|
بَابُ الوَدِيعَة
قوله: «الوديعة» وزنها الصرفي (فعيلة) وثبتت الياء في الميزان؛ لأنها زائدة وهذه قاعدة صرفية أن الحرف الزائد في الميزان يؤتى به بلفظه، فمثلاً قائم على وزن فاعل؛ لأن الألف زائدة، ويُقَام على وزن (يُفعَل) وجعلنا الألف في «يقام» عيناً لأنها أصلية وليست زائدة، فالوديعة فعيلة، وحروفها الأصلية هي الواو، والدال، والعين، ولهذا نقول في وزنها: فعيلة، فنأتي بالياء وبالتاء؛ لأنهما حرفان زائدان، وهي بمعنى مفعولة، أي: مُودَعة.
ومعنى الإيداع: إعطاء المال لمن يحفظه لصاحبه، وهي بالنسبة للمودِع مباحة، يعني يباح أن يودِع الإنسان ماله، وهي بالنسبة للمودَع سُنَّة بشرط أن يكون قادراً على حفظها وصيانتها والعناية بها، ودليل ذلك قوله تعالى: {{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}} [البقرة: 195] فهي من الإحسان؛ لأن الرجل إذا أعطاك شيئاً تحفظه له فلولا أنه محتاج إلى ذلك ما أعطاك، وإذا كان محتاجاً إلى هذا وقضيت حاجته كان ذلك من الإحسان المأمور به المحبوب إلى الله، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله ـ تعالى ـ في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه[(146)].
مثال ذلك: رجل أعطى شخصاً بقرته وديعة، فصاحب البقرة يجوز أن يعطيها وديعة لهذا الشخص، والمودَع الذي سيأخذ البقرة يجوز أن يقبل البقرة وديعة، بشرط أن يكون قادراً على مؤونتها وحفظها وإلا فلا يجوز، ولو فرض أن صاحب البقرة أراد أن يودعها عند من يضيعها، فلا يجوز له أن يودعها؛ لأنها حيوان يحتاج إلى رعاية وعناية، بخلاف المال فالمال لا حياة فيه.
فعندنا مودِع، ومودَع، ومودَع إليه، فالمودِع: صاحب المال، والمودَع: المال، والمودَع إليه: المؤتمن.
المؤلف لم يتكلم على هذا، وكأنه ـ رحمه الله ـ علم أن المسألة واضحة فلم يتكلم عليه، وتكلم على الآثار المترتبة على الوديعة.
وبهذا التعريف للوديعة يتبين لنا أن قول العامة ـ الآن ـ إذا جعلوا أموالهم عند البنوك أو ما يُلحَق بها هي وديعة، يتبين أن هذا القول غير صحيح؛ لأنهم لم يجعلوا الدراهم عند البنك أو ما يقوم مقامه، لم يجعلوها للحفظ، إذ إن الدراهم ستجعل في صندوق البنك وسيتصرف فيها، فهو في الحقيقة قرض وليس بوديعة، ولهذا نص الفقهاء ـ رحمهم الله ـ على أن المودِع إذا أذن للمودَع أن يتصرف في الوديعة صارت قرضاً، فكلمة إيداع خطأ؛ لأن الإيداع أن يبقى المال لصاحبه على ما هو عليه، فهي في الحقيقة إقراض وليست إيداعاً، ولذلك لو كانت إيداعاً لقلنا: يجب على البنك أن يجعلها في غلافها وألا يتصرف فيها.
يترتب على هذه المسألة لو أن البنك احترق بأمواله بدون تعدٍّ ولا تفريط، فإذا قلنا: إن وضع المال فيه وديعة، فلا ضمان عليه، وإذا قلنا: إنه يتصرف فيه بإذن صاحب المال للبنك صار ضامناً، كما لو احترق مال المستقرض فإن القرض ثابت في ذمته.
إِذَا تَلِفَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ وَلَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يُفَرِّطْ لَمْ يَضْمَنْ. وَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا، فَإِنْ عَيَّنَهُ صَاحِبُهَا فَأَحْرَزَهَا بِدُونِهِ ضَمِنَ، وَبِمِثْلِهِ أَوْ أَحْرَزَ فَلاَ. .....................
قوله: «إذا تلفت من بين ماله ولم يتعد ولم يفرط لم يضمن» وإن تلفت مع ماله فمن باب أولى، فقوله: «إذا تلفت» يعني الوديعة «من بين ماله» بأن احترقت أو أفسدها المطر أو سرقها السراق دون أن يتأثر ماله بذلك، فلا ضمان على المودَع؛ لأنه أمين قبض المال بإذن من مالكه، فكل من قبض مال غيره بإذن منه أو من الشارع فإن يده يد أمانة، والقاعدة في الأمين أنه لا يضمن ما تلف تحت يده إلا بتعدٍّ أو تفريط بدليل قول الله تعالى: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [التوبة: 91] والمودَع محسن، فإذا كان محسناً فلا ضمان عليه، لكن إن تعدى أو فرط ضمن.
فإن تعدى بأن أخذ الوديعة، أو فك قيدها، أو فرط بأن وضعها في غير حرز ضمن، والفرق بين التعدي والتفريط من حيث العموم، أن التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب، فإذا كان المودَع طعاماً فأكله المودَع عنده، فهذا تعدٍّ، وإذا كان طعاماً وأبقاه في ليالي الشتاء في الخارج فتلف، فهذا تفريط؛ لأنه ترك ما يجب.
فإذا قال قائل: لماذا قال المؤلف: «من بين ماله» ولم يقل: إذا تلفت ولم يتعدَّ ولم يفرط لم يضمن؟
قلنا: إنه قال هذا إشارة إلى قول بعض العلماء إنها إذا تلفت من بين ماله فهي مضمونة مطلقاً؛ لأن تلفها من بين ماله يدل على نوع تفريط، وإلا فما الذي جعلها تتلف دون ماله؟!
ولكن الصحيح ما قاله المؤلف: أنه لا ضمان على المودَع عنده إلا بتعدٍّ أو تفريط.
ثم قال مبيناً ما يجب على المودَع عنده:
«ويلزمه» أي: المودَع عنده.
قوله: «حفظها في حرز مثلها» الحرز ما يصون الشيء ويحميه، وهو يختلف بعدة اعتبارات، فيختلف باختلاف الأموال وباختلاف البلدان وباختلاف السلطان قوة وضعفاً وعدلاً وجَوراً، وباختلاف الأموال، فليس حرز الذهب والفضة كحرز الأواني، فالأواني تودع في ظاهر البيت في الحجر والغرف بدون أغلاق وثيقة، والذهب والفضة في الصناديق في أغلاق وثيقة، والمواشي كالإبل حرزها الحوش المحصن القوي، والضأن في حوش دون ذلك.
وكذلك تختلف باختلاف البلدان، فالبلد الذي فيه جنود الأمن منتشرة ليس كالبلد مفتوح الأبواب ليس فيه أحد من قوى الأمن، فهذا أولى بالتحرز، وكذلك في السلطان، فالسلطان إذا كان قوياً هان الاحتراس، وإذا كان ضعيفاً يجب أن يشتد الاحتراس، وكذلك في العدل والجور.
فإذا أودعه شاة أيضعها في الصندوق الوثيق؟! لا، فلو فرض أنه وضعها لصار ضامناً؛ لأنه تعدى إذ ليس هذا مكاناً لها.
قوله: «فإن عينه صاحبها» أي: عيَّن الحرز.
قوله: «فأحرزها» أي: حفظها.
قوله: «بدونه ضمن» أي: عيَّن صاحبها الحرز فأحرزها بدونه، ولو كان الحرز الذي أحرزها به حرز مثلها عادة، فإنه يضمن، فلو أعطاه كتاباً وقال: احفظ هذا الكتاب في الصندوق الحديدي ـ أي: خزانة الذهب والفضة، وهي خزانة قوية ثقيلة ـ فحفظه في حقيبة عادية، فجاء السارق فسرقه هو والحقيبة، مع أن الحقيبة عادة حرز للكتاب فهنا عليه الضمان؛ لأنه حفظها بأدنى مما عينه صاحبها، فإذا قال المودَع عنده: أنا حفظتها في حرز مثلها، وكل الناس يجعلون الكتب في الحقائب وربما جعلوها في الرفوف بارزة، نقول: لكن صاحب الكتاب عَيَّنَ، فلماذا لم تقل له: لا، حينما قال: ضعه في الصندوق الحديدي؟ أما أن تأخذها على أنك ستضعها فيما عين، ثم تحرزها بما دونه فعليك الضمان.
قوله: «وبمثله» فلا ضمان.
قوله: «أو أحرز فلا» أي: فلا ضمان، مثل أن يقول له: خذ هذا الكتاب اجعله في هذا الصندوق، ويعين، فأخذه وجعله في صندوق مثله فهنا لا ضمان، إلا أن يتميز الصندوق الذي عينه بزيادة حرز، لكونه داخل البيت ـ مثلاً ـ أو نحو ذلك فهنا يضمن، أما إذا عين فأحرزها بأقوى فلا ضمان، مثل أن يقول: احفظها في هذا الصندوق، والصندوق صغير يمكن للسراق أن يحملوه، فأحرزها في صندوق أكبر فإنه لا يضمن؛ لأنه أحرز.
ولو أن رجلاً عنده ستة صناديق حديدية من الباب إلى نهاية الحجرة وقال له: احفظها في آخر ما يكون، فأحرزها في الأول فهل يضمن أم لا؟ هنا يمكن أن نقول: إن آخر صندوق قد يكون أحرز؛ لأنه أبعد من أن يأخذه السارق أو يكسره، وقد لا يكون أحرز؛ لأن السارق سيقع في نفسه أن الصندوق الأبعد هو الذي فيه المال، فالظاهر أنه في مثل هذه الحال يقال: إنه أحرزه بمثله؛ لأن كل واحد منها أحرز من الآخر من وجه، فإن لم يكن كذلك فيرفع الأمر إلى القاضي ويحكم بما يراه صواباً.
وَإِنْ قَطَعَ العَلَفَ عَنِ الدَّابَةِ بِغَيْرِ قَوْلِ صَاحِبِهَا ضَمِنَ. وَإِنْ عَيَّنَ جَيْبَهُ فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ أَوْ يَدِهِ ضَمِنَ وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ أَوْ مَالَ رَبِّهَا لَمْ يَضْمَنْ................
قوله: «وإن قطع العلف» الضمير يعود على المودَع.
قوله: «عن الدابة» يعني المودَعة.
قوله: «بغير قول صاحبها ضمن» لأنه مفرط بلا شك.
ولكن إذا قال المودَع: أنا قطعت العلف عنها؛ لأني لا أريد أن أنفق عليها من مالي؛ لأن العلف غالٍ، ولا أدري متى يأتي صاحبها؟
قلنا له: أنت مفرط بلا شك؛ لأنك إذا أنفقت عليها، فسوف ترجع على صاحبها، فليس عليك ضرر.
وهذه المسألة لا تخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يودعه الدابة ويقول: يا فلان أنفق عليها.
الحال الثانية: أن يودعه ويقول: لا تنفق عليها.
الحال الثالثة: أن يودعه ويسكت.
فعليه الضمان في حالين، ولا ضمان عليه في حال، الحالان هما: إذا قال: أنفق عليها، أو سكت ولم ينفق، ففي هذين الحالين إذا تلفت الدابة فإنه يضمن؛ لأنه مفرط كما لو وضعها في برد قارس وهي لا تستطيع مقاومته، أو في حر شديد وهي لا تستطيع مقاومته فإنه يكون ضامناً.
وعُلِمَ من قول المؤلف أنه لو قال صاحبها: لا تنفق عليها فتلفت فإنه لا يضمن، وذلك بناء على أن ضمان البهيمة إذا تلفت جوعاً أو عطشاً من ضمان الأموال الصامتة التي لا روح فيها، والأموال الصامتة التي لا روح فيها إذا أتلفها الإنسان بإذن صاحبها فإنه لا يضمن، فهو كما لو أذن له في ذبحها فذبحها فإنه لا ضمان عليه.
هذا ما قاله المؤلف ـ رحمه الله ـ لكن فيه نظر، والقول الثاني أنه يضمن؛ لأن هذه نفس محترمة ليست كالمال، فالمال لا يتألم لكن هذه نفس تتألم، فَتَرْكُها تموت عطشاً وجوعاً إِثْمٌ يعذب عليه الإنسان في النار، فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه رأى في النار امرأة عذبت في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها» [(147)] ويكون صاحبها قد أذن له في شيء محرم، ولا يجوز الموافقة على شيء محرم، فيكون عليه الضمان؛ لأنه لو شاء لقال لصاحبها ـ لما قال لا تنفق عليها ـ: إذاً لا أقبلها؛ لأنه يلحقني الإثم.
فالصواب أنه يضمن ولكنه في هذه الحال يُجعل ما ضمنه في بيت المال، ويُحْرَمُ إياه صاحبها ولا يعطى شيئاً؛ لأنها تلفت بقولٍ من صاحبها وقد رضي بتلفها عليه، لكننا نُضَمِّنُ هذا الذي وافقه على المعصية ونجعل ما ضمنه في بيت المال، هذا هو القول المتعين، وعليه يحمل قول من قال من الأصحاب: إنه يضمن، ويجعل في بيت المال جزاءً لصاحبها وعقوبة له.
قوله: «وإن عين جيبه فتركها في كمه أو يده» وتلفت.
قوله: «ضمن» أي: المودَع، بأن قال المودِع: اجعلها في جيبك يعني في المخباة التي في الجيب، ولكنه جعلها في كمه.
فإن قيل: كيف يجعلها في كمه والكم على قدر الذراع؟
فيقال: هذا كان معروفاً عند الناس فيما سبق، أن الرجل له أكمام ضافية واسعة من أجل أن يضعوا حوائجهم فيها.
فإذا عيَّن الجيب فربطها في كمه فسرقت، فعليه الضمان؛ لأن الجيب أحفظ؛ لأن الجيب لا يكاد أحد يقدم عليه؛ لأنه أمام الإنسان وعلى صدره، بخلاف الكم فإنه يمكن أن يتغافله إنسان ويحله ويأخذ ما فيه، على أن بعض السراق عندهم مهارة فائقة؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يتفطن لهم وأن يحترز، ولا يمكن أن يدرأ شر هؤلاء السراق إلا حُكْم أحكم الحاكمين ألا وهو قطع اليد، فلو قطعت أيدي السراق ما أقدم أحد على السرقة؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يُرخِص يده في شيء من المال.
وقوله: «أو يده» فتلفت فعليه الضمان.
فإذا قال قائل: أليس كونها في يده أحرز من كونها في جيبه؟
قلنا: لا؛ لأن الإنسان يعمل ويأخذ بيده، ويقبض ويسلم ويصافح، فربما ينسى ويضعها من يده في أي مكان وتضيع، فإذا عين جيبه وتركها في يده فضاعت ضمن.
قوله: «وعكسه بعكسه» يعني لو عين الكم فجعله في الجيب بأن قال: خذ هذه اجعلها في كمك فجعلها في جيبه فلا ضمان؛ للقاعدة السابقة: أنه إذا عين الحرز صاحِبُهَا، فأحرزها فيما هو أشد فلا ضمان، وكذا لو عين يده فجعلها في جيبه فإنه لا يضمن؛ لأن الجيب أحفظ من اليد.
فإذا قال قائل: إذا كانت الوديعة خاتماً وقال: اجعله في أصبعك، فجعله في جيبه، فيده لا شك أنها أحرز؛ لأنها إذا كانت في الجيب ربما مع السجود ـ مثلاً ـ أو خفض الظهر يسقط منه الخاتم، لكن في الأصبع لا يمكن أن يسقط إلا إذا حاول خلعه أو قُطعت الأصبع مع الخاتم.
إذاً إذا عين الجيب فجعلها في اليد فهو ضامن، إلا فيما إذا كان وجوده في اليد أحرز كما لو عين الجيب، والوديعة خاتم، وجعلها في أصبعه، فهذا لا شك أنه أحرز.
قوله: «وإن دفعها» الفاعل المودَع.
قوله: «إلى من يحفظ ماله» يعني لو أن المودَع عنده غلمان، أو خدم، أو أولاد يحفظون ماله فدفعها إليهم فإنه لا ضمان عليه؛ لأن هذا ما جرت به العادة، والإنسان الكبير السيد الشريف لا يمكن أن يتولى حفظ الودائع بنفسه، بل لا بد أن يكون له من يحفظ ذلك من خدم أو أولاد أو عبيد أو زوجات.
المهم إذا دفعها إلى من يحفظ ماله فتلفت فإنه لا يضمن، إلا إذا نص صاحبها عليه وقال: لا تعطها أحداً، هي مني إليك ومنك إلي، فهنا يضمن؛ لأنه عين حرزاً أقوى من حرز العادة، وقد سبق أنه إذا عين حرزاً فإنه يتعين، فإذا قال: لا تعطها أحداً، لا الخادم، ولا الولد، فحينئذٍ إذا دفعها إلى من يحفظ ماله، فهو ضامن؛ لأنه أقل حفظاً من المودَع.
قوله: «أو مال ربها لم يضمن» أي إذا دفعها المودَع إلى من يحفظ مال ربها لم يضمن، فهذا المودَع كأنه مَلَّ من الوديعة وأراد أن يردها، فردها لمن يحفظ مال صاحبها، مثل أن يردها إلى خدم المودِع، أو إلى غلامه، أو إلى أهله فإنه لا ضمان عليه، مع أنه لم يقل له: ادفعها إلى أهلي، ولم يوكل أهله في قبضها، وهذه المسألة فيها خلاف، فمن العلماء من يقول: إنه إذا دفعها إلى من يحفظ مال ربها بغير إذن ربها فإنه ضامن؛ لأنه لم يُوَكَّل في دفعها إلى غيره؛ ولأن صاحب الوديعة قد لا يأتمن أهله أو خدمه عليها؛ لأنهم مفرطون، والذي ينبغي أن يرجع في ذلك إلى العرف، فما جرى به العرف اتبع وما لم يجرِ به العرف لم يُتَّبع، فالأشياء الثمينة جرت العادة أنها لا ترد الوديعة منها إلا إلى صاحبها بنفسه، والأشياء العادية كالأواني والفرش والبهائم جرت العادة أنه يتولى قبولها عند ردها من يحفظ مال ربها، فيرجع في ذلك إلى العرف، فما جرى العرف بأنه يدفع إلى من يحفظ مال ربها فدفعها إليهم، فلا ضمان عليه؛ وما جرى العرف بأنه لا بد أن يسلم إلى نفس المودِع فإن عليه الضمان.
فمثلاً الوثائق التي فيها إثبات الديون على الناس والمبيعات والمؤجرات وما أشبه ذلك، جرت العادة أنها لا تدفع إلى من يحفظ مال ربها، إنما تدفع إلى ربها، إلا إذا قال: رُدَّها إلى أهلي أو إلى من يحفظ مالي، فعلى ما قال.
وَعَكْسُهُ الأَجْنَبِيُّ وَالحَاكِمُ وَلاَ يُطَالَبَانِ إِنْ جَهِلاَ. وَإِنْ حَدَثَ خَوْفٌ أَوْ سَفَرٌ رَدَّهَا عَلَى رَبِّهَا، فَإِنْ غَابَ حَمَلَهَا مَعَهُ إِنْ كَانَ أَحْرَزَ، وَإِلاَّ أَوْدَعَهَا ثِقَةً.........
قوله: «وعكسه الأجنبي» أي عكس دفعها إلى من يحفظ ماله أو مال ربها أن يدفعها للأجنبي، والأجنبي هو الذي لا يتولى حفظ مال ربها، ولا حفظ مال المودَع.
وبهذا التفسير نعرف أن كلمة الأجنبي يختلف معناها باختلاف مواضعها، فتكون في موضع لها معنى وفي موضع آخر لها معنى آخر، فإذا قيل: تصح الوصية لأجنبي ولا تصح لوارث، فهنا المراد بالأجنبي من ليس بوارث، وإذا قيل: يحرم كشف وجه المرأة لأجنبي ويجوز للمحارم، فهنا يقصد به غير المحرم، المهم أن الأجنبي في كل موضع بحسبه، فلو دفعها إلى جاره فهنا نقول: عليه الضمان؛ لأن الجار أجنبي، لا يحفظ مال ربها ولا مال المودَع فيكون ضامناً إذا تلفت عند الجار ضمانَ تعدٍّ؛ لأنه فعل ما لا يجوز له، سواء تلفت بتفريط أو تعدٍّ أو بغير تفريط ولا تعدٍّ.
قوله: «والحاكم» وهو القاضي وسُمِّي حاكماً؛ لأنه يحكم بين الناس، وسُمِّي قاضياً لأنه يقضي بين الناس، إذا دفعها إلى الحاكم فهو ضامن؛ لأنه لم يؤمر بدفعها إليه، والحاكم إنما يكون نائباً عن الغائب أو الميت أو نحوهما، لا عن كل الناس، فمثلاً رجل في مدينة أودع دراهم وقيل له: خذ هذه عشرة ملايين اجعلها عندك، فجعلها عنده، ثم أخذها وأعطاها القاضي، وصاحبها موجود، فهل للقاضي الحق أن يأخذها؟ لا، وليس للمودَع الحق أن يسلمها للقاضي؛ لأن القاضي إنما ينوب عن الغائب أو الممتنع أو ما أشبه ذلك، أما هنا فلا ضرورة، فيضمن المودَع إذا تلفت عند الأجنبي أو عند الحاكم، ويطالب صاحبُ الوديعة المودَع.
وهل يطالب الحاكمَ والأجنبيَ؟
يقول المؤلف: «ولا يطالبان إن جهلا» يعني لا يطالب الأجنبي والحاكم إذا جهلا أنها وديعة عند مودَع؛ لأنهما معذوران، فمثلاً: جاء الأجنبيَ رجلٌ وقال له: خذ هذه اجعلها عندك وديعة، فأخذها على أنها ملك الرجل الذي أعطاه وعلى أنه محسن فلا ضمان عليه، والحاكم كذلك لا ضمان عليه، والمذهب أن له أن يطالبه وإن جهل، وحجتهم أن المال تلف تحت يده، وعلى ما مشى عليه الماتن فليس له أن يطالبه، وحجته أنه جاهل ومحسن وقد قال الله تعالى: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [التوبة: 91] ، أما إذا علما أنها وديعة فعليهما الضمان، ولصاحب الوديعة أن يطالب المودَع أو الحاكم أو الأجنبي؛ لأن الحاكم أو الأجنبي حصل التلف تحت يده، وذاك حصل التلف بتسليطه هؤلاء على هذه الوديعة، فله أن يطالب هذا وهذا، وأما مع الجهل فلا يطالب الحاكم ولا الأجنبي.
لكن لو أن المودَع أعطي عشرة ملايين وديعة، وأودعها في البنك فهل يضمن؟ البنوك أحرز ولا شك، لكن هذا المودِع يعلم عن البنوك ولا يريد أن يعطيها البنوك تديناً، فكأنه نهاه أن يعطيها البنك، فكونه يختار أن يجعل عنده الدراهم وهو يشاهد البنوك وهو يعلم وكلٌ يعلم أن البنك أحرز، فإعطاؤه إياها بمنزلة نهيه أن يعطيها البنك، فيعتبر هنا متعدياً.
لكن في مثل هذه الحال يقدر أن يقول: أنا لا أستطيع أن أحفظ هذه الدراهم الكثيرة، أتأذن لي إن اشتد معي القلق أو الخوف أن أجعلها عند البنك؟ فإذا قال: نعم، فإنه يعمل بما أذن له فيه، وإن قال لا، فيقول: خذ دراهمك لا أقبل الوديعة؛ لأنه في حل.
قوله: «وإن حدث خوف أو سفر» أي للمودَع بأن كثرت السرقات ـ مثلاً ـ أو دخل البلد عدو وخاف عليها، أو أراد المودَع أن يسافر.
قوله: «ردها على ربها» وجوباً ولا يجوز أن يبقيها عنده مع الخوف أو في بيته مع السفر؛ لأنه في هذه الحال مفرط، إذ الواجب التخلص من الخوف أو التخلص من إبقائها في بيت لا يسكنه أحد.
فإن حدث سفر منه لكن البيت فيه الأهل والأولاد، فهل يضمنها في هذه الحال لو بقيت؟ الجواب: لا، خصوصاً وأنه سبق لنا أنه إذا دفعها إلى من يحفظ ماله فلا ضمان، فهنا نقول: لا ضمان، لكن ينبغي للمودَع إذا أراد أن يسافر ولا سيما إذا كانت الوديعة كبيرة، أن يقول له: إني سأسافر، فهل تأذن أن أبقيها عند الأهل أو أردها؟
قوله: «فإن غاب» أي: ربها، أو تغيب، المهم إذا لم يجده عند السفر.
قوله: «حملها معه إن كان أحرز» فإذا غاب صاحبها فإنه يحملها معه، بشرط أن يكون سفره بها أحرز من إبقائها، والغالب أن السفر بها ليس بأحرز؛ لأن السفر يحصل فيه آفات، لكن مع ذلك يقول: «إن كان أحرز» .
قوله: «وإلا» يعني وإن لم يكن أحرز.
قوله: «أودعها ثقة» أي جعلها وديعة عند ثقة، فَمَن الثقة؟ الثقة من جمع وصفين: القوة والأمانة، وهذان الوصفان في كل عمل، قال الله تعالى: {{إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}} [القصص: 26] وقال الجني العفريت لسليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {{أَنَا آتِيكَ بِهِ}} أي: بعرش بلقيس {{قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} } [النمل: 39] فالمراد بالثقة هنا القوي الأمين فلا يودعها ضعيفاً، ولا يودعها غير أمين.
فإن قال قائل: أرأيتم لو أقرضها مليئاً أيجوز؟ فالجواب: لا؛ لأن القرض عقد لا يجوز إلا ممن يملك العقد أو نائبه أو وكيله، وهذا المودَع لم يوكَّل في القرض.
ولاحظ أن الإيداع عند البنوك من باب القرض، والناس يسمون إعطاء البنوك الأموال إيداعاً، وهذه تسمية خطأ، بل هي في الحقيقة قرض، ولهذا ينتفع بها البنك ويدخلها في رأس ماله ويتجر بها ويضمنها لو تلف ماله كله؛ لأنه قرض، والعلماء نصُّوا تصريحاً بأنه إذا أذن المودِع للمودَع أن ينتفع فهذا يعتبر قرضاً.
ويوجد بنوك تقبل الوديعة، بمعنى أن الدراهم التي تعطى إياها تجعلها في صناديق معينة محفوظة لا يتصرف فيها البنك، فهذه وديعة محضة.
وإن سافر بها ولم يجد ثقة يودعها عنده وربها غائب فماذا يصنع؟ يعطيها الحاكم؛ لأن الحاكم ولي من ليس له ولي، والدليل على هذا التفصيل قوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}} [النساء: 58] وهذا أمر بكل ما يلزم للأداء، فالأمر بالأداء أمر به وبما لا يتم إلا به، ومعلوم أنه في مثل هذه الحال إذا كان السفر عرضة للضياع، فإن بقاءها عند ثقة هو الذي فيه الأداء.
وَمَنْ أُودِعَ دَابَّةً فَرَكِبَهَا لِغَيْرِ نَفْعِهَا، أَوْ ثَوْباً فَلَبِسَهُ، أَوْ دَرَاهِمَ فَأَخْرَجَهَا مِنْ مَحْرَزٍ ثُمَّ رَدَّهَا، أَوْ رَفَعَ الخَتْمَ، أَوْ خَلَطَهَا بِغَيْرِ مُتَمَيِّزٍ فَضَاعَ الكُلُّ ضَمِنَ.
قوله: «ومن أودِع دابة فركبها لغير نفعها» فهو ضامن، مثل فرس أو بعير أودعه عنده فركبه لغير نفعه فهو يضمن ضمان تعدٍّ لا تفريط، إن تلف من هذا العمل أو من بعده أيضاً؛ لأنه بتعديه زال عنه وصف الأمانة وصارت يده يد متعدٍّ كالغاصب فيكون ضامناً بكل حال، سواء تعدى أو فرط، أو لم يتعدَّ ولم يفرط، وسواء تلف الشيء بنفس العمل أو بما بعده.
فهذا رجل مشغوف بركوب الخيل وأودِع فرساً فجعل كل يوم يسابق عليه، أو كل يوم يركضه لغير نفع الفرس، فإنه يضمن إن تلف في نفس الاستعمال، أو في غير نفس الاستعمال حتى لو أدخله في الحرز، أما كونه يضمن في نفس الاستعمال فواضح وأما كونه يضمن بعده فلأنه باستعماله إياه صارت يده غير أمينة.
وعلم من قوله: «لغير نفعها» أنه لو ركبها لنفعها فليس بضامن لأنه محسن، لكن كيف يركبها لنفعها؟ يركبها ـ مثلاً ـ ليذهب بها إلى الماء لتشرب أو يروضها؛ لأنها إذا بقيت ربما تخمل ولا تكون قوية، فهو يركبها لنفعها، فلا ضمان عليه؛ لأن هذا خير.
قوله: «أو ثوباً فلبسه» فإنه يضمن، لكن إذا قال: أنا أريد أن ألبسه للجمعة، فالجمعة يسن فيها لبس أحسن الثياب فإنه يضمن، فإذا قال: أنا أعطيت صاحبها خيراً لأنه يؤجَر، فأنا أؤجر بلبس أحسن الثياب، وهو يؤجر؛ لأنه أعانني على هذا، فنقول: أنت لا تؤجر، ومن قال: إنك تؤجر باستعمال مال غيرك؟! هذا ظلم فلا أجر لك، وإذا بطل أجرك بطل أجره هو؛ لأن أجره فرع عن أجرك.
فإن قال: إنه لبسه لئلا يدخله السوس؛ لأن الحرير إذا لم يبرز في أيام الصيف والحر فإنه يحترق ويتمزق، فما الجواب؟ نقول: يمكن أن تخرجه وتنشره بدون لبس.
إذاً إذا أودع ثوباً فلبسه فإنه يضمن، سواء تلف باللبس أو بأمر آخر ولو بعد خلعه؛ وذلك لأنه بمجرد أن لبس الثوب انتقلت يده من كونها يداً أمينة إلى كونها يداً غير أمينة، وعلى هذا فلو لبس الثوب يتجمل به للجمعة فلما رجع رده إلى محرزه فتلف من محرزه ضمن؛ لأنه تعدى حيث فعل ما لم يؤذن له به، لا شرعاً ولا عرفاً لا من صاحبها ولا من عند الله ـ عزّ وجل ـ.
قوله: «أو دراهم فأخرجها من محرز» أي إذا أودع دراهم فاستقرضها فإنه يضمن، حتى وإن احتاج إليها؛ لأنه ليس له الحق في أن يستقرضها، أو يتصرف فيها بأي شيء حتى لو باع أو اشترى فهو ضامن.
وعلم من قوله: «من محرز» أنه لو لم يخرجها من المحرز لكن غَيَّر مكانها، مثل أن تكون في الرف الأعلى من الصندوق فجعلها في الرف الذي تحته، أو كانت في الرف الأدنى فجعلها في الرف الذي فوقه والصندوق واحد، فهنا لا شك أنه غَيَّر مكانها ولكن لم يخرجها من المحرز فلا ضمان عليه.
فإذا أخرجها لتنظيف الصندوق ـ مثلاً ـ ثم نسي وبقيت خارج الصندوق ثم سرقت، يحتمل أنه يضمن؛ لأن حق الآدمي يستوي فيه الخطأ والنسيان والعمد والذِّكر، وقد نقول: لا يضمن؛ لأن هذا في عرف الناس لا يعد مفرطاً، وإذا تعارض الضمان وعدم الضمان، واليد يد أمانة فالأصل عدم الضمان.
قوله: «ثم ردها» يعني فيضمن ولو أُخذت من الحرز، وكذا لو رأى المصلحة في شراء سلعة فأخرج الوديعة فاشترى السلعة لصاحب الوديعة من أجل ما يرجوه من الكسب فإنه يضمن؛ لأنه غير مأذون له بذلك، اللهم إلا إذا كان قد قال له صاحبها: إن رأيت مصلحة في بيع أو شراء أو غير ذلك فتصرف، فيكون حينئذ غير ضامن.
قوله: «أو رفع الخَتْم» فإنه يضمن حتى لو أعاد الختم مرة أخرى، والختم هو ما جرت به العادة فيما سبق، أنهم يضعون الدراهم في كيس ثم يعقدونها بالخيوط، ثم يضربون على طرف الخيط شمعاً، يُذاب في النار، ويصب على طرف الخيط، ثم يُختم عليه بالخاتم؛ لأجل ألا يعبث بها أحد، فهذا إنسان رفع الختم ولكنه لم يحلها، فإنه يضمن؛ لأن الختم لا شك أنه أقوى مما لو كانت خالية منه، فإذا رفعه فقد أخل بحرزها فيكون ضامناً.
ومثل الختم القفل فلو أنه رفع قفل الصندوق ـ ولو أعاده ـ فعليه الضمان، إلا إذا كان الصندوق ليس خاصاً بالوديعة مثل أن يكون هذا الصندوق فيه دراهم له، أو لغيره ومعها دراهم المودِع ثم صار يفتح هذا الصندوق ليخرج النفقة منه لنفسه، فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يفرط، فالضابط: أنه إذا أزال المودَع ما فيه كمال الحفظ أو أصل الحفظ فعليه الضمان.
قوله: «أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن» مثل أن يُودَع براً يخلطه ببر، فهنا خلط الوديعة بشيء غير متميز؛ لأن حب البر واحد لا يختلف، فلو خلطها بغير متميز ثم ضاع الكل، يعني ضاع ما كان عنده أولاً وما خلطه به فإنه يضمن.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: «فضاع الكل» فيما إذا أُودِع دراهم فأخرجها من محرز أو رفع الختم، أو خلطها بغير متميز أي أنه راجع للمسائل الثلاث.
وعُلِمَ من قوله: «خلطها بغير متميز» أنه لو خلطها بمتميز فلا بأس، لكن بشرط أن تكون بحرز مثلها، ولكن ينبغي أن يقال: في هذا تفصيل:
إن خلطها بغير متميز يسهل أخذها منه فلا بأس، ولا يقال: إن الرجل فرط أو تعدى، مثل أن يخلط حلياً بدنانير في صندوق محرز، وأما لو خلط شعيراً ببر فهذا وإن كان متميزاً لكن تخليص الوديعة من خليطها فيه صعوبة، فربما يأبى أن يخلص ذلك ويتعب ويحصل بذلك ضرر على الطرفين.
وعليه فينبغي أن يقيد مفهوم قوله: «بغير متميز فضاع الكل» ما إذا خلطها بمتميز يسهل تخليصه من خليطه، وإلا فيكون ضامناً.
وعليه فالحالات ثلاث:
الأولى: أن يخلطها بغير متميز فعليه الضمان.
الثانية: أن يخلطها بمتميز يصعب فيه التمييز فعليه الضمان، والمذهب في ظاهر كلام المؤلف لا ضمان عليه.
الثالثة: أن يخلطها بمتميز يسهل فيه التمييز، فهذا ليس عليه ضمان.
فَصْلٌ
وَيُقْبَلُ قَوْلُ المُودَعِ فِي رَدِّهَا إِلَى رَبِّهَا أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، وَتَلَفِهَا وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ. .......
قوله: «ويقبل قول المودَع في ردها إلى ربها أو غيره بإذنه، وتلفها، وعدم التفريط» هذه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: إذا ادعى المودَع أنه دفع الوديعة إلى ربها، بأن يكون شخص أودع إنساناً دراهم، ثم بعد حين جاء يطالبه بها، فقال: إني رددتها إليك، فالقول قول المودَع لوجهين:
الأول: قول الله تبارك وتعالى: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [التوبة: 91] والمودَع محسن ولا شك وإذا لم يكن عليه سبيل، فإن صاحبها إذا ادعى أنه لم يردها فالقول قول المودَع؛ لأننا لو قبلنا قول صاحبها لكان على المحسن سبيل.
الثاني: أن نقول للمودِع: أنت الآن ائتمنت الرجل على الوديعة، فيجب أن يكون أميناً في دفعها إليك، كما جعلته أميناً في حفظها، والأمين كل من حصل في يده مال بإذن من الشارع أو إذن من المالك، وهذا قياس بَيِّن، فهذا دليل من السمع ومن القياس.
ولذلك عندنا قاعدة:
أن من قبض العين لِحَظِّ مالكها قُبِلَ قولُه في الرد.
ومن قبض العين لمصلحته لم يُقبل قوله في الرد.
ومن قبض العين لمصلحته ومصلحة مالكها لم يقبل ـ أيضاً ـ تغليباً لجانب الضمان.
وقوله: «إلى ربها» بأن يقول: رددتها عليك.
وقوله: «أو غيره» أي: إلى غير ربها.
وقوله: «بإذنه» أي بإذن ربها، أما إذا ادعى ردها إلى غيره، وقال: إني رددتها لكنني لم استأذنك، فهو ضامن؛ لأنه لم يوكله في دفعها إليه، فإذا قال: دفعتها إليه بإذنك، أنت الذي قلت لي: يا فلان أعط الوديعة التي عندك لفلان، فأنكر صاحبها الإذن، وقال: إني لم آذن لك، فهنا يقال: إن الرجل أمين عندك، وهو محسن، وقد قال الله تعالى: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [التوبة: 91] ولا يمكن أن يدعي أنك أذنت له وأنت لم تأذن، والنسيان وارد على كل أحد، ومنه صاحب الوديعة.
وعليه فتكون الحالات ثلاثة:
الأولى: إذا ادعى ردها إلى ربها قُبِل.
الثانية: إذا ادعى ردها إلى غيره بغير إذنه فهو ضامن.
الثالثة: إذا ادعى ردها إلى غير صاحبها بإذنه فهو غير ضامن، لأنه أمين، وقد قال الله تعالى: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [التوبة: 91] .
وقوله: «وتلفِهَا» هذه هي المسألة الثانية: أي: يقبل قول المودَع في تلفها، فإذا قال لصاحبها: الوديعة تلفت، فقال صاحبها: لم تتلف، فالقول قول المودَع.
لكن لو ادعى التلف بأمر ظاهر كالحريق، بأن قال: احترق الدكان وهي في الدكان، فهنا لا يقبل قوله إلا إذا أثبت أن الدكان قد احترق؛ لأن هذا أمر ظاهر لا يخفى على أحد، فإذا أثبت أنه احترق وقال صاحبها: نعم الدكان احترق وليس عندي فيه شك، لكن أنا لا أقر بأن الوديعة تلفت بهذا الاحتراق، فلا يقبل قول صاحبها، ويقبل قول المودَع أنها تلفت بهذا الاحتراق.
وقوله: «وعَدَمِ التفريط» هذه هي المسألة الثالثة، بأن قال صاحبها: أنت فرطت ولم تحفظها في حرز مثلها، وقال: لم أفرط، فالقول قول المودَع؛ لأنه مؤتمن، فإن أقر الجميع بالسبب لكن ادعى صاحبها أنه تفريط وهو يقول: ليس بتفريط، فنرجع إلى العرف ويعرض على أهل الخبرة، فإذا قالوا: الرجل الذي حفظها في هذا المكان غير مفرط فهو غير مفرط، وإذا قالوا: إنه تفريط فهو تفريط.
وهذا التفصيل هو القول الراجح، وإن كان ظاهر كلام المؤلف أن قول المودَع مقبول في عدم التفريط مطلقاً، ولكن هذا فيه نظر.
فإذا قال قائل: إذا اختلف المودَع والمودِع في هذا العمل هل هو تفريط أو لا، وقال المودَع هذا في نظري أنه غير تفريط؟
فيقال: كون أهل الخبرة يقولون: إنه تفريط وأنت تعتقد أنه ليس بتفريط يدل على أنك غير فاهم، والمعاملات بين الخلق لا يعذر فيها بالجهل، فكان الواجب عليك أن تسأل أولاً، هل هذا تفريط أو ليس بتفريط؟
ولنضرب لهذا مثلاً:
في ليلة شاتية أبقى المودَع الشاة في العراء ظناً منه أن الشاة تقاوِم، ولكن أهل الخبرة قالوا: إنها لا يمكن أن تقاوم في هذا البرد الشديد والثلج؛ لأن هذه الشاة ليست مما يعيش في بلاد ثلجية، فقال: هذه الشاة في هذا المكان لو نزل عليها الثلج فإنها ستبقى حية، فعد نفسه غير مفرط، لكن أهل الخبرة قالوا: هذا تفريط، فحينئذ يؤخذ بقول أهل الخبرة ويقبل قول المودِع.
هذا في مسائل الاختلافات في الوديعة، والاختلافات التي ذكرها الفقهاء في الواقع كلها ذكرها النبي صلّى الله عليه وسلّم في كلمتين فقال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» [(148)]، فجميع ما ذكره المؤلفون ـ رحمهم الله ـ في الاختلافات ومن يقبل قوله ومن لا يقبل كله يعود إلى هذا الحديث، لكن لا بأس بالتفصيل.
َإِنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي، ثُمَّ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ ثُمَّ ادَّعَى رَدّاً، أَوْ تَلَفاً سَابِقَيْنِ لِجُحُودِهِ، لَمْ يُقْبَلاَ وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ..............
قوله: «فإن قال» أي: المودَع للمودِع.
قوله: «لم تودعني» يعني أنكر الوديعة.
قوله: «ثم ثبتت ببينة» يعني ثبت أنه أودعه، والبينة هنا إما رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي؛ لأن المال وما يقصد به المال هذه بينته.
فثبوت البينة برجلين، أو رجل وامرأتين في القرآن لقول الله تعالى: {{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ}} [البقرة: 282] ، وثبوتها برجل ويمين المدعي ثبت بالسنة، فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: (أنه قضى بالشاهد مع اليمين)[(149)]. المهم أن المودَع أنكر وقال: لم تودعني، وثبت أنه أودعه ببينة.
قوله: «أو إقرار» يعني بعد أن أنكر ـ هداه الله ـ وندم وأقر، أو أنكر ناسياً للوديعة ثم تذكر، أو كان ناسياً لها ثم وجدها في بيته، المهم أنه بعد أن أنكر أقر.
قوله: «ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده لم يقبلا ولو ببينة» مثال ذلك: أنكر الرجل الوديعة يوم الخميس، وأقيمت الدعوى عليه يوم الجمعة، وثبتت عليه ببينة، ثم ادعى أنها تلفت يوم الأربعاء، فهنا لا يقبل قوله؛ لأنه كذب نفسه، حيث أنه أنكر الوديعة يوم الخميس وقال: ليس عندي وديعة، ولما ثبتت قال: إنها تلفت يوم الأربعاء، فهنا دعواه التلف لا تقبل، ودعواه الرد لا تقبل؛ لأنه بإنكاره صار خائناً، فلا يقبل قوله لا في الرد ولا في التلف ويلزمه الضمان.
ولو أقام بينة على أنها تلفت يوم الأربعاء، وأتى بشهود يشهدون أن الوديعة الفلانية تلفت يوم الأربعاء، فهل يقبل أو لا يقبل؟
يقول المؤلف: «لم يقبلا» أي: الرد والتلف «ولو ببينة» حتى لو جاء بشهود وقالوا: نشهد إن وديعة فلان تلفت يوم الأربعاء فإنها لا تقبل؛ لأنه هو نفسه مكذب للبينة؛ لأنه لما أنكر يوم الخميس وقال: أبداً ما أودعتني ما صار له عنده وديعة فيكون مكذباً للبينة؛ فكلامه يناقض بينته.
وأشار المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله: «ولو ببينة» إلى خلاف في هذا، فإن بعض أهل العلم قال: إذا ثبت ببينة أنها تلفت فيكون إنكاره كذباً وتُصدَّق البينة، والمذهب يقولون: تبين كذب البينة بقوله هو، فهو أقر ضمناً أن البينة كاذبة.
لكن بعض العلماء يقول: إذا قامت البينة فليعمل بها؛ لأنه تبين أنه هو الكاذب، لكن في هذه الحال ينبغي للقاضي أن يحكم عليه بالتعزير لكذبه وخيانته، وإتعابه المودِع بإقامة الدعوى، وإشغال القاضي، وإشغال الشهود، فهو مستحق للتعزير من عدة أوجه، ولئلا يتلاعب أحد غيره، فإذا قيل: ليس عليك إلا ضمان الوديعة فلا يهمه، لكن إذا أُدِّب صار ردعاً له.
بَلْ فِي قَوْلِهِ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ وَنَحْوُهُ، أَوْ بَعْدَهُ بِهَا. وَإِنِ ادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ مِنْهُ أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِ لَمْ يُقْبَلْ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ. ........
قوله: «بل في قوله ما لك عندي شيء ونحوه» مثاله: هذا الرجل في يوم الخميس قيل له: إن عندك وديعة، فقال: ليس عندي شيء، وثبت بالبينة أن عنده وديعة، ثم ادعى التلف يوم الأربعاء، يعني قبل الإنكار، وأقام بينة بذلك، فتقبل، سواء ببينة أو بغير بينة؛ لأن الرجل قال: «ما لك عندي شيء» ، ومعلوم أن الوديعة إذا تلفت بلا تعدٍّ ولا تفريط، لم يثبت على المودَع شيء فيكون صادقاً في قوله: «ما لك عندي شيء» بخلاف ما لو قال: لم تودعني، والفرق ظاهر؛ لأنه إذا قال: لم تودعني فقد أنكر أصل الوديعة، أما إذا قال: «ما لك عندي شيء» فهو نفي لضمان الوديعة فيقبل قوله حتى لو ثبتت ببينة؛ لأنه لا يتنافى قوله وثبوت الوديعة، فهو يقول: نعم أنا قلت ما لك عندي شيء؛ لأني لا فرطت ولا اعتديت، وإذا تلفت الوديعة بدون تعدٍّ ولا تفريط فليس علي شيء.
قوله: «أو بعده بها» يعني أو ادعى التلف «بعده» أي: بعد الجحد «بها» أي بالبينة فإنه يقبل، لاحتمال حدوث الوديعة بعد الجحد، وحينئذ لا ينافي البينة التي تشهد بالتلف بعد الجحود فلم يحصل تناقض، ولماذا لا يقبل مطلقاً وهو مودَع؟ لأنه بجحوده زال عنه وصف الأمانة، فلا يقبل قوله في التلف ولا في الرد إلا ببينة.
فهذا الرجل طلبت منه الوديعة، فقال للمودِع: لم تودعني، وأنكر، فأقام المودِع بينة أنه أودعه وكان إنكاره يوم الخميس، فادعى أنها تلفت يوم الجمعة فيقبل قوله ببينة، وبغير بينة لا يقبل، وكونه يقبل ببينة؛ لأنه لم يحصل تناقض بين جحوده وبينته بالرد.
فإن قيل: ألستم تقولون: إن المودَع يقبل قوله في الرد؟ فالجواب: بلى، نقول بهذا، لكننا نقول: يقبل قوله في الرد ما دام أميناً، أما وقد خان بإنكار الوديعة فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة.
والحاصل أنه إذا أنكر الوديعة ثم ثبتت عليه ببينة ثم ادعى رداً أو تلفاً، فإن كان الرد والتلف اللذان ادعاهما سابقين على جحوده فلا قبول له مطلقاً لا ببينة ولا بغير بينة، وإن ادعى الرد والتلف بعده قُبِلَ ببينة، وبغير بينة لا يقبل، هذا إذا أنكر.
أما إذا قال: ما لك عندي شيء فهو مقبول على كل حال؛ وذلك لأن قوله: مالك عندي شيء لا ينافي ثبوت الوديعة؛ لأنها إذا تلفت بغير تعدٍّ ولا تفريط فقد صدق، ليس لمدعي الإيداع شيء؛ لأنه يقول: نعم أنت أودعتني وأنت صادق، لكن تلفت، ولما تلفت لم يبق لك عندي شيء، فيكون هنا إقراره بالوديعة أو ثبوتها بالبينة لا ينافي قوله: «ما لك عندي شيء» فيقبل.
قوله: «وإن ادعى وارثه» أي: وارث المودَع.
قوله: «الرد منه» أي: من الوارث.
قوله: «أو من موِّرثه» وهو المودَع، بأن قال وارث المودَع: إن المودَع ردها عليك.
قوله: «لم يقبل إلا ببينة» لأن الوارث ليس هو المودَع حتى يقبل قوله في الرد.
وقوله: «أو من مورِّثه» بأن ادعى وارث المودَع أن مورِّثه، أي: المودَع ردها، يعني لما جاء صاحب الوديعة يطلبها بعد أن مات المودَع، قال الورثة: إن مورِّثنا قد ردها عليك فلا يقبل قول الوارث؛ لأنه غير مؤتمن من قِبَل ربِّها؛ لأن ربَّها لم يودعها الوارث، إنما أودعها المورِّث، وحينئذ نقول للورثة: إن كان عندكم بينة أنكم رددتموها إلى صاحبها قبلناها، وإلا فعليكم الضمان، فالوارث أقر بالوديعة ولم ينكرها لكن ادعى الرد منه أو من مورثه، فلا تقبل دعوى الرد من الوارث أو المورث إلا ببينة.
ولو ادعى الورثة: أن المورِّث لم يترك شيئاً لا وديعتكم ولا غيرها، فيلزم المودِع حينئذ أن يثبت ببينة أن المورث تركها؛ وذلك لأن المورث قد يكون تصرف فيها وأنفقها، أو ردّها وهم لا يعلمون، أو ما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: إذا ترك الميت وديعة، فهل يجب على الورثة أن يبلغوا صاحبها، أو يردوها إليه فوراً؟
الجواب: نعم، يجب على الورثة إذا خلف المورث وديعة أن يبلغوا صاحبها فوراً أو يردوها عليه فوراً؛ لأن المودِع لم يأتمن الورثة عليها، والورثة وجدوا مالاً لغيرهم غير مؤتمنين عليه، فيجب عليهم أن يبلغوه أو يردوها.
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُ المُودِعَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ يَنْقَسِمُ أَخَذَهُ. وَلِلمُسْتَوْدَعِ، وَالمُضَارَبِ، وَالمُرْتَهِنِ، وَالمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبَةُ غَاصِبِ العَيْنِ...............
قوله: «وإن طلب أحد المودِعَيْنِ» ويجوز «المودِعِينَ» ونظيره في الحديث: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذِبَيْنِ، أو الكاذِبِينَ» [(150)] فهنا يجوز الجمع ويجوز التثنية.
قوله: «نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم أخذه» مثال المكيل: مائة صاع بر في كيس مشتركة بين اثنين، أودعاها إلى زيد، وبعد مدة جاء أحدهما وقال: إنا أودعناك مائة صاع بر، وأنا أريد نصيبي منه، وهو يعلم أن نصيبه النصف، أو الثلث، أو الربع، فيلزمه أن يعطيه نصيبه، فإن اتفق الطرفان على أن مائة الصاع هذه بينهما، نصفين، فيعطيه نصفه، وعللوا هذا بأنه ليس على شريكه الغائب الذي لم يطالب ضرر.
وقيل: ما داما قد أودعاه إياها جميعاً، فإنه لا يلزمه أن يسلم للشريك؛ لاحتمال أن هذا الشريك الذي طلب نصيبه قد باعه على شريكه، وأيضاً ربما إذا أخذ نصيبه كاملاً ينقص نصيب الآخر؛ لأن الشيء إذا كيل ورُدِّد فإنه ينقص، ولهذا يقولون: كل شيء ردَّدته فإنه ينقص إلا الكلام، وهذا صحيح، فاملأ ـ مثلاً ـ فنجالاً من الماء ثم صبه في الفنجال الثاني، ثم في الثالث والرابع والخامس تجده ينقص بلا شك، وكذلك ـ أيضاً ـ المكيل فإذا قدرنا هذا الكيس ـ مثلاً ـ مائة صاع، وكلنا منه خمسين صاعاً وافية، فإن ذلك يؤدي إلى نقص الخمسين صاعاً الباقية.
والصحيح أنه لا يلزمه تسليمه، ويقال له: أحضر صاحبك أو هات منه موافقة وإلا فلا.
وقوله: «أو موزون ينقسم» مثله ـ أيضاً ـ، فالموزون المنقسم كما لو كان بينهما جِراب من عسل أحضراه إليه وقالا له: هذا وديعة، ثم بعد حين جاء أحدهما وقال: أعطني نصيبي؟ فعلى كلام المؤلف يلزمه إعطاؤه، والصحيح أنه لا يلزمه إلا بموافقة صاحبه لما ذكرنا من الاحتمالات.
وقوله: «ينقسم» احترازاً مما لا يمكن أن ينقسم، كما لو كان مخلوطاً، فإنه لا يلزمه لئلا يضر الآخر، أو كان لا تمكن قسمته لكونه متلبداً لا يمكن قسمته بوزن ولا بكيل، ففي هذه الحال لا يلزم المودَع أن يسلمه نصيبه؛ لما في ذلك من الضرر على شريكه، لكن على ما اخترناه، لا يلزمه مطلقاً أن يسلم نصيب الشريك إليه حتى يأتي بإذن من صاحبه.
قوله: «وللمستودَع» المراد به المودَع.
قوله: «والمضارَب» وهو من أعطي المال مضاربة، بأن قيل له: خذ هذه عشرة آلاف ريال مضاربة، اتجر بها ولك نصف الربح، وسميت مضاربة؛ لما سبق من كون التجار غالباً يضربون في الأرض، ويسافرون فيها قال الله تعالى: {{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}} [المزمل: 20] .
قوله: «والمرتهن» وهو من بيده الرهن؛ لأن مالك الرهن يسمى راهناً.
قوله: «والمستأجر» أي الذي بيده العين المستأجرة.
قوله: «مطالبة غاصب العين» أي: كل هؤلاء الأربعة لهم مطالبة غاصب العين.
فنبدأ أولاً بالمستودَع وهو المودَع، فلو غُصِبت الوديعة، فهل للمودَع أن يطالب غاصب العين؟ نعم.
ثانياً: المضارَب بيده تجارة غصبت، وأخذها إنسان قهراً، فهل له أن يطالب؟ نعم.
ثالثاً: المرتهن، أيضاً بيده الرهن فغصب فهل له أن يطالب؟ نعم.
رابعاً: المستأجر ـ أي مستأجر سيارة مثلاً ـ لمدة يومين أو ثلاثة، فجاء شخص فغصبها فهل له أن يطالب؟ نعم له أن يطالب.
فلو قال الغاصب: أنت لست بمالك؟ فجوابه أن يقال: لكنه نائب عن المالك.
بقي أن يقال: (اللام) في قوله: «للمستودع» هل هي للإباحة أو لدفع توهم الامتناع؟ (اللام) لدفع توهم الامتناع وليست للإباحة، ولو قلنا: إنها للإباحة، لكان المستودع مخيراً بين أن يطالبه وأن لا يطالبه، فإذا قلنا: لدفع توهم الامتناع، بمعنى أنه لا يُمنع المستودع من مطالبة الغاصب، وكذلك ما عطف عليه، فصار ذلك لا ينافي أن نقول: يجب عليه أن يطالب وهو كذلك، وكيف يتوهم الامتناع؟ يتوهم ذلك بأن يقال: أنت لست المالك، وإذا لم تكن المالك فليس لك حق في المطالبة؛ لأنه من الجائز أن يرضى المالك بهذا الغصب؛ فهذا هو التوهم الذي قد يتوهمه الإنسان، فبين المؤلف ـ رحمه الله ـ أن للمستودع أن يطالب غاصب العين، ويقول: نعم، أنا لست المالك لكني مؤتمن عليها.
فيجب على المستودَع بمقتضى الأمانة أن يطالب بنفسه أو يبلغ فوراً مالك الوديعة، أما أن يسكت وهو يرى الغاصب يأخذها فلا يجوز؛ لأن ذلك خلاف الأمانة، ويستثنى من ذلك إذا كان صاحب العين حاضراً وعالماً بالغصب فإنه لا يلزم هؤلاء المطالبة؛ لأنه إذا كان صاحبها حاضراً ويعلم بالغصب فهو المسؤول عنها.
واللام تأتي في كلام الفقهاء لمثل هذا:
مثلاً عبر بعض العلماء في فسخ المفرد والقارن ـ إذا لم يسوقا الهدي إلى عمرة ـ فقالوا: «وللمفرد والقارن أن يفسخا نيتهما إلى عمرة ليصيرا متمتعين»، فأنت تفهم من هذه العبارة أن اللام للإباحة، وليست كذلك؛ لأن الذين عبروا بهذا التعبير قالوا: يسن، فتكون اللام هنا لدفع توهم الامتناع، ودفع القول بعدم الجواز، وهذا لا ينافي أن يقال: إن فسخ الحج، أو الحج والعمرة إلى تمتع، مباح إباحة مستوية الطرفين، بل تحويل الحج إلى عمرة ليصير الإنسان متمتعاً، سنة مؤكدة، إما وجوباً وإما تأكيداً، والصحيح أن فسخ الحج إلى عمرة ليس بواجب لكنه مؤكد، ولا ينافي القول بالاستحباب أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم غضب على الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما تأخروا في التنفيذ[(151)]؛ لأن المخاطبة في المقابلة أشد من المخاطبة في الإبلاغ، ولو أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ امتنعوا في ذلك الوقت لفات بهذا تشريع هذه السنة؛ لأنه إذا امتنع منها الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فمن بعدهم من باب أولى، ولهذا كان أحسن الأقوال، وأصحها أن الفسخ واجب على الصحابة، ومن أجل ذلك غضب الرسول صلّى الله عليه وسلّم عليهم لما تباطؤوا في الفسخ، وأما من بعدهم فإنه سنة، وليس هذا من تقديم قول أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ لأن أبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ لا يريان ذلك، بل يريان أن يحج الإنسان حجاً مفرداً ويأتي بالعمرة في وقت آخر، لكن قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم أولى، فيقال: للإنسان أن يتمتع حتى في سفر حجه إلا أن الفسخ ليس بواجب على غير الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ.
ولهذا لما سئل أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ: ألكم هذه خاصة، أم للناس عامة؟ قال: بل لنا خاصة[(152)]، ومراده بنفي العموم نفي الوجوب، فيحمل كلام أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ على نفي الوجوب، وإلا فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم سأله سراقة بن مالك بن جعشم ـ رضي الله عنه ـ وقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: «بل لأبد الأبد» وشبك بين أصابعه[(153)]، وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» [(154)].
--------------------------
[146] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء/ باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن (2699) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[147] أخرجه البخاري في بدء الخلق/ باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم (3318)؛ ومسلم في السلام/ باب تحريم قتل الهرة (2242) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
[148] سبق تخريجه ص(187).
[149] أخرجه مسلم في الأقضية/ باب القضاء باليمين والشاهد (1712) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
[150] أخرجه الإمام أحمد (4/250)؛ ومسلم في مقدمة صحيحه، باب/ وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين... عن المغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنه ـ.
[151] أخرجه مسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1211) (130) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
[152] أخرجه مسلم في الحج/ باب جواز التمتع (1224).
[153] أخرجه البخاري في الحج/ باب من أهل في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم كإهلال النبي صلّى الله عليه وسلّم (1557)؛ ومسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1216) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
[154] أخرجه مسلم في الحج/ باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم (1218) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
|