|
بَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِ
وَهِيَ الأَرْضُ المُنْفَكَّةُ عَنِ الاخْتِصَاصَاتِ وَمِلْكِ مَعْصُومٍ. فَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا، ...
قوله: «إحياء الموات» «إحياء» مصدر أحيا أي: جعل الحياة في شيء ميت، و «الموات» مشتق من الموت وعبروا بالموات دون الميتة؛ لأن الأرض الميتة قد يراد بها ما لا نبات فيها، كما قال تعالى: {{وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ *}} [يس] فعبروا عن الأرض هنا بالموات للفرق بينها وبين الأرض التي ليس فيها نبات.
قال المؤلف في تعريف الأرض الموات: «وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم» .
فقوله: «الأرض المنفكة» يعني الخالية.
وقوله: «عن الاختصاصات» كمجاري السيول، ومواضع الحطب، ومواضع المراعي، والمصالح العامة، وأفنية الدور ـ وهي مُلْقَى زبالاتهم ـ فهذه غير مملوكة لكنها مختصة لمصالح البلد عموماً، أو لمصالح كل بيت، ففناء الدار وهي البرحة أو الساحة التي أمامها تكون ملقى للكناسة، أو ما أشبه ذلك، هذه وإن لم تكن ملكاً لكنها مختصة لصاحب البيت ينتفع بها، كذلك المصالح العامة كمسايل المياه، ومواضع الاحتطاب، والاحتشاش، والمراعي، وما أشبه ذلك، ومثله ـ أيضاً ـ الطرق، فهذه نسميها اختصاصات ولا نسميها أملاكاً؛ لأنها ليست ملكاً لأحد.
وقوله: «وملك معصوم» أي: ولم يسبق إحياءَها ملكٌ، فإن سبق إحياءها ملك فإنه لا يمكن لمن أحياها أن يملكها؛ لأنها ملك للأول الذي أحياها، لكن اشترط المؤلف أن تكون ملكاً لمعصوم، والمعصوم من بني آدم أربعة أصناف: المسلم، والذمي، والمعاهَد، والمستأمِن، فهذه أربعة أنفس معصومة لا يجوز لأحد أن يعتدي عليها، أما الحربي الذي ليس له عهد ولا ذمة وليس مسلماً، فماله مباح للمسلمين، فالأرض التي تكون ملكاً لحربي فهي موات وإن كان مستولياً عليها؛ لأن ماله غير معصوم.
ومثل إحياء الموات الأراضي الداثرة التي كانت قرىً في قديم الزمان وارتحل الناس عنها وتركوها، فهذه ـ أيضاً ـ لمن ملكها، ونظير ذلك في الأعيان إذا ألقى الإنسان متاعه زاهداً فيه وراغباً عنه ولا يريده فهو لمن وجده، كما في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه كان على جمل له فأعيا فأراد أن يسيِّبه[(155)]، فلو سيَّبه جابر ووجده آخر فهو له، وكذلك ما يلقى في البحر عند خوف غرق السفينة فإن من وجده فهو له؛ وذلك لأن الذي ألقاه قد تخلى عنه ولم يرد أن يكون ملكاً له، وكذلك أراضي القرى البائدة التي من قديم الزمان ـ كما سبق ـ فهذه ـ أيضاً ـ مَنْ أحياها مَلَكَها، ولهذا الآن يوجد في بعض الأراضي التي تُحيا آثار إحياء سابقة، حتى إنه عندنا هنا قريب من الوادي عثروا مرة على سوق كله رماد وقطع حديد، مما يدل على أن هذا السوق كان سوق الصناع في هذا المكان، لكنه باد وذهب أهله ولم يعرف له مالك، فهذه تدخل في كلام المؤلف في قوله: «ملك معصوم» ؛ لأن هذه الأراضي البائدة الآن ليس لها مالك فتدخل.
والشح في الأراضي شديد، والاعتداء عليها عقابه شديد، فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طُوِّقَه يوم القيامة من سبع أرضين» [(156)] أي يُجعل طوقاً في عنقه من سبع أرضين، وليس من أرض واحدة؛ لأنه ظلم، حتى إن العلماء ـ رحمهم الله ـ قالوا: لا يجوز للإنسان أن يزيد في تلييس الجدار أكثر مما جرت به العادة؛ وذلك لأنه يأخذ بهذه الزيادة من السوق، والسوق مشترك، فإلى هذا الحد حذر العلماء من التعدي على الأرض، لكن على كل حال إذا وجدنا أرضاً منفكة عن الاختصاصات وملك معصوم فمن أحياها ملكها، ولهذا قال المؤلف:
«فمن أحياها ملكها» «مَنْ» شرطية، وفي أصول الفقه أن أسماء الشرط من صيغ العموم، إذاً فتعم كل من أحياها، وسيأتي إن شاء الله بيان الإحياء.
وقوله: «ملكها» أي: دخلت في ملكه قهراً؛ لأن ملكها عُلِّق بسبب فمتى وجد ثبت، كما قلنا في الميراث، فالميراث إذا وجد سببه دخل في ملك الوارث قهراً، حتى لو قال الوارث: أنا لا أريد الميراث، قلنا: هو لك قهراً عليك؛ لأن الملك المعلق بسبب، متى وجد سببه ثبت الملك شاء الإنسان أم أبى، نعم الإنسان حر مختار قبل أن يفعل السبب، أما إذا فعل السبب فإن الشارع رتب المسبب على وجود السبب فلا خيار للإنسان فيه.
مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ بِإِذْنِ الإِمَامِ وَعَدَمِهِ، فِي دَارِ الإِسْلاَمِ وَغَيْرِهَا. وَالعَنْوَةُ كَغَيْرِهَا. وَيُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ مَا قَرُبَ مِنْ عَامِرٍ، إِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصْلَحَتِهِ. .......
قوله: «من مسلم وكافر» فصل المؤلف العموم في قوله: «من أحياها» لأنه في بعض أفراده خلافاً، فبعض العلماء يرى أن الكافر لا يملك الأرض في البلاد الإسلامية ولو كان ذمياً؛ لأن البلاد الإسلامية لا ينبغي أن يكون فيها مكان لغير المسلمين؛ لأن غير المسلمين إذا تملكوا الأرض كثروا فيها ثم صاروا أغلبية، فيطغى الخبيث على الطيب، فحينئذٍ يوشك أن يعمهم الله بالعقاب، لكن المؤلف يقول: لا فرق بين المسلم والكافر، والمراد بقوله: «كافر» أي معصوم، وأيضاً نزيد شرطاً ثانياً في الكافر وهو أن يكون ممن يصح تملكه الأرض، فإن كان لا يصح فإنه لا يملكها، فمن أحياها ملكها من مسلم أو كافر، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، لكن الصغير الذي لا يميز يتولى ذلك عنه وليه.
قوله: «بإذن الإمام وعدمه» إذا قال الفقهاء: «الإمام» فمرادهم من له السلطة العليا في البلد، فالبلاد الملكية يكون الإمام فيها الملِك، والبلاد الجمهورية يكون الإمام فيها الرئيس، فمن له السلطة العليا في البلد هو ما يعنيه الفقهاء بكلمة: «الإمام» .
وقوله: «بإذن الإمام» هل يأذن الإمام مباشرة؟ نقول: بإذن الإمام أو نائبه؛ لأنه الآن اختلفت الأوضاع، واختلف أسلوب الحكم، فالإمام نفسه لا يباشر مثل هذه الأمور لكن له نواب، ووزراء، هذا وزير داخلية، وهذا وزير بلديات، وهذا وزير عمال... إلخ.
فالوزير ينوب مناب الإمام، وإذا جُعل للوزير من قِبَل الإمام أن ينيب غيره في كل بلد كالأمير أو المحافظ، قام هذا الأمير أو المحافظ مقام الإمام، وقصدي من هذا الترتيب ألا يقول قائل: إن إذن الأمير أو المحافظ أو الوزير أو رئيس البلدية أو ما أشبه ذلك غير معتبر؛ لأن المعتبر إذن الإمام، فنقول: إن النواب عنه بمنزلته يقومون مقامه.
وقوله: «بإذن الإمام وعدمه» لأن الأرض لله وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» [(157)]، لكن لو قال قائل: هذا لا داعي له؛ لأنه إذا قال: من أحياها ملكها، ولم يذكر «بإذن الإمام» معناه أنه لا يشترط إذن الإمام، ولكن الفقهاء إذا قالوا شيئاً لا داعي له من حيث العبارة، فإنما يشيرون إلى رأي آخر، وهنا يريد المؤلف أن يشير إلى رأي آخر، وهو أن هناك قولاً بأنه لا تملك الأرض الميتة إلا بإذن الإمام أو نائبه لئلا تحصل الفوضى والاعتداء، فإذا كانت بإذن الإمام أو نائبه صارت مرتبة مضبوطة.
وسبب اختلافِهم اختلافُهم في فهم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» فهل هذا حكم تشريعي أو حكم تنظيمي؟ إن قلنا: إنه حكم تشريعي صار «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» سواء أذن الإمام أم لم يأذن؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قاله على وجه التشريع للأمة، وإن قلنا: إنه على وجه التنظيم، صار لا بد أن يقول الإمام: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» في كل زمان ومكان.
ونظير هذا من بعض الوجوه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من قتل قتيلاً فله سَلَبُه» [(158)] أي في الحرب، فهل هذا تشريع أو تنظيم؟ فيه خلاف، فبعض العلماء قال: إن الرجل إذا قتل قتيلاً في الحرب فله سلبه سواء اشترط ذلك الإمام أم لا، وبعضهم قال: ليس له سلبه إلا بإذن الإمام، وهنا أمير الجيش ينوب مناب الإمام؛ لأن سَلَب القتيل غنيمة فيلحق بالغنيمة ولا يملكه القاتل إلا بإذن خاص.
وكلام المؤلف في المسألة السابقة ـ وهو مذهب الحنابلة ـ يدل على أن من أحيا أرضاً ميتة فهي له، سواء كان ذلك برخصة من ولاة الأمر أم لا، لكن لو أن ولي الأمر قال: لا يحيي أحد أرضاً إلا بإذني وموافقتي، فهل يملك المحيي بعد ذلك الأرض بالإحياء بدون مراجعة ولي الأمر؟ الجواب: لا؛ لأن المسألة انتقلت من كونها داخلة في العموم إلى تخصيص من ولي الأمر، وقد قال الله تبارك وتعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}} [النساء: 59] فإذا قال ولي الأمر: لا أحد يحيي إلا بإذني وترخيص مني، فمن أحيا بعد أن بلغه هذا القول فإنها تنزع منه ولا حق له فيها؛ وذلك لأن ولي الأمر أمر بهذا، لكن إذا كان أحياها قبل صدور الأمر فهي له؛ لأن الذي يظهر من قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» أنه تشريع، وهذا هو الأصل حتى يقوم دليل على أنه تنظيم، لكن قد تكون المصلحة، أو الحاجة، أو الضرورة في تقييد ولي الأمر الإحياء بهذا الشرط وذلك حسب المنطقة، فبعض المناطق يكون فيها أناس جهال إذا لم يُقَيَّدوا بإذن الإمام اعتدى بعضهم على بعض، فهؤلاء يكون من الضروري أن يقيدوا بإذن الإمام، وقد تكون بعض المناطق أهون، فيكون عندهم خوف من الله وتقوى ولا يعتدي أحد على أحد، فهنا قد يكون من الحاجة تقييدهم بالإذن، وقد يزول هذا كله وتكون المنطقة أهلها أغنياء، وكل إنسان عنده أرض تكفيه، وكل إنسان عنده خوف من الله فهنا تكون المصلحة، فالتقييد إما أن تقتضيه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة.
وفي وقتنا الحاضر حسب ما نسمع، أن تقييد الإحياء بإذن الإمام أمر لا بد منه، يدخل في قسم الضرورة مباشرة في بعض المناطق، ويدخل في الحاجة أو المصلحة في مناطق أخرى؛ لأنه لا يمكن أن يتبعض النظام، بمعنى أن نجعل هذه الجهة لا بد فيها من إذن الإمام، وهذه الجهة يُمَلَك فيها بدون إذن الإمام؛ لأن الدولة واحدة، ولذلك لو قال قائل: لا حاجة إلى إذن الإمام في بلد أهلها أغنياء، وكل إنسان عنده مزرعته وكل إنسان عنده خوف من الله، ولا يمكن أن يعتدي على أحد؟ نقول: نعم، لكن ليست كل المناطق على هذه المنزلة، فَيُعَمَّم النظام ولا بأس.
إذاً المذهب: أنه لا يشترط للإحياء إذن الإمام، والقول الراجح أنه يملكها بدون إذن الإمام إلا إذا أصدر الإمام أمره بألا يحيي أحد أرضاً إلا بإذنه فلا تحيا إلا بإذنه، وإذا أمر الإمام ألا يُحييَ أحد أرضاً إلا بإذنه فهل تجب طاعته؟ الجواب: نعم، تجب طاعته؛ لأن طاعة ولي الأمر واجبة في غير معصية الله، وتنظيم الأراضي، وكون الناس لا يُعْطَون إلا بترخيص وحدود مضبوطة ليس من معصية الله، بل هو من حفظ حقوق العباد.
قوله: «في دار الإسلام وغيرها» يعني من أحياها ملكها سواء كان في دار الإسلام وغير دار الإسلام، ودار الإسلام هي التي غلب عليها الإسلام ظهوراً وشيوعاً بحيث يؤذن فيها للصلاة، وتقام فيها الجماعات، ويصام فيها رمضان ويعلن، وتظهر فيها الشعائر حتى وإن كان فيها كفار، فلو قدر أن الكفار فيها خمسون في المائة أو أكثر فهي دار إسلام، ما دام حكم الإسلام غالباً عليها، أما إذا لم يكن حكم الإسلام عليها غالباً فهي دار كفر ولو كثر فيها المسلمون، والاعتبار بالمظهر والظاهر، ويدل لهذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا غزا قوماً أمسك حتى يطلع الفجر، فإن أَذَّنُوا امتنع من قتالهم، وإن لم يؤذِّنوا قاتلهم[(159)].
فمثلاً بلاد أوروبا الآن بلاد كفر؛ لأن الحكم الشائع والظاهر فيها هو الكفر، وإن كان يوجد فيها جمعيات إسلامية، وربما يوجد في بعض البلاد هناك مناطق تقام فيها الجماعة والجمعة، لكنها بلاد كفر؛ لأن الغالب والمهيمن عليها هو حكم الكفار، فإذا قدر أن شخصاً تملَّك في أوروبا، وأحيا أرضاً فهي ملكه شرعاً، ولا أحد ينازعه فيها إذا تم الإحياء.
وقيل: إن دار الإسلام من كان أكثر أهلها مسلمين بغض النظر عن الحاكم، وقيل: إن دار الإسلام من يحكمها مسلم ولو كان أكثر أهل البلد كفاراً، والعلماء اختلفوا في هذا اختلافاً كبيراً، لكن أقرب الأقوال أنه ما أعلن فيها بالإسلام.
قوله: «والعَنْوة كغيرها» العنوة ما فتح بالسيف، أي: أن بلاد الكفر المفتوحة بالسيف كغيرها من البلاد التي فتحت صلحاً، فإذا أحيا أرضاً ميتة في بلاد فتحت عنوة فهي له، وما زال المسلمون يتبايعون هذه الأراضي، أما قول بعض الفقهاء ومنهم أصحاب الإمام أحمد ـ في المشهور عنهم ـ أنه لا يباع غير المساكن مما فتح عنوة، فهذا قول مخالف لما جرى بين المسلمين، فإن المسلمين منذ فتحوا هذه البلاد وهم يتبايعون الأراضي والمساكن ويملكونها، وكذلك فيما فتحت صلحاً، بأن صولح أهلها أن يبقوا فيها وتكون الأرض أرضنا، ويبقون فيها بالجزية، أما ما صولحوا على أنها لهم، فإنها لا تملك بالإحياء؛ لأن الأرض أرضهم، لكن ما صولحوا على أنها لنا ونقرهم فيها بالجزية أو بالعهد فإنها تملك.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين مكة وغيرها، ولكن هذا فيه خلاف، أما المدينة فكغيرها من البلدان تُملك بالإحياء، وأما مكة ففيها خلاف؛ لأن مكة مشعر يجب على كل مسلم أن يقصده ليؤدي مناسك الحج، فليست خاصة لأحد، ولهذا قال فقهاؤنا ـ رحمهم الله ـ: إنه لا يصح بيع مساكنها ولا إجارتها؛ لأنها تعتبر أرض مشعر، ولا يملك الإنسان فيها شيئاً على وجه تام كما يملكه في غيرها، إلا المساكن التي بناها فهذه له أن يبيعها لكن الأرض لا تباع.
ويرى شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ قولاً وسطاً في هذا فيقول: هي تملك بالإحياء وبالإرث وبالبيع، لكنها يحرم تأجيرها، فمن استغنى عن مكان وجب بذله لغيره، ولو أن الناس مشوا على كلام شيخ الإسلام لحصل في ذلك سعة عظيمة للناس؛ ووجه ذلك أن الناس لا يبنون إلا ما يحتاجون إليه فقط، وإذا لم يبنوا إلا ما يحتاجون إليه وقدم الحجاج، فإن من وجد سكناً مبنياً بالحجارة والطين سكنه وإلا فالخيام.
والقول الثالث في المسألة: أن مكة كغيرها تملك بالإحياء وبالبيع ويجوز بيعها وإجارتها، والعمل الآن على هذا القول، وهذا هو الذي لا يمكن العمل بسواه في الوقت الحاضر؛ لأننا إن قلنا بالمذهب فهو قول ضعيف لا يمكن العمل به، وإن قلنا باختيار شيخ الإسلام صار هناك خصومات وعداوات وبغضاء، فإذا قدم الحاج ووقف عند البيت وقال لصاحب البيت: البيت يوجد فيه حجر فارغة، فقال صاحب البيت: لا يوجد، فهنا يحصل نزاع وخصام، ثم هل يمكن أن نقول للذي جاء ليستأجر: لك الحق أن تسأل صاحب البيت كم عائلتك؟ وكم في البيت من حجرة؟ والزائد لا بد أن تفرغه لنا!! هذا فيه صعوبة، ولهذا مشى القضاة الآن على أنها تملك بيعاً وشراءً ويملك تأجيرها واستئجارها، لكن على المذهب يقولون: إذا لم يجد مكاناً إلا بأجرة دفعها والإثم على الآخذ، وهذا فيه فسحة، وعللوا ذلك بأن سكناه في هذا البيت حق له، فإذا قال صاحبه: لا يمكن أن تسكن إلا بأجرة، فمعناه أنه منعك حقك إلا بعوض، فابذِلْ العوض وهو الآثم.
وبهذا التقرير نعرف أن بعض البلاد التي يقولون فيها: لا بد أن تؤمن على سيارتك، وحاجاتك وأنت ترى أن التأمين حرام؛ لأنه من الميسر، فلك في هذه الحال أن تعطيهم وهم الآثمون؛ لأنه لا يمكن أن نضيق على الناس ونفوت مصالحهم، فنقول: اعقد معهم عقد التأمين، لكن أضمر في نفسك أنك مظلوم وأنك مكره على بَذْلِكَ ثمن التأمين، وفي هذه الحال إذا قدر عليك حوادث أكثر مما دفعت فإنك لا تستحق هذا الزائد؛ لأنك تعتقد أن العقد باطل وحرام، فخذ ما خسرت أو ما دفعت في التأمين والباقي امتنع منه، فإن أبوا إلا أن تأخذه فخذه وتصدق به تخلصاً منه، وبهذا نسلم من الحرج الذي يصيب بعض الناس الآن، يقول: إنه في بلاد لا يمكن أن يشتري سيارة، ولا أن يعمل أي عمل إلا بتأمين، فنقول: هذا المخرج، والحمد لله والإثم على الآخذ.
قوله: «ويملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته» يعني أن الإحياء لا يشترط أن يكون بعيداً عن العمران، فيملك بالإحياء ما قرب من عامر، حتى وإن لاصقه، فلو أن رجلاً قد بنى بيتاً، وما حول البيت فضاء ليس لأحد، فبنى هو بجنب البيت وليس بينهما إلا الجدار، فإنه يصح الإحياء ويملكه، لكن يقول المؤلف: «إن لم يتعلق بمصلحته» فإن تعلق بمصلحة العامر لكونه مرعى لدوابهم أو فناءً لإلقاء القمامة أو محتطباً لهم، فإنه لا يملك ولا يجوز لأحدٍ أن يتملكها، فإن تملكها فإن كان ببنيان هدم وإن كان بغرس قلع؛ لأن هذه الأرض التي تتعلق بها مصالح الناس ليست منفكة عن الاختصاصات، فلا تكون مواتاً حسب التعريف الفقهي، وإذا قدرنا أن الرجل قد بنى بيتاً إلى جنب بيتِ قد أحيي وسكن صاحبه، فهل يطالب صاحب البيت هذا الذي أحيا من بعد بقيمة الجدار الذي بينهما؟
الجواب: لا يطالبه؛ لأن هذا الرجل بنى الجدار على أنه حماية بيته وأنه مُلْكُه، وهذا تجدد إحياؤه فلا يطالبه بقيمة الجدار الذي بينهما، لكن لو فرض أن الأرض مقطَّعة وكل قطعة لبيت، وتأخر أحد الجارين في عمارة منزله حتى يعمر الآخر فيسقط عنه قيمة الجدار؛ لأن بعض الناس قد يتحيل، ويقول: أتأخر في البناء وإذا بنى جاري سقط عني قيمة الجدار، ففي هذه الحال يحسن قضاءً أن يلزم بما يُستحق عليه من قيمة الجدار سداً لحيل المتحيلين.
أما إذا كان الجار ليس له نية أن يعمر ثم عمر بعد ذلك، فإنه لا يلزمه أن يدفع شيئاً من قيمة الجدار، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه على جداره» قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ حين كان أميراً على المدينة: (ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم)[(160)] أي: أرمين بالخشب، يعني إذا لم تمكِّنوا من وضع الخشب أضعه على الكتف؛ لأنه أمير، وهذا نظير قول عمر ـ رضي الله عنه ـ لمحمد بن مسلمة مع جاره، حين احتاج جاره أن يجري الماء من ملكه عبر ملك محمد بن مسلمة فامتنع، وقال: لا يمكن أن تجري الساقي على ملكي، فالأرض أرضي، فقال له صاحب الساقية: انتفع به اغرس عليه وابذر، فأبى، فترافعا إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال له: (لَيُجرينَّه وإلا أجريته على بطنك)[(161)]؛ لأن هذا الذي امتنع يعتبر مضاراً، نعم لو قال: أنا لا أريد أن تجري الساقي في ملكي؛ لأني أريد أن أبنيه فهنا له الحق، أما إذا كان يريد أن يزرعه ويغرسه فمن مصلحته أن يجري الماء.
وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتاً، أَوْ حَفَرَ بِئْراً فَوَصَلَ إِلَى المَاءِ، أَوْ أَجْرَاهُ إِلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ لِيُزْرَعَ فَقَدْ أَحْيَاهُ. ..............
قوله: «ومن أحاط مواتاً، أو حفر بئراً فوصل إلى الماء، أو أجراه إليه من عين ونحوها، أو حبسه عنه ليُزرع فقد أحياه» هذا بيان لما يحصل به الإحياء، وهي مسائل:
الأولى: «إذا أحاط مواتاً» أي: ضرب عليها حائطاً يمنع الدخول منه ملكها، وليس حائطاً يسيراً كحجر أو حجرين.
وظاهر كلام المؤلف ولو كبيرة، أما إذا كان في الأراضي شح بأن كانت البلد في أرض محجوزة إما بالأنهار وإما بالجبال، فلولي الأمر أن يحدد، ويقول: لا أحد يتملك أكثر من كذا وكذا قدراً؛ وذلك من أجل ألا يحتكرها أحد الأقوياء، ويحوط أرضاً كبيرة ثم يبيعها على الناس بثمن غالٍ.
الثانية: «أو حفر بئراً فوصل إلى الماء» فإن هذا إحياء، لكن ما الذي يملكه بحفر البئر؟ إن كانت البئر للوِرْد ونحوه فإنه يملك حريمها، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ بيان ذلك، وإن كانت لسقي الأرض كبئر الزراعة فإنه يملك كل ما أجرى عليه الماء، فإن لم يصل إلى الماء فليس بإحياء لكنه يكون أحق بها من غيره؛ لأنه ابتدأ بالإحياء ولم ينهه.
الثالثة: «أو أجراه إليه من عين ونحوها» فقوله: «أجراه» أي: أجرى الماء إلى الموات «من عين أو نحوها» كالنهر، فإنه يحصل به الإحياء، ولكن ما الذي يُمْلك؟ الجواب: كل ما جرى عليه الماء فهو إحياء.
الرابعة: «أو حبسه عنه ليُزرع» فقد أحياه، فهذه أرضٌ الماءُ فيها كثير لا تصلح للزرع، فإذا زُرِعَ فيها غرق الزرع، فكيف يحييها؟ يحييها بأن يحبس الماء عنها، فإذا حبس الماء عنها لتصلح للزرع فقد أحياها، فكل ما حبس عنه الماء فإنه يعتبر مُحيا يملكه صاحبه، فإجراء الماء إلى الأرض إحياء، ومنع الماء عن الأرض إحياء؛ لأن المقصود أن تتهيأ الأرض للزرع.
وزاد أهل العلم فقالوا: كذلك لو كان فيها أشجار لا يمكن أن تغرس معها أو تزرع فأزال الأشجار فهو إحياء، وكذلك لو كان فيها أحجار متراكمة عليها لا تصلح الأرض مع هذه الأحجار للزرع ثم أزال الأحجار ونقاها فهذا إحياء.
ومن العلماء من يقول: يُرْجع في هذا إلى العرف، فما عده الناس إحياءً فهو إحياء، وما لم يعدوه إحياءً فليس بإحياء، وعللوا هذا بعلة قوية، فقالوا: إن القاعدة عندنا أن كل ما أطلقه الشارع وليس له حد في الشرع فمرجعه إلى العرف؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» [(162)] ولم يبين النبي صلّى الله عليه وسلّم ما يحصل به الإحياء، وهذا القول لا يبعد عما قاله المؤلف ـ رحمه الله ـ لكن ربما تتغير الأحوال وتختلف.
أما لو غرس على أرض واسعة كبيرة أشجاراً كالجدار، فهل يملك ما كان داخل هذه الأشجار؟ الجواب: لا يملك؛ لأنه ما زرعها، ولا بنى، والأشجار عرضة للزوال، لكنه تَحجُّر فيكون أحق بها، بمعنى أنه لا يزاحمه عليها أحد، ولكن إذا تأخر في إحيائها وَوُجِد من يطلب إحياءها فيمهل، ويقال له: يا فلان إما أن تحيي الأرض، وإما أن ترفع يدك؛ لأن هناك من ينتظر إحياءها.
وقوله: «أو حبسه عنه ليزرع فقد أحياه» أما لو حبس الماء عن هذه الأرض لمجرد أن تيبس فقط فإن هذا ليس بإحياء، وفي هذا إشارة من المؤلف إلى أن النية معتبرة في الإحياء في مثل هذه الصورة.
وَيَمْلِكُ حَرِيمَ البِئْرِ العَادِيَّةِ خَمْسِينَ ذِرَاعاً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَحَرِيمَ البَدِيَّةِ نِصْفَهَا. ....
قوله: «ويملك حريم البئر العاديَّة خمسين ذراعاً من كل جانب، وحريمَ البديَّة نصفَها» .
قوله: «حريم» أي: محارم الشيء، أي: ما حوله.
وقوله: «العادية» يعني التي أعيدت بعد أن كانت محفورة من قبل ثم طمها الرمل، أو المطر، أو ما أشبه ذلك، ثم أعادها، فيملك خمسين ذراعاً من كل جانب؛ وذلك لأنه حفرها أولاً ثم حفرها ثانياً، فبالحفر الأول ملك خمسة وعشرين ذراعاً، وبالحفر الثاني ملك خمسة وعشرين، فيكون الجميع خمسين ذراعاً.
ومراد المؤلف ـ رحمه الله ـ بذلك البئر المحفورة للسقيا وليست للزرع، وهذا يقع كثيراً في البر عند البادية، تجد الرجل يحفر بئراً حتى يصل إلى الماء من أجل أن يسقي ماشيته من إبل أو بقر أو غنم، فنقول: هذا الرجل يملك بهذه البئر خمسين ذراعاً إن كانت قد أعيدت، أو خمسة وعشرين ذراعاً إن كانت بدية، يعني مبتدأة، ففعيل هنا بمعنى مفعول، أي: ابتدأ حفرها، أما إن كانت البئر للزرع فهو شبيه بإجراء الماء إلى الأرض يكون إحياء لكل ما يمكن أن يزرع بهذه البئر.
وظاهر كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أنه لا فرق بين أن يكون الحفر سهلاً أو يكون الحفر شديداً، كما لو كانت أرضاً صخرية، وأنه لا فرق بين أن يكون عمقها بعيداً أو عمقها قريباً؛ وتعليل ذلك أن هذا الحريم هو الذي يتعلق به مصلحة البئر، فالرجل في البادية إنما حفر هذا البئر من أجل أن يسقي ماشيته، وخمسة وعشرون ذراعاً من كل جانب فيها كفاية، أي: دائرة يبلغ قطرها خمسين ذراعاً، أما إذا كانت عاديَّة بمعنى أنها انطمت ثم حفرها ثانية فإنه يملك خمسين ذراعاً من كل جانب.
وظاهر كلامهم ـ أيضاً ـ أنه لا فرق بين أن يكون الحافر مرة أخرى، هو الأول أو غيره، أما إذا كان هو الأول فإعطاؤه خمسين ذراعاً واضح؛ لأنه تعب عليها مرتين، وأما إذا كان غيره، فيقال: إن الأول ملك خمساً وعشرين، والثاني ملك خمساً وعشرين فيكون خمسين ذراعاً من كل جانب، فتكون الخمس والعشرون الأولى باعتبار حفر الأول لها، والثانية باعتبار حفر الثاني لها.
وَلِلإمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلاَ يَمْلِكُهُ. وَإِقْطَاعُ الجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِجُلُوسِهَا، وَمِنْ غَيْرِ إِقْطَاعٍ لِمَنْ سَبَقَ بِالجُلُوسِ مَا بَقِيَ قُمَاشُهُ فِيهَا وَإِنْ طَالَ. ......
قوله: «وللإمام» إذا قال الفقهاء: «الإمام» فمرادهم السلطان الأعلى، أي الذي له الكلمة على كل الدولة، كالملك ـ مثلاً ـ في البلاد الملكية وكالرئيس في البلاد الجمهورية، وما أشبه ذلك، فمن له الكلمة العليا فهو عند أهل العلم الإمام؛ لأنه يؤتم به ويطاع فيما يأمر به في غير معصية الله، وكل من كان قدوة فهو إمام، ولذلك نسمي من يصلي بنا في الجماعة إماماً؛ لأننا نأتمر بأمره، فلا نكبر إلا إذا كبر، ولا نركع إلا إذا ركع، وإذا قام قمنا، وإذا سجد سجدنا.
قوله: «إقطاع موات لمن يحييه» إقطاعه يعني أن يقول مثلاً: يا فلان لك هذه الأرض أحيها، فإذا أحياها المقطَع فإنه يملكها، وإذا لم يحيها فإنه يكون أحق بها من غيره، فيكون المقطَع كالمتحجر وليس كالذي أحيا.
وإذا قالوا: «وللإمام» فاللام للإباحة، بمعنى أنه لا يمنع من الإقطاع، ولكن قد يجب وقد يحرم، فيجب عليه إذا تقدم متشوف لإحياء الأرض، وكان هذا المتقدم قادراً على إحيائها، فالواجب على الإمام حينئذ أن يقطعه حتى لا تتعطل الأراضي، وحتى ينتفع هذا المتقدم.
ويكون حراماً إذا أقطعها شخصاً محاباة، بمعنى أنه قد تقدم من هو أولى منه وأقدر على إحياء الأرض، ولكنه أقطعها هذا الرجل؛ لأنه قريبه، أو لأنه ذو جاه أو ما أشبه ذلك.
وفهم من قوله: «إقطاع موات» أنه ليس له الحق في أن يقطع أرضاً ذات اختصاص؛ لأن الموات هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، وعلى هذا فليس للإمام أن يقطع أودية البلد، وطرقه، أو ما أشبه ذلك؛ لأنها مختصة وإن لم تكن مملوكة، وليس له أن يقطع مراعي البلد، ومحتطبهم، أي محل جمع الحطب وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من الاختصاصات، وليس من الأرض الموات.
وقوله: «وللإمام» كذلك من قام مقام الإمام فهو مثله؛ لأنه في الوقت الحاضر الإمام لا يتولى هذا، وإنما يتولاه الوزراء أو الوكلاء أو ما أشبه ذلك، فيرجع في هذا إلى نظام الحكم، فإذا كانت الدولة يتولى الإقطاع فيها الحاكم الأعلى فهو الحاكم الأعلى، وإذا كان نوابه فنوابه.
قوله: «ولا يملكه» الواو هنا للاستئناف، والضمير هنا يعود على المقطَع، يعني أن المقطَع لا يملكه لكن يكون أحق به من غيره، بحيث لا يمكن لأحد أن يقوم بإحيائه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» [(163)] فجعل مناط الحكم الإحياء.
وقيل: إنه يملكه بإقطاع الإمام؛ لأن إقطاعه إياه تمليك على هذا القول؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقطع بعض الأراضي[(164)] وإقطاعه إياها تمليك بلا شك، ولأن الإمام هو المسؤول عن أراضي دولته وأحوال الدولة، فإذا أقطع هذا الرجل فكأنه وهبه، والهبة يكون بها الملك، لكن الأقرب أنه لا يملكه، وأنه أحق به، ثم إن أحياه فهذا المطلوب ويملكه بالإحياء وإن لم يحيه، وتقدم متشوف لإحيائه وجب على الإمام أن يقول للذي أقطعه: إما أن تحييه، وإما أن ترفع يدك ويضرب له مدة يمكنه أن يحييه فيها.
مسألة: هل يجوز لمن أُقطع أن يتنازل عن إقطاعه بعوض؟
الجواب: في هذا خلاف، فمن العلماء من قال: لا يجوز لاحتمال ألا يحصل للثاني؛ لأن الثاني إذا لم يحيه قيل له: ارفع يدك.
وقال بعض أهل العلم: بل يجوز ذلك؛ لأن هذا الذي أُقطع تنازل عن حقه بعوض، والأصل في العقود الحل والإباحة وليس في ذلك محظور؛ لأنه إذا تنازل عنه نزل الثاني منزلة الأول، وهذا لا مانع منه، وهذا القول هو الصحيح.
قوله: «وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس» أي: وللإمام إقطاع الجلوس في الطرق الواسعة بشرط ألا يضر بالناس؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ولنضرب مثلاً بسوق الخضار، فهذا السوق يكون عادة واسعاً فله أن يقطع أحداً مكاناً يجلس فيه، فيقول: يا فلان لك رأس السوق أو وسط السوق أو طرف السوق أو ما أشبه ذلك؛ لأن المرجع في هذه الأمور إلى الإمام، لكن بشرط ألا يضر بالناس، والإضرار بالناس له صور منها:
لو أقطعه مكاناً كبيراً والناس مزدحمون في هذا المكان، ولو لم يقطعه لَوسِعَ هذا المكان أربعة أو خمسة فهنا لا يجوز له ذلك؛ لأن هذا إضرار بالناس، والناس محتاجون، وإذا أقطع قطعة كبيرة من هذا السوق لهذا الرجل، فبدلاً من أن يكون في هذا السوق عشرون رجلاً لم يتسع إلا لعشرة ـ مثلاً ـ وهذا إضرار.
كذلك لو أقطعه مكاناً هو مدخل السوق ويضيق على الداخلين فهنا نقول: هذا ممنوع، ولا يحل له؛ لأن الإمام يجب عليه أن يراعي المصالح العامة، والمضار الخاصة تغتفر من أجل المصالح العامة؛ لأنه إذا راعى المصالح العامة فربما يضر آخرين لكنهم أفراد.
قوله: «ويكون أحق بجلوسها» ولكن لا يملكها؛ لأن السوق ملك للعامة، فإذا أقطعه مكاناً يبيع فيه، فإنه لا يملكه لكن يكون أحق بالجلوس فيه.
قوله: «ومن غير إقطاع» يعني لو جلس إنسان في مكان من السوق يبيع ويشتري فيه من غير إقطاع.
قوله: «لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال» يعني لو تقدم إنسان إلى مكان ووضع بسطته فيه، فما دامت بسطته في السوق فهو أحق وليس لأحد أن يزاحمه؛ لأنه سبق، حتى ولو طال.
وقوله: «وإن طال» فيها إشارة خلاف، فمن العلماء من يقول: يعطى مهلة يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً ثم يقال: ارفع يدك؛ لأنه إذا طال بقاؤه صار كالمالك وحينئذٍ يتعذر أن ينتفع به أحد غيره، وربما يبقى القماش وهو لا يأتي فيمنع هذا المكان من الانتفاع به وهو لا ينتفع به.
ومنهم من قال: ما دام الرجل محتاجاً إلى هذا المكان فإنه أحق ولو طال جلوسه لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به» [(165)] والصحيح أن ذلك يرجع إلى رأي ولي الأمر، فإن رأى من المصلحة أن يبقى فلا بأس؛ وإن رأى من المصلحة رفعه فإنه يرفعه.
لكن إذا كان هذا المكان موسمياً وانتهى الموسم، فهل نقول: إن هذا الرجل له في الموسم الآخر هذا المكان؟ أو أنه في الموسم الآخر من سبق إلى مكان فهو أحق به؟
الجواب: الثاني؛ لأنه انتهى الموسم، فإذا قدرنا أن في هذا المكان موسماً يكون في عيد الفطر، وانتهى الموسم، وأتى موسم عيد الأضحى فلا نقول للذي جلس في مكان في موسم عيد الفطر: أنت أحق به في موسم عيد الأضحى؛ لأنه انتهى الموسم.
فإن كان من المقرر نظاماً أن كل من قام في بسطة ارتحل عنها في آخر النهار، كما يوجد في بعض المحلات، يبقى الإنسان في هذا المكان طول النهار فقط، وفي الليل تنقل كل الأمتعة، فماذا نعمل في اليوم الثاني؟ هل نقول: نبتدئ من جديد ومن سبق فهو أحق؟ أو نقول: من كان في مكان بالأمس فهو أحق به؟
الجواب: الأول، فما دام النظام يقول: الجلوس كل يوم بيومه، فإذا انتهى اليوم الأول وجاء الثاني فإن من سبق فهو أحق.
وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ اقْتَرَعَا، وَلِمَنْ فِي أَعْلَى المَاءِ المُبَاحِ السَّقْيُ وَحَبْسُ المَاءِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ ثُمَّ يُرْسِلُهُ إِلَى مَنْ يَلِيهِ. وَلِلإمَامِ دُونَ غَيْرِهِ حِمَى مَرْعىً لِدَوَابِّ المُسْلِمينَ مَا لَمْ يَضُرَّهُمْ.
قوله: «وإن سبق اثنان اقترعا» يعني سبقا إلى مكان ليبيعا فيه، بأن يكون كل واحد وصل إلى المكان في نفس الوقت، فإننا ننظر إن أمكن توزيع الأرض بينهما وانتفاع كل منهما بما أخذ فإننا نقسمها بينهما، وإن لم يمكن بحيث لا تتسع إلا لمتجر واحد، فهل نقول: ينظر إلى الأكبر سناً، أو إلى الأفقر؛ لأنه أحق بالمراعاة، أو إلى الأغنى، لأنه سوف يجلب إلى هذا المكان ما لا يستطيع الفقير أن يجلبه؟ نقول: كل هذه مسائل اعتبارية فيرجع إلى الأصل، وهو أنهما تساويا في الوصول إليه، ولا طريق إلى التمييز إلا بالقرعة.
ولكن كيف نقرع؟
نقول: القرعة هي ما يحصل بها التمييز، ولا تتعين بشكل معين، فكل ما يحصل به التمييز فهو قرعة وهو يختلف، والناس يختلفون في كيفية الإقراع، والمقصود هو التمييز.
قوله: «ولمن في أعلى الماء المباح السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه» «لمن» خبر مقدم، و «السقي» مبتدأ مؤخر، و «الماء المباح» يراد به ما ليس بمملوك؛ لأن الماء نوعان: نوع مملوك، ونوع مباح.
فالأنهار التي يجريها الله ـ عزّ وجل ـ مباحة، والأودية التي يأتي بها المطر مباحة، والبئر التي حفرها قوم واشتركوا فيها هذه مملوكة.
والماء المملوك يكون توزيعه على حسب الملك؛ لأنهم مشتركون، ولا مزية لواحد على الآخر، فمثلاً إذا كان لأحدهما النصف والثاني النصف، وزع الماء بينهما نصفين، وإذا كان لأحدهما الربع والثاني ثلاثة أرباع، فيوزع ربعاً وثلاثة أرباع على حسب الحال.
وكيفية التوزيع ـ أيضاً ـ تختلف، إما أن يكون الساقي واحداً ثم يوضع خروق موزِّعة، فمثلاً إذا كانوا نصفاً ونصفاً فإننا نحتاج إلى اثنين، وإذا كان ثلاثة أرباع وربعاً فإننا نحتاج إلى أربعة، فتوزع بحسب الحال.
أما إذا كان مباحاً فيقول المؤلف: «ولمن في أعلى الماء المباح السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه» «السقي» يعني أن يسقي زرعه، أو نخله، إلى أن يصل إلى الكعب، ومعلوم أن الأرض ليست متساوية من كل وجه، ربما يصل إلى الكعب في جانب ويصل إلى نصف الساق في جانب آخر، فالعبرة بالمتوسط، وإلا فمن المعلوم أنه لو كانت بعض الأرض نازلة متراً أو أكثر لاستوعبت ماءً كثيراً قبل أن يصل إلى الكعب في العالي، لكن العبرة بالمتوسط.
قوله: «ثم يرسله إلى من يليه» يعني بعد ما يسقي حتى يصل إلى الكعب يرسله إلى من يليه، إلا إذا كان الأعلى أتى أخيراً فإنه يقدم الأسفل.
مثال ذلك: هذا الوادي زرع فيه إنسان، وصار يسقي زرعه منه، ثم جاء إنسان وتقدم إلى أعلى الوادي، فلا نعطي المتقدم؛ لأن الأول أحق لسبقه، لكن إذا قدرنا أنهم أحيوا جميعاً، أو أننا لا نعلم مَنْ المتقدم فإنه يقدم الأعلى، ودليل ذلك ما جاء في الحديث الصحيح من تشاجر الأنصاري والزبير بن العوام ـ رضي الله عنهما ـ في شِراج الحرة، حيث ينزل هذا الشراج إلى الحائطين جميعاً، فكان الزبير ـ رضي الله عنه ـ يسقي ثم يرسل إلى جاره من غير تقدير، فقال الجار: لا، لا بد أن يكون السقي بالسوية، بمعنى أنك إذا سقيت زرعك وكان الماء لا يكفي إلا زرعك فلا بد أن تجعل لي نصيباً منه، فتخاصما إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقضى للزبير؛ لأنه أحق، وقال له: اسق ثم أرسل إلى جارك، وأطلق، وهذا يحصل بأقل ما يسمى سقياً، ولكن الأنصاري أخذته الحمية وقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟! ـ عفا الله عنه ـ يعني كأنه ظن أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم راعى القرابة، وصلة القرابة واجبة فأراد ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يقدم قرابته؛ لأن صلة القرابة واجبة، فظن ـ رضي الله عنه وعفا عنه ـ أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم راعى هذا وحكم للزبير، ويبعد جداً أن يكون الأنصاري أشار إلى حيف الرسول صلّى الله عليه وسلّم لكن لفظه يحتمله ولا شك، ولكن علينا أن نحسن الظن به، وأن نقول: إنه ظن أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر الزبير أن يسقي؛ لأنه كان من قرابته وكان هذا من صلة الرحم، فاحتفظ النبي صلّى الله عليه وسلّم للزبير بحقه فقال: «اسق حتى يصل إلى الجَدْر، ثم أرسله إلى جارك» [(166)] والجدر هي التي نسميها نحن الغلالي، أو الغلة، وهي التي تفصل بين الحياض، فقيس هذا الجدر، فوصل إلى الكعب، فاعتبر العلماء ـ رحمهم الله ـ ذلك بالكعب؛ لأن الجدر ـ أيضاً ـ يختلف، فقد يكون بعض الناس يكبِّر الجدر، وبعضهم يصغِّره فكان الكعب هو الميزان، فيحبس إلى أن يصل إلى الكعب ثم يرسله إلى جاره، ومعلوم أن وصول الماء إلى الكعب أكثر من أن يكون مجرد سقي؛ لأن مجرد السقي قد يكون بنصف هذه المسافة، وهذا هو الذي أمر به الرسول صلّى الله عليه وسلّم أولاً، لكن الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ لما قال هذا احتفظ النبي صلّى الله عليه وسلّم للزبير ـ رضي الله عنه ـ بحقه وقال: «اسق حتى يصل إلى الجدر» . وإذا أرسله إلى من يليه وكانوا ثلاثة أو أربعة، فالثاني يسقي إلى الكعب، والثالث إلى الكعب، والرابع إلى الكعب، وإن لم يبق له شيء بأن كان الماء قليلاً فليس له شيء.
قوله: «وللإمام دون غيره حمى مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم» اشترط المؤلف ـ رحمه الله ـ ثلاثة شروط في حمى المراعي، والمراعي جمع مرعى وهو مكان الرعي الذي يكثر فيه العشب والحشيش، والأراضي تختلف، بعضها يكون فيه العشب الكثير، والزرع الكثير، وبعضها دون ذلك.
فهل يجوز لأحد أن يحمي شيئاً من هذه الأراضي؟
نقول: يجوز بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون الحامي هو الإمام، وهو الولي العام على الدولة.
الثاني: أن تكون الحماية لدواب المسلمين، ودواب المسلمين هي دواب الصدقة، ودواب الفيء، ودواب الأرباب المجهولين، وما أشبه ذلك، فهي التي لعموم المسلمين وليست لشخص واحد.
الثالث: قوله: «ما لم يضرهم» وصورة الضرر بحيث لا يوجد حول هذا البلد إلا هذا المرعى، وإذا حُمِي تضرر الناس.
فلو أراد أحد من الناس أن يحميه لدواب المسلمين ولكنه ليس له ولاية عليها فإنه لا يجوز؛ لأن هذا افتيات على الإمام، وتَقَدُّمٌ بين يديه، كما أنه لو أراد أحد أن يقيم الحد على الزاني فإنه لا يملك هذا، ولا يملكه إلا الإمام أو نائبه، فكذلك حمى المرعى لدواب المسلمين لا يملكه إلا الإمام أو نائبه.
ولو أراد أحد من الأئمة أن يحمي لنفسه ودوابه مرعى رآه جميلاً وكثير الأعشاب فإن هذا لا يجوز؛ لأن الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار[(167)]، فلا يحل له أن يحميه ويمنع الناس من رعيه.
ولو أراد الإمام أن يحميه لدواب المسلمين، وكان فيه ضرر على الناس فإنه لا يملك ذلك؛ لأن الناس شركاء في هذا.
ومثل المرعى منطقة في البحر كثيرة الحوت، فلا يجوز لأحد أن يحميها، لأن الناس فيها شركاء، ومثل ذلك المحتطب، وهو المكان الذي يكثر فيه الحطب، فلو أن أحداً حماه واختص به فلا يجوز؛ لأن الناس في هذا شركاء.
----------------------------
[155] أخرجه البخاري في الشروط/ باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة (2718)؛ ومسلم في المساقاة/ باب بيع البعير واستثناء ركوبه (715) (109) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
[156] أخرجه البخاري في المظالم/ باب إثم من ظلم شيئاً من الأرض (2452)؛ ومسلم في البيوع/ باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (1610) عن سعيد بن زيد ـ رضي الله عنه ـ واللفظ لمسلم.
[157] جزء من حديث: «ليس لعرق ظالم حق» وقد سبق تخريجه ص(66).
[158] سبق تخريجه ص(235).
[159] أخرجه البخاري في الأذان/ باب ما يحقن بالأذان من الدماء (610) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
[160] سبق تخريجه ص(20).
[161] أخرجه مالك في الموطأ (2/746)؛ وصححه الحافظ في الفتح (5/133) ط/الريان.
[162] سبق تخريجه ص(66).
[163] سبق تخريجه ص(66).
[164] من ذلك أنه صلّى الله عليه وسلّم أقطع الزبير ـ رضي الله عنه ـ أرضاً، كما في البخاري في فرض الخمس/ باب ما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يعطي المؤلفة قلوبهم... (3151)؛ ومسلم في الآداب/ باب جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق (2182) عن أسماء ـ رضي الله عنها ـ
[165] أخرجه أبو داود في الجنائز/ باب في إقطاع الأرضين (3071)؛ والطبراني في الكبير (1/280) (814) عن أسمر بن مضرس ـ رضي الله عنه ـ.
[166] أخرجه البخاري في المساقاة/ باب سَكْر الأنهار (2360)؛ ومسلم في الفضائل/ باب وجوب اتباعه صلّى الله عليه وسلّم (2357) عن عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ.
[167] أخرجه الإمام أحمد (5/364)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في منع الماء (3477) عن رجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأخرجه ابن ماجه في الرهون/ باب المسلمون شركاء في ثلاث (2472) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وضعفه البوصيري. وأخرجه ابن ماجه في الموضع السابق (2473) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، مرفوعاً بلفظ: «ثلاث لا يمنعن...» الحديث، وصححه البوصيري في زوائده، والحافظ في التلخيص (1304) وانظر: الإرواء (1552).
|