المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد التاسع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد التاسع
بَابُ المساقاة
 

 

بَابُ المساقاة

 

قوله: «باب المساقاة» أصل المساقاة مساقية، لكن تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، فهي مفاعلة، والمفاعلة لا تكون غالباً إلا من طرفين، وقولنا: لا تكون غالباً احترازاً من غير الغالب، ومنه: سافر يسافر مسافرة، فليس معه أحد يغالبه في السفر، لكن الغالب أن المفاعلة لا تكون إلا بين اثنين.

إذاً المساقاة عقد بين اثنين، وهي أن يدفع شجراً لمن يقوم عليه بجزء من ثمره.

وهي جائزة بالدليل العام والسنة، والنظر الصحيح.

أما الدليل العام فهو أن الأصل في المعاملات الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه.

أما السنة فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما فتح خيبر، طلب منه أهلُها أن يعاملَهم وقالوا: نحن نكفيكم المؤونة ولنا شطر الثمر؛ لأن أهل خيبر كانوا عالمين بالفلاحة، والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا مشتغلين بالجهاد عن العمل في هذه المزارع، فعاملهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع[(180)]، والشطر النصف.

وأما النظر الصحيح؛ فلأنها من المصلحة، فقد يكون الإنسان مالكاً لبساتين كثيرة ويعجز عن القيام بما تحتاجه هذه البساتين عجزاً بدنياً أو عجزاً مالياً فيكون حينئذٍ بين أمرين، إما أن يهمل هذا الشجر فيموت ويهلك وهذا فساد وإضاعة مال، وإما أن يعطيه من يعمل به بأجرة، وهذا قد يكون شاقاً عليه، فهو جائز لكن قد يشق على صاحب المال، وقد يكون هناك أناس عاطلون عن العمل يحتاجون إلى عمل، فإذا انضم كثرة البساتين عند هذا، وحاجة العمال إلى العمل، صار من المصلحة أن نُجَوِّز المساقاة، ونقول: ادفعها لهؤلاء العمال بجزء من الثمرة.

فاتضح الآن أن المساقاة تكون على شجر، وليس على أرض، ولا على زرع، فهل هي من العقد الجائز من ناحية الحكم التكليفي أو من المحرم؟

الجواب: هي من العقود الجائزة، والدليل عدم الدليل؛ لأنها معاملة، والأصل في المعاملات الحل والإباحة، فإذا لم يقم دليل على التحريم فهي حلال، وإن شئنا قلنا: الدليل هو انتفاء الدليل المُحَرِّم وثبوت الدليل المُجَوِّز، وذلك في معاملة أهل خيبر، وأن المصلحة تقتضيها، فهي إذاً جارية على القياس، وذلك خلافاً لمن قال: إنها جارية على خلاف القياس؛ لأن الجزء المشروط للعامل مجهول، فإن هذا الشجر قد يثمر ثمراً كثيراً يقابل أضعاف ما أنفق العامل عليه، وقد يثمر ثمراً قليلاً، وقد لا يثمر شيئاً فيكون العامل خاسراً، لذلك كان نصيب العامل مجهولاً، فيقال: هذه نظير المضاربة تماماً؛ لأن المضاربة يأخذ العامل الدراهم ويسافر ويتعب ويربح ربحاً كثيراً عظيماً، وفي النهاية يشتري سلعة تجحف بجميع الربح، فهذا خسر البدن والمال، ومع ذلك فهي جائزة، فإذا قال: والمضاربة على خلاف القياس أيضاً.

فنقول: ما هو القياس الذي تعنيه؟ الممنوع أن يكون أحد المتشاركين غارماً والثاني غانماً، أما إذا اشتركا في المغنم والمغرم فإن هذا على وفق القياس، وكون العامل تحت الحظ لا يعني خلاف القياس؛ لأن كل إنسان يعمل في الدنيا فهو تحت الحظ حتى صاحب المال تحت الحظ، ولذلك فهي لما تتضمنه من المصلحة ولكونها جارية على سنن الحياة على وفق القياس.

 

تَصِحُّ عَلَى شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ وَعَلَى ثَمرَةٍ مَوْجُودَةٍ وَعَلَى شَجَرٍ يغْرِسُهُ وَيَعْمَلُ علَيْهِ حتى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ ويَشْتَرطُ أَنْ يَكُونَ الجُزْءُ مَعْلُومَاً مُشَاعَاً .........

قوله: «تصح» الفاعل المساقاة.

قوله: «على شجر» أي: أن يعقد على شجر.

قوله: «له ثمر يؤكل» فاشترط المؤلف في الشجر أن يكون له ثمر، واشترط في الثمر أن يكون مأكولاً.

مثاله: النخل، فالنخل شجر له ثمر يؤكل، وكذلك العنب، والبرتقال، والتفاح.

أما البرسيم ـ مثلاً ـ فليس بشجر؛ لأن الشجر ما له ساق، والبرسيم ليس له ساق، مع أن كلام الفقهاء في أن الشجر ما له ساق، فيه نظر، لأن الله تعالى أثبت الساق للزرع، فقال الله ـ تعالى ـ {{كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ}} [الفتح: 29] ، المهم أن الزرع لا يدخل في هذا؛ لأنه ليس شجراً.

وقوله: «له ثمر» احترازاً مما لا ثمر له، كشجر السَّرْوِ، وهو شجر قوي كبير يرتفع، تتخذ منه الأبواب لكن ليس له ثمر، وفيه يقول الشاعر:

في شجر السرو لهم مثل

له رواء وما له ثمر

أما بالنسبة للأثل فله ثمر؛ ولكنه لا يؤكل، كما أنه قليل الثمر، فلا تصح المساقاة فيه؛ لأن التعب عليه لا يعطي ربحاً، والمؤلف يقول: «له ثمر يؤكل» وهذا ظاهر كلام المؤلف.

وقال بعض العلماء: إنه يجوز على شجر لا ثمر له، إذا كانت أغصانه يُنتفع بها، مثل أن تكون أغصانه تقطع وتجعل أبواباً صغاراً ـ مثلاً ـ أو ما أشبه ذلك، أو سدر يمكن أن يُنتفع بأوراقه، وعلى شجر له ثمر لكن لا يؤكل لكنه مقصود، مثل الأثل له ثمر فيؤخذ هذا الثمر ويجعل في الدِّيار، تدبغ به الجلود، فهو ثمر مقصود لكنه لا يؤكل، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن القاعدة هي أن يكون للعامل شيء في مقابلة عمله من ثمر يؤكل أو ثمر لا يؤكل لكنه مقصود ينتفع به، أو من قطع الشجر نفسه عند تكامل نموه فلا مانع؛ وفيه فائدة للطرفين، فما الفرق بين أن نقول: أغصان تُقطع وتُباع ويُنتفع بها، أو نقول: ثمر يُجذ ويؤكل؟!

إذاً موضوع المساقاة هو الشجر، ويشترط أن يكون له ثمر، وأن يكون ثمره يؤكل، وهذه هي الصورة الأولى.

قوله: «وعلى ثمرة موجودة» مثاله: رجل عنده نخلة وأثمرت النخلة، لكنه تعب من سقيها وملاحظتها فساقى عليها شخصاً، فقال: أنا أساقيك على هذه الثمرة إلى أن تجذ، فهنا لا بأس بذلك.

فإن قال قائل: هذا يعني بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها، نقول: هذا ليس ببيع، لكنه كالمؤاجرة على سقيها وإصلاحها، والبيع يتخلى عنه البائع نهائيّاً وينتقل ملكه إلى المشتري، أما هذا فلا ينتقل، وإنما هو كالأجير يقوم على هذه الثمرة حتى تنضج، وهذه هي الصورة الثانية.

قوله: «وعلى شجر يغرسه» يعني وتصح المساقاة على شجر لم يغرس بعد، وإنما يغرسه العامل، والشجر من رب الأرض، وهذه هي الصورة الثالثة، فالصور إذن:

الأولى: شجر قائم يُساقي عليه.

الثانية: ثمر على شجر يُساقي عليه.

الثالثة: شجر لم يغرس بَعْدُ، إنما أتى رب المال بالأشجار وجمعها، وقال للعامل: ساقيتك على هذه الأشجار تغرسها بجزء من ثمرتها، فهذا يجوز؛ لأن الأصل في المعاملات الجواز؛ ولأن هذا هو ظاهر فعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم مع أهل خيبر، فصارت الصور ثلاثاً.

قوله: «ويعمل عليه» هذا العامل.

قوله: «حتى يثمر بجزء من الثمرة» وسيأتي ـ إن شاء الله ـ ما الذي يلزمه وما الذي يلزم رب الأصل.

هناك صورة رابعة: وهي لو ساقاه على الشجر بكل الثمرة، قال: لك كل الثمرة، فالمذهب أن هذا لا يجوز، والصحيح أنه جائز بلا شك؛ لأنه إذا جازت المساقاة بجزء من الثمرة جازت بكل الثمرة؛ لأن ذلك أحظ للعامل.

ولو ساقاه على أن يعمل ولا شيء له من الثمر، فالمذهب لا يجوز؛ لأن العامل ما ربح شيئاً، لكن لو قيل بالجواز لكان له وجه؛ لأن العامل تبرع بنفسه أن يعمل في هذا البستان، لكن قد يقال: إذا قلنا بالجواز هنا، فيجب أن تكون مؤنة المواد على المالك لئلاً نجمع على العامل بين الخسارة المالية والبدنية، ولأن هذا مجهول إذ لا يدرى ما يستحقه النخل من المواد؟

قوله: «ويشترط أن يكون الجزء معلوماً مشاعاً» وهذه سبقت في الشركة، فلا بد أن يكون جزءاً مشاعاً معلوماً مثل: ربع، ونصف، وثلث، وثمن، وعشر، حسب ما يتفقان عليه.

فإن كان غير معلوم، بأن قال: ساقيتك على هذا الشجر ببعض ثمره، فهذا لا يجوز؛ لأنه مجهول.

ولو قال: ساقيتك على هذا الشجر بمائة كيلو منه، فهذا لا يصح؛ لأنه غير مشاع.

ولو قال: ساقيتك على هذا الشجر، ولك مقطران، ولي مقطران، والمقاطر هي صفوف النخل، فلا يجوز؛ لأنه ليس مشاعاً.

لو قال: ساقيتك على هذا النخل على أنَّ ثمرة العام لك، وثمرة الثاني لي، فهذا لا يجوز؛ لأنه غرر وجهالة ويؤدي إلى النزاع، ويؤدي إلى المغرم أو المغنم لأحدهما دون الآخر، والأصل في الشركة اشتراك الشريكين في المغنم والمغرم.

يقول رافع بن خديج ـ رضي الله عنه ـ: «كان الناس يؤاجرون على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع ـ يعني غير مشاع ـ فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به»[(181)]، يريد بالشيء المعلوم المضمون المشاع المعلوم.

 

وَهِي عَقْدٌ جَائِزٌ فَإِنْ فَسَخَ المالكُ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فلِلعَامِلِ الأُجْرَةُ، وَإِنْ فَسَخَها هُوَ فَلاَ شَيْءَ لَهُ ........

قوله: «وهي عقد جائز» وذلك باعتبار الحكم الوضعي؛ لأن الحكم التكليفي هو ما يترتب عليه الثواب والعقاب.

والحكم الوضعي هو ما يترتب عليه الصحة والفساد، فقولنا جائز في الحكم الوضعي، يعني أنها من العقود التي يملك كل واحد من المتعاقدين فسخها بدون رضى الآخر، وضد الجائز اللازم، وهو الذي لا يملك أحد المتعاقدين فسخه إلا بسبب شرعي، أما من جهة الحكم التكليفي فأقول: جائز، أي لا إثم فيه، وضده المحرم.

وعلى هذا فمالك الشجر لا يُلزم الفلاح، والفلاح لا يُلزم مالك الشجر، لكن المشكل إذا كان هذا الفلاح قبض النخل في شهر المحرم ـ مثلاً ـ، وتَعبَ فيه، وسقاه، وعمل فيه كل ما يكون سبباً لنمو وظهور ثمره، ثم قال المالك: أنا فسخت، فهنا هل يضيع حق العامل، أو نقول: الآن صار العقد لازماً؟ بَيَّن المؤلف الحكم فقال:

«فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة» إذاً فلا يضيع حق العامل، وعلينا أن نلاحظ أن الثمرة في المساقاة هي المعقود عليها، فمثلاً المالك أعطى العامل النخل في مثل وقتنا الآن، الثمر قد جُذ والنخيل ليس عليها ثمرة، وبعد مضي شهرين رأى المالك أن هذا العامل لا يقوم باللازم تجاه النخيل، ففسخ المالك المساقاة بينه وبين العامل، فهنا نقول: لا بأس، لكن العامل تعب في ملكك بإذنك، فيكون له الحق، ويُفرض له على قول المؤلف أَجرة المثل، فيقال: كم يُعطى الرجل لو عمل على هذا البستان لمدة شهرين؟ قالوا: يعطى في الشهر الواحد ـ مثلاً ـ عشرة آلاف، فنقول: له عشرون ألفاً.

ولو قال قائل: إنه يعطى بالقسط من سهم المثل لكان له وجه؛ لأن العامل لم يعمل على أنه أجير، بل عمل على أنه شريك، فيقال ـ مثلاً ـ: لو أن العامل أكمل نصيبه، فمعروف أنه قد جُعل له سهم، فالآن مضى ـ مثلاً ـ شهران من ثمانية، فيستحق ربع السهم الذي اتفق مع صاحب الملك عليه، فيكون أكثر من الأجرة، وقد يكون أقل، فعلى كل حال لو قيل: بأنه يُعطى بالقسط من السهم الذي شُرط له، لكان قولاً له وجه.

قوله: «وإن فسخها هو» الضمير هنا يعود على العامل.

قوله: «فلا شيء له» لأنه هو الذي أسقط عمله بنفسه، وهذا قبل ظهور الثمرة، أي: إذا فسخ العامل المساقاة فلا شيء له.

لو قال قائل: قد يكون هذا ضرراً على المالك، مثل أن يكون من عادة الناس أنه في وقت الجذاذ، يكون إقبال العمال على أخذ البساتين مساقاة، والآن ليس هناك نشاط، ألا يلزم العامل بما يعود من النقص على صاحب الأصل؟

الجواب: بلى، قد نقول: إنه يلزم بذلك، وعلى هذا التقدير نقول: إذا كان فسخه لعذر ـ أي العامل ـ مثل أن ينفد ما بيده من المال، أو يكون عنده خادم فيموت أو يهرب ولا يستطيع أن يكمل العمل بنفسه، فهنا نقول: إنه معذور فلا يضمن شيئاً، أما إذا كان غير معذور وفات غرض صاحب الأصل، فينبغي أن يُضَمَّن، وإلا يلزم بإتمام العمل، وهذا قبل ظهور الثمرة، فإذا كان الفسخ بعد ظهور الثمرة، فلا يملك مالك الأصل أن يفسخ، والعامل ـ أيضاً ـ يُلزم بإتمام العمل، يعني تكون لازمة بعد ظهور الثمرة؛ لأن العامل أصبح الآن شريكاً في الثمرة، ولا يمكن لرب الأصل أن يطرده، وصاحب الأصل ـ أيضاً ـ لا يُمَكّن العامل من الفسخ إلا إذا رضي أن يفسخ مجاناً فلا بأس، فلو قال العامل: أنا الآن لا أستطيع، فله ذلك بشرط أن يتنازل عن حقه ويقول: أنا لا أريد شيئاً، فصار قبل ظهور الثمرة كما سبق، إن فسخ المالك لزمه أجرة المثل، وعلى قولنا يلزمه قسط السهم الذي عامل عليه، والعامل إذا فسخ قبل ظهور الثمرة فلا شيء له؛ لأنه هو الذي رضي لنفسه ذلك، ولكن هل يضمن العامل للمالك؟ الجواب: إن فسخ لعذر فلا شيء عليه، وإن فسخ مضارَّة فينبغي أن يضمن.

والمالك بعد بدو الثمرة لا يملك أن يفسخ، والعامل يملك أن يفسخ بشرط أن يتنازل عن حقه؛ لأنه في هذه الحال لم يزد صاحب الأصل إلا خيراً.

والقول الثاني في هذه المسألة: أن المساقاة عقد لازم كالإجارة، وبناء على هذا القول يتعين تعيين المدة، فيقال: ساقيتك على سنة أو سنتين أو ثلاث سنين أو ما أشبه ذلك؛ لأن العقد اللازم لا بد أن يحدد؛ حتى لا يكون لازماً مدى الدهر، فيتعين تحديد المدة، ولا يمكن لأحد منهما فسخها ما دامت المدة باقية، فإن تعذر العمل عليه لمرض أو غيره أقيم من يقوم بالعمل على نفقة العامل، وله السهم المتفق عليه وهذا هو الصحيح، وعليه عمل الناس اليوم وربما يستدل لذلك بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، وقال: نقركم في ذلك ما شئنا[(182)]، أي نقركم ما شئنا من الإقرار وأنتم ما دمتم باقين فعلى المعاملة، ولأننا لو قلنا: إنه عقد جائز كثر الضرر والنزاع بين الناس، ولأن العامل ربما يتحيل فيأتي إلى صاحب الملك ويأخذ منه الملك مساقاة في موسم المساقاة، فإذا زال الموسم جاء إلى المالك وفسخ، وكذلك بالعكس ربما يكون المالك أعطى العامل هذا الملك ليعمل فيه، فإذا زادت الأسهم للملاك فسخها وأعطاه أجرة المثل، فالصواب أن المساقاة عقد لازم ويتعين فيها تحديد المدة.

ثم بدأ المؤلف يبين ما يلزم العامل وما يلزم المالك فقال:

 

وَيَلْزَمُ العَامِلَ كُلُّ ما فِيهِ صلاحُ الثَّمَرَةِ من حَرْثٍ وسَقْيٍ وزِبَارٍ وتَلقِيحٍ وتشْمِيسٍ وإِصْلاحِ موضعِهِ وطُرُقِ الماءِ وحصادٍ ونحوِه وعلى ربِّ المَالِ ما يُصْلِحُهُ كسَدِّ حَائِطٍ وإِجْرَاءِ الأَنْهَارِ والدُّولابِ وَنَحْوِهِ.

«ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة» أما ما فيه بقاء الأصل فعلى المالك كما سيأتي.

قوله: «من حرث» أي: حرث الأرض.

قوله: «وسقي» أي: سقي الشجر.

قوله: «وزبار» الزِّبار هو قطع الأغصان الرديئة، والشجر والنخيل يكون فيه أغصان رديئة يابسة، فهذه على العامل، ويسمى عند العامة التقليم.

قوله: «وتلقيح» أي: لثمر النخل.

قوله: «وتشميس» للثمر بعد أن يجذ، فيحتاج إلى أن يوضع في الشمس حتى ييبس، فهذا على العامل.

قوله: «وإصلاح موضعه» أي: إصلاح موضع التشميس وهو ما يسمى بالبيدر، فكانوا في الزمن السابق يجعلون موضعاً للتشميس في أرض واسعة، ويضربون حولها ـ مثلاً ـ بحصى يصفونه ويجعلون فيه الجص من أجل أن يكون نقيّاً فييبس عليه الثمر.

قوله: «وطرق الماء» أي: إصلاح طرق الماء، وهي السواقي، والفلاحون يجعلونها حياضاً.

قوله: «وحصاد ونحوه» أيضاً الحصاد على العامل، والجذاذ يرون أنه على كل واحد منهما بقدر حصته، وإن شُرط على العامل فلا بأس، أي جذاذ النخل، فإذا كانت أثلاثاً فعلى صاحب الثلث الثلث، وعلى صاحب الثلثين الثلثان، وإذا كانت أنصافاً فعلى كل واحد منهما نصفه، إلا إذا شُرِطَ على العامل فيصح.

والصواب أنه يتبع في ذلك العُرف، فإذا جرت العادة أن الجذاذ يكون على العامل فهو على العامل، وإذا جرت العادة أن يكون على صاحب المال فهو على صاحب المال، والعادة عندنا أنه إذا نضجت الثمار قَسَمُوها على رؤوس النخل، وقيل: لك أنت أيها الفلاح هذا الجانب وللثاني الجانب الآخر، وكل واحد منهما يجذ نخله، وهذا في عُرفنا ولا ندري عن عُرف الآخرين.

قوله: «وعلى رب المال ما يصلحه» أي: ما يصلح المال، يعني ما يعود بصلاح النخل على رب المال، وما يعود بتصريفه على العامل.

قوله: «كسد حائط» أي: إذا انثلم سور البستان يسده صاحب البستان، لا العامل؛ لأن هذا تابع لإصلاح البستان، فيكون على رب المال.

قوله: «وإجراء الأنهار» وهذا ـ أيضاً ـ على رب المال، والآن ليس عندنا أنهار، ومقابل إجراء الأنهار إخراج الماء، وإخراج الماء عندنا استخراجه بالمكاين، وهذا يكون على العامل، لكن حفر البئر على رب المال، هذا هو العرف، والعرف المطرد كالشرط اللفظي، يعني الاطراد العرفي كالشرط اللفظي، فما دام الناس اطرد عندهم أن حفر الآبار على رب المال، وأن استخراج الماء على الفلاح العامل، فإننا نمشي على ما كان الناس عليه.

قوله: «والدولاب ونحوه» الدولاب هو آلة استخراج الماء من البئر ونحوه، ويستعمل بدل الدولاب الرحى، حيث يستعمل الدولاب في الآبار، والرحى تستعمل في الأنهار، وقد مر علينا استعمال الرحى في باب خيار التدليس، حيث قال المؤلف: «وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها» ، وهذا يشبه التدليس في تصرية اللبن في ضرع بهيمة الأنعام.

وعلى هذا يكون الدولاب في المساقاة على صاحب الأصل، وإدارة الدولاب، وتحريكه أي: تشغيله يكون على العامل.

وقوله: «ونحوه» يعني مما يحتاجه الأصل

لو قال قائل: أين في كتاب الله أو سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن هذا عليه كذا أو عليه كذا؟.

نقول: المرجع في ذلك إلى العرف، وذلك على القاعدة المعروفة:

وكُلُّ ما أَتَى ولَمْ يُحَدَّدِ

بالشَّرعِ كالحِرْزِ فبِالْعُرْفِ احْدُدِ[(183)]

فإذا كان العرف مطرداً فبها ونعمت، وهذا هو المطلوب، ونمشي على ما جرى عليه العرف، وإذا لم يكن مطرداً، وجب على كل منهما أن يُبَيِّن للآخر ما عليه وما له حتى لا يقع نزاع؛ لأنه من المعلوم أن المتعاقدين عند أول الدخول في العقد، يكون كل واحد منهما مشفقاً، وربما ينسى أو يتناسى بعض الشروط، ويقول: هذا هَيِّن، لكن نقول: هذا لا يجوز، فلا بد أن يكون الشيء واضحاً بيّناً؛ لأنه ربما يحدث نزاع ثم لا نستطيع أن نؤلف بين الطرفين.

 

فصلٌ

 

وَتَصِحُّ المُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مَعْلوم النِّسْبَةِ ممَّا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ لرَبِّها أَوْ لِلعَامِلِ وَالبَاقِي للآخَرِ، ولا يُشْتَرطُ كَوْنُ البَذْرِ والغِراسِ مِنْ ربِّ الأَرْضِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ.

«فصل: وتصح المزارعة بجزء معلوم النسبة» المزارعة هي أن يدفع أرضاً لمن يزرعها بجزء من الزرع.

والفرق بينها وبين المساقاة أن المساقاة على الشجر، والمزارعة على الزرع، والفرق بين الشجر والزرع أن ما له ثمر وساق وأغصان يسمى شجراً، وما ليس كذلك فإنه يسمى زرعاً.

مثال الزرع: القمح، والذرة، والشعير، والأرز، وما أشبه ذلك.

وإباحتها من حكمة الشرع، وتيسير الإسلام، فقد يكون عند الإنسان أرض بيضاء لا يستطيع زرعها، وفي مقابل ذلك عمال ليس لهم ما يكتسبون، فيأخذون هذه الأرض ويزرعونها، فيكون في ذلك مصلحة لصاحب الأرض وللعامل، وهذا لا شك أنه من محاسن الإسلام.

وقوله: «وتصح المزارعة بجزء معلوم النسبة» اعلم أن كل صحيح فهو جائز، يعني إذا قيل: يصح، فالمعنى أنها جائزة؛ لأن الصحة فرع عن الجواز في الحكم الشرعي لا الوضعي.

وهل كل محرم غير صحيح؟

الجواب: يُنْظَر، فإذا عاد التحريم إلى ذات الشيء، فهو غير صحيح، وإن عاد إلى أمر خارج فهو صحيح، فتلقي الركبان ـ مثلاً ـ: محرم، والشراء من الركبان حرام، لكن البيع صحيح؛ لأنه لا يعود إلى جهالة المبيع، ولا إلى الربا، وإنما يعود إلى خوف تغرير البائع الذي لم يقدم البلد ولم يدرِ عن الأسعار، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار»[(184)].

وقوله: «بجزء» هذا شرط خرج به ما لو دفع الأرض لمن يزرعها مجاناً، فهذه لا تسمى مزارعة؛ لأن الزرع كله للعامل.

مثال ذلك: رجل عنده أرض، وله صديق عاطل، فقال له: يا فلان خذ أرضي، وازرعها واسترزق الله بها، بدون أي سهم لصاحب الأرض، فهذه لا تسمى مزارعة، وإنما هي منحة منحها صاحب الأرض لمن يعمل فيها فلا تصح مزارعة؛ لأن المزارعة نوع من المشاركة، لكنها تبرع.

وقوله: «معلوم النسبة» خرج به المجهول، فلو قال: خذ هذه الأرض مزارعة ببعض الزرع، فهذا لا يجوز؛ لأن البعض مجهول، فلا بد أن يُحَدِّد.

وأيضاً لا بد أن يكون معلومَ النسبة يعني أن علمه نسبي، وليس بالتعيين، فالنسبة أن يقول: ربع، ثلث، عُشر، وما أشبه ذلك، احترازاً من المعلوم بالتعيين، والمعلوم بالتعيين لا تصح معه المزارعة، مثل أن يقول: لك الجانب الشرقي من الأرض، ولي الجانب الغربي، فهذا لا يجوز؛ لأنه قد يسلم هذا ويهلك هذا أو بالعكس.

والقاعدة في المشاركة أن يتساوى الشريكان في المغنم والمغرم، فلو قال: لك الزرع هذا العام، ولي زرع العام القادم فلا يصح ـ أيضاً ـ لتعيين الزمن لأحدهما دون الآخر، والمثال الذي قبله تعيين المكان لأحدهما دون الآخر.

لو قال: لك ما تزرعه من شعير ولي ما تزرعه من بُر، فهذا لا يصح؛ لأنهما لم يشتركا في النوع.

لو قال: إن زرعتها شعيراً فلك النصف، وإن زرعتها بُرّاً فلك الربع فهذا يصح؛ لعدم الإشكال فإن زرعها براً له سهم معلوم وهو الربع، وإن زرعها شعيراً فله سهم معلوم وهو النصف.

قوله: «مما يخرج من الأرض» أي من الزرع، فإن أعطاه إياها بجزء أو بشيء معلوم مما لا يخرج من الأرض، فليست مزارعة بل هي إجارة، مثل أن يقول: خذ هذه الأرض ازرعها بمائة صاع من البر فهذا يصح، لكن يكون إجارة؛ لأنني لم أقل: بمائة صاع مما يخرج منها، بل مائة صاع من البر، فالعوض الآن ثابت في الذمة، ليس ناتجاً من عمل هذا المزارع، بل هو ثابت في الذمة حتى وإن لم يزرعها يلزمه مائة صاع.

قوله: «لربها أو للعامل» يعني الجزء المعين تارة يعين لربها، وتارة يعين للعامل، فإذا قال: خذ الأرض ازرعها ولك الربع، فهنا عُين للعامل، ولو قال: خذ الأرض وازرعها ولي الربع، فهنا عُين لرب الأرض.

وإذا عُين لأحدهما سهم فهنا يقول المؤلف: «والباقي للآخر» .

قوله: «ولا يشترط كون البذر والغراس من رب الأرض» يعني لا يشترط كون البذر في المزارعة من رب الأرض، ولا كون الشجر وهو الغراس في المغارسة من رب الأرض.

قد يقول قائل: لماذ ينفي المؤلف الشرط؟

نقول: لدينا قاعدة سبق ذكرها، وهي أن العلماء المؤلفين إذا نفوا شيئاً فهو لدفع قول قيل، وإلا كان سكوته عن اشتراطه يدل على أنه ليس بشرط، لكن إذا نفاه فكأنه يشير إلى قول بإثباته، فإذا قال: لا يشترط كذا، فإننا نقول: هذا إشارة إلى قول بخلاف ذلك، أي: دفعاً لهذا القول؛ لأن من العلماء من قال: يشترط في المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض، فإذا أعطيت شخصاً أرضاً يزرعها فأعطه البذر، وإذا كان البذر منه لم يصح؛ لأن المزارعة صنو المضاربة، إذ المزارعة دفع أصل لمن يعمل به بجزء من ربحه، والمضاربة هي دفع مال لمن يعمل به بجزء من ربحه، فإذا كانت مضاربة فلا بد أن يكون المال من المضارب، فكذلك يجب أن يكون البَذر من رب الأرض لا من العامل. والصحيح أنه ليس بشرط وهو الذي مشى عليه صاحب المتن والدليل على ما قاله سلبي وإيجابي.

فالسلبي أن نقول: الأصل عدم الشرط وأن العقود بين المسلمين جائزة بدون شرط، ولهذا نقول لمن منع عقداً من العقود: إيتِ بالدليل، ومن منع عقداً من العقود إلا بشرط قلنا: إِيتِ بالدليل؛ لأنه إذا كان منع العقد من أصله يحتاج إلى دليل، فمنع وصف في العقد يحتاج ـ أيضاً ـ إلى دليل؛ لأن منع العقد إلا بوصف أو شرط هو في الحقيقة منع لكنه ليس منعاً مطلقاً، بل منع مقيد بحال وهي عدم وجود الشرط. فإذا ثبت جواز العقد فالأصل عدم الشرط فيه، ولأننا إذا أضفنا شرطاً إلى حل العقد، معناه أننا نمنع هذا العقد عند عدم وجود الشرط، وهذا يقتضي أن هذا العقد ممنوع في بعض الأحوال، فنقول: منعك إياه عند تخلف هذا الشرط يحتاج إلى دليل، فاشتراط أن يكون البذر من رب الأرض يحتاج إلى دليل.

والدليل الإيجابي أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع[(185)] ولم يعطهم البذر والغراس، ولو كان شرطاً لأعطاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم البذر والغراس، والدليل الإيجابي فيما دليله سلبي نحتاجه للتقوية من جهة وللتنصيص عليه من جهة أخرى.

وقوله: «والغراس» إشارة إلى المغارسة، والمؤلف لم يذكرها، فهناك عقد ثالث غير المساقاة والمزارعة، ويسمى المغارسة، ويسمى المناصبة، وهي أن يدفع الإنسان الأرض لشخص، يغرسها بأشجار ويعمل عليها بجزء من الأشجار، ليس بجزء من الثمرة، بل بجزء من الغرس، والثمرة تتبع الأصل، والفرق بينها وبين المساقاة، أن المساقاة بجزء من الثمرة، والأصل ـ أي: الشجر ـ لرب الأرض، وهذه بجزء من الأصل نفسه، أي: من الغرس، وهي جائزة، وإذا تمت كان للعامل نصف الشجر، أو ربعه، حسب الشرط، والمساقاة إذا تمت كان للعامل نصف الثمرة أو ربعها حسب الشرط، إذن بينهما فرق.

ففي المغارسة الجزء المشروط للعامل من الأصل، أي: من الشجر نفسه، فهل يشترط إذا أعطيت شخصاً أرضاً مغارسة، أن يكون الفرخ الصغير من رب الأرض، أو يجوز أن يكون من العامل؟

الجواب: المذهب أنه لا بد أن يكون من رب الأرض، كالمزارعة تماماً، لكن ما مشى عليه المؤلف أنه ليس بشرط.

فيجوز أن تقول: يا فلان هذه أرض بيضاء، تحمل ألفاً خذها مغارسة بالنصف، فعلى كلام المؤلف الذي يشتري الغراس هو العامل، ثم إذا انتهت مدة المغارسة يقسم النخل، وعلى المذهب لا بد أن الذي يدفع ثمن الغرس هو رب الأرض.

ولكن الصحيح ما مشى عليه المؤلف، أنه ليس بشرط، وعلى هذا تكون المشاركات في الزروع والنخيل والأشجار ثلاثة أنواع: مغارسة ومساقاة، ومزارعة، وقد تبين حكم كل واحدة منها والحمد لله.

قوله: «وعليه عمل الناس» أي المزارعين؛ لأن الأصل في ذلك معاملة النبي صلّى الله عليه وسلّم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولم ينقل أنه كان يعطيهم البذر كما سبق، فكان الناس على ذلك من عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

وظاهر كلام المؤلف أنه إلى وقت المؤلف، وعمل الناس أن البذر من العامل إلى يومنا هذا، ولا ريب أنه الصواب.

وقوله: «وعليه عمل الناس» هل عمل الناس حجة أو لا؟ نحن نعرف أن الأدلة أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وعمل الناس لم نسمع به، ولو كان عمل الناس حجة لكان الناس إذا عملوا أشياء محرمة وطال عليهم الزمن، وصاروا لا يرون إلا أنها مباحة نقول: إنها مباحة؛ لأن عمل الناس عليها.

ولكن هذا لا يقوله أحد، فيقال: المراد بعمل الناس أي عمل المساقين والمزارعين من عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن أصل المسألة هي معاملة أهل خيبر، وبقيت المعاملة هذه في حياة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وفي عهد أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ، حتى أجلاهم عمر ـ رضي الله عنه ـ[(186)]؛ لأنهم فعلوا ما يقتضي إجلاءهم فأجلاهم، لكن نعم يستأنس بعمل الناس إذا كان يعيش بينهم علماء أقوياء في الله، لو كان الأمر منكراً لأنكروه، وإن كان لا يعيش بينهم إلا علماء أمة فهؤلاء لا حجة بعملهم، ولتعلم أن العلماء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

الأول: علماء دولة.

الثاني: علماء أمة.

الثالث: علماء ملة.

علماء الدولة هم الذين ينظرون ماذا تريد الدولة فيلتمسون له أدلة متشابهة، فيتبعون ما تشابه من الأدلة إرضاءً للدولة، ولهم أمثلة كثيرة في غابر الزمان وحديثه، فظهرت الاشتراكية في الدول العربية، وتأميم أموال الناس الخاصة، وظلم الناس، فحاول علماء الدولة أن يجدوا دليلاً ليرضوا الدولة؛ لأن العامة لا يرضون أن تؤخذ أموالهم، ويقال لهم: أمموها، فأتوا بمتشابهات، يتعسفون في رد النصوص ويلوون أعناقها من أجل أن توافق رأي الدولة، واستدلوا بالنصوص على وجه عجيب قالوا: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «الناس شركاء في ثلاث» [(187)]، فأثبت المشاركة، يعني الاشتراكية، وقالوا ـ أيضاً ـ إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كان له أرض فليَزْرَعْها أو ليُزْرِعْها أخاه» [(188)]، وأنت عندك فدادين كثيرة وأرض واسعة، لا تستطيع زراعتها، فنأخذها منك ونعطيها للآخرين، وقالوا: إن الله ـ تعالى ـ قال في القرآن: {{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}} [الروم: 28] ، أي: ما رزقناكم فأنتم والعبيد فيه سواء، وإذا كان الحر مع العبد سواء فالحر مع الحر من باب أولى، وهلم جرّاً، فهؤلاء نسميهم علماء دولة، ولكن والله لا تغنيهم الدولة شيئاً، سيكون لهم ـ إن لم يغفر لهم ـ موقف من يقولون: {{رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ}{رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيرًا *}} [الأحزاب] .

علماء الأمة ليس لهم دخل في الدولة، لكن ينظرون ما يصلح للأمة والعامة، ويقولون: العامة مثل الذر إن عارضناهم أكلونا، لكن نرى ماذا يكون أصلح.

فيأتون العالم ويقولون: البنوك هذه مفيدة فائدة عظيمة، ترفع الاقتصاد وينتفع الفقير، ويأخذ أموالاً يعمل ويحرث بها، والبنك ـ أيضاً ـ يستفيد من الربا فيقولون للعالم: رخص لنا ـ جزاك الله خيراً ـ، فقال العالم: دعوني أفكر، فجاءوا إليه بعد ما شاء الله من الزمن قال: وجدت أن هذا لا بأس به؛ لأن الشرع مبني على تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وهذه مصلحة كما قلتم، ففيه مصلحة لهذا ومصلحة لهذا، ولم يلاحظ الضرر الديني، فهؤلاء نسميهم علماء أمة، يعني الذين ينظرون ماذا تريد الأمة ويمشون عليه.

وعلماء الملة هم الذين لا يريدون إلا أن يكون دين الله هو الأعلى وكلمته هي العليا، ولا يبالون بدولة ولا بعوام، فهؤلاء إذا وجدوا في الأرض وشاعت معاملة بين الناس ولم ينكروها، حينئذٍ نقول: إن عمل الناس في ظل هؤلاء العلماء يعتبر حجة، وإن كان ليس كحجة النصوص لكنه يطمئن الإنسان لوجود علماء ربانيين، لا ينكرون هذا، فهذا مما يستأنس به الإنسان، ويقول: إن العمل مع وجود هؤلاء العلماء يعتبر معضداً لما أذهب إليه.

وكلمة: «وعليه عمل الناس» توجد كثيراً في كتاب «الإنصاف» و«التنقيح» للمرداوي رحمه الله تعالى.

 

---------------------------------

 

[180]    سبق تخريجه ص(411).

[181]    أخرجه مسلم في البيوع/ باب كراء الأرض بالذهب والورق (1547) (116).

[182]    سبق تخريجه ص(411).

[183]    منظومة قواعد الفقه وأصوله لشيخنا ـ رحمه الله ـ.

[184]    أخرجه مسلم في البيوع/ باب تحريم تلقي الجلب (1519) (17) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[185]    سبق تخريجه ص(411).

[186]    أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة/ باب إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله (2338)؛ ومسلم في البيوع/ باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع (1551) (6)، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[187]    سبق تخريجه ص(10).

[188]    أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة/ باب ما كان من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يواسي بعضهم بعضاً في الزراعة والثمر (2340)، ومسلم في البيوع/ باب كراء الأرض (1536) (88) ـ واللفظ له ـ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

 

 

تاريخ التحديث : Feb 19, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com