المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد التاسع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد التاسع
باب الوكالة
 

 

باب الوكالة

 

قوله: «باب الوكالة» يقال: وَكالة ووِكالة، كوَلاية، ووِلاية، وهي في اللغة التفويض، ومنه قوله ـ تعالى ـ: {{وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}} [النساء: 132] ، أي كفى به مُفَوضاً إليه الأمور، يقال: وكلت الأمر إليه، أي: فوضته إليه.

وهي في الاصطلاح: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.

جائز التصرف هو الحر البالغ العاقل الرشيد، من جمع أربعة أوصاف، يستنيب ـ أي: جائز التصرف ـ مثله فيما تدخله النيابة.

وقولنا: «فيما تدخله النيابة» احترازاً مما لا تدخله النيابة، فلو وكل إنساناً أن يتوضأ عنه، فقال: وكلتك أن تتوضأ عني، وأنا أصلي فهذا لا يجوز؛ لأنه لا تدخله النيابة، ولو وكله أن يصوم عنه كأن يكون عليه قضاء من رمضان، فقال: وكلتك أن تقضي عني؛ فهذا لا يصح فلا بد أن تدخله النيابة.

وحكمها التكليفي أنها جائزة بالنسبة للموكل، سنة بالنسبة للوكيل؛ لما فيها من الإحسان إلى أخيه وقضاء حاجته، أما بالنسبة للموكل فهي جائزة؛ لأنها من التصرف الذي أباحه الله، ويدل على جوازها كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

أما كتاب الله فقد قال الله ـ تعالى ـ عن أصحاب الكهف لما استيقظوا من نومهم: {{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}} [الكهف: 19] ، فهذا توكيل، وكَّلوا واحداً منهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي بطعام، ويكون في ذهابه متلطفاً يعني مستتراً ما أمكنه، ولا يخبر عنهم؛ لأنهم قالوا: {{لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}}، وكانوا قد أووا إلى الغار خوفاً من ظلم رجل مشرك هربوا منه، لكن تغيرت الأحوال؛ لأنهم بقوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وهم أوصوه بهذه الوصايا بناء على بقاء الملك الأول.

وقال الله ـ تعالى ـ عن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال لهارون: {{اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي}} [الأعراف: 142] ، وهذه وكالة، ووكل سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ الهدهد فقال: {{اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ}} [النمل: 28] .

أما من السنة: فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه وكل في العبادات، ووكل في المعاملات، فوكل علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: «أن ينحر ما تبقى من هديه وأن يقسم لحومها وجلودها» [(150)]، ووكل رجلاً في أن يشتري له أضحية بدينار فاشترى الرجل اثنتين بدينار، وباع واحدة بدينار، ثم رجع إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بشاة ودينار، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «بارك الله لك في بيعك» ، فكان لا يبيع شيئاً أو يشتريه إلا ربح فيه، حتى ولو كان تراباً[(151)]؛ ببركة دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وكذلك ـ أيضاً ـ النظر يدل على جواز الوكالة؛ لأنها من مصلحة العباد فكم من إنسان لا يستطيع أن يعمل أعماله بنفسه، فمن رحمة الله ـ عزّ وجل ـ وحكمته أن أباح لهم الوكالة، فإذا كان ـ مثلاً ـ مشتغلاً بطلب العلم أو بغير ذلك من الأعمال، وهو يريد أن يشتري لأهله خبزاً ولا يستطيع أن يترك عمله ليشتري الخبز فإنه يوكل، إذاً المصلحة تقتضي أن تكون الوكالة جائزة، هذا من حيث الشرع، إذاً دل عليها الكتاب والسنة والنظر الصحيح.

أما حكمها الوضعي فيقول ـ رحمه الله ـ:

 

تَصِحُّ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلى الإِذْنِ وَيَصِحُّ القَبُولُ عَلَى الفَوْرِ والتَّراخِي بِكُلِّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ دَالٍّ عَلَيْهِ ومَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي شيءٍ فَلَهُ التَّوْكِيلُ والتوكُّلُ فِيهِ ........

«تصح بكل قول يدل على الإذن» الصحة والفساد والبطلان والسبب والشرط والمانع، كل هذه أحكام وضعية، فتصح الوكالة بكل قول يدل على الإذن، فلو قال رجل: يا فلان خذ هذه السيارة بعها ـ مثلاً ـ فإن الوكالة تصح، وإن لم يقل وكلتك في بيعها؛ لأن قوله: «خذها بعها» يدل على هذا، وإن لم يكن فيه لفظ الوكالة.

فالإيجاب وهو اللفظ الصادر من الموكل وهو التوكيل، لا بد فيه من قول وليس له صيغة معينة شرعاً، وفي هذا الباب نص الفقهاء على أن العقود تنعقد بما دل عليها، وهذا هو القول الراجح المتعين.

أما القبول فهو أوسع، فيصح بكل قول أو فعل يدل عليه.

وهل يصح التوكيل بالفعل؟ وهل يصح بالكتابة؟

الجواب: ظاهر كلام المؤلف لا، والصحيح أنه يصح التوكيل بالفعل، ويصح التوكيل بالكتابة، فلو كتب إلى آخر وقال: وكلتك في بيع بيتي، وهو في بلد آخر صح ولا مانع، ولو كان إنسان معروف بأنه يبيع الأطعمة، فجاء إنسان بكيس من الطعام من مزرعته، ووضعه في دكان هذا الذي يبيع، فإن هذا يكون توكيلاً لكن بالفعل، ما دام أنه قد عرف أن هذا الرجل قد أعد نفسه للبيع، وأتى إليه بشيء ووضعه في مكان المبيعات، فهذا يعني أنه وكله في بيعه، وهذه وكالة بالفعل، فلا يقول قائل: ربما وضع الكيس على أنه وديعة، أو على أنه هدية، أو ما أشبه ذلك، فهذا فيه احتمال، لكن ظاهر الحال أنه وضعه للبيع.

إذاً القول الراجح أن الوكالة تصح بالقول والكتابة والفعل، وتصح مطلقة ومقيدة، ومؤقتة ومؤبدة، فالمهم أن الوكالة من أوسع الأبواب.

قوله: «ويصح القبول على الفور والتراخي» يعني قبول الوكالة على الفور والتراخي، القبول هو اللفظ الصادر من الوكيل.

فيصح أن يقبل الوكالة على الفور، بمعنى أنه من حين أن يقول له الموكل: وكلتك في بيع بيتي، قال: أعطني المفتاح لأبيع.

وعلى التراخي بأن يقول: وكلتك، ثم يسكت وبعد ساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين يقول: قبلت، أو يبيع البيت ـ مثلاً ـ فهذا يصح، لكن لو وكله وقال: لا أستطيع أنا مشغول، ثم ذهب الموكل، وبعد ذلك ندم الوكيل وقال: كيف أرده؟! ثم قَبِل وتصرف، فلا يصح؛ لأنه ردها، وإذا ردها معناه بطل الإيجاب الأول الصادر من الموكل، فلا بد من توكيل آخر.

قوله: «بكل قول أو فعل دال عليه» كأن يقول: قبلت وأبشر، ولو أخذ السلعة من الذي قال له: وكلتك في بيع هذه، ولم ينطق بكلمة ثم باعها فيصح، وهذا قبول بالفعل.

هذه القاعدة في العقود ليست مطردة عند الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فإن بعض العقود يشددون فيها، ولكن الصحيح أن العقود كلها بابها واحد، وأن كل عقد يصح بكل قول أو فعل يدل عليه، وأما ما شدد فيه بعض الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في بعض العقود فلا دليل عليه، فالأصل أن هذا يرجع إلى العرف، فما عرفه الناس عقداً فهو عقد، ولو كان بقول أو فعل.

إلا أنه يستثنى من هذا ما لا بد من الإشهاد عليه، فهذا لا بد أن يكون بقول واضح مثل النكاح، فلو أن رجلاً قال لشخص: زوجتك بنتي هذه، فأخذ البنت ومشى، فإن النكاح لا ينعقد؛ لأن هذا يحتاج إلى إشهاد، ومجرد الفعل لا يدل على القبول.

ولو قال: وهبتك هذه الساعة، فأخذها وسكت، فهذا قبول.

إذاً الوكالة ليس لها صيغة معينة، بل تنعقد بكل قول أو فعل يدل عليها، وقلنا: إن هذا ينبغي أن يكون عامّاً لجميع العقود.

قوله: «ومن له التصرف في شيء فله التوكيل، والتوكل فيه» «من» موصولة وليست شرطية؛ لأنها لا تدخل إلا على الفعل، فإذا قلنا: إنها شرطية، نحتاج إلى تقدير فعل الشرط، وإذا قلنا: موصولة، لا نحتاج إلى تقدير، وإذا دار الأمر بين التقدير وعدمه، فالأصل عدمه، وأما الفاء في قوله: «فله» فقد سبق مراراً أن الاسم الموصول يجوز أن يقترن خبره بالفاء؛ لأنه يشبه الشرط في العموم.

هذه قاعدة: فكل من له التصرف في شيء فله أن يوكل وله أن يتوكل، ومن ليس له التصرف فيه فليس له أن يوكل، وليس له أن يتوكل.

مثال ذلك: رجل بالغ عاقل حر رشيد، وكّل مثله في شراء سيارة ـ مثلاً ـ فهذا جائز؛ لأن من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه.

ومفهومه أن من ليس له التصرف في شيء فليس له أن يوكل فيه، فلو أن صبيّاً لم يبلغ قال لشخص: وكلتك في بيع بيتي فلا يصح؛ لأنه هو نفسه لا يصح له التصرف فيه فلا يصح أن يوكل.

ولو كان الأمر بالعكس، رجل بالغ عاقل حر رشيد وكل صبياً في بيع بيته فلا يصح أيضاً؛ لأن الوكيل لا يتصرف في مثل هذا التصرف، وقد قال الله تعالى: {{وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا}} [النساء: 5] .

يستثنى من ذلك توكيل الأعمى بصيراً فيما يشترط لصحة بيعه الرؤية، فالأعمى إذا اشترى شيئاً لا يصح شراؤه إلا برؤية لا يصح منه؛ لأنه مجهول له، وكذلك رجل لا يشم يريد أن يشتري طيباً فيجوز أن يوكل شخصاً يشم، فهذا مستثنى من قوله: «ومن له التصرف في شيء فله التوكيل» فيستثنى من ذلك ما يشترط لعلمه الرؤية، فإن الأعمى يجوز أن يوكل فيه بصيراً ليشتري له، وما يشترط لصحة بيعه الشم فإن للذي لا يشم أن يوكل فيه، وما يشترط لصحة بيعه العلم به وهو لا يعلم بهذه الأشياء، لكن وكل شخصاً في ذلك فإنه جائز.

وإذا وكل شخص شخصاً أن يعقد له النكاح، قال: وكلتك أن تقبل النكاح لي من فلان، وهذا الوكيل بالغ عاقل حر رشيد فيصح؛ لأن الوكالة في عقد النكاح جائزة.

وقوله: «والتوكل فيه» أي: من له التصرف في شيء فله التوكل فيه، فمن ليس له أن يتصرف في شيء فليس له أن يتوكل فيه، ولكن يستثنى من هذا أشياء، فمثلاً: فقير وكَّل غنياً في قبض الزكاة له فإنه يجوز، فجاز أن يتصرف لغيره بالوكالة، ولا يجوز أن يتصرف لنفسه.

مثال آخر: امرأة لا يجوز أن تطلِّق نفسها، فوكلها زوجها في طلاق نفسها يجوز؛ لأن هذا لمعنى يتعلق بالزوج، والزوج قد أذن فيه.

فحقوق الآدميين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يصح التوكيل فيه مطلقاً، وقسم لا يصح مطلقاً، وقسم يصح عند العذر.

 

وَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي كُلِّ حقِّ آدَمِيٍّ مِنَ العُقُودِ والفُسُوخِ والعِتْقِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ،

قوله: «ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود» هذا هو القسم الذي يصح مطلقاً، أي: سواء كانت عقود تبرعات أو معاوضات أو أنكحة أو توثيقات، أو غير ذلك، فحق الآدمي من العقود يبدأ بالبيع، فيجوز أن يوكل في بيع أو شراء، وكذا الإجارة، فيجوز أن يوكل شخصاً يستأجر له بيتاً، أو يؤجر بيته، وكذا الرهن فيصح أن يوكل شخصاً أن يرتهن له شيئاً أو يرهن له شيئاً، والوقف فيصح أن يقول: وكلتك أن توقف بيتي الفلاني وتثبته عند المحكمة.

قوله: «والفسوخ» وتَرِدُ على كل عقد.

مثاله: إنسان اشترى شيئاً معيباً، ووكل إنساناً أن يفسخ البيع مع البائع، وقال: أنا اشتريت السيارة الفلانية من فلان ووجدت فيها عيباً وأنا لن أنازعه؛ لأنه رجل صاحب قوة وبيان، وقد وكلتك أن تفسخ البيع معه، فهذا جائز.

وَكَّلَ زوج رجلاً أن يخالع زوجته، والمخالعة الفراق على عوض؛ لأن الطلاق على عوض شيء، والخلع شيء آخر، فالطلاق على عوض يحسب من الطلاق على المذهب، فلو كانت هذه آخر طلقة على عوض حرمت عليه، لكن إذا كان خلعاً وقد طلق قبل ذلك مرتين فإنها لا تحرم عليه؛ لأن الخلع فسخ وليس طلاقاً.

فإذا وكل إنساناً في مخالعة زوجته فهذا جائز، لكن لا بد من أن يذكر مقدار العوض؛ لأنه ربما يوكله في خلع زوجته، ثم تكون غالية في قلب الزوج، ولا يمكن أن يخلعها بأقل من عشرة آلاف، فيأتي هذا الوكيل ويخلعها بألف ريال فلا بد من التعيين.

ويجوز التوكيل في الإقالة، وهي فسخ عقد البيع أو الإجارة أو غيره، مثاله: اشتريت من فلان سيارة ثم لم تعجبني السيارة، فرجعت إليه وقلت: أريد أن تقيلني البيع، فقال: نعم، فلو وكلت إنساناً في الإقالة يجوز سواء من البائع أو من المشتري، وهذا نسميه فسخاً، والفرق بين العقد والفسخ، أن العقد إيجاد العقد، والفسخ إزالة العقد.

قوله: «والعتق» فيصح أن يوكل شخصاً في إعتاق عبده؛ لأن هذا يصح التوكيل في عقده، فصح التوكيل في عتقه والتخلي عنه.

قوله: «والطلاق» أن يوكل فيه فيقول: يا فلان وكلتك أن تطلق زوجتي، وتكون الفائدة ـ مثلاً ـ أنه يثبت طلاقها عند المحكمة.

ويصح أن يوكل زوجته في طلاق نفسها؛ لأن من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه، وهل للزوجة أن تتصرف في الطلاق وتطلق زوجها؟!

الجواب: لا، لكن هذه مستثناة، فيجوز أن يوكل زوجته في طلاق نفسها.

ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خيَّر نساءه بين أن يردن الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم أو يردن الحياة الدنيا[(152)]، وهذا مثل الطلاق فتكون هذه المسألة مستثناة، وتقول: طلقت نفسي من موكلي فلان.

قوله: «والرجعة» يصح التوكيل فيها، بأن يقول لشخص حين طلق زوجته: وكلتك في مراجعتها.

فإذا قال قائل: لماذا يوكل في مراجعتها، لماذا لم يراجع هو بنفسه؟

نقول: قد يكون غائباً ويقول للوكيل: راقبها لا تنقضي عدتها حتى تراجعها، الزوج لا يريد أن يراجعها بنفسه، بل ربما يريد أن يهينها بعض الشيء حتى تستقيم، وربما لا يخبرها بأنه راجعها حتى تستقيم أيضاً، ويجوز أن يوكل أبا الزوجة في رجعتها، فيقول: وكلتك في مراجعة ابنتك، لكن لو خاف ألاّ يراجع، إذا كان أبو الزوجة لا يحب أن يرجع الزوج لزوجته، ففي هذه الحال يجب أن يحتاط لنفسه وألا يوكله؛ لئلا يفوت عليه الرجعة.

 

وتَمَلُّكِ المُباحَاتِ مِنَ الصَّيْدِ والحَشِيشِ وَنَحْوِهِ لا الظِّهَارِ واللِّعَانِ والأَيْمَانِ وَفِي كُلِّ حقٍّ تَدْخُلُه النِّيابَةُ مِنَ العِباداتِ والحُدُودِ في إثبَاتِها واستِيفَائِها ...

قوله: «وتملك المباحات من الصيد» «المباحات» أي: التي لم تكن على ملك الغير، فالمباح هو الذي حصل من غير فعل آدمي، مثل الكلأ أو الصيد، يعني له أن يوكله في تملك المباحات، فيقول: وكلتك أن تصيد لي طيراً وأرنباً وغزالاً، فيقول: قبلت، ويأخذ البندقية ويذهب ويصيد، فعلى كلام المؤلف يجوز؛ لأن هذا فعل مباح اسْتَنَبْتُ فيه غيري فجاز.

والقول الثاني: أنه لا يجوز التوكيل في تملك المباحات؛ لأن الموكِّل حين التوكيل لا يملكها، فلا يملك التصرف فيها، وبناءً على هذا القول، لو أن الوكيل تصرف وأتى بالصيد فيكون للوكيل؛ لأن الوكالة لم تصح، وإذا أراد الوكيل أن يعطيه الموكل يكون هبة؛ لأنه حين صاده صار في ملكه، فإذا أعطاه الموكل فهو هبة، وليس عن طريق الوكالة.

وقوله: «والحشيش» فإذا وكله فقال: يا فلان وكلتك أن تحش لي هذه المنطقة، فحشَّها، فالمؤلف يرى أنه يصح، وأنه إذا حشَّها فإنها تكون على ملك الموكل.

ويجب على الإنسان أن يبين ما يريد من الألفاظ المشتركة، فالآن الحشيش مشترك بين ما تنبته الأرض كما في الحديث: «لا يحش حشيشها» [(153)]، وبين ما يستعمل في التخدير، فيجب في مثل هذه المسائل المشتركة لا سيما إذا كان يتبادر إلى أذهان العامة الشيء المحرم، أن تبين الأمور وتوضح حتى يكون الإنسان على بصيرة، فقول المؤلف ـ رحمه الله ـ «والحشيش» ، أي: ما تنبته الأرض.

قوله: «ونحوه» أي: من الأشياء المباحة كأخذ الكمأة، فإنها لا تعد من الحشيش؛ ولهذا يجوز أن يستخرج الإنسان الكمأة ولو في أرض مكة؛ لأنها ليست من الحشيش.

قوله: «لا الظهار واللعان والأيمان» فهذه لا يجوز فيها الوكالة؛ لأنها متعلقة بالفاعل نفسه، فلو وكل شخصاً في الظهار من امرأته وذهب الرجل إلى المرأة، وقال لها: أنت على زوجك كظهر أمه عليه، فهنا لا يثبت الظهار؛ لأن هذا عقد يتعلق بالفاعل نفسه فلا يصح، أما إذا وكله في الطلاق فإنه يصح؛ لأنه فسخ، ولذلك لو فرضنا أنه صح التوكيل في الظهار، وأراد الزوج الرجوع، فالزوج هو الذي يتحمل الكفارة، وإذا كانت الكفارة تتعلق بالموكِّل فإنه لا يصح التوكيل فيه.

وقوله: «واللعان» ـ أيضاً ـ لا يصح التوكيل فيه، وهو مشتق من الملاعنة، وهي أيمانٌ مؤكدة بشهادات سببها ما يكون بين الزوج وزوجته إذا رماها بالزنا ـ والعياذ بالله ـ فقال: إن امرأته زنت فهذا له حالات ثلاث:

أولاً: إن أقرت الزوجة بذلك ارتفعت عنه العقوبة، ووجبت العقوبة على الزوجة.

ثانياً: إن أنكرت وأتى ببينة ارتفعت عنه العقوبة، ووجب الحد على الزوجة.

ثالثاً: إن أنكرت ولم يجد بينة فحينئذٍ نجري اللعان، فيشهد الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فإن ردت عليه اللعان فله حكمه، وإن لم ترد اللعان فهل يثبت عليها الحد أو لا؟

من العلماء من يقول: إن الزوج إذا لاعن ثم نكلت الزوجة وجب عليها الحد.

ومنهم من يقول: إذا لاعن الزوج ونكلت الزوجة، فإنها تحبس حتى تقر أو تلاعن أو تموت.

والقول الأول هو الصحيح، وهو المتعين؛ لأنه يكون كإقامة البينة، فقول الله ـ تعالى ـ: {{وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ *}} [النور] ، فالعذاب يعني الحد، وليس الرجم، بدليل أن الله تعالى قال: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *}} [النور] ، فسمى الله الحد عذاباً، فإن لم تشهد وجب الحد عليها.

فإذا أراد الزوج أن يلاعن الزوجة؛ لإثبات ما ادعاه عليها، ولكنه أراد أن يوكل من يلاعن عنه، فهذا لا يقبل؛ لأن اللعان يتعلق بالزوج نفسه، إذ أنه إذا لم يلاعن وجب عليه حد القذف، وإن لاعن ونكلت هي وجب عليها حد الزنا، فالوكيل لا يجوز أن يقول: «وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين»، وهو ـ أيضاً ـ لم يقذف، وكذلك المرأة لا توكل من يلاعن عنها.

وقوله: «والأيمان» لا تدخل فيها النيابة فلا تصح فيها الوكالة، فلو أن شخصاً ادعى على زيد بمائة ريال وليس عنده بينة، فالحكم أن يحلف زيد المدعى عليه يميناً بأنه لا حق لفلان عليه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «واليمين على من أنكر» [(154)]، فلما توجهت اليمين على المنكر، قال: أُوكِّلُ فلاناً يحلف عني، فهذا لا يصح؛ لأن هذه مما تتعلق بالإنسان نفسه، وهو الذي يكون آثماً أو بارّاً، فلا يصح فيها الوكالة.

ولو أن يهودياً عليه جزية، وكان موعد أخذ الجزية منه يوم الاثنين، فقال اليهودي لخادمه: اذهب أعطِ المسلمين الجزية، فذهب الخادم وأعطى الجزية، فلا يصح التوكيل؛ لأن هذا يتعلق بالإنسان نفسه، لقول الله ـ تعالى ـ في صفة أخذ الجزية: {{}} [التوبة: 29] ، ولهذا إذا جاء بها لا بد أن يسلمها «عن يد» يعني من يده، أو «عن يد» أي: عن قوةٍ مِنَّا عليه، وهو ـ أيضاً ـ صاغر، ونسأل الله ـ تعالى ـ أن يعيد للمسلمين هذا المجد الذي فقدوه بفقدهم كثيراً من دينهم.

قوله: «وفي كل حق تدخله النيابة من العبادات» أي: وتصح الوكالة في كل حق لله تدخله النيابة.

حق الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يدخله التوكيل مطلقاً، وقسم لا يدخله مطلقاً، وقسم فيه تفصيل.

القسم الأول: كل العبادات المالية تدخلها النيابة، كتفريق زكاة وصدقة وكفارة.

القسم الثاني: العبادات البدنية لا تصح فيها الوكالة، مثل الصلاة والصيام والوضوء والتيمم وما أشبهها، فهذه عبادة بدنية تتعلق ببدن الإنسان فلا يمكن أن تدخلها النيابة، ولكن لو وكلت شخصاً يستفتي عني فهذا لا بأس به؛ لأن هذا نقل علم يقصد به الإخبار فقط؛ ولذلك كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يوكل بعضهم بعضاً في استفتاء النبي صلّى الله عليه وسلّم[(155)]، فإن قيل: يرد على هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» [(156)]، فهذا يدل على أن العبادة البدنية يكون فيها نيابة، فالجواب: أن هذا ليس عن طريق التوكيل، ولكن هذا تشريع من النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ فهو في الحقيقة أصيل وليس بوكيل، ولهذا يصوم الإنسان عن ميته سواء أوصى به أم لم يوصِ به، فالمسألة هنا ليست من باب الوكالة، لكنها من باب القيام مقام الشخص بأمرٍ من الشرع.

القسم الثالث من العبادات: هو الذي يصح فيه التوكيل على التفصيل، مثل الحج، فيجوز فيه التوكيل في الفرض للذي لا يستطيع أن يحج، أي أنه عاجز عن الحج عجزاً مستمراً، وسيأتي تفصيل ذلك.

المهم أن الأصل في حقوق الله أنه لا يجوز فيها الوكالة؛ لأن حقوق الله المقصود بها إقامة التعبد لله ـ عزّ وجل ـ وهذه لا تصح إلا من الإنسان نفسه؛ لأنك لو وكلت غيرك، فهل بفعله تحس بأن إيمانك زاد به؟ الجواب: لا؛ ولذلك كان الأصل في حقوق الله ألاّ تصح الوكالة فيها، هذا هو الضابط؛ وذلك لأن المقصود بها التعبد لله، وهذا لا يصح فيما إذا قام به غير المكلف، إذاً لا نجيز الوكالة في شيء من العبادات إلا فيما ورد فيه الشرع، هذا هو الأصل، ولننظر:

أولاً: الصلاة هل ورد التوكيل فيها؟

الجواب: لا، لا فرضها ولا نفلها.

هل ورد قضاؤها عمَّن مات وعليه صلاة؟

الجواب: لا، لم يرد، لا في الفرض ولا في النفل.

إذاً الصلاة لا تصح الوكالة فيها في حالة العجز، ولا في حال القدرة، ولا في الفرض، ولا في النفل.

ثانياً: الزكاة هل تصح الوكالة فيها؟

الجواب: نعم، تصح الوكالة فيها للعاجز والقادر، يعني يصح أن يوكل القادر شخصاً يؤدي زكاته إلى الفقراء، حتى لو قال: خذ زكاتي من مالي وهو لا يعلم عنها، بأن قال له: أحصِ مالي وخذ زكاته وتصدق بها على الفقراء، فإن ذلك جائز. والوكالة في الزكاة لها صورتان:

الصورة الأولى: أن يحصي الإنسان ماله ويعرف زكاته، ويأخذها ثم يسلمها إلى الوكيل، وهذا لا إشكال فيه، والثمرة التي تحصل بأداء الزكاة تحصل في هذه الحال؛ لأن الإنسان يشعر الآن بأنه أخرج من محبوباته ما يكره أن يخرج منها، لكن الله يحب ذلك فأخرجها لله.

الصورة الثانية: أن يوكل شخصاً في إحصاء ماله ويقول: أحصِ مالي وأخرج زكاته، وهذا لا شك أنه لا يكون في قلبه، ما كان في قلب الأول؛ لأنه لا يحس بأنه أخرج شيئاً معيناً تتعلق به النفس من ماله المحبوب إليه، لكن مع ذلك تصح الوكالة، وهذا ثابت بالسنة، وإذا ثبت بالسنة فهي الفاصل، فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يوكل في إخراج الزكاة، ويوكل في حفظها، ويوكل في قبضها صلّى الله عليه وسلّم.

وإذا صحت الوكالة في الزكاة فلا فرق بين أن يعيِّن المدفوع له أو لا يعين، بأن يقول: ادفع زكاتي لفلان أو يقول: ادفعها لمستحق، لكنه إذا عين الجهة فإن الوكيل لا يصرف الزكاة في غيرها، إلا بعد مراجعة الموكل، فلو قال: أعطها فلاناً، فلا يمكن أن يصرفها لغيره إلا بإذن موكله؛ لأن الوكيل محدود تصرفه بما وكل فيه، لكن لو فرض أن صاحب المال قال: أعطِ زكاتي فلاناً، وهو يعلم أن فلاناً لا يستحق، لكنه لم يعلم إلا بعد أن فارقه الموكِّل؛ لأن الموكل إذا كان يعلم أنه ليس بأهل سيقول له فوراً: إنه لا يستحق، ويجب عليه أن يقول: بأنه ليس أهلاً؛ لأن بعض العوام المساكين يقولون: لا تقطع رزقه، فإذا قال لك أعط زكاتي فلاناً فأعطه إياها سواء يستحق أو لا، وهذا غلط وخيانة ولا يجوز، فإذا كنت تعلم أنه لا يستحق قل: يا أخي هذا لا يستحق، فإذا قال: أعطها إياه وإن لم يستحق، فإنك تقول: لا؛ لأني لو فعلت لأعنته على الإثم، حيث وضع الزكاة في غير محلها، أما إذا لم أعلم إلا بعد أن فارقني الموكِّل، أي: أعطاني الموكل مائة ريال وقال: خذ هذه زكاة أعطها فلاناً، وبعد أن فارقني عرفت أن فلاناً لا يستحق، فهنا أوقف العطاء حتى أراجعه وأقول: إن فلاناً لا يستحق، فإذا قال: أعطه ولو كان لا يستحق، أقول: لا، لا أعينك على الإثم.

فإن قال: أعطها إياه تطوعاً، فهنا يصح ويعطيها إياه.

إذاً الزكاة يجوز التوكيل في قبضها وإخراجها للعاجز والقادر؛ لأن السنة وردت به؛ ولأنها في الحقيقة يتعلق بها حق ثالث، وهو المستحق، فمتى وصلت إلى مستحقها من أي جهة كانت فهي في محلها.

ثالثاً: الصوم هل يجوز أن يوكل أحداً يصوم عنه؟

الجواب: لا، لا فرضاً ولا نفلاً، حتى لو كان عاجزاً عليه كفارة يمين، أو فدية أذى صيام ثلاثة أيام وهو شيخ كبير وله أولاد، فقال لأبنائه: صوموا عني ثلاثة أيام، فلا يجزئ هذا عنه؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإذا لم يرد فقد قلنا: إن الأصل في العبادات أنه لا يجوز التوكيل فيها؛ لأنه يفوت المقصود من التعبد لله ـ عزّ وجل ـ إذاً لو أن العاجز وكَّل في الصوم، ما أجزأ إذا كان عجزه لا يرجى زواله، ولو وكل في الإطعام عنه فهذا يجزئ؛ لأن الإطعام يشبه الزكاة فيجزئ.

إذا مات فهل يقضى عنه أو لا يقضى؟ أما النفل فلا يقضى؛ لأنه لم يرد، وما دام أنه لم يرد فالأصل عدم القضاء، فلو أن إنساناً كان من عادته أن يصوم الأيام الثلاثة البيض ولكنه لم يصمها، ثم توفي قبل استكمال الشهر فإنه لا يصام عنه.

وإذا كان واجباً فمن العلماء من قال: إنه لا يصام عنه؛ لأنه إذا مات وهو لم يصم صار كالشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه، فيطعم من تركته عن كل يوم مسكيناً ولا يصام عنه.

وقال بعض العلماء: يصام عنه صيام الفرض سواء كان واجباً بأصل الشرع كرمضان والفدية والكفارة، أو كان واجباً بالنذر، واستدلوا بقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ في الصحيحين: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» [(157)]، فقوله: «وعليه صيام» ، يشمل الفرض بأصل الشرع أو الفرض بالنذر فهو عام.

وفصل بعض العلماء فقال: إن كان واجباً بالنذر قضي عنه، وإن كان واجباً بأصل الشرع فإنه لا يقضى عنه.

واستدلوا بأن امرأة أتت النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت: إن أمها نذرت أن تصوم شهراً فلم تصم فقال: «صومي عنها» [(158)]، فأذن لها أن تصوم عنها، والصيام نذر ولا يقاس عليه الواجب بأصل الشرع؛ لأن الأصل في العبادات عدم جواز الوكالة، لكن هذا القول ضعيف.

والصواب القول الثاني أنه يجوز أن يصام عن الميت ما وجب عليه من فرض بأصل الشرع أو فرض بالنذر، والدليل عموم حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» ، وما قصة المرأة التي سألت عن النذر إلا فرداً من أفراد هذا العموم، لا يخالفه ولا يقيده، فهي قضية عين وقع فيها أن الميت مات وعليه صوم مفروض، فأذن النبي صلّى الله عليه وسلّم بالصيام عنها، ثم نقول ـ أيضاً ـ: أيهما أكثر أن يموت الإنسان، وعليه صيام من رمضان أو عليه صيام نذر؟

الجواب: الأول لا شك، فمتى يأتي إنسانٌ نَذَرَ أن يصوم ومات قبل أن يصوم؟! فلا يمكن أن نحمل الحديث العام على الصورة النادرة، دون الصورة الشائعة، فهذا في الحقيقة خلل في الاستدلال.

فالصواب أنه يصام عنه إذا مات وعليه صيام، لكن متى يكون عليه الصيام؟

الجواب: إذا أمكنه أن يصوم ولكنه فرط ثم مات، وأما من لم يفرط فإنه لا صيام عليه؛ لأنه إن كان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه ففرضه الإطعام، وإن كان مرضاً يرجى برؤه واستمر به المرض حتى مات، فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يدرك أن يقضي، ومثل ذلك إذا حصل حادث ومات الإنسان المخطئ في نفس الحادث في الحال، والمخطئ إذا قتل نفساً خطأ فيكون عليه إما عتق رقبة، وإما صيام شهرين متتابعين، فإن مات وكان ذا مال يتسع لعتق الرقبة، أُعتق من ماله؛ لأنه دين عليه، وإن كان ليس عنده مال أو لا توجد الرقبة فلا صيام عليه؛ لعدم التمكن من الأداء، فالرجل لم يتمكن من الأداء؛ لأنه مات في الحال، فكيف نلزمه صيام أيام لم يعشها؟! الله تعالى يقول: {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}} [البقرة: 286] ، وهذا أبلغ، هذا غير ممكن إطلاقاً.

فحكم التوكيل في الصيام لا يصح مطلقاً في حال الحياة لا فرضاً ولا نفلاً، ولا عاجزاً ولا قادراً.

رابعاً: الحج: الحج كغيره من العبادات؛ والأصل فيه عدم جواز التوكيل؛ لأنه عبادة، والأصل في العبادة أنها مطلوبة من العابد، ولا يقوم غيره مقامه فيها، وحينئذٍ نقول: الحج وردت النيابة فيه عن صنفين من الناس.

الأول: من مات قبل الفريضة فإنه يحج عنه؛ لأنه ثبت ذلك بالسنة[(159)].

الثاني: من كان عاجزاً عن الفريضة عجزاً لا يرجى زواله، فهذا جاءت السنة بالحج عنه[(160)]؛ وعليه فإذا عجز الإنسان عن الحج بعد وجوبه عليه مع قدرته عليه ماليّاً، والعجز لا يرجى زواله كالكبر والمرض الذي لا يرجى برؤه، قلنا: ينوب عنه من يحج عنه؛ لأن ذلك ثبت بالسنة.

لو وكَّل في حج الفريضة وهو قادر فلا يصح، فإذا حج الوكيل فالحج له؛ لأن هذه الوكالة فاسدة، والفاسد وجوده كالعدم.

والنافلة إذا وَكَّلَ فيها شخصٌ مريضٌ مرضاً لا يرجى برؤه، فحج عنه هذا الوكيل، فهذا لا يجوز؛ لأن ذلك إنما ورد في حج الفريضة، وما دمنا قلنا: إن الأصل في العبادات عدم جواز التوكيل فإنه لا يوكل؛ لأن النافلة لم يرد فيها التوكيل، فنقول لهذا: إن كنت قادراً فحج بنفسك، وإن كنت عاجزاً فلم يوجب الله عليك الحج فلا تحج، ونقول لمن كان قادراً بنفسه: الصدقة بهذا المال أفضل بكثير من أن توكل من يحج عنك، وإعانة حاج لتأدية فرض الحج بهذه خمسة الآلاف، أفضل من أن يحج عنك نفلاً.

لكن بعض العلماء ـ رحمهم الله ـ توسع في هذا، وقال: إذا كان يجوز له أن يستنيب في الفرض جاز أن يستنيب في النافلة، وعلى هذا فإذا كان عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله، فله أن يوكل من يحج عنه، قالوا: لأن طلب الفريضة من الإنسان بدنيّاً أقوى وأشد من طلب النافلة، فإذا جاز التوكيل في الأشد جاز التوكيل في الأخف، لكن هذا التعليل معارض بالتعليل الأول، وهو أن المطالب بالفريضة لا بد أن يأتي بها، إما بنفسه أو بنائبه.

وبعضهم ـ أيضاً ـ توسع وقال: النفل يجوز التوكيل فيه ولو كان قادراً، وهذا من غرائب العلم؛ لأن هذا لا يصح أثراً ولا نظراً، فلا يصح أثراً؛ لأنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن أحداً حج عن أحد نافلة.

وأما نظراً فلأننا إن قلنا بالقياس على الفريضة، فالفريضة لم ترد إلا في حال العجز عجزاً لا يرجى زواله.

وبعضهم ـ أيضاً ـ توسع توسعاً ثالثاً، وقال: يجوز أن يوكل الإنسان في حج النفل ولو في أثنائه، وعلى هذا إذا ذهب إنسان للعمرة وطاف ووجد مشقة وهي نافلة، وقال لإنسان: يا فلان وكلتك تسعى عني وتحلق عني، جاز على هذا القول، وهذا في الحقيقة من أضعف الأقوال، أن يستنيب شخصاً في إكمال النافلة؛ لأن الحج إذا شرع فيه الإنسان، صار فرضاً واجباً عليه لا يمكن أن يتحلل منه إلا بإتمامه، أو بالإحصار عنه، أو بالعذر إن اشترط، لقول الله ـ تعالى ـ: {{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ}} [البقرة: 196] ، فالحج من بين سائر الأعمال إذا شرعت فيه وهو نفل يلزمك أن تتمه، قال الله ـ تبارك وتعالى ـ: {{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ}} [البقرة: 197] ، فجعل الإحرام بالحج فرضاً، وقال ـ تعالى ـ: {{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ}} يعني الحُجاج {{وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}} [الحج: 29] .

وأقرب الأقوال: أن التوكيل في النفل للقادر لا يصح أبداً، فيقال للقادر: إما أن تحج بنفسك وإما ألا تحج، وأما العاجز ففي إلحاق النفل بالفرض ثقل على النفس، فالإنسان لا يجزم بأنه يلحق بالفرض؛ لأن الفرض لازم يطالب به الإنسان، والنفل تطوع ليس بلازم، فإذا أجازت الشريعة التوكيل في الفرض فإنه لا يلزم أن يجوز ذلك في النفل؛ لأن الإنسان من النفل في سعة، والقول بأنه إذا جاز في الفرض جاز في النفل من باب أولى ضعيف، وكون الفرض أشد مطالبة أن يقوم الإنسان فيه ببدنه نقول: هذا صحيح، لكن العبادات الأصل فيها منع التوكيل فيقتصر على ما ورد، ولذلك بعض الناس يوكل في حجج كثيرة، نافلة لأبيه، وأمه، وعمه، وخاله، وما أشبه ذلك، ولكنه جالس من غير عجز، فأين الحج الذي جعله الرسول صلّى الله عليه وسلّم جهاداً حين سألته عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: «عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة»[(161)]؟!

خامساً: الشهادتان، لا يجوز التوكيل فيهما مطلقاً، فلو قال شخص غير مسلم: يا فلان أنا أريد أن أسلم لكن وكلتك أن تشهد عني، فهذا لا يصح، ولو كانت وثيقة من كاتب عدل فهذا لا يمكن.

فالقاعدة: «أن الأصل في العبادات منع التوكيل فيها»؛ لأن التوكيل فيها يفوت المقصود من العبادة وهو التذلل لله ـ عزّ وجل ـ والتعبد له، ويقتصر فيها على ما ورد.

قوله: «والحدود في إثباتها» الحدود جمع حد، وهو في اللغة المنع، والمراد به هنا كل عقوبة مقدرة من الشرع على معصية لتمنع من الوقوع في مثلها وتكفر ذنب صاحبها، والمراد بإثباتها، مثل أن يقول الحاكم لشخص: اذهب إلى فلان ليقر بما يقتضي الحد، فهذا في إثباتها.

قوله: «واستيفائها» بأن يكون المذنب قد اعترف وثبت الحد، فيوكل الحاكم من يقيم هذا الحد، فهذا لا بأس به، والدليل قول النبي لرجل من الأنصار: «اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» ، فقوله: «فإن اعترفت» هذا إثبات، وقوله: «فارجمها» هذا استيفاء.

فلنستعرض الحدود وهي: حدّ الزنا، وحدّ القذف، وحد السرقة، وحد قطع الطريق.

أولاً: الزنا، وهو حد بنص القرآن، قال الله ـ تعالى ـ: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}} [النور: 2] . وجاءت السنة بزيادة على ذلك، وهي أن يُغرَّب الزاني والزانية عن البلد الذي حصل فيه الزنا لمدة عام، وإن كان محصناً ـ وهو الذي قد تزوج بنكاح صحيح وجامع زوجته ـ فإن حده الرجم، حتى وإن كان قد فارق الزوجة.

ثانياً: القذف، وحده ثمانون جلدة، قال الله تعالى: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا}} [النور: 4] .

ثالثاً: السرقة، وحدها قطع اليد اليمنى من مفصل الكف؛ لقول الله ـ تعالى ـ: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *}} [المائدة] .

رابعاً: قطاع الطريق وحدّهم ما ذكره الله في قوله: {{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ}} [المائدة: 33] .

هل (أو) في هذه الآية للتخيير أو للتنويع؟ في ذلك للعلماء قولان:

القول الأول: أنها للتنويع.

القول الثاني: أنها للتخيير.

فعلى القول بأنها للتنويع، فقوله: {{أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا}} يحمل على أنهم إن قتلوا فقط بدون أخذ المال قتلوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أما إذا أخافوا الطريق دون أن يعتدوا على مال أو نفس فإنهم ينفون من الأرض، والنفي من الأرض، هل معناه أن يطردوا من هذا المكان، أو أن يحبسوا؟

في هذا قولان ـ أيضاً ـ للعلماء، منهم من قال: إن النفي من الأرض أن يحبسوا لا أن يطردوا إلى بلاد أخرى؛ لأنهم ربما إذا طردوا إلى بلاد أخرى، عادوا مرة أخرى إلى حالهم فلم نستفد من نفيهم، أما إذا حبسوا فإنهم يحبسون عن الناس فلا يتعدى شرهم إلى أحد.

والأرجح في هذا، أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي إن رأى أن ينفيهم من الأرض إلى بلاد أخرى، أو أن يحبسوا على حسب ما يرى.

وأما شرب الخمر فقد اختلف العلماء، هل هو حد أو تعزير؟

فأكثر أهل العلم على أنه حد، ثم اختلفوا هل هو أربعون، أو ثمانون، أو يخير الإمام بينهما؟.

ومن تدبَّر عقوبة شارب الخمر، عرف أنها تعزير لا حد، لكنه لا يُنْقَص عن أربعين جلدة.

ودليل ذلك أنهم كانوا في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم يؤتى بالشارب فيقوم الناس إليه يضربونه، منهم من يضرب بيده، ومنهم من يضرب بالنعل، ومنهم من يضرب بالرداء أو بالجريد[(162)] أو ما أشبه ذلك، ولهذا جاء في بعض ألفاظ الحديث: «نحواً من أربعين»[(163)]. ثم إن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ جلد أربعين، ثم جلد عمر ـ رضي الله عنه ـ أربعين، ولما كثر شرب الخمر جمع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يستشيرهم، وهذا من دأبه ـ رضي الله عنه ـ، فقال عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ: يا أمير المؤمنين، أخف الحدود ثمانون[(164)]، يعني فاجلد شارب الخمر ثمانين، فأقر ذلك عمر، وعمر له سُنَّةٌ متبوعة فلا يزاد على ذلك ولا ينقص منه، وسموا ذلك حداً، لكن من تدبر النصوص الواردة في ذلك عرف أنه ليس بحدٍّ، وأنه تعزير لا ينقص عن أربعين جلدة؛ لأنه لو كان حدّاً ما استطاع عمر ـ رضي الله عنه ـ ولا غيره أن يزيد فيه ولهذا لو كثر الزنا في الناس ـ نسأل الله العافية ـ هل يمكن أن نزيد على مائة جلدة؟

الجواب: لا يمكن حتى لو كثر الزنا، فكون أمير المؤمنين عمر ومعه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يزيدون على ذلك، يدل على أن المقصود هو التعزير الذي يردع الناس عن هذا الشيء الخبيث.

ودليل آخر: قول عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ: (أخف الحدود ثمانون)[(165)]، وأقره الصحابة، إذاً لا يوجد حَدٌّ يقدر بأربعين جلدة، وهذا يشبه أن يكون إجماعاً، لأن عمر ـ رضي الله عنه ـ لم يقل: لا أزيد؛ لأن فيه حداً، فالصواب أنه تعزير، وبناءً على ذلك لو كثر شرب الخمر في الناس، فَلِوَلِيِّ الأمر أن يزيد على ثمانين بالكم أو بالنوع أو بالكيفية، حتى لو أنه رأى أن يعزر شارب الخمر بغير ذلك فلا بأس، إلا أنه لا يقطع عضواً من أعضائه؛ لأن بدن الإنسان محترم، وليس فيه قطع، اللهم إلا السارق وقطاع الطريق.

ويرى بعض العلماء أن من الحدود الردة، ويكتبون هذا في مؤلفاتهم، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الردة إذا تاب المرتد ولو بعد القدرة عليه فإنه يرفع عنه القتل ولا يقتل، ولو كانت حدّاً ما ارتفع بعد القدرة عليه؛ لقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: {{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *}} [المائدة] .

فالصواب أن القتل بالردة ليس حدّاً، حتى على قول من يقول: إن من أنواع الردة ما لا تقبل فيه التوبة، مع أن الصحيح أن جميع أنواع الردة تقبل فيها التوبة، حتى لو سب الإنسان رب العالمين، أو الرسل أو الملائكة، ثم تاب فإن توبته مقبولة؛ لأن من المشركين من سب الله ـ عزّ وجل ـ ومع ذلك قبلت توبتهم، ثم إن عموم الأدلة كقوله ـ تعالى ـ: {{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}} [الزمر: 53] ، يدل على أن أي ذنب تاب الإنسان منه فإن الله يتوب عليه، حتى لو سب الله جهاراً نهاراً ثم تاب وحسنت حاله، قبلت توبته، والحمد لله؛ لأن باب التوبة مفتوح.

لكن من سب الرسول صلّى الله عليه وسلّم ثم تاب فإننا نقبل توبته، ولكننا نقتله؛ لأن سبه للرسول صلّى الله عليه وسلّم حق آدمي، ولا نعلم هل عفا عنه الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أم لا؟ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد مات فالقتل لا بد منه، لكنه إذا تاب يقتل على أنه مسلم، يغسل ويكفن ويصلى عليه، ويدعى له بالرحمة، ويدفن مع المسلمين.

على كل حال الحدود يجوز التوكيل في إثباتها واستيفائها.

ومن الموكل؟ الموكل من له إقامة الحد، ففي عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم الأمير والقاضي والرسول والقائد والإمام هو النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلا إشكال في الموضوع.

وكذلك إذا كان الأمراء هم القضاة فلا إشكال ـ أيضاً ـ؛ لأنهم سوف يحكمون أولاً ثم ينفذون ثانياً، فالأمراء هم الذين يوكلون في إقامة الحدود، لكن في وقتنا الحاضر تفرقت المسؤولية، فصار القاضي عليه مسؤولية، والأمير عليه مسؤولية، فمن الذي يملك تنفيذ الحدود؟

الجواب: الأمير، وعلى هذا فالقاضي يرفع الحكم، ثم الأمير يوكل من شاء إن ينفذ الحكم.

وما الدليل على التوكيل في الحدود في إثباتها واستيفائها؟

الدليل قصة المرأة التي زنا بها أجير عند زوجها، وقيل لهذا الأجير: إن عليك الرجم، فذهب أبوه وافتداه بمائة شاة ووليدة يعني جارية؛ لئلا يرجم، وهذه فتوى جهل وخطأ، فسأل أهل العلم، فقالوا: على ابنك الجلد وعلى امرأة الرجل الرجم؛ لأن الابن غير محصن، أي: بكر، وزوجة المستأجر ثيِّب، ثم جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما الغنم والوليدة فهي رد عليك» ، أي: مردودة، يعني لا يملكها الزوج ولا الزوجة؛ وذلك لأن هذا الحكم مخالف لحكم الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وبه نعرف أن ما قبض بغير حق يجب أن يرد إلى صاحبه، وأن على زوجة هذا الرجل الرجم، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، ثم قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم لرجل من الأنصار: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» [(166)]. فهذا توكيل في إثبات الحد واستيفائه، في إثباته حين قال: «إن اعترفت» ، وفي استيفائه حين قال: «فارجمها» ، وعلى هذا فيجوز لولي الأمر أن يوكل في إثبات الحدود، أي فيما تثبت به وفي تنفيذها.

ولكن الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه ولا سيما في عصرنا الآن؛ لئلا يحصل خطأ في الإثبات أو خطأ في التنفيذ، لكن الكلام على أن هذا جائز، والدليل هذه القصة.

 

وَليْسَ لِلْوَكِيلِ أنْ يُوكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ إِلَيْهِ والوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ وتَبْطُلُ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا وَمَوْتِهِ وَعزْلِ الوَكِيلِ وَبِحَجْرِ السَّفَهِ ...

قوله: «وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه» الوكيل يتصرف بالإذن من الموكل، وإذا كان يتصرف بالإذن من الموكل فإنه يجب ألا يتعدى ما وكل فيه لا بصفة العقد، ولا بالمعقود له، فإذا قال: وكلتك أن تبيع هذا العبد على فلان، فعندنا الآن تعيين في المبيع وتعيين في المشتري، فهل يملك الوكيل أن يبيع عبداً آخر من عبيد الموكل؟

الجواب: لا؛ لأنه خص بمعين، وهل يملك أن يبيع العبد المعين على شخص غير زيد؟

الجواب: لا؛ لأنه يتصرف بالإذن فوجب أن يكون تصرفه بحسب ما أذن له فيه.

فالقاعدة أن الوكيل يتصرف بالإذن، فوجب أن يكون تصرفه بحسب ما أذن له فيه ولا يتعداه، إما لفظاً وإما عُرْفاً.

وهل له أن يوكل؟

الجواب: لا، ليس له أن يوكل، فإذا وكلت فلاناً أن يبيع هذه السيارة فليس له أن يوكل غيره؛ لأنني وكلته هو بنفسه، فليس له أن يوكل غيره؛ لأني قد أثق به، ولا أثق بغيره، ولا سيما في الأمور التي يختلف فيها القصد اختلافاً كبيراً، كما لو وكلت شخصاً يفرق زكاة، وأراد أن يوكل غيره فهذا لا يمكن؛ لأن الزكاة أمرها عظيم، وربما أثق بفلان، ولا أثق بغيره.

فلا يجوز إذاً أن يوكل فيما وُكِّل فيه إلا في أحوال ثلاث:

الحال الأولى:

قوله: «إلا أن يجعل إليه» «يجعل» هذا مبني لما لم يسم فاعله، والفاعل هو الموكل، يعني إلا أن يجعل الموكل ذلك للوكيل، فيقول: وكلتك في كذا ولك أن توكل من شئت، أو من تثق به، أو أن توكل فلاناً قريبك، أو ما أشبه ذلك.

فإذا جعل إليه ووكل حسب ما جُعل إليه، يكون قد تصرف بحسب الوكالة.

الحال الثانية: إذا كان مثله لا يتولاه عادة.

فلو قلت لجارك وهو رجل شريف وزير، أو قاض، أو أمير: يا فلان أنا سوف أسافر، اشتر للبقرة العلف كل يوم، الرجل الآن سوف يشتري علفاً كل يوم للبقرة، فهل له أن يوكل من يشتري العلف؟ أو نقول: اذهب بنفسك؟ نقول: له أن يوكل من يشتري العلف؛ لأن هذا مما جرت العادة ألا يتولاه بنفسه، فله أن يوكل من يشتري، وإن لم يُؤذن له في ذلك، لكن عليه أن يتحرى الرجل الأمين أكثر مما يتحراه لماله.

الحال الثالثة: إذا كان يعجز عن القيام بمثله عادة.

مثال ذلك: وكلتَ رجلاً أن يصعد بحجر كبير إلى السطح؛ لأنك تريد أن تبني به السطح، وهو رجل ضعيف لا يقوى على ذلك، فهل له أن يوكل من يحمل الحجر إلى فوق؟

الجواب: نعم؛ لأن مثله يعجز عنه.

وكذلك لو وكلته في بيع أموال كثيرة، وقلت له: اصرف هذه الأموال في هذا الموسم، ولا تتعدى هذا الموسم، وهي أموال كثيرة لو أنه باشرها بنفسه لانتهى الموسم قبل التصريف، فهنا له أن يوكل؛ لأن كون الموكل يقول: بع هذه في هذا الموسم، وهي أموال كثيرة يعرف أنه لا يستطيع أن يقوم ببيعها وحده، معناه أنه قد أذن له في أن يوكل غيره، فيكون الإذن معلوماً من قرينة الحال.

فإذا قال قائل: كيف أجزتم أن يوكل في الحالين الأخريين؟ نقول: لأن هذا وإن لم يأذن فيه الموكل لفظاً فهو كالمأذون فيه عرفاً، فكل أحد يعرف أنك إذا قلت لرجل شريف: يا فلان اشتر العلف للبقرة كل يوم، فالمعروف أنه لا يشتريه بنفسه، وكل يعرف أنك إذا قلت للموكل: اصرف هذه البضاعة في هذا الموسم، وهو عشرة أيام وهي بضاعة كثيرة، كل واحد يعرف أن المراد أن يصرفها بنفسه أو بوكيله.

ففي الحقيقة أن هاتين الحالتين داخلتان في قوله: «إلا أن يجعل إليه» ، لكن لما ذكرها العلماء نقول: إلا أن يجعل إليه لفظاً، وأما الثانية والثالثة فقد جعل ذلك إليه عرفاً.

قوله: «والوكالة عقد جائز» وهو جائز من الناحية التكليفية، ومن الناحية الوضعية ذكرنا من قبل أنها تصح بكل قول يدل على إذن، وأنه يصح التوكيل في كل حق آدمي.

لكن من الناحية التكليفية هل هي من العقود الجائزة، أو من العقود اللازمة؟ يقول المؤلف: إنها عقد جائز، والعقد الجائز هو الذي يملك كل واحد من المتعاقدين فسخه بدون رضا الآخر، ولا إذنه أيضاً.

ووجه ذلك ظاهر؛ لأن الوكالة من الموكل إذن ومن الوكيل تبرع، فللوكيل أن يرجع، وللموكل أن يرجع ـ أيضاً.

وقوله: «والوكالة عقد جائز» يفيد أن العقود منها جائز، ومنها لازم، ومنها جائز من طرف لازم من طرف.

فعقد البيع بعد التفرق من المجلس عقد لازم إلا أن يكون شرط الخيار؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فقد وجب البيع» [(167)].

والرهن عقد جائز من جانب المرتهن، ولازم من جانب الراهن، ووجهه ظاهر؛ لأن الحق في الرهن للمرتهن، فإذا رضي بإطلاق الرهن وإزالته فالحق له، لكنه حق على الراهن فلا يملك أن يتخلص منه.

والوكالة جائزة من الطرفين، وبهذا تمت أقسام العقود، وهي ثلاثة أقسام:

عقد لازم من الطرفين.

عقد جائز من الطرفين.

عقد لازم من طرف جائز من طرف.

قوله: «وتبطل بفسخ أحدهما» «تبطل» بإسقاط الواو، وهو الأصح؛ لأنك إذا قلت: «وتبطل» لم تكن هذه الجملة تفسيراً لقوله: «جائز» ، والجملة في الواقع استئنافية، فهي تفسير لمعنى قوله: «جائز» .

وقوله: «تبطل بفسخ أحدهما» مَنْ أحدهما؟ الوكيل والموكل، تبطل بفسخه.

وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أنها تبطل بفسخ أحدهما مطلقاً ولو مع ضرر، ولكن يجب أن نقيد هذا بما إذا لم تتضمن ضرراً، فإن تضمنت ضرراً فإنه ليس لأحدهما أن يضر صاحبه، ودليل ذلك قول الله ـ عزّ وجل ـ: {{أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ}} [النساء: 12] ، ويقول ـ عزّ وجل ـ: {{وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}} [البقرة: 231] ، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» [(168)]، ولذلك قال العلماء: إذا تضمَّن الفسخ ضرراً على أحد الطرفين فإن العقود الجائزة تنقلب لازمة درءاً للضرر.

فعلمنا بذلك أن ما كان فيه ضرر فإنه ممنوع شرعاً، فلو أن الوكيل قبِلَ الوكالة على أنه سوف يُصرِّفها في الموسم، ثم انصرف من عند الموكل وفسخ، فقال: اشهدوا أني فسخت الوكالة، والموكل لم يعلم، ففات الموسم، فهنا الفسخ فيه ضرر على الموكل، إذاً لا يحل للوكيل هنا أن يفسخ إلا إذا استأذن من الموكل؛ من أجل أن يعرف الموكل كيف يتصرف؟ أو يقال يجوز الفسخ مع ضمان الضرر، فنقول: الوكالة عقد جائز، لكن إذا تضمن ضرراً فتنفسخ الوكالة، وعليك ضمان الضرر.

وقوله: «تبطل بفسخ أحدهما» ظاهره سواء علم الوكيل أم لم يعلم، فإذا وكلت هذا الرجل على أن يبيع بيتي ثم في اليوم التالي أشهدت رجلين بأني فسخت الوكالة، ثم باع الوكيل البيت في اليوم الثالث ولم يعلم، فالمذهب أن البيع غير صحيح؛ لأني فسخت وكالته قبل أن يبيع، فباع وهو لا يملك العقد عليه.

والقول الثاني: أنه لا ينفسخ إلا بعد العلم؛ لأن تصرفه مستند إلى إذن سابق لم يعلم زواله فكان تصرفاً صحيحاً، ويقال للموكل أنت الذي فرطت، لماذا لم تخبره بفسخ الوكالة من فوره؟ وهذا القول هو الراجح وهو رواية عن أحمد، لا سيما وهو في هذه الحال تعلق به حق المشتري، أما إذا لم يتعلق به حق أحد فقد يقال بفسخ الوكالة.

وقوله: «تبطل بفسخ أحدهما» يشمل الفسخ بالقول والفسخ بالفعل، بالقول بأن يقول: فسخت الوكالة، وبالفعل بأنه يفعل فعلاً ينافي تصرف الوكيل، مثل أن يوكله في بيع عبد ثم أَعْتَقَ العَبْدَ، فإعتاقه إياه يتضمن فسخ التوكيل في البيع؛ لأنه لا يمكن بيعه بعد عتقه، وكذلك لو وكله في بيع شيء ثم رهنه تنفسخ الوكالة؛ لأن بيع المرهون لا يصح فعلم أنه عَدَلَ عن بيعه.

قوله: «وموته» أي: إذا مات الوكيل بطلت الوكالة، وإذا مات الموكل بطلت الوكالة.

وجه ذلك أنه إذا مات الموكل انتقل المال إلى ورثته، فلا بد من تجديد الوكالة إذا شاؤوا أن يستمروا مع الوكيل، أما الوكيل فتبطل بموته؛ لأن الموكل إنما رضيه بعينه فإذا مات فإن المعقود عليه قد زال وفات، فتبطل بذلك الوكالة.

مثال ذلك: رجل وكل شخصاً في بيع بيته، قال: وكلتك أن تبيع بيتي، ثم قدر الله على الموكل أن يموت، فحينئذ لا يحل للوكيل أن يبيع البيت، ولا أن يتصرف فيه، بل يجب أن يبلغ الورثة أنه قد انتهت الوكالة؛ لأن الملك الآن انتقل إلى الورثة.

مثال آخر: رجل وكَّل شخصاً في بيع ثم قدَّر الله أن يموت الوكيل فتنفسخ الوكالة، ولا يحل للوكيل أن يوكل شخصاً بعد موته يتولى البيع؛ لأن الوكالة انفسخت بموته.

وهنا يجب أن ننبه إلى مسألة يكتبها إخواننا الكُتَّاب الذين يكتبون وصايا للناس، إذا كانت الوصية وقال: أوصيت بثلث مالي يُتصدق به على الفقراء، كثير من الكتَّاب يكتب: والوكيل على ذلك فلان، والصواب أن يقول: الوصي على ذلك فلان؛ لأن هناك فرقاً بين الوكيل والوصي، الوصي من أذن له بالتصرف بعد الموت، والوكيل من أذن له بالتصرف في حال الحياة، وإذا قال: الوكيل على ثلثي فلان، فلو أخذنا باللفظ لقلنا: إذا مات هذا الرجل انفسخت الوكالة، لكن الحكام ـ القضاة ـ يفتون بأن هذا اللفظ من العامة بمعنى الوصية، وإن كان بلفظ الوكالة، ولكننا نقول للكتاب: ينبغي أن تحرروا الكتابة، وإذا ذكرتم وصية فلان بشيء لا تقولوا: والوكيل فلان، قولوا: الوصي.

لكن لو قال: «الوكيل بعد موتي»، ارتفع الإشكال؛ لأنه لو قيد الوكالة بعد الموت فإننا نعلم علم اليقين أنه أراد الوصية.

قوله: «وعزل الوكيل» هذه العبارة لم نرها في المنتهى، ولا في الإقناع، ولا في المقنع ـ أيضاً ـ الذي هو أصل الكتاب، وهي في الحقيقة زائدة، لأن عزل الوكيل يغني عنه قوله: «بفسخ أحدهما» ؛ لأن فسخ الموكل يعني عزل الوكيل، إذاً ليس هناك حاجة إلى أن يقول: «وعزل الوكيل» ، لكن لعل هذا من المؤلف ـ رحمه الله ـ سبق قلم.

على كل حال تبطل الوكالة بعزل الوكيل، وعزل الوكيل هو فسخ الموكل للوكالة.

مسألة: لو أنه وكَّل إنساناً أن يبيع بيته، وبعد انصراف الوكيل باع الموكل نفسه البيت، ثم إن الوكيل باعه، فالمالك باعه على زيد، والوكيل باعه على عمرو، فالوكيل انعزل؛ لأن بيع المالك للشيء الذي وكل شخصاً في بيعه، يعني أنه عزله، وهذا عزل بالفعل، وحينئذ الوكيل باع على عمرو، والمالك باع على زيد، إن أبطلنا بيع الوكيل فقد تعلق به حق عمرو، وإن أبطلنا تصرف المالك أبطلنا حق زيد، فنقدم الآن صاحب الأصل وهو المالك، وحينئذ نقول: إن بيع الوكيل وقع على شيء انتقل ملكه عن صاحبه، حتى صاحبه الآن لا يمكن أن يتصرف فيه، فنقول في بيع الوكيل: إنه باطل؛ لأن هذه المسألة تعلق بها حق ثالث، ثم إن الموكَّل فيه انتقل عن ملك الموكِّل إلى ملك آخر، فلا يمكن أن يبطل هذا الانتقال، وإن صححنا تصرف الوكيل لزم من ذلك إبطال تصرف المالك.

مسألة: إذا تصرف الموكل تصرفاً لا يمنع تصرف الوكيل مثل: أن يقول وكلتك في بيع بيتي ثم بعد ذهاب الوكيل، أجّرَهُ الموكل؛ فهل تبطل الوكالة ونقول: إن هذا عزل؟

الجواب: لا؛ لأن التأجير لا ينافي البيع، إذ يجوز بيع المؤجر، فإذا كان يجوز بيع المؤجر، فإن تصرف الموكل الآن لا يعتبر فسخاً للوكالة؛ لأنه لا منافاة بين ما وَكَّل فيه وتصرفه.

إذاً إذا تصرف تصرفاً ينافي الوكالة فهو عزل، وإذا تصرف تصرفاً لا ينافي الوكالة فليس بعزل.

قوله: «وبحجر السفه» لم يقل المؤلف: الصِّغَر؛ لأن الكبير لا يصغر فهو غير وارد أبداً، وأما الحجر للجنون ففيه تفصيل:

إن كان مطبِقاً انفسخت الوكالة، وإن كان غير مطبِق كأن يكون ساعة ويذهب لم تنفسخ، فثلاثة أسباب للحجر، الصغر والجنون والسفه، إذا حُجر على الوكيل أو الموكل حجر سفه انفسخت الوكالة.

وفي قول المؤلف: «وبحجر السفه» منطوق وله مفهوم، ومفهومه حجر الفلس، فمن كان لا يحسن التصرف فالحجر عليه حجر سفه، ومن كان يحسن التصرف لكنه غريم مدين، دينه أكثر من ماله، فالحجر عليه حجر فلس، فالوكالة تبطل بحجر السفه.

مثال هذا: الوكيل قال لشخص: بع بيتي، ثم إن الرجل الذي وكَّله في البيع ـ أي: مالك البيت ـ أصيب بخلل في عقله أفسد تصرفه، فلا تستمر الوكالة بل تنفسخ؛ لأن الموكل الآن لو أراد أن يتصرف بنفسه لم يتمكن، فبوكيله من باب أولى، ويمكن أن تقع بأن يحصل لإنسان حادث يختل به فكره، فنقول الآن: انفسخت الوكالة، ونقول للذي وُكِّلَ في البيع: لا تبع؛ لأن الوكالة انفسخت، فالموكل نفسه لو أراد أن يتصرف لا يمكنه، فكيف بفرعه وهو الوكيل؟

إذاً كلمة «السفه» إنما تعود إلى العقل، بحيث يكون فيه جنون أو سوء تصرف، بحيث يختل فكره وعقله ويبدأ لا يعرف شيئاً.

والحجر لفلس هل تبطل به الوكالة أو لا؟

فيه تفصيل: إن كانت في أعيان مال الموكل انفسخت، وإن كانت في ذمته لم تنفسخ.

أما الوكيل فإنه إذا حجر عليه لفلس لا تنفسخ الوكالة بذلك؛ لصحة تصرفه في مال غيره، إذن إذا حجر عليه لفلس فبالنسبة للوكيل لا تتأثر الوكالة ولا تنفسخ، وبالنسبة للموكل ففيه تفصيل.

مثال ذلك بالنسبة للوكيل: وكل إنساناً يبيع بيته، ثم إن هذا الوكيل صار مديناً دينه أكثر من ماله فحجر عليه؛ فالآن الوكيل لا يمكن أن يبيع شيئاً من ماله؛ لأنه محجور عليه، لكن هل يبيع بيت من وكله؟

الجواب: نعم؛ لأن من حجر عليه لفلس إنما يحجر عليه في أعيان ماله لا في أعيان مال غيره، فتبقى الوكالة.

مثال ذلك بالنسبة للموكل، قال: وكلتك أن تبيع بيتي، ثم إن الموكل لَحِقَهُ الدينُ وصار دينه أكثر من ماله، فحجرنا عليه، هل يملك الوكيل أن يبيع البيت؟

الجواب: لا، وتنفسخ الوكالة؛ لأن الموكل الآن لا يملك بنفسه بيع بيته، فإذا كان الأصل لا يملك البيع، فالفرع من باب أولى.

فصار الحجر لفلس فيه تفصيل، والحجر لسفه ليس فيه تفصيل، فتبطل به الوكالة سواء حجر على الوكيل، أو حجر على الموكل.

 

وَمَنْ وُكِّلَ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ لَم يَـبِـعْ وَلَمْ يَشْتَرِ مِنْ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَلاَ يَبِيعُ بَعَرَضٍ وَلاَ نَسَاءٍ وَلاَ بِغَيْرِ نَقْدِ البَلَدِ ......

قوله: «من وُكِّل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده» إذا وكل في بيع فإنه لا يبيع على نفسه، ولا يبيع على ولده، ولا على والده، ولا على من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في ذلك، ولأنه لو أراد أن يبيعه على فلان لقال: اشتر مني هذا، واستغنى بذلك عن توكيله.

مثال ذلك: وكلت إنساناً أن يبيع البيت، قلت: وكلتك في بيع بيتي، باعه على ابنه، فإنه لا يصح البيع؛ لأنه متهم، فإذا كان لا تقبل شهادته لولده بالمال لاتهامه بذلك، فكذلك بيعه ما وكل فيه لولده فهو متهم، وإذا كان الوكيل الذي باع على ابنه ثقة عدلاً مرضياً، نقول: ولو كان؛ سداً للباب، ولئلا يقول قائل: لماذا صححتم بيع فلان على ولده ولم تصححوا بيع فلان؟ فنسد الباب، بل لا يبيع على أحد من الأصول كالأب والجد أو الفروع كولد الولد أو ولد البنت؛ لأنه متهم، والأمر في هذا سهل، وهو أن يستأذن من الموكل، فيقول له: إن ابني يريد البيت أتأذن أن أبيعه؟ إذا قال: نعم، انتهى الإشكال، واستثنى بعض العلماء من ذلك مسألتين:

الأولى: إذا كان البيع في المزايدة وانتهى الثمن على ولده أو نفسه فإن البيع يصح؛ لأنه ليس فيه تهمة.

مثاله: أعطاه ليبيع السيارة مزايدة بالحراج علناً، زادت ثم زادت ثم زادت، وآخر السعر صار على ولده وباعها عليه، فهذا ليس فيه اتهام، ولهذا استثنى بعض العلماء هذه المسألة، قال: في المناداة إذا انتهى السعر على ولده فلا بأس أن يبيع؛ وذلك لأنه لا تهمة.

الثانية: إذا حدد الموكل الثمن للوكيل وقال: بعها، قال: بكم أبيعها؟ قال: بعها بعشرة آلاف، وباعها على ولده بعشرة آلاف، فهذا يجوز؛ لأن الموكل حدد الثمن، فهو لا يريد أكثر من ذلك، فيصح أن يبيعها على ولده لانتفاء التهمة حينئذ.

ولكن لو أن الموكل قال للوكيل: بعها بعشرة آلاف بناءً على أن هذا أعلى سعر، وكانت السلع قد زادت لكن الموكل لم يعلم، فهل يجوز في هذه الحال أن يبيعها الوكيل على ولده؟

الجواب: لا؛ لأن هذا غش، والواجب أن يخبره إذا كان الوكيل يعلم أن قيمة الأشياء قد زادت، والموكل رجل جاهل بالأسعار، فعليه أن يبين له ويخبره بأن السلعة تساوي أكثر وجوباً؛ لأنه لو كتم وجعلها تباع بعشرة آلاف لكان غاشّاً، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من غش فليس منا» [(169)]؛ لأن بعض الناس ـ والعياذ بالله ـ يستغل سذاجة الموكل وجهله بالواقع ولا يخبره به فهذا حرام، هذا غش، عامِلْ الناسَ بما تحب أن يعاملوك به، لا تغشهم ولا تخدعْهم.

وإذا باع على بنته، فهي من الولد؛ لقوله ـ تعالى&#146>;ـ: {{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] ، فجعل الله الأنثى من الولد وهو كذلك.

وقال بعض العلماء: إنه يجوز أن يبيع على ولده ووالده وأمه وجدته وبنته وبنت بنته إلا إذا ظهرت المحاباة؛ لأنه وكله في البيع ولم يقل: لا تبع على هؤلاء، فاللفظ يشمل هؤلاء وهؤلاء، وهذا القول هو الصحيح إلا إذا كان شريكاً لهم؛ لأن حقيقة الأمر أنه باع على نفسه، وبناء عليه يجوز أن يبيع على إخوته وأعمامه وبني إخوته ما لم يكن شريكاً لهم.

مسألة: إذا كان لا يبيع على نفسه، فهل يجوز أن يوكل شخصاً يشتريها له؟

مثاله: أعطاه هذه السيارة لبيعها، قلنا: لا يصح البيع على نفسه، لكن قال: يا فلان لا يجوز أن أشتريها لنفسي، لكن وكلتك أن تشتريها لي، وصار الذي يزيد وكيله حتى انتهت عليه واشتراها، فهذا لا يجوز؛ لأنه حيلة، ووكيله قائم مقام نفسه.

وبناءً على أنه لا يجوز للوكيل أن يشتري السلعة لنفسه، فإنه لا يجوز أن يزيد في ثمنها.

مثاله: أخرجها أمام الناس وقال: من يريد أن يسوم بعشرة آلاف، أو باثني عشر ألفاً، وأراد هو أن يزيد لما قال واحد باثني عشر قال: بثلاثة عشر ألفاً أي: الوكيل وهو الذي يسمى الدلال، فهذا لا يجوز؛ لأنه لو زاد لا يمكن أن يشتريها، فيكون في زيادته هنا إضرار بالمشترين، وتضييق عليهم، فما دمت تعرف أنك لا يمكن أن تشتريها فإنه لا يجوز أن تزيد.

فإن أذن الموكل للوكيل أن يشتري فهنا يجوز أن يزيد؛ لأنه إذا أذن الموكل للوكيل أن يشتري فلا بأس، وحينئذ فإذا زاد في الثمن فقد زاد زيادة أذن له فيها، فصار ذلك صحيحاً.

قوله: «ولا يبيع بعرض» مثاله، قال: وكلتُك أن تبيع السيارة فبعتَها بعمارة، فالسيارة تساوي عشرة آلاف، والعمارة تساوي خمسة عشر ألفاً، فهذا لا يجوز، لأني إذا قلت: بعها يعني بدراهم، لا أقول: بعها ببيت.

مثال آخر: قال: بع هذه السيارة، فذهب وباعها بسيارة أخرى فهذا لا يجوز؛ لأني إذا قلت: بعها يعني بعها بدراهم ليس بعرض، وهلم جرّاً.

والفلوس من العَرَض عند الفقهاء، والأوراق النقدية من العرض؛ لأن النقد عندهم هو الدرهم والدينار فقط يعني الذهب والفضة، وعلى هذا فالأوراق النقدية عند الفقهاء عرض، فهل نقول: كلام المؤلف يدل على أني إذا قلت بع هذا البيت ـ مثلاً ـ وباعه بعشرة آلاف من الأوراق النقدية لم ينعقد البيع؛ لأنه باع بعرض نقول: هذا مقتضى كلام المؤلف؛ لأنهم صرحوا أنه لا يبيعها بالفلوس، ولكننا نقول: أصبحت النقود الورقية الآن عند الناس نائبة مناب الدينار والدرهم، فإذا باعها بالفلوس التي هي الأوراق صح البيع.

ولو قال الموكل: أنا قلت الدراهم والدنانير هي النقود، أما الأوراق هذه فتأتي بها عندي، وتأكلها الأرضة، والنار تحرقها، لا أريد هذا، لا بد أن تعطيني ذهباً أو فضة فلا يملك هذا؛ لأن العرف الآن المطرد أن هذه الأوراق قائمة مقام الذهب والفضة، بدل الدينار والدرهم.

قوله: «ولا نَسَاء» أي: بثمن مؤخر، سواء كان مؤجلاً أم غير مؤجل، فلا بد أن يكون نقداً يداً بيد، فعلى كلام المؤلف إذا باع شيئاً أذنت له في بيعه، ولم يقبض الثمن فإنه يكون ضامناً، لكن كلام المؤلف هنا ينبغي أن يقيد بما إذا لم يدل العرف على التأخير، والآن عند الناس لو بعت عليك شيئاً اليوم، يمكن أن تذهب به ولا آخذ الثمن منك إلا بعد يوم أو يومين، حسب كثرة الثمن وقلته، وحسب حال المشتري، إلا إذا كان المشتري لا يُعرف، فإنه إذا لم يبعه نقداً يداً بيد فهو ضامن؛ لأنه مفرِّط.

مثاله: إنسان عرض سيارة للمزايدة، فجاء أجنبي لا يعرفه وقال: السيارة تساوي عشرة، وأنا آخذها منك بأحد عشر ألفاً، فأخذها وذهب، فلا يمكن للوكيل أن يدعه يذهب بدون نقد، ولو فعل لكان ضامناً؛ لأنه مفرط.

وهل يبيع مؤجلاً؟ المؤجل غير النسأ، والنسأ هو تأخير القبض ولو كان غير مؤجل، والمؤجل تأخير الوفاء.

مثال ذلك: قلت: بعتك هذا الشيء بثمن يحل بعد شهر فهذا مؤجل، وبعتك هذا الشيء ولم أقبض الثمن فهذا نسأ؛ لأن فيه تأخيراً، وبعتك هذا الشيء بعشرة وأعطيتني إياها وأخذته فهذا يداً بيد.

فإن باع مؤجلاً فإن ذلك لا يصح ولو كان الثمن المؤجل أكثر.

قوله: «ولا بغير نقد البلد» نقد البلد عندنا الآن الريال السعودي، فهذا الرجل أخذ السلعة، وذهب وباعها بدولار، فهنا لا يصح البيع؛ لأنني إذا أذنت لك في البيع فبعت بالدولار فقد بعت بغير ما ينصرف الإطلاق إليه، والدولار عندنا ليس نقداً ولكنه سلعة، يزيد وينقص فإذا باع بالدولار لا يصح، وإذا باع بالجنيه المصري ـ مثلاً ـ فهذا لا يصح، وإذا وكله في مصر، وباع بالجنيه المصري فهنا يصح؛ لأنه نقد البلد.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا يبيع بغير نقد البلد ولو باع بنقد أغلى.

مثاله: وكلتك أن تبيع هذه السيارة وهي تساوي بنقد البلد مائة مليون وبالدولار ألف دولار وباعها بألف دولار، فهنا على كلام المؤلف لا يصح البيع؛ لأنه غير نقد البلد، مع أنه أغلى من نقد البلد، فهل نقول: إن كلام المؤلف مقيد بما إذا لم يكن النقد الذي باع به أغلى من نقد البلد؟ ربما يقال: إن الرجل إذا باعها بنقد أغلى فإننا نقول: هذا يصح؛ لأنه زاده خيراً، وكما لو قلت: بعها بدراهم فبعتها بدنانير، أليس عروة بن الجعد ـ رضي الله عنه ـ وكَّله الرسول صلّى الله عليه وسلّم يشتري له أضحية فأعطاه ديناراً، فاشترى أضحيتين وباع واحدة بدينار فرجع إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأضحية ودينار[(170)]، لم يخسر شيئاً، فأقره النبي صلّى الله عليه وسلّم على ذلك؟ فهذا يدل على أنه إذا كان تصرف الوكيل فيه خيرٌ للموكل فينبغي أن ينفذ؛ لأن مطالبة الموكل بنقد البلد مع أن ما باع به أغلى، ما هو إلا إضرار، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» [(171)].

 

وإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ أَوْ دُونِ ما قَدَّرَهُ لَهُ أَوْ اشْتَرَى لَهُ بِأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ أَوْ ممَّا قَدَّرَهُ لَهُ صَحَّ وَضَمِنَ النَّقْصَ والزِّيادَةَ .....

قوله: «وإن باع بدون ثمن المثل» هذا تصرف مخالف للوكالة لكنه ليس مخالفاً لها في أصل العقد، بل في وصف العقد، ولهذا يصح ويضمن.

مثاله: قال له: بع سيارتي، وكانت هذه السيارة يُباع مثلها بأربعين ألفاً، فباعها بخمسة وثلاثين ألفاً.

يقول المؤلف: إن البيع صحيح؛ لأنه تعلق به حق لإنسان وهو المشتري فلا نبطل حقه بسوء تصرف غيره، ولأن الوكالة لم تتعد البيع، أي: لم يهبه لأحد أو يعطه إياه مضاربة أو يوقفه؛ بل باعه لكنه خالف في الوصف؛ لأنني من حين أقول: بع السيارة إنما أريد أن تبيعها بثمن المثل، فعلى هذا يصح البيع ويضمن الوكيل النقص؛ لأنه من المعلوم أن الإذن المطلق ينصرف إلى ما تعارف عليه الناس وهو ثمن المثل، فالوكيل باعها بخمسة وثلاثين ألفاً وقيمتها في السوق أربعون ألفاً، إذاً تبقى السيارة مع المشتري؛ لأن البيع صحيح، وعلى الوكيل أن يضمن لصاحب السيارة خمسة آلاف ريال، التي هي قيمة النقص، فإن عفا عنه فالحق له.

وظاهر كلام المؤلف أنه ضامن مطلقاً حتى وإن اجتهد وتصرف تصرفاً تاماً، لكن تبين أن السلع قد زادت وهو لا يعلم، والصحيح أنه لا يضمن في هذه الحال لأنه مجتهد وحريص، بل لو باع الموكل في هذه الحال لَعَذَرَ نفسه، كذلك ـ أيضاً ـ الوكيل، ولو قلنا بأنه يضمن في هذه الحال ما استقامت الوكالة أبداً؛ لأن كل وكيل يقول: يحتمل أن تكون القيمة قد زادت ولم أدرِ، فإذا كان الرجل قد اجتهد وتحرى ولكن أتى أمرٌ بغير اختياره ولا يحتمل تفريطه، فالصواب أنه لا ضمان عليه.

قوله: «أو دون ما قدره له» هذه الصورة الثانية بأن قال: بع هذه السيارة بأربعين ألفاً، ومثلها في السوق بخمسة وثلاثين ألفاً، فباعها بخمسة وثلاثين، كما هو سعرها في السوق، يقول المؤلف: إن البيع صحيح، وعليه ضمان النقص بكل حال وهو خمسة آلاف؛ لأن صاحب السيارة حدد الثمن فقال: بع بأربعين، وهذا باع بخمسة وثلاثين، فإذا قال الوكيل: أنا بعت بثمن المثل ولا تساوي أكثر من هذا، قلنا: لكن الموكل حدد لك.

فإذا قال قائل: لماذا لا يبطل العقد من أصله؟

قلنا: لأن هذا الرجل لم يخالف في أصل العقد؛ لأن الوكيل أراد أن يبيعها فباعها، ولا ضرر عليه إلا في النقص وسوف يُضمن.

قوله: «أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل» هذه الصورة الثالثة، مثاله قلت لرجل: اشترِ لي مسجلاً فذهب واشترى مسجلاً بأربعمائة ريال وهو يساوي مائتين يصح الشراء؛ لأنه تعلق به حق ثالث، لكن الوكيل يضمن الزيادة.

قوله: «أو مما قدره له صح» هذه الصورة الرابعة، قال له: اشتر لي ـ مثلاً ـ ساعة ماركة كذا، وهي تباع بأربعين ريالاً، لكن صاحب الساعات صاحب للوكيل، فاشتراها بخمسة وأربعين، فنقول: الشراء صحيح؛ لأنه حصل مقصود الموكل، والزيادة عن ثمن المثل نُضمِّنُها الوكيلَ وهي خمسة الريالات.

لو قال الوكيل: الموكل قَدَّرَ لي أربعين لكن السعر زاد، واشتريتها بما تساويه كما هو معلوم في جميع محلات بيع الساعات أن قيمتها تساوي خمسة وأربعين؟

نقول: لكن الموكل حدد لك، لماذا لم ترجع إليه وتخبره أن القيمة زادت ثم تنظر، هل يستمر في التوكيل أو لا؟

قوله: «وضمن النقص» هذا فيما إذا باع بدون ثمن المثل، أو دون ما قدره له، ضمن النقص.

قوله: «والزيادة» هذا فيما إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدره له، وهذا يسمى عند البلاغيين (اللف والنشر المرتب)، وأحياناً يكون اللف والنشر غير مرتب، فيبدأ بالثاني ثم الأول.

مثاله قال الله ـ تعالى ـ: {{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ}} [آل عمران: 106] ، هذا لف ونشر غير مرتب، وقوله ـ تعالى ـ: {{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا}}، ثم قال: {{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا}} [هود: 105 ـ 108] هذا لف ونشر مرتب.

فإذا قال قائل: ما هو الأصل أن يكون اللف والنشر مرتباً أو أن يكون غير مرتب؟

قلنا: الأصل أن يكون مرتباً؛ لكنه يأتي أحياناً غير مرتب لنكتة بلاغية تظهر عند التأمل، فالمؤلف هنا مشى على اللف والنشر المرتب.

 

وإِنْ بَاعَ بِأَزْيَدَ أَوْ قَالَ: بِـعْ بِكَذَا مُؤَجَّلاً فَبَاعَ بِهِ حَالًّا، أو اشْتَرِ بِكَذَا حالًّا فَاشْتَرى بِهِ مُؤَجَّلاً، ولا ضَررَ فِيهِمَا صَحَّ وإِلاَّ فَلاَ.

قوله: «وإن باع بأزيد» أي: أزيد من ثمن المثل فإنه يصح، كما لو عَيّن واحداً واشترى اثنين، والثاني قد جاءت به السنة، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم طلب من الجعد بن عروة ـ رضي الله عنه ـ أن يشتري أضحية بدينار فاشترى شاتين، ثم باع واحدة بدينار وأقره الرسول صلّى الله عليه وسلّم[(172)]، وقد يقال: إن هذا يمكن فيه المنازعة؛ لأن هذا أقره الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فنقول: إقرار الرسول صلّى الله عليه وسلّم له وعدم قوله: لا تَعُد، يدل على أن مثل ذلك جائز.

مثال ما إذا باع بأزيد مما قدره له: قال: يا فلان بِعْ هذه الساعة بأربعين درهماً، فذهب وباعها بخمسة وأربعين، وجاء وقال له: خذ الخمسة والأربعين، فهذا يصح وإن عين، فإن أبى قال له الوكيل: أعطني الخمسة، وقدِّرْ أنك بعتها بأربعين.

لكن لو عَيّن من يبيعها عليه فقال: بعها على فلان بأربعين، ثم باعها عليه بخمسة وأربعين، فهنا لا يصح؛ لأن تعيين الموكل للشخص يدل على أنه أراد بذلك محاباة الشخص، وهذا لما باعها بأزيد فوت على الموكل غرضه، وحينئذ نقول: لا يصح، ارجع إليه ورد عليه الخمسة، أو نقول بأسوأ الأمرين: إن البيع غير صحيح.

قوله: «أو قال بع بكذا مؤجلاً فباع به حالًّا، أو اشتر بكذا حالًّا فاشترى به مؤجلاً ولا ضرر فيهما صح وإلا فلا» هاتان مسألتان:

الأولى: «بع بكذا مؤجلاً فباع به حالًّا» قال: يا فلان خذ هذه الساعة بعها بأربعين درهماً لكنها مؤجلة إلى سنة، فذهب الوكيل وباعها بأربعين نقداً وجاء بالأربعين، فقال له الموكل: أنا قلت لك: بعها بأربعين مؤجلة إلى سنة، قال: هذا أحسن لك، أنا أتيت لك بالأربعين وبدلاً من أن تنتظر الوفاء لمدة سنة، الآن حصل الوفاء، فيقول المؤلف: يصح بشرط ألا يكون هناك ضرر.

وعُلِمَ من كلامه أنه إذا كان هناك ضرر فالبيع غير صحيح، وصورة الضرر أن يكون هذا الموكل يريد السفر، وليس راجعاً إلى البلد إلا بعد سنة، ويعلم أنه لو أخذ الدراهم الآن ضاعت منه، فله غرض في التأجيل، فالغرض هو ألا يضيع ماله، فنقول: في هذه الحال لا يصح البيع؛ لأن الموكل له غرض في التأجيل وأنت فوت عليه غرضه.

مثال آخر: أن يكون هذا الموكل في بلد فيه ولاة ظلمة يسطون على الناس، ومن وجدوا عنده مالاً ضربوا عليه ضرائب، أو أخذوا ماله، وهو يقول: لو أخذت الثمن حالًّا، ووضعته عندي، فجاءت أعين الظلمة وقالوا: هذا الرجل عنده مال وتسلطوا عليه، فهذا غرض صحيح، قال: أنا قلت لك بعه مؤجلاً؛ لأن الولاة الظلمة قد نشروا أعينهم في البلد، ومن رأوا عنده مالاً أخذوه أو جعلوا عليه ضريبة، وأنا لا أريد ذلك، نقول: هذا فيه ضرر فَبَيْعُهُ نقداً فيه ضرر على الموكِّل.

الخلاصة: أنه إذا قال: بع بكذا مؤجلاً فباع به حالاً فالبيع صحيح، ويُلزم الموكل بقبض الثمن، إلا إذا كان في ذلك ضرر فالبيع غير صحيح ولا يلزم الموكل بقبض الثمن، وضربنا مثالين للضرر.

الثانية: «اشتر بكذا حالًّا فاشترى به مؤجلاً» مثاله: قال: يا فلان هذه أربعون درهماً ـ والدرهم هو النقد من الفضة ـ اشتر لي ساعة بأربعين درهماً وعيَّن الساعة، فذهب الوكيل واشترى ساعة مؤجلة إلى سنة بأربعين درهماً، ورد الأربعين درهماً إلى الموكل، وقال ـ الحمد الله ـ جاءك ساعة بأربعين درهماً مؤجلة، وانتفع بدراهمك الآن، وإذا جاءت السنة فأوف، فهذا يصح بشرط ألا يكون هناك ضرر، والأحسن للناس التعجيل، حتى لو كان لك حق على شخص مؤجل، وقلت: يا فلان عندي لك عشرة آلاف إلى سنة، يكفيني منك ثمانية آلاف نقداً فأعطني ثمانية آلاف، فهذا يجوز، مع أنه أخذ عن العشرة ثمانية، فكُلٌّ يرغب التعجيل إلا أن يكون هناك ضرر.

الضرر أن هذا الموكل يقول: إذا جاءت الفلوس عندي فأنا رجل يدي خرقاء لا تمسك الدراهم، فيمكن أن أعمل وليمة لأصدقائي اليوم بأربعين ريالاً وأخسرها، فهذا ضرر علي، وهذا غرض صحيح، وكثير من الناس إذا كانت الدراهم عنده يضيعها.

فالخلاصة: أنه إذا باع بأقل من ثمن المثل أو مما قدر له فالبيع صحيح، وعليه ضمان النقص.

وإذا اشترى بأكثر مما قدر له أو بأكثر من ثمن المثل فالشراء صحيح، وعليه ضمان الزيادة.

وهذا إذا كانت المخالفة في الكمية، أما في الكيفية بأن قال: بع بكذا مؤجلاً فباع به حالًّا أو اشتر بكذا حالًّا فاشترى به مؤجلاً، فإننا نقول: يصح؛ لأنه هنا ليس فيه زيادة ولا نقص، إلا إذا كان في ذلك ضرر على الموكل فإنه لا يصح، والذي يقدر الضرر أهل الخبرة، فإذا قالوا: إن هذا الغرض الذي ذكره الموكل صحيح، وأن في التعجيل ضرراً، أو في التأخير ضرراً عمل به.

 

فصلٌ

 

وَإِنِ اشْتَرَى مَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ لَزِمَهُ إِنْ لَمْ يَرْضَ مُوَكِّلُهُ، فَإِنْ جَهِلَ رَدَّهُ ........

قوله: «وإن اشترى» الفاعل هنا الوكيل.

قوله: «ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرض موكله» وذلك أن الموكِّل إنما وكله في شراء شيء سليم، لا في شراء شيء معيب، وكلٌّ يعرف أنه لا أحد يقول: اشتر لي شيئاً معيباً.

مثاله: وكله في شراء سيارة، واشترى سيارة معيبة بثمن المثل ليس فيها زيادة ولا نقص، فنقول: يلزمك أنت أيها الوكيل، وتضمن للموكل الدراهم التي أعطاك، فإن رضي الموكِّل، بأن قال: هذا رجل محسن إلي وتعب في تحصيل السيارة وأنا راضٍ وإن كان فيها عيب، فإننا نقول: يصح ولا يلزم الوكيل شيء؛ لأن الحق له وقد رضي به.

لكن يبقى النظر إذا قلنا: إنه يلزم الوكيل هذا المبيع المعيب، وأن الموكل ليس له إلا مبيع سالم، هل يملك الوكيل أن يرد السلعة على من اشتراها منه؟

الجواب: لا يملك؛ لأن المؤلف يقول: «وإن اشترى ما يعلم عيبه» . فالوكيل الآن عالم بالعيب داخل على بصيرة وليس له حق الرد، إلا أنه يستثنى من ذلك ـ أي: في حق الرد ـ إذا قال الوكيل: أنا مشتريها لفلان بالوكالة، وأنا راض بالعيب، لكن إن لم يرض موكلي فهو على خياره، فإننا نقول: له الرد؛ وذلك لأن البائع دخل على بصيرة وقبل هذا الشرط.

قوله: «فإن جهل رده» الفاعل يعود على الوكيل، يعني إن جهل العيب ولم يَدْرِ به رده، ولم يقل هنا: إنه يخير بين الرد وبين الأرش، والذي قرأ في باب الخيار يمر عليه أنه يخير إذا وجد العيب، بين إمضاء البيع مجاناً أو إمضائه بالأرش أو رده، وهنا يقول المؤلف: «إن جهل رده» فقط ولا يملك أخذ الأرش؛ لأن أخذ الأرش معاوضة جديدة إذ أن الأرشَ عوض عن الجزء الفائت بالعيب، ولا يملك أن يعاوض هو لأنه ليس أصيلاً بل هو وكيل وفرع، إلا إذا قال الموكل: لا بأس أن تأخذ الأرش.

إذن إذا اشترى معيباً وهو لا يعلم بعيبه ثم وجد العيب، نقول الآن: لك الخيار بين الرد والإمضاء، لكن الإمضاء لا بد أن يرضي الموكِّل، ولا نقول: لك الخيار بين الرد والإمضاء مع الأرش.

مثال ذلك: إنسان اشترى سيارة على أنها سليمة بأربعين ألفاً؛ ولما ذهب بها وجد أن فيها عيباً ينقص من قيمتها عشرة آلاف، فتكون قيمتها في الواقع ثلاثين ألفاً، نقول للمالك: أنت الآن بالخيار، إما أن ترد السيارة على البائع وتأخذ الأربعين، وإما أن تبقيها، وتأخذ عشرة عن العيب، أما الوكيل فقد سبق أنه لا يملك الأرش.

وعند شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أن لا أرش وأنه يقال لمن اشترى المبيع المعيب: إما أن ترد وإما تأخذه معيباً ولا أرش إلا برضا البائع، والبائع يقول للمشتري: خذ السلعة بعيبها وإلا ردها، وخذ دراهمك، أما أن تلزمني أن أخصم من الثمن فهذا لا يلزمني.

 

وَوَكِيلُ البَيْعِ يُسَلِّمُهُ وَلاَ يَقْبِضُ الثَّمنَ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَيُسَلِّمُ وَكِيلُ المُشْتَري الثَّمَنَ، فَلَوْ أخَّرَهُ بِلاَ عُذْرٍ وتَلِفَ ضَمِنَهُ ......

قوله: «ووكيل البيع» أي: الذي وُكل في بيع.

قوله: «يسلِّمه» أي: يسلم المبيع؛ لأن هذا من مقتضى العقد.

مثاله: أعطيت رجلاً ساعة يبيعها لك فباعها، فسلمها إلى المشتري مع أن الموكل لم يقل: بعها وسلمه إياها، إنما أمرك بالبيع، فنقول: التسليم من مقتضى العقد؛ لأنه إذا تم البيع مَلَكَ المشتري السلعة، ووجب أن تسلمها له.

وهل يقبض الثمن؟

قال المؤلف: «ولا يقبض الثمن» وجه ذلك أمران:

الأول: أنه وُكل في البيع دون قبض الثمن، وقبض الثمن ليس من مقتضى البيع.

الثاني: أنه قد يرضى أن يبيع له، ولا يرضى أن يقبض الثمن؛ لأنه غير أمين عليه عند الموكل، فلهذا قالوا: إنه يملك تسليم المبيع، ولا يملك تسلُّم الثمن؛ لهذين الوجهين.

وهذا أحد الأقوال الثلاثة، فالقول الأول: أنه لا يقبض الثمن مطلقاً إلا بتوكيل خاص، والقول الثاني: أنه يقبضه مطلقاً، والقول الثالث أنه يقبضه بالقرينة، والذي عليه عمل الناس أن الوكيل وكيل في البيع وقبض الثمن وهذا هو القول الراجح.

قوله: «بغير قرينة» يعني فإن وُجدت قرينة فإنه يقبض الثمن وجوباً، والقرينة نوعان: شرعية، وعُرفية.

فالقرينة الشرعية هي ما إذا كان البيع يشترط فيه التقابض، فإنه لا بد أن يقبض الثمن.

مثاله: أعطاه حُليًّا من الذهب وقال: بعه، فهنا لا يمكن أن يبيع الذهب بدراهم دون قَبض؛ بل لا بد من القبض، وحينئذ نقول: هذه القرينة، قرينة شرعية.

والقرينة العرفية لها صورتان:

الأولى: مثل أن يبيعه على رجل، غريب لا يُعرف، فإذا لم يقبض الثمن منه فإنه سوف يضيع، فهنا القرينة تدل على أنه لا بد أن يقبضه.

والثانية: مثل ما لو باعه على من عُرِفَ بالمماطلة، فهنا يقبض الثمن؛ لأنه من مصلحة الموكل.

فإن قال قائل: لماذا لا تمنعونه من الأصل، بأن يبيع على غريب، أو على مماطل؟

قلنا: إنه قد تقتضي المصلحة وزيادة الثمن أن يبيع على الغريب والمماطل، وإذا كان سيُسلم له الثمن فلا ضرر.

وإذا أذن الموكل للوكيل أن يقبض الثمن فهل يقبضه؟

الجواب: نعم يقبضه من باب أولى.

وإذا قال: لا تقبض الثمن، فلا يقبضه ولو وجدت قرينة؛ لأنه نهاه وقال له: لا تقبض الثمن.

لكن إذا قال قائل: إذا نهاه أن يقبض الثمن، فمن المعلوم أن الموكل ليس غبياً، بحيث لا يأذن له إذا دلت القرينة على أنه يقبضه.

فيقال: إذا كنا نعلم هذا من حال الموكل، أنه لو باعه على من يخشى ألا يُسَلِّم الثمن، فحينئذ نقول: هذه قرينة فليقبضه.

قوله: «ويسلم وكيل المشتري الثمن» أي: إذا أعطاه دراهم، وقال: اشتر لي بها سلعة، فاشترى السلعة، نقول: يجب أن يسلم الثمن، حتى وإن لم يقل له: سَلِّمهُ للبائع؛ لأن هذا من مقتضى العقد، كما أن وكيل البيع يُسَلِّم المبيع، فوكيل الشراء يُسَلِّم الثمن، وهل يقبض المبيع أم لا؟ المذهب لا يقبضه إلا بإذن أو قرينة، والصحيح أنه يستلمه مطلقاً، والعرف عندنا الآن أنني إذا وكلت في شراء شيء فإنه يتضمن الإذن في قبضه، بل لو اشترى الوكيل من صاحب الدكان وأعطاه الدراهم ورجع بدون استلام السلعة لعد هذا مفرطاً بلا شك.

إذاً نقول: إن استلام الوكيل في الشراء للسلعة المشتراة أقوى من استلام الثمن بالنسبة للوكيل في البيع، ومع ذلك فالصحيح أن العرف يقتضي استلام الثمن من الوكيل في البيع، واستلام السلعة من الوكيل في الشراء.

قوله: «فلو أخره بلا عذر وتلف ضمنه» أي: لو أخر الوكيل تسليم الثمن بلا عذر ضمنه إذا تلف.

مثاله: أعطيت رجلاً أربعين درهماً يشتري بها سلعة، واشترى السلعة في أول النهار وقال للبائع: آتي لك بالثمن في آخر النهار، أو سكت ولم يأت به إلا آخر النهار، لكنه فيما بين الشراء وآخر النهار تلف الثمن، فإن المشتري يضمنه؛ لأنه مفرط، إذ أن الواجب عليه أن يُسَلِّم الثمن مباشرة، هذا ما ذهب إليه المؤلف.

ولكن الصواب أن يقال: الحكم يدور مع علته، والناس إذا اشترى منهم الإنسان سلعة في أول النهار وأتى بالثمن في آخره، لا يعدُّونه مفرطاً؛ لأن هذا مما جرت به العادة.

فالصواب أن يقال: إن أخر تسليم الثمن تأخيراً يُعَدُّ به مفرِّطاً فهو ضامن، وإلا فلا.

وتعليل الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يدل على هذا، وليس من المتيسر أن تكون الدراهم في جيبه، بل ربما يمر بالشارع ويجد السلعة التي وكل في شرائها ويشتريها، ثم إذا صار في آخر النهار أتى له بالثمن، وهذا أمر شائع ومعروف.

وقوله: «فلو أخره بلا عذر وتلف ضمنه» أي: لو أخره بإذن البائع وتلف هل يكون من ضمان البائع أو من ضمان الموكل؟

الجواب: من ضمان البائع؛ لأن الموكل بمجرد الشراء صار الثمن مستحقّاً للبائع، والبائع قال للوكيل: يمكن أن تعطيني الدراهم اليوم أو غداً أو بعد غد ولا مانع، وفي هذه الأثناء تلف الثمن بدون تعدٍّ ولا تفريط من الوكيل فضمانه على البائع؛ لأن الوكيل إنما أبقاه بإذن مستحقه وهو البائع.

 

وَإِن وكَّلَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ فَبَاعَ صَحِيحَاً، أَوْ وَكَّلَهُ فِي كلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ، أَوْ شِرَاءِ ما شَاءَ، أو عَيْناً بِمَا شَاءَ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يَصِحَّ. ........

قوله: «وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحاً، أو وكله في كل قليل وكثير، أو شراء ما شاء، أو عيناً بما شاء ولم يعين لم يصح» تضمن كلام المؤلف أربع مسائل:

المسألة الأولى: إذا وكله في بيع فاسد، فباع بيعاً صحيحاً، مثل أن يوكله في بيع جمل شارد فالتوكيل لا يصح؛ لأن البيع حينئذ فاسد، فلو حضر الجمل فباعه بدون توكيل جديد لم يصح؛ لأن أصل الوكالة فاسد؛ إذ إن الموكل لا يملك بيع الجمل الشارد حتى يحضر، فإن علق الوكالة بحضوره فقال: متى حضر فأنت وكيل في بيعه، صحت الوكالة؛ لأنها تصح معلقة.

مثال ثانٍ: إذا وكله في بيع خمر، بأن كان عنده قلة خمر، فقال له: بعها، فبيعُ الخمر بيع فاسد، لكن الخمر تخللت بنفسها، وإذا تخللت بنفسها صارت حلالاً، فهل يملك الوكيل بعد أن تخللت بنفسها أن يبيعها؟