|
بَابُ الإِجَارَةِ
قوله: «الإجارة» مأخوذة من الأجر وهو العوض المقابل بعمل، ولهذا يُسمى ثواب العمل أجراً، قال تعالى: {{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}} [آل عمران: 185] وهي عقدٌ على منفعة معلومة أو على عمل معلوم، فمستأجر الدار عَقَدَ على منفعة معلومة، ومستأجر العامل، البَنَّاء، عقد على عمل معلوم، ولهذا لا يملك الذي يستأجر العامل أن يؤجره لشخص آخر؛ لأنه لم يملك إلا المنفعة فقط، ما مَلَك الرجل، فالإجارة تكون على عمل وتكون على منفعة في عين، وهي نوع من البيع، ولذلك يحرم عقد الإجارة في المسجد كما يحرم البيع، ويحرم عقد الإجارة بعد نداء الجمعة الثاني، كما يحرم البيع؛ لأنها بيع منافع في الواقع.
وعقد الإجارة جائز بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما القرآن ففي قول المرأتين اللتين سقى لهما موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {{يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}} [القصص: 26] وأما السنة فقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم استأجر عبد الله بن أريقط على أن يدله على الطريق من مكة إلى المدينة[(1)]، وأما إجماع الأمة فمعلوم، وتجويزها من محاسن الشريعة؛ وذلك لأن الإنسان قد يضطر إلى سكنى بيت وليس معه ما يستطيع أن يملك به البيت فإنه ليس له طريق إلا الاستئجار، كذلك ـ أيضاً ـ صاحب البيت قد يكون ممسكاً ببيته ويريد الانتفاع به ولا يتعطل، وليس له سبيل إلى ذلك إلا بالتأجير، فلما كانت المصلحة للمستأجر والمؤجر واضحة ولا ظلم فيها ولا ربا كان من محاسن الشريعة المطهرة أن تباح، ولكن لا بد لها من شروط، وكل عقد من العقود يذكر له شروط، فلا بد أن نستدل لكل شرط من هذه الشروط، وإلا فإن الأصل عدم الشرط، وحل الشيء على الإطلاق، فكل من ادعى في عقد بيع أنه حرام قلنا له: هات الدليل؛ لأن الأصل في عقد البيع الحل، ولهذا فالشروط التي يذكرها العلماء في العقود لا بد لها من دليل، وإلا فإنها لا تقبل.
تَصِحُّ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ: معْرِفَةُ المَنْفَعَةِ كَسُكْنَى دَارٍ، وَخِدْمَةِ آدَمِيٍّ، وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ.
قوله: «تصح بثلاثة شروط» أفادنا المؤلف أن الإجارة تقع صحيحة وفاسدة، فما وافق الشرع منها فصحيح وما خالف الشرع ففاسد، وإذا فسدت الإجارة فإنه لا يترتب عليها ما جاء في العقد، بل يثبت فيها أجرة المثل.
قوله: «معرفة المنفعة» هذا هو الشرط الأول، أن تكون المنفعة معلومة للطرفين، المُؤجِّر، والمستأجر، وضد ذلك المنفعة المجهولة، والدليل على هذا الشرط قوله تعالى: {{}} [المائدة: 90 ـ 91] وجه الدلالة من الآية: أنه إذا كانت المنفعة مجهولة صارت من الميسر؛ لأن المستأجر وكذلك المؤجر بين غانم وغارم للجهالة، ولحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن بيع الغرر»[(2)]، وكل مجهول فهو غرر، والإجارة بيع لكنه بيع للمنافع، ولأنه إذا كانت المنفعة مجهولة ستؤدي إلى الخصومة والمنازعة المؤدية إلى العداوة والبغضاء.
وقوله: «معرفة المنفعة» يعني بأن تكون المنفعة معلومة:
إما بالتحديد القولي وإما بالتحديد العُرفي.
فمثال القولي أن يقول: أريد كذا وكذا ويعيِّن.
ومثال العُرفي سيأتي في كلام المؤلف.
قوله: «كسكنى دار» مثال ذلك: استأجر رجل بيتاً لسكناه، وكان المستأجر يبيع الحُمُر ـ جمع حمار ـ فجعل هذا البيت مَرْبطاً للحَمير، فلا يجوز؛ لأن سكنى الدار معناها أن يسكنها آدميون ليس الحمير.
ولو أراد المستأجر أن يتصرف في الدار، وقال: هذه حجرة ضيقة فسوف أسقط الجدار الذي بينها وبين الحجرة الأخرى لتكونا واحدة واسعة، فإنه لا يملك هذا، إنما يملك السكنى فقط، وليس من العادة أن الساكن يتصرف في عين المستَأجَر إلا بإذن المالك.
قوله: «وخدمة آدمي» مثاله: استأجر آدمياً يخدمه، فصار يستخدمه في العادة ويقول: يا فلان هات الفطور، أو هات العلف للبهيمة، اذهب بالأبناء إلى المدرسة، أو ما أشبه ذلك، فهذا يصح، أما لو قال في يوم من الأيام: احملني على ظهرك إلى السوق فله أن يمتنع؛ لأن هذا مما لم تجر العادة به إلا بشرط.
كذلك يوجد أناس يستأجرون خادماً ليكون في البيت ليقضي الحوائج ويسوق السيارة وما أشبه ذلك، ثم يستخدمه في رعي الإبل، فهذا لا يجوز إلا إذا استأجره لذلك، فلو أراد أن يحوله من أثقل إلى أخف فلا يجوز إلا بإذنه؛ لأنه حر استؤجر لعمل معين فلا يتجاوز هذا العمل المعين إلا إذا رضي، وفي ظني أنه إذا حُول من أشد إلى أخف فإنه سوف يرضى، فلو حُول من كونه يرعى الإبل في قفار الأرض وصحرائها وغير ذلك، إلى أن يكون في البيت في ظل ظليل يأكل مع الناس ويشرب معهم، فإن الثاني أحسن له وسيختاره، لكن إذا لم يكن للخدمة عُرْفٌ معين، وكان قد استأجره لعمل معين فإنه لا ينقله إلى غيره إلا بإذنه.
وهل يملك إذا استأجره لخدمته أن يؤجره آخرَ لخدمته؟ لا يملك ذلك؛ لأنه غير مالك له؛ لأنه إنما ملك منفعته لنفسه، ولا يمكن أن يحولها إلى آخر إلا إذا رضي فلا بأس، وعلى هذا يتنزل ما يفعله بعض الناس الآن، يأتون بالخدم من الخارج متفقين معهم على عمل معين، ثم يستأجره إنسان آخر من الرجل الذي أتى به، فنقول: إن وافق الأجير فلا بأس، والفرق بين الأجرتين إذا رضي العامل فهي لمستأجر العامل الأول، فمثلاً: لو جاء به وراتبه ثلاثمائة ريال في الشهر، يعني كل يوم عشرة ريالات، فأجره بإذنه بخمسة عشر ريالاً في اليوم، فإن الخمسة الزائدة تكون للذي استأجره أولاً؛ لأنه رضي أن يعمل عند شخص آخر وهو مالك لمنفعته، أما إذا أبى وقال: أبداً أنا لا أعمل عند غيرك إلا إذا أعطيتني الفرق بين أجرتك وأجرة الآخر، فهو حر يملك هذا.
قوله: «وتعليم علم» بأن يستأجر شخصاً يعلمه باباً من أبواب العلم، كمن استأجر شخصاً يعلمه ـ مثلاً ـ باب الطهارة، أو باب الإجارة، فإن هذا جائز، لكن لا بد أن يحدد نوع العلم.
فإن قال قائل: علم المنفعة هنا قد يكون متعذراً؛ لأنك لا تدري متى يتعلم هذا الرجل؟ فمن الناس من يكون سريع الفهم، سريع الحفظ، بطيء النسيان فهذا يتعلم بسرعة، ومن الناس من هو على عكس ذلك، تعلمه عدة مرات وتبين له وتشرح له وعلى السبورة، وبكل طريقة، ومع ذلك لا يفهم، إذاً كيف تصح الإجارة على تعليم العلم؟! نقول: هذا مما يُتسامح فيه ويُحمل على الوسط من الناس، لا على سريع الفهم والحفظ وعدم النسيان ولا على البطيء، بل يحمل على العادة.
وقوله: «وتعليم علم» ليس على إطلاقه؛ لأنه سيأتينا أن العلوم المحرمة لا يجوز تعليمها ولا الاستئجار لتعلمها، وكذلك ـ أيضاً ـ ليس على إطلاقه؛ لأن من أفضل العلوم القرآن وقد ذكر الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أنه لا يصح الاستئجار لتعليم القرآن؛ لأن تعليم القرآن عبادة كما جاء في الحديث: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه»[(3)] ولا يجوز أخذ الأجرة على العبادة، وعلى هذا فيجب أن نقيد العلم هنا بما ليس بمحرم، وقيد آخر ألا يكون تعليماً للقرآن.
أما الأول: فنعم، يشترط في العلم ألا يكون محرماً، فلو استأجره ليعلمه علماً محرماً كعلم النجوم، وأقصد بذلك علم التأثير لا علم التسيير[(4)]، فهنا الأجرة حرام.
وأما الثاني: فلو استأجره ليعلمه القرآن فهو ـ أيضاً ـ حرام على المذهب، والراجح أنه ليس بحرام وأنه يجوز أن يستأجر الإنسان لتعليم القرآن، ويدل لذلك ما يأتي:
أولاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله»[(5)] وهذا صريح.
ثانياً: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أجاز أخذ الجعل على الرقية في حديث اللديغ[(6)].
ثالثاً : أن النبي صلّى الله عليه وسلّم زوَّج المرأة رجلاً ليس عنده صداق بما معه من القرآن ليعلمها[(7)] فجعله عوضاً.
فإذا قال قائل: كيف تجيزونه وهو قربة؟
قلنا: نعم، نجيزه وهو قربة؛ لأن إجازتنا إياه من أجل انتفاع المستأجر، ولهذا لو أننا استأجرنا شخصاً ليقرأ القرآن فقط لكانت الإجارة حراماً لا تصح أما التعليم فلا؛ لأن المعلم يتعب ويلقن هذا الجاهل حتى يعرف وسيعيد عليه ما حفظ من القرآن بالتعاهد، ففيه عمل مباح لشخص آخر، إذاً القول الراجح أنه تجوز الأجرة على تعليم القرآن وذكرنا ثلاثة أدلة، منها دليل لفظي ودليلان عمليان.
الثَّاني: مَعْرِفَةُ الأُجْرَةِ، وَتَصِحُّ فِي الأَجِيرِ وَالظِّئْرِ بِطَعَامِهِمَا وَكِسْوَتِهِمَا. وَإِنْ دَخَلَ حَمَّاماً، أَوْ سَفِينَةً، أَوْ أَعْطَى ثَوْبَهُ قَصَّاراً، أَوْ خَيَّاطاً بِلاَ عَقْدٍ صَحَّ بِأُجْرَةِ العَادَةِ.
قوله: «الثاني: معرفة الأجرة» أي: الشرط الثاني أن تكون الأجرة معلومة، ودليل ذلك هو دليل اشتراط معرفة المنفعة؛ لأنها أحد المعقود عليهما، فلا بد من العلم بها.
فلو قال: استأجرت منك هذا البيت ببعض ما في يدي من الدراهم، فالإجارة غير صحيحة؛ لأن ما في يده من الدراهم مجهول، وبعضه ـ أيضاً ـ مجهول، حتى لو كان الذي في يده من الدراهم معلوماً، بأن كان معه عشرة آلاف ريال، وقال: ببعض ما في يدي من الدراهم، فإن الأجرة لا تصح.
ولو قال: استأجرت منك هذا البيت بما تلده هذه الفرس، فهو ـ أيضاً ـ لا يصح؛ لأن الأجرة غير معلومة.
قوله: «وتصح في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما» أي: تصح الإجارة في الأجير بطعامه وكسوته، بأن تستأجر شخصاً يعمل عندك بأكله وشربه وكسوته ومنزله، وعلم الأجرة هنا بالعُرف، فيحمل على العرف وهو أدنى الكفاية، فلو قال العامل: أنا استؤجرت بالطعام وأنا أريد طعام الملوك، أي: أعلى ما يكون من الطعام، فإنه لا يجاب وإنما يعطى طعام مثله.
وقوله: «والظئر» هي المرضعة، يجوز أن تستأجرها بطعامها وكسوتها؛ لقول الله تعالى: {{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}} [الطلاق: 6] وأطلق وقال: {{وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} [البقرة: 233] فيجوز أن تستأجر امرأة لإرضاع الولد بطعامها وكسوتها، ومرجع ذلك العرف.
وهل تصح في المركوب بطعامه وشرابه وما يلزم لبقاء حياته؟ ظاهر كلام المؤلف: لا؛ لأنه خص هذه المسألة في الآدمي وفي الظئر أيضاً، والصواب أنه يجوز أن يستأجر حيواناً بالقيام عليه بالتغذية من طعام وشراب ووقاية من البرد والحر؛ لأنه لا فرق بينه وبين الأجير؛ لأن كليهما استيفاء منفعة، ويُرجع في ذلك إلى العرف.
وهل يصح أن يستأجر الدار بإصلاح ما انهدم منها؟ لا يصح؛ لأنه غير معلوم، قد ينهدم منها شيء كثير، وقد لا ينهدم منها شيء فهي مجهولة تماماً، إلا إذا كان المنهدم موجوداً الآن، وقال: أجرتك إياها بإصلاح ما انهدم الآن، وهو معلوم، فهنا الإجارة صحيحة؛ وذلك لأن الأجرة معلومة بالمشاهدة.
وإذا قال: أجرتك هذا البيت بعشرة آلاف وإصلاح ما ينهدم منه، فهذا لا يصح؛ لأن ما زاد مجهول، وإذا قال: أجرتك هذا البيت بعشرة آلاف وإصلاح ما انهدم منه من الأجرة، فهذا يصح لأن الأجرة معلومة، ولو قُدِّر أنه قد انهدم بما يصلح بخمسة آلاف فإنه يجوز، لكن لا بد من إضافة شرط آخر وهو أن يقول: محتسباً به من الأجرة وما زاد فعلى رب البيت؛ لأنه ربما يزيد المنهدم على الأجرة، مثل أن تكون الأجرة ألف ريال وينهدم هدماً يستحق ألفي ريال.
والخلاصة: أن استئجار البيت بإصلاح ما ينهدم منه لا يجوز، والإجارة غير صحيحة، أما استئجاره بإصلاح ما ينهدم منه محتسَباً به من الأجرة، فهذا جائز بشرط ألا يزيد على مقدار الأجرة.
قوله: «وإن دخل حماماً» هذه أجرة بالمعاطاة، فإذا دخل حماماً ثم اغتسل فيه وخرج، والحمام مكتوب عليه للإيجار، الساعة بكذا، وهو لم يرَ صاحبه فإنه يصح بأجرة العادة، والعادة في مثل هذا تقدر بالزمن كل ساعة بكذا، فيؤخذ ممن دخل الحمام ما جرت به العادة.
ومثل ذلك ما يفعله الناس الآن من إدخال السيارة في مواقف السيارات، تجده يدخل ويأخذ البطاقة لتعيين وقت الدخول ثم إذا خرج حاسب، بدون أن يكون هناك كلام، نقول: هذا ـ أيضاً ـ لا بأس به، وهذا ربما يكون أبلغ في الجواز من المساومة، يعني من قوله: لا أدخلك إلا الساعة بكذا وكذا؛ لأن هذا معلوم لدى الناس جميعاً.
قوله: «أو سفينة» أي: وجد سفينة تحمل الناس فدخل فيها بدون أن يتفق مع الملاح، أي: مع قائد السفينة، فهذا يجوز وعليه أجرة العادة، وسيارة الأجرة كذلك إذا ركب ثم وصل إلى المحطة وقال له صاحب السيارة: عليك ـ مثلاً ـ عشرة ريالات، إن قال: العشرة كثيرة وما أعطيك إلا خمسة، فهل يُلزم بالعشرة؟ نعم، يلزم ما دامت العادة عشرة فإنه يلزم بالعشرة.
قوله: «أو أعطى ثوبه قصَّاراً» القصَّار: هو الغسَّال، أعطاه الثوب ليغسله، فغسله الغسَّال وعند تسليمه طلب مبلغاً من المال مع أن صاحب الثوب لم يعلم به، فيقال: يلزمه أجرة العادة وإن لم يتعاقدا عليها؛ لأن هذا معلوم بين الناس.
قوله: «أو خياطاً بلا عقدٍ صح بأجرة العادة» كذلك لو أعطى ثوبه خياطاً يخيطه، ولما انتهى قال له الخياط: الأجرة كذا وكذا فهذا يصح ولو بلا عقد.
وفُهم من قول المؤلف ـ رحمه الله ـ «قصاراً أو خياطاً» أنه لا بد أن يكون معداً نفسه للعمل، فإن لم يكن معداً نفسه للعمل فلا شيء له إلا بشرط، مثل أن يعطي شخص ثوبه لإنسان، فقال: خذه اغسله لي، فلما غسله قال له: الأجرة كذا وكذا، فلا يلزم صاحب الثوب أجرة؛ لأن الآخذ الذي غسله ليس معداً نفسه لذلك، والمؤلف يقول: «قصاراً» فلا يلزمه شيء.
فإذا تخاصم الرجلان فإننا نقول للقصار: لماذا لم تشترط لنفسك؟ هو يظن أنك محسن، والعقد لا بد له من قرينة إما لفظية بالإيجاب والقبول، وإما فعلية بالمعاطاة فيما اشتهر بذلك، وكذلك يقال في الخياط والحلاق، كل هؤلاء الذين أعدوا أنفسهم للعمل، فإنه يجوز الدخول معهم فيما أعدوا أنفسهم له بدون عقد، وعلى الداخل أجرة العادة.
الثَّالِثُ: الإِبَاحَةُ فِي العَيْنِ، فَلاَ تَصِحُّ عَلَى نَفْعٍ مُحَرَّمٍ، كَالزِّنَا، وَالزَّمْرِ، وَالغِنَاءِ، وَجَعْلِ دَارِهِ كَنِيسَةً، أَوْ لِبَيْعِ الخَمْرِ.
قوله: «الثالث الإباحة في العين» أي الشرط الثالث الإباحة في العين أي: في نفعها، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الباب باب الإجارة، والمعقود عليه في الإجارة هو نفع العين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن المقصود الإباحة في النفع لا في العين، ولهذا يجوز استئجار الحمار للعمل عليه مع أن عينه حرام، فيشترط أن يكون النفع المعقود عليه مباحاً، فإن كان محرماً فإن الإجارة لا تصح، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه»[(8)] والإجارة نوع من البيع، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»[(9)] وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»[(10)].
والنفع الذي يكون في الأعيان إما محرم وإما مكروه وإما مباح، وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد أن يكون مباحاً.
قوله: «فلا تصح على نفع محرَّم» ظاهره أن المكروه لا بأس بالاستئجار عليه، فلدينا ثلاثة أشياء: إباحة، وتحريم، وكراهة، فإذا نظرنا إلى كلام المؤلف: «الإباحة في العين» قلنا: إنها لا تصح الإجارة على مكروه، وإذا نظرنا إلى قوله: «فلا تصح على نفع محرم» قلنا: تصح على المكروه، لكن لا شك أنها خلاف الأولى؛ لأن الإعانة على المكروه مكروهة لقوله تعالى: {{وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}} [المائدة: 2] ، المهم عندنا ثلاثة أشياء: النفع المباح لا بأس بعقد الإجارة عليه، المحرم: يحرم عقد الإجارة عليه، والمكروه: يجوز مع الكراهة.
مثال النفع المباح: ما سبق من استئجار البيت للسكنى وما أشبه ذلك.
ومثال المكروه: أن يستأجر شخصاً ليحلق له حلق (قزع) فالقزع مكروه، فإذا استأجره لهذا العمل كان استئجاراً على عمل مكروه. والمحرَّم قال:
«كالزنا» لو استأجر امرأة ليزني بها فالإجارة باطلة وغير صحيحة وحرام؛ لقوله تعالى: {{وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}} [المائدة: 2] وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مهر البغي خبيث»[(11)] فلا تبيح الإجارة الزنا، وليست شبهة ـ أيضاً ـ في إسقاط الحد كما زعمه بعض العلماء، فبعض العلماء قال: إذا أراد أن يزني بامرأة وخاف أن يقام عليه الحد فليستأجرها، لكن لا شك أن هذا القول من أبطل الأقوال، ولا تحل المرأة بذلك، وهنا قاعدة يجب أن تعلم وهي «كل عقد محرم فإنه لا يترتب عليه آثاره» فمثلاً البيع الفاسد لا يملك المشتري السلعةَ ولا البائعُ الثمنَ، وكذلك لو استأجر امرأة يزني بها فإنه لا يستبيح بذلك فرجها؛ لأن الإجارة فاسدة، ولأن الزنا محرم بالنص والإجماع.
قوله: «والزّمر» يعني استعمال المزمار يعني آلة اللهو، ويقاس على ذلك كل المعازف، فلو استأجر شخصاً على عزف أو على زمر فالإجارة محرمة وغير صحيحة، والفاعل لا يستحق الأجرة فنقول له: ليس لك شيء ونقول للذي استأجره: ليس عليك أجرة؛ لأن الإجارة غير صحيحة، فإذا طالب الزامر بأجرة المثل وقال: ألغوا الإجارة ولكن أعطوني أجرة المثل لأنني عملت، فإننا نقول له: ليس لك أجرة، ويبقى النظر في المستأجِر، فإذا قلنا: ليس عليك أجرة؛ لأن هذا عمل محرم، فصار هذا الرجل قد كسب العمل وكسب الأجرة، ولا ينبغي أن نجمع له بين عوضين، وعلى هذا فنقول: تؤخذ الأجرة من المستأجر ولا تعطى الزامر ولكن تُصْرَفُ في بيت المال، أما أن نقول للمستأجر: ليس عليك شيء، وللزامر ليس لك شيء، فهذا فيه نوع من الظلم، فيقال: أنت أيها الزامر لا شيء لك، وعليك أن تتوب إلى الله وتستغفر، وأنت أيها المستأجر نأخذ منك الأجرة؛ لأنك عقدت على أنك ملتزم بها فنلزمك بها، لكن لا نعطيها الزامر؛ لأنها عوض عن محرم، وإنما نجعلها في بيت المال.
قوله: «والغناء» بالمد، وليس بالقصر؛ لأن «الغنى» بالقصر ضد الفقر، و«الغناء» بالمد هو تلحين القصائد، والشعر، وما أشبه ذلك.
ثم الغناء أقسام: منه ما هو مباح، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو محرم، فالمراد هنا الغناء المحرم، وهو يدور على شيئين:
إما أن يكون موضوع الأغنية موضوعاً فاسداً، وإما أن تكون مصحوبة بآلة لهو محرمة، هذا هو الغناء المحرم، إما أن يكون الموضوع موضوعاً فاسداً كوصف النساء والمردان والخمر وما أشبه ذلك، هذا محرم لذات القصيدة؛ لأن الموضوع موضوع فاسد محرم.
أو يكون الموضوع غير محرم في حد ذاته، فهذا إن صحبه آلة لهو صار حراماً لما صحبه، وإن لم يصحبه آلة لهو فليس بحرام، وإذا كانت الأغنية في مدح آلهة المشركين فهذا حرام ولا يحل؛ لأن هذا أشد من وصف الزنا واللواط وما أشبه ذلك.
أما الغناء المباح فمثل حُداء الإبل، أو الغناء على الأعمال المباحة يستعان به على التعب، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يبني المسجد مع الصحابة ـ رضي الله عنه ـ ينشدون على العمل ويقرهم على ذلك[(12)].
فإذاً نقول: العمل الذي يستعان به على مصلحة شرعية أو غرض صحيح لا بأس به، أما العمال الذين لا يبنون المسجد ولا يحفرون خنادق الحروب، لكنهم يبنون أبنية مباحة، فهل يحل لهم الغناء من أجل التقوي على العمل؟ نعم يجوز ذلك.
فالمهم أن مراد المؤلف بقوله: «الغناء» يعني الغناء المحرم، إما لذاته وإما لما يصحبه من فعل محرَّم، وقولنا: «مِنْ فِعْل محرم»؛ لأنه أعم لأجل أن يشمل العزف ويشمل الطرب ويشمل الرقص وما أشبه هذا.
قوله: «وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر» يعني لو استأجر من شخص داره ليقيم فيها شعائر النصارى فجعلها كنيسة فالإجارة حرام؛ لقوله تعالى: {{وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}} [المائدة: 2] ، ومثل ذلك لو استأجرها لبيع الخمر أو الدخان أو القنوات الفضائية، أو لبيع التلفزيونات، فالإجارة حرام إذا كان الغالب على مشتري التلفزيونات أن يستعملها في المحرم؛ لأن التلفزيون فيه شيء محرم وفيه شيء غير محرم؛ لأنه آلة يُصَرّفها الإنسان كما يريد.
لكن لو استأجر البيت على أن يسكنه وكان نصرانياً، فجعل في البيت معبداً فإن الإجارة صحيحة؛ لأنه حين العقد إنما عقد على عمل مباح وهو السكنى، فالمعصية هنا معصية في البيت لكنه لم يستأجر البيت من أجلها.
ولو أنه أجر شخصاً بيتاً ثم وضع فيه القنوات الفضائية، وصار يأتي بكل قناة فاسدة، فحكمه أنه إذا كان قد استأجر البيت لهذا الغرض فالإجارة محرمة وفاسدة، وإن استأجره للسكنى ثم وضع هذا فيه فلا بأس، ولكن إذا تم العقد أي: إذا تمَّت مدة الإجارة يقول لهذا المستأجر: إما أن تخرج هذه الآلة ـ القنوات الفضائية ـ وإما ألاَّ أجدد لك العقد، وأما ما تم عليه العقد من قبل فإنه يجب إتمامه لقول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] .
وَتَصِحُّ إِجَارَةُ حَائِطٍ لِوَضْعِ أَطْرَافِ خُشُبِهِ عَلَيْهِ. وَلاَ تُؤَجِّرُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا.
قوله: «وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه عليه» الحائط: يعني الجدار، فلو أراد الإنسان أن يستأجر حائط جاره ليضع أطراف خشبه عليه فإنه لا بأس بذلك، ولكن قد يشكل على هذا أنه يجب على الجار أن يمكن جاره من وضع أطراف خشبه على جداره، كما جاء في الحديث الصحيح: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه، أو قال: خشبة على جداره» . قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ وكان أميراً على المدينة ـ: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرميَنَّ بها بين أكتافكم»[(13)] وهذا الحديث يدل على أنه يجب تمكين الجار من وضع الخشب، فيقال: نعم، لكن أحياناً لا يجب، وذلك فيما إذا أمكن التسقيف بدون وضع الخشب على الجدار فإنه لا يجب، يعني لو كانت الحجرة ضيقة ويمكن أن تضع الخشب عرضاً، وجدار الجار يكون طولاً، فهنا يمكن أن تسقف بدون أن تحتاج إلى جدار الجار، وكذلك ـ أيضاً ـ ربما يكون الجار لا يحب النزاع والمخاصمة، وَرَفَعَ الأمرَ إلى القاضي حتى يجبر الجار على أن يضع الخشب على جداره، فهنا نقول: في الحال التي يجب على الجار أن يمكِّن جاره من وضع الخشب على الجدار، إذا كان المحتاج لوضع الخشب لا يريد المقاضاة والمحاكمة، وأراد أن يدفع له عوضاً من أجل تمكينه من وضع الخشب فإن ذلك جائز للمستأجر، وليس جائزاً لصاحب الجدار؛ لأن الواجب على صاحب الجدار إذا لم يكن على الجدار ضرر وكان جاره محتاجاً أن يمكِّنه منه.
فإذا قال قائل: هل يشترط في هذه الحال تقدير المدة؟ أو يتسامح عنه للحاجة؟ الجواب الثاني؛ لأننا لا ندري متى ينهدم الجدار، وعلى هذا فنقول: يُضرب عليه أجرة كل سنة بكذا، ولا يحتاج إلى تقدير مدة السنين، للحاجة إلى ذلك، ولا يمكن أن نحيط علماً متى يقع هذا الجدار، وعلى هذا فيكون اشتراط تعيين المدة هنا غير واجب؛ وذلك لدعاء الحاجة إلى عدم اشتراطه.
قوله: «ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها» المرأة إذا تزوجت إنساناً ملَكَها، وقد وصف النبي صلّى الله عليه وسلّم النساء بأنهن عوانٍ عند الأزواج[(14)]، والعواني جمع عانية والعانية هي الأسيرة، وقد سمى الله ـ تعالى ـ في القرآن الزوج سيداً فقال: {{وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ}} [يوسف: 25] أي: زوجها، فهي إذاً مملوكة ونفعها مملوك للزوج، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه»[(15)] فالوقت مملوك للزوج فلا تؤجر نفسها بغير إذن زوجها حتى يأذن، وإذا أذن فالحق له، وإذا طلبت المرأة من زوجها أن يأذن لها أن تخدم فأذن جاز لها ذلك، ولو استأذنت من زوجها أن تشتغل بالتدريس وأذن لها جاز، فإن لم يأذن فإنه لا يحل لها أن تؤجر نفسها إلا بإذن الزوج.
فإن شُرِطَ على الزوج عند العقد أن تؤجر نفسها، فلا بأس، فالمسلمون على شروطهم، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج»[(16)]، وهذا يقع كثيراً في الآونة الأخيرة؛ لأن من النساء من تكون مُعَلّمة أو دارسة، فإذا تزوجت ولم يذكر في الشرط أن الزوج يُمَكّنُها من التدريس أو الدراسة فله منعها من ذلك، وأما إذا اشتُرِطَ عليه فالمسلمون على شروطهم.
وقوله: «ولا تؤجر المرأة نفسها» يخرج بذلك ما لو استؤجرت على عمل مشترك، بمعنى أجرناها ـ مثلاً ـ أن تخيط ثوباً، أو تخصف نعلاً، أو ترقع ثوباً، أو ما أشبه ذلك فهنا لم تؤجر نفسها؛ لأن المستأجر لها لا يملكها، إنما استأجرها على عمل، وهذا فيه تفصيل:
إن كان يشغلها عن حقوق زوجها فإنه لا يحل لها إلا بإذن الزوج، وإن كان لا يشغلها فلا بأس، فإذا قدرنا أن هذه المرأة لها زوج موظف في أول النهار ليس موجوداً عندها، واستؤجرت لخياطة ثوب تخيطه في وقت غيابه عن البيت دون أن تقصر في أعمال البيت فإن هذا جائز؛ لأنه ليس على الزوج ضرر في هذا، وكذلك لو كان الزوج غائباً، واستؤجرت لتخيط ثوباً أو تغسله أو ما أشبه ذلك فلا بأس؛ لأنه في هذه الحال لا يضيع شيء من حق الزوج.
فإن أجَّرت نفسها في حال غياب الزوج، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يجوز لقوله: «لا تؤجر المرأة نفسها» ؛ لأنه قد لا يرضى الزوج أن تخرج من بيته وإن كان غائباً، فلا تؤجر نفسها مطلقاً إلا بإذن الزوج.
فَصْلٌ
وَيُشْتَرَطُ فِي العَيْنِ المُؤَجَّرَةِ: مَعْرِفَتُهَا بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ فِي غَيْرِ الدَّارِ وَنَحْوِهَا
قوله: «ويشترط في العين المؤجرة معرفتها برؤية أو صفة» هذا هو الشرط الأول من الشروط في العين المؤجرة أن تكون معروفة برؤية؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر[(17)]، ولأن عدم معرفتها يفضي إلى النزاع، وما أفضى إلى النزاع فإن الشارع ينهى عنه، مثال ذلك: لو استأجرت من شخص سيارة فلا بد أن تراها، أو يصفها لك بصفة تتميز بها عن غيرها، وتنضبط بها.
قوله: «في غير الدار ونحوها» فالدار ونحوها لا يكفي فيها الصفة فلا بد من الرؤية، فالسيارة ـ مثلاً ـ تكفي فيها الصفة، وكذا البعير، والحيوان لو استأجره فإنه يكفي فيه الصفة، لكن الدار ونحوها كالأرض للزرع وما أشبه ذلك لا تجوز إلا برؤيتها بالعين؛ لأنه لا يمكن إحاطة الوصف بها، فلو أتاك إنسان من أشد الناس دقة في الوصف فإنه لا يمكن أن يحيط بالدار، فلو قال لك ـ مثلاً ـ: البيت فيه عشر حُجَر، وساحة وحمامات، فما تستطيع أن تتصورها، بل إن بعض الناس ربما يكون من أدق الواصفين لكن تدخل البيت فتجدك مغموماً، فبعض البيوت ـ سبحان الله ـ إذا دخلها الإنسان سُرَّ بها، وبعضها إذا دخلها غُمَّ بها، إذاً فلا بد في استئجار البيت من الرؤية.
وكذلك الأرض، لو استأجر أرضاً للزرع فلا بد أن يراها بنفسه؛ لأن الأرض تختلف من حيث كونها سبخة، أو رملية، أو ترابية، أو حجرية، وكذلك ـ أيضاً ـ تختلف ارتفاعاً وانخفاضاً، فلا يمكن أن يحيط بها الوصف، إذاً لابد أن يراها المستأجر بعينه.
فقول المؤلف ـ رحمه الله ـ: «في غير الدار ونحوها» عائد على قوله: «أو صفة» يعني إلا في الدار ونحوها فإنه لا يجوز تأجيرها بالصفة، بل لا بد فيها من الرؤية.
لكن هناك قول ثان وهو أنه تجوز الإجارة وله الخيار إذا رآها، يعني يجوز أن تؤجر الدار بالصفة، بأن يصفها له تماماً ولو على الخارطة، وله الخيار إذا رآها.
فإذا قال قائل: إذا كان كذلك فلماذا لا يصبر حتى يراها؟
نقول: الفائدة من قولنا: إنها تصح وله الخيار إذا رآها، أنه لو جاء شخص آخر فاستأجر من صاحب الدار، وقلنا: إن الإجارة صحيحة، فلا يملك الثاني أن يستأجر؛ لأنها الآن مؤجرة، والمنفعة تكون للمستأجر بمجرد العقد، وعلى القول بأنها لا تصح، له أن يؤجرها، فلو قال قائل: ننتظر حتى يراها، قلنا: ربما يكون الناس عندهم إقبال شديد على البيوت والشقق، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى ـ من الناحية الحكمية ـ كل عقد غير صحيح فهو حرام؛ لأنه ليس في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وهذه قاعدة جميع العقود والشروط الفاسدة عقدها حرام واشتراطها حرام؛ لأنه من المضادة لله ـ عزّ وجل ـ، فإذا قلنا بأنه يصح العقد وله الخيار إذا رآها صار العقد حلالاً، وإذا قلنا: لا يصح العقد، صار العقد حراماً، وكل من المستأجر والمؤجر آثمين؛ لأنهما فعلا حراماً.
فالمذهب أنه لا يصح مطلقاً، وعلى هذا فيحرم تعاطي هذا العقد ويجب عليه إذا رآها واقتنع بها أن يعيد العقد.
مسألة : ما يستأجر لصوته فإنه يُعلَم بالسماع، مثل ما لو استأجرت ساعة منبهة، من أجل أن تنبهك لعمل ما، فلا بد أن تسمع، ولا تكفي الرؤية، اللهم إلا إذا كانت ـ مثلاً ـ من صناعة معينة معروفة، وأن صوتها في التنبيه معروف فهنا ربما يكتفى بذلك، على أنه ربما يكون هذا النوع غُيّرت نغمة صوته، أو حصل فيها خلل، فلا بد من السماع.
ولو استأجر ديكاً من أجل أذانه فلا بد أن يسمع صوته؛ لأن بعض الديكة صوته جميل، وبعضه ليس بجميل (أَبَحٌّ) فهي تختلف اختلافاً عظيماً، لكن لو استأجر ديكاً يوقظه للصلاة فإنه لا يصلح؛ لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة؛ لأن الديك ربما ينام في بعض الأيام.
إذاً الديك يُستأجر لصوته، أما لكونه يوقظك للصلاة فهذا شيء لا يمكن؛ لأن استيفاء المنفعة منه غير ممكن.
وخلاصة القول: أنه يشترط معرفة العين المؤجرة، فما استؤجر للرؤية فبالرؤية، وما استؤجر للصوت فبالصوت، وما لا يمكن إدراكه إلا بالرؤية فلا بد من الرؤية، وما يمكن إدراكه بالصفة فيكفي فيه الصفة.
وَأَنْ يَعْقِدَ عَلَى نَفْعِهَا دُونَ أَجْزَائِهَا، فَلاَ تَصِحُّ إجَارَةُ الطَّعَامِ لِلأَكْلِ، وَلاَ الشَّمْعِ لِيُشْعِلَهُ، وَلاَ حَيَوَانٍ لِيَأْخُذَ لَبَنَهُ إِلاَّ فِي الظِّئْرِ، وَنَقْعُ البِئْرِ، وَمَاءُ الأرْضِ يَدْخُلاَنِ تَبَعاً..
قوله: «وأن يعقد على نفعها دون أجزائها» هذا هو الشرط الثاني من الشروط في العين المؤجرة.
وقوله: «أن يعقد» أي المستأجر والمؤجر ولهذا لو قال: «أن يعقدا» أو قال: «أن يكون العقد» لكان أوضح في الشمول.
وقوله: «على نفعها دون أجزائها» يعني أن يكون المعقود عليه النفع دون الجزء، فالبعير نفعها بركوبها وحملها، والدار نفعها بالسكنى، والدكان بعرض البضاعة فيه، وهكذا، فلا بد أن يكون العقد على النفع دون العين، فإن عقد على العين، بأن قال: بعت عليك داري لمدة سنة بكذا وكذا، فإنه على المذهب لا يصح العقد؛ لأنه أضيف العقد إلى العين، ومورد العقد في الإجارة النفع، فإن قال: بعتك سكناها لمدة سنة صح؛ لأن العقد ورد على المنفعة.
قوله: «فلا تصح إجارة الطعام للأكل» مثال ذلك إنسان وجد إناء من التمر، فقال: أجرني هذا التمر من أجل أن آكله، فهنا لا تصح الإجارة؛ لأنه لا يمكن أن ينتفع به إلا بأكله وذهاب أجزائه، إذاً كيف العمل إذا كان إنسان يريد أن يأكل ملء بطنه والباقي يكون لصاحبه؟ فإذا قلنا: اشترِ منه بمقدار ملء البطن، فهذا لا يجوز؛ لأنه مجهول، ولا ندري قد يكون هذا الرجل قنوعاً وقد يكون أكولاً، إذاً الطريق أن يبيعه جميعاً، فلو قال ـ مثلاً ـ: أبيعه عليك بقدر ما تأكل منه، بمعنى أننا نزن هذا التمر أو نكيله، فإذا بلغ خمسة من الكيلوات بعت عليه مقدار ما يأكل والباقي ينزل من الثمن بقسطه، فهو أكل كيلوين وقد بعت عليه خمسة كيلوات بخمسين ريالاً فهنا يبقى ثلاثة من الكيلوات فينزل من الثمن ثلاثون ريالاً، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ المذهب لا يجوز، فلا بد أن نعرف مقدار ما يؤكل عند العقد وهذا متعذر، والقول الثاني: الجواز، وأنه لا بأس ما دام أنه عُلِم أن قيمة الخمسة كيلوات خمسون ريالاً أي: أن كل كيلو بعشرة ريالات، فما أكلت منه فبقسطه من الثمن وما أبقيت فينزل من الثمن بقسطه، فهذا ليس فيه جهالة؛ لأنه حتى لو قدر أنه حين العقد فيه جهالة فسيؤول إلى العلم.
وننتقل من هذا إلى مسألة بدأ الناس يتعاملون بها الآن وهي البيع على التصريف، مثال ذلك قال: هذه خمسة كراتين حليب أو خمس سلات خبز يبيعها على البقال على التصريف، يعني يأتي إليه في آخر النهار ويقول: كم صرفت؟ يقول كذا وكذا، فيقول له: هو عليك بكذا والباقي رُدَّهُ ويسقط من الثمن، فهذا على المذهب لا يجوز، لكن على القول الذي قلنا: إنه لا بأس به في مسألة التمر المأكول، نقول: يجوز بشرط أن يُقَدِّر لكل شيء ثمناً، أما أن يقول: على ما تصرف ولم يقل له: كل كرتون بكذا، أو كل سلة من سلات الخبز بكذا، فهذا يؤدي إلى الجهالة.
فمسألة التصريف لها طريقان: إما أن يوكله يعني الذي أتى بالخبز أو اللبن يوكل البقال، فيقول: خذ هذا بعه ولك على كل كرتون كذا وكذا فهذا جائز قولاً واحداً؛ لأنه توكيل بعوض فليس فيه إشكال.
أو يقول على القول الراجح: هذه ـ مثلاً ـ عشرة صناديق هي عليك بمائة، كل صندوق بعشرة وما لم تصرفه يرد بقسطه من الثمن، فهذا نرى أنه جائز؛ لأنه ليس على أحد الطرفين ضرر وليس فيه ظلم، وصاحب السلعة مستعد لقبول ما تبقى.
إذاً المهم أن نحدد مقدار ثمن كل واحد وحينئذٍ يكون صحيحاً، إذاً الطعام للأكل لا تصح إجارته لكن يصح بيعه.
قوله: «ولا الشمع ليشعله» أيضاً لا تصح إجارة الشمع ليشعله، والشمع عبارة عن شيء جامد يذوب مع النار، لكنه يغذي النار مثل الفتيلة تماماً، فلو قال المستأجر: أنا أريد أن أستأجر هذه الشمعة؛ من أجل أن عندي الليلة ضيوفاً، وأستأجرها منك بكذا لمدة ساعة أو ساعتين، المذهب لا يجوز؛ لأننا لا ندري ماذا يستهلك من الشمعة، واختار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أن ذلك جائز، ولكن كلام الشيخ ـ رحمه الله ـ لا بد فيه من تحرير، والتحرير أن نقول: إما أن يقدر بمساحة الشمعة فيقول: مثلاً مساحتها شبر بعشرة ريالات وما نقص من الشبر فبقدره، هذه تكون معلومة.
أو يقدرها بالساعة ونحن نعرف استهلاك النار من الشمعة بالساعة والدقيقة، فهذا ـ أيضاً ـ يكون معلوماً.
قوله: «ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر» الحيوان لا يجوز أن يستأجره لأخذ لبنه، مثال ذلك: رجل عنده أطفال صغار من الضأن، أمها ماتت، فاستأجر شاة من إنسان لمدة يوم أو يومين حتى يشتري شاة ترضع أطفال الضأن، فهذا لا يجوز؛ لأن المعقود عليه الآن هو اللبن، واللبن أجزاء، والإجارة لا تكون إلا على منافع، لا تكون على أجزاء، ومثل ذلك ما كانوا يستعملونه قديماً، يكون عند الإنسان ضيوف فيستأجر من جاره بقرته لمدة يوم أو يومين من أجل أخذ اللبن، فعلى المذهب لا يجوز؛ لأن اللبن مجهول، ثم حلبها ـ أيضاً ـ مجهول، فبعض البهائم تمنع الحليب لا ترضى أن تحلب، لكن «الظئر» مستثنى، والظئر هي المرضعة لولد غيرها، فيجوز للإنسان أن يستأجر امرأة ترضع ولده بأجرة معلومة، مع أن المعقود عليه هو اللبن، والفقهاء ـ رحمهم الله ـ أورد عليهم إيراد واضح، قيل لهم: إن الظئر إجارتها جائزة بنص القرآن، قال الله تبارك وتعالى: {{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} [البقرة: 233] وقال: {{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}} وقال: {{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}} [الطلاق: 6] فأي فرق بين لبن الآدمية ولبن غير الآدمية؟!
أجاب بعضهم بجواب ليس بسديد، فقال: لأن الآدمية إنما تستأجر لأجل أخذ الطفل ووضعه في حجرها وإلقامه الثدي وما أشبه ذلك، والحيوان لا يفعل هذا، لكنه يقف لما يرضعه ويتأنى ويفتح رجليه فلا شك أنه يخدمه، فهل من المعقول أن الإنسان يستأجر مرضعة ترضع ولده من أجل أن تأخذه وتضعه في حجرها وتلقمه الثدي، إذا لم يكن في الثدي شيء؟! ما يمكن أبداً، إذاً المقصود هو اللبن لا شك، لكن هذه وسائل إلى الحصول على اللبن، فالمقصود أولاً هو اللبن، وما دمنا قياسيين يجب أن نقول: إن استئجار الحيوان لأخذ لبنه جائز بالقياس على الظئر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو الصواب، وسواء استأجره وأتى به إلى محله أو استأجره وهو عند صاحبه؛ لأن استئجار الحيوان لأخذ اللبن على وجهين:
إما أن يستأجره ويأتي به إلى بيته وينفق عليه.
وإما أن يستأجره وهو عند صاحبه ويكون الإنفاق على صاحبه، كل ذلك جائز على القول الصحيح، لكن على المذهب ماذا يصنع إذا كان عنده ضيوف ويريد أن يأخذ لهم لبناً؟ يشتري ولا يجوز بيع اللبن في الضرع بل نقول له احلبها وإذا حلبتها اشتر اللبن إذا كنت محتاجاً، فالمهم حتى لو سددنا الباب في مسألة استئجار الحيوان لأخذ لبنه، فهناك أبواب مفتوحة والحمد لله.
قوله: «ونقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعاً» فلو استأجر شخص من آخر بئراً يسقي منه إبله، أو زرعه، فهذا جائز، مع أن المعقود عليه الآن هو الماء وهو عين وأجزاء.
فكيف يجيبون عن قولهم: (إن الإجارة لا بد أن تقع على المنفعة)؟ يقولون: هذا يدخل تبعاً؛ لأن المعقود عليه هو البئر، أما الماء فليس معقوداً عليه.
قد يثبت الشيء لغيره تبع
وإن يكن لو استقل لامتنع[(18)]
وهذا غير صحيح! لأن المقصود هو الماء، فقولهم: (إن ماء البئر يدخل تبعاً) الحقيقة أنه بالعكس، فالأصل هو الماء، والبئر لو لم يكن فيها ماء ما استأجرها أحد.
وقوله: «وماء الأرض» أيضاً يدخل تبعاً، إنسان ـ مثلاً ـ استأجر أرضاً للزرع، فلا بأس، والأرض فيها ماء، إما من نهر، أو من وادٍ يأتي إليها، أو ما أشبه ذلك، فإنهم يقولون: الماء يدخل تبعاً، وهذا عكس ما يريده كل إنسان؛ لأن كل إنسان يستأجر أرضاً للزرع فإنما يستأجرها من أجل مائها؛ لأنها لو لم يكن فيها ماء ما استؤجرت وكذلك البئر.
والصواب الذي يظهر هو ما اختاره شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ حيث قال: إن الأجزاء التي تتولد وتتتابع شيئاً فشيئاً بمنزلة المنافع تماماً؛ ولهذا اختار ـ رحمه الله ـ أنه يجوز استئجار الحيوان لأخذ لبنه، واستئجار البئر لأخذ مائها، واستئجار الأرض لأخذ مائها، وقوله ـ رحمه الله ـ: إن الأعيان التي تأتي شيئاً فشيئاً بمنزلة المنافع، هو الصواب.
فإذا قلنا: استأجر حيواناً لأخذ لبنه، وقلنا بهذا القول الراجح، فأبى الحيوان أن يحلب؛ لأنه لا يحلب حتى يؤتى له بولده ويحلب عليه، وإما أنه لا يحلب حتى يؤتى له بطعام، المهم أن الحيوانات تختلف، فإذا أبى هذا الحيوان أن يحلب إطلاقاً، فماذا يكون الحكم على القول بأن الإجارة صحيحة؟ نقول: للمستأجر الفسخ، وذلك لتعذر استيفاء المنفعة بغير سبب منه، إذ إن المعقود عليه تعذر بغير سبب منه، وليس هو المفرط، وبذلك يتبين أن القول الراجح هو ما اختاره شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة.
وَالقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلاَ تَصِحُّ إجَارَةُ الآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَاشْتِمَالُ العَيْنِ عَلَى المَنْفَعَةِ، فَلاَ تَصِحُّ إجَارَةُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ لِحَمْلٍ، ....
قوله: «والقدرة على التسليم» هذا هو الشرط الثالث من شروط العين المؤجرة، أن يكون قادراً على تسليمها للمستأجر؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تبع ما ليس عندك»[(19)] والإجارة نوع من البيع، وغير المقدور عليه ليس عند الإنسان ولا في حوزته ولا في استطاعته أن يقدر عليه، ولنهيه صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر[(20)]، وغير المقدور عليه إجارته غرر؛ لأن مؤجره سوف يخفض من الأجرة، وإلا لما استؤجر منه، فإن قدر عليه المستأجر صار غانماً وإن عجز صار غارماً وهذا نوع من الغرر، ولأن الإجارة نوع من البيع فإذا كنا نشترط في البيع القدرة على تسليم المبيع، فكذلك نشترط في الإجارة القدرة على تسليم المستأجَر.
قوله: «فلا تصح إجارة الآبق» يعني: العبد الآبق، وهو الذي هرب من سيده، ولا يدري عنه سيده شيئاً، فهذا لا تصح إجارته؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، وحينئذٍ إما أن يستطيع المستأجر استلامه وإما أن لا يستطيع، فإن استطاع أن يتسلمه صار غانماً وإن لم يستطع صار غارماً؛ لأن العبد الآبق لا يمكن أن تكون أجرته كأجرة العبد الحاضر؛ فسوف تنزل أجرته ويعتبر المستأجر نفسه مخاطراً، فإذا قدرنا أن هذا العبد يؤجر في اليوم بخمسين ريالاً لو كان حاضراً، فإذا كان آبقاً سيؤجر في اليوم بخمسة ريالات أو عشرة ريالات، وحينئذٍ إن وجده فهو غانم ـ أي: المستأجر ـ وإن لم يجده فهو غارم، والقاعدة الشرعية: (أن كل عقد يكون متردداً بين الغنم والغرم فهو باطل)؛ لأنه ميسر، ويدخل ـ أيضاً ـ في ضمن نهيه صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر[(21)].
قوله: «والشارد» يعني الجمل الشارد، مثل إنسان له جمل شارد هارب، فجاء شخص يستأجره منه، فقال: أنا أريد أن أستأجر منك الجمل شهراً بكذا وكذا ابتداؤه من اليوم، إما أن أجده اليوم وإما أن لا أجده إلا بعد عشرة أيام وإما أن لا أجده أبداً، نقول: هذه إجارة فاسدة باطلة؛ وذلك لعدم القدرة على التسليم، والعجز عن التسليم يقتضي أن يكون المستأجر غانماً أو غارماً.
قوله: «واشتمال العين على المنفعة» هذا هو الشرط الرابع في العين المؤجرة، وهذا شرط مهم؛ لأن المعقود عليه بالإجارة هو المنفعة، فلا بد أن تكون العين مشتملة على هذه المنفعة، فإن لم تكن مشتملة على هذه المنفعة صار من باب إضاعة المال الذي لا فائدة فيه، ولهذا قال:
«فلا تصح إجارة بهيمة زَمِنة لحمل» الزمنة هي التي لا تستطيع السير، فلو أتى إنسان يستأجرها ليحمل عليها، قلنا: هذه الإجارة غير صحيحة؛ لأنها غير واردة على منفعة؛ لأنها لا تستطيع أن تمشي فكيف يحمل عليها؟! فتكون الإجارة غير صحيحة وباطلة، فإذا قال المستأجر: أنا أريد أن أنفع صاحبها وأجبر قلبه؛ لأن بهيمته شُلَّت وانكسر قلبه وكان يأخذ عليها كل يوم عشرة ريالات في تأجيرها، وأنا سوف أستأجرها منه عشرة أيام كل يوم بعشرة ريالات فما المانع؟ نقول: أنت إذا كنت تريد أن تجبر قلبه فاجبر قلبه بالهبة، أعطه مالاً ودع ناقته عنده، أما أن تعقد عقداً فاسداً من باب أكل المال بالباطل فهذا لا يجوز، وباب التبرع والإحسان مفتوح ولسنا نقول لك: لا تنفعه، إذاً لا تصح إجارة بهيمة زمنة لحمل .
فلو أجَّر سيارة محركها معطل للسفر عليها، فإن الإجارة لا تصح، وإذا قال المستأجر لصاحبها: متى أصلحتها فقد استأجرتها منك الشهر بكذا وكذا، فهنا لا تصح الإجارة أيضاً؛ لما يلي:
أولاً: أن العقود والمعاوضات لا يصح تعليقها كما هو المذهب.
ثانياً: أن هذا مجهول، أي ابتداء المدة من التصليح، والتصليح غير معلوم وعلى هذا فلا تصح، فإذا كان فيها خراب قليل ونعلم أنها تصلح خلال يوم أو يومين فإنه يجوز تأجيرها.
وَلاَ أَرْضٍ لاَ تُنْبِتُ لِلزَّرْعِ، وَأَنْ تَكُونَ المَنْفَعَةُ لِلْمُؤْجِّرِ أَوْ مَأْذُوناً لَهُ فِيهَا. وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، لاَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ضَرَراً. .........
قوله: «ولا أرض لا تنبت للزرع» يعني لا يصح استئجار أرض لا تنبت للزرع، مثلاً: إنسان عنده أرض واسعة لكنها سبخة لا تنبت أبداً، فاستأجرها للزرع، فإننا نقول: لا يجوز أن يستأجرها لعدم وجود المنفعة المعقود عليها، لكن لو استأجرها على أن تكون مستودعاً له فإنه يجوز؛ لأنه يمكن الانتفاع بها.
قوله: «وأن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذوناً له فيها» هذا هو الشرط الخامس في العين المؤجرة، وهذا يعني أنه يشترط أن يكون مالكاً أو قائماً مقام المالك، وهذا شرط في جميع العقود، فكل العقود لا بد أن يكون العاقد مالكاً للمعقود عليه، إما بملك أو بنيابة عن المالك، ودليل ذلك قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}} [النساء: 29] فلا بد أن تكون المنفعة المعقود عليها ملكاً للمؤجر أو مأذوناً له فيها.
ولم يقل المؤلف: أن تكون العين للمؤجر؛ لأن الإنسان قد يملك المنفعة ولا يملك العين، والشرط أن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذوناً له فيها، مثل شخص وهبت له منفعة هذه العين، وهي ليست ملكه بل ملكاً لصاحبها، فأجرها فإن الإجارة صحيحة؛ لأنه يملك المنفعة، وإن لم يملك العين، وكرجل أوصي له بمنفعة عبد ليخدمه.
وقوله: «أو مأذوناً له فيها» وهو إما وكيل وهو من أذن له في التصرف في حال الحياة، وإما ولي وهو من يتصرف بإذن من الشارع كولي اليتيم، وكولاية الحاكم على الأموال التي لا يعلم لها مالك، وإما وصي وهو من أذن له في التصرف بعد موت الآذن، وإما ناظر وقف هو من أذن له في التصرف في الوقف، فلا بد من أن يكون مالكاً أو قائماً مقام المالك، وهم أربعة: الولي، والوصي، والوكيل، والناظر.
فإن أجر ملك غيره فإنه لا تصح الأجرة، فإن وافق صاحب العين على ذلك، فعلى المذهب لا يصح؛ بناءً على أنه لا يصح تصرف الفضولي.
والقول الثاني: أنه يصح، وهذا القول هو الراجح، فلو أن شخصاً عنده علم بأن صاحبه يريد أن يؤجر بيته، وجاء أناس يريدون أن يستأجروه، ورب البيت غير موجود، ولكن صاحب ربِّ البيت موجود فأجَّر لهؤلاء، ثم وافق المالك على ذلك، فالصحيح أن الأجرة صحيحة؛ لأن أصل منع نفوذ العقد في مملوك الغير لحق الغير، فإذا وافق فقد أسقط حقه.
قوله: «وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه» يعني يجوز للمستأجر أن يؤجر غيره، كرجل استأجر بيتاً لمدة سنة، ثم جاءه شخص وقال: أجرني مدة إجارتك، فأجره، فلا بأس، وهذا المؤجر الذي أجر غيره مالك للمنفعة، وعقد الإجارة يكون على المنفعة وليس على العين، فإذا استأجرت شيئاً وأجرته غيرك فالإجارة صحيحة، لكن اشترط المؤلف فقال:
«لا بأكثر منه ضرراً» يعني يقوم مقام المستأجر الذي أجر، لكن ليس أكثر منه ضرراً؛ فإن كان أكثر منه ضرراً فإنه لا يملك ذلك، مثاله: رجل استأجر دكاناً لبيع الحلي، ثم جاءه إنسان آخر بائع حلي فاستأجره مدة استئجاره، فهذا جائز؛ لأن الثاني يقوم مقام الأول.
رجل آخر استأجر دكاناً لبيع الحلي، فجاءه رجل صاحب مخبزٍ وقال: أريد أن أستأجره منك، فهذا لا يجوز أن يستأجره منه؛ لأن صاحب الفرن يضر الدكان أكثر من صاحب الذهب، إذاً يجوز أن يؤجره لمن يقوم مقامه، أي: أن يكون مثله في استيفاء المنفعة، أو أقل منه ضرراً.
مثال آخر: رجل آجر هذا الدكان لخباز، ثم جاءه بائع حلي، وقال: أجرني إياه مدة إجارتك، ففيه تفصيل:
إذا كان للمؤجر غرض صحيح في تأجيره صاحب المخبز، وهو أن يخدم هذه المنطقة؛ لأنها منطقة ليس فيها خباز، ومنع المالك المستأجر أن يؤجره غيره ولو كان أقل منه ضرراً، فهنا نقول: إن شرط عليه ذلك بأن قال: لا بد أن تقيم هنا مخبزاً، فليس له أن يؤجره من لا يخبز فيه، وإن لم يكن اشترط، فالظاهر لي في هذه الحال أنه ما دام له غرض صحيح فله أن يمنعه؛ لأن بعض الناس قد يكون له غرض، أما إذا لم يكن غرض صحيح فإنه إذا أجره لمن هو دونه فلا بأس.
وظاهر كلام المؤلف: أنه يجوز أن يؤجره بمثل الأجرة أو أكثر، فهل نأخذ بهذا الظاهر؟ الجواب: نعم، فيجوز للمستأجر أن يؤجر بقية مدته لغيره بأكثر من أجرته.
مثال ذلك: استأجر إنسان دكاناً في بلد فيه مواسم كمكة والمدينة، فيستغله في غير وقت المواسم، ثم جاءه شخص يريد أن يستأجره منه في وقت الموسم بأضعاف الأجرة التي استأجره بها، فهذا يجوز، وهذا ظاهر كلام المؤلف؛ لأن المؤلف لم يقل: بشرط أن لا يأخذ أكثر من أجرته؛ لأنه مالك للمنفعة ملكاً تاماً والمالك له أن يتصرف، يبيع بقليل أو بكثير فليس فيه مانع.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز أن يؤجر بأكثر، واستدلوا لذلك بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ربح ما لم يضمن[(22)]، والمنافع غير مضمونة، ولهذا لو انهدم الدكان مثلاً انفسخت الإجارة، ولم يطالب صاحب الدكان بأن يؤمن له دكاناً آخر، والذين قالوا بالجواز أجابوا عن الحديث بأنه خاص في البيع، أما الإجارة فلا يشملها الحديث، والعمل الآن على القول الأول، أي: أن المستأجر له أن يؤجر مدة إجارته ولو بأكثر من الأجرة، وهو فيما يبدو أقرب إلى الصواب من المنع؛ لأن الحديث ليس صريحاً في مسألة الإجارة.
مسألة : لو أن الإنسان استؤجر على عمل في الذمة، بأن قيل له: نريد أن تنظف هذا البيت كل يوم ولك في الشهر مائة ريال، فاستأجر من ينظف البيت كل يوم على حسب ما حصل عليه العقد لكن بخمسين ريالاً، يجوز؛ لأن هذا من جنس ما إذا قلنا: إنه يجوز أن يؤجر بقية مدته بأكثر من الأجرة، وعلى هذا عمل الناس اليوم، تجد الدولة ـ مثلاً ـ تتفق مع شركة على تنظيف المساجد، كل مسجد الشهر بكذا وكذا، ثم إن هذه الشركة تأتي بعمال يقومون بما تم عليه العقد بأقل من ربع ما اتفقت الشركة مع الحكومة عليه، إلا إذا كان الغرض يختلف بالنسبة للمستَأجَر، فإذا كان يختلف فهذا لا يجوز، مثل: إنسان استأجرته لينسخ لك زاد المستقنع، وتعرف أن الرجل خطه جيد وأن خطأه قليل، فاستأجر إنساناً خطه جميل يخطه بأقل مما أجرته به؟ يقول العلماء: إنه لا يجوز؛ لأن العبرة بالنسخ وليس بجمال الخط فحسب، ولكن بجمال الخط ووضع الفواصل والعلامات والإملاء، كم من إنسان خطه من أجمل الخطوط لكن في الإملاء يكتب {{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}} [الفاتحة: 7] بالظاء المُشَالَة في الموضعين فهذا خطأ في الإملاء، وكثير من الطلاب خطوطهم جميلة لكن في الإملاء ليس عندهم قاعدة، وكثير من الناس خطه رديء ولا يعرف قراءته إلا من تمرَّن عليه ولكنه في الإملاء جيد، المهم على كل حال ما يختلف فيه الغرض لا يجوز لأحد أن يقيم مقامه غيره.
وَتَصِحُّ إِجَارَةُ الوَقْفِ، فَإِنْ مَاتَ المُؤَجِّرُ وَانْتَقَلَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ لَمْ تَنْفَسِخْ، ......
قوله: «وتصح إجارة الوقف» الوقف هو العين التي سُبِّلت منفعتها وحُبِّس أصلها، ويسمى عند الناس السبيل.
مثاله: إنسان أوقف بيته قال: هذا وقف على الفقراء، فإن البيت يبقى ولا يباع وأجرته أو سكناه للفقراء، وشخص آخر قال: هذا البيت وقف على أولادي، وأولاده الآن لا يمكن أن يبيعوه؛ لأنه وقف محبوس لكن يمكن أن ينتفعوا به بالسكنى أو بالتأجير أو ما أشبه ذلك، فالوقف تجوز إجارته، والمؤلف ـ رحمه الله ـ قال: «وتصح إجارة الوقف» لا لمجرد أن يبين لنا أن إجارة الوقف صحيحة؛ لأن هذا أمر لا يحتاج إلى تنبيه لكن لما يتفرع عليه، إذاً الوقف تجوز إجارته ولا يجوز بيعه؛ لأن الإجارة واردة على المنفعة، والمنفعة ملك للموقوف عليه، وليست واردة على العين التي لا يجوز بيعها.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين الوقف على معين كعلى أولاده، أو على غير معين كعلى الفقراء، أو على جهة تملك كما مثلنا، أو على جهة لا تملك كما لو وقف هذا البيت لمصالح المساجد، والمساجد لا تَمْلِك، فعلى كل تقدير تصح إجارة الوقف.
قوله: «فإن مات المؤجر وانتقل إلى من بعده لم تنفسخ» أَجَّر الوقفَ باعتبار أنه مستحِق ومات، فإن الوقف ينتقل إلى من بعده.
مثاله: قال: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم، والأولاد أجَّروا ثم ماتوا، فإن الوقف انتقل إلى أولادهم، الآباء أجَّروا الوقف لمدة عشر سنين، لكن الله ـ تعالى ـ قضى عليهم بالموت في خلال ثمان سنوات وبقي من المدة سنتان، فهل تنفسخ الإجارة؟ المؤلف يقول: لا تنفسخ؛ لأن الآباء أجَّروا في وقت هم يملكون المنفعة، فنفذ العقد، فإذا انتقل إلى من بعدهم انتقل على أنه مؤجر، بقي علينا الأجرة هل تكون جميعها للأولين أو تكون جميعها للأولاد الذين انتقل إليهم الوقف أو كل له بقسطه؟
وَلِلثاني حِصَّتُهُ مِنَ الأُجْرَةِ، وَإِنْ أَجَّرَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا مُدَّةً وَلَوْ طَويلَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ العَيْنِ فِيهَا صَحَّ. ........
الجواب قوله : «وللثاني حصته من الأجرة» أي نصيبه، فعلى المثال الذي ذكرناه، مضى من المدة ثمانية من عشرة وهي أربعة أخماس فيبقى خمس، تكون خمس الأجرة للأولاد، فإذا قدَّرنا أنهم أجَّروها بألف ريال، فللذين أجَّروا وقد ماتوا في السنة الثامنة: ثمانمائة، وللآخرين: مائتان، فهذا هو كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ.
ولكن يجب علينا أن نعرف الفرق في قيمة المنفعة، فقد تكون في بعض السنوات أكثر من بعض، ولكن يقال: إن كل منفعة قد قبضها أصحابها ولا سيما إذا كانوا يقولون: عشر سنوات كل سنة بمائة، إذا حددوا فواضح أن للآخرين مائتين من ألف، وإن لم يحددوا فربما ينظر في الموضوع ويعتبر فرق السعر بين الأول والثاني.
وقوله: «وللثاني حصته من الأجرة» هذا ما قرره المؤلف ـ رحمه الله ـ أنها لا تنفسخ، والعلة أن أولئك أجروا في وقت هم مالكون للمنفعة فكان عقدهم صحيحاً، وانتقل إلى البطن الثاني وهم الأولاد ومنفعته مملوكة للمستأجر، فتبقى الإجارة على ما هي عليه، كما لو أن رجلاً أجر بيته لشخص ثم مات فإن الورثة لا يفسخون الإجارة، ووجه المماثلة بين هذا وهذا، أن هذا الرجل أجر بيته في حال يملك تأجيره فلم تنفسخ الإجارة بموته، وهذا الموقوف عليه أجر الموقوف في زمن يملك منفعته فلم تنفسخ الإجارة بموته.
وقال بعض العلماء وهو المذهب: إنه إذا مات المؤجر فإن الإجارة تنفسخ؛ لأن البطن الثاني يتلقى المنفعة من الواقف رأساً لا من البطن الأول، فهؤلاء انتهى استحقاقهم للوقف بمجرد موتهم ولم يبق لهم فيه شيء، وأما مسألة الميت إذا أجر ملكه ثم مات، فإن الورثة يتلقون الملك من المورث رأساً، والمورث حر في ملكه، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.
إلا أنهم قالوا: إذا كان المؤجِّر مشروطاً له النظر فإن الإجارة لا تنفسخ، سواء كان الشرط من الواقف، أو من الشارع، كأن يقول الواقف: هذا وقف على ذريتي والناظر فلان، وسمَّاه، سواء كان من الذرية أو من غير الذرية، ثم إن هذا الناظر أجَّر الوقف لمدة ثم مات، فإن الإجارة لا تنفسخ قولاً واحداً؛ لأنه أجر الوقف بنظر خاص من الواقف.
فإن كان الناظر على هذا الوقف هو القاضي، كأن يكون هذا الوقف موقوفاً على الفقراء ثم أجره القاضي ومات، فإن الإجارة لا تنفسخ؛ لأن القاضي مشروط له النظر بمقتضى الولاية العامة.
مثال: رجل وقف هذا البيت على ولده ثم أولاده، فهذا الولد أجر البيت عشر سنوات، ومات حين تم للأجرة خمس سنوات، فإن الوقف انتقل إلى الولد، فالمؤلف مشى على أن الإجارة باقية وللولد حصته من الأجرة، يعني من حين وفاة أبيه يأخذ الأجرة، لكن القول الثاني: أنها تنفسخ الإجارة، وللولد أن يطالب المستأجر بالخروج من البيت أو زيادة الأجرة أو يبقيه بالأجرة أو يبقيه بأقل، وكذلك ـ أيضاً ـ المستأجر قد يقول: انفسخت الأجرة وأنا سوف أخرج، وهذا قد يكون من مصلحته، إذا نزلت الأجور.
فصار المؤجر للوقف ثلاثة أقسام:
الأول: مؤجر للوقف بمقتضى الوقفية، أي أن له النظر والتصرف؛ لأنه موقوف عليه.
الثاني: مؤجر بمقتضى شرط الواقف.
الثالث: مؤجر بمقتضى الولاية العامة مثل القاضي.
فالإجارة لا تنفسخ إذا كان المؤجرُ مشروطاً له النظر، أو الحاكمَ.
أما إذا كان التأجير من الموقوف عليه لا لأنه مشروط له النظر ولكن لأنه هو المستحق فهنا خلاف، فالمذهب واختيار شيخ الإسلام أنها تنفسخ، والمؤلف على أنها لا تنفسخ.
وعمل الناس الآن عندنا أنها لا تنفسخ، ولكن يبقى النظر إذا قلنا بأنها لا تنفسخ كما هو عمل القضاة وعمل الناس اليوم، فهل يجوز للبطن المستحقين أن يؤجروا مدة يغلب على الظن أنهم لا يعيشون إليها أو لا يجوز؟
نقول: لا يجوز، ما دمنا قلنا إن الإجارة لا تنفسخ، فهذا يعني أنهم سوف يعتدون على حقوق الآخرين وهذا لا يحل، فمثلاً لو قدرنا أن صاحب الوقف الآن بلغ إلى تسعين سنة، وأجره شخصاً آخر لمدة خمسين سنة فيكون عمره مائة وأربعين، والغالب أنه لا يعيش إلى هذه المدة، نقول: لا يحل لك أن تؤجره، فكم يؤجرها؟ سنة مثلاً، لكن خمسين سنة هذا بعيد، فيقال له: أنت الآن مستحق ولا ننكر استحقاقك، لكن لا تؤجر مدة أكثر مما يغلب على الظن بقاؤك فيها وهذا حق؛ لأنه لو أجر وكان المعمول به أنها لا تنفسخ الإجارة، فهو اعتداء على حقوق الآخرين وهذا لا يجوز.
وهل للقاضي أن يؤجر مدة طويلة، أو لا؟ هذه تنبني على المصلحة، إن رأى المصلحة في تأجيرها مدة طويلة أجر، وإلا أجر في نحو سنتين أو ثلاث، حتى لا يحرم أصحاب البطون الأخرى.
وهل يجوز للبطن الأول أن يستسلف الأجرة؛ بمعنى أن يأخذ الأجرة مقدماً ، فمثلاً إنسان هذا المحل وقف عليه، جاءته شركة وقالت: أنا أريد أن أستأجر منك هذا المحل عشر سنوات، وسأعطيك الآن الأجرة نقداً، كل سنة بعشرة الآف، عشرة في عشرة بمائة ألف.
فهذا لا يجوز، يعني لا يجوز للبطن الأول أن يستسلف الأجرة لأنه لا يدري، قد يموت وإذا مات معناها أنها دخلت في تركته، وربما ينفقها، وتضيع على البطن الثاني، فليس له أن يستسلف الأجرة.
ولو قال: أنا آخذ الأجرة مقدماً؛ لأنني سوف أعمر في الوقف، والوقف محتاج إلى التعمير فإن هذا يجوز؛ لأن هذا في مصلحة الوقف، وما دام لمصلحة الوقف فلا حرج.
قوله: «وإن أجر الدار ونحوها» كالدكان مثلاً.
قوله: «مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح» سواء ظن بقاء العاقد أم لم يظن، مثل أن يؤجر هذا البيت لمدة ستين سنة، فالإجارة صحيحة؛ لأن ستين سنة يغلب على الظن أن يبقى البيت إليها، ولا سيما إذا كان من الإسمنت، وكان جديداً، فإن الغالب أنه يبقى، فإذا أجرها هذه المدة صح، لكن لو انهدمت قبل تمام المدة انفسخت الإجارة لتلف العين المعقود عليها، وللمستأجر حصته من الأجرة فيما لم يستوف منفعته.
وقوله: «مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها» لو أجرها مدة طويلة يغلب على الظن أنها لا تبقى فيها، فظاهر كلام المؤلف أن الإجارة لا تصح.
ولكن يجب أن نعرف الفرق بين الأجرة التي يكون فيها العقد على نفس الدار، وبين الحِكر أو الحُكُورة التي يكون العقد فيها على منفعة الأرض، وهذا أظنه موجوداً في كثير من البلدان مثل الحجاز ونجد ومصر، تكون الأجرة على الأرض وليست على نفس البيت، ولهذا يملك المستأجر أن يهدم هذا البيت وأن يغيره وأن يتصرف فيه كما شاء، لكن في الإجارة المحضة لا يملك أن يتصرف في البيت.
ففرق بين أن آتي إلى رجل وأنا أريد أن أبقى في هذا البلد سنتين أو ثلاثاً وأقول: أجرني بيتك فيؤجرني إياه فالبيت لصاحبه، فالمستأجر لا يملك إلا الانتفاع، حتى إنه لا يملك أن يعدِّل باباً من الأبواب ولا أن يفتح فرجة في جدار؛ لأنه إنما استأجر المنفعة فقط أما العين فلا يتصرف فيها.
وفي مسألة (الحُكورة) وتسمى عندنا (الصُّبْرَة) من الصبر وهو الحبس، المعقود عليه ليس العين، بل المعقود عليه منفعة الأرض، ولهذا يجوز لمن عقد عقد (حكورة) أن يهدم البيت وينشئه من جديد، وصاحب الأرض لا يقول له شيئاً؛ لأنه يعرف أنه إنما أجره مدة بدراهم معينة، وليس له رغبة في نفس البيت أو في نفس الدكان، وهذا هو الذي عليه العمل الآن، ولهذا في بلدنا هذه يؤجرون الحكرة إلى مدة خمسمائة سنة وستمائة سنة وألف سنة.
على كل حال أقول: إن هناك فرقاً بين الأجرة المحضة وبين الحِكر؛ لأن الحكر إنما يقع العقد على الأرض ولا يلتفت الآخذ بهذا العقد إلى مسألة العين، لكن إذا كانت العين، يقول المؤلف: لا بد أن يكون إلى مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها.
لو أجره البعير لمدة خمسين سنة فإنه لا يصح؛ لأن البعير لا يبقى إلى خمسين سنة، أو أجره سيارة لمدة مائة سنة فلا يصح؛ لأن الغالب أنها لا تبقى إلا أن توقف ولا تستعمل فهذا شيء آخر، لكن إذا استعملت فلا تبقى إلى هذه المدة.
فاشترط المؤلف في تأجير العين مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، فإن لم يغلب على الظن بقاء العين فيها فإنه لا يصح؛ لأنه لا يتم استيفاء المنفعة، ومن شرط الإجارة أن يمكن استيفاء المنفعة، فإذا استأجرها لمدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، ولكنها لم تبقَ؛ فإن الإجارة تنفسخ ويسقط عن المستأجر بقسطه من الأجرة.
وَإنِ اسْتَأْجَرَهَا لِعَمَلٍ، كَدَابَّةٍ لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثٍ، أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ، أَوْ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ، اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ وَضَبْطُهُ بِمَا لاَ يَخْتَلِفُ.
قوله: «وإن استأجرها» أي: «العين».
قوله: «لعمل كدابة لركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث أو دياس زرع، أو من يدله على طريق اشتُرط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف» أفادنا المؤلف بهذا أنه يجوز أن تستأجر العين لعمل، يعني يستأجر عيناً ليعمل بها، كسيارة ليسافر بها إلى مكة، وكـ«مولد» لتوليد كهرباء لمدة معينة، وكـ«محرك» لاستخراج الماء لمدة معينة، وما أشبه ذلك، كل هذا جائز؛ لأنه ليس فيه احتكار على الناس، لكن يقول المؤلف: لا بد على من استأجر الدابة لركوب أن يكون إلى موضع معين معلوم، فإن قال: استأجرت منك هذه الدابة لأطلب عليها ضالتي التي ضاعت مني فالإجارة لا تصح؛ لأنها مجهولة؛ لأننا لا ندري أيجدها قريباً أم بعيداً، فلا بد أن يكون إلى موضع معين، إذا قال: استأجرت منك هذا البعير إلى بلد ما، فلا يصح للجهالة، أو استأجرت منك هذا البعير إلى بلد معين لكن صاحب البعير لا يدري أين هذا البلد فلا يصح أيضاً؛ لأنه لا بد من علم المؤجر والمستأجر.
وهل يشترط أن يعلم الطريق أسهل هو أم وعر، آمن أم خائف؟ نعم؛ لأنه يختلف به القصد، فمثلاً إذا استأجر بعيراً إلى بلد والطريق آمن مُيَسَّر، فليس كما لو استأجرها إلى بلد طريقه خائف وغير ميسر، فبينهما فرق عظيم، فالمهم أنه لا بد أن يعرف كل ما تختلف به الأجرة.
إذا استأجرها لحمل ليس لركوب فلا بد أن يعين المحمول؛ لأنه يختلف، مثلاً: هناك فرق بين أن يكون الحمل من القطن أو من الإسفنج وبين أن يكون من الرصاص فأيهما أشد؟ كل منهما أشد من الآخر فالإسفنج يكون كبيراً فيتعب البعير؛ لأنه سوف يستقبل الهواء، والهواء يعوق البعير ويتعبه، لكنه بالنسبة إلى ظهر البعير أيسر، والرصاص بالنسبة للهواء لا يضره، لكن بالنسبة لثقله على الظهر، ربما يجرحه ويكون فيه الدَّبَر، لذلك لا بد أن يعين نوع المحمول؛ لأن ذلك يختلف.
فصار لا بد أن يعين نوع المحمول والبلد وأن يعرف الطريق، ولو قال: استأجرت منك البعير لركوب رجل عليها إلى المدينة؛ فإنه يحتاج أن يعين الرجل؛ لأن من الركاب من هو خفيف على الدابة، لو تحرك عليها اشتدت به وصارت هملاجة، ومن الناس من لا تهتم به البعير، ثم يوجعها ضرباً وهي لا تمشي، ولهذا فالركاب الذين يعرفون الركوب سواء على الإبل أو على الخيل، يختلفون اختلافاً عظيماً، وسوف يأتي ـ إن شاء الله ـ في المسابقة أنه لا بد من تعيين الراكب؛ لأن الناس يختلفون.
ثم هناك فرق بين أن يكون الراكب كبير الجسم أو صغير الجسم، إذاً لا بد من تعيين الراكب، والقاعدة: (أنه لا بد من ذكر كل ما يختلف به القصد واستيفاء المنفعة)، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: نهى عن بيع الغرر[(23)]، والإجارة بيع منافع، وعلى هذا فلا بد أن لا يكون في هذه المنفعة شيء من الغرر.
وقوله: «أو بقر لحرث» فيما سبق الحرث يكون على البقر؛ تجتمع عدة بقرات وتسير سيراً واحداً، ثم ترجع باتجاه آخر حتى تلين الأرض.
فإذا استأجر البقر للحرث، فلا بد أن تعرف الأرض؛ لاختلافها في الشدة والليونة، وفي الرطوبة واليبوسة، ولا بد أن تعرف المساحة طولاً وعرضاً، حتى يمكن استيفاء المنفعة على وجه معلوم لا نزاع فيه.
ولو استأجر بقراً للركوب، فإن الفقهاء يقولون: يجوز أن يستعمل الحيوان في غير ما جرت العادة به، فيجوز أن يركب البقرة والجاموسة، على كل حال إذا استأجرها لهذا وكان مما جرت به العادة فلا بأس.
وقوله: «أو دياس زرع» الزرع الآن يداس بالآليات، آلات تخلص الحب من جرابه ومن ساقه، لكن فيما سبق يجمع الحب بجرابه وساقه ثم تأتي البقر وتدوسه حتى ينقى الحب، فإذا استأجرها لدياس فلا بد من معرفة القدر أو معرفة الزمن؛ فإن معرفة الزمن تكفي عن معرفة القدر؛ لأن الزمن محدد بالساعات والدياس لا يختلف، غاية ما هنالك أن البقر تدور حتى تدق السنبلة.
لو استأجر بقراً لسقي، يعني لتغرف الماء من البئر وتسقي به الزرع، فإنه يجوز، لكن لا بد من معرفة الغرب الذي يسقى به؛ لأن الغرب الكبير يشق عليها أكثر، فلا بد من معرفته حتى لا يحصل خلاف.
وقوله: «أو من يدله على طريق» يعني لو استأجر من يدله على طريق فلا بد من معرفة هذا الطريق، ولهذا قال: «اشترط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف» .
فالطرق فيما سبق غير معبدة ويضل الناس فيها كثيراً ويهلكون كثيراً فيحتاجون إلى أدلاء، فإذا استأجر من يدله على الطريق كان ذلك جائزاً، وقد وقع هذا للنبي صلّى الله عليه وسلّم في هجرته من مكة إلى المدينة، حيث استأجر رجلاً يقال له: عبد الله بن أريقط وكان جيداً في الدلالة ماهراً خرّيتاً، وكان مشركاً فدلّهم على الطريق[(24)]، فيجوز أن أستأجرَ شخصاً يدلني على الطريق لكن لا بد من ضبطه بما لا يختلف، فإذا كان البلد له طريقان فلا بد أن أقول: تدلني مع الطريق الفلاني، أعيّنه؛ لأنه قد يكون الإنسان له غرض في الطريق البعيد ليزور ما فيه من القرى أو ما أشبه ذلك.
وبمناسبة ذكرنا عبد الله بن أريقط الذي دل النبي صلّى الله عليه وسلّم على الطريق في الهجرة، يؤخذ من ذلك أنه لا بأس في استئجار الكافر فيما يؤتمن عليه، سواء في دلالة الطريق أو في العلاج أو في الصنعة أو في البناء أو غير ذلك، لكن بشرط أن يكون أميناً، ويتفرع على ذلك أنه يجوز للمسلم أن يعمل بقول الطبيب الكافر في أن لا يصلي قائماً مثلاً، أو أن لا يركع، إذا كان العلاج مما يحتاج إلى عدم الركوع والسجود، وذلك ـ مثلاً ـ في مداواة الأعين، فإن كثيراً من الأطباء يقولون للمريض: لا تركع ولا تسجد، فهذا يؤخذ بقوله، ولو كان كافراً ما دام أميناً، وكذلك في الإفطار.
وأما اشتراط بعضهم أنه لا بد أن يكون الطبيب مسلماً ففيه نظر، والصواب أنه لا بد أن يكون الطبيب أميناً سواء كان مسلماً أم غير مسلم، وكثير من الكفار يكون عنده أمانة، وإن كان لا يريد التقرب إلى الله ـ عزّ وجل ـ، لكنه يريد أن يعرف الناس صنعته وحذقه ونصحه فيتجهون إليه.
فإذا قال قائل: ما دليلكم على هذا؟ قلنا: دليلنا حديث الهجرة.
وهل يجوز أن نستأجر الكافر في بناء المساجد؟ الجواب: إذا أمنَّا ذلك، وكان القائم عليه مهندساً مسلماً فلا بأس، أما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يجوز.
وَلاَ تَصِحُّ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ القُرْبَةِ........
قوله: «ولا تصح على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة» هذه العبارة تداولها العلماء ـ رحمهم الله ـ وتلقوها ناشئاً عن سابق، ومعنى هذه العبارة أن كل عمل لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن يؤخذ عليه أجرة؛ ووجه ذلك أن ما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يجوز للإنسان أن يعتاض عن ثواب الآخرة شيئاً من ثواب الدنيا، قال الله تعالى: {{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *}} [هود] فحذَّر الله ـ عزّ وجل ـ أن يريد الإنسان بعبادته شيئاً من الدنيا، وقال تعالى: {{مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ *}} [الشورى] فما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن تؤخذ الأجرة عليه.
مثال ذلك: الصلاة، لو قال رجل لابنه: صلِ يا بني، فقال الابن: لا أصلي إلا كل فرض بعشرة ريالات، ليستحق كل يوم خمسين ريالاً، فاستأجره، على أن يعطيه كل فرض عشرة ريالات فالأجرة هذه لا تصح؛ لأن الصلاة لا تقع إلا قربة.
وكذلك الأذان: لو أن إنساناً قيل له: أذن، فقال: ليس عندي مانع ولكن كل أذان بخمسة ريالات، فإنه لا يصح، ولو قيل لشخص: اقرأ القرآن ليكون ثوابه للميت، فقال: لا بأس، لكن لا أقرأ إلا الجزء بعشرة ريالات، فهذا لا يصح.
فكل شيء لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن يقع عليه عقد الإجارة؛ والتعليل لأن هذا عمل يقصد به ثواب الآخرة ولا ينبغي أن يكون عمل الآخرة يراد به عمل الدنيا، ولهذا قال شيخ الإسلام فيمن حج ليأخذ: (ليس له في الآخرة من خلاق) أي ليس له نصيب، وأما من أخذ ليحج فقال: لا بأس به؛ لأنه استعان بالمال على طاعة الله، والاستعانة بالمال على طاعة الله أمر جائز ولا بأس به.
سئل الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عن رجل قيل له: أقم بنا في رمضان، يعني صل بنا القيام، فقال: لا أصلي بكم إلا بكذا وكذا، فقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: نعوذ بالله ومن يصلي خلف هذا؟! وهذا من الإمام أحمد يدل على أنه أبطل عبادته وبناءً على بطلان عبادته لا تصح الصلاة خلفه، وقد استعاذ الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ من هذا الشرط، ولكن ما يقع قربة بالقصد وينتفع به الغير فلا بأس أن يأخذ الإنسان عليه أجرة من أجل نفع الغير، كالتعليم، إنسان قال لآخر: أريد أن تعلمني باب شروط الصلاة، فقال: ليس عندي مانع، لكن بشرط أن تعطيني أجرة، فنقول: هذا لا بأس به؛ لأن العوض هنا ليس عن التعبد بالعمل ولكن عن انتفاع الغير به.
لو أن شخصاً طُلب منه أن يعلم آخر سورة البقرة فقال: لا أعلمه إلا بأجرة فإنه يجوز؛ لأن هذا للتعليم لا للتلاوة، وفرق بين أن يكون للتعليم الذي يتعدى نفعه للغير وبين التلاوة.
ولو أن إنساناً قال لمريض: أنا لا أرقيك إلا بأجرة، وهو يريد أن يرقيه بالقرآن، فهذا يجوز؛ ولهذا لما بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم سرية، فنزلوا على قوم ضيوفاً، فأبى القوم أن يضيفوهم، بعث الله على سيدهم عقرباً فلدغته ـ وكانت والله أعلم شديدة ـ فطلبوا من يعالجه، قالوا: لعل هؤلاء القوم فيهم من يرقي، يعنون بذلك الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذين تنحوا عنهم لمَّا لم يضيفوهم، فجاؤوا إلى الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وقالوا: إن سيدهم قد لُدغ، فهل منكم من راقٍ؟ قالوا: نعم، منا من يرقيه، ولكن لا نرقيه إلا بطائفة من الغنم؛ لأنكم ما أكرمتمونا، ولا ضيفتمونا، فقالوا: لا بأس، فقرأ عليه القارئ، فقام كأنما نشط من عقال بإذن الله، ولم يقرأ عليه إلا سورة الفاتحة فقط، التي يقرأها بعض الناس اليوم ألف مرة ولا يستفيد المريض، فقرأ عليه سورة الفاتحة وبرأ بإذن الله، فأعطوهم الطائفة من الغنم ولكن أشكل عليهم الأمر، فقالوا: لا نأكل حتى نسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم فلما قدموا المدينة وأخبروا الرسول صلّى الله عليه وسلّم بهذا قال: «نعم: كلوا واضربوا لي معكم بسهم» ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فأفتاهم بالقول وبالفعل من أجل أن تطمئن قلوبهم، وإلا فالفتوى القولية تكفي، وهو ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يسأل أحداً لكنه سأل هذا لمصلحتهم لا لمصلحته هو، فهو ليس بحاجة ولا ضرورة إلى لحمهم، لكنه فعل ذلك لمصلحتهم لتطيب قلوبهم قال: «خذوا واضربوا لي معكم بسهم فإن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» [(25)] فدل هذا على أنه لا بأس إذا كانت العبادة ذات نفع متعدٍّ، وأراد الإنسان النفع المتعدي فلا بأس أن يأخذ عليه أجراً، ولو كانت من جنس الأشياء التي لا تقع إلا قربة؛ لأن هذا القارئ ما قصد التعبد لله بالقراءة بل قصد نفع الغير، إما التعليم أو الاستشفاء أو غير ذلك فهذا لا بأس به.
أشكل على بعض الإخوة المستقيمين ما يأخذه بعض الناس على الأذان والإقامة والتدريس والدعوة، وقالوا: إن هذا نقص وخلل في التوحيد؛ لأن هذا الذي يأخذ المكافأة لا شك أنه يجنح إليها، يعني ليس أخذها وعدمه عنده سواء، وأكثر الناس على هذا، بل ربما بعض الناس يصرِّح يقول: أنا أريد أن أكون إماماً لأني أريد أن أتزوج، أو لأني تزوجت وأحتاج إلى نفقة.
فيقول بعض الناس: إن هذا شرك؛ لأنه أراد بهذا العمل الصالح الدنيا، فيقال لهؤلاء: هذا الذي تأخذونه ليس أجرة، ولكنه حق تستحقونه من بيت المال، وغاية ما عند الحكومة أن توزع بيت المال على المستحقين، فمثلاً: هذا مدرس فله ما يليق بعمله، وهذا مؤذن فله ما يليق بعمله، وهذا إمام فله ما يليق بعمله، وهذا داعية فله ما يليق بعمله، وهكذا، يعني ليس من الحكومة في هذا إلا التوزيع والتنظيم، أما أنت فلك حق، وكل من عمل عملاً متعدياً في المسلمين فله حق من بيت المال على حسب نتيجة هذا العمل وثمرته، وحتى من لم يعمل له حق من بيت المال، كالفقراء واليتامى ومن أشبههم، على كل حال هذه المسألة اشتبهت على بعض المستقيمين ولهذا يسألون عنها كثيراً، حتى إن بعضهم يكون أهلاً للإمامة تماماً، قارئاً وفقيهاً ولا يرغب؛ لأنه سوف يعطى مكافأة من بيت المال، فنقول: الحمد الله، أنت الآن لست مستأجراً ولكنك مستحق لهذا العمل الصالح ونفع المسلمين، فليس عليك أي بأس، فينبغي إذا أورد أحد هذا الإشكال أن يبيَّن له.
بقي علينا الحج، هل يجوز الاستئجار على الحج، مثل أن يستأجر شخصاً ليحج عنه أو لا؟
نقول: أولاً: إذا كان الحج فريضة والمستأجر قادر، فالإجارة لا تصح؛ لأن هذا يجب عليه أن يؤدي الفرض بنفسه؛ لأنه قادر بدنياً ومالياً، وإذا كان عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله وحجه فريضة، قد سبق لنا في الوكالة أنه يجوز أن ينيب عنه، واستدللنا لذلك بحديث الخثعمية التي قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ فأذن لها[(26)]، فهل تجوز الأجرة على ذلك أو نقول: اتفق مع الذي أراد أن ينيبك، ولا تبحث عن المقدار سواء أعطاك عشرة أو ألفاً؟
أما إذا كان الحج نفلاً فقد سبق لنا في الوكالة ـ أيضاً ـ أنه إن كان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه، فإنه يمكن أن يقال بالجواز قياساً على الفريضة، وإن كان صحيح البدن قوياً فالذي نرى أنه لا يصح؛ لأن العبادات مطلوب من الإنسان أن يشعر بأنه عابد لله ذليل، لا أن يعطي دراهم لشخص ويحج عنه، هل قال الذي أنابه: لبيك اللهم لبيك؟! لم يقل، هل طاف بالبيت أو سعى بين الصفا والمروة؟! هل وقف بعرفة؟! فأين الحج؟! كيف نقول: إن هذا حاج؟! وكيف نقول: إن له أجر الحج؟!
ولهذا قلنا: إن مثل هذا ينبغي أن يُعِينَ من يؤدي الحج عن نفسه أفضل له من أن يقول: حج عني، على كل حال، في الحال التي يجوز فيها أن يستنيب أحداً في الحج، هل يجوز أن يعقد عقد إجارة على هذه النيابة أو لا؟ المذهب لا يجوِّزون هذا ويقولون: الإجارة على الحج حرام؛ لأن الحج عبادة بدنية لا تقع إلا قربة، ليس كتعليم الفقه والحديث وما أشبه ذلك، فلا يجوز، وفيه وجه[(27)] أنه يجوز عقد الإجارة على الحج، وعمل الناس الآن على الثاني ولا يسع الناس إلا هذا، يعني لو قلنا: بأن الإجارة حرام سددنا باب النيابة نهائياً، من يُوفَّق فيقول: أنا أريد أن أقضي حاجة أخي وأقوم عنه بالحج وما أعطاني فأنا راضٍ به؟! هذا نادر أن يكون.
وقال بعض العلماء: إن ذلك جائز للحاجة فقط، وأما مع عدم الحاجة فلا يجوز، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وجعل المدار على حاجة المستَأجَر ـ الذي أجر نفسه ـ إن كان محتاجاً جاز أخذ الأجرة، وإلا فلا.
وهل يجوز إعطاء الجائزة عليه؟ نعم يجوز، ولهذا يجوز أن تعطي من يحفظ عشرة أجزاء من القرآن ـ مثلاً ـ كذا وكذا ولا مانع.
والقاعدة : أن كل عمل لا يقع إلا قربة فلا يصح عقد الإجارة عليه، وما كان نفعه متعدياً من القرب صح عقد الإجارة عليه، بشرط أن يكون العاقد لا يريد التعبد لله ـ تعالى ـ بهذه القربة، وإنما يريد نفع الغير الذي استأجره لاستيفاء هذه المنفعة.
ما هو العمل الذي يشترط أن يكون فاعله من أهل القربة، ومن هم أهل القربة؟ أهل القربة يقولون: هو المسلم؛ لأن الكافر لا يكون من أهل القربة إطلاقاً، إذ إنه مهما عمل فإنه لا يقرِّبه عمله إلى الله، فكل عمل يصح إيقاعه من الكافر فعقد الإجارة عليه صحيح ولا بأس به حتى بناء المسجد، فلو أنك استأجرت إنساناً يبني لك مسجداً فلا بأس؛ لأن بناء المسجد يجوز أن يكون من الكافر، يعني يجوز أن يبني الكافر المسجد، إلا أننا نرى أنه لا بد أن يكون عليه قيم يراقب تنفيذه، البناء وأساسات البناء حتى لا يخون.
فأهل القربة هم المسلمون؛ وذلك لأن الكفار مهما خشعوا وبكوا وذلوا أمام صنمهم فإن ذلك ليس بقربة، ولهذا يذكر أن النصارى في كنائسهم يخشعون خشوع المسلمين في مساجدهم، بكاء، ونياح، وعويل، لكن لا ينفعهم هذا، حتى قال بعضهم في قوله تعالى: {{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ *عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ *تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً *}} [الغاشية] إن هؤلاء هم النصارى في كنائسهم، لكن هذا على كل حال غير صحيح؛ لأن الآية صريحة بأن ذلك يوم القيامة: {{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ *}{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ}} [الغاشية: 1ـ 2] .
على كل حال الكافر لا يمكن أن يكون من أهل القربة، فإن قال قائل: أرأيتم لو أن كافراً بنى مسجداً للمسلمين أتجوز الصلاة فيه؟ هو لا يقبل منه ولا ينفعه حتى لو صلينا فيه ليس له أجر، لكن نحن لا نمتنع من الصلاة فيه؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «جعلت لي الأرض مسجداً»[(28)] نعم إن خفنا أن يريد هذا الكافر أن يصطاد بالماء العكر، أو أن يضفي مِنَّةً على المسلمين ويقول يوماً من الدهر: نحن الذين بنينا لكم المساجد، فهنا يجب علينا أن نهجر هذا المسجد، ويجب على المسلمين أن يتعاونوا في هذا وأن لا يخون بعضهم بعضاً، أما إذا كان هذا الرجل الكافر معروفاً بالكرم وأنه يعطي هذا وهذا ولا يبالي ولا يمن، ولا يرى أن له فضلاً فلا بأس ولا مانع.
ومن ذلك ـ أيضاً ـ ما أشكل على بعض الناس يأتي إنسان يتعامل بالبنك أو يتعامل بأشياء أخرى محرم كسبها، ثم يبني مسجداً أو يصلح طريقاً فيقول: هل يجوز أن أصلي في هذا المسجد الذي أصلحه مَنْ مَالُهُ حرامٌ أو أمشي في الطريق؟ نرى أنه لا بأس أن يصلي في هذا المسجد ولو كان من مال ربوي أو من كسب محرم آخر؛ لأن إثمه على كاسبه، ثم نقول: هذا الرجل الذي بنى المسجد، لعله أحدث توبة وبنى هذا من أجل أن يتخلص من الإثم والكسب الحرام، فنكون إذا صلينا في ذلك وشجعناه نكون عوناً له على التوبة، والإنسان يجب أن ينظر إلى الأمور بمقياس الشرع والعقل لا بمقياس العاطفة العمياء؛ لأنه ما ضرَّ المسلمين حتى في عهد الصحابة ـ رضي الله عنه ـ إلا هذا، العاطفة العمياء، ما الذي أوجب للخوارج أن يخرجوا إلا العاطفة العمياء، ودعواهم أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قد خان وأنه يجب أن يقاتَل، وأنه كفر برضاه بالتحكيم وما أشبه ذلك.
ولو غصب أرضاً وبنى عليها مسجداً فلا نصلي فيها، أما على قول من قال: إن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة فلا نصلي فيه؛ لأننا لا نتقرب إلى الله ـ تعالى ـ بشيء باطل، لكن على قول من يرى أن الصلاة في الأرض المغصوبة جائزة فنقول: أيضاً لا نصلي، ولا نقول: إن الصلاة لا تصح لكننا نقول: إن هذا تشجيع لهذا الغاصب الظالم أن يغصب أموال المسلمين، ثم يتبجح بأنه بنى عليها مسجداً.
وَعَلَى المُؤَجِّرِ كُلُّ مَا يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ كَزِمَامِ الْجَمَلِ، وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ، وَالشَّدِّ عَلَيْهِ، وَشَدِّ الأَحْمَالِ وَالمَحَامِلِ، وَالرَّفْعِ وَالحَطِّ، وَلُزُومِ البَعِيرِ، وَمَفَاتِيحِ الدَّارِ وَعِمَارَتِهَا.
قوله: «وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل ورحله وحزامه والشد عليه وشد الأحمال والمحامل والرفع والحطِّ ولزوم البعير ومفاتيح الدار وعمارتها» ، إنسان أجر شخصاً بعيراً ليحج به، نقول: عليك كل ما يتمكن به المستأجر من النفع «كزمام الجمل» والزمام هو الحبل الذي تقاد به الناقة أو الجمل.
وقوله: «ورحله» وهو ما يقعد عليه الراكب.
وقوله: «وحزامه» وهو ما يشد به الرحل.
وقوله: «والشد عليه» يعني يشد هذا الرحل والحزام جيداً، ويحتمل أنه إذا نزلوا في مكان، ونزلوا الرحل عن البعير، أن المؤجر هو الذي يحمل الرحل ويشده على البعير.
وقوله: «وشد الأحمال والمحامل» الأحمال يعني الحمل الذي يكون على البعير كالأكياس والأواني وما أشبه ذلك، والمحامل هي التي تكون على جنب الرحل يركب عليها الناس وهذا شاهدناه قديماً، تكون البعير عليها من اليمين ومن الشمال مقاعد يقعد عليها الراكب وتسمى المحامل، والوسْط يسمى الشِّداد.
وقوله: «والرفع والحط» يعني يرفع المحامل وينزلها عند الاحتياج إليها، فلو أنه ـ مثلاً ـ أنزلها وبقوا في هذه الأرض لمدة يوم أو يومين، ولما أرادوا أن يسيروا قال المستأجر للمؤجر: ارفع الرحل وشده، قال: لا، أنت الذي ترفعه؛ لأن الحاجة لك أنت، فهذا لا يستقيم؛ لأن الحاجة له، لكن هذه الحاجة عُوِّضَ عنها بالأجرة فيقال للمؤجر: عليك هذا.
وقوله: «ولزوم البعير» أي: أن يكون ملازماً لها لئلا تشرد، أو يأتيها شيء يعيقها فيلزم المؤجر البعير.
وهذا فيما إذا كان المؤجر مع الرحل والإبل، أما إذا آجر البعير وحدها وقال: خذ هذه البعير سافر عليها وارجع بها، فمعلوم أن هذه الأشياء لا تلزم المؤجر؛ لأنه غير مصاحب لها، لكن مراد الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فيما جرت به العادة أن المؤجر يكون مع الإبل ويسمى عندنا الجمَّال نسبة إلى الجمل، فإذا كان الجَمَّال مع الجِمَال فإنه يلزمه ما قال المؤلف، أما إذا أجر الدابة فقط فلا يلزمه شيء من ذلك.
وقوله: «ومفاتيح الدار» مفاتيح الدار على المؤجر، وعلى هذا فإذا ضاعت من المستأجر بدون تعدٍّ ولا تفريط، وجب على المؤجر أن يصنع له بدلها، ويعطيها إياه؛ لأنها على المؤجر، وهي أمانة في يد المستأجر.
وقوله: «وعمارتها» بمعنى لو أن الدار تهدم منها شيء لا يتمكن به المستأجر من استيفاء المنفعة فإن على المؤجر عمارتها، وأما ما زاد على ذلك فإنه لا يلزمه إلا بشرط، كالذي يسمونه: (الديكور) فهذا لا يلزم المؤجر إلا إذا شُرِطَ عليه.
أما المراوح والمكيف فإنها على المؤجر، بخلاف الدفايات فإنها على المستأجر؛ وذلك لأن كل ما كان ثابتاً فإنه على المؤجر، وأما الشيء المتنقل فإنه يكون على المستأجر.
فَأَمَّا تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالكَنِيفِ، فَيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً.
قوله: «فأما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة» ، «البالوعة» هي الحفرة التي يصب فيها الماء الفاضل من غسيل ونحوه وسمِّيت بالوعة؛ لأنها تبلع الماء، وأما الكنيف فهو مجمع العذرة، وكانوا فيما سبق يحفرون حفرة لتكون فيها العذرة، والبيت الذي يكون فيه هذه الحفرة يسمى الكنيف؛ لأن صاحبه يكتنف فيه أي يستتر عن الغير، والبالوعة والكنيف هل على المستأجر إفراغها أو على المؤجر؟ على المستأجر؛ لأنه هو الذي ملأها، ولهذا اشترط المؤلف وقال: «إذا تسلمها فارغة» تكون عليه؛ لأنه تسلمها فارغة فلزم أن يردها فارغة، فإن تسلمها وفيها النصف فعليه النصف وهلم جراً، يعني بحسب ما أدرك من ملئها فيكون عليه.
في الوقت الحاضر ليس هناك بالوعة ولا كنيف في أكثر البلاد، فيقال: على المؤجر إصلاح المواسير أي المجاري؛ لأن هذا يبقى، لكن لو تسددت هذه المجاري فإنها على المستأجر؛ لأنها تسددت بفعله، وكل هذا الذي قاله الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يمكن أن يقال: إنه يرجع إلى العرف فيما جرت العادة أنه على المستأجر أو على المؤجر، فإن تنازع الناس فربما نرجع إلى كلام الفقهاء، وأما بدون تنازع وكون العرف مطرداً بأن هذا على المؤجر وهذا على المستأجر، فالواجب الرجوع إلى العرف لقول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] وهذا أمر بالوفاء بالعقد بأصله وصفاته وشرطه.
فَصْلٌ
وَهِيَ عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَإِنْ آجَرَهُ شَيْئاً وَمَنَعَهُ كُلَّ المُدَّةِ أَوْ بَعْضَهَا فَلاَ شَيْءَ لَهُ.
قوله: «وهي» الضمير يعود على الإجارة.
قوله: «عقد لازم» أي لا يمكن فسخه إلا لسبب؛ وذلك أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عقود جائزة من الطرفين، وعقود لازمة من الطرفين، وعقود لازمة من طرف جائزة من طرف آخر، وذلك إذا كان العقد حقاً لأحدهما على أحدهما، فهو لمن هو له جائز، ولمن هو عليه لازم.
فالبيع لازم؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فقد وجب البيع»[(29)] والوكالة عقد جائز من الطرفين لكل من الوكيل أو الموكل الفسخ، والكتابة أي: كتابة العبد وهو شراء نفسه من سيده عقد لازم من جهة السيد وجائز من جهة العبد، والرهن عقد جائز من جهة المرتهن، ولازم من جهة الراهن.
والإجارة عقد لازم؛ وذلك لأنها نوع من البيع، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» ثم ذكر أنهما إذا تفرقا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع.
ثم فرع على هذا الضابط وهو أن الإجارة عقد لازم بقوله:
«فإن آجره شيئاً ومنعه» أي: المؤجر، والضمير «الهاء» يعود على المستأجر، أي: منع المؤجرُ المستأجرَ.
قوله: «كل المدة أو بعضها فلا شيء له» ، أي: لا شيء للمؤجر.
مثال ذلك: أجره هذه الدار لمدة سنة، فجاء المستأجر يطلبها فمنعه، ومضت السنة كلها وهو قد منعها، فهل له أجرة؟ لا شيء له؛ لأنه هو الذي منعها، ولكن هل يلزمه الفرق بين الأجرتين أي: أجرة المثل والأجرة التي تم العقد عليها لو اختلفت، أو لا يلزمه؟ فمثلاً لو كان قد أجرها بعشرة آلاف وارتفعت الأجور حتى صارت تساوي في هذه السنة عشرين ألفاً، فهل يلزم المؤجر أن يسلم للمستأجر الفرق وهو عشرة آلاف؟
الجواب: على ما مشى عليه المؤلف ـ رحمه الله ـ نقول: الإجارة انتهت ولا شيء للمؤجر ولا شيء على المستأجر، وعلى القول الثاني يلزمه؛ لأن الإجارة لا تنفسخ، والمنفعة من حين العقد ملك للمستأجر فإذا منعه إياها يكون غاصباً، والغاصب عليه الضمان.
وإن كانت الأجرة نزلت فهل يلزمه النقص؟ لا؛ لأننا إذا قلنا بذلك صار فيه ضرر على المستأجر، فإن بقيت الأجرة كما هي فالأمر واضح.
ولو أجره إياها لمدة سنة باثني عشر ألفاً، ثم منعه ستة أشهر، ثم فَرَّغ البيت له وسكن المستأجر بقية المدة، فهل على المستأجر شيء؟ المؤلف يقول: لا شيء عليه؛ لأن المؤجر فوَّت على المستأجر منفعة الدار؛ إذ قد يكون من غرض المستأجر أن يبقى فيها مدة سنة كاملة.
فإن قال قائل: لماذا لا تعطونه القسط من الأجرة إذا منعه بعض المدة؟
فالجواب: أن الإجارة وقعت على صفة معينة وهي سنة كاملة، وهذا الرجل لم يسلم له العين المؤجرة على هذه الصفة فلم يستحق الأجرة، هذا وجه.
الوجه الثاني: أنه ظالم معتدٍ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» [(30)]، وقال تعالى: {{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}} [الشورى: 42] .
الوجه الثالث: أن نقول للمؤجر: الأمر بيدك أنت الذي منعت وأنت الذي تمكن، فلما منعت كنت أنت الذي أسقطت حقك بنفسك فلا حق لك.
ومثل ذلك لو أجره البعير ليسافر عليها، ومنعه إياها، وفي أثناء الطريق سلمها له، فهل له أجرة فيما بقي؟ المؤلف يقول: ليس له أجرة؛ لأنه منع المستأجر حقه فسقط حقه، أي: المؤجر.
وظاهر كلامه ـ أيضاً ـ أنه لا فرق بين أن يمنعه بعض المدة لعذر أو لغير عذر؛ وذلك لأن حقوق الآدميين لا يفرق فيها بين العذر وغيره، وقد يقال: إنه إذا كان لعذر فإنه يلزم المستأجر أجرة بقية المدة، والعذر مثل أن يُمْنَعَ صاحبُ الدار من الاستيلاء عليها، فحينئذٍ نقول: له ما بقي من المدة، وللمستأجر أن يطالب الذي منعه بمقدار المدة التي منعه إياها.
مثال ذلك: رجل أجَّر شخصاً البيت لمدة سنة تبتدئ من الآن، لكن سُلط على هذا البيت جنود استحلُّوه غصباً، ولم يُسلَّمْ إلى صاحبه إلا بعد نصف سنة فصاحب البيت معذور، له نصف الأجرة؛ لأنه سُلِّم البيت عند انتصاف المدة، والمستأجر يطالب الجنود الذين منعوا صاحب البيت منه، فإن تعذر عليه طلبهم فلا يرجع على المؤجر؛ لأن المؤجر يقول: هذا حصل بغير اختياري.
وَإِنْ بَدَأَ الآخَرُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَعَلَيْهِ وتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ العَيْنِ المُؤْجَرَةِ، وَبِمَوْتِ المُرْتَضِعِ وَالرَّاكِبِ إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ بَدَلاً، وَانْقِلاَعِ ضِرْسٍ أَوْ بُرْئِهِ وَنَحْوِهِ، ...
قوله: «وإن بدأ الآخر» أي: المستأجر.
قوله: «قبل انقضائها فعليه» يعني امتنع من سكناها فعليه الأجرة كاملة، ولا يقال: إنه ليس عليه إلا مقدار المدة؛ لأن المؤجر يقول: أنا الآن سلَّمتك البيت بأجرة فوجب لي في ذمتك الأجرة ووجب لك أنت النفع، وأنت قد استلمت النفع.
مثال ذلك: رجل استأجر بيتاً مدة الإجازة وهي ثلاثة شهور كل شهر بألف ريال، ثم إن المستأجر تأخر ولم يقدم البلد إلا بعد أن مضى شهرٌ، فيلزمه للمؤجر ثلاثة آلاف، يعني الأجرة كاملة؛ لأن المؤجر لم يحصل منه منع ولا غيره، فقد بذل العين المؤجرة ولكن التأخير من المستأجر، ولهذا قال: «وإن بدأ الآخر قبل انقضائها» أي: قبل انقضاء المدة «فعليه» أي: عليه الأجرة.
مثال آخر: استأجر هذا البيت لمدة ثلاثة أشهر وسكن فيه شهرين، ثم بدا له أن يرجع إلى بلده وقد بقي شهر، فهل عليه أجرة الشهر الباقي؟ نعم؛ لأن المؤجر يقول: أنا لا أمنعك استيفاء المنفعة.
فالإجارة عقد لازم، إن فسخت من قبل المؤجر فلا شيء له، وإن فسخت من قبل المستأجر فعليه الأجرة، وإن فُسِخت باختيارهما فعلى المستأجر مدة سكناه، ولا شيء عليه أكثر من ذلك، فإن استأجرها بألف لمدة ثلاثة شهور ولما مضى شهر اتفق هو والمؤجر على فسخ الإجارة، فهنا ليس عليه شيء، لكن عليه الشهر الذي سكنه، وأما الباقي فلا شيء عليه؛ لأنهما اتفقا على ذلك.
ثم قال المؤلف مبيِّناً ما تنفسخ به الإجارة:
«وتنفسخ» أي الإجارة.
قوله: «بتلف العين المؤجرة» لتعذر الاستيفاء، فلو آجره داراً فانهدمت فإن الإجارة تنفسخ، وعلى المستأجر أجرة ما سبق من المدة بالقسط، فلو استأجرها لمدة سنة بألف ومائتين، وانهدم البيت بعد تمام ستة أشهر يلزمه ستمائة، فإن قدر أن الزمن الذي انهدمت فيه زمن موسم تكون فيه العقارات أغلى، كأن تكون أربعة الأشهر الأخيرة تساوي ثلثي الأجرة، وهذا يوجد في بيوت مكة والمدينة، يكون قسط الأجرة باعتبار قيمة المنفعة لا باعتبار قيمة الزمن، فقد تكون ستة أشهر إذا وزعنا الأجرة عليها مع بقية السنة لا تساوي إلا ربع الأجرة، فنعطيه ثلاثمائة.
ولو استأجر سيارة فانحرقت، فإن الإجارة تنفسخ، وعلى المستأجر قسط المدة التي استأجرها لها.
قوله: «وبموت المرتضع» لو أن شخصاً استأجر امرأة لترضع ولده لمدة سنة فمات الولد، فإن الإجارة تنفسخ؛ لأن العين المعقود عليها ـ وهو الراضع ـ قد تلفت، فلا يمكن استيفاء المنفعة مع تلفها.
قوله: «والراكب إن لم يخلِّف بدلاً» مثال ذلك: لو استأجر شخص في النقل الجماعي من مكة إلى المدينة، وفي أثناء الطريق مات فهل تنفسخ الإجارة؟ المؤلف يقول: في ذلك تفصيل، إن خلف بدلاً ـ والبدل هو الوارث أو الموصى له ـ فلا تنفسخ، وإن لم يخلف بدلاً انفسخت؛ وذلك لأنه إذا خلف بدلاً فإنه يقوم مقامه، وإذا لم يخلف بدلاً فقد تعذر استيفاء المنفعة من قبل العاقد.
قوله: «وانقلاع ضرس» يعني تنفسخ ـ أيضاً ـ بانقلاع ضرس، فلو أن شخصاً استأجر طبيباً ليقلع ضرسه، فانقلع الضرس قبل أن يأتي الطبيب، فإن الإجارة تنفسخ، لتعذر الاستيفاء؛ لأن المعقود عليه ـ وهو الضرس الذي استؤجر لقلعه ـ انقلع، فلو أصرَّ الطبيب وق |