|
بَابُ السَّبْقِ
قوله: «باب السَّبْق» بسكون الباء، وأما «السَّبَق» فهو العِوض، فالسبْق معناه فَوْت لا يدرك، بمعنى أن يفوتك الإنسان على وجه لا تدركه، فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، لا يمكن لمن بعدهم أن يلحقهم في هذا الوصف، ومن سابقك جرياً على الأقدام حتى وصل المنتهى قبل أن تصله فقد سبقك على وجه لا تدركه.
فالسبْق فوت لا يدرك، سواء كان معنوياً أو كان حسياً، وسواء كان في الزمان أو كان في المكان، فالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ سبقونا بالزمان، وهذا سبق حسي، وكذلك سبقونا سبقاً معنوياً بالعلم والإيمان والجهاد والعمل الصالح.
والسبق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم لا يجوز لا بعوض ولا بغيره.
وقسم يجوز بعوض وغيره.
وقسم يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض.
والأصل فيه منع العوض؛ لأنه من باب الميسر، فإن الإنسان إما أن يكون غانماً وإما أن يكون غارماً، فإذا جعلنا مائة ريال لمن سبق، وتسابق اثنان في الجري على الأقدام، فأحدهما إما غانم وإما غارم، إما أن يأخذ مائة الريال من صاحبه فيغنم، أو تؤخذ منه المائة فيغرم، فهو في الحقيقة ميسر، ولذلك فالأصل هو منع العوض في المسابقة، ولا يجوز إلا لسبب كما سيأتي إن شاء الله.
يَصِحُّ عَلَى الأَقْدَامِ، وَسَائِرِ الحَيَوَانَاتِ، وَالسُّفُنِ، وَالمُزَارِيقِ، .......
قوله: «يصح على الأقدام» هذا هو القسم الذي يجوز بغير عوض، وهو ما لا مضرة فيه شرعية، وليس فيه منفعة تربو على مفسدة المراهنة فيه، فهذا القسم يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض، سواء كان هذا العوض نقداً أو عروضاً أو منفعة، مثل أن يتسابق رجلان أيهما أسرع وصولاً إلى الغرض الذي عيَّنَّاه، وهو جائز بين الرجلين، وبين المرأتين، وبين الرجل وزوجته، كما سابق النبي صلّى الله عليه وسلّم عائشة ـ رضي الله عنها ـ[(37)]؛ لأن في ذلك ترويحاً عن النفس، وتنشيطاً وتقوية للبدن، وتحريضاً على المغالبة.
وظاهر كلام المؤلف وغيره أنه لا فرق بين أن يتسابقا استقبالاً أو استدباراً؛ لأن المسابقة على الاستدبار تقع بين كثير من الناس، أيهما أشد عزيمة أن يرجع إلى الوراء بسرعة تفوق صاحبه فهذا جائز، وهل يجوز على اليمين وعلى الشمال؟ نعم يجوز، ويقع هذا ـ أيضاً ـ من بعض الناس يتسابقون أيهما أسبق ذهاباً، يميناً أو شمالاً.
ولا بد فيها من تعيين المسافة ابتداء وانتهاء، ولا بد أن تكون المسافة مما يمكن إدراكه، فإن قال: أسابقك من عنيزة إلى مكة على الأقدام، لم يصح؛ لأنه لا بد أن تكون مقيدة بمسافة معتادة، وقد كان من عادة الصبيان أنهم يتسابقون على الأقدام، فإذا سبق أحدهما الآخر قال له: احملني على ظهرك من منتهى المسابقة إلى ابتدائها فهل هذا جائز؟ هذا لا يجوز؛ لأنه بعوض وهو المنفعة؛ لأن حمله إياه من هذا المكان إلى هذا المكان منفعة فلا تجوز، وقد يقال: إنه يرخص في ذلك للصغار الذين لم يبلغوا وإن لم يرخص للكبار، يعني الصغار يرخص لهم من اللعب ما لا يرخص للكبار.
ولكن يجب أن نعلم أن المباح إذا تضمن ضرراً صار محرماً، فلو أجريت المسابقة في هذه الأمور في وقت صلاة الجماعة، كانت المسابقة حراماً، ولو أدى ذلك إلى العداوة والبغضاء والتحيز والتعصب كان ذلك حراماً.
مسألة : كرة القدم من هذا النوع، أي: أنها تجوز بغير عوض ولا تجوز بعوض؛ لأن فيها ترويحاً للنفس، وتقوية للبدن، وتعويداً على المغالبة، ولكن بشرط أن لا يدخلها التحزب المشين، كما يحصل من بعض الناس يتحزبون لنادٍ معين، حتى تحصل فتنة تصل إلى حد الضرب بالأيدي والعصي والحجارة.
واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في المسابقة على الأقدام هل تجوز بعوض أو لا؟ المذهب أنها لا تجوز بعوض كما سبق، ومنهم من قال: إنها تجوز بعوض؛ لأن السبق على الأقدام ينتفع به في الحرب، في الكر والفر، فهو مفيد، لكن هذا الاحتمال يرد عليه أننا لو أجزنا العوض في هذه الأشياء لكانت سبباً للتجارة، بمعنى أن الناس يتجرون بها؛ لأنها سهلة المؤونة، ولا تحتاج إلى اقتناء فرس أو إصلاح رمح أو ما أشبه ذلك، فتتخذ تجارة وينشغل الناس بها عن أمور أهم منها، فهذه المصلحة التي قد يتوقعها الإنسان مع العَدْوِ معارضة بالمفسدة، وهو أن ينكب الناس عليها ثم يتخذونها تجارة، وهذا مانع قوي.
فإن قال قائل: وأيضاً السبق على الخيل الآن يُتخذ تجارة، ومنفعته في الحرب في الوقت الحاضر قليلة فيلزم ـ على طرد القاعدة ـ أن تمنعوا من ذلك ـ أي: من المسابقة على الخيل بالعوض ـ؛ لأن الناس اتخذوها تجارة.
فنقول: هذا ينبني على قاعدة ذكرها العلماء ـ رحمهم الله ـ وهي: أنه إذا نص الشرع على شيء ذي فائدة في وقت الرسالة ثم عدمت منفعته التي تكون في وقت الرسالة، فهل نتبع المعنى أو نتبع اللفظ؟ العلماء يختلفون في هذا، ومن ذلك الشعير والأقط في زكاة الفطر منصوص عليهما، وهما في ذلك الوقت قوت للناس سواء كانوا في البادية أو في الحاضرة، وفي الوقت الحاضر ليسا قوتاً، فهل نتبع اللفظ ونقول: هذا شيء عيَّنه الشرع فهو مجزئ سواء كان قوتاً للناس أو لا؟ أو نقول: إذا أصبح واحد من هذه الأربعة غير قوت فإنه لا يجزئ؟ فيه احتمال واحتمال، لكن الاحتمال الأخير بالنسبة للفطرة أصح؛ لأنه ثبت في البخاري من حديث أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ قال: «كنا نخرجها صاعاً من طعام وكان طعامنا يومئذٍ التمر والشعير والزبيب والأقط»[(38)] فهذا صريح أن العلة هي الطعام، وكما قال عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض النبي صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث وطُعمة للمساكين»[(39)]، لكن نحن الآن في مسألة الخيل، والخيل في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم لا شك أنها آلة عظيمة فعَّالة في الحرب، وهي في الوقت الحاضر ليست كذلك بل يحصل السبق بها كتجارة، فهل نقول: لما فقدت العلة التي من أجلها جاز السبق يجب أن يفقد الحكم، أو نقول: نأخذ بظاهر اللفظ ولا علينا من العلة تخلَّفت أو وُجدت؟ فيه احتمال.
قوله: «وسائر الحيوانات» كالبغل والحمار وغيرهما مما يركب، والبقرة ـ أيضاً ـ تصح المسابقة عليها؛ لأن القول الراجح جواز ركوب ما لا يركب عادة؛ لعموم قوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}} [البقرة: 29] .
ولكن هل يجوز المسابقة بالحيوان نفسه، بمعنى أن يطلق الرجلان كلبيهما ويتسابقا على ذلك؟
الظاهر أنه لا يجوز؛ لأنه لا فعل من المتسابقين في هذه الحال، وقد يقال بالجواز؛ لأن فعل الكلاب ونحوها بأمر صاحبها، كفعل صاحبها، ولهذا جاز صيدها إذا أرسلها صاحبها.
ويشترط في المسابقة على الحيوانات نفسها أن لا يكون في ذلك أذية لها، فإن كان في ذلك أذية، كما يفعله بعض الناس في المسابقة في نقر الديوك بعضها ببعض، فإن بعض الناس ـ والعياذ بالله ـ يربي ديكه على أن يكون قوياً في المناقرة، فهذا حرام ولا يجوز، ومثل ذلك نطاح الكباش، ومثل ذلك صراع الثيران، إذاً كل ما فيه أذية للحيوان فإن المسابقة فيه محرمة.
قوله: «والسفن» وهي الفلك التي تجري في الماء، تصح المسابقة عليها؛ لأن الناس يختلفون فيها اختلافاً كثيراً، وهنا ينبغي أن يقال: إن السفن الحربية يجب أن تلحق بالإبل؛ لأنها داخلة في آلات الحرب ومعداتها.
قوله: «والمزاريق» قال في الروض[(40)]: إنها رمح قصير، يتسابقون به في الطعن، وكذلك المسابقة بالسيوف، إلا أن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ قال: لا يجعله سيفاً حاداً، بل يكون سيفاً من خشب أو نحوه، وهذا ما يسمى عند الناس الآن بالمعركة الوهمية، بمعنى أنهم يتشابكون فيما يسمى بالسلاح الأبيض، لكن لا يجعل الإنسان خنجراً حاداً أو سيفاً حاداً؛ لأنه ربما أهوى به الشيطان إلى صاحبه فقتله، لكن يجعله من جنس العصا أو الخشب أو ما أشبه ذلك.
وهل من ذلك ما يسمى بالملاكمة؟ لا، أولاً؛ لأن الملاكمة ضرب مع الوجه خاصة، وهذا منهي عنه.
ثانياً: أنها خطرة؛ لأنه لو أصيب الإنسان الملاكم في مقتل لهلك، لكن إذا كان الإنسان يريد أن يتمرن تمريناً فقط ولكنه لا يضرب الوجه، من أجل أن يستعين بذلك على قتال العدو مثل الكراتيه، فهذه يقولون: إنها مفيدة للإنسان جداً في مهاجمة العدو، وفي الهرب منه، فتكون المسابقة في هذا جائزة، بل لو قيل: إن الناس لو انقلبوا إلى حرب بهذه الطريقة لدخلت في الأشياء التي تجوز بعوض.
وَلاَ تَصِحُّ بِعِوَضٍ إلاَّ فِي إِبِلٍ، وَخَيْلٍ، وَسِهَامٍ. ...............
قوله: «ولا تصح بعوض» أي لا تصح المسابقة بعوض سواء كان عيناً أو نقداً أو منفعة.
قوله: «إلا في إبل وخيل وسهام» لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا سبَق إلا في نصل أو خُف أو حافر» [(41)].
«لا سبق» أي: لا عوض إلا في هذه الثلاثة، وإنما جاز في هذه الثلاثة لما فيها من المصلحة العامة من الجهاد في سبيل الله؛ لأن الإبل يحمل عليها المجاهدون الأمتعة، والخيل فيها الكر والفر، والسهام فيها الرمي، ويقاس عليها ما يشبهها من آلات الحرب الحاضرة، فالدبابات ونحوها تشبه الإبل، والصواريخ وشبهها تشبه السهام، والطائرات وشبهها تشبه الخيل، فهذا القسم يجوز بعوض وبدونه.
وقوله: «إبل» بأن يتسابق اثنان على بعيريهما.
وقوله: «وخيل» بأن يتسابق اثنان على فرسيهما.
وقوله: «وسهام» بأن يتسابق اثنان بسهاميهما أيهما يصيب.
وظاهر كلام المؤلف في الإبل والخيل: أنه لا فرق بين أن تكون المسابقة في الجري أو في حمل الأثقال، وهذا بالنسبة للإبل واضح؛ لأن الإبل ينتفع بها في الجري وينتفع بها في حمل الأثقال، لكن في الخيل، في النفس من هذا شيء؛ لأن الخيل إنما ينتفع بها في المسابقة جرياً.
إذاً الدليل على هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا سبق» أي: لا وضع عوض في المسابقة «إلا في إبل وخيل وسهام» وهذا النص صريح.
فإن قال قائل: هذا جارٍ على خلاف القياس؛ لأنه ميسر إذ أن أحدهما غانم أو غارم.
فالجواب: أن من العلماء من أخرج هذه المسألة عن القمار بأن قال: لا بد من أن يكون معهما ثالث ليس غانماً ولا غارماً، أي: أن يكون محلِّلاً فإن غلب أخذ عوضيهما، وإن غلباه لم يُؤخذ منه شيء، وهذا يخرج المسألة عن صورة القمار والميسر، لكن هذا الجواب ضعيف جداً.
أولاً: لضعف الحديث الوارد فيه[(42)]، فالحديث ليس بحجة.
ثانياً: أن هذا حيلة؛ لأنه إن جاز أخذ العوض بلا محلِّل فلا حاجة للمحلِّل، وإن كان حراماً صار إدخال المحلل من أجل استحلال الحرام، والحيل ممنوعة شرعاً.
ثالثاً: أن المحلِّل الآن سيشاركهم في المسابقة ومع ذلك هو غانم على كل حال أو سالم، فيكون شاركهما في الفعل وخالفهما في الحكم والنتيجة، وهذا ليس من العدل، والمسابقة مبناها على العدل، فالمحلل إذا سبق أخذ العوضين من الاثنين، وإن سُبق لم يأخذ شيئاً ولم يؤخذ منه شيء، وهذا خلاف العدل، فكيف يكون مشاركاً لهما في العمل، ثم يخالفهما في النتيجة والثمرة؟!
فالصواب أنه لا يشترط أن يوجد محلِّل، وأن هذه المسألة مستثناة، وأن فيها مصلحة تربو على مفسدتها، والمصلحة هي التمرن على آلات القتال، وهذه مصلحة كبيرة وعظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر، والشرع كله مصالح، إما غالبة وإما متمحِّضة.
وأما ما لا يجوز بعوض ولا غيره فهو المسابقة في الأمور المحرمة، كالمسابقة في العدوان على الناس، وقطع الطريق، وما أشبه ذلك، أو المسابقة في لعب الشطرنج، والنرد، وغير ذلك مما يلهي كثيراً عن المهمات في الدين أو الدنيا ولا فائدة فيه، وهذا هو الضابط فيه، فالذي لا يجوز بعوض، إما أن يكون محرماً لذاته كالمسابقة على العدوان على الناس، وقطع الطريق، ونهب الأموال، وإخافة الآمنين، وما أشبه ذلك، فهذا حرام سواء كان بعوض أو بغير عوض.
وإما أن يكون مما يلهي كثيراً ويتعلق به القلب كثيراً، ولا خير فيه ولا منفعة كالنرد، والشطرنج، وما أشبههما من هذه الألعاب التي كثرت أنواعها في الوقت الحاضر.
وَلاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ المَرْكُوبَيْنِ، وَاتِّحَادِهِمَا، وَالرُّمَاةِ، وَالمَسَافَةِ بِقَدْرٍ مُعْتَادٍ. وَهِيَ جَعَالَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَسْخُهَا. ..............
قوله: «ولا بد من تعيين المركوبَين» يعني اللذين يقع عليهما السبق، فتقول مثلاً: أسابقك على هذا الجمل، والثاني يقول: أسابقك على هذا الجمل، أو يقول: أسابقك على هذا الفرس والثاني يقول: أسابقك على هذا الفرس، فلو قال: أسابقك على فرس بدون تعيين لم تصح، فلا بد من تعيين الفرسين أو الجملين مثلاً.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا يشترط تعيين الراكبين؛ لأنه قال: «المركوبين» والصحيح أنه شرط وهو مذهب الشافعي، ولا بد منه؛ لأنه ليس المقصود أن يكون هذا الجمل أو هذا الفرس سابقاً، بل السبق في الحقيقة يكون من جودة الفرس أو الجمل ومن حذق الراكب، ربما يكون الفرس فرساً جيداً جداً ويركبه إنسان ليس حاذقاً فلا يمشي، ونفس الفرس يركب عليه رجل آخر ويمشي، وهذا شيء مشاهد، ولما كان الناس يستعملون الحمير كآلة ركوب وآلة نقل، تجد أحد الركاب إذا ركب على الحمار بمجرد ما يحرك نفسه يمشي الحمار، وبعض الناس يركب ويزجر الحمار ويضربه ولا يتحرك.
قوله: «واتحادهما» لا بد ـ أيضاً ـ من اتحادهما، بمعنى أنه لا بد أن يكون السبق في الخيل على فرسين من نوع واحد كعربي وعربي، وبِرذَوْن وبِرذَوْن، وهجين وهجين، فلو سابق على فرس وبغل فلا يجوز، ولو سابق بين عربي وهجين فلا يجوز، وكذلك في الإبل فلا يصح بين العِراب والبَخاتي؛ لاختلاف النوع؛ لأنه لا بد من اتحادهما وأن يكونا من نوع واحد.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا يشترط اتفاقهما في الذكورة والأنوثة، فيجوز أن يكون السبق على جمل وناقة أو على فرس وحصان، ولا سيما ـ أيضاً ـ بالنسبة للناقة والجمل فلا بأس، وإن كان يختلف بعضهما عن بعض في مسألة التحمل والصبر والقوة.
قوله: «والرماة» لا بد ـ أيضاً ـ من تعيينهم فيما إذا كانت المسابقة بالسهام؛ لأن القصد معرفة حذقهم وهذا لا يحصل إلا بالتعيين، فيقال مثلاً: فلان ابن فلان يسابق فلان ابن فلان، فلو قال مثلاً: المسابقة على رجل من بني تميم ورجل آخر من بني غطفان، فهذا لا يصح لعدم التعيين؛ لأنه لا بد من تعيين الرماة، ولا بد ـ أيضاً ـ من تعيين السهم بمعنى أن يكون المُرمى به (الآلة) من نوع واحد، ومعروف الآن الفرق بين أنواع الأسلحة فلا بد أن يكون السلاح نوعاً واحداً.
وهل يشترط ـ أيضاً ـ أن يكون الطراز واحداً؟ ينظر: إذا اختلفت فلا بد من أن يكون الطراز واحداً، أما إذا لم تختلف فلا يشترط؛ لأنها أحياناً لا تختلف من حيث القوة والأداء، لكن تختلف من حيث الشكل فقط، فلا بد من اتحاد ما يرمى به بشرط أن يكون عدم الاتحاد يؤدي إلى الاختلاف.
قوله: «والمسافة بقدر معتاد» لا بد ـ أيضاً ـ من تحديد مسافة الرمي، وكانوا في الأول يعتمدون في مسافة الرمي على قوة الرامي؛ لأنه نبل يرمي به الإنسان، فالإنسان الذي ليس بقوي لا يذهب سهمه بعيداً، فلا بد من تعيين المسافة بقدر معتاد، قالوا: وأكثره ثلاثمائة ذراع يعني حوالي مائتي متر تقريباً، وهذه المسافة بالنسبة للأسلحة الموجودة الآن لا شيء، ولكن فيما سبق لا أحد يرمي ثلاثمائة ذراع، والمرجع في ذلك إلى العرف.
وهذه الشروط التي ذكرت هي لجواز أخذ العوض في المسابقة، أما إذا لم يكن عوض فالأمر واسع، فلو قال شخص لآخر: إن عنده حماراً جيداً لا يسبقه الفرس، وقال الآخر: أنا عندي فرس، أتحداك، فتسابقا أحدهما على حمار والثاني على فرس، فيجوز بلا عوض.
مسألة: هل تجوز المسابقة في العلوم؟
إذا كانت هذه العلوم شرعية، أو مما يعين على الجهاد كالصناعات الحربية، فالمذهب لا تجوز المسابقة عليها للحديث، والراجح الجواز وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وذلك أن الدين الإسلامي قام بالسيف والعلم والدعوة، فإذا جازت المراهنة على السيف ونحوه جازت المراهنة على ما قام به من العلم، ولكن ينبغي تقييد هذا الإطلاق بما إذا لم يكن غرض الإنسان الحصول على المال فقط لا الوصول إلى الحكم الشرعي فهنا ينبغي أن يمنع، وقد يقال بعدم المنع؛ لأن بعض العلماء قال: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
قوله: «وهي» أي: المسابقة.
قوله: «جَعَالة لكل واحد فسخها» يعني أنها ليست من العقود اللازمة، بل هي من العقود الجائزة، فهي تشبه الجعالة.
والجعالة هي أن يجعل الإنسان شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً، مثل أن يقول: من رد ضالتي فله ألف ريال، والسبق من هذا الجنس.
وقوله: «لكل واحد» ـ أي: من المتسابقين ـ «فسخها» ، ويشترط لذلك أن لا يظهر الفضل لأحدهما، فإن ظهر الفضل لأحدهما فإنه يمتنع على صاحبه أن يفسخ؛ لئلا يؤدي إلى التلاعب، فمثلاً إذا كانت الإصابة تسعة من عشرة، ثم إن صاحبه أخذ ثلاثة وهو أخذ خمسة، فلا يجوز لصاحب الثلاثة أن يفسخ، ويجوز لصاحب الخمسة أن يفسخ؛ لأنه ظهر له الفضل.
فإن قال قائل: حتى صاحب الثلاثة ربما يكون مع تكرار المسابقة يقفز، وذاك يتأخر؛ لأن الإصابة مقدرة بتسعة من عشرة؟
نقول: هذا احتمال وارد، لكن ليس لنا إلا الظاهر، والآن الظاهر الغلبة مع صاحب الخمسة، فصاحب الخمسة تبين الآن أن الحق له فيما يظهر، فإن فسخ هو فلا بأس، وإن فسخ المغلوب فليس له ذلك إلا إذا رضي صاحبه.
فقوله: «لكل واحد فسخها» مطلق يجب أن يقيد بما إذا لم يظهر الفضل لأحدهما، فإن ظهر الفضل لأحدهما فليس للمفضول أن يفسخ إلا برضا صاحبه.
وَتَصِحُّ المُنَاضَلَةُ عَلَى مُعَيَّنِينَ يُحْسِنُونَ الرَّمْيَ.
قوله: «وتصح المناضلة» أي: المسابقة في الرمي.
قوله: «على معيَّنين يحسنون الرمي» يعني لا بد أن يكون الرماة معيّنين، وسبق في قوله: «والرماة» لكن لا بد أن يكونوا يحسنون الرمي؛ لأن من لا يحسن الرمي لا فائدة من رميه، والشارع إنما أجاز المسابقة بعوض في الرمي؛ من أجل أن يجيد الإنسان الرمي ويتمرن عليه، فإذا كان لا يعرف فإنه لا يصح أن يدخل في المسابقة.
وقوله: «على معينين» هل هذا يدل على اشتراط أن يكونوا ثلاثة فأكثر؟
الجواب: أما على المذهب فنعم؛ لأنه لا بد من اثنين وثالث محلل، وأما على القول الراجح فيصح أن تكون المناضلة بين اثنين.
ثم لا بد من حَكَمٍ بين الاثنين يكون عارفاً بالسبق، وتقدير السـبق بحيث لا يُظـلم أحد؛ لأن المتسابقين كالخصمين تماماً، والخصمان لا بد لهما من حاكم يحكم بينهما.
-----------------------------
[37] أخرجه الإمام أحمد (6/39)؛ وأبو داود في الجهاد/ باب في السبق على الرجل (2578)؛ وابن ماجه في النكاح/ باب حسن معاشرة النساء (1979) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ؛ وصححه ابن حبان (4691)؛ والألباني في الإرواء (1502).
[38] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب الصدقة قبل العيد (1510).
[39] أخرجه أبو داود في الزكاة/ باب زكاة الفطر (1609)؛ وابن ماجه في الزكاة/ باب صدقة الفطر (1827)؛ والدارقطني (2/138)؛ والحاكم (1/409) وقال الحاكم: «صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. وقال الدارقطني: «ليس فيهم مجروح» وحسَّنه في الإرواء (3/332).
[40] الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (5/348).
[41] أخرجه الإمام أحمد (2/256)، وأبو داود في الجهاد/ باب في السبق (2574)، والترمذي في الجهاد/ باب ما جاء في الرهان والسبق (1700). والنسائي في كتاب الخيل/ باب السبق (6/226)، وابن ماجه في الجهاد/ باب السبق والرهان (2878)، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وصححه الألباني في «الإرواء» (5/333).
[42] عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس، ومن أدخل فرساً بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار». أخرجه الإمام أحمد (2/505)؛ وأبو داود في الجهاد/ باب في المحلل (2579)؛ وابن ماجه في الجهاد/ باب السبق والرهان (2876)، وانظر: الفروسية لابن القيم ص(229) (ط/ مشهور) فقد أطال الكلام في بيان ضعفه.
|