقتال، إما لضعف جسمه، وإما لغير ذلك من الأسباب، لكن رواية البيهقي وابن حبان تدل على أنه لم يجزه لعدم البلوغ، وللبلوغ أجازه، قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته بهذا الحديث، فقال: هذا هو حد البلوغ، وكتب إلى عماله بذلك[(144)]، وعلى هذا فنقول: إذا تم للإنسان خمس عشرة سنة فهو بالغ، وإن كان صغيراً في جسمه، وإن لم يحتلم، وإن لم تنبت عانته، فيمكن أن يكون الإنسان في أول النهار غير مكلف، وفي آخر النهار مكلفاً، إذا ولد عند زوال الشمس وتم له خمس عشرة سنة عند زوال الشمس بلغ.
فإذا قال قائل: كيف يمكن البلوغ بين دقيقة ودقيقة؟ قلنا: لا بد من حد، إذا اعتبرنا البلوغ بالسنين، حتى لو جعلناها ثماني عشرة سنة فسوف يبلغ في آخر النهار، وفي أول النهار ليس ببالغ، حتى في الإنزال إذا احتلم نصف النهار، كان أول النهار غير بالغ وآخره بالغاً، فلا بد من حد.
وحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فيه إشكال:
حيث يقول: «إنه عرض على النبي صلّى الله عليه وسلّم في غزوة أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة»[(145)]. فالفرق سنة، ومن المعلوم أن أُحُداً في السنة الثالثة، والخندق في السنة الخامسة، فكيف يُخرج هذا الحديث؟
يمكن أن يخرج على أحد وجهين:
الوجه الأول: أنه كان في أحد في أول السنة الرابعة عشرة، وفي الخندق في آخرها.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه ابن خمس عشرة سنة، يعني قد بلغها ولا يمنع أن يكون قد تجاوزها، كما نقول للرجل الذي له ست عشرة سنة: هذا له خمس عشرة سنة يعني فأكثر.
الثاني: أن ينبت حول قُبُله شعر خشن ـ سواء كان ذكراً أو أنثى ـ أي: قوي صلب، احترازاً من الشعر الناعم الخفيف، فهذا يحصل حتى لابن عشر أو أقل، لكن الشعر الخشن القوي الصلب، هذا علامة البلوغ، فلو نبتت لحيته ولم تنبت عانته فليس ببالغ، فالعبرة هي نبات العانة، والدليل حديث عطية القرظي «أنهم عرضوا على النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم قريظة فكان من أنبت قتل ومن لا فلا»[(146)]، وهذا يكون قرينة على أن هذا هو البلوغ.
وقوله: «نبت» ظاهره أنه نبت بدون علاج، أما لو كان هناك علاج بأن ادهن هذا الصبي بدهن ينبت به الشعر، فإنه لا يحصل البلوغ بذلك؛ لأن هذه معالجة، لكن إذا نبت بالطبيعة فهذا يحصل به البلوغ.
وقوله: «أو أنزل» هذا هو الثالث، أي: أنزل منيّاً سواء في اليقظة أم في المنام بشهوة، فإنه يحكم ببلوغه، لقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: {{وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}} [النور: 59] .
ولقوله تعالى: {{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ}} [النساء: 6] والإنسان يبلغ النكاح إذا أنزل؛ لأنه صالحٌ الآن للتزوج حيث ينجب بهذا الإنزال، وهذه علامة على البلوغ بإجماع المسلمين، أما العلامتان السابقتان ففيهما خلاف عند أهل العلم.
فلو أنزل بمحاولة إنزال كأن عالج نفسه وحرك بدنه حتى أنزل يعني بدون احتلام، حصل البلوغ بذلك، وكذلك لو قبَّل امرأة أجنبية حرام عليه تقبيلها، فإنه إذا أنزل بهذا يكون بالغاً، فالمهم أن وسيلة الإنزال لا يشترط أن تكون مباحة.
قوله: «أو عقل مجنون» أي: مجنون بالغ؛ لأن البلوغ الذي سبق يكون للعاقل والمجنون، لكن لو عقل مجنون كان بالغاً زال حجره.
قوله: «ورشد» الفاعل يعود على الصغير والمجنون، فعلى هذا يكون قوله: «ورشد» شاملاً للصغير والمجنون.
وقوله: «أو عقل مجنون ورشد» معطوف على ما سبق، ومعنى الرشد في كل موضع بحسبه، وهنا الرشد هو الصلاح في المال وإحسان التصرف فيه، والرشد في ولاية النكاح، هو معرفة الكفء ومصالح النكاح، فالرشد في كل موضع بحسبه.
قوله: «أو رشد سفيه» أي: عاقل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل في العطف المغايرة؛ لأن السفيه هنا من كان عاقلاً بالغاً، لكنه لا يحسن التصرف في ماله، ثم رشد.
قوله: «زال حجرهم بلا قضاء» أي: بلا قضاء حاكم، أي: بمجرد ما يحصل البلوغ مع الرشد أو العقل مع الرشد أو الرشد بعد السفه، ينفك الحجر عنه ولا حاجة أن نذهب للقاضي، فلو أن يتيماً بلغ بالسن مع رشده في نصف النهار، فله أن يطالب وليه بماله الذي عنده في آخر النهار، ولو قال الولي: لا نعطيك حتى نذهب إلى القاضي، ويحكم بأن الحجر زال فإنه لا يطاع؛ لأن الحجر يزول بزوال سببه، ودائماً يمر علينا الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
فإن قال قائل: ما الفرق بين هذا وبين من حجر عليه لفلس؟ لأنه قال هناك: «ولا يفك حجره إلا حاكم» .
الجواب: أن هذا الحجر ثبت بدون القاضي فزال بدونه، بخلاف الحجر على المفلس لحظ غيره فإنه لا يثبت إلا بحكم القاضي، ولا يزول إلا بحكم القاضي.
وقال بعض العلماء: إنه إذا وزع ماله وقسم انفك الحجر.
لكن المذهب أقرب إلى الصواب، أنه من حجر عليه لحظِّ الغير، فلا بد من حاكم ينقض الحجر، أما من حجر عليه لحظِّ نفسه، وهم هؤلاء الثلاثة الصغير والمجنون والسفيه، فإنه بمجرد زوال العلة التي أوجبت الحجر ينفك الحجر.
قوله: «وتزيد الجارية في البلوغ بالحيض» الجارية يعني الأنثى، فتكون علامات البلوغ عندها أربعاً: تمام خمس عشرة سنة، إنبات الشعر الخشن حول القبل، والإنزال، والحيض.
ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»[(147)]، والمراد بالحائض التي أصابها الحيض؛ لأن الحائض التي حاضت لا يمكن أن تصلي والرسول صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» .
قوله: «وإن حملت حكم ببلوغها» ويمكن أن تحمل الجارية قبل أن تتم خمس عشرة سنة، قال أهل العلم: يمكن لبنت تسع سنين أن تحمل، ويمكن لابن عشر أن يولد له، فهذه جارية لها اثنتا عشرة سنة تزوجت وليس لها عانة ثم ولدت، فهل حصل البلوغ بالحمل، أو حكم ببلوغها بالحمل؟
قال العلماء: يحكم ببلوغها بالحمل عن طريق اللزوم؛ لأنه لا حمل بلا إنزال وإذا أنزلت بلغت بإنزالها، ولهذا قال المؤلف: «وإن حملت حكم ببلوغها» ولم يقل: وإن حملت بلغت، والحكم بالبلوغ هل هو بالحمل، أو بالإنزال السابق له؟
الجواب: الثاني، بالإنزال السابق له، وعلى هذا فإذا ولدت امرأة ولها اثنتا عشرة سنة، ولم تر الحيض ولم تر إنباتاً، نقول: إنها بالغة بالإنزال السابق للحمل.
قوله: «ولا ينفك قبل شروطه» يعني لا ينفك الحجر على هؤلاء الثلاثة قبل شروطه، فما شرطه في الصغير؟
الجواب: البلوغ والرشد، وفي المجنون العقل والرشد، وفي السفيه الرشد، فلا بد إذن من تمام الشروط، فإذا تمت الشروط انفك، ولا حاجة للحاكم.
وَالرُّشْدُ الصَّلاَحُ فِي المَالِ بأنْ يَتصَرَّفَ مِرَاراً فَلاَ يُغْبَنُ غَالباً وَلاَ يَبْذُلُ مَالَهُ فِي حَرامٍ أَوْ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ وَلاَ يُدْفَعُ إِلَيْهِ حَتَّى يُخْتَبَرَ قَبْلَ بُلُوغِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ وَوَليُّهُم حَالَ الحَجْرِ الأبُ ثُمَّ وَصِيُّهُ ثُمَّ الحَاكِمُ،
قوله: «والرشد الصلاح في المال» الرشد في كل موضع بحسبه كما سبق.
وقوله: «الصلاح في المال» لا في الدين، فلا يشترط صلاح الدين في هذا الباب؛ لأن الكلام في هذا الباب عن التصرف في المال، فإذا كان في الدين غير صالح وفي المال صالحاً فهو رشيد، يدفع إليه المال، قال المؤلف في تفسيره:
«بأن يتصرف مراراً فلا يغبن غالباً» كلمة «مراراً» جمع فلا يدخل فيه المرتان، فإن كان كلما باع أو اشترى غبن، بأن يشتري ما يساوي عشرة بعشرين، ويبيع ما يساوي عشرين بعشرة، فهذا ليس رشيداً، وإذا كان يعطي بلا شيء تبرعاً، فهذا سفيه.
قوله: «ولا يبذل ماله في حرام» كما لو صار ـ والعياذ بالله ـ ينفق ماله في السكر فإنه سفيه.
قوله: «أو في غير فائدة» كذلك ـ أيضاً ـ لو كان يبذل ماله في غير فائدة، كإنسان يشتري مفرقعات ويفرقعها، أو معه أوراق نقدية فوضع ورقة بيده وطار بها الهواء فأعجبه هذا، فجعل يخرج من الكيس وينصبها في الهواء وتطير فهذا سفيه؛ لأنه بذل ماله في غير فائدة، لكن هل يحجر على من يبذل أمواله في حرام؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يحجر عليه؛ لأنه يبذل أمواله فيما يضره، وفي هذا نظر؛ وذلك لأن الناس يعتبرون هذا رشيداً في ماله، ولو كان يشتري به الدخان ويشرب، ويشتري به الخمر ويشرب، ويشتري به المخدرات ويأكلها، لكن لنا أن نحجر عليه من طريق آخر يعني بأن نحبسه ونجلده، وإذا كان يشرب الخمر جلدناه ثلاث مرات وفي الرابعة نقتله إذا لم ينته بغير ذلك، وكذلك في المخدرات يرجع للعقوبة المقررة شرعاً، أما أن نقول: إنه محجور عليه وهو رجل جيد في البيع والشراء، ولكنه يشرب الدخان هذا غير صحيح، فنقول: هذا لا يصح أن يبيع بيته! ولا يصح أن يبيع سيارته! ولا يصح أن يشتري خبزاً لأولاده! فلا نقول بهذا، ولذلك نجد كثيراً من الناس ممن يشرب الدخان فيصرف ماله في حرام، ومع ذلك لم يقل أحدٌ من القضاة: إن بيعه لبيته، أو سيارته، أو ما أشبه ذلك باطل؛ لأن هذا في الواقع يحسن التصرف في المال، لكنه ضل في دينه، وصار لا يبالي أن يبذله فيما حرم الله عليه.
إذاً الأولى أن نقول: السفيه هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، بأن يغبن ويغر ويخدع، أو يبذله في شيء لا ينتفع به، كما ذكرنا مسألة الذي يُطَيِّرُ الأوراق النقدية، ويتفرج عليها، ومثله لو فرضنا أن رجلاً، ابتلي بشراء المفرقعات، فصار يشتري مفرقعات ويفرقعها، فهذا سفيه لا شك يحجر عليه.
فإذا كان إذا أعطي المال تصدق به كله، فهل هذا رشيد؟ هذا غير رشيد، نعم لو تصدق بالشيء اليسير الذي جرت العادة بمثله فهذا يعتبر رشيداً؛ والدليل على ذلك أن الفقهاء يقولون: إن الصبي لا يصح أن يتبرع بشيء من ماله، لكن يصح أن يوصي بشيء من ماله، وعللوا ذلك أنه إذا أوصى بشيء من ماله، فإنه لا يضره؛ لأنه سوف يدفع بعد موته، بخلاف ما إذا تبرع.
قوله: «ولا يدفع إليه حتى يختبر قبل بلوغه بما يليق به» أي: لا يدفع حتى يختبر قبل البلوغ، والمراد بالاختبار هنا الوصول إلى العلم بباطن حاله لأنه من الخبرة، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور.
وقوله: «قبل بلوغه» يعني لا بد أن يكون قبل بلوغه، لأجل إذا بلغ فمن حين بلوغه يدفع إليه المال؛ لأن الأصل في بقاء المال في يد الولي التحريم، ولهذا نقدم الاختبار قبل البلوغ من أجل أن ندفع إليه ماله فور بلوغه إذا علمنا رشده، قال الله تعالى: {{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ} ...} [النساء: 6] .
وقوله: «بما يليق به» فإذا كان ولدَ تاجرٍ، فالذي يليق به البيع والشراء، وإذا كان ولدَ فلاَّحٍ فالذي يليق به إحسان التصرف في الزرع، وإذا كانت امرأة فالذي يليق بها أن تحسن ما يتعلق بشؤون البيت، فيختبر كل إنسان بما يليق به.
وينبغي أن يقال: إنه لا يتعين هذا الذي قاله المؤلف؛ لأنه ربما تكون المرأة جيدة في شؤون البيت، لكنها خرقاء في مسألة المال فهل نقول: هذه رشيدة؟ لا.
فلو قيل: حتى يختبر بما يدل على رشده في ماله لكان أحسن؛ لأننا الآن نتكلم عن المال وليس عن الأعمال.
فيكون الصواب أن يقال: ولا يدفع إليه حتى يختبر قبل بلوغه فيما يتعلق بتصرف المال، حتى يعلم به رشده في التصرف في ماله.
قوله: «ووليهم حال الحجر الأب ثم وصيه ثم الحاكم» تنحصر ولاية هؤلاء في ثلاثة، الأب، والمراد به الأب الأدنى الذي خرجوا من صلبه، ثم وصي الأب، وهو من أوصى إليه بعد الموت في النظر على هؤلاء الأولاد الصغار، ثم الحاكم أي: القاضي.
وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه لا ولاية للجد ولو مع فقد الأب، فأبناء الابن يتولى مالَهم والنظرَ فيه، إذا لم يكن لأبيهم وصي يتولاه الحاكمُ، حتى ولو كان الجد حانياً عليهم قد ضمهم إلى أولاده، وهو من أنصح الناس لهم، وأحسن الناس تصرفاً في مالهم، فالمؤلف يقول: إن الجد ليس وليّاً، والأخ الكبير ليس وليّاً، والعم ليس وليّاً، والأم ليست ولية، فتنتقل الولاية من الأب مباشرة إذا لم يكن وصي إلى الحاكم، وهذا لا شك فيه نظر؛ لأن أولى الناس بهم جدهم، أو أخوهم الكبير، أو عمهم وهم أرفق الناس بهم، فكيف نجعل الولاية لإنسان بعيد؟!
ولكن طريق هذا على المذهب، بأن يذهب الجد إلى الحاكم، ويطلب أن يكون وليّاً عليهم، والحاكم إذا رأى أن هذا أهل للولاية ولاه، حتى الحاكم يتمنى أن يأتي أحد يكفيه مؤونتهم.
هذا ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ وهو المذهب. والقول الثاني في المسألة: أن الولاية تكون لأولى الناس به، ولو كانت الأم إذا كانت رشيدة؛ لأن المقصود حماية هذا الطفل الصغير أو حماية المجنون أو السفيه، فإذا وجد من يقوم بهذه الحماية من أقاربه فهو أولى من غيره، وهذا هو الحق ـ إن شاء الله تعالى ـ وعليه فالجد أو الأب يكون ولياً لأولاد ابنه، والأخ الشقيق ولياً لأخيه الصغير، والأم إذا عدم العصبة تكون ولية لابنها، نعم إذا قدر أن أقاربه ليس فيهم الشفقة والحب والعطف، فحينئذٍ نلجأ إلى الحاكم ليولي من هو أولى.
وَلاَ يَتَصَرَّفُ لأَِحَدِهِمْ وَلِيُّهُ إِلاَّ بِالأحَظِّ ويتَّجِرُ لَهُ مَجَّاناً وَلَهُ دَفْعُ مَالِهِ مُضَارَبةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ وَيَأْكُلُ الوَلِيُّ الفَقِيْرُ مِنْ مَالِ مَوْلِيِّهِ الأقلَّ مِن كفايتِهِ أو أجرتِهِ مَجَّاناً.
قوله: «ولا يتصرف لأحدهم وليه إلا بالأحظ» ، لقول الله ـ تعالى ـ {{وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ}} [الأنعام: 152] .
ولأن هذا الولي يتصرف لغيره فوجب أن يأخذ بالأحظ، وهذا شامل للولايات الدينية والولايات الدنيوية، فلا يتصرف الولي لغيره إلا بالأحسن، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف، وإذا صلى وحده فليطول ما شاء» [(148)]، لأنه إذا كان إماماً فهو ولي وإن كان يصلي وحده فهو أمير نفسه، ومن ثمَّ ـ أيضاً ـ نقول: لا يجوز للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يجب، ويكره أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يستحب، ولو قيل: بأنه يحرم عليه أن يخالف السنة لكان له وجه، لا سيما إذا علمنا أن المأمومين يودون تطبيق السنة، ـ فمثلاً ـ لو أراد أن يصلي الفجر بقصار المفصل، فالمذهب أن هذا جائز، لكن لو قيل: إنه ليس بجائز؛ لأنه خلاف السنة، لكان له وجه؛ لأن القاعدة أن من يتصرف لغيره فإنه يجب عليه أن يعمل بالأحسن.
وقوله: «بالأحظ» يخرج ما لا حظ فيه إطلاقاً، وما فيه حظ، لكن غيره أحظ منه.
فالأقسام إذن ثلاثة:
الأول: أن يكون فيه حظ، لكن غيره أحظ.
الثاني: ألا يكون فيه حظ إطلاقاً.
الثالث: أن يكون التصرف هو الأحظ.
والذي يجب اتباعه هو الأحظ؛ لما ذكرناه من الآية الكريمة {{وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ}} [الأنعام: 152] ، ولنضرب لكل واحد مثالاً.
مثال ما لا حظ فيه: اشترى لهم أرضاً، يعلم أنها لن تزيد قيمتها وليس في شرائها فائدة، لكن عرضت عليه واستحيا من الذي عرضها أن يرده، واشتراها لليتيم من مال اليتيم، فهذا ليس فيه حظ وربما يكون فيه خسران.
مثال الأحظ، عرضت عليه سلعتان، إحداهما يؤمل أن تربح عشرين في المائة، والثانية يؤمل أن تربح أربعين في المائة، فيشتري السلعة التي تربح أربعين في المائة.
كذلك ـ أيضاً ـ لو دار الأمر بين أن يتَّجِرَ بمالٍ آفاتُهُ كثيرةٌ، ومالٍ قليل الآفات، فالواجب أن يتَّجر بالمال القليل الآفات.
وهل له أن يتبرع من ماله؟ لا.
وهل له أن يتصدق؟ لا؛ لأن هذا ليس فيه حظ للصغير.
وهل له أن يكسوه ثوباً جديداً في العيد؟ له أن يشتري ثوباً بمائتي ريال، وهو يمكن أن يغسل الثوب القديم بعشرين ريالاً، فالشراء أحظ؛ لأنه من مصلحة الصبي أن يفرح مع الناس ويكون عليه ثوب جديد.
وإذا جاء عيد الأضحى هل يشتري من ماله أضحية له، أو لا؟
الجواب: أما في عُرفنا فلا؛ لأن اليتيم لا يهمه سواء ضُحي له أو لا، لكن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ ذكر أنه يضحى لليتيم من ماله؛ لأنه هو الذي جرت به العادة، وهذا عندهم فيما سبق أن اليتيم يفتخر إذا ضحى، فيكون هذا من باب الإنفاق عليه بالمعروف، أما في عهدنا الآن فنرى أن اليتيم لا يهمه أن يضحى له أو لا.
قوله: «ويتجر له مجاناً» يعني أن ولي الصغير والمجنون والسفيه يتجر له، أي: لموليه، مجاناً يعني لا يأخذ شيئاً، فيبيع ويشتري بماله، ولكن لا يأخذ شيئاً؛ لأنه أمين يتصرف لحظ هذا الذي ولاه الله عليه.
ولكن إذا قال: أنا لن أشغل نفسي بالاتجار له، إلا أن يُجعل لي سهم من الربح كالمضارب؟
فيقال: إذا كان يصده عن أشغاله إذا اتجر له، ويقول: أنا لن أشتغل به عن أشغالي الخاصة إلا إذا كان لي سهم من الربح، فحينئذٍ نقول: لا بد أن ترجع إلى القاضي وهو الذي يفرض لك ما يراه مناسباً، وعلى هذا فقول المؤلف: «يتجر له مجاناً» ، ظاهره مطلقاً سواء شغله عن أشغاله الخاصة أم لا، ولكن ينبغي أن يُقيد بما لم يشغله عن أشغاله الخاصة، ويأبى أن يتجر إلا بسهم، فحينئذٍ نقول: لا بأس، ولكن تُرفع المسألة إلى القاضي ليقرر ما يراه مناسباً.
قوله: «وله» أي: لولي المحجور عليه.
قوله: «دفع ماله» أي: مال المحجور عليه.
قوله: «مضاربة» مأخوذة من الضرب لقوله ـ تعالى ـ: {{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}} [المزمل: 20] ؛ لأن الغالب أن التجار يسافرون إلى البلاد ويأتون بالأموال ويبيعونها، ويسافرون إلى البلدان بأموالهم ويبيعونها هناك.
ومعنى المضاربة: دفع المال لمن يتجر به بجزء مشاع معلوم من الربح.
فقولنا: «بجزء» لا بكل فلو أعطاه المال وقال: اتجر به ولك جميع ربحه، فليس هذا مضاربة بل هو إحسان وتبرع.
ولو قال: لك من الربح مائة درهم فلا يصح مضاربة؛ لأنه معين فلا بد من جزء مشاع، ولو قال: لك بعض ربحه لا يصح؛ لأنه غير معلوم، ولو قال: خذ هذا واتجر به ولك نصف ربحه يجوز، لكن بشرط أن يرى أن هذا أحسن ما يكون في مال هذا الصبي.
وهذا من سعة الشريعة الإسلامية؛ لأنه يوجد من الناس من عنده مال لكنه لا يحسن التصرف، ومن الناس من هو قادر على التصرف، لكن ليس عنده مال، فيكمل هذا بهذا، بأن يعطي صاحبُ المالِ المالَ لمن يحسن التصرفَ، مضاربة، بجزء من الربح، وهنا يجب على الولي، أن يختار أقل العروض في الربح، إذا تساووا في الحذق والأمانة.
فمثلاً: عرض عشرة آلاف وقال: أريد أن أجعلها مضاربة، تقدم إليه رجلان أحدهما قال: يكفيني السدس من الربح، والثاني قال: لا يكفيني إلا الربع، فنعطي الذي طلب السدس، لكن بشرط أن يتساوى الشخصان في الأمانة والحذق، فإن كان من طلب الربع أقوى أمانة وأشد حذقاً، فإنه يقدم؛ لأن هذا أقرب إلى أن يحصل على ربح كثير، وإن كان الله تعالى قد يسوق الربح لرجل أبله لا يعرف، لكن الإنسان ليس له إلا الظاهر.
وهل له أن يأخذ هو بنفسه المال مضاربة، يعني يفرض لنفسه سهماً ويتجر؟
الجواب: لا؛ لأنه قال: «ويتجر له مجاناً» ، فإذا قال: أنا أريد أن أتجر بمال المحجور عليه ولي نصف الربح، أو ربع الربح حسب ما يرى في السوق، فإنه ليس له ذلك؛ لأنه متهم، فلا يجوز أن يفعل، لكن كما سبق، إذا كان يقول: أنا لن أتجر إلا بسهم؛ لأنه يصدني عن اتجاري بمالي، نقول: حينئذٍ تُحوَّلُ المسألة إلى القاضي ليفرض له من السهم ما يرى أنه مناسب.
قوله: «بجزء من الربح» جزء مشاع؛ لأنه لا تصح المضاربة مع سهم معين أبداً، فلا بد أن تكون المضاربة بجزء مشاع معلوم كما سبق.
مثاله: إنسان أعطى ماله مضاربة لشخص، وقال: لك ربح شهر المحرم ولي ربح شهر صفر، فهذا معين لا يجوز، ولو قال: لك ربح المال الفلاني كالسكر ـ مثلاً ـ ولي ربح المال الفلاني كالأرز، فهذا لا يجوز؛ لأنه معين، ولو قال: لك من الربح مائة ريال، والباقي لي فلا يجوز ـ أيضاً ـ؛ لأنه معين، فلا بد أن يكون مشاعاً، النصف، الربع، السدس.
ولو قال: خذ هذا المال مضاربة بسهم، فلا يجوز؛ لأنه غير معلوم، فلا بد أن يكون معلوماً.
ولما ذكر المؤلف أن الولي يتجر مجاناً، وأن له أن يعطي غيره المال مضاربة، ذكر مسألة أخرى: هل يجوز للوكيل أن يفرض لنفسه أجرة على النظر في مال المحجور عليه؟
الجواب: لا.
وهل له أن يأكل؟ فيه تفصيل بينه بقوله:
«ويأكل الوليُّ الفقيرُ» وهو الذي ليس عنده ما يكفيه من كسب يده أو غلة أو راتب أو مكافأة، ليس عنده إلا مال هذا اليتيم.
قوله: «من مال موليِّه الأقلَّ من كفايته أو أجرته مجاناً» فإذا قدرنا أن كفايته ألف ريال وأجرته خمسمائة ريال، فنعطيه خمسمائة؛ لأنها الأقل، فإذا قال: هذه ما تكفيني، أنا إلى الآن فقير، نقول: ليس لك إلا الأجرة فقط.
وبالعكس، أجرته ألف ريال وكفايته خمسمائة، فنعطيه خمسمائة، وهذه لا إشكال فيها، الإشكال في المسألة الأولى، إذا كانت الأجرة أقل من الكفاية فإنه سوف يبقى فقيراً، وظاهر الآية الكريمة: {{وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}} [النساء: 6] أنه يأكل بالمعروف، وأنه إذا كانت الأجرة أقل تُكمل له الكفاية وعلى هذا فنقول: يأكل كفايته سواءً كانت بقدر الأجرة أو أقل أو أكثر؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن: {{وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}}.
فإذا قال هذا الولي: أنا إذا أكلت من مال المحجور عليه، هل يعتبر أكل أغنياء الناس أو أكل فقراء الناس أو أكل متوسطي الناس؟
الجواب: يقول الله ـ عزّ وجل ـ: {{بِالْمَعْرُوفِ}}، وإذا كان بالمعروف فإننا نعرف أن الفقراء لهم أكل، والأغنياء لهم أكل، والمتوسطين لهم أكل، هذا هو المعروف منذ أن خلقت الدنيا.
جارية لم تأكل المرققا
ولم تذق من البقول الفستقا
لأنها فقيرة، لا تأكل إلا الخبز المكسر اليابس، فلكل مقام مقال، فالذي يظهر أنه يعطى بالمعروف، وإذا كان عديم المال فإنه يعطى كفاية الفقير.
ويُقْبَلُ قَولُ الوَلِيِّ والحَاكِمِ بَعْدَ فَكِّ الحَجْرِ فِي النَّفَقَةِ والضَّرورَةِ والغِبْطَةِ والتَّلَفِ وَدَفْعِ المَالِ وَمَا اسْتَدَانَ العَبْدُ لَزِمَ سيِّدَهُ إِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلاَّ ففِي رَقَبَتِهِ كاسْتِيدَاعِهِ وَأَرْشِ جِنَايَتِهِ وقِيمَةِ مُتْلَفِهِ.
قوله: «ويقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة والضرورة والغبطة والتلف ودفع المال» هذه مسائل:
أولاً: يقبل قول الولي؛ لأنه مؤتمن، ويقبل قول الحاكم، لكنهم فرقوا في قبول قول الولي وقول الحاكم، بأن الولي يقبل قوله بيمين، والحاكم بلا يمين؛ لأن الحاكم يقول بمقتضى السلطة، فقوله كأنه حكم لا يحتاج إلى يمين، وأما الولي فإنه لا يقبل قوله على أنه محل سلطة ولكن على أنه مدعٍ، ويشترط لقبول قول الولي ألا يخالف العادة، فإن خالف العادة فإنه لا يقبل إلا ببينة.
و قوله: «بعد فك الحجر» لأنه قبل فك الحجر لن يخاصمه أحد، لكن بعد فك الحجر سيخاصمه المحجور عليه.
إذاً يقبل قول الولي بيمينه، والحاكم بغير يمين في هذه الأمور الآتية:
أولاً: «في النفقة» قدرها وأصلها، فإذا فُك الحجر، وقال المحجور عليه: أنا مالي عشرة آلاف، والآن لا يوجد إلا ثمانية آلاف، فأين الباقي؟ فقال الولي: أنفقتها عليك، وقوله محتمل أنه أنفق في هذه المدة ألفي ريال، فهنا يقبل بيمينه، وكذلك إذا قال: إني أنفقت، وقال المحجور عليه: لم تنفق إطلاقاً، فالذي يقبل قوله هو الولي، والحجة أنه أمين، والأمين يقبل قوله فيما أنفقه على ما ائتمن فيه.
ثانياً وثالثاً: «الضرورة والغبطة» وهذه تتعلق فيما إذا باع عقاره، فإذا كان للمحجور عليه عقار من حيطان أو بيوت، فإنها لا تباع إلا للضرورة أو الغبطة.
الضرورة: ألا يكون للمحجور عليه دراهم إطلاقاً، والمحجور عليه يضطر إلى أكل وشرب فيبيع البستان مثلاً.
الغبطة: أن يُبذل فيه مال كثير أكثر من قيمته المعتادة، فيأتي إنسان يقول: أنا أريد أن أشتري هذا البستان أو هذا البيت بمائة ألف، وهو لا يساوي في السوق، إلا خمسين ألفاً، فهذه غبطة.
فإذا قال قائل: كيف يُبذل فيه مال كثير خارج عن العادة؟ نقول: نعم ربما يكون شخص له جار محتاج إلى هذا البيت ـ مثلاً ـ أو هذا البستان، ولضرورته إليه بذل فيه مالاً كثيراً، فهذا يقبل قوله.
فإذا قال المحجور عليه: لماذا تبيع عقاري؟ قال: بعته لضرورة الإنفاق، قال: أبداً ما عندي ضرورة، فيقبل قول الولي بيمينه.
الغبطة قال له: لماذا تبيع عقاري؟ قال: لأنني أعطيت فيه غبطة مالاً كثيراً، قال: أبداً عقاري في ذلك الوقت يساوي ما بعت به عند عامة الناس، فالقول قول الولي؛ لأنه مؤتمن.
رابعاً: «التلف» لو ادعى الولي أن مال اليتيم تلف، وقال المحجور عليه: إنه لم يتلف، فإن القول قول الولي؛ لأنه مؤتمن، لكن لو ادعى الولي أنه تلف بأمر ظاهر، لا يخفى على الناس بأن قال: تلف في أمطار أتتنا كثيرة، فيحتاج أولاً إلى إثبات هذا الشيء الظاهر، ثم يقبل قول الولي بأن المال تلف به.
أيضاً لو قال: المال تلف بالحريق الذي شب في بيته، والحريق شيء ظاهر، نقول: أثبت الحريق أولاً، ثم نقبل قولك بأنه تلف به، وهكذا كل أمين إذا ادعى التلف، فإنه يقبل قوله بيمينه ما لم يدعِهِ بأمر ظاهر، فإذا ادعاه بأمر ظاهر كالحريق والغرق والجنود التي احتلت البلاد، وما أشبه ذلك، فلا بد من أن يقيم البينة على وجود هذا الحادث الظاهر، ثم يقبل قوله في التلف، وهذه قاعدة ذكرت في الأبواب السابقة.
خامساً: «دفع المال» لما بلغ الصبي ورشد، قال لوليه: أعطني المال، قال: دفعته إليك، قال: ما دفعت، فلدينا الآن دعوى وإنكار، المنكِر هو المحجور عليه، والمدعي الرد هو الولي، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» [(149)]، على كلام المؤلف يقبل قول الولي في دفع المال، وحينئذ يحتاج إلى إخراجه من الحديث: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» ، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنه لا يقبل قول الولي في دفع المال إلى المحجور عليه إلا ببينة.
ودليل المؤلف أنه أمين وأنه محسن، وقد قال الله ـ تعالى ـ: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [التوبة: 91] ، ولو قلنا: إن قوله لا يقبل لكان عليه سبيل، فكيف نضمنه ما دامت ذمته بريئة منه؟ ولهذا قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يقبل قوله في الرد ما لم يكن له أجرة، بأن كان فقيراً وأعطيناه أجرة أو نفقة فإنه لا يقبل قوله؛ لأن المال بيده لحظ نفسه، وكل إنسان المال بيده لحظ نفسه، فإنه لا يقبل قوله في الرد.
القول الثاني: أن الولي لا يقبل قوله في الرد؛ لأنه مدعٍ والمحجور عليه منكر، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» .
والدليل الثاني: أن الله ـ تعالى ـ قال: {{فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ}} [النساء: 6] فأمر بالإشهاد؛ لأنه لو كان قوله مقبولاً لم يحتج إلى إشهاد، وأنت إذا لم تشهد فقد خالفت أمر الله فتكون بين معتدٍ أو مفرط، والمعتدي أو المفرط ليس بأمين، نقول: لماذا لم تشهد؟ فإن ربك أمرك أن تشهد؛ والتعليل أن الأصل عدم الدفع.
هذه أدلة من يرى أنه لا يقبل قوله في الرد، وكما أسلفنا كثيراً أن من رجح قولاً على قول فلا بد من أمرين:
الأول: بيان دليل الرجحان.
والثاني: والإجابة على أدلة الخصوم.
ولا يكفي أن تذكر أدلتك حتى ترد على أدلة خصومك، فأجابوا عن قوله ـ تعالى ـ: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} بأن هذا الرجل لم يحسن؛ لأنه فرط، حيث لم يشهد، ولماذا لم يشهد؟!
ولو قال قائل: أنا أريد أن أتوسط بين القولين فإذا كان الولي معروفاً بالورع والتقوى والصدق، فالقول قوله، وإن كان الأمر بالعكس فلا يقبل قوله، مع أننا لا نقبل قوله إلا بيمين، لو قال قائل بهذا القول الوسط، لكان وسطاً، ولأخذ بقول بعض هؤلاء وقول بعض هؤلاء، ودائماً العلماء يسلكون هذا المسلك إذا اختلف الناس على قولين، جاء إنسان بقول ثالث يأخذ بأحد القولين في حال، وبأحد القولين في حال أخرى، ومن ذلك ـ تقعيداً للقاعدة ـ أن العلماء اختلفوا في وجوب الوتر، فمنهم من قال: إنه واجب، ومنهم من قال: إنه ليس بواجب، ونحن نذكر الخلاف بقطع النظر عن الدليل، وإلا فالدليل يدل على أنه ليس بواجب، لكن من العلماء من قال: يجب على من له ورد من الليل دون من ليس له ورد، يعني من كان من عادته أن يقوم ويتهجد وجب عليه أن يوتر، ومن لا فلا، وهذا القول أخذ بقول البعض في حال والبعض في حال أخرى، ولهذا يقول قائله: وهو بعض قول من يوجبه مطلقاً، وهذه عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ولا يعد هذا خروجاً عن الإجماع، ولكنه جعله بدلاً من أن يقول: واجب بكل حال، إنه واجب في حال دون حال.
قوله: «وما استدان العبد لزم سيده إن أذن له» ما استدان العبد من قرض أو ثمن مبيع أو غير ذلك، فإن كان بإذن سيده، لزم السيد بأن قال له سيده: اذهب إلى فلان، واستقرض منه ألف ريال ـ مثلاً ـ فذهب واستقرض فهنا يلزم سيده؛ لأنه استدان بإذنه، وسواء استدان بإذنه لمصلحة السيد، أو لمصلحة العبد، فقد يأتي العبد ويقول: أنا أريد أن أتزوج وأحتاج إلى ألف ريال أو أكثر أو أقل، فيقول: اذهب إلى فلان واستدن منه، فيلزم السيد، وقد يكون السيد عليه حاجة، فيقول: اذهب يا فلان إلى الرجل الفلاني واستقرض منه كذا وكذا، فالمهم أن ما استدانه لسيده فهو على سيده.
قوله: «وإلا» يعني وإلا يأذن له.
قوله: «ففي رقبته» أي: يتعلق برقبة العبد، والفرق بين تعلقه برقبة العبد وتعلقه بذمة السيد، أنه إذا تعلق بذمة السيد لزمه وفاؤه مهما بلغ، حتى لو كان أكثر من قيمة العبد عشر مرات.
أما إذا تعلق برقبة العبد، فإنه يخير السيد بين أمور ثلاثة، إما أن يبيعه ويعطي ثمنه من استدان منه العبد، وإما أن يسلمه لمن استدان منه عوضاً عن الدين، وإما أن يفديه السيد بما استدان.
مثال ذلك: استدان العبد ألف ريال بغير إذن سيده، فإنه يتعلق برقبته، فنقول للسيد: أنت مخير إن شئت أعطِ صاحب الدين العبد، وقل: لك العبد بالدين الذي استدانه منك، أو يبيع العبد ويأخذ قيمته ويعطيها صاحب الدين، أو يفديه بقدر ديْنِهِ، فيقول: الدين كذا وكذا وأنا لا أريد أن أبيع العبد، ولا أريد أن أعطيك إياه، ولكن هذا دينك الذي ديَّنته، أيهما الذي يختار؟ سوف يختار السيد الأقل؛ لأنه من مصلحته، والفرق بين كونه يبيعه ويسلم ثمنه لصاحب الدين، وبين أنه يسلمه إلى صاحب الدين، أنه قد يلاحظ مصلحة العبد.
فإذا قال صاحب الدين: أنت الآن لك الخيار بين أن تعطيني إياه أو تبيعه، أو تفديه، ويكون عندك العبد، لكن ما دمت ستخرج العبد عن ملكك فأنا أريده؛ لأنه الذي استدان مني، فقال سيد العبد: أنا أريد أن أبيعه وأعطيك ثمنه، فالآن عندنا نزاع بين السيد وصاحب الدين.
فالقول قول السيد، ولكن قد يقول قائل: لماذا ينازع السيد في هذا أليس كله سواء؛ لأنه سيخرج من ملكه؟
قلنا: قد يرى السيد أن صاحب الدين ليس أهلاً أن يكون عنده هذا العبد، إما لسوء أخلاقه، وإما لاتهامه في أخلاقه، أو لغير ذلك، فهذا العبد غال عنده، ولا يحب أن يملكه صاحب الدين؛ لأن صاحب الدين سيئ المعاملة أو رجل سفلة، أخشى على العبد منه خصوصاً، إذا كان العبد شابّاً ـ مثلاً ـ فأنا أريد أن أبيعه وأعطيه الثمن.
ولو قال من له الدين: قد دينته عشرة آلاف، وإذا بعته لا يساوي إلا خمسة آلاف ريال فيكون عليّ نقص.
نقول: أنت المفرط ولو حصل عليك النقص، لماذا تعطيه ديناً يبلغ عشرة آلاف وأنت تعرف أنه عبد؟ لماذا لم تمتنع حتى تستأذن السيد؟
وهذا التخيير الذي يكون للسيد تخيير تَشَهٍّ، فالتخيير يكون تخيير مصلحة إذا كان الإنسان يتصرف لغيره، أما إذا تصرف لنفسه فهو تخيير تشهٍّ، لكن في هاتين المسألتين، أي: بيعه، أو تسليمه لصاحب الدين، يجب أن نقول: إن التخيير هنا تخيير مصلحة، ينظر فيه إلى مصلحة العبد.
قوله: «كاستيداعه وأرش جنايته وقيمة متلَفه» هذه ثلاث مسائل:
الأولى: «استيداعه» يعني أن يأخذ وديعة فيتلفها فيتعلق برقبته.
الثانية: «وأرش جنايته» أي: قيمة الجناية، يعني إذا جنى على أحد فإنه يخير سيده بما ذكرنا.
الثالثة: «قيمة متلفه» أي قيمة ما أتلف فإنه يتعلق برقبته، فعندنا الآن أربع مسائل: إذا استدان بغير إذن السيد، أو استودع، أو جنى، أو أتلف، كل هذه تتعلق برقبته، وكل شيء يتعلق برقبته فإن سيده يخير بين الأمور الثلاثة:
الأول: أن يعطيه صاحب الحق ويقول: هو لك بدينك أو بجنايتك أو قيمة متلفك.
الثاني: أن يبيعه ويعطي صاحب الحق قيمة العبد.
الثالث: أن يفديه ويبقى العبد عنده.
------------------------------
[134] أخرجه البخاري معلقاً بصيغة التمريض في الاستقراض وأداء الديون/ باب لصاحب الحق مقال، ووصله أحمد (4/222) وأبو داود في القضاء/ باب في الدين هل يحبس به؟ (3628)، والنسائي في البيوع/ باب مطل الغني (7/316)، وابن ماجه في الصدقات/ باب الحبس في الدين والملازمة (2427) عن الشريد بن سويد ـ رضي الله عنه ـ، وصححه الحاكم (4/102) ووافقه الذهبي، وحسن إسناده الحافظ في الفتح (5/76) ط/دار الريان.
[135] سبق تخريجه ص(18).
[136] أخرجه عبد الرزاق (15177)؛ والدراقطني (4/231)؛ والحاكم (2/58)؛ والبيهقي (6/48) عن كعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ، وأخرجه أبو داود في «المراسيل» (171، 172)، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ورجح إرساله أبو داود وعبد الحق، انظر: «بيان الوهم الإيهام» (311)؛ و«التلخيص» (1233).
[137] سبق تخريجه ص(271).
[138] سبق تخريجه ص(100).
[139] سبق تخريجه ص(182).
[140] أخرجه مسلم في الجهاد/ باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدَّين (1885) عن أبي قتادة ـ رضي الله عنه ـ.
[141] سبق تخريجه ص(271).
[142] أخرجها ابن حبان (4728)؛ إحسان، والبيهقي (6/55).
[143] أخرجه البخاري في الشهادات/ باب بلوغ الصبيان وشهادتهم (2664)؛ ومسلم في المغازي/ باب بيان سن البلوغ (1868).
[144] أخرجه البخاري في الشهادات/ باب بلوغ الصبيان وشهادتهم (2664)، ومسلم في المغازي/ باب بيان سن البلوغ (1868).
[145] سبق تخريجه ص(296).
[146] أخرجه الإمام أحمد (4/310)؛ وأبو داود في الحدود/ باب في الغلام يصيب الحد (4404)؛ والترمذي في السير/ باب ما جاء في النزول على الحكم (1584)؛ والنسائي (8/92) في كتاب قطع السارق/ باب حد البلوغ وذكر السن الذي إذا بلغها الرجل والمرأة أقيم عليهما الحد، وابن ماجه في الحدود/ باب من لا يجب عليه الحد (2541)؛ والحاكم (2/123)؛ وابن حبان (4780).
وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه ابن حبان، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي، وصححه النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (1/335).
[147] أخرجه أحمد (6/150)، وأبو داود في الصلاة/ باب المرأة تصلي بغير خمار (641)، والترمذي في الصلاة/ باب ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار (377) وابن ماجه في الطهارة وسننها/ باب إذا حاضت الجارية لم تصل إلا بخمار (655) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ، وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة (775)، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
[148] أخرجه البخاري في الأذان/ باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء (703)، ومسلم في الصلاة/ باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة (467) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[149] سبق تخريجه ص(164).
|