المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد العاشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد العاشر
بَابُ الشُّفْعَةِ
 

 

بَابُ الشُّفْعَةِ

 

و َهِيَ اسْتِحْقَاقُ انْتِزَاعِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِمَّنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ بِـعِـوَضٍ مَـالِـيٍّ بِثَمَنِهِ الَّـذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ العَقْدُ.....

قوله: «الشفعة» مأخوذة من الشَفْعِ وهو جعل الواحد اثنين وهو ضد الوتر، وسميت بذلك؛ لأن الشريك يضم نصيب شريكه إلى ملكه فلذلك صار كجعل الوتر شفعاً.

أما اصطلاحاً فيقول: «هي استحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه» يعني الحصة، مثال ذلك: رجلان شريكان في أرض فباع أحدهما نصيبه على ثالث، فللشريك الذي لم يبع أن ينتزع من المشتري هذا النصيب قهراً عليه، ويضمه إلى ملكه، فتكون الأرض كلها للشريك الأول الذي لم يبع.

وقوله: «استحقاق انتزاع» الحقيقة أن في هذا التعريف نظراً؛ لأن الشفعة حقيقة انتزاع الحصة، وليس استحقاقاً؛ لأن هذا المستحق لو لم ينتزع لم تثبت الشفعة، لكن لا يستحق الانتزاع إلا بشروط، فالصواب أن يقال في التعريف: (الشفعة انتزاع حصة الشريك ممن انتقلت إليه... إلخ) دون أن يقال: «استحقاق» ؛ لأن هناك فرقاً بين الاستحقاق وبين الانتزاع، ولهذا لو باع أحد الشريكين نصيبه فالشريك الأول مستحق، فإذا أجاز البيع ولم يأخذه فهل هناك شفعة؟ لا، إذاً التعريف ليس بجيد، والصواب أن يقال: «انتزاع حصة شريكه» .

وقوله: «انتزاع» يفيد أن الأمر ليس اختيارياً وأنه ينزع منه قهراً، وهو كذلك.

وقوله: «حصة شريكه ممن انتقلت إليه» أفادنا المؤلف أنه لا ينتزع ملك جاره وأنه لا شفعة للجار، وسيأتي الكلام على ذلك ـ إن شاء الله ـ، لكن كلمة (شريك) تُخرج الجار؛ لأن الجار ليس بشريك.

وقوله: «ممن انتقلت إليه» يفيد أنه لا بد من نقل المُلك، فلو آجرها فإنه لا شفعة، مثال ذلك: رجلان شريكان في أرض أجَّر أحدهما نصيبه منها لشخص ثالث، فهنا لا شفعة للشريك؛ لأن ملكه لم ينتقل وإنما انتقل النفع فقط، حتى ولو طالت المدة كالصُّبرة المعروفة بالحكورة، وهي أن يؤجره الأرض دائماً وأبداً أو لمدة ألف سنة أو ما أشبه ذلك، فظاهر كلام المؤلف: أنه لا شفعة في هذا؛ لأن الملك لم ينتقل وإنما انتقل النفع.

قوله: «بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد» «بعوض» متعلق بقوله: «انتقلت» ، وخرج به ما لو انتقلت بغير عوض، ولا فرق بين أن يكون انتقالها بغير عوض بملك قهري أو اختياري، فمثلاً: لو أن الشريك مات وله ابن يرثه، فهنا انتقل الملك إلى الابن بغير عوض، إذاً ليس لشريكه أن يُشَفِّع، وهذا الانتقال انتقال قهري، يعني أن الملك انتقل إلى الوارث قهراً، فيدخل في ملك الوارث قهراً عليه حتى لو أراد الوارث أن يتخلى وقال: أنا لا أريد نصيبي من التركة، فإنه لا يمكنه ذلك؛ لأن الله ملَّكه إياه، قال الله تعالى: {{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}} [النساء: 12] وقال: {{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] فلا يمكن أن يتخلى عن شيء ملَّكه الله إياه، فانتقال الملك بالإرث انتقال قهري لا يمكن للوارث أن يرفضه، فلو مات ميت عن ابنين فقال أحدهما: أنا غني ولا أريد الإرث، فهل يمكنه هذا؟ لا يمكن، ونقول: هو دخل عليك قهراً بتمليك الله له إياك.

فإذا انتقل بغير عوض على وجه اختياري كالهبة فظاهر كلام المؤلف ـ حسب المفهوم ـ أنه لا شفعة، مثال ذلك: شريكان في أرض وهب أحدهما نصيبه لشخص ثالث، فهل لشريكه أن يأخذ بالشفعة؟ على كلام المؤلف لا؛ لأنه انتقل بغير عوض لكن هذا الانتقال اختياري، فهو الذي قام بهبته، والصحيح أن فيها الشفعة؛ لأن الحكمة من إثبات الشفعة موجودة فيما خرج ملكه عن الشريك بالهبة، والحكمة إذا ثبتت فإنه لا عبرة باختلاف الصور، يعني إذا وُجدت الحكمة فسواء كان ببيع أو بهبة.

إذاً قوله: «بعوض» يخرج به ما انتقل بغير عوض وهو نوعان:

أحدهما: أن يكون الانتقال قهرياً مثل الميراث، فلا شفعة وهذا واضح؛ لأن الشريك لم ينقله باختياره.

الثاني: أن يكون انتقال الملك فيه بالاختيار كالهبة، فالمذهب أنه لا شفعة، والصحيح أن الشفعة ثابتة؛ لأن الحكمة من الشفعة موجودة في الهبة، إذ إن الحكمة من الشفعة إزالة ضرر الشريك الجديد عن الشريك الأول؛ لأنه قد يكون الشريك الجديد شكساً سيئ الخلق، فشرع الشارع الشفعة لإزالة هذا الضرر، ثم إن هذا الشريك الجديد قد لا يتلاءم مع الأول فتحصل المنازعات والخصومات والبغضاء، وهذا ما يريد الشرع البعد عنه.

وقوله: «بعوض مالي» يشترط أن يكون العوض مالياً فإن لم يكن مالياً فإنه لا شفعة، فالأعواض مالية وغير مالية، فالمالية كالنقود والثياب والسيارات وما أشبه ذلك، والعوض المالي يشمل الأعيان والمنافع، مثال الأعيان: إنسان باع ملكه على شخص بسيارات، فالعوض هنا مالي، وهو أعيان وليس بمنافع.

ومثال المنافع: إنسان استأجر بيتاً وأعطى صاحب البيت نصيبه من هذه الأرض مثلاً، فهنا العوض منفعة؛ لأنه أعطى نصيبه من هذه الأرض لشخص استأجر بيته واستوفى العوض منفعة؛ والمنفعة لا شك أنها من الأعواض المالية.

ولو أنه أعطاها مصالحة عن دم عمد كالقتل العمد فإن فيه القصاص، فهذا الشريك قتل شخصاً عمداً، فنقول: عليك القصاص، فتصالح هو وأولياء المقتول بأسقاط القصاص بعوض على قدر الدية أو أقل أو أكثر، فهل للشريك الأول أن يأخذ النصيب بالشفعة؟! لا؛ لأن العوض هنا ليس مالياً، العوض قصاص لقتل نفس فلا تُؤْخذ بالشفعة.

وقيل: بل تؤخذ بالشفعة ويأخذها الشريك بقيمتها التي تساوي عند الناس، وهذا القول أرجح؛ لأنها خرجت عن هذا باختياره، والذي نرى أنه كلما خرج الشقص بالاختيار فإن للشريك أن يأخذ بالشفعة، سواء كان العوض مالياً أو غير مالي، فإن كان العوض مالياً فواضح أنه يأخذه بعوضه، وإن كان غير مالي قُدِّر بقيمته في السوق.

وقوله: «بثمنه» الباء حرف جر، وكل مجرور فلا بد له من متعلق؛ لأن المجرور معمول لعامل، والمعمول لا بد له من عامل، كما أن المفعول به لا بد له من فعل ينصبه، فالمجرور ـ أيضاً ـ لا بد له من فعل يتعلق به، ولهذا قال ناظم القواعد:

لا بد للجار من التعلق

بفعل أو معناه نحو مرتقي[(124)]

على كل حال (الباء) في قوله: «بثمنه» متعلقها قوله: «انتزاع» فهي استحقاق انتزاع بالثمن، يعني أن الشريك يأخذ الشقص المبيع بالثمن لا بالقيمة.

واعلم أن هناك فرقاً بين القيمة والثمن عند أهل العلم، فالثمن هو ما وقع عليه العقد، والقيمة ما يساوي بين الناس، فمثلاً اشترى رجل بيتاً بعشرة آلاف، فالثمن عشرة آلاف، لكن هذا البيت يساوي بين الناس خمسة آلاف، فالقيمة إذاً خمسة آلاف، أو يساوي عشرين فالقيمة عشرون، فالثمن قد يساوي القيمة، وقد يكون أقل وقد يكون أكثر.

وقوله: «الذي استقر عليه العقد» فُهِم من كلام المؤلف أن العبرة بما استقر عليه العقد لا بما جرى به العقد، فمثلاً: لو أن رجلاً اشترى حصة لشريك بعشرة آلاف ريال، وفي مجلس الخيار قال المشتري بعدما تم العقد: إنه غالٍ وأنا لا أريد أن آخذه إلا بتسعة آلاف فيأخذه الشفيع بتسعة آلاف، والعكس بالعكس، فلو باعه بتسعة آلاف وفي مجلس العقد قال البائع: إن الثمن قليل، وأريد أن يكون بعشرة وإلا فسخت العقد فوافق المشتري واشتراه بعشرة فيأخذه الشفيع بعشرة، فالعبرة بما استقر عليه العقد لا بما جرى به العقد؛ لأنه قد يزاد وقد ينقص في خيار المجلس أو خيار الشرط.

والدليل على ثبوت الشفعة حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم[(125)]، وهذا القضاء قضاء حكم وتشريع، وذلك أن قضاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد يكون قضاء حكم وتشريع عام للأمة، وقد يكون قضاء مصلحة يتقيد بزمنه، مثال الأول: هذا الحديث الذي معنا، ومثال الثاني: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بالسَّلَب للقاتل في الجهاد[(126)]، والسلب ما على الكافر المقتول من ثياب ونحوها، فهل قضاؤه بذلك قضاء حكم وتشريع أو هو قضاء عين ومصلحة؟ إن قلنا بالأول صار السلب للقاتل في كل حال سواء جعله له القائد أم لم يجعله، وإن قلنا بالثاني صار القضاء بالسلب للقاتل إلى الإمام أو قائد الجيش، لكن الشفعة قضاء حكم وتشريع عام.

فإذا قال قائل: كيف يؤخذ منه قهراً؟! وهل هذا إلا من أكل أموال الناس بالباطل؟! فيقال: معاذ الله أن يكون من أكل المال بالباطل؛ لأن أخذ المال بالباطل أن يأخذه الإنسان بغير حق، وهذا أخذه بحق جعله الشارع له.

فإذا قال قائل: إذاً ما وجه تسليط الشارع الشريك على هذا المشتري حتى ينتزع منه ملكه قهراً؟

فيقال: لما في ذلك من المصلحة، وعدم المضرة على المشتري؛ فالمشتري ليس عليه ضرر؛ لأن ثمنه الذي دفع سوف يدفع إليه، وليقدر أنه لم يشترِ، وأما انتفاء الضرر الذي يحصل بالشفعة فلأن هذا الشريك قد يكون شريكاً سيئ الشركة متعباً لشريكه يحوجه إلى النزاع والخصومة دائماً، فجعل الشارع للشريك أن يدفع ما يخشى من ضرره بالشفعة.

فإذا قال قائل: إذا كانت هذه هي العلة وقُدِّر أن الشريك باع على رجل أحسن منه شركة، فهل تسقطون الشفعة؟

فالجواب: لا نسقطها؛ لأن ما ثبت بعلة خفية، فإنه يثبت ولو لم تتحقق العلة، ومثل ذلك القصر في السفر فإن علة القصر هي المشقة غالباً، فإذا زالت المشقة فلا يزول الحكم، بل للإنسان أن يقصر في السفر وأن يفطر ولو لم تكن مشقة، وهنا كذلك.

 

فَإِنِ انْتَقَلَ بَغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ كَانَ عِوَضُهُ صَدَاقاً، أَوْ خُلْعاً، أَوْ صُلْحاً عَنْ دَمِ عَمْدٍ فَلاَ شُفْعَةَ وَيَحْرُمُ التَّحَيُّلُ لإسْقَاطِهَا. .......

قوله: «فإن انتقل بغير عوض» فلو انتقل النصيب بميراث ـ مثلاً ـ فلا شفعة، مثاله: رجلان شريكان في أرض، مات أحدهما فانتقل نصيبه في هذه الأرض إلى ورثته، فهل للشريك أن يشفع؟ الجواب: لا؛ لأنه انتقل بغير عوض على وجه قهري.

مثال آخر: وهب الشريك نصيبه لشخص، فهل للشفيع أن يأخذه؟ على كلام المؤلف ليس له أن يأخذه؛ لأنه انتقل بغير عوض.

ولو تصدق الشريك بحصته على الفقراء فليس لشريكه أن يشفع؛ لأنه انتقل بغير عوض، وكذا لو أوقفه على الفقراء فليس له أن يأخذه بالشفعة؛ لأنه انتقل بغير عوض، أما لو جعله أجرة، بأن كان الشريك عليه أجور كثيرة فقال لمن له الأجرة: أنا أعطيك نصيبي من هذه الأرض، فقبل، فهل للشفيع أن يشفع؟ نعم له أن يشفع؛ لأن الأجرة دراهم، فانتقلت بعوض.

ولكن القول الراجح أنه إذا انتقلت بغير عوض، فإن كان قهرياً فلا شفعة، وإن كان اختيارياً ففيه الشفعة، وبناء على هذا القول الراجح إذا انتقل بإرث، فهل للشريك أن يشفع على الورثة؟ لا؛ لأنه انتقل على وجه قهري.

ولو وهب الشريك نصيبه لشخص فهل لشريكه أن يشفع؟ على القول الراجح نعم له أن يشفع، ولكن كيف يكون الثمن؟ إذا قال الموهوب له: لا يمكن أن تأخذ مني ما ملكته بالهبة بدون عوض فنقول: تُقَدَّر قيمته من لدن أهل الخبرة فإذا قالوا: قيمته كذا، قلنا للشريك: إن أخذته بهذه القيمة فلك الحق وإلا فلا حق لك.

وقوله: «فإن انتقل» مقتضى السياق أن يقول: فإن انتقلت، لأنه قال: «انتزاع حصة» فأعاد الضمير على «حصة» باعتبار معناها لا لفظها.

قوله: «أو كان عوضه صداقاً» يعني أن الشريك أصدق نصيبه زوجه، فهنا العوض غير مالي، لم يعتض عنه شيئاً مالياً، والعبارة فيها شيء من الركاكة، والتقدير: (وإن كان عوضه غير مالي بأن جُعِل صداقاً) يعني أن الشريك أصدق امرأته نصيبه من المشترك، فليس لشريكه أن يشفع؛ لأن هذا الشريك اعتاض عن حصته فرجاً كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لها المهر بما استحلَّ من فرجها» [(127)] فهنا يقول المؤلف: إنه لا شفعة.

ولكن القول الراجح أن له أن يشفع، وحينئذٍ بماذا يأخذه الشريك المشفِّع؛ لأن القيمة غير مالية؟ فهل نقول: يأخذه بالمالية، يعني بما يساوي في السوق فيُقَوَّم ويأخذه بذلك، أو يأخذه بمثل مهر المرأة؛ لأن هذا جُعِل مهراً؟ فيه قولان، والصحيح أنه يأخذه بقيمته، بمعنى أنه يقوَّم ويؤخذ بقيمته سواء زاد على مثل مهر المرأة أو نقص أو ساوى.

قوله: «أو خُلعاً» أي: جُعِلَ عوضاً في خلع، فالذي يبذل الصداق هو الزوج، والذي يبذل الخلع المرأة أو غيرها من الناس، فإذا جعل خلعاً بأن تكون امرأة شريكة لإنسان في أرض، وطلبت من زوجها المخالعة فخالعها على نصيبها من هذه الأرض، فعوض النصيب الآن غير مالي وهو فداؤها نفسها من هذا الزوج وفراقها إياه، فليس للشريك أن يشفع؛ لأن هذا النصيب أو هذه الحصة انتقلت بغير عوض مالي، والقاعدة عندنا أنه لا بد أن يكون انتقل بعوض مالي، وهذا ـ أيضاً ـ فيه خلاف.

والصحيح أنه يشفع؛ لأن القاعدة التي تظهر لي من السنة أنه متى انتقل الملك على وجه اختياري، ففيه الشفعة بأي حال من الأحوال.

وإذا قلنا: بأنه يشفع فكيف تكون القيمة؟ تكون بالتقويم، بمعنى أن نسأل أهل الخبرة كما يساوي هذا الشقص؟ فإذا قالوا: يساوي كذا وكذا أخذه الشفيع بذلك.

قوله: «أو صلحاً عن دم عمد فلا شفعة» دم العمد هو ما يثبت به القصاص، يعني أخذ عوضاً عن قصاص، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ شروط القصاص.

فالقتل ثلاثة أقسام: عمد، وشبه عمد، وخطأ.

فتعريف العمد: أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به.

وشبه العمد هو نفس العمد إلا أننا نبدل قولنا: (بما يغلب على الظن موته به) بكلمة أخرى فنقول: (بما لا يغلب على الظن موته به، أو بما يغلب على الظن أنه لن يموت به) فمثلاً: رجل ضرب شخصاً على رأسه بالساطور فمات فهذا عمد، وآخر ضربه بعصا صغيرة فمات فهذا شبه عمد، فقصد الجناية حاصل في العمد وشبهه، لكن الآلة في العمد تقتل وفي غير العمد لا تقتل.

والقتل الخطأ ليس فيه قصد، بمعنى أن الإنسان يفعل ما له فعله فيصيب آدمياً لم يقصده، مثل أن يرمي صيداً فيقع السهم على إنسان، فنسمي هذا خطأً.

فالقتل العمد يوجب القصاص، وشبه العمد والخطأ يوجب الدية، فإذا صُولح أولياء المقتول، وقيل لهم: نصالحكم عن قتل صاحبنا بكذا وكذا، أو صالح القاتل نفسُه أولياء المقتول بنصيبه من هذه الأرض، وأخذوا نصيبه من الأرض ثم عفوا عن القصاص، فهل لشريك المالك أن يشفع؟ على ما ذهب إليه المؤلف لا؛ لأن العوض غير مالي، فالقتل ليس بمال، وهو جعل هذا الشقص عوضاً عن القصاص فلا شفعة.

والقول الراجح ـ الذي رجحناه ـ أن فيه الشفعة، وتقدر قيمة هذا الشقص عند أهل الخبرة.

وعلم من قول المؤلف: «عن دم عمد» أنه إذا كان صلحاً عن دم شبه عمد أو خطأ فإنه يؤخذ بالشفعة، مثال ذلك: رجل قتل إنساناً خطأً أو شبه عمد، فالواجب عليه الدية، والدية مال، فصالح أولياء المقتول عن الدية بنصيبه من هذه الأرض فهنا للشريك أن يشفع؛ لأن نصيب القاتل انتقل إلى أولياء المقتول وعوضه مالي.

لكن هنا هل نأخذه بقيمة الدية التي صالح عنها، أو بقيمة الشقص؟ الثاني هو الصحيح، وقيل بالأول، فمثلاً نقول: إن دية المسلم مائة ألف وهذا الشقص أُخذ عوضاً عن مائة الألف، فإذا أراد الشفيع أن يأخذه قلنا: هو عليك بمائة ألف، وعلى القول الراجح أنه يؤخذ بقيمته فيسأل أهل الخبرة كم يساوي؟ فإذا قالوا: يساوي كذا وكذا قلنا: خذه.

قوله: «ويحرم التحيل لإسقاطها» يعني يحرم على المشتري أن يتحيل لإسقاط الشفعة، والتحيل له صور كثيرة، فمن الحيلة أن يظهر أن ثمنها كثير، وما دام ثمنها كثيراً فإن الشريك لن يأخذ بالشفعة، فمثلاً يشتري الحصة بعشرة آلاف ويظهر أنه اشتراها بعشرين ألفاً، والشريك لا يريدها بعشرين ألفاً؛ لأن الثمن غالٍ، فهذا حرام، ومتى تبين أن الثمن عشرة آلاف فإن له أن يأخذها بالشفعة ولو طالت المدة؛ لأن حق المسلم لا يسقط بالتحيل.

ومن ذلك ـ أيضاً ـ أن يظهر البائع أنه وهبها للمشتري، وسبق أن المذهب أن ما انتقل بغير عوض ليس فيه شفعة، فهذه حيلة لإسقاطها.

ومن ذلك ـ أيضاً ـ أن يظهر المشتري أنه أوقفها، يعني من حين ما يشتريها يقول: هي وقف للمساجد، أو لطلبة العلم، أو لأولاده، فإذا أوقفها سقطت الشفعة؛ لأن انتقال الملك عن المالك إلى جهة لا يثبت فيها الشفعة ابتداءً يسقطها.

المهم أن التحيل لإسقاطها حرام والدليل:

أولاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات» [(128)].

ثانياً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قاتل الله اليهود لما حرمت عليهم الشحوم أذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها» [(129)]. فتحيلوا على المحرم.

ثالثاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» [(130)] قال شيخ الإسلام: إسناده جيد.

أما التعليل؛ فلأنه يتضمن إسقاط حق المسلم، وكل ما تضمن إسقاط الحقوق الواجبة فهو حرام لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»[(131)].

فإن قال قائل: ما هي الحيلة؟

قلنا : الحيلة هي أن يتوصل إلى شيء محرم بصورة ظاهرها الحل، والحيل في أي شيء محرمة، فكل حيلة على إسقاط واجب أو انتهاك محرم فهي حرام، وهي أبلغ من المخالفة الصريحة؛ لأنها تتضمن الوقوع في المخالفة الصريحة معنىً مع الخداع لله ـ عزّ وجل ـ والتلاعب بأحكامه، ولهذا قال أيوب السختياني ـ رحمه الله ـ: (إن هؤلاء ـ يعني المتحيِّلين ـ يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، ولو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون).

إذاً الحيلة محرَّمة، والدليل الأحاديث التي سقناها، والتعليل أن المخادعة لله أعظم من المخالفة الصريحة؛ لأن المخادعة فيها نوع من التلاعب بأحكام الله ـ عزّ وجل ـ فهي ـ أي: الحيلة ـ أشد، والمتحيل فيه خصلة من خصال اليهود، كما أن المخلف للوعد فيه خصلة من خصال النفاق، ولهذا أيُّ إنسان مسلم يقال له: إن فيك خلقاً من أخلاق اليهود سوف يغضب ويثور، ولكنه قد يكون فيه هذا الخلق من حيث لا يعلم.

وإذا تحيل فهل تسقط؟

الجواب: لا تسقط، بل متى ظهر أن في الأمر حيلة فإن للشريك أن يشفع.

 

وَتَثْبُتُ لِشَرِيكٍ فِي أَرْضٍ تَجِبُ قِسْمَتُهَا، وَيَتْبَعُها الغِرَاسُ، وَالبِنَاءُ، لاَ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ فلاَ شُفْعَةَ لِجَارٍ،......

قوله: «وتثبت» أي: الشفعة.

قوله: «لشريك في أرض تجب قسمتها» «لشريك» مفهومه أن الجار لا شفعة له، وصرح به في قوله: «فلا شفعة لجار» .

وقوله: «في أرض» خرج بذلك الشريك في غير أرض كالشريك في سيارة، والشريك في دكان وما أشبه ذلك، فإنه لا شفعة فيما لو باع نصيبه على آخر.

وقوله : «تجب قسمتها» احترازاً من الأرض التي لا تجب قسمتها، ومعنى قوله: «تجب قسمتها» أنه إذا طلب أحد الشركاء القسمة قسمت إجباراً، وإلا فإن الأرض لا تجب قسمتها، فالشركاء متى شاؤوا قسموا ومتى شاؤوا بقوا على الشركة.

وفُهم من قوله: «تجب قسمتها» أن الأرض منها ما تجب قسمته ويجبر الشريك على القسمة، ومنها ما ليس كذلك، فما هو الضابط؟

الضابط أنه إذا كانت الأرض تنقسم بدون ضرر، ولا رد عوض فالقسمة إجبارية، وإذا كانت لا تنقسم إلا بضرر، أو رد عوض فالقسمة اختيارية، مثال ذلك: رجلان بينهما أرض مقدارها عشرة أمتار في عشرة أمتار، فطلب أحدهما القسمة وأبى الآخر، فهل يجبر؟ لا يجبر على القسمة؛ لأنه إذا قسمت فسدت ولم تصلح لبناء شيء، فهذه ليس فيها شفعة.

المثال الثاني: رجلان بينهما أرض واسعة إذا قسمت لا يتضرر أحدهما بالقسمة، ويمكن أن يستفيد بنصيبه على الوجه الأكمل، فقسمة هذه إجبارية، فإذا طلب أحدهما أن تقسم وأبى الآخر أجبر على ذلك، فهذه فيها الشفعة، والأُولى ليس فيها شفعة.

على كلام المؤلف: أن الشريك في الأرض الأولى ـ وهي الأرض الصغيرة ـ إذا باع نصيبه على شخص، فهل لشريكه في هذه الأرض أن يشفع؟ المؤلف يرى أنه لا يشفع، والشريك في الأرض الواسعة إذا باع نصيبه فلشريكه أن يشفع، فأيهما أولى بالشفعة الثانية أو الأولى؟ الأولى أولى بالشفعة؛ لأن الأولى لا يمكن قسمتها، ولا يمكن التخلص من الشريك الجديد، والثانية يمكن أن يتخلص من الشريك الجديد بطلب القسمة وتقسم وينتهي الإشكال، ولهذا كان الأولى أن يقال: الأرض التي لا تجب قسمتها ولا تقسم إلا بالاختيار أولى بثبوت الشفعة من الأرض التي تقسم إجباراً، وهذا هو المعقول.

فإذا قال قائل: ما الدليل على ما اشترطه المؤلف؛ لأن قوله: «لشريك في أرض» يخرج الجار، وقد صرَّح به فقال: «فلا شفعة لجار» فما الدليل؟

قالوا: إن الدليل قول جابر ـ رضي الله عنه ـ: (قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل ما لم يقسم)[(132)] فمفهومه أن ما قسم ليس فيه شفعة، وإذا قسم صار الشريك جاراً، كأرض بين رجلين اقتسماها كانت في الأول مشتركة والآن صار الشريك جاراً، والحديث: (قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل ما لم يقسم) هذا المنطوق، ومفهومه لا شفعة فيما قسم، والنتيجة لا شفعة للجار؛ لأنه إذا كان الجار الذي كان شريكاً بالأول لا شفعة له، فالجار الذي ليس بينه وبين جاره شركة من باب أولى.

ولكن نقول: الاستدلال بهذا الحديث فيه نظر؛ لأنه يجب إذا استدللنا بالحديث أن نستدل به كاملاً، وإذا استدللنا بالحديث كاملاً لزم أن يكون الجار له شفعة في بعض الأحوال، وليس له شفعة في بعض الأحوال، يقول جابر ـ رضي الله عنه ـ: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فالحديث بيَّن أنه إذا حصلت القسمة ورسمت الأرض بحدودها وصرِّفت الطرق، بأن كان هذا الجانب له طريق والجانب الآخر له طريق فلا شفعة، فيؤخذ من هذا أنهما لو اقتسما وبقي الطريق واحداً لم يُصرَّف فالشفعة باقية، وهذا هو القول الراجح، أن الجار له الشفعة في حال وليس له الشفعة في حال، فإذا كانت الطريق واحدة، أو الماء الذي يسقى به الزرع واحداً، أو أي شيء اشتركا فيه من حق الملك فإن الشفعة ثابتة، وإذا لم يكن بينهما حق مشترك فلا شفعة، هذا هو القول الراجح في ثبوت الشفعة للجار، وعليه يحمل حديث: «الجار أحق بسقبه»[(133)] ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.

وقال بعض العلماء: للجار الشفعة مطلقاً لحديث: «الجار أحق بسقبه» أي: بما جاوره.

وقوله: «لشريك في أرض» خرج بذلك الشريك في غير الأرض، كالشريك في السيارة، والشريك في السفينة، والشريك في السلع فإنه لا شفعة له، مثال ذلك: رجلان يملكان سيارة شركة، فباع أحدهما نصيبه على آخر فعلى المذهب لا شفعة؛ لأن الشركة في غير أرض، ولا بد أن تكون الشركة في أرض.

وهذه المسألة فيها خلاف، فمن العلماء من قال كما قال المؤلف: لا شفعة في غير الأرض، ومنهم من قال: الشفعة في كل شيء إلا ما أمكن قسمته من المنقولات فإنه لا شفعة فيه؛ لإمكان قسمته من دون ضرر ككيس من البر ونحو ذلك، وهذا القول أرجح؛ لأن العلة التي ثبتت بها الشفعة للشريك في الأرض موجودة في الشريك في غير الأرض، فإذا كان شريكك في السيارة رجلاً طيباً سهلاً لا يعارضك في شيء، إذا احتاجت السيارة إلى إصلاح أصلحها، وإذا احتاجت إلى زيادة زادها، وإذا حصل عليها حادث تساهل في الأمر، ثم جاء هذا الشريك الجديد وكان من أشكس عباد الله، فإذا خربت السيارة ـ مثلاً ـ فإنه يؤذيه في إصلاحها ولا يتساهل معه، فأيهما أولى، الشريك الأول الذي باع أو الشريك الجديد؟ الأول ولا شك، فيتضرر الشريك بهذا الشريك الجديد، والشفعة إنما شرعت لدفع ضرر الشريك الجديد، وعليه فالقول الراجح أن الشفعة تثبت في كل مشترك، سواء كان أرضاً، أم أوانِيَ، أم فرشاً، أم أي شيء.

وقوله: «تجب قسمتها» خرج به ما لا تجب قسمته كالدور الصغيرة، والأراضي الصغيرة وما أشبه ذلك فإنها ليس فيها شفعة، وتقدم قريباً، ومعلوم أن هذا يحتاج إلى دليل، قالوا: الدليل حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ: «إذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة»[(134)]، ووقوع الحدود لا يمكن إلا في أشياء واسعة يمكن قسمتها، والجواب على هذا سهل؛ لأن قوله: «إذا وقعت الحدود» يشمل كل ما يمكن قسمته سواء كان إجبارياً أم اختيارياً، حتى الذي قسمته اختيارية يمكن أن تقع فيه الحدود وتصرَّف فيه الطرق، وعلى هذا فلا دليل في الحديث.

فالصواب إذاً أن الشفعة واجبة حتى في الأرض التي لا تقسم إلا اختياراً خلافاً لكلام المؤلف ـ رحمه الله ـ.

قوله: «ويتبعها الغراس والبناء، لا الثمرة والزرع» يعني إذا شفَّع الشريك في أرض فيها غراس وبناء فإن الغراس والبناء يتبعها إذا كانت حين البيع موجوداً فيها الغراس والبناء، وأما الثمر والزرع فلا يتبع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها» [(135)] فكما أن الثمر والزرع لا يتبع في البيع فكذلك لا يتبع في الأخذ بالشفعة، بل يكون لمن اشتراها، ولأن مدة الزرع والثمر لا تطول بخلاف الغراس والبناء فإن مدتهما تطول.

وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين أن تكون حين البيع مثمرة أو مزروعة، أو كان الثمر والزرع بعد ذلك، ولكن الصحيح أنه إذا كانت الثمرة موجودة حين البيع، وشفع الشريك والثمرة موجودة فإنها تتبع، وكذلك يقال في الزرع لما يلي:

أولاً: أن الثمرة فرع الغراس، والشجر والزرع فرع الأرض، ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.

ثانياً: أنه قد يحدث ضرر ولو يسيراً، والدليل على هذا أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه وعن بيع الحب حتى يشتد[(136)]؛ لئلا يحصل النزاع والخصومة بين البائع والمشتري.

ثالثاً: أننا إذا منعنا الشفعة في الثمرة والزرع صار في ذلك تشقيص على الشريك، وهذا قد يتضرر به وحتى المشتري قد يتضرر به؛ لأنه قد يقول: إن لم يحصل لي النصيب كاملاً فأنا لا أريد الثمرة ولا الزرع، وإذا قال الشريك الأول: أنا لا أريدها ـ أيضاً ـ صار في ذلك ضرر على المشتري، فإذا قلنا: إنها تتبع الأصل استرحنا من هذا الضرر.

أما لو كانت النخيل حين البيع ليس فيها ثمر ثم أثمرت بعد عند المشتري فإنها تكون للمشتري، لأنها نماء ملكه فإنه قبل أن يؤخذ بالشفعة للمشتري.

بقي سؤال يرد على المذهب، وهو أن الشريك إذا أخذ النصيب بثمنه الذي استقر عليه العقد، مع أنه سينزع منه الثمرة والزرع فسيكون فيه ضرر على الشريك؛ لأن الثمن الذي استقر عليه العقد هو قيمة للأرض والثمرة والغراس والزرع، فإذا قلنا: إن الشريك يلزمه الثمن كاملاً صار في ذلك ظلم عليه فماذا نفعل؟

نقول: نقدر ثمن الزرع والثمرة ويخصم من الثمن.

قوله: «فلا شفعة لجار» هذا مفهوم قوله: «وتثبت لشريك» ، وهذا هو المشهور من المذهب أن الشفعة لا تثبت للجار مطلقاً، وقد سبق.

 

وَهِيَ عَلَى الفَوْرِ وَقْتَ عِلْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا إِذاً بِلاَ عُذْرٍ بَطَلَتْ. .....

قوله: «وهي على الفور وقت علمه» أي: الشفعة، وسبق أن الشفعة هي انتزاع الحصة، يعني أنه لا بد أن يبادر الشفيع في الأخذ بالشفعة، فيقول: شفَّعت، أو أخذتها بالشفعة أو ما أشبه ذلك، إلا أنهم استثنوا ما إذا كان مشغولاً بما لا يمكن معه المطالبة، كما لو علم ـ مثلاً ـ وهو على قضاء الحاجة، فلا يستطيع أن يشفع، أو جاءه الخبر وهو يتغدى أو يتعشى، فهذا لا يمكن أن يشفع.

أما إذا جاءه وهو غائب فإنه إن لم يشهد على الأخذ بالشفعة سقطت شفعته، وعلى هذا إذا جاءه الخبر بأن شريكه قد باع وهو في مكان بعيد فإنه يشهد رجلين، أو رجلاً وامرأتين على أنه آخذ بالشفعة.

وقوله: «على الفور» قد يقول قائل: إن إلزامنا إياه أن تكون المطالبة على الفور فيه مشقة؛ لأن الشفيع ربما يقول: أعطوني مهلة أفكر في الأمر، أعطوني مهلة أنظر هل أحصِّل الثمن أو لا أحصِّله؟ فنقول: لا، لا مهلة لك، مع أن الشفعة حق من حقوقه لا يمكن أن يسقط إلا بما يدل على رضاه، لكنهم يقولون: إنها على الفور، وإن لم يطالب على الفور سقطت، والدليل حديث: «الشفعة لمن واثبها» [(137)] و «الشفعة كحل العقال» [(138)] أي: عقال البعير، يعني لا بد أن تكون بسرعة، لكن الحديثين ضعيفان لا يُحتج بهما ولا يمكن أن يتوصل بهما إلى إسقاط حق المسلم فلا اعتماد عليهما، وإذا لم يكن عليهما اعتماد رجعنا إلى الأصل، والأصل أن كل من ثبت له حق فإنه لا يسقط إلا بما يدل على رضاه؛ لأن هذا حق شرعي: «قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل ما لم يقسم» فهذا قضاء نبوي لا يمكن أن يسقط إلا بما يدل على الرضا.

وعليه فالقول الراجح الذي يتعين الأخذ به أن يقال: هي على التراخي لا تسقط إلا بما يدل على الرضا.

فإذا قال المشتري: إلى متى أنتظر، ما أدري متى يرضى أو لا يرضى؟ ففي هذه الحال نضرب له أجلاً مناسباً، فيقال للشريك الذي له الشفعة: لك ثلاثة أيام، أو لك يومان، أو لك أربعة أيام، حسب الحال؛ لأننا لو قلنا: لك إلى شهرين أو ثلاثة حتى ترضى، صار في ذلك ضرر على المشتري.

إذاً القول الراجح أنها ليست على الفور بل هي على التراخي ولا تسقط إلا بما يدل على الرضا، ووجه هذا القول أنه حق جعله الشارع للشريك فلا يسقط إلا برضاه.

ثم إنه ـ أي: الشريك ـ قد يحتاج إلى تأمل؛ لأن المشكل أنه لا بد أن يأخذها بالثمن، وإذا كان حالاًّ يأخذها بالثمن الحال، وقد لا يكون عنده دراهم في ذلك الوقت، فيحتاج إلى أن يطلبها من يمين أو يسار أو يستدينها أو ما أشبه ذلك:

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ بناءً على أنها على الفور:

«فإن لم يطلبها» الضمير «ها» يعود على الشفعة، والفاعل الشريك الذي هو الشفيع.

قوله: «إذاً» أي حال علمه «بلا عذر بطلت» .

وعلم من قوله: «بلا عذر» أنه لو كان معذوراً في الفورية، فإذا زال عذره فلا بد أن يطلب بها على الفور، فلو جاءه الخبر وهو على فراشه يريد أن ينام فهل نقول: لا بد أن تذهب إلى المشتري وتقول: أنا مطالب بالشفعة؟ لا، هذا عذر، لكن من حين أن يستيقظ ويقوم ويصلي الفجر يذهب إلى المشتري ويقول: أنا آخذ بالشفعة، فعلى هذا نقول: لا بد إذا زال العذر من أن يطالب بها على الفور.

 

وَإِنْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْنِي، أَوْ صَالِحْنِي، أَوْ كَذَّبَ العَدْلَ، أَوْ طَلَبَ أَخْذَ البَعْضِ سَقَطَتْ.

قوله: «وإن قال للمشتري: بعني» القائل الشفيع وهو الشريك، أي قال للمشتري: بعني أي: بع علي الذي اشتريت، سقطت شفعته؛ لأنه لم يطالب على الفور، وقوله: «بعني» إقرار للملك، أي: لملك المشتري، وإذا كان إقراراً لملك المشتري فلازم ذلك أنه لا يريد المطالبة بها.

قوله: «أو صالحني» فكذلك تبطل؛ لأن طلب المصالحة يؤخر المطالبة على الفور، ويدل على أن الشريك قد أقر بأنها ملك المشتري.

قوله: «أو كذب العدل» «كذب» الفاعل الشريك «العدل» أي: المخبر العدل، يعني أن الشريك أخبره رجل عدل وقال له: إن شريكك باع على فلان، فقال: كذبت، شريكي لا يمكن أن يبيع؛ لأن له رغبة في بقاء ملكه، فإن الشفعة تسقط؛ لأن الرجل عدل والأصل في خبر العدل أنه مقبول، لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}} [الحجرات: 6] فعلم منه أنه إذا جاءنا عدل فإننا نقبل خبره.

وعلم من قوله: «أو كذب العدل» أنه لو كَذَّب الفاسق فلا تسقط الشفعة؛ لأن الفاسق لا يجب قبول خبره بل يتبين فيه، ولو كَذَّب الكذوب فمن باب أولى؛ لأن علة الكذوب هنا في إخباره، فيكون إخباره غير مقبول.

قوله: «أو طلب أخذ البعض سقطت» أي: طلب الشريك أخذ البعض.

مثاله: شريكان في أرض لكل واحد منهما نصفها، فباع أحد الشريكين نصيبه على شخص، فقال الشريك: أنا لا أتحمل قيمة الأرض كلها، وأريد أن آخذ بعضها ولك البعض، فإن الشفعة تسقط؛ لفوات الفورية؛ لأنه لم يبادر، فلو أنه بادر وأخذ بالشفعة ثم طلب المصالحة أو المقاسمة فلا بأس، لكنه لما طلب المصلحة أو المقاسمة قبل الأخذ بالشفعة سقطت.

إذاً هذه المسقطات مبنية على أنه لا بد أن يطالب بها فور علمه، لكن ينبغي أن يقال: إن اللوازم التي ذكروها من أن طلب المصالحة، أو طلب البعض، أو ما أشبه ذلك، تدل على أنه أقر البيع، ينبغي أن يقال: إذا وقع هذا من عالم فنعم، وإن وقع من جاهل لا يدري، وقال: أنا أريد المصالحة دفعاً للمطالبة وكسر قلبه، وما أشبه ذلك، فإنه لا ينبغي أن تسقط الشفعة، فيفرق بين من يفهم ويعلم، وبين من لا يفهم ولا يعلم، فإذا قال: صالحني، أو نجعلها أنصافاً لك النصف ولي النصف، عن سلامة قلب وعدم معرفة، فينبغي أن لا تسقط الشفعة؛ لأنه في هذه الحال معذور، وكما عذروا من لم يطلبها على الفور بما عذروه به، فهذه مثلها.

والخلاصة : أن الشفعة حق للشفيع لا تسقط إلا بما يدل على رضاه، أما كونها حقاً للشفيع فهو قضاء نبوي: «قضى بالشفعة في كل ما يقسم» ، وأما كونها لا تسقط إلا برضاه؛ فلأنها حقه، ولا يمكن أن تؤخذ الحقوق من أصحابها كرهاً.

 

وَالشُّفْعَةُ لاثْنَيْنِ بِقَدْرِ حَقَّيْهِمَا، فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا أَخَذَ الآخَرُ الكُلَّ أَوْ تَرَكَ. وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ، أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَيْنِ مِنْ أَرْضَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا.......

قوله: «والشفعة لاثنين بقدر حقَّيهما فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك» الشفعة لاثنين تستلزم أن يكون الشركاء ثلاثة، فتكون بقدر حقيقها لا بقدر الرؤوس، مثال ذلك: قطعة من الأرض بين ثلاثة شركاء، أحدهم له النصف، والثاني له الثلث، والثالث له السدس، فتكون مسألتهم من ستة، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث اثنان، ولصاحب السدس واحد، فإذا باع أحدهم صارت الشفعة لشريكيه.

فلنبدأ أولاً بالأكبر وهو صاحب النصف فإذا باع صاحب النصف نصيبه وهو ثلاثة رجعت إلى ثلاثة، فيكون الملك الآن أثلاثاً بين صاحب الثلث وصاحب السدس، وإذا باع صاحب الثلث، والثلث اثنان فيبقى أربعة، فيعود الملك أرباعاً بين صاحب النصف وصاحب السدس، وإذا باع صاحب السدس فيبقى خمسة، فيعود الملك الآن بين صاحب النصف والثلث أخماساً، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث اثنان.

فإذا عفا أحدهما فنقول للثاني: إما أن تأخذ الجميع وإما أن تترك الجميع، ولنفرض أن الذي باع صاحب النصف فيبقى النصف، فإذا قال صاحب السدس: أنا لا أريد الشفعة ويكفيني نصيبي من هذه الأرض، فنقول لصاحب الثلث: إما أن تأخذ كل الثلاثة التي هي النصف ويكون لصاحب الثلث خمسة، ولصاحب السدس واحد، فإذا قال: ما أتحمل، قلنا: إذاً سقطت الشفعة.

وإذا قال صاحب الثلث: أنا لا أريدها، فماذا نقول لصاحب السدس؟ نقول: خذ نصيب صاحب النصف، فيكون لك أربعة من ستة، فإذا قال: ما أتحمل، قلنا: إذاً لا شفعة، ولهذا قال: «فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك» .

وهذا الاشتراك يسمِّيه العلماء اشتراك تزاحم، بمعنى أنه إذا طلب كل واحد منهم حقه زاحم الآخرين، وإن أسقط حقه لزم الآخرين؛ لأن هذا الاشتراك اشتراك تزاحم، وإذا كان اشتراك تزاحم فإنه إذا طلب كل واحد حقه ازدحموا فيه، وإن عفا عاد إلى الآخرين.

قوله: «وإن اشترى اثنان حق واحد أو عكسه أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة فللشفيع أخذ أحدهما» مثال الصورة الأولى: أرض بين رجلين باع أحدهما نصيبه من الأرض على رجلين، فنقول: للشفيع أن يأخذ نصيب أحد الرجلين دون الآخر؛ لأنه في هذه الحال لا ضرر على واحد منهما، إذ إن أحدهما أُخِذ حقه بالشفعة وهو حق للشريك، والثاني بقي حقه كاملاً، فيكون الملك الآن بين اثنين؛ لأن الثالث أخرجناه بأخذ نصيبه بالشفعة.

فإذا قال الذي لم يؤخذ نصيبه: في هذا ضرر عليَّ، نقول: ليس فيه ضرر عليك، أنت لك الربع من الأصل، والآن الربع باقٍ ولم يتجدد لك شريك، فالشريك الأول الذي لم يبع ما زال موجوداً.

وهذا ربما يحتاج إليه الإنسان إما لكونه ليس عنده مال يدفعه للاثنين، وإما لكون أحد الشريكين سيئ العشرة والآخر طيب العشرة، وإما للعدوان على الشريك الثاني، فيريد أن يحرمه من الأرض، أو لأي سبب فله ذلك.

وقوله: «أو عكسه» مثال ذلك: اشترى واحد حق اثنين، إذاً الأرض بين ثلاثة أطراف، فباع اثنان حقهما على واحد، فللشفيع أن يشفع في نصيب واحد من شركائه دون الثاني، والتعدد الآن في البائع، فله أن يأخذ بنصيب أحدهما.

وقوله: «أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة فللشفيع أخذ أحدهما» مثال ذلك: أرضان شركة لشخصين، فباع أحد الشريكين نصيبيه من الأرضين على واحد، فللشفيع أن يأخذ أحد الشقصين؛ لأنه الآن تعدد المعقود عليه، والصورتان السابقتان تعدد فيهما المشتري أو البائع، وهذا بخلاف ما إذا اشترك اثنان في شفعة فإننا نقول: إما أن تأخذا جميعاً بالشفعة وإلا فيسقط حق أحدكما، وهو اشتراك تزاحم.

والخلاصة: أن هذه المسألة لها أربع صور:

الأولى: اتحاد البائع والمشتري والمبيع، فإذا طلب الشفيع أخذ البعض لم يُمَكَّن وتسقط شفعته على المذهب.

الثانية: تعدد البائع، بأن يبيع رجلان نصيبيهما من أرض واحدة على رجل واحد، فهنا للشفيع أن يأخذ بأحدهما.

الثالثة: تعدد المشتري، بأن يبيع الإنسان نصيبه من أرض واحدة على شخصين، فللشفيع أن يأخذ من أحد الشخصين.

الرابعة: تعدد الشقصين، أن يكون للشريك شركة في أرضين فيبيع شركته في الأرضين على شخص واحد صفقة واحدة فللشفيع الأخذ بالشفعة في إحدى الأرضين، فالصورة التي يمتنع فيها تبعض الشفعة هي الصورة الأولى.

 

وَإِنْ بَاعَ شِقْصاً وَسَيْفاً، أَوْ تَلِفَ بَعْضُ المَبيعِ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ. وَلاَ شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ وَقْفٍ، وَلاَ غَيْرِ مُلْكٍ سَابِقٍ، وَلاَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ.

قوله: «وإن باع شقصاً وسيفاً أو تلف بعض المبيع» الفقهاء ـ رحمهم الله ـ دائماً يتلقون العبارات بعضهم عن بعض، فأول من مثَّل بهذا المثال قال: باع شقصاً وسيفاً، ونحن نقول: إن باع شقصاً وكتاباً، وهذا اللائق بطلبة العلم، وبالمجاهدين: شقصاً وسيفاً، وبالنجارين: شقصاً وباباً، وبأصحاب المعارض: شقصاً وسيارةً، إذاً نمثل لكل إنسان بما يناسبه، وضابط المسألة: إذا باع ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه، فالمراد بالشقص هنا الشقص الذي فيه الشفعة، والسيف ما لا شفعة فيه، فإذا باع في صفقة واحدة ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه يقول:

«فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن» وأما الآخر الذي ليس فيه شفعة فلا يأخذه بالشفعة، مثاله: رجل صاحب معرض بيع عليه شقص وسيارة، فللشفيع ـ وهو الشريك في الأرض ـ أن يأخذ بالشفعة في الأرض دون السيارة، وكيف ذلك؟ نقول: كم تساوي الأرض؟ قالوا: تساوي مائتي ألف، وكم تساوي السيارة؟ قالوا: خمسين ألفاً، فالثمن الآن يكون مائتين وخمسين، فنقول: خذ الأرض بمائتين والسيارة للمشتري، ولهذا قال: «فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن» ولم يقل: بحصته من القيمة؛ لأن الشفعة يرجع فيها إلى الثمن لا إلى القيمة.

وقوله: «أو تلف بعض المبيع فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن» بمعنى أنه باع أرضاً وسيفاً أو سيارة أو ما أشبه ذلك، وتلف البعض فللشفيع أخذ الباقي بحصته من الثمن، أو أرضاً باعها وتلف بعضها، كما لو أخذها مَنْ لا تمكن مطالبتُهُ فللشفيع أخذ الباقي بحصته من الثمن، ومثل ذلك لو كانت الأرض عليها غراس ثم تلف الغراس قبل الأخذ بالشفعة فللشفيع الأخذ بالشفعة في الباقي بقسطه من الثمن، مثال ذلك: أرض بين زيد وعمرو وفيها غراس، باع عمرو نصيبه من هذه الأرض، ثم تلف الغراس، ومن المعلوم أن القيمة سوف تنقص، فإذا قدرت الأرض بالغراس بعشرة آلاف ريال، وبدون غراس سبعة آلاف ريال، فيأخذ الشفيع النصيب بسبعة آلاف ريال؛ لأن بعض المبيع قد تلف فينقص من الثمن قدر قيمة التالف.

قوله: «ولا شفعة بشركة وقف» يعني لو كان الشريك نصيبه موقوفاً، وباع شريكه فإن الموقوف عليه لا يأخذ بالشفعة.

مثال ذلك: أرض بين اثنين وهي على أحدهما وقف وعلى الثاني طِلق وليست وقفاً، فباع صاحب النصيب الطلق، فهل لشريكه الموقوف عليه أن يشفع؟ يقول المؤلف: لا؛ لأن الملك في الوقف قاصر وغير تام؛ لأن الموقوف عليه لا يستطيع أن يبيع الوقف أو يرهنه، فملكه إذاً غير تام، وإذا كان غير تام فكيف نسلطه على أخذ مال المشتري؟! ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن له الشفعة، أي: للشريك الذي نصيبه الوقف أن يأخذ بالشفعة؛ لأن العلة الثابتة فيما إذا كان الملك طلقاً هي العلة الثابتة فيما إذا كان وقفاً، بل العلة فيما إذا كان وقفاً أوضح؛ لأن هذا الوقف لا يمكن أن يتخلص منه الموقوف عليه، ولو كان طلقاً لكان إذا وجد الشريك الجديد سيئ المعاملة يبيع نصيبه وينتهي، فالشفعة في شركة الوقف أحق منها في شركة الطلق؛ لأن تضرر الشريك في الوقف أشد من تضرر صاحب الملك الطلق.

وأما قولهم: إنه غير تام، فيقال: هو تام باعتبار أن الموقوف عليه يملك الوقف، حتى عند الأصحاب ـ رحمهم الله ـ قالوا: إن الوقف يملكه الموقوف عليه لكنه ملك قاصر.

وإذا كان له الشفعة وأخذ بها فهل يكون هذا النصيب تبعاً للوقف أو يكون ملكاً للموقوف عليه؟ الثاني، فهو ملك طلق للموقوف عليه، إلا إذا نوى أنه تبع للوقف فيكون تبعاً للوقف، وحينئذ نسأل هل الأولى أن ينويه للوقف أو يبقيه على ملكه؟ ينظر للمصلحة، فإذا كان في الوقف ريع كثير يتحمل ثمن هذا الشقص فالأولى أن يجعله للوقف؛ لأجل أن ينمو الوقف ويزداد، ولأجل أن لا يكون نزاع فيما إذا مات الموقوف عليه؛ لأن الموقوف عليه إذا مات لا ينتقل الوقف انتقال ميراث بل ينتقل حسب شرط الواقف.

فإذا قال قائل: إذا صار لنفسه فإن الشركة لم تنتفع، لأن الملك الآن ليس مصرفه واحداً؟

قلنا: هذا حق، لكن لا شك أن كون الإنسان مشاركاً بنفسه لنفسه خير من كونه يتلقى شريكاً جديداً.

مثال آخر: زيد وعمرو شريكان في أرض قد أوقفاها، فباع عمرو نصيبه من هذه الأرض لسبب اقتضى بيعها، فإنه ليس لزيد أن يشفع؛ لأن شريكه لو وقف الأرض لم يكن له أن يشفع، فكذلك إذا باعها ـ وهي وقف ـ فليس له أن يشفع.

والصواب ـ أيضاً ـ أن له أن يشفع؛ لأن الوقف إذا بيع فقد انتقل بعوض مالي، والضرر الحاصل بالشركة الجديدة في الوقف أشد من الضرر الحاصل في الشركة الجديدة في الطِّلق؛ لأن شريك الطلق يستطيع التخلص ببيعه، وشريك الوقف لا يستطيع التخلص، فكان الأخذ بالشفعة بشركة الوقف أولى من أخذها بالشركة في الطلق.

والحاصل أن الشفعة ثابتة في الصورتين، وما استدل به المانعون لا يستقيم، بل الصواب العموم بدلالة الحديث: «قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل مالم يقسم»[(139)]، وهذا عام في الشركة في ملك مطلق أو شركة وقف.

قوله: «ولا غير ملك سابق» يعني لا بد أن يسبق ملكُ الشريكِ الشفيعِ ملكَ المشتري، فلو اشترى اثنان حق واحد أو اشتريا أرضاً صفقة واحدة، فهل لأحدهما أن يشفع على الآخر؟ لا؛ لأن ملكهما ليس بسابق، فهما ملكا الأرض صفقة واحدة، فإذا قال زيد لعمرو وهما المشتريان: أنا أشفع عليك، يقول عمرو: أنا أشفع عليك، فحينئذٍ نقول: لا شفعة لواحد على الآخر، وأنتما اشتريتما الأرض أو الشقص صفقة واحدة فتساويتما، فلا حق لأحدكما على الآخر، إذاً لا بد أن يسبق ملك الشفيع ملك شريكه.

ولو أن أرضاً بين اثنين كانت لأحدهما دون الآخر في الأول ثم اشترى نصفها منه، ثم إن المالك الأول باع نصيبه على آخر فإن الشفعة تثبت؛ لأن ملك البائع سابق على ملك المشتري وملك المشتري سابق على الملك الذي فيه الشفعة.

وقوله: «ولا غير ملك» فلا شفعة في شركة إجارة، كما لو استأجر رجلان بيتاً، فأجر أحدهما نصيبه، فإنه ليس لشريكه أن يشفع؛ لأنه غير مالك للرقبة وإنما هو مالك للمنفعة، والملك للمؤجر الأول، والشفعة تثبت بانتقال الملك.

قوله: «ولا لكافر على مسلم» يعني لو كانت أرض بين مسلم ونصراني، فباع المسلم نصيبه على رجل مسلم، فهل للنصراني أن يشفع؟ يقول المؤلف: لا؛ لأننا لو مكنَّاه من الشفعة لسلطنا كافراً على مسلم، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

ولو كان الشريكان كافرين وباع أحدهما على مسلم، فهل يأخذ شريكه الكافر بالشفعة؟ لا؛ لأن العلة واحدة، وهي إهانة المسلم.

وقال بعض أهل العلم: بل للكافر شفعة على المسلم؛ لأن الشفعة من حق التملك وليست من حق المالك، وإذا كان الكافر له الخيار ـ أي: خيار المجلس ـ ويمكن أن يفسخ العقد كرهاً على المسلم؛ لأن هذا حق ملك، فكذلك الشفعة.

وصورة المسألة الأخيرة: مسلم باع على كافر شيئاً فهل للكافر ما دام في مجلس الخيار أن يفسخ البيع؟ نعم له ذلك؛ لأن هذا من باب حق التملك فله أن يفسخ، حتى وإن كره المسلم؛ لأن هذا حقه وهذا مقتضى العقد، والشفعة حق، ومقتضى بيع الشريك على أجنبي أن يكون للشريك الأول حق الشفعة.

فالمسألة فيها خلاف بين العلماء، ولو قلنا برجوع هذا إلى نظر الحاكم أي القاضي لكان هذا جيداً، ويظهر هذا بالقرائن، فإذا عرفنا أن الكافر سوف يفتخر بأخذ الشفعة من المسلم ويرى أنه علا عليه فحينئذ لا نمكنه، أما إذا علمنا أن الكافر مهادن وأنه لم يأخذ بالشفعة إلا لأنه مضطر إليها لمصلحة ملكه، فإننا نمكنه منها.

 

فَصْلٌ

 

وَإِنْ تَصَرَّفَ مُشْتَرِيهِ بِوَقْفِهِ، أَوْ هِبَتِهِ أَوْ رَهْنِهِ لاَ بِوَصِيَّةٍ سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ.

قوله: «وإن تصرف مشتريه» أي: مشتري الشقص.

قوله: «بوقفه» أي: تسبيله، يعني أنه حين اشترى الشقص وقفه، سواء على خاص أو على عام، فعلى الخاص، مثل أن يقول حين اشترى الشقص: هذا وقف على فلان أو على ذريتي، فإن الشفعة تسقط، والعام مثل أن يقول حين اشتراه: هذا وقف على الفقراء، فتسقط الشفعة؛ لأن الشقص انتقل بعقد لا تثبت به الشفعة؛ لأن الشفعة إنما تثبت فيما إذا انتقل بعوض مالي وهنا انتقل الملك إلى الوقف، والوقف ليس فيه شفعة، يعني لو أن أحد الشريكين وقف نصيبه من أرض مشتركة فليس لشريكه أن يشفع؛ لأنه انتقل ملكه بغير عوض مالي.

ومثل ذلك أن يصير الشقص وقفاً بمجرد الشراء، وذلك بأن يكون المال الذي اشتراه به المشتري بدلاً عن وقف بيع، مثال ذلك: أرض بين زيد وعمرو فاشترى بكر نصيب عمرو بدراهم هي عوض عن وقف باعه، فبمجرد شراء بكر لنصيب عمرو يكون وقفاً؛ لأنها عوض عن وقف، والعوض يثبت له حكم المعوض في الحال.

قوله: «أو هبته» يعني أن الذي اشترى الشقص وهبه لشخص آخر فتسقط الشفعة؛ لأنه لو انتقل الشقص بالهبة لم تثبت الشفعة، فإذا انتقل من المشتري إلى جهة أخرى لا تثبت الشفعة بانتقاله إليها فإن الشفعة تسقط.

قوله: «أو رهنه» يعني أن مشتري الشقص رهنه، مثاله: أرض بين شريكين باع أحدهما نصيبه على ثالث، فالثالث استدان من شخص وأرهنه نصيبه الذي اشتراه، يقول المؤلف: إن الشفعة تسقط؛ لأن الرهن ليس انتقالاً ولكنه إشغال، فالإنسان إذا رهن ملكه عند شخص فهل معناه أنه باعه عليه، أو وهبه له؟ لا، ولكن شغل الملك للتوثقة، أي: لتوثقة صاحب الدين، فليس انتقال ملك؛ هذا ما ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ.

والصحيح أنها لا تسقط بالرهن؛ لأن الملك لم ينتقل للمرتهن وهو المذهب، لكن يقال: إن أوفى الراهن دينه أخذ الشريك بالشفعة وإن لم يوفِ وبيع الرهن فحينئذ نرجع إلى انتقاله ببيع، وسيأتي ذكره إن شاء الله؛ وذلك لأن الرهن لم ينتقل به الملك فهو على ملك المشتري إنما تعلق به حق الغير، فإذا تعلق به حق الغير فإننا نبقي حق الغير وحق الشفيع، ونقول: ما دام مرهوناً لا يمكن أن تأخذه بالشفعة؛ لأنه مشغول، لكن إن أوفى المدين دينه صار الرهن طِلقاً ليس مرهوناً فخذه بالشفعة، وإن لم يوفِ وبيع فخذه أنت بأحد البيعين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وقيل: بل يأخذه ولا ينتظر، وحينئذ ينفسخ الرهن ولا يكون للمرتهن حق في هذا المرهون؛ لأنه إنما رهن عينه وقد استحقت للغير فيبطل الرهن.

فإذا قال قائل: إذا بطل الرهن فهل للمرتهن أن يطالب الراهن بعوض عن ذلك الرهن؟ فالجواب: لا؛ لأن الرهن متعلق بعين المرهون وقد صارت مستحقة للغير، فهو كما لو رهن مغصوباً ثم أخذه مالكه فإن المرتهن لا يطالب بعوضه فينفسخ الرهن، ويبقى الدين في ذمة الراهن.

ومثل ذلك لو آجر النصيب الذي اشتراه، فهل تسقط الشفعة أو لا؟ المذهب: أنها تنفسخ الإجارة ويأخذه بالشفعة، والصحيح أنها لا تنفسخ الإجارة وأنها باقية، ولكن للشفيع الأجرة من حين أخذه بالشفعة.

مثال ذلك: باع أحد الشريكين نصيبه على شخص ثالث، والشخص الثالث آجره فوراً، بأن قال لشخص: أجرتك نصيبي لمدة خمس سنوات، فالإجارة على المذهب تنفسخ؛ لأن حق الشفيع سابق على حق المستأجر.

القول الثاني: لا تنفسخ، وللشفيع الأجرة من حين أخذ بالشفعة، فإذا قدرنا أنه أخذ بها بعد شهر صارت بقية خمس السنوات أجرتها للشفيع؛ وذلك لأن المشتري آجر الشقص وهو على ملكه، فالإجارة صحيحة وهي عقد لازم، وإذا كان هذا الرجل تصرف تصرفاً مأذوناً فيه بعقد لازم، فإننا لا يمكن أن نضيع حق المستأجر، بل نقول للمستأجر: تبقى ولكن الأجرة من حين أخذ الشفيع تكون للشفيع، وهذا لا شك أنه أقرب إلى العدل.

قوله: «لا بوصية سقطت الشفعة» يعني لا إن تصرف مشتريه بوصية فإنها لا تسقط، فيكون المؤلف ـ رحمه الله ـ ذكر ثلاثة أشياء تسقط بها الشفعة، وذكر شيئاً واحداً لا تسقط به الشفعة.

مثاله: رجلان شريكان في أرض باع أحدهما نصيبه على شخص، ومن حين اشتراه الشخص أوصى به، بأن قال: أوصيت بنصيبي الذي اشتريت أن يكون وقفاً على طلبة العلم، فالشفعة لا تسقط؛ لأن الوصية لا ينتقل بها الملك إلا بعد موت الموصي، وقبول الموصى له إن كان معيناً أو جماعة يمكن حصرهم، وقبل الموت يكون الموصى به ملكاً للموصي، فإذا شفع الشريك انتقل الملك من نصيب الموصي إلى نصيب الشريك فتبطل الوصية؛ لأن محلها تعذر أن تنفذ فيه الوصية.

الخلاصة: أنه إذا تصرف المشتري فيما اشتراه تصرفاً ينقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداء فإن الشفعة تسقط، وإن تصرف فيه تصرفاً لا ينقل الملك فالشفعة باقية، مثل: الإجارة والوصية والعارية وما أشبه ذلك، حتى الرهن على القول الراجح ـ وهو المذهب ـ خلافاً لما قال المؤلف ـ رحمه الله ـ.

والقول الثاني في المسألة: أن هذا التصرف لا يبطل حق الشفيع حتى لو أوقفه المشتري أو وهبه أو جعله صداقاً، أو جعلته المرأة عوضاً عن خلع فإن ذلك لا يسقط حق الشفيع؛ لأن هذا الشقص انتقل من شريكه على وجه تثبت به الشفعة، فكان ثبوت الشفعة سابقاً على تصرف المشتري، وإذا تزاحمت الحقوق أخذ بالأسبق، فنقول: حق الشفيع سابق على حق المشتري فكان أحق بالتنفيذ من تصرف المشتري، وعلى هذا فإذا تصرف المشتري بوقفه ـ ولو على أناس معنيين ـ ثم أخذ الشريك بالشفعة فإن الوقف يبطل؛ لأن العين انتقلت إلى غير الواقف بحق سابق على الواقف.

كذلك في الهبة، إذا وهب المشتري الشقص، فإننا نقول: للشريك أن يأخذه بالشفعة؛ لأن حقه سابق على تصرف المشتري، فإذا أخذ بالشفعة بطلت الهبة، فهل للموهوب له أن يطالب الواهب بقيمة هذه الهبة؟

الجواب: لا يطالبه؛ لأنه لما أخذ بالشفعة انسحب الحكم على ما قبل الهبة، فصادفت الهبة شيئاً مملوكاً لغير الواهب.

ولهذا نقول: إن القول الراجح في هذه المسألة أنه إذا تصرف المشتري بهبته أو وقفه أو جعله صداقاً أو ما أشبه ذلك، فإن للشفيع أن يشفع.

وفي مسألة الهبة والوقف لا حق للموهوب له أو للموقوف عليه في الرجوع على الواهب أو الواقف، ولكن إذا جعله الزوج صداقاً، وقلنا بالقول الراجح وهو أن للشريك أن يشفع، فشفع، بطل كونه صداقاً، ولكن يُقوَّم الشقص وتعطى ما قُوِّم به.

فإذا قال قائل: أفلا ترجع إلى ثمن الشقص الذي أصدقها زوجها؟

فالجواب: لا؛ لأن الثمن قد يكون فيه محاباة من البائع فينقص عن القيمة، وقد يكون فيه محاباة من المشتري فيزيد على القيمة.

وإن تصرف فيه بنقل الملك على وجه تثبت به الشفعة ابتداءً فهو ما ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله:

 

وَبِبَيْعٍ فَلَهُ أَخْذُهُ بِأَحَدِ البَيْعَيْنِ وَلِلمُشْتَرِي الغَلَّةُ، وَالنَّمَاءُ المُنْفَصِلُ، وَالزَّرْعُ، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ. فَإِنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ فَلِلشَّفِيعِ تَمَلُّكُهُ بِقِيمَتِهِ، وَقَلْعُهُ، وَيَغْرَمُ نَقْصَهُ، وَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلاَ ضَرَرٍ.

«وببيع فله أخذه بأحد البيعين» يعني إن تصرف فيه ببيع، والفاعل المشتري، يعني أن المشتري باعه على آخر «فله» أي: للشفيع وهو الشريك الأول «أخذه» أي: أخذ الشقص «بأحد البَيْعَيْن» .

مثاله: باع الشريك وهو زيد على عمرو نصيبه من الملك، ثم باع عمرو نصيبه على بكر، فعندنا الآن بيعان، بيع زيد على عمرو، وبيع عمرو على بكر، فبم يأخذ الشريك؟ أيأخذ بالبيع على عمرو، أم بالبيع على بكر؟ يقول المؤلف: «له أخذه بأحد البيعين» ، والغالب أنه سوف يأخذ بالأقل ثمناً، وقد يأخذ بالأكثر إذا كان هناك مماطلة.

فلو باع الشريك الذي هو زيد نصيبه على عمرو بمائة ألف، ثم إن عمراً باعه على بكر بمائتي ألف، فشريك زيد هنا يأخذ بالبيع الأول، فإذا أخذه بالبيع الأول سوف ينتزع ملكه من بكر وسيعطيه مائة ألف، فأين تذهب مائة الألف التي سلَّمها بكر؟ نقول: يرجع بها على من باع عليه وهو عمرو.

فإذا كان العكس بأن باعه زيد على عمرو بمائتي ألف، وعمرو باعه على بكر بمائة ألف، فالشريك الآن لا شك أنه سيأخذ بالثاني، فإذا أخذ بالثاني سوف يعطي بكراً مائة ألف، وبكر لن يرجع على أحد؛ لأنه لم يُضَمَّن شيئاً، سلَّم مائة ألف وأُخِذَ منه الشقص وأعطي مائة ألف.

المهم أنه إذا بيع فللشفيع أخذه بأحد البَيْعَيْن، وإن بيع ثلاث مرات أو أربع مرات فيأخذ بما يرى أنه أنسب له سواء كانت أول بيعة أو آخر بيعة أو ما بينهما، والرجوع كلٌ يرجع على من أخذه منه بما زاد على ما أعطي.

فتصرفات المشتري في الشقص تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: تصرف بلا عوض لا تثبت به الشفعة، وهو الوقف والهبة، والراجح ثبوت الشفعة.

الثاني: تصرف بعوض ينقل الملك وهو البيع فله أخذه بالشفعة بأحد البيعين.

الثالث: تصرف بعوض لا ينقل الملك وهو الرهن والإجارة، والمؤلف يرى سقوط الشفعة بالرهن والإجارة، والصحيح أن ذلك لا يسقط الشفعة وأن للشريك أن يأخذ الشقص.

قوله: «وللمشتري الغلة» أي: لمشتري الشقص الغلة.

مثال ذلك: رجلان شريكان في عمارة وأجَّراها السنة بمائة ألف، ثم إن أحد الشريكين باع نصيبه على شخص، وخفي على الشريك أنه باع حتى مضى أربعة أشهر، فالغلة في هذه أربعة الأشهر للمشتري، وتعليل ذلك أنه نماء ملكه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الخراج بالضمان» [(140)] فهو ملكه مضمون عليه فتكون له غلته.

قوله: «والنماء المنفصل» فله ـ أيضاً ـ النماء المنفصل، مثاله: رجل باع نصيبه من النخل قبل أن يثمر ولم يطالب الشريك إلا بعد أن خرجت الثمرة وجذها، فانفصلت الزيادة فتكون للمشتري؛ لأنها نماء ملكه.

قوله: «والزرع» فلو أن الشريك باع نصيبه على شخص، وزُرِعت الأرض فالزرع للمشتري ما دام قد ظهر، أما إذا كان حباً مدفوناً في الأرض فإنه يتبعها، لكن إذا ظهر فإنه يكون للمشتري؛ لأنه برز وبان وتعلقت به نفسه، فيبقى في الأرض حتى الحصاد.

قوله: «والثمرة الظاهرة» تكون ـ أيضاً ـ للمشتري حتى وإن لم تؤبر، ففي هذا الموضع لم يفرقوا بين المؤبر وغير المؤبر، وجعلوا الثمرة الظاهرة نماءً منفصلاً.

ولكن الصحيح أنها إذا لم تؤبر فإنها تتبع قياساً على البيع، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها» [(141)].

وعلم من قول المؤلف: «النماء المنفصل» أن النماء المتصل يتبع وليس للمشتري منه شيء، مثاله: اشترى نصيب زيد من النخل، والنخل ما زال غراساً صغيراً وبقي الشريك لم يعلم أن شريكه قد باع، ونما النخل وكبر، فهل هذا النماء للمشتري، أو ليس له؟ مفهوم كلام المؤلف يدل على أنه ليس له؛ لأنه نماء متصل مع أن المشتري تعب عليه، وخسر في إصلاح الأرض وحرثها وجلب الماء له، المهم أنه خسر عليه، ومع ذلك يقولون: ليس له شيء، لأن هذا نماء متصل فيتبع.

لكن القول الراجح ـ بلا شك ـ أن النماء المتصل كالمنفصل يكون لمن انتقل إليه الملك ولا فرق، وهذا هو العدل؛ لأن الرجل تعب عليه، ونما بسبب عمله، ومثل ذلك الشاة في غير الشفعة إلا على القول الراجح إذا سمنت، فإن النماء المتصل يكون للمشتري.

إذاً الصواب خلاف مفهوم كلام المؤلف، وكلام المؤلف يدل على أن النماء المتصل يتبع العين وليس للمشتري شيء، والقول الراجح أنه لا يتبع، ولكن إن لم يمكن فصله فحينئذ تقدر قيمته للمشتري، بأن يقوَّم النخل وهو فسيل صغير ويقوَّم وهو كبير قد نما، فتقوَّم الأرض وفيها النخل على صفته حين البيع، ثم تقوَّم وفيها النخل على صفته حين الأخذ بالشفعة، والفرق بين القيمتين يكون للمشتري؛ لأنه قيمة النماء المتصل، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ولا شك أن هذا هو العدل، فالعدل أن يعطى كل إنسان ما تعب عليه وعمل فيه، ويدل لهذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» [(142)] فإن مفهومه أن العرق غير الظالم له حق، والمشتري عرق غير ظالم فله الحق.

قوله: «فإن بنى أو غرس فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه ويَغرم نقصه» .

قول المؤلف: «فإن بنى أو غرس» يتنافى مع قوله فيما سبق إن الشفعة تكون على الفور، فكيف يكون بناء وغراس والشفعة على الفور؟! نعم قد يحصل ذلك بأن يكون هناك حيلة بأن يخفى على الشريك البيع، فيأتي المشتري وكأنه وكيل لشريكه ثم يعمل، والشريك يظن أن هذا وكيل ولا يدري أنه انتقل الملك، وبعد ذلك يعلم أنه انتقل الملك، فحينئذ يتصور أن المشتري يبني ويغرس، فإذا بنى أو غرس يخيَّر الشفيع بين أمرين: بين تملكه بقيمته أو قلعه ويغرم النقص، فإن اختار التملك فله ذلك، ولكن كيف نعرف قيمة الغراس والبناء؟ نقدِّر الأرض خالية منهما ثم نقدِّرها وهما فيها، والفرق بين القيمتين هو قيمة الغراس والبناء.

فإن قال قائل: لماذا لا نعطيه قيمة الغراس والبناء من أصله؟ نقول: هذا لا يستقيم؛ لأن الأمور قد ترخص وقد تزيد وقد تكون قيمة المواد قبل أن تُبْنى ويؤلف بينها شيئاً وقيمتها بعد البناء شيئاً آخر، والعدل هو أن تقوَّم الأرض خالية من الغراس والبناء، ثم تقوم وفيها الغراس والبناء، فما بين القيمتين يكون هو قيمة الغراس والبناء.

فإذا قال الشفيع: أنا أريد أن يبقى الغراس والبناء وأنا أعطيكم القيمة فإننا نقبل، وإن قال: أنا لا أريد أن يبقى الغراس والبناء؛ لأني أريد أن أبني الأرض على شكل آخر غير الشكل الموجود، فهل له الحق أن يقلعه؟ نعم له الحق، فإذا قال المشتري: هذه أدواتي وآلاتي، هذا حديدي، وهذا لَبِني، وهذه أبوابي فلا تتصرف فيها، نقول له: تصرف فيها واقلعها لكن تغرم النقص، فإذا قدرنا أن الأبواب واللبن نقصت بعد قلعها فإنه يضمن نقصها.

والغراس كذلك يضمن النقص فيه، فإذا نقصت الشجرة بعد قلعها يضمن نقصها، فإن كانت الشجرة بعد قلعها لا يمكن أن تنمو فإنه يضمنها كلها.

فإذا قال قائل: لماذا تضمِّنونه النقص وفي الغصب لا تجعلون للغاصب حقاً؟ نقول: لأن المشتري غرسها وبنى بحق، أما الغاصب غرس وبنى بلا حق فلا شيء له، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» [(143)] فمفهومه أن العرق غير الظالم له حق.

فإذا قال الشفيع: أنا أريد أن أهدم البناء وأقلع الغرس ولكن لا أضمن النقص.

قلنا: إذن تسقط شفعتك ولا حق لك، وتبقى الأرض والبناء والغراس للمشتري.

قوله: «ولربه أخذه بلا ضرر» إذا تعارض رأي المالك ـ أي: مالك الغراس والبناء ـ ورأي الشفيع، فالشفيع يقول: أنا أريد أن آخذها وثَمِّنُوها علي، وقال ربها: أريد أن آخذها، أنا لي مكان آخر وسوف آخذ هذا الغراس وأغرسه في مكانه، فالقول قول ربها؛ لأنه ملكه.

لكن المؤلف ـ رحمه الله ـ قيد هذا وقال: «بلا ضرر» ولا مضارة، ولا بد من هذا فإن كان هناك ضرر فإنه لا يمكن أن يزال الضرر بمصلحة؛ لأن أخذ ربها له مصلحة له، لكن يتضرر رب الأرض، ومن المعلوم أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما إذا علمنا أن صاحبها أي: المشتري يريد أن يأخذ الغراس والبناء مضارة لا لمصلحة، وهذا قد يقع، وإن كان قد لا ينتفع به، فيقول: أنا أريد أن أهدم البناء وأنا أعرف الآن أنني لا أنتفع بالحديد ولا اللبن، نقول: هذا سفه ولا يمكن أن نمكنك من السفه فإن الله يقول: {{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ *}} [النساء: 5] فنمنعه.

إذاً نمنعه في حالين:

الأولى :إذا كان على الأرض ضرر.

الثانية : إذا كان المشتري لا ينتفع بها، فنكون زدنا على كلام المؤلف: «بلا ضرر» إن كان يمكنه الانتفاع بها؛ لأنه إذا كان ضرر فإنه لا يمكن أن يقع الإنسان في ضرر لأجل مصلحة؛ لأن دفع الضرر مقدم على المصلحة.

وإن لم يكن ضرر، لكن يفسد هذا الغراس والبناء، فإننا لا نمكّن المشتري من ذلك؛ لأن هذا من باب إضاعة المال والسفه، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن إضاعة المال[(144)]، وقال تعالى: {{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ *}} [النساء: 5] .

والغريب أن الأصحاب ـ رحمهم الله ـ يخالفون كلام المؤلف يقولون: له أخذه ولو تضررت الأرض ولو مع ضرر، لكن هذا القول ـ أي: المذهب ـ ضعيف، وهذا يدلنا على أن صاحب الكتاب لم يلتزم بالمذهب في جميع المسائل، وهذا كثير لمن تدبره، يعني لو أن أحداً تدبر هذا الكتاب منطوقاً ومفهوماً وإشارة لوجد فيه أشياء كثيرة تخالف المشهور من المذهب.

 

وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ قَبْلَ الطَّلَبِ بَطَلَتْ، وَبَعْدَهُ لِوَارِثِهِ، وَيَأْخُذُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِهِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ.

قوله: «وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت وبعده لوارثه» فإذا مات الشفيع ـ وهو الشريك الأول ـ قبل أن يطالب بالشفعة فإن الشفعة تبطل وليس لوارثه المطالبة بذلك، أما إذا كان بعد المطالبة فإن الوارث يأخذ بها، والمطالبة أن يقول: أنا أريد أن أشفع، ولي الحق في هذا، والأخذ أن يقول: أخذته بالشفعة، فيصرح بأنه تملكه.

وهذا يشبه من بعض الوجوه الخِطبة والعقد، فالخطبة إبداء الخاطب الرغبة في هذه المرأة، والعقد تملكه إياها بعقد النكاح. فالشفيع إذا مات قبل أن يطالب فإنه لا شفعة له؛ لأنه لم يطالب، ولا لوارثه؛ لأن الشفعة حق للشفيع حيث إن الخيار له، فلما مات ولم يختر لم يكن لوارثه أن يختار، كخيار الشرط.

قالوا: لأنه يشبه مَنْ أَوْجَبَ البيعَ ثم مات قبل قبول المشتري، فإن الإيجاب يبطل، قالوا: وكذلك الشفعة تبطل إذا مات قبل أن يطالب.

ولكن هذا القياس ليس بصحيح؛ لأنه إذا مات الموجب قبل القبول لم يتم البيع، فإن العقد لا يتم إلا بإيجاب وقبول، أما هذه المسألة فإن الشفعة ثبتت بمجرد بيع الشريك، فصارت حقاً للشفيع، وهي متعلقة بالمال لا ببدنه فإنها تبقى لمن ورث المال بعده، ونظير ذلك لو اشترى الإنسان شيئاً وتبين فيه عيب، ولكنه مات قبل أن يطالب به، فللورثة المطالبة به، مع أن صاحب السلعة ـ المشتري ـ لم يطالب، ولكننا نقول: لمّا لم يسقط حقه فإن الرد بالعيب متعلّق بماله الذي ورث من بعده.

فالقول الراجح في هذه المسالة أنه ينتقل حق المطالبة بالشفعة إلى الوارث؛ لأن هذا تابع للملك، فإذا مات الشفيع ولم يطالب فللوارث أن يطالب؛ لأن هذا من حقوق الملك، وإذا كان من حقوق الملك فإن الملك ينتقل بحقوقه، ولهذا نجد في وثائق البيع قولهم: فصار المبيع ملكاً للمشتري بجميع حقوقه وحدوده، ومنها الأخذ بالشفعة، وهذا هو الصواب؛ لأنه حق ثابت فيورث عن الميت كما يورث المال، وكما تورث بقية الحقوق.

قوله: «ويأخذ بكل الثمن» (يأخذ) الضمير يعود على الشفيع وليس على الوارث، يعني من أراد أن يأخذ الشقص بالشفعة فإنه يأخذه بكل الثمن بدون مماكسة، وبدون أن يحاول تنزيل شيء من الثمن، فإذا كان المشتري ـ مثلاً ـ اشتراه بألف فيقال للشفيع: خذه بألف، فإذا قال: أنا آخذه بتسعمائة قلنا: سقطت شفعتك ولا تأخذه بأقل من ألف، نعم لو تم الأخذ ثم قال الشفيع للمشتري: أريد أن تسقط عني مائة من الألف فهذا جائز، لكنه ـ أيضاً ـ لا ينبغي للشفيع أن يسأل المشتري إسقاط شيء؛ لأن هذا من المسألة المذمومة، ولأنه قد يُحرِج المشتري فيضع من الثمن وهو لا يريد ذلك.

وأفادنا المؤلف بقوله: «بكل الثمن» أنه يأخذه بالثمن لا بالقيمة.

قوله: «فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته» قوله: (إن عجز) الفاعل الشفيع، فإذا قال: أنا ليس عندي إلا تسعة آلاف، والثمن عشرة آلاف، سقطت الشفعة؛ لأننا لو قلنا بثبوت الشفعة مع إعساره ببعض الثمن صار في ذلك ضرر على المشتري، والمشتري سيُؤخذ منه الملك قهراً، فنضرُّه من جهتين، من جهة أننا أخذناه منه قهراً، ومن جهة أننا عاملناه بالأشد من جهة الثمن.

وظاهر قول المؤلف: أنه لا فرق بين أن يأتي برهن محرز أو كفيل مليء أو لا يأتي بشيء، ووجه ذلك أن المؤلف لم يستثن شيئاً.

 

وَالمُؤَجَّلُ يَأْخُذُهُ المَلِيءُ بِهِ، وَضِدُّهُ بِكَفِيلٍ مَلِيءٍ.

قوله: «والمؤجل» صفة لموصوف محذوف، والتقدير الثمن المؤجل.

قوله: «يأخذه» الفاعل يعود على الشفيع وهو الشريك.

قوله: «المليء به» المليء هو القادر على الوفاء بماله وقوله وبدنه.

القادر بماله: بمعنى أن يكون عنده مقدار الثمن، والقادر بقوله: أن لا يكون مماطلاً، والقادر ببدنه: أن يمكن إحضاره لمجلس الحكم، إذا دعت الحاجة إلى المحاكمة.

فمثلاً: إذا قُدِّر أن الشفيع فقير والثمن مؤجل، بأن يكون الشريك باع هذا الشقص بألف ريال إلى سنة، فأراد الشريك أن يأخذ الشقص المبيع، نقول: إذا كان مليئاً يأخذه بثمنه المؤجل، فإذا كان يحل بعد سنة أخذه المليء لمدة سنة، فإذا كان الشفيع فقيراً وقال: الثمن لم يحل، وسوف يرزقني الله ـ عز وجل ـ في هذه المدة وأوفي، نقول: نعم إن الله على كل شيء قدير لكن هات كفيلاً يضمن، ولهذا قال:

«وضده بكفيل مليء» فإذا حل الأجل ولم يسلم الشفيع أخذنا من الكفيل، فإذا كان الكفيل معسراً سقطت الشفعة، وإذا كان الشفيع غنياً وعنده مال لكنه معروف بالمماطلة؛ فالمماطل كالمعسر تماماً، وإن كان المماطل يمكن لصاحب الحق أن يطالبه ويحبسه، لكن المشتري يقول: هذا رجل معروف بالمماطلة فلا أقبل منه، إلا إذا أقام كفيلاً مليئاً.

ويشترط ـ أيضاً ـ أن يكون المشتري الذي سيؤخذ منه الشقص قادراً على مطالبته ـ أي: مطالبة الشفيع ـ، فلو فرض أن الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم والثمن مؤجل، بأن يكون الشريك باع نصيبه على شخص بألف ريال إلى سنة، فأراد الشفيع أن يأخذ الشقص بثمنه المؤجل، وكان هذا الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم، فماذا يكون الحكم؟ نقول: أقم كفيلاً مليئاً تمكن مطالبته وإلا فلا شفعة لك، ومن المعلوم أن مثل هذا المليء المماطل لكونه ذا سلطان لا يمكن لأحد أن يجرأ عليه فيقول: أقم كفيلاً، فهذا شيء متعذر حسب العادة، فللمشتري أن يمنع من أخذه بالشفعة؛ وذلك لأنه لا يمكنه مطالبته عند حلول الأجل، ولا يمكنه أن يطالبه بكفيل مليء.

كذلك إذا كان المشتري لا يمكن أن يطالب الشفيع لكونه أباه؛ لأن الابن لا يمكن أن يطالب أباه إلا بنفقته الواجبة، فإذا كان له على أبيه دَيْن فإنه لا يمكنه مطالبته، حتى لو طالبه عند القاضي، فالقاضي لا يسمع دعواه، إلا في شيء واحد وهو النفقة الواجبة. فإذا كان الشفيع أباً للمشتري وقال المشتري: لا يمكن أن يأخذه أبي؛ لأن أبي لا يمكنني مطالبته، فهل نقول: إن له أن يمتنع، أو نقول: إذا كان الأب يتملك من مال ولده ما شاء فليس لولده أن يمتنع؟ الثاني؛ لأنه لو فرض أن الأب قال: أنا لا أريد أن آخذه بالشفعة، أنا أريد أن آخذه بالتملك، أيملك هذا أو لا؟ يملكه، فإذا أخذه بالشفعة زاد الابن خيراً؛ لأنه إذا أخذه بالشفعة فسوف يدفع الثمن، ولا يأخذه بالقوة.

إذاً يشترط بالإضافة إلى قولنا: إن المليء هو الذي يقدر على الوفاء بماله وحاله، أن لا يلحق المشتري ضرر؛ لكونه لا يستطيع مطالبته، والمثال الذي لا يتوجه عليه اعتراض هو أن يكون الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم.

وقوله: «وضده بكفيل مليء» أي: ضد المليء، يعني إذا كان الشفيع غير مليء والثمن مؤجلاً، فللشفيع أن يأخذه ولو كان فقيراً بشرط أن يقيم كفيلاً مليئاً، وهنا نقول: هل المراد الكفيل بالبدن أو الكفيل بالمال؟ الثاني: لأنه أنفع، فهو يلتزم بإحضار الدين، وعلى هذا فالكفالة هنا بمعنى الضمان.

ومرّ فيما سبق أن الضمان والكفالة بينهما فرق، لكن هنا المراد بالكفالة الضمان، الذي يسميه العامة عندنا (كفيلاً غراماً) يعني أنه ضامن.

 

وَيُقْبَلُ فِي الخُلْفِ مَعَ عَدَمِ البَيِّنَةِ قَوْلُ المُشْتَرِي، فَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ أَخَذَ الشَّفيعُ بِهِ وَلَوْ أَثْبَتَ البَائِعُ أَكْثَرَ.

قوله: «ويقبل في الخُلْف مع عدم البينة قول المشتري» يعني إذا اختلف الشفيع والمشتري فقال الشفيع: قيمة الشقص ألف، وقال المشتري: بل قيمته ألف ومائة، فالقول قول المشتري؛ لأن المشتري غارم إذ أنه سيؤخذ منه الشقص ـ لو قبل قول الشفيع ـ بأقل مما غرم، فيكون القول قول المشتري، ولأن أخذه منه عن طريق التملك القهري، وإذا كان مأخوذاً منه قهراً فإن المرجع في تقدير ثمنه إليه، ولهذا يجوز له أن يمنع الأخذ بالشفعة إلا إذا سلم الشريك الثمن.

لكن لو كان هناك بينة على أن البيع بألف، فالقول ما شهدت به البينة، وهنا يجب أن ننتبه إلى شيئين:

الأول: كل من قلنا القول قوله فلا بد من يمينه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» [(145)]، ولاحتمال صدق خصمه.

الثاني: أن لا تكون دعواه مخالفة للعرف، فإن كانت مخالفة للعرف سقطت، فلو ادعى المشتري في المثال الذي ذكرنا أن قيمة الشقص عشرة آلاف وهو لا يساوي إلا ألفاً فالقول قول الشفيع، وهذا ـ أيضاً ـ إذا أمكن؛ لأن كل دعوى لا تمكن غير مقبولة، فإذا كان هذا الشقص لا يساوي عشرة آلاف، ولا يساوي إلا ألفاً فالقول قول الشفيع ويحلف، وإذا كان يساوي خمسة آلاف فهنا لا نقبل قول الشفيع ولا قول المشتري؛ لأن المشتري زاد خمسة آلاف على المعتاد، وهذا نقص أربعة آلاف عن المعتاد فلا يقبل.

قوله: «فإن قال» أي: المشتري.

قوله: «اشتريته بألف أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع أكثر» بأن قال البائع للمشتري: قد بعته عليك بألفين وأقام بينة، فهنا يثبت على المشتري ألفان، بمقتضى دعوى البائع الثابتة بالشهود.

بقي علينا هل يثبت على الشفيع ما ثبت على المشتري ونقول: يجب على الشفيع أن يدفع ألفين، أو نقول: لا يلزم الشفيع إلا ما أقر به المشتري وهو ألف؟ يقول المؤلف: «فإن قال: اشتريته بألف أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع أكثر» لماذا؟ لأن البائع لما أثبت أنه بألفين بالشهود أي بالبينة، لزم المشتري ما شهدت به البينة، أما بالنسبة للشفيع، فالشفيع يقول: أنا لا يلزمني إلا ما أقر به المشتري، والمشتري أقر بأنه بألف فلا يلزمني أكثر مما أقر به، وكيف يعطيه ألفين وهو يقول: إني اشتريته بألف؟!

فصار لدينا حقان:

الأول: حق البائع على المشتري وثبت أنه ألفان.

الثاني: حق المشتري على الشفيع وثبت بأنه بألف بإقرار المشتري، وهنا تتبعض الأحكام؛ لاختلاف أسبابها، ولكن لو قال المشتري: أنا نسيت أو غلطت، أو أنا رجل لا أدري عن تجارتي، تجارتي بيد عمالي فظننت أنه بألف فقلت: بألف، فهل يقبل قوله في هذه الحال أو لا يقبل؟ لا يقبل؛ ويقال: إن غلطك على نفسك وإن جهلك على نفسك وإن نسيانك على نفسك ولا نقبل قولك، لا عذر لمن أقر، وهذا هو المشهور من المذهب أنه يرجع إلى إقراره ولو ثبت بالبينة أن البيع كان بأكثر مما أقرّ به، والقول الثاني: أنه إذا ثبت بالبينة أنه بأكثر وجب الأخذ به، وهذا القول تطمئن إليه النفس؛ لأن النسيان والغلط واردان.

فإن ادعى نسياناً أو غلطاً ولم تكن بينة تدل على أنه ناسٍ أو غالط فهل يقبل قوله؟ المذهب لا يقبل، والقول الثاني: أنه إذا كان معروفاً بالصدق وكان ما ادعاه أقرب إلى موافقة القيمة مما أقرّ به فإن القول قوله بيمينه.

فإن ادعى غلطاً أو نسياناً وليس معروفاً بالصدق، أو ادعى غلطاً أو نسياناً لكن ادعى قدراً بعيداً عن القيمة فإنه لا يقبل قوله، فإن صدقه الشفيع قبل قوله ولا إشكال؛ لأن الحق له.

وقوله: «ولو أثبت البائع أكثر» فإن أثبت البائع أقل ـ عكس المسألة ـ فقال: اشتريته بألف، وأثبت البائع أنه بثمانمائة، فماذا نقول؟ نقول: إنه هنا يأخذه الشفيع بما أثبته البائع؛ لأنه ظهر كذب المشتري أو غلطه أو جهله.

 

وَإِنْ أَقَرَّ البَائِعُ بِالبَيْعِ وَأَنْكَرَ المُشْتَرِي وَجَبَتْ. وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى المُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ المُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ.

قوله: «وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت» أي: الشفعة فإذا قال البائع لشريكه: إني بعت نصيبي على فلان، وقال فلان: لم أشتره منك، يقول المؤلف: «وجبت» أي: الشفعة؛ لأن البائع أقر بأن الملك انتقل إلى المشتري، وبإقراره تثبت الشفعة، ولا نلزم المشتري بذلك؛ لأنه ليس عند البائع إلا الدعوى أما لو أقام بينة بأنه باعه فالأمر واضح.

فصار في كلام البائع إقرار ودعوى، إقرار بالنسبة للشفيع، ودعوى بالنسبة للمشتري، فالمشتري، يقول: أبداً أنا ما اشتريت، فالمشتري بريء وليس عليه شيء حتى يقيم البائع البينة، والصواب أن نقول في التعبير: المدعى عليه الشراء؛ لأنه لم يثبت أنه مشترٍ فلا شيء عليه، ولكن تثبت الشفعة، فيقال للبائع: بكم بعت؟ فإن قال: بعت بألف، فإن الشفيع يأخذه بألف.

قوله: «وعهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع» أصل العهدة ما يتعهد به الإنسان لغيره، والمراد بها ما يترتب على العقد؛ وذلك لأن المتعاقدين قد تعهد كل منهما للآخر بما يقتضيه ذلك العقد، وهي ما نعرفه بالمسؤولية التي يطالب بها الإنسان، فمسؤولية الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع، يعني لو ظهر أن الشقص مغصوب، أو أنه ملك لغير البائع، أو ما أشبه ذلك، أو أن البائع باعه على شخص ثم باعه مرة أخرى ـ وهذا ربما يقع ـ فالعهدة على من؟

عندنا ثلاثة: بائع ومشترٍ وشفيع، عهدة الشفيع على المشتري، فالشفيع لا يبحث إلا عن المشتري، فلو ذهب إلى البائع وقال: وجدت أن الأرض فيها عيب أو أن الأرض مملوكة، أو أن الأرض مرهونة، فهل يملك الشفيع أن يطالب البائع؟ لا، سيقول البائع له: عهدتك على المشتري، أنا ما بعت عليك، إذاً عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع.

ولو أن الشفيع طالب البائع بالعهدة فإنه ليس له حق، إلا في مسألة مرَّت علينا، وهي إذا أقرّ البائع بالبيع وأنكر المشتري، فهنا عهدة الشفيع على البائع؛ لأن المشتري لم يثبت أنه اشترى، فعليه يحتاج أن يستثنى من هذا، فعهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع، إلا فيما إذا ادعى البائع البيع وأنكر المشتري فإن الشفيع ليس له عهدة على المشتري.

ومن هنا نعرف أن ما يفعله الآن بائعو السيارات غلط محض تجده يشتري السيارة ثم يبيعها والثاني يبيعها والثالث يبيعها، وتكتب السيارة باسم الرابع على أنه اشتراها من الأول وهذا غلط وحرام؛ لأنه كذب وتترتب عليه عُهَدٌ؛ فلو ظهر أن السيارة مسروقة فالمشتري الرابع يطالب الأولَ حسب الوثيقة، وقد تكون مطالبة الأول صعبة، لكنه يجب في هذه الحال أن يقال: فلان باع السيارة على زيد، وزيد باعها على عمرو، وعمرو باعها على خالد، وخالد باعها على بكر، يجب التسلسل؛ من أجل أن يعود كل إنسان إلى من باع عليه حتى لا يقع الغلط.

 

---------------------------

 

[124]    منظومة قواعد الإعراب.

[125]    أخرجه البخاري في الشفعة/ باب الشفعة فيما لم يقسم... (2257)؛ ومسلم في المساقاة/ باب الشفعة (1608) واللفظ للبخاري.

[126]    أخرجه مسلم في المغازي/ باب استحقاق القاتل سلب القتيل (1753) (44) عن عوف بن مالك ـ رضي الله عنه ـ.

[127]    أخرجه الإمام أحمد (6/47)؛ وأبو داود في النكاح/ باب في الولي (2083) والترمذي في النكاح/ باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (1102)؛ وابن ماجه في النكاح/ باب لا نكاح إلا بولي (1879) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ؛ وحسنه الترمذي؛ وصححه ابن حبان (4074)؛ والحاكم (2/168) وقال: «صحيح على شرط الشيخين».

[128]    أخرجه البخاري في بدء الوحي/ باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (1)؛ ومسلم في الإمارة/ باب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الأعمال بالنية» (1907) عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ.

[129]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه (2223)؛ ومسلم في البيوع/ باب تحريم بيع الخمر والميتة (1582) عن عمر ـ رضي الله عنه ـ.

[130]    أخرجه ابن بطة في إبطال الحيل (24)؛ وصححه شيخ الإسلام كما في الفتاوى الكبرى (3/123).

[131]    سبق تخريجه ص(142).

[132]    سبق تخريجه ص(235).

[133]    أخرجه البخاري في الإجارة/ باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع (2258) عن أبي رافع ـ رضي الله عنه ـ.

[134]    سبق تخريجه ص(235).

[135]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب من باع نخلاً قد أبرت (2204)؛ ومسلم في البيوع/ باب من باع نخلاً عليها تمر (1543) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[136]    أخرجه البخاري في الزكاة/ باب من باع ثماره أو نخله أو أرضه (1486)؛ ومسلم في البيوع/ باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها... (1534) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[137]    قال الحافظ في الدراية (2/203): «لم أجده، وإنما ذكره عبد الرزاق من قول شريح». انظر: مصنف عبد الرزاق (14406).

[138]    أخرجه ابن ماجه في الشفعة/ باب طلب الشفعة (2500) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال الحافظ في التلخيص (1278): «إسناده ضعيف جداً».

[139]    سبق تخريجه ص(235).

[140]    أخرجه الإمام أحمد (6/80، 116)؛ وأبو داود في البيوع/ باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله (3508)؛ والترمذي في البيوع/ باب ما جاء فيمن يشتري العبد (1285)؛ والنسائي في البيوع/ باب الخراج بالضمان (7/254)؛ وابن ماجه في التجارات/ باب الخراج بالضمان (2242) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ؛ وصححه الترمذي؛ وابن حبان (4927)؛ والحاكم (2/15)، ووافقه الذهبي.

[141]    سبق تخريجه ص(248).

[142]    سبق تخريجه ص(66).

[143]    سبق تخريجه ص(66).

[144]    سبق تخريجه ص(152).

[145]    سبق تخريجه ص(187).

 

 

تاريخ التحديث : Feb 22, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com