|
بَابُ الشركة
وَهِيَ اجتماعٌ فِي اسْتِحقَاقٍ أَوْ تَصَرُّفٍ ...............
قوله: «الشركة» الشركة لفظها بوزن عَرَفَة ونَمِرَة وحِكْمة، فإذا كان بوزن عَرَفَة نقول: شَرَكَة، وبوزن نَمِرَة نقول: شَرِكَة، وبوزن حِكْمة نقول: شِرْكَة، وكلها جائزة.
وهي في الأصل: الاختلاط، فالاختلاط يسمى شركة.
وتعريفها: يقول المؤلف:
«وهي اجتماع في استحقاق أو تصرف» .
فقوله: «اجتماع في استحقاق» بمعنى أن يكون شيء بين شخصين فأكثر اشتركا فيه باستحقاق، وهذه تسمى شركة الأملاك.
مثاله: ورثة ورثوا من أبيهم عقاراً، فهؤلاء اجتمعوا في استحقاق ليس بينهم عقد، وكذا اشتراك المجاهدين في الغنيمة، وكذا لو وُهِبَ لرجلين كتاب، وقد تكون في المنافع لا في الأعيان كما لو منحت رجلين الانتفاع بهذا البيت.
ودليلها قول الله ـ تبارك وتعالى ـ: {{فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}} [النساء: 12] ، هذا اجتماع في استحقاق، والاجتماع في الاستحقاق يسمى شركة أملاك.
وقوله: «أو تصرف» وتسمى شركة عقود، وهي التي قد قسمها المؤلف إلى الأقسام الخمسة الآتية، بمعنى أن يتعاقد شخصان في شيء يشتركان فيه، وهذه لا تثبت إلا بعقد بين المتعاقدين.
واعلم أن من رحمة الله ـ عزّ وجل ـ وتوسيعه على عباده أنه أباح عقود الشركة؛ وذلك أن الإنسان قد لا يستطيع الاستقلال باستغلال ملكه، فهذا رجل عنده أموال كثيرة لكنه مشلول أو زَمِنٌ أو أعمى، فيعطي غيره من هذا المال لينتفع به ويتجر به ويكون الربح بينهما.
وأما حكمها فهي جائزة وليست حراماً، وهنا نسأل هل نحتاج إلى دليل على الجواز أو لا؟
الجواب: لا نحتاج إلى دليل على الجواز، فلو قال لنا قائل: ما دليلكم على جواز الشركة؟ قلنا: لا حاجة إلى دليل؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، فنقول: دليلنا عدم الدليل على المنع؛ لأن الأصل في المعاملات هو الحل، وقد قال الله ـ تعالى ـ: {{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ}} [الكهف: 19] ، فأضاف الوَرِق إليهم جميعاً، وهذا لا شك أنه اشتراك في تصرف؛ لأن الظاهر أنهم ليسوا ورثة ورثوا هذه الدراهم.
إذاً هي اجتماع في استحقاق، أو تصرف، وهي جائزة حكماً تكليفيّاً، والدليل على الجواز عدم الدليل على المنع.
ثم لنا دليل من الشرع، أما شركة الاستحقاق فقوله ـ تعالى ـ: {{فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}} [النساء: 12] ، وأما شركة العقود فكما ذكرنا في قصة أصحاب الكهف ـ وأيضاً ـ قال الله ـ تعالى ـ: {{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}} [الروم: 28] ، فدل على أن الشركة ممكنة.
أما حكمها من حيث الحكم الوضعي فإنها من العقود الجائزة وليست من العقود اللازمة، بمعنى أنه يجوز لكل واحد من المشتركين أن يفسخ الشركة.
مسألة: هل الأولى المشاركة أو الأولى الانفراد؟ يعني هل الأولى أن يتصرف الإنسان في ماله بنفسه ولا يجعل معه شريكاً، أو الأولى أن يشارك؟
الجواب: لا تستطيع أن تقول: هذا أولى أو غير أولى، لكن إذا تردد الإنسان فالانفراد أولى؛ لأن الإنسان يكون حرّاً في ماله لا أحد يحاسبه، وهو إن شاء تبرع وإن شاء منع، وإن شاء تصدق وإن شاء جمع؛ ولأنه أسلم في الغالب، لكن قد يكون الإنسان لا يستطيع أن يتصرف في ماله بنفسه، فيحتاج إلى المشاركة، وعلى هذا فتجويز المشاركة من نعمة الله ـ عزّ وجل ـ ومن رحمته بالخلق، وإلا لو قيل: لا أحد يتصرف إلا في ماله الخاص، صار في هذا تضييق، فقد يكون الإنسان عنده مال كثير لكنه لا يحسن التصرف، إما لعجز في بدنه أو لعجز في فكره أو لانشغاله في علمه أو ما أشبه ذلك، لكن المال كثير فيعطيه لإنسان حاذق في البيع والشراء، ويقول له: خذ بع واشتر في هذا المال، ولك نصف الربح أو ربع الربح أو ما أشبه ذلك.
وَهِيَ أَنْوَاعٌ فَشَرِكَةُ عِنَانٍ أَنْ يَشْتَرِكَ بَدَنَانِ بِمَاليْهِمَا المَعْلُومِ وَلَوْ مُتَفَاوِتاً لِيَعْمَلا فِيهِ بِبَدَنَيْهِمَا .
قوله: «وهي أنواع» كأن الدليل على هذا التنويع هو التتبع والاستقراء، والتتبع والاستقراء طريق من طرق الأدلة، على أنه ربما تحدث أنواع من الشركات يصعب تنزيلها على ما قاله الفقهاء، فإذا وجدنا نوعاً من الشركات حدث كما يحدث الآن في المعاملات الأخيرة، فلا نقول: إنه حرام؛ لأنه خارج عما قال الفقهاء؛ لأن الأصل الحل والإباحة.
وظاهر كلام المؤلف: «وهي أنواع» أنه يعود إلى الشركة بقسميها، أي شركة الأملاك وشركة العقود، ولكن هذا غير مراد وهو إنما يريد شركة العقود.
قوله: «فشركة عِنان» من إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن الشركات أجناس، وأفرادها أنواع، قيل: إنها مشتقة من أعنة الخيل، فالشريكان كالمتسابقين كل منهما قد أمسك بعنان فرسه.
وقيل: إنها مشتقة من «عَنَّ له» إذا طرأ عليه، كأن كل واحد منهما طرأ عليه أن يشارك الآخر، لكن الاشتقاق الثاني لا يمنع دخول بقية الأنواع؛ لأن بقية الأنواع كلها إنما تحدث بما عَنَّ لكل واحد، أي: بما طرأ، فاشتقاقها من المعنى الأول أقرب إلى الصواب، فما هي شركة العنان؟
قوله: «أن يشتركا بدنان» يعني شخصين.
قوله: «بماليهما المعلوم ولو متفاوتاً ليعملا فيه ببدنيهما» إذاً هناك مال، وهناك بدن.
مثاله: زيد وعمرو أرادا أن يشتركا في المال والتصرف، كل واحد جاء بماله وقال للآخر: نحن شركاء، فهذه نسميها شركة عنان؛ لأنها جامعة بين المال والبدن.
وإذا قال قائل: ما الفائدة؟
قلنا: فائدتها:
أولاً: أن كلًّا من الشريكين ينشط الآخر.
ثانياً: ربما يكون مال كل واحد منهما ليس كثيراً يُمَكِّنُهُمَا أن يستوردا البضائع الكثيرة التي بها الفائدة الكثيرة، وهذا واقع، فمثلاً شخص عنده مليون ريال، والآخر عنده مليون ريال، لكن مليوناً واحداً لا يكفي لشراء بضائع كبيرة، تكون فائدتها كثيرة، فيجتمعان ويشتريان البضائع.
ثالثاً: أنه قد لا يتمكن كل واحد منهما أن يتجر بماله، فيحتاج إلى ضم مال الآخر إليه، حتى تتسع التجارة.
لكن اشترط شروطاً:
أولاً: قوله: «بماليهما» وهذا يدل على أنه لا بد أن يكون مملوكاً لهما، ولكن هل هذا شرط؟ أو نقول: بماليهما أو مال لهما حق التصرف فيه؟
الثاني: يعني إما أن يكون مالاً لهما، أو يكون مالاً هما فيه وكلاء، أو فيه أولياء، أو ما أشبه ذلك، لكن بالنسبة للوكلاء، لا بد فيه من الإذن.
ثانياً: قوله: «المعلوم» وضده المجهول؛ وذلك لأنه لا بد أن نرجع عند فسخ الشركة إلى المال، فكل شخص منا يريد ماله، فإذا كان لا بد من الرجوع إلى المال، فإنه لا يمكن الرجوع، إلا إذا كان مال كل واحد منهما معلوماً، حتى يعرف عند تنضيض المال، ما لكل واحد منهما.
وقوله: «ولو متفاوتاً» يعني بعضه أكثر من بعض، فمثال ذلك: إنسان شارك بمليون ريال، والثاني بخمسمائة ريال، فلا يشترط أن يكون المالان سواءً؛ بل يجوز أن يتفاوتا، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ كيفية توزيع الربح.
وقوله: «ليعملا فيه ببدنيهما» أي: بأبدانهما أو بأبدان من ينيبانه، كما لو كان أحدهما عنده عبد أو خادم أو ما أشبه ذلك يتصرف في ماله، فهذا كأنه هو الذي تصرف، فقوله: «بأبدانهما» بناءً على الغالب، وإلا فإنه يجوز أن يكون أحدهما شريكاً في المال، وببدن خادمه أو عمه أو ابن عمه أو ما أشبه ذلك.
فإن قال: يعمل فيه أحدنا فقط؟ يقول في الروض[(174)]: إنه من العنان، وظاهر كلام الماتن أنه ليس من العِنان، والواضح أن هذا فيه شبه من العِنان، وفيه شبه من المضاربة، فبالنظر إلى أن هذا يعمل بماله وبدنه يكون شبيهاً بالعنان، وبالنظر إلى أن أحدهما لا يعمل ببدنه، وإنما العمل في ماله يشبه المضاربة، فيمكن أن نقول: إن هذا جامع بين المضاربة وبين العنان، ولكن يشترط في هذا النوع أن يكون لمن عمل ببدنه من الربح أكثر من ربح ماله؛ لأجل أن يشتمل على شيء من المضاربة، فمثلاً أتيت بعشرة آلاف ريال وأتى هو بعشرة آلاف، وقلت له: اعمل أنت أما أنا فلا أستطيع العمل، ولك من الربح النصف فهذا لا يصح، لا بد أن يكون له أكثر من ربح ماله؛ لأن الذي دفع المال ولم يعمل أتاه ربح ماله كاملاً، والذي دفع وعمل لم يأته إلا ربح ماله فقط، فيكون عمله هباء لا ينتفع منه بشيء.
وعندي أنه لا مانع من هذا العمل، أن يكون له بمقدار ماله؛ لأن صاحب المال الذي لم يعمل إذا أعطي ربح ماله كاملاً فهو إحسان من العامل، ومن يمنع الإحسان؟! أليس يجوز أن أعطيه مالي ليعمل فيه ويكون الربح كله لي؟! ويكون هو متبرعاً لي بالعمل.
فالصواب أنه يجوز أن يعطى من الربح بقدر ماله؛ وذلك لأنه يكون بهذا محسناً إلى صاحبه.
فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كُلٍّ مِنْهُما فِيهِمَا، بِحُكْمِ المِلْكِ في نَصِيبِهِ وبِالوَكَالةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ.
قوله: «فينفذ تصرف كل منهما فيهما، بحكم الملك في نصيبه وبالوكالة في نصيب شريكه» لما اشتركا أصبح كل واحد ينفذ تصرفه في المالين جميعاً، بالنسبة لملكه يتصرف بالأصالة بحكم الملك، وبالنسبة لشريكه يتصرف بالوكالة؛ لأنه فرع عنه، وكونه يتصرف بالوكالة وهو لم يوكله؛ لأن مقتضى عقد الشركة أن يتصرف في هذا المال المشترك، والوكالة تنعقد بما دل عليها من قول أو فعل، فعلى هذا يغني عقد الشركة عن الإذن الصريح في التوكيل؛ لأنه من لازم عقد الشركة أن يتصرف في المال المشترك بطريق الأصالة في نصيبه، وطريق الوكالة في نصيب شريكه.
مثال ذلك: اشترك اثنان في شركة عنان أحدهما يبيع أقمشة، والآخر يبيع أطعمة، فيجوز لبائع الأطعمة أن يبيع شيئاً من الأقمشة ولو كانت عند صاحبه، ويجوز لصاحب الأقمشة أن يبيع شيئاً من الأطعمة ولو كانت عند صاحبه، وكيف يبيع شيئاً ليس في دكانه بل في دكان آخر؛ بل قد يكون في بلد آخر ـ أيضاً ـ؟
نقول: لأن الشركة، تقتضي أن كل واحد يتصرف في المال كله مجموعاً؛ لأننا لما عقدنا الشركة صار نصف مالك لي ونصف مالي لك، إذا تصرفتَ فيه يكون بالملك في نصيبك وبالوكالة في نصيب شريكك، وإن لم يَخْلُطَا المالين، كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ.
وقوله: «بحكم الملك في نصيبه، وبالوكالة في نصيب شريكه» إذا تصرف في نصيب شريكه وتبين أن شريكه قد باعه مثلاً، فإننا نقول ـ كما ذكرنا فيما سبق في الوكالة ـ: إنه ينعزل الوكيل في مثل هذه الحال؛ لأن الموكل تصرف تصرفاً يمنع الوكيل من أن ينفذ تصرفه فيه.
مثاله: إنسان شارك آخر، لأحدهما معرض سيارات، وللآخر أطعمة، فصاحب الأطعمة باع سيارة من المعرض عند صاحبه، ثم تبين أن صاحبه قد باع السيارة، فإن الحكم أنه يبطل بيع الأخير؛ لأن بيع صاحبه للسيارة صحيح.
فإن قيل: ألست تقول: إنهم شركاء في ماليهما؟
أقول: بلى؛ لكن لما باع صاحب المعرض السيارة، باعها بحكم ملكه في نصيبه وبالوكالة في نصيب شريكه، وانتهى البيع وتم العقد، ولما جاء الشريك الآخر وباعها بعد بيع الأول لم يصح البيع؛ لأنه وكيل في بيعها، لكن تصرف فيها الشريك قبل أن يبيع هذا.
وَيُشْتَرطُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ المالِ مِنَ النَّقْدَيْنِ المَضْرُوبَيْنِ وَلَوْ مَغْشُوشَيْنِ يَسِيراً وَأنْ يَشْتَرِطَا لكُلٍّ مِنْهُمَا جُزْءاً من الرِّبْحِ مُشَاعَاً مَعْلُوماً .....
قوله: «ويشترط» يعني مع الشروط السابقة، وهي أن يكونا مالكين، أو لهما حق التصرف، وأن يكون المال معلوماً.
قوله: «أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين» هذا الشرط الثالث، أي: أن يكون رأس المال الذي فيه الشركة من النقدين، وهما الذهب والفضة، «المضروبين» وهما الدراهم والدنانير، والمضروب هو الذي جعل سِكة ونقداً، أي: جعل دراهم ودنانير، فلو أن كل واحد منهما أتى بصُرَّة من ذهب، واشتركا فإنه لا يصح؛ لأنه غير مضروب، ولو أن كل واحد أتى بمائة ربطة فئة عشر أوراق، فلا يصح؛ لأنهما ليسا نقدين، ولو أن كل واحد أتى بعشرين سيارة، فلا يصح؛ لأن ذلك ليس من النقدين، ولو عملا فَرِبْحُ مالِ كلِّ واحدٍ لَهُ، والثاني لا حق له فيه، لعدم صحة الشركة وهذا هو المذهب.
وقوله: «من النقدين» يشمل ما إذا كان أحدهما أتى بدنانير والآخر أتى بدراهم، فمثلاً أحدهم أتى بعشرة دنانير، والآخر أتى بمائة درهم، فيصح.
لكن هذا فيما سبق في زمن العلماء السابقين، الدراهم والدنانير لا تتغير، يعني اثنا عشر درهماً بدينار، أما في وقتنا الحاضر فتتفاوت، فأحياناً يزيد الذهب وأحياناً ينقص، وبناءً على ذلك نقول: لا بد أن يكون النقد من جنس واحد، إما من ذهب وإما فضة.
هذا هو الذي مشى عليه المؤلف ـ رحمه الله ـ وهو أنه لا بد أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين.
وقيل: يصح أن يكون رأس المال من عروض التجارة لكن يقوَّم عند عقد الشركة بنقد، فأحدهما يأتي بأطعمة والثاني يأتي بأقمشة ويختلطان، لكن عند فسخ الشركة لا نقول لأحدهما: اشتر طعاماً لأخيك، ولا نقول للثاني: اشتر أقمشة لأخيك، فقد ترتفع الأقمشة وقد ترتفع الأطعمة، لكن عند عقد الشركة نقول: ماذا تساوي الأطعمة؟ وماذا تساوي الأقمشة؟ فإذا قالوا: الأطعمة بعشرة آلاف، والأقمشة بعشرة آلاف، عند الفسخ نرجع إلى القيمة، فنعطي كل واحد عشرة آلاف فيكون المال أنصافاً، والربح يُقسم حسب الشرط.
وإذا كانت السيارات تساوي مليوناً، والأطعمة خمسمائة ألف، صار المال أثلاثاً لصاحب السيارات الثلثان، ولصاحب الأطعمة الثلث.
إذاً القول الثاني في المسألة: أنه يصح أن يكون رأس المال من غير النقدين المضروبين، ولكن تقدر قيمته بالنقدين عند عقد الشركة؛ ليرجع كل واحد منهما إلى قيمة ملكه عند فسخ الشركة، وهذا القول هو الراجح، وعليه العمل.
وقوله: «ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين» ، ظاهره ولو كان أحدهما ذهباً والآخر فضة، وهذا مبني على أن سعر الفضة لا يتغير كما في الزمن السابق، فإنه في الزمن السابق كان الدينار يساوي اثني عشر درهماً، وعلى هذا تكون ثلاثة دراهم تساوي ربع دينار؛ ولهذا جاء في السرقة: «لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً» [(175)] وقطع النبي صلّى الله عليه وسلّم في سرقة مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم[(176)]، فدل هذا على أن الدينار في ذلك الوقت قيمته من الفضة اثنا عشر درهماً.
وكذلك ـ أيضاً ـ في الدية ألف دينار تساوي اثني عشر ألف درهم، لكن في الوقت الحاضر وقبل هذا الوقت لا يستقيم هذا؛ لأن الذهب والفضة ليسا مستقرين فقد ترتفع قيمة الذهب وقد ترتفع قيمة الفضة، وعلى هذا فلا يصح أن يأتي أحدهما بذهب والآخر بفضة، إلا على القول بأنه لا بأس أن يأتي أحدهما بعروض وتقدر قيمتها عند انعقاد الشركة.
قوله: «ولو مغشوشين يسيراً» هذه إشارة خلاف، كانت الدنانير والدراهم فيما سبق يُتلاعب بها، فيغش بعض الناس، فيخلط مع الذهب معدناً آخر، أو مع الفضة معدناً آخر.
يقول العلماء: إن كان هذا الخليط شيئاً يسيراً من أجل تصليب الذهب، وتصليب الفضة، فهذا لا يضر، لأنه كالإنفحة مع اللبن من أجل أن تجبنه، وهذا لمصلحة النقدين ولا يضر، أما إذا كان الغش كثيراً يُراد به الترويج فإنه لا يصح أن يكون نقداً يُتعامل به؛ لأنه صار في الحقيقة كعروض التجارة، ولا يصح أن يكون رأس مال شركة.
فالغش في النقدين ينقسم إلى قسمين:
الأول: يسير من أجل تصليب النقدين، قالوا: إنه لا يخلو منه الذهب ولا الفضة غالباً؛ لأنهما لو لم يُصَلَّبا صارا ليِّنَيْن، فهذا لا بأس به؛ لأنه لمصلحتهما.
الثاني: يراد به الغش والخداع، فهذا لا يجوز التعامل به، ويجب على ولي الأمر أن يمنع التعامل به؛ لأنه غش، ولا يصح أن يكون رأس مال الشركة، وهذا هو محترز قوله: «ولو مغشوشين يسيراً» .
وتقدم أنه لا يشترط أن يكون رأس المال من النقدين، لكن يجب أن يُقَوَّم مال كل واحد منهما عند عقد الشركة بالنقدين، على أن يكون التقدير بالأكثر رواجاً.
قوله: «وأن يشترطا لكل منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً» هذا هو الشرط الرابع، مثال ذلك: قالا: اشتركنا في المال ولكل واحد منا من الربح النصف، فهذا يصح.
مثال آخر: اشتركنا في المال ولك يا زيد من الربح ألف والباقي لي، فهذا لا يصح؛ لأنه غير مشاع، وغير المشاع ربما لا يكون الربح إلا مقدار ما شُرِطَ لأحدهما، ويبقى الثاني لا ربح له.
مثال آخر: قال: لك بعضه ولي بعضه، فهذا لا يصح؛ لأن البعض مجهول، فلا بد أن يكون معلوماً، ومشاعاً؛ لقوله: «جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً».
والمشاع أي: مشتركاً يكون المضارِب والمضارَب شريكين في كل حبة.
قوله: «فإن لم يذكرا الربح أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً أو دراهم معلومة أو ربح أحد الثوبين لم تصح» كل هذه الصور مخالفة للشرط.
َإِنْ لَمْ يَذْكُرَا الرِّبْحَ أو شَرَطَا لأحدِهِمَا جُزْءَاً مجهولاً أو دَرَاهِمَ مَعْلُومةً أَوْ رِبْحَ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ لَمْ تَصِحَّ وَكَذَا مُسَاقَاةٌ ومُزارعَةٌ ومُضَارَبةٌ ............
فقوله: «إن لم يذكرا الربح» بل قالا: نحن شريكان شركة عنان، ولم يتعرضا للربح، هل هو بينهما بالأنصاف؟ أو بالأرباع؟ أو ما أشبه ذلك؟ فالشركة لا تصح؛ لأنه يبقى الأمر مجهولاً فيحصل النزاع والعداوة بين الناس، ويكون لكل واحد منهما ربح ماله، ولا يرجع على الثاني بشيء، حتى لو تلف أحد المالين لم يرجع على صاحبه؛ لأن العقد فاسد، والعقد الفاسد لا يترتب عليه أثره.
وقوله: «أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً» قال: نحن الآن شريكان سنعمل في المال، ولك بعض الربح ولي بعضه، أو لك بعضه ولي باقيه، فهذا لا يصح؛ لأنه مجهول.
وقوله: «أو دراهم معلومة» قال: سنشترك شركة عنان والربح يكون لك منه عشرة آلاف والباقي لي، فهذا لا يصح؛ لأنه ربما لا يربح إلا عشرة الآلاف، ويبقى الثاني لا ربح له، والشركة مبنية على أصل وهو اشتراك الشريكين في المغنم والمغرم.
وقوله: «أو ربح أحد الثوبين» اشتركا فقال أحدهما للآخر: لك ربح السيارات ولي ربح الأطعمة، فهذا لا يصح؛ لأنه ربما يربح في السيارات ولا يربح في الأطعمة أو بالعكس، والأصل أن الشركة مبنية على التساوي.
قال: لك ربح النصف الأول من السنة، ولي ربح النصف الثاني، فهذا لا يصح؛ لأنه ربما يربح في أول السنة كثيراً، وفي آخر السنة لا يربح إلا قليلاً، أو لا يربح أصلاً.
قال: لك ربح السفر إلى مكة، ولي ربح السفر إلى المدينة، فهذا لا يصح؛ لأنه قد يربح في هذا، ولا يربح في هذا، والأصل في الشركة أن يشترك الاثنان في المغنم والمغرم.
قوله: «وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة» كذا أي: كشركة العنان مساقاة ومزارعة ومضاربة وكلها لم تأتِ بعد، لكن استطرد المؤلف بذكرها.
فالمساقاة هي أن يدفع الإنسان أرضه ونخله لشخص يقوم عليها بجزء من الثمر.
مثال ذلك: إنسان عنده أرض وعليها أشجار من نخيل وأعناب ورمان وغيرها، فأعطاها شخصاً ينميها بجزء من الثمر، فهذا يجوز، ودليله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع[(177)].
والمزارعة أن يدفع أرضاً لمن يزرعها بجزء معلوم مشاع من الزرع، مثال ذلك: إنسان عنده أرض بيضاء، وليس فيها زرع، فأعطاها فلاحاً يزرعها، وله نصف الزرع ـ مثلاً ـ فهذا يجوز؛ لأن هذا منه العمل، وهذا منه الأرض، وكذلك في الشجر، هذا منه الأرض والشجر، وهذا منه العمل.
المضاربة وهي أن يدفع ماله لشخص يتجر فيه، وله جزء من الربح.
مثال ذلك: أعطى رجلاً مائة ألف ريال يتجر بها، على أن له نصف الربح، فإننا نسمي هذا مضاربة.
كل هذه الثلاث لا بد أن يُشترط لأحدهما جزء مشاع معلوم.
ففي المساقاة لو قال له: خذ هذا الشجر اعمل فيه ولك بعضه، فهذا لا يصح؛ لأنه غير معلوم، أو قال له: خذ هذا الشجر اعمل فيه ولك ثمر الشجر السكري والباقي لي، فهذا لا يصح؛ لأنه ربما تثمر هذه ولا تثمر تلك، أو قال له: خذ هذه الأرض وشَجَرَها ولك ثمرتها عام ستة عشر ولي ثمرتها عام سبعة عشر، فهذا لا يصح؛ لأنه مجهول؛ وقد تثمر في هذه السنة ولا تثمر في الأخرى، أو قال له: خذ هذه الأرض مساقاة بشجرها، ولك ثمرة الجزء الغربي منها، ولي ثمرة الجزء الشرقي منها، فهذا لا يصح، أو قال له: خذ هذه الأرض مساقاة، ولك من ثمرها مائة صاع والباقي لي، فهذا لا يصح، لأنه غير مشاع.
كذلك نقول في المزارعة، إذا قال له: خذ هذه الأرض البيضاء وازرعها هذا العام، ولك من الزرع شرقيه ولي غربيه، لا يصح، أو قال له: لك بعضه ولي بعضه، فهذا لا يصح، أو قال له: لك ما تزرعه من شعير، ولي ما تزرعه من بر، فهذا لا يصح، أو قال له: لك زرع هذا العام ولي زرع العام الثاني، لا يصح، فلا بد أن يكون الربح جزءاً مشاعاً معلوماً.
والمضاربة كذلك، أعطيتُ هذا الرجل مالاً يتجر به وقلت له: لك بعض الربح، ولي بعضه، فهذا لا يصح، أو قلت له: لك ربح هذا الشهر، ولي ربح الشهر الثاني، فلا يصح.
أو لك ربح ما تجلبه من مكة، ولي ربح ما تجلبه من المدينة، فلا يصح، أو لك ربح السيارات، ولي ربح الأطعمة، فلا يصح.
المهم أن كل هذا يخالف القاعدة الأصلية في المشاركة، وهي تساوي الشريكين في المغنم والمغرم.
والوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ المَالِ وَلاَ يُشْتَرَطُ خَلْطُ المَالَيْنِ وَلاَ كَوْنُهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
قوله: «والوضيعة على قدر المال» الوضيعة يعني ما يوضع من القيمة، أي: الخسارة، فالخسارة على قدر المال بخلاف الربح فعلى ما شرطاه، فلو جاء أحدهما بعشرة آلاف وجاء الثاني بعشرين ألفاً، فالمال الآن أثلاث، فإذا اتفقوا على أن تكون الخسارة أنصافاً، فهذا لا يصح هنا؛ لأن الخسارة يجب أن تكون على قدر المال، وإذا خسرت الشركة فعلى صاحب عشرة الآلاف ثلث الخسارة، وعلى صاحب العشرين ألفاً الثلثان، ولا يصح أن تكون الخسارة على خلاف ذلك؛ ولهذا قال: «والوضيعة على قدر المال» أما الربح فيكون على ما شرطاه، يعني لو أن أحدهما جاء بعشرين ألفاً والثاني بعشرة آلاف، وقالا: الربح بيننا مناصفة، فهنا اختلف الربح عن قدر المال، فهذا يصح.
فإذا قيل: كيف يصح أن يعطى هذا أكثر من ربح ماله؟
قلنا: نعم؛ لأنه ربما جعل للثاني أكثر منه؛ لأنه أخبر منه في البيع والشراء، فأعطاه أكثر من ربح ماله، أما الوضيعة فلا يمكن أن نحمِّل أحدهما أكثر من خسارة ماله؛ لأن تحميلنا إياه أكثر من خسارة ماله، معناه إضافة شيء من ماله إلى مال الآخر وهذا أكل للمال بالباطل، فلو كان المال بينهما أحدهما ثلاثة أرباع والآخر الربع، والخسارة أربعمائة وقد قالوا: إن الخسارة أنصافاً فيكون على صاحب الربع زيادة، فمعنى ذلك أننا اقتطعنا من ماله شيئاً أضفناه إلى مال الآخر، وهذا لا يجوز لقوله: {{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ *}} [البقرة: 188] .
فصار الربح على ما شرطاه، وأما الوضيعة فعلى قدر المال.
قوله: «ولا يشترط خلط المالين» يعني لا يشترط أن يَخلطا المالين، بل لو عمل كل واحد منهما بماله فلا بأس؛ لأن المقصود الربح لا الخلط، وهذا نفاه المؤلف، واعلم أن لدى العلماء قاعدة وهي أنهم لا ينفون شيئاً إلا لوجود خلاف فيه؛ لأنه إذا لم يكن خلاف فالسكوت عن ذكره يغني عن نفيه، لكن إذا كان هناك خلاف، فإنهم يذكرون النفي دفعاً لهذا الخلاف، فقوله: «ولا يشترط خلط المالين» إشارة إلى نفي القول باشتراطه، والقول باشتراط الخلط نوعان:
الأول: أنه لا بد أن يؤتى بالمالين، ويجعلا في متجر واحد، ولو كان كل واحد منهما ماله متميزاً.
مثاله: شخص ماله أقمشة، والثاني ماله أطعمة، يقول: لا بد أن يؤتى بالأطعمة إلى مكان الأقمشة، أو بالعكس ويكون محلهما واحداً، وإن كان هذا يعمل بماله وذاك يعمل بماله، وهذا اختلاط في المكان، وبه قال الإمام مالك رحمه الله.
الثاني: أنه لا بد أن يختلط المالان جميعاً، ويتصرف كل واحد منهما فيهما جميعاً، بمعنى أن المالين صارا خليطين كالمال الواحد كأنه متجر لشخص واحد، وكل منهما يعمل به، وهذا اختلاط تام، وبه قال الشافعي.
إذاً الاختلاط نوعان: اختلاط تام، واختلاط في المكان.
القول الثاني: أنه ليس بشرط، وكل واحد منهما يعمل بماله في مكانه، حتى لو كان أحدهما في مكة والآخر في المدينة، واشتركا شركة عِنان فلا بأس.
فالذين قالوا بالاشتراط قالوا: أين الشركة إذا كان كل واحد يعمل في مكان، وفي ماله الخاص؟! أجيب أنهما إذا اختلطا صار المال الذي في البلد هناك، بينه وبين شريكه نصفين، والمال الذي في بلده بينه وبين شريكه نصفين، كما لو كانا شريكين شركة أملاك، فإنهما يكونان هكذا.
والقول الراجح أنه لا يشترط خلط المالين كما قال المؤلف؛ لأن الشركة حاصلة بدون الخلط إذ المقصود الربح.
قوله: «ولا كونهما من جنس واحد» يعني في النقدين فمثلاً: لو أتى أحدهما بذهب والثاني بفضة فلا بأس، ولكن هذا مبني على أن سعر الذهب والفضة لا يتفاوت.
والقول الثاني في المسألة: أنه يجب أن يكونا من جنس واحد؛ وعللوا ذلك بأنهما إذا كانا من جنسين مختلفين، فقد يرتفع أحد الجنسين حتى يحيط بالربح كله، لكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف بشرط ألا يزيد سعر الدنانير ولا ينقص، بأن يكون مقرراً من قبل الدولة، فإن كان يمكن فيه الزيادة والنقص فإنه لا يجوز، وفي الوقت الحاضر الدنانير (الذهب) غير مقدر، فبناء على ذلك فإنه لا يصح أن يكون أحدهما دنانير والآخر دراهم، إلا على القول الذي أشرنا إليه فيما سبق أنه يجوز أن يكون رأس المال عرضاً ولكن يقدر بقيمته، فحينئذٍ يؤتى بالدنانير والدراهم لكن تقدر الدنانير بدراهم.
فصلٌ
الثَّانِي المُضَارَبَةُ لِمُتَّجِرٍ بهِ بِبَعْضِ رِبْحِهِ،.............
قوله: «الثاني المضاربة» الثاني، أي: من أنواع شركة العقود، المضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو السير فيها، قال الله ـ تعالى ـ: {{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}} [المزمل: 20] .
ومعلوم أن كل تجارة فهي مضاربة، يعني يضرب الإنسان في الأرض، لكن خُصت بهذا النوع من المعاملة اصطلاحاً لا لغة، كما قيل: مزدلفة تسمى جمعاً، مع أن الحجاج يجتمعون في عرفة، لكن هكذا اصطلح أهل اللغة على أن مزدلفة تسمى جمعاً، وسميت مزدلفة كذلك لقربها من الحرم، مع أن منى أقرب من مزدلفة إلى الحرم، لكن هكذا اصطُلِح، وقد يقال: إن مزدلفة سميت بهذا باعتبار أنها مشعر وعرفة مشعر أيضاً، وهي أقرب المشعرين إلى مكة.
قوله: «لمتَّجرٍ به» والمعروف أن كل مجرور لا بد له من عامل يتعلق به، وهذا العامل إما مذكور وإما محذوف، فإن كان مذكوراً فالأمر واضح، وإن كان محذوفاً فلا بد أن يُقَدَّر بما يناسب السياق، فهنا نقدر المضاربة دفع مال لمِتَّجرٍ به، وعلى هذا فتكون متعلقة بمحذوف هو المصدر، أي: دفع مال لمتجر به.
وقوله: «لمتَّجِر به» أي: لمن يتجر به.
قوله: «ببعض ربحه» المؤلف قال: «ببعض ربحه» ولم يبين هذا البعض، فهل يجوز أن تقول: خذ هذا المال مضاربة ببعض ربحه؟
الجواب: لا، لكن المؤلف اعتمد على قوله في الفصل السابق: «وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة» فكما يُشترط في شركة العنان أن يكون الربح جزءاً معلوماً مشاعاً، فكذلك في المضاربة.
إذاً قوله: «ببعض ربحه» هذا مبهم لا بد أن يُفسَّرَ، كأن يُقال: بالربع، أو بالثمن، أو بالخمس، حسب ما يتفقان عليه.
مثال ذلك: أعطى رجل آخر مائة ألف ريال، وقال له: خذ هذه اتجر بها ولك نصف الربح، فهذا يصح، أو قال له: خذ هذه اتجر بها ولك ربع الربح، فهذا ـ أيضاً ـ يصح، أو خذ هذه واتجر بها ولك ثلاثة أرباع الربح، فهذا ـ أيضاً ـ يصح، فلا بد أن يكون معلوماً مشاعاً، ولهذا قال:
فإِنْ قَالَ: والرِّبْحُ بينَنَا فَنِصْفَانِ، وإنْ قَالَ: ولِي أَوْ لَكَ ثلاثةُ أَرباعِهِ أَوْ ثلثُهُ صَحَّ، والبَاقِي لِلآخَرِ، وَإنِ اخْتَلَفَا لِمَن المَشْرُوطُ فلِعَامِلٍ..............
«فإن قال: والربح بيننا فنصفان» أي: إن قال الدافع وهو المضارِب، والعامل يسمى المضارَب بفتح الراء، إن قال المضارِب ـ وهو رب المال ـ «والربح بيننا فنصفان» أي: فهو نصفان، نصف للعامل ونصف للمضارِب؛ لأن هذا مقتضى البينية، ومقتضى البينية هو التساوي؛ ولهذا لو أعطيت جماعة دراهم وقلت هذه بينكم، فإنهم يمتلكونها بالتساوي، إذا كانت عشرة دراهم وهم عشرة رجال فلكل واحد درهم.
قوله: «وإن قال: ولي أو لك ثلاثة أرباعه أو ثلثُهُ صح، والباقي للآخر» لأن المال بين اثنين، فإذا حدد نصيب أحدهما تبين حق الآخر، فإذا قال: لي ربعه ولم يقل ثلاثة أرباعه لك، فهذا يصح؛ لأنه إذا أخذ الربع فالباقي للآخر.
وكذلك لو قال: لي ثلاثة أرباعه، وسكت عن الربع الباقي، فهنا يصح ويكون الربع الباقي للعامل أي للمضارَب؛ ولهذا قال: «صح والباقي للآخر» .
قوله: «وإن اختلفا لمن المشروط فلعامل» يعني اتفقا على أنه قيل: ثلاثة أرباعه لك والباقي لي، ثم اختلفوا، أحدهما يقول: ثلاثة أرباعه مشروطة لي، والثاني يقول: مشروطة لي، فإن القول قول العامل؛ لأن الربح إنما حصل بفعله فكان هو أولى به، فلذلك نقول: القول قول العامل وهذا هو المذهب قل أو كثر.
والصحيح أنه للعامل ما لم يدع خلاف العادة، فإن ادعى ما يخالف العادة فلا يقبل، فإذا كانت العادة أن الأرباع الثلاثة في مثل هذه التجارة لرب المال، فالقول قول رب المال، إذ البضائع تختلف، فبضاعة الصيرفة سهلة، وبضاعة الأطعمة متعبة؛ لأنه يحتاج إلى تحميل وتنزيل وعمال وسيارات.
مثال ذلك: كان الجزء المشروط ثلثين، ادعى العامل أنه له، وادعى صاحب المال أنه له، والعادة أن المضاربة لا يعطى فيها العامل إلا الثلث فأقل، فهنا العرف يشهد لصاحب المال فيؤخذ بقول صاحب المال.
وهذا نظير ما سبق في باب الرهن، أن الراهن والمرتهن إذا اختلفا في قدر الدين، فإنه يرجع إلى الرهن إذا كان الرهن كثيراً والمدين يدعي أن الدين قليل فإن القول قول صاحب الحق.
وإن اختلفا في قدر المشروط فالقول قول رب المال، بأن قال العامل: شرطنا لك ثلث الربح، وقال صاحب المال: بل نصف الربح، فهما متفقان على أن المشروط له هو رب المال، لكن اختلفوا في القدر، فصاحب المال يقول: النصف، والعامل يقول: الثلث، فإذا قدرنا أنه الثلث فإنه يكون للعامل الثلثان، وإذا قدرنا أنه النصف فليس له إلا النصف، فالقول قول رب المال؛ لأن الربح تبع للأصل، فما دام أنهما الآن لم يختلفا لمن المشروط له، لكن اختلفا في قدره فالربح تابع للأصل، وإذا ادعى العامل أنه النصف، قلنا: اتفقتما على الثلث، فأنت أيها العامل ادعيت الزائد وهو السدس والبينة على المدعي.
إذاً إذا اختلفا في تعيين المشروط له فالقول قول العامل، وإن اختلفا في قدر المشروط مع اتفاقهما على المشروط له، فالقول قول رب المال.
وكذا مُسَاقَاةٌ وُمُزارعةٌ ومُضَاربَةٌ وَلاَ يُضَارِبُ بِمَالٍ لآخَرَ إِنْ أَضَرَّ الأَوَّلَ ولَمْ يَرْضَ ..
قوله: «وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة» يعني اختلف المُسَاقي والمزارع، وعرفنا أن المساقاة هي أن يدفع الإنسان أرضه ونخله لشخص يقوم عليها بجزء من الثمرة، والمزارعة أن يدفع إنسان أرضه البيضاء التي ليس فيها زرع إلى فلاح يزرعها وله نصف الزرع ـ مثلاً ـ، والفرق بينهما، المساقاة على أشجار، والمزارعة على أرض تزرع.
فإذا اختلفا لمن المشروط في المساقاة والمزارعة فللعامل على المذهب، وعلى الراجح ينظر إلى القرائن فيعمل بها، وإن اختلفا في قدره فالقول قول صاحب الأرض في المزارعة، وصاحب النخل في المساقاة.
مثال ذلك: أعطيتُ فلاحاً هذا البستان بما فيه من نخيل وعنب ورمان ليقوم عليه بثلث ما يخرج منه، يعني ولي الثلثان، فنسميها مساقاة.
ومثال المزارعة: عندي أرض بور ليس فيها شيء أعطيتها شخصاً يزرعها شعيراً، أو بُرّاً، أو أرزاً، أو ما أشبه ذلك بالنصف أو بالربع أو بالثلث، فهذه نسميها مزارعة، فالمساقي يقول في الصورة الأولى: خذ هذا النخل والأشجار، واتفقوا على أن المشروط الثلثان، وعند جذ النخيل وجمع العنب وما أشبه ذلك اختلفوا، فقال العامل: المشروط لي، وقال صاحب النخيل: هو مشروط لي، فالقول هنا قول العامل على المذهب.
وإن اختلفا في قدر المشروط، قال العامل: إنك قد شرطت لي ثلاثة أرباع، وقال صاحب الأصل: قد شرطت لك النصف، فهما الآن متفقان على أن المشروط له هو العامل، لكن اختلفا في قدر المشروط، فالقول هنا قول صاحب الأرض، وكذلك يقال في المزارعة.
فهنا فرق بين الاختلاف في تعيين المشروط له، وبين الاختلاف في تعيين المشروط، إن كان الاختلاف في تعيين المشروط له، فالقول قول العامل، وإن كان في قدر المشروط مع الاتفاق على تعيين المشروط له فالقول قول رب المال.
والتعليل أن العامل استحق السهم في عمله بالعمل فكان القول قوله، وهذا على المذهب، والقول الثاني: أنه للعامل إن كانت دعواه مقاربة، أما إن كانت بعيدة عن الواقع فالقول قول صاحب الأرض.
وأما الاختلاف في القدر فالأصل أن الربح في المضاربة، والنماء في المساقاة والمزارعة، أنه تابع لأصله، فيكون القول قول رب المال.
وكل من قلنا القول قوله فلا بد من اليمين لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «اليمين على من أنكر» [(178)] فإذا قالا: المشروط ثلاثة أرباع، والعامل يقول: لي، ورب المال يقول: لي، وجرت العادة أن مثل هذا يعطى رب المال، فعلى الراجح يكون لرب المال، لكن مع يمينه؛ لأن العامل مدعٍ، ورب المال منكر، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اليمين على من أنكر».
مسألة: إذا فسدت المضاربة فالربح كله لرب المال، وللعامل أجرة المثل، فمثلاً إذا كان مثل هذا العامل راتبه الشهري ألف ريال، فيكون له على رب المال ألف ريال، حتى لو أحاطت بالربح كله، أو كانت جزءاً من ألف جزء من الربح، هذا هو المشهور من المذهب؛ والتعليل أن هذه المضاربة فاسدة فيستحق العامل أجر عمله.
والصحيح في هذه المسألة أن للعامل سهم المثل، فيقال: لو اتجر الإنسان بهذا المال كم يعطى في العادة؟ فقالوا ـ مثلاً ـ: يعطى نصف الربح، فيكون له نصف الربح، وهكذا؛ لأن العامل إنما عمل على أنه شريك، لا على أنه أجير، ولأنا لو قلنا: يعطى الأجرة فربما تحيط الأجرة بالربح كله، وحينئذٍ يخسر رب المال، ورب المال لم يعطه على أنه أجير.
قوله: «ولا يضارب بمال لآخر إن أضر الأول ولم يرض» فقوله: «ولا يضارب» الفاعل المضارَب، فالمضارَب لا يضارب بمال لآخر.
مثاله: أعطيت رجلاً مالاً يتجر به مضاربة، فذهب إلى آخر وقال: أعطني مالاً مضاربة، فهنا يقول المؤلف: لا يجوز، لكن متى لا يجوز؟ يقول: «إن أضر الأول ولم يرض» ، فإن رضي جاز، وإن لم يضر به جاز.
وإضرار الأول يحصل بأحد أمرين:
الأول: أن ينشغل المضارَب بالمضاربة الثانية عن المضاربة الأولى مع اختلاف المال.
الثاني: أن يشتري مالاً من جنس ما ضاربه الأولُ عليه حتى تتخم الأسواق من هذا النوع من المال فيرخص، فكل هذا ضرر.
مثال ذلك: أعطيت رجلاً عشرة آلاف ريال مضاربة في الأرز؛ لأنني أعرف أن الأرز عليه طلب فأخذها، ثم ذهب إلى آخر وأخذ منه عشرة آلاف ريال مضاربة في الأرز، فهل هذا التصرف يضر بالأول أو لا؟
الجواب: نعم يضره؛ لأن السوق إذا امتلأ بالأرز فسوف يرخص السعر، فيتحقق الضرر بالمضارب الأول.
أما إذا أخذ عشرة آلاف ريال مضاربة من شخص آخر ليشتري بها سيارات، ومعلوم أن السيارات لا تؤثر على الأرز، لكن ربما ينشغل هذا المضارَب بالاتجار بالسيارات، لا سيما إذا علم أن ربحها أكثر، فيترتب على ذلك أن يترك المضارب الأول مع أرزه، ويقول: السيارات أكسب، ومعلوم أن هذا التصرف يضره.
وقوله: «ولم يرض» فإن رضي فلا بأس؛ لأن الحق له.
وقوله: «ولا يضارب» المؤلف لم يفصح تماماً بالحكم، فهل هو مكروه أو حرام؟ هذه العبارة إذا جاءت في كلام العلماء (لا يفعل كذا) فهي محتملة للكراهة وللتحريم، كما لو قالوا في الصلاة ـ مثلاً ـ (ولا يفعل كذا في الصلاة) فهي محتملة للكراهة وللتحريم، لكن الفقهاء صرحوا بأن ذلك حرام، فيحرم أن يضارب بمال لآخر بالشرطين المذكورين: أن يضره، وألا يرضى، فإن لم يضره فلا بأس، وإن رضي فلا بأس، فإن أقدم العامل، وضارب بمال لآخر مع الضرر قال المؤلف:
«فإن فعل رد حصته في الشركة» أي: ضارب العامل بمال لآخر، وحصل له ربح في المضاربة الثانية، فإنه يرد حصته من هذا الربح في الشركة الأولى، فكأنه ربح من المال الأول؛ لأن وقت المضارَب مستحق لصاحب المال الأول.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصاً عشرة آلاف ريال مضاربة على النصف، ثم إن هذا العامل أخذ مضاربة من شخص آخر عشرة آلاف ريال، فربحت عشرة الآلاف الأولى ألف ريال فيكون نصيب العامل خمسمائة، وربحت العشرة الثانية عشرة آلاف ريال، فيكون نصيب العامل خمسة آلاف ريال، فنضيف خمسة الآلاف إلى الألف؛ لأن نصيب العامل من المضاربة الثانية خمسة آلاف، فنضيف خمسة الآلاف إلى الألف، فكأن المضاربة الأولى ربحت ستة آلاف، ولهذا قال: ..........
فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ حِصَّتَهُ في الشَّرِكَةِ وَلاَ يُقْسَمُ مَعْ بَقَاءِ العَقْدِ إِلاَّ باتفاقِهِمَا وَإِنْ تَلِفَ رأسُ المالِ أَو بعضُهُ بَعْدَ التصرُّفِ أَوْ خَسِرَ جُبِرَ مِنَ الرِّبْحِ قبل قِسْمَتِهِ أو تَنْضِيضِهِ.
«فإن فعل رد حصته في الشركة».
إذن إذا ضارب العامل بمال لشخص وربح، فإن هذا الربح يضاف إلى ربح المضاربة الأولى، ويكون المضارِب الأول شريكاً، كأن هذا الربح من المضاربة الثانية ربح مالهما، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إنه لا يستحق من ربح المضاربة الثانية شيئاً؛ لأنها ليست من ماله، وإنما هي من كسب العامل، والعامل أخطأ في كونه يضارب بمال الآخر مع الإضرار بالأول، لكن ما الذي يُحل هذا الربح لصاحب المال الأول؟! ففي الواقع أنه لا يحل، ولهذا كان هذا القول هو الراجح، أنه لا يضيف ربحه من المضاربة الثانية إلى ربح المضاربة الأولى، بل هو له لكنه آثم.
فإن قال قائل: لو فرض أنه فوت على المضارب الأول، أي: على رب المال أرباحاً، فهنا ربما نضمنه، وقد لا نضمنه أيضاً، لكن الكلام على أن الربح من المضاربة الثانية، لا يرد في ربح المضاربة الأولى على القول الراجح، أما المذهب فكما سبق بيانه.
قوله: «ولا يقسم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما» الضمير يعود على الربح؛ لأن الذي يقسم بين المضارب والمضارب هو الربح، أما رأس المال فهو لصاحبه فيتعين أن يكون الضمير في «يقسم» يعود إلى الربح، يعني العامل اتجر بالمال وربح، والعقد باقٍ لم يفسخ حتى الآن، يقول المؤلف: «لا يقسم» ، فلا يقسم الربح مع بقاء العقد إلا باتفاقهما، أما إن فسخ العقد فيقسم الربح؛ لأنه انتهى، لكن مع بقاء العقد لا يقسم إلا باتفاقهما؛ لأن الربح وقاية لرأس المال، فربما يقول العامل: اقسم الآن، فيخشى أن يتجر به مرة ثانية فيخسر، فيطالب العامل بالقسمة؛ لئلا يخسر، فيقول مثلاً: المال الآن ربح عشرة في المائة فنقسمها؛ لأنني أخشى إذا اتجرت مرة ثانية أن أخسر ولا أربح، فيكون عمل العامل هباءً ولا فائدة منه.
أما رب المال فقال: لا نقسم، فأنت الآن إذا اشتريت بعشرة آلاف أقل مما لو اشتريت بأحدَ عشرَ والربح الآن مستمر، فإذا اشتريت بأحد عشر، صار الربح أكثر مما لو اشتريت بعشرة.
فلا يجبر العامل رب المال على القسمة؛ لأن العقد باق، ولو كان بالعكس بأن طلب رب المال قسمة الربح؛ من أجل أن يأخذ ربح ماله وذاك يأخذ ربح عمله، وقال العامل: لا نقسم، الربح مضمون، وإذا ربحنا من أحد عشر، صار أكثر مما لو ربحنا من عشرة؛ فأنا لا أريد القسمة، فإننا نقول: نعم لا يقسم مع بقاء العقد.
والخلاصة أنه ما دام العقد باقياً؛ فإنه إذا طلب أحدهما قسمة الربح فإنه لا يقسم إلا باتفاقهما؛ لأن الحق لهما.
قوله: «وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جُبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه» إن تلف رأس المال فلا يخلو من حالين: إما أن يكون قبل التصرف، وإما أن يكون بعده، فإن كان قبل التصرف انفسخت الشركة؛ لأن المال المعقود عليه تلف ولا يلزم ربَ المالِ بدلُهُ، أما بعد التصرف فيقول ـ رحمه الله ـ: إنه يجبر من الربح إذا تلف رأس المال أو بعضه؛ لأنه ما دامت الشركة مؤقتة فالعقد باق حتى يتم الوقت، فما حصل من زيادة أو نقص فإنه يكون على الربح، لكن بشرط أن يكون قبل القسمة، أما بعد القسمة فكُلٌّ أخذ حقه.
مثاله: إنسان مضارَب اتجر، وجعل الدراهم في الصندوق، وكانت عشرة آلاف، وصارت بالربح عشرين ألفاً، فسرق منها عشرة آلاف، يقول المؤلف: «جبر من الربح» وفي هذا المثال الذي مثلنا به هل يبقى للعامل شيء؟ لا؛ لأن كل الربح الآن سُرِق، وكلام المؤلف أن ما تلف قبل القسمة أو التنضيض يكون من الربح، وحينئذٍ تبقى العشرة الباقية لرب المال.
في المثال السابق نفسه لو سرق من العشرين ألفاً خمسة آلاف، فإن الربح يكون خمسة آلاف، وعشرة آلاف تبقى لرب المال؛ لأن الخسارة قبل القسمة والتنضيض تكون من الربح.
وقوله: «أو خسر» إذا خسر ـ أيضاً ـ يجبر من الربح.
مثال ذلك: اتجر شخص برأس مال قدره عشرة آلاف ريال فصارت خمسة عشر ألفاً، فأخذ الخمسة وهي الربح ووضعها في المصرف، ثم اتجر بعشرة الآلاف فخسرت وصارت ثمانية آلاف، فإننا نأخذ الألفي ريال مقدار الخسارة من الربح ويكون الربح على هذا ثلاثة آلاف ريال، ولهذا قال: «أو خسر جُبر من الربح» .
وقوله: «قبل قسمته» فإن قُسِم فكل واحد منهما أخذ نصيبه.
مثاله: قدرنا أن رأس المال عشرة آلاف، والربح كان مقدراً بألفي ريال، واتفق رب المال والعامل على أن يُقسم الربح، فأخذ العامل نصيبه من الربح وهو ألف ريال، فيبقى عندنا الآن ألف من الربح وعشرة آلاف من رأس المال، فنقول لرب المال: الألف هذه إن شئت اجعلها رأس مال، وإن شئت فخذها، لكن العامل بعد أخذ نصيبه خسر المال، فلا نقول للعامل: أعطنا ما أخذت من الربح؛ لأنه لما قسمه صار ملكه خاصّاً به، خارجاً من الشركة.
وقوله: «أو تنضيضه» يعني تحويله إلى نقد، والتنضيض يعني التصفية، فلو خسر بعد التصفية فالضمان على رأس المال؛ لأنه نُض وعَرَفَ العامل نصيبه وصفيت الشركة، لكن ما دام لم يُنضـض فإن الخسارة تكون على الربح، وأما بعد التنضيض فلا، هذا ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ.
والصحيح أنه إن كان التنضيض يعني فسخ الشركة، أو يعني المطالبة بالقسمة، فكما قال المؤلف.
وأما إذا كان التنضيض (التصفية) من أجل أن يشتري بضاعة أخرى؛ لأنه أحياناً يرى العامل أن هذه البضاعة ثقيلة، وليس عليها إقبال، فيبيعها ويصفي المال من أجل أن يشتري به بضاعة أخرى يكون عليها إقبال، فهنا لا نقول: إن التنضيض يعتبر كالقسمة؛ لأن العامل ورب المال كليهما يعتقدان أن هذا ليس فسخاً ولا قسمة.
مثال ذلك: اشترى العامل عقارات ليؤجرها من أجل الربح، لكنه رأى أن العقارات لا مكسب فيها بسبب انخفاض الإجارة، فباعها جميعاً بمائة ألف ريال ـ مثلاً ـ، فصار بيده الآن مائة ألف ريال، لكن يريد أن يشتري بها نوعاً آخر من المال، يرى أنه أفيد، فهنا نقول: هذا التنضيض ليس تنضيض قسمة، ولا تنضيض فسخ، إنما هو تنضيض لمصلحة الشركة، فلو قُدِّرَ أنه خسر بعد ذلك، فالخسارة على الربح.
وخلاصة الموضوع أن أي خسران يكون قبل القسمة أو فسخ الشركة فهو على الربح، فإن خسر كل شيء، فعلى الربح وعلى رأس المال.
الثالث: شَرِكَةُ الوُجُوهِ أَنْ يَشْتَرِيَا فِي ذِمَّتَيْهِمَا بِجَاهِهِمَا فَمَا رَبِحَا فَبَيْنَهُمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ منهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ وكَفِيلٌ عَنْهُ بِالثَّمَنِ، والمِلْكُ بينهما على ما شَرَطَاهُ، والوضيعةُ على قدرِ مِلْكَيْهِمَا والرِّبْحُ على ما شَرَطَاهُ.
قوله: «الثالث شركة الوجوه» أي: الثالث من أنواع شركة العقود؛ لأن المؤلف قال في الأول: «وهي أنواع» والمراد بالوجه هنا الجاه، وجاه الإنسان يعني شرفه وقيمته عند الناس ومنزلته بينهم.
قوله: «أن يشتريا في ذمتيهما بجاههما فما ربحا فبينهما» مثال ذلك: هذان رجلان عاملان، لكن ليس عندهما مال، وكلاهما فقير، فذهبا إلى رجل غني كبير، وقالا له: نريد أن نشتري منك هذا المحل، فقال: أعطوني المال، فقالا: ليس عندنا شيء، لكننا نشتري بالذمة، فهو الآن ـ مثلاً ـ يساوي مائة ألف، فنشتريه منك بمائة ألف وعشرة في ذمتينا، فهذه تسمى شركة الوجوه؛ لأنهما اكتسبا المال بجاههما وثقة الناس بهما، فقال رب المحل: بعته عليكما، فصارا شريكين في هذا المحل بدون أن يسلما دراهم، لا منهما ولا من أحدهما؛ لأنهما لو سلما دراهم منهما صار ذلك شركة عنان، ولو سلم أحدهما فمضاربة، فهذان لم يسلما مالاً؛ لأنهما اشتريا في ذمتيهما بجاههما.
مثال آخر: رجلان آخران ذهبا إلى صاحب محل، وهما من أصحاب الحيلة والمكر، وقالا: بع علينا المحل، فقال: أعطوني المال، فقالا: ليس لنا مال ولكن لك جاهنا ووجاهتنا وذمتنا، ولكنهما معروفان بالحيل والمكر والخداع والمماطلة، فهنا لا يعطيهما، أما في المثال الأول فقد أعطاهما؛ لأن لهما جاهاً ووجاهة وذمة.
فتبين الآن أن شركة الوجوه معناها أن الشريكين ليس لهما مال، لا منهما، ولا من أحدهما، وإنما لهما الذمة والجاه والاعتبار عند الناس.
وهذه الشركة يحتاج إليها الفقراء الأقوياء على التكسب، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصدقة: «لا تحل لغني، ولا لقوي مُكْتَسِب» [(179)]، والناس قد لا يكون عندهم مال فيذهبون إلى التجار ويقولون: أعطونا أموالكم نتجر بها واكتبوها في ذمتنا، فالملك هنا ملكهما، والتاجر ليس له إلا ثمن ثابت في الذمة.
وقوله: «فما ربحا فبينهما» أي: على حسب ما شرطاه، فقد يكون أحدهما أحذق من الآخر، فيشترط له من الربح أكثر، والثاني أقل، وقد يتساويان، فيجعلان الربح بينهما مناصفة.
قوله: «وكل واحد منهما وكيل صاحبه» حتى وإن لم يصرِّحا بالتوكيل، فإن مقتضى هذه الشركة أن يكون كل واحد منهما وكيلاً لصاحبه.
قوله: «وكفيل عنه بالثمن» كفيل بمعنى ضامن، أي: كفيل غَرَّام بالثمن كما يقولون، فما دام البائع باع عليهما بوجهيهما، فإنه يعتقد أن كل واحد منهما غارم عن صاحبه، فلو أن أحدهما هرب ـ مثلاً ـ بعد عقد الشركة، وبقي واحد منهما، فللبائع عليهما أن يُضَمِّن هذا الذي لم يهرب.
فإذا قال: إننا شركاء وإن لصاحبي الذي هرب النصف؟ قال: لكن كل واحد منكما كفيل عن صاحبه.
قوله: «والملك بينهما على ما شرطاه» فمثلاً إذا قالا: ثلث لزيد وثلثان لعمرو فلا حرج، ولو قالا: ربع لزيد وثلاثة أرباع لعمرو فلا حرج، أو نصف لزيد ونصف لعمرو فلا حرج.
قوله: «والوضيعة» يعني الخسارة.
قوله: «على قدر ملكيهما» فإذا اتفقا على أن يكون لزيد قدر الثلث، ولعمرو قدر الثلثين، وخسر المال، فيكون لعمرو قدر الثلثين من الخسارة، ولزيد قدر الثلث؛ لأن الوضيعة على قدر المال في جميع الشركات.
قوله: «والربح على ما شرطاه» ؛ لأنه ربما يشترطان لأحدهما أكثر من ربح ماله لكونه حاذقاً في البيع والشراء، فالخلاصة كما يلي:
أولاً: تصرفهما كل واحد بالأصالة عن نفسه والوكالة عن صاحبه.
ثانياً: كل واحد يضمن عن نفسه، ويضمن عن صاحبه.
ثالثاً: يملكان هذا المال المشترك على ما شرطاه، فقد يجعلان لأحدهما الثلثين وللآخر الثلث أو يجعلانه أنصافاً.
رابعاً: الخسارة وهي الوضيعة، تكون على قدر المال.
خامساً: الربح يكون على ما شرطاه.
ولو قُدِّرَ أن المال تلف بغير تعدٍّ ولا تفريط فهل يضمنان لمن أعطاهما بوجهيهما أو لا؟
الجواب: نعم يضمنان، لأنهما أخذا هذا المال على أنه ملك لهما، عليهما غرمه ولهما غنمه، وليس هذا من باب المضاربة، أو من باب الأمانة أو ما أشبه ذلك، بل هذا بيع وشراء، فقد تم هذا البيع والشراء على هذين المشتركين، فكانت الغرامة عليهما كما أن الغنيمة لهما.
الرابع: شَرِكةُ الأَبْدانِ أَنْ يَشْتَرِكا فِيمَا يَكْتسِبانِ بأبْدَانِهِمَا فَمَا تَقبَّلَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ عَمَلٍ يَلزَمْهُمَا فِعْلُهُ وَتَصِحُّ في الاحْتِشَاشِ والاحْتِطَابِ وَسَائِرِ المُبَاحَاتِ وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُهُما فالكَسْبُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ طَالَبَهُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقِيمَ مُقامَهُ لَزِمَه.
قوله: «الرابع: شركة الأبدان أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما» وهذه ـ أيضاً ـ ليس فيها مال، وقد يكون عند كل واحد منهما مال، لكنهما لم يشتركا في المال، وشركة الأبدان شركة في العمل بأن يشترك اثنان فيما يكتسبانه بأبدانهما.
قوله: «فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله» ما: شرطية، وتقبل فعل الشرط، ويلزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه يجوز أن يكونا مضارعين، أو يكونا ماضيين، أو يكونا مختلفين.
مثال الأول: إن يقم زيد يقم عمرو.
ومثال الثاني: إن قام زيد قام عمرو.
ومثال الثالث: إن قام زيد يقم عمرو، وإن يقم زيد قام عمرو.
فقوله: «فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله» فهنا فعل الشرط وجوابه مختلفان، فقوله: تقبل فعل الشرط، ويلزمهما: جواب الشرط، ولهذا قلنا: إنه مجزوم، ويجوز رفعه من الناحية العربية، كما قال ابن مالك:
وبَعْدَ ماضٍ رَفْعُكَ الجَزَا حَسَنْ
وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ
فهنا «تقبل» ماض فيجوز أنه نرفع المضارع الذي هو جواب الشرط، لكن لو رفعناه هنا لاختلف المعنى؛ لأنك لو رفعته قلت: «يلزمُهما» وتكون الجملة صفة لـ:«عمل»، ويختلف المعنى.
ومعنى العبارة: أن أي عمل يتقبله أحدهما فإنه يلزم الجميع، ومعنى يتقبل أي: يلتزم به، فما التزم به أحدهما من عمل لزم الجميع، وهذا مع اتفاق الصنائع واضح ـ فمثلاً ـ اشترك اثنان في النجارة فجاء شخص، وقال لأحدهما: اصنع لي باباً، قال: لا بأس أصنع الباب، هنا لو أن الذي اتفق معه لم يصنع الباب، فإنه يلزم الثاني أن يصنع الباب؛ لأنهما شريكان متضامنان، فما تقبله أحدهما لزم الآخر.
ومع اختلاف الصنائع، مثل أن يكون أحدهما خشاباً والثاني حداداً، فإذا التزم الخشاب أن يصنع باباً من خشب فهل يلزم الحداد؟
الجواب: نعم، يلزم على كلام المؤلف؛ لأنهما شريكان، فيقال للحداد: اصنع باب الخشب لنا، فقال: أنا لست بخشاب لا أعرف، قلنا له: استأجر من يصنعه لنا؛ لأنك ملتزم بما التزم به شريكك فيلزمك، وكذلك بالعكس، فلو جاء شخص إلى الحداد وقال: اصنع لي باباً خشباً، فالتزم، فإنه يلزم صاحبه، فعلى كل حال ما تقبله أحدهما من عمل لزم الآخر؛ لأنهما شريكان وكل واحد ملتزم بما التزم به الآخر، وهذا هو المذهب.
وشركة الأبدان لها عدة صور منها:
قوله: «وتصح في الاحتشاش والاحتطاب» الاحتشاش مثل أن يخرج رجلان إلى البر ليأتيا بالحشيش، ويبيعانه في السوق، فقال أحدهما للآخر: نحن شركاء فيما نكتسب، فقال: «لا بأس نشترك ويذهب كل واحد منا في وادٍ، وكل واحد أتى بوقر من الحشيش.
والاحتطاب مثله، خرجا إلى البر ليأتيا بحطب يبيعانه، فقال أحدهما: نحن شركاء، فقال الآخر: لا بأس، فعلى حسب ما يتفقان عليه.
وتصح مؤجلة ومطلقة، فيجوز نحن اليوم شركاء، أو نحن هذا الشهر شركاء، أو نحن هذا الأسبوع شركاء، أو تطلق ومتى شاءا فسخاها.
ويكون الملك على ما شرطاه، والربح على ما شرطاه، والوضيعة على قدر المال.
وهذه ليس فيها مال وإنما هو عمل، والفرق بينها وبين شركة الوجوه، أن شركة الوجوه، يأخذان المال من ثالث ويعملان بأبدانهما، أما هذه فلا يأخذان من أحد مالاً ولا يأتي أحدهما بمال، وإنما يشتركان في العمل.
قوله: «وسائر المباحات» من المباحات التقاط السمك والجوهر، وما أشبه ذلك من البحر، فهذه جائزة وهي شركة أبدان.
ومنها: الاشتراك في جمع الكمأة وهي (الفقع) تنبت في البر، فيأخذانها ويبيعانها.
ومنها: الاشتراك ـ أيضاً ـ في الصيد، مثل أن يذهبا إلى مكان يكثر فيه الصيد واشتركا، فهذه ـ أيضاً ـ شركة أبدان.
ومن صور الاشتراك في العمل أن يكون كل منهما نجاراً ـ مثلاً ـ، أو أن أحدهما نجار والثاني حداد والثالث بَنَّاء، فيشتركون فهذا ـ أيضاً ـ جائز، وتسمى شركة أبدان، وهذه تقع أحياناً مع اتفاق الصنائع، كأن يشترك نجاران في ورشة يعملان فيها، أو يشترك حدادان في ورشة حدادة، أو ميكانيكيان في ورشة ميكانيكا وهلم جرّا.
فهذا اشتراك في عمل صناعة، فالمادة ليست لهما بل لغيرهما، لكنهما يصنعانها ويحوِّلانها إلى شيء معين، أو يصلحانها أو ما أشبه ذلك.
ومنها ـ أيضاً ـ شركة الدلالين، بأن يكون في هذا السوق دلاَّلون مشهورون بالحذق، فيشترك هؤلاء الدلالون في الدلالة فلا بأس، فأحدهما ـ مثلاً ـ يبيع الثياب، والثاني يبيع الأواني، والثالث يبيع الفرش، والرابع يبيع سلعاً أخرى، وتسمى شركة الدلالين؛ لأنهم يشتركون في عمل بدني، ليس عندهم مال، والمال ليس لهما ـ أيضاً ـ وإنما هو لغيرهم ويأخذون عليه الأجرة بالدلالة.
الخلاصة: أن شركة الأبدان شركة في عمل ولها أنواع.
قوله: «وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما» على ما شرطاه إذا كان النصف أو الربع أو الثلث حسب ما شرطاه، مع أن هذا المريض لم يعمل، لكنه ترك العمل لعذر، وهل لصاحبه في هذه الحال أن يفسخ الشركة؟
الجواب: نعم له ذلك، فله أن يفسخ الشركة وله أن يطالبه بمن يقوم مقامه، فيقول له: أنت الآن تركت العمل فأرسل مكانك أحداً، ولنفرض أنهما نجاران، مرض أحدهما ولم يأت للعمل، فلصاحبه أن يقول له: ائتني ببدلك، من يقوم بالعمل؛ لأن هذه شركة بدن، ولا بد أن يشترك الشريكان في العمل.
وقوله: «وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما» لو ترك العمل لغير عذر، مثل إنسان لا يهتم ولا يعمل بدون عذر، فالمذهب الكسب بينهما؛ لأنه يمكن للشريك أن يطالب شريكه بمن يقوم مقامه ولم يفعل، ولكن هذا فيه نظر.
والصواب أن ما كسبه صاحبه في هذا اليوم له، يختص به؛ لأن هذا ترك العمل بغير عذر، والآخر انفرد بالكسب.
فإذا قال قائل: أليس يلزمه أن يطالبه بأن يقيم مقامه من يكون بدله؟
قلنا: بلى، لكن ربما يستحيي الإنسان، وربما يظن أنه ترك العمل لعذر فيخجل أن يذهب إليه ويطالبه بالعمل، فلذلك القول الراجح في هذه المسألة أنه إذا ترك العمل لغير عذر، فإنه لا يستحق كسب ذلك الزمن الذي ترك فيه العمل بغير عذر.
قوله: «وإن طالبه الصحيح» يعني الذي لم يمرض.
قوله: «أن يقيم مقامه لَزِمَه» مُقامه أو مَقامه، إذا كانت رباعية فهي بضم أوله، وإن كانت ثلاثية فهي بالفتح هذه القاعدة، فتقول: قَام مَقام، وتقول: أقَام مُقامه؛ لأنه رباعي.
فنقول: إذا كان رباعيّاً فضم أوله، وإذا كان ثلاثيّاً فافتح أوله.
فإن طالبه الصحيح أن يقيم مُقامه لزمه، فإن أبى فللآخر فسخ الشركة، فيقول: إذا كنت لا تقيم معي من يقوم مقامك فإني أفسخ الشركة، ولكن كيف يمكَّن من الفسخ وقد تم العقد بينه وبين صاحبه وهما شريكان؟! قلنا: لما تعذر العمل من قبل صاحبه ولا يمكن أن ينفرد هذا بالعمل، صار له حق الفسخ.
الخَامِسُ: شَرِكةَ المفاوَضَةِ، أَنْ يُفَوِّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلى صاحِبهِ كُلَّ تَصَرُّفٍ مَاليٍّ وبَدَنِيٍّ مِنْ أَنْواعِ الشَّرِكَةِ، والرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ والوَضِيعَةُ بِقَدْرِ المَالِ فَإِنْ أَدْخَلاَ فِيهَا كَسْباً، أَوْ غَرامةً نَادرِيْنِ أَوْ مَا يَلزمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمانِ غَصْبٍ أَوْ نَحْوِهِ فَسَدَتْ.
قوله: «الخامس: شركة المفاوضة» والمفاوضة في الحقيقة شركة عامة لجميع أنواع الشركات السابقة وهي أربع: العنان، المضاربة، الوجوه، الأبدان.
وشركة المفاوضة أن يشتركا في جميع أنواع الشركة.
قوله: «أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة» فيفوض كل واحد منهما للآخر كل نوع من أنواع الشركة: مضاربة، عنان، أبدان، وجوه، فهي عامة، وهذه عليها عمل كثير من الناس اليوم، وأكثر الشركات اليوم على هذا، فتجد الشركاء ـ مثلاً ـ كل واحد منهم يبيع بمؤجل، ويضارب، ويسافر بالمال، ويقرض المال يعني في كل شيء، وهذه اختلف فيها الفقهاء رحمهم الله، فمنهم من أجازها، ومنهم من منعها، وقال: إننا لو أجزنا هذه الشركة وهي واسعة فلا تمكن الإحاطة بها، فهي مفاوضة قد تؤدي إلى الفوضى والغرر؛ لأن فيها كل شيء، يعني أحدهما ضارب والثاني شارك في بدن، والثالث شارك في وجوه، والرابع شارك في عنان.
فنقول: لا مانع فيه؛ لأن كل أنواع الشركة تدخل في عقد المفاوضة، فلم تَعْدُ أن تجمع بين متفرق؛ لأن المضاربة وحدها جائزة، والعنان وحدها جائزة، والوجوه جائزة، والأبدان جائزة، إذاً هذه لم تعدُ إلا أنها جمعت بين هذه الأربعة، وما جاز أفراداً جاز جمعاً، فالصواب هو ما ذهب إليه الحنابلة ـ رحمهم الله ـ أنها جائزة والحاجة تدعو إليها، وعمل الناس اليوم على هذا، فكثير من الشركاء التجار الكبار، شركاتهم مفاوضة، تجد أحدهم ـ مثلاً ـ في المدينة والثاني في مكة، هذا يعطي مضاربة ويعطي قرضاً، وربما ـ أيضاً ـ يتبرع أحياناً في الشيء الذي ليس بكثير وأخوه يجيزه، فالصواب أنها جائزة؛ ولهذا يقول المؤلف: «أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة».
إذاً أنواع الشركة أربعة، والخامسة المفاوضة وهي تجمع الأنواع الأربعة.
قوله: «والربح على ما شرطاه» أي: إذا قال أحدهما للآخر: لك الربع، ولي ثلاثة أرباع وقبل فإنه جائز، وثلثان وثلث جائز، والنصف جائز.
إذا قال قائل: كيف تجعلون الربح على ما شرطاه، والمال قد يختلف؟ قلنا: لأن الربح مبني على العمل والحذق، وقد يكون أحدهما أحذق من الآخر وأقوى عملاً، بل ربما يكون عند الناس ـ أيضاً ـ أوثق؛ ولذلك تجد ـ مثلاً ـ من يعرض عليك سلعة يقول: قيمتها بعشرة، فإنك تتردد هل قيمتها عشرة أو لا؟ ولو أتاك آخر دلال تعرف أنه حاذق وعارف بالأسعار، فقال لك: قيمتها اثنا عشر فإنك لا تتردد؛ لأنك تعرف أن هذا حاذق ويعرف الأسعار، وذاك ليس حاذقاً ولا يعرف الأسعار، فتخشى أنه قال بعشرة وهي لا تساوي إلا ثمانية.
قوله: «والوضيعة بقدر المال» وهذه قاعدة، الوضيعة بقدر المال في جميع أنواع الشركة؛ لأنه لا يمكن أن نلزم أحدهما غرم صاحبه؛ لأنك لو قلت: إن الوضيعة على ما شرطاه، وكان المال مختلفاً لزم من ذلك أن نلزم أحدهما بغرم مال صاحبه، أما الغنم فالإنسان كاسب على كل حال، حتى لو نقص غنمه عن غنم ماله فلا بأس.
فالربح على ما شرطاه، فيجوز أن يبذل كل واحد منهم عشرة آلاف، ويكون الربح ثلاثة أرباع فإنه جائز، والوضيعة إذا كان كل واحد أتى بعشرة آلاف لا يمكن أن تكون على هذا ثلثين وعلى الآخر ثلثاً؛ لأنه كما قلنا: إننا حملنا غرم أحدهما على مال الآخر، وهذا لا يجوز؛ لأن هذا حيف وجور، فالوضيعة على قدر المال.
قوله: «فإن أدخلا فيها كسباً أو غرامة نادرين» ، الكسب النادر كالركاز ـ مثلاً ـ فالركاز كسب لكنه نادر، واللقطة نادرة، فمتى تجد لقطة؟! ثم إذا وجدتها فمتى تعدم صاحبها؟! فربما تنشد عليها ثم يأتي صاحبها فلا تكسب، فهذه من المكاسب النادرة، إذا أدخلت في شركة المفاوضة، بأن قال: حتى ما نجده من لُقطة وما نطلع عليه من ركاز فهو داخل في الشركة، فهنا يقول المؤلف: الشركة لا تصح؛ لأنهما أدخلا فيها كسباً نادراً.
وقوله: «أو غرامة» الغرامة النادرة كالجناية، فمثلاً إنسان جَنى على شخص خطأ، ولزمته دية ما جنى، فهذه حكمها على الجاني، لكن لو أدخلاها في ضمن الشركة لم يصح؛ لأنه ربما تكون هذه الغرامة مجحفة بمال الشركة كله، فلا يصح هذا الشرط، والمذهب أنه فاسد مفسد؛ لأنه يعود بجهالة الربح والأصل، وكل شرط يعود إلى الشركة بجهالة الربح فهو فاسد مفسد لها، وعلى المذهب لو تمت الشركة على هذا الشرط واشتغلا في الشركة لمدة سنة ثم قيل لهما: إن الشركة فاسدة، يقولون حينئذٍ يكون لكل واحد منهما ربح ماله، ولا يشاركه الآخر فيه؛ لأن الشركة فاسدة، ويكون لكل واحد منهم على الآخر أجرة مثله بما عمله في ماله.
والقول الثاني: أنها إذا فسدت الشركة فإنه يرجع إلى سهم المثل لا أجرة المثل؛ لأن هذا إنما أخذ المال برضا صاحبه على أساس الشركة وعلى أنه شريك لا أجير، فإذا فسدت الشركة فإننا نرجع إلى سهم المثل، فيكون لكل واحد منهما من الربح سهم مثله، أما خسارة المال أو ربح المال فهو ضمن الشركة؛ لأنه ليس بنادر.
ولو أدخلا فيها ميراثاً لأحدهما بأن مات قريبه، وكسب من ورائه ألف مليون ريال، وقال: ندخلها في الشركة فهنا لا يدخل؛ لأنه من النادر، ولا علاقة له بعمل الشريك، والهبة ـ أيضاً ـ نادرة، فيقولون: لا يصح وتفسد الشركة.
لكن لو قال قائل: النوادر أقسام:
الأول: لا أثر للإنسان فيه، فهذا نعم لا يدخل في الشركة كالميراث.
الثاني: ما كان بكسب من الإنسان كالتقاط وشبهه، فهذا لا بأس أن يدخل في الشركة وإن كان نادراً، فكون الإنسان يجد لقطة هذا أمر نادر لكن الإنسان يتملكه باختياره.
الثالث: ما كان باختيار الإنسان لا فعله كالهبة ـ مثلاً ـ، فالهبة لو شاء الإنسان لم يقبلها، فإذا قبلها صار هذا نوعاً من الكسب، وكونه نادراً لا يمنع أن يدخله في الشركة، فإذا قال: أنا راضٍ إذا وُهِبَتْ لي هبة أن أدخلها، فإن الفقهاء يقولون: هذا لا يجوز؛ لأن هذا فيه نوع من الجهالة والغرر؛ إذ أنه ليس شيئاً مطرداً معروفاً بل هذا شيء نادر، فكيف يدخل في الشركة؟!
ولكني أقول: إذا قال الكاسب الذي كسب النادر، سواء بفعله أو بغير فعله: أنا أدخله في الشركة وأجعله تبرعاً مني لصاحبي فيجوز، لكن أن تجعله في ضمن العقد فلا يجوز، فإذا قال: أنا راضٍ أن أجعله في ضمن العقد، قلنا: ربما ترضى اليوم ولكن إذا جاءت الدراهم لن ترضى وتندم؛ لهذا نقول: إن الشركة تكون فاسدة إذا أدخل فيها كسباً نادراً، ولو قيل بفساد الشرط لا العقد لكان له وجه.
قوله: «أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه فسدت» هذا غير الغرامة، فالغرامة تأتي بغير اختيار الإنسان، والغصب باختياره، مثل أن يقولا: نحن شركاء مفاوضة، لكن ما لزم أحدنا من ضمان غصب فهو على الشركة، فقال أحدهما: ليس هناك مانع، فاتفقا على هذا، فإن المؤلف يقول: إن الشركة تكون فاسدة وصدق ـ رحمه الله ـ؛ لأن هذا قد يجحف بمال الشركة، ولأنه ربما يكون هذا الشريك يُغِيرُ على الناس، ويغصب أموالهم، فإذا أدخلا في الشركة ما يلزم أحدهما من ضمان الغصب والإتلافات وما أشبهه، فإن الشركة تكون فاسدة؛ لأنه يترتب على ذلك أن يتعدى أحدهما على حقوق الناس، بالغصب، والسرقة، والتكسير، والإحراق، وغير ذلك، ويقول: على الشركة!! وهذا لا شك أنه ضرر عظيم.
وقوله: «أو نحوه» كخيانة في أمانة، وما أشبه ذلك.
إذاً شركة المفاوضة ما كان من ربح المال، أو من عملهما فهو داخل في الشركة، والخسارة ما كان من تصرف أحدهما في المال بغير عدوان منه، ولكن لمصلحة المال فهو على الشركة؛ لأن ذلك لمصلحتها وليس كل إنسان يجتهد يكون مصيباً.
-------------------------
[174] الروض مع حاشية ابن قاسم (5/244).
[175] أخرجه البخاري في الحدود/ باب قول الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} (6789)؛ ومسلم في الحدود/ باب حد السرقة ونصابها (1684) (2) ـ واللفظ له ـ عن عائشة رضي الله عنها.
[176] أخرجه البخاري في الحدود/ باب قول الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} (6795)؛ ومسلم في الحدود/ باب حد السرقة ونصابها (1686) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[177] أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة/ باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة (2329)؛ ومسلم في البيوع/ باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر (1551)، عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
[178] سبق تخريجه ص(164).
[179] أخرجه مسلم في الزكاة/ باب من تحل له المسألة (1044) عن قبيصة ـ رضي الله عنه ـ.
|