المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد العاشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد العاشر
بَابُ الجَعَالَةِ
 

 

بَابُ الجَعَالَةِ

 

وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئاً مَعْلُومَاً لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ عَمَلاً مَعْلُوماً، أَوْ مَجْهُولاً مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ مَجْهُولَةً. .....

قوله: «الجعالة» فَعَالة من الجَعْل، والجَعْل معناه وضع الشيء، وفسرها المؤلف بقوله:

«وهي أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً، أو مجهولاً، مدة معلومة أو مجهولة» فالجعالة عقد لا يشترط فيه العلم بأحد العوضين، وهو ـ أي عقد الجعالة ـ فيه عوض مدفوع، وعوض معمول، فالعوض المدفوع لا بد فيه من العلم، والمعمول لا يشترط فيه العلم، المدفوع يكون من الجاعل، والمعمول يكون من العامل.

والفرق بين عقد الجعالة والإجارة، أن الإجارة مع معين بخلاف الجعالة فهو يطلق فيقول: من فعل كذا فله كذا؛ ولهذا صارت عقداً جائزاً، فإن قال قائل: كيف تجيزون هذا العمل مع ما فيه من الجهالة؟

قلنا: نجيزه لدعاء الحاجة إليه وليس هو على سبيل الإلزام؛ لأن العامل له أن يدع العمل في أي لحظة شاء؛ لأن الجعالة عقد جائز، ولو لم يوجد هذا الشيء لضاع للناس مصالح كثيرة، فمثلاً هذا الشخص ضاعت بعيره فلا يمكن أن يستأجر شخصاً لإحضاره؛ لأن هذا الشخص لا يدري متى يجد البعير، فلم يبق إلا الجعالة.

فإذا قال: من رد بعيري فله مائة ريال، فهنا العوض من الجاعل معلوم، والعمل مجهول؛ لأنه لا يُعلَم أيردها عن قريب أو عن بعيد، فربما يتعب ويظن أنه يردها في يومين ولا يردها إلا في عشرة أيام، أو ربما لا يستطيع ردها مطلقاً، فنقول: العمل لا يشترط فيه العلم بالنسبة للجعالة، وهذا من محاسن الشريعة؛ لأنه قد يصعب تعيين العمل في مثل هذه الحال، فلو قال: مَنْ رد لقطتي ـ مثلاً ـ من مسافة عشرة كيلو، فقد توجد في عشرة كيلو وقد لا توجد، لكن إذا جعل العوض عوضاً عن العمل مطلقاً، والعامل حظه ونصيبه كما يقولون، فهذا لا بأس به.

فإن جعل شيئاً مجهولاً بأن قال: من رد بعيري فله ما في هذا الكيس من الدراهم، فإنه لا يجوز؛ لأنه مجهول، لا ندري أمائة أم مائتان أم أكثر؟ فلا بد أن يكون العوض المدفوع من الجاعل معلوماً ليكون العامل على بصيرة.

ولو قدر أن الجاعل جعل جُعلاً كبيراً؛ لأنه يظن أن هذه البعير لا توجد إلا بمشقة وبُعْد شُقَّة، فيسرها الله للعامل، فهل يطالب الجاعلُ العاملَ بنقص العوض أم لا؟ الجواب: لا، نقول: هذا من رزق الله للعامل، كما أنه لو لم يجدها إلا بعد مدة طويلة وشُقَّة بعيدة فإنه لا يطالب الجاعلَ بزيادة.

ولو قال: إذا رددت بعيري الشارد فلك نصفه، فهذا معلوم، لكنه معلوم بالنسبة؛ لأنه جزء مشاع، فلا بأس؛ كالمضارب تعطيه المال وتقول: اتجر به ولك نصف الربح، فربما يتجر به اتجاراً شاقاً عظيماً ولا يحصل ربح، وربما تظن أنه لن يربح إلا قليلاً فيربح كثيراً.

فالمعلوم إذاً إما أن يكون بالتعيين بالعدد والوصف، وإما أن يكون بالمشاع أي بالسهم.

 

كَرَدِّ عَبْدٍ، وَلُقَطَةٍ، وَخِيَاطَةٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ. فَمنْ فَعَلَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِقَوْلِهِ اسْتَحَقَّهُ، وَالجَمَاعَةُ يَقْتَسِمُونَهُ. وَفِي أَثْنَائِهِ يَأْخُذُ قِسْطَ تَمَامِهِ...........

قوله: «كرد عبد» أي: كرد عبد آبق، يعني هرب من سيده فجعل جعلاً لمن جاء به، ومثل ذلك لو جعل جعلاً معلوماً لمن أحضر ولده الضائع فجائز؛ لأنه عمل، وإن كان الحر في الأصل لا يباع لكن هذا ليس بيعاً له، ولكنه إحضار له.

قوله: «وَلُقَطة» أي: رد لقطة وهي المال الضائع، وهذا من باب «علفتها تبناً وماءً بارداً» أي: وسقيتها ماءاً بارداً؛ لأن الماء لا يعلف، فاللقطة لا ترد إلا إذا كانت عند شخص وجدها فيردها، لكن مراده برد اللقطة إيجادها وإحضارها إلى صاحبها.

قوله: «وخياطة» يعني خياطة ثوب، بأن قال: من خاط لي ثوباً صفته كذا وكذا فله الأجر المعلوم، والثوب من الرجل وليس من العامل، فهذا جائز، أما إذا كانت القطعة من العامل فهذا يسمى عند العلماء استصناع السلعة، وفيه خلاف، فبعضهم يقول: لا يجوز؛ لأن هذا ليس بسَلَم، إذ السَّلَم لا بد فيه من التأجيل، وليس معيناً؛ لأنه في الذمة، والوصف قد لا يحيط به، ولكن الصحيح أنه جائز؛ لأنه يمكن ضبطه بالوصف، وعمل الناس عليه قديماً وحديثاً.

قوله: «وبناء حائط» كأن يقول: من بنى لي هذا الحائط فله كذا وكذا، وهذا يسمى عندنا مقاولة، نقول: هذا جائز، فإن تعاقد مع المقاول على أنه أجير صارت إجارة.

فإذا قال: من بنى هذا الحائط فله عشرة آلاف ريال، ثم سبق واحد وشرع في البناء، فهل لأحد غير الأول أن يأتي ويكمل؟ لا؛ لأنه أحق به، لما شرع صار لازماً، وإلا فالأصل في عقد الجعالة أنه جائز.

قوله: «فمن فعله بعد علمه بقوله استحقه» أي: استحق الجُعل، كرجل سمع آخر يقول: من رد بعيري فله مائة ريال، فبادر، وخرج، وطلبه فجاء به، فإنه يستحق العوض؛ لأنه عمل بعد أن علم، أما لو وجد الرجل الضالة ثم جاء بها إلى صاحبها وهو لا يعلم بالجعل، فإنه لا يستحق شيئاً؛ لأن المؤلف اشترط أن يكون بعد العلم؛ ووجه ذلك أنه لم يعمل لك؛ لأنه لم يعلم أنك وضعت جعلاً فلا عقد بينكما فكيف يستحق؟! وما يفعله بعض الناس اليوم فهو من باب الإكرام فقط.

فبعض الناس إذا وجد شيئاً وأتى به صاحبه قال: أريد منك مالاً مقابل الحفظ، يعني أني حفظته لك ولا سيما إذا كان ثميناً كالحلي، والساعات والأقلام الغالية، فلصاحب المال أن يقول: ليس لك علي شيء؛ لأني لم أجعل جعلاً، أو لأني جعلت جعلاً ولم تعلم به أنت، فله أن يمنع؛ لأنه ليس بينه وبينه عقد، لكن من المروءة إذا كان الشيء ثميناً أن تعطيه ما يطيب به قلبه لما يلي:

أولاً: لأنه عمل معروفاً، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه» [(168)].

ثانياً: أن مثل هذا ينبغي أن يشجع هو وأمثاله؛ لأن كونه يأتي به بدون أن يُطلب منه يدل على أمانته، فنحن نقول لصاحب المال: أما الوجوب لا يجب عليك، لكن لا شك أنه من المروءة والخير أن تعطيه.

فإن قال: أنا طلبت هذه اللقطة بنية الرجوع على صاحبها، قلنا: ليس لك الحق في ذلك؛ لأن صاحبها لم يطلب هذا الشيء ولم يجعل هذا الجُعل، وربما يكون صاحبها لم يعلم بأنها ضاعت وربما يكون غنياً ثرياً لا تهمه إذا ضاعت؛ لهذا لا تستحق شيئاً إلا بعد علمك بالجعل.

قوله: «والجماعة يقتسمونه» وفي نسخة: «ولجماعة» يعني وإن جعله لجماعة يقتسمونه بالسوية، يعني أن الجماعة لو أحضروا ما جُعِلَ عليه الجعل فإنهم يقتسمون الجعل، فإذا قال: من رد بعيري فله مائة ريال، فرده عشرة فإنهم يشتركون؛ لأن كل واحد منهم عَمِل.

فلو أن خمسة منهم قالوا: إن هؤلاء ليسوا شركاء لنا، نقول للذين أُنكِروا: هل هؤلاء شركاء لكم؟ فإذا قالوا: نعم، ثبت حق الأولين بدعواهم، وشهادة الآخرين، لكن هل يثبت للآخرين حق المشاركة؟ لا يثبت إلا ببينة، ولهذا ينبغي للقاضي أن يكون فطناً في هذه المسألة؛ لأن كل واحد من العشرة يدعي أنه مشارك، فإذا أقر الأولون وقالوا: نعم نحن الذين أتينا به، ولكن هؤلاء لم يشاركونا، فنسأل المنكرين ونقول: هل هؤلاء شاركوكم؟ فإذا قالوا: نعم، قلنا: ثبت حقهم وأنتم تدعون أنكم مشاركون، فإن أتيتم بالبينة وإلا فلا حق لكم.

قوله: «وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه» يعني في أثناء العمل «يأخذ» أي العامل «قسط تمامه» .

مثال ذلك: رجل وجد حائط صاحبه قد انهدم جانب من جداره ـ أي: جدار الحائط ـ وبما أن بينهما صحبة جعل يبنيه، فبنى ثلاثة صفوف من اللَّبِن، وبعد أن بنى ثلاثة صفوف قال صاحب الحائط: من بنى حائط بستاني فله سبعمائة ريال، والجدار يحتاج إلى سبعة صفوف من اللبن، فعلم صاحبه أنه جعل جعلاً وهو سبعمائة لمن بنى هذا الجدار، فكمَّل البناء، فكم نعطيه؟ قد يبدو لبعض الناس أنه يعطى أربعة أسباع يعني أربعمائة، ولكن هذا غلط؛ لأن البناء كلما ارتفع ازدادت مشقته، وعلى هذا فلا بد أن نقدره بالنسبة فنقول: جدار بني ثلاثة صفوف منه وهو يحتاج إلى سبعة صفوف، فكم تقدر النسبة؟ فإن قيل: يقدر ما بناه بالربع مثلاً، فنعطيه ثلاثة أرباع، بمعنى ألا نجعل أعلى الصف وهو السابع مثل آخر صف الذي هو الأول؛ لأن الأول ما فيه إلا أن يأتي باللبنات ويضعها، لكن الأعلى يحتاج إلى سُلَّم، وإلى رجال يمد بعضهم لبعض، ثم الموازنة، فموازنة صفوف اللبن مهمة جداً، ولهذا تجد الناس الحذاق يجعلون خيطاً يقيسون عليه لئلا يختلف اللبن بتقدم أو تأخر.

على كل حال من علم بالجعل في أثناء العمل يعطى قسط تمامه، لكن هل هو بالأجزاء أو بالقيمة؟ بالقيمة؛ لأننا لو قلنا بالأجزاء لكان في المثال الذي ذكرنا يستحق أربعمائة، وليس كذلك.

 

وَلِكُلٍّ فَسْخُهَا، فَمِنَ العَامِلِ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئاً، وَمِنَ الجَاعِلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ. ......

قوله: «ولكل» أي: لكل من الجاعل والعامل.

قوله: «فسخها» أي: الجعالة؛ لأن الجعالة ليست عقداً لازماً، فلو فرض أن الرجل قال: من رد بعيري فله مائة ريال، وبعد يومين رجع وقال: يا أيها الناس إني قد فسخت الجعالة، فله ذلك، ومن عمل بعد أن علم بفسخها فلا حق له؛ لأن الجعالة عقد جائز.

وكل عقد جائز من الطرفين فإن لكل منهما فسخه إلا إذا قصد الإضرار بالآخر؛ لأن جميع المباحات من عقود وأفعال إذا تضمنت ضرراً على الآخرين صارت ممنوعة، فلو تضمن ضرراً على الآخر فإنه لا يجوز أن يفسخ، فإن فسخ الجاعل للإضرار فللعامل أجرة ما عمل.

ولكن هل تكون الأجرة منسوبة إلى الأجرة العامة، أو منسوبة إلى الجُعل الذي جعل له؟ هذا محل نظر.

وصورة ذلك: إنسان جاعل شخصاً على أن يقوم بتصريف هذه السلعة، وفي أثناء العمل وَقَّفه، وكان إيقافه إياه في أيام تضر بالعامل، ففي هذه الحال نقول على ما اشترطنا ألا يتضمن ضرراً: إنه لو فسخ فإنه لا يحل له.

لكن: هل تنفسخ؟ نقول: نعم تنفسخ، ولكن للمجعول له أجرة العمل.

وهل يعطى الأجرة باعتبار أنه عامل كأجير، أو عامل كمجعول له؟

إذا قلنا بالأول فإننا نقول: ننسب الأجرة إلى هذا الزمن الذي تم التعاقد عليه ونعطيه بقسط الأجرة، سواء زادت على حصة الجعالة أم لم تزد؛ ووجه ذلك أنه لو انفسخت الجعالة رجعنا إلى أجرة المثل.

ولكن القول الراجح أن نعطيه بنسبة الجعالة؛ لأن هذا الرجل عمل كمجاعَل وليس كأجير، فنقول: لو عمل العمل كله استحق الجعل كله، ولنقل: إن الجعل كله مائة ريال، وهو الآن عمل الثلثين، فنجعل له ثلثي المائة؛ لأنه راضٍ بهذا.

قوله: «فمن العامل لا يستحق شيئاً» يعني إن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئاً؛ لأنه هو الذي فوت على نفسه الجعالة، فلو قيل مثلاً: من بنى هذا الجدار فله مائة ريال، فالتزم به أحد الناس، وفي أثناء البناء فسخ العامل الجعالة، فنقول له: ليس لك شيء.

لكن لو فُرِض أن الجاعل سيتضرر كثيراً؛ لأن العامل فسخ الجعالة في وقت لا يوجد فيه عمال، فالعمال ـ مثلاً ـ قد أخذهم الناس، لأن العمال في أول السنة كثيرون، وفي أثناء السنة يقلون، وهذا سوف يكون فيه على الجاعل ضرر، ففي هذه الحال لو قيل بتضمين العامل ما يلحق الجاعل من الضرر لكان له وجه، بمعنى أننا نقيم شخصاً يكمل الجدار ويكون على العامل أجرة هذا الشخص؛ لأنه ربما يتحيل أو يكيد للجاعل، فإذا بدأ بالعمل وتفرق العمال وصار العامل الذي بعشرة لا يوجد بخمسين فسخها.

وهناك قول آخر أنه إذا تضمن ضرراً على الجاعل فيلزم العامل بإتمام العمل إلا من عذر، وعلى هذا القول ـ أيضاً ـ نستريح، ولا نحتاج إلى نسبة ولا شيء، نقول: يلزمك أنت أيها العامل أن تكمل إلا لعذر، مثل لو مُرِض، أو شُل أو ما أشبه ذلك.

قوله: «ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة عمله» يعني إذا وقع الفسخ من الجاعل بعد الشروع فللعامل أجرة عمله، فإذا قدرنا أنه بنى نصف الجدار، وفسخ الجاعل، فللعامل أجرة عمله.

وظاهر قوله: «أجرة» أنه تنفسخ الجعالة نهائياً ولا يترتب عليها أثرها، ويُعطى أجرة العمل.

وأجرة العمل منسوبة إلى الأجرة العامة على ظاهر كلام المؤلف، فنلغي الجعالة ونقول: ماذا يقول أهل الخبرة في هذا الجدار إذا بني، كم أجرته؟ فإذا قيل: هذا الجدار إذا استُؤجر لبنائه يبنى بخمسمائة، والآن بنى النصف، فنعطيه ـ مثلاً ـ مائتين من خمسمائة؛ وذلك لأنه كلما ارتفع البناء ازدادت الكلفة، فعلى هذا ننسب ما يعطاه بقسط الأجرة سواء زادت على حصة الجعالة أم لم تزد؛ ووجه ذلك أنه لما انفسخت الجعالة رجعنا إلى أجرة المثل.

والراجح أننا نعطيه بنسبة الجعالة، فإذا قُدِر أنه لو استؤجِر عليه لكان بمائة ولو جُوعِل لكان بثمانين، فنعطيه بالنسبة للثمانين؛ لأن الجاعل راضٍ بهذه الجعالة، وكذلك العامل راضٍ بأن يكون مقابل عمله هو هذا الجعل.

فإذا قدرنا أن الجعالة أكثر من الإجارة ـ وهذا هو الغالب؛ لأن الغالب أن الذي يعقد عقد جعالة يريد العجلة ـ فماذا نعطيه؟ نعطيه بنسبة الجعالة.

الخلاصة: الجعالة على كلام المؤلف عقد جائز، يجوز للجاعل فسخها، ويجوز للعامل فسخها، فإن فسخ العامل فلا شيء له، لكن هل عليه شيء؟

ذكرنا أنه إذا تضمن ضرراً على الجاعل ألزم بدفع الضرر، مثل أن يكون العمال قد فقدوا ولا يوجد عامل فيلزم العامل بإتمام العمل؛ لأنه لا عذر له، وهو الذي ضر الجاعل، فيتمه إما بنفسه وإما بإقامة من يتمه وعلى العامل أجرته.

وإن فسخ الجاعل فإن كان قبل العمل فلا شيء للعامل؛ لأنه لم يعمل، وإذا كان بعد الشروع فللعامل أجرة عمله على المذهب، وأما على القول الراجح فيكون بنسبة الجعل كما سبق.

لكن لو تضمن ضرراً على العامل إذا فسخت قبل العمل فهل على الجاعل شيء؟

المذهب لا شيء عليه، ويتوجه أن يقال: يلزمه أرش تفويت العمل على العامل.

 

وَمَعَ الاخْتِلاَفِ فِي أَصْلِهِ أَوْ قَدْرِهِ يُقْبَلُ قَوْلُ الجَاعِلِ، وَمَنْ رَدَّ لُقَطَةً، أَوْ ضَالَّةً، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلاً بِغَيْرِ جُعْلٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضاً، إِلاَّ دِينَاراً أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَماً عَنْ رَدِّ الآبِقِ وَيَرْجِعُ بِنَفَقَتِهِ أَيْضاً.

قوله: «ومع الاختلاف في أصله أو قدره يقبل قول الجاعل» يعني لو اختلف العامل والجاعل في أصل الجعل، هل جعل أو لا؟فالقول قول الجاعل، هكذا قال المؤلف ـ رحمه الله ـ وأطلق، فلو عمل العامل وأنهى العمل وقال: أريد جعلاً، قلنا: لا بد أن نسأل إذا وافق الجاعل فلك ما ادعيت، وإذا لم يوافق فالأصل عدم الجعالة، وكذلك إذا اختلفا في القدر، فقال الجاعل: القدر مائة، وقال العامل: القدر مائتان فالقول قول الجاعل؛ لأنه غارم، فمثلاً إذا قال العامل: إنها مائتان، وقال الجاعل: إنها مائة، فقد اتفقا على مائة وبقيت المائة الزائدة مدعىً بها، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي» [(169)] ولهذا أخذ العلماء من هذا الحديث قاعدة: أن القول قول الغارم، لكن في هذا ـ أيضاً ـ تفصيل، فإذا اختلفا في القدر وادعى الجاعل قدراً لا يمكن أن يقام العمل بمثله، وادعى العامل قدراً يمكن أن يقام بمثله، فهنا نقول: إن دعوى الجاعل دعوى تكذبها العادة والعرف، فلا يقبل قوله ويقبل قول العامل، ولو ادعى العامل شيئاً كثيراً فإنه لا يقبل لأنه ادعى ما يخالف العادة ولأنه ادعى على الغارم ما لم يعترف به فيقبل قول الجاعل.

قوله: «ومن رد لقطة» يعني الضائع الذي ليس بحيوان إذا أتى بها إلى صاحبها.

قوله: «أو ضالة» وهي الضائع من الحيوان، والفرق بين اللقطة وبين الضالة، أن الضالة لها إرادة وتعرف ولكن تضل، واللقطة ليس لها إرادة.

قوله: «أو عمل لغيره عملاً بغير جعل لم يستحق عوضاً» لكن له أجر عند الله، وعلى هذا فإذا وجد لقطة باهظة الثمن، وقال لصاحبها: أعطني مقابلاً من المال، فإنه لا يلزمه أن يعطيه ويجبر الواجد على تسليمها لصاحبها مجاناً، إلا إذا كان قد جعل جعلاً، بأن قال: من رد لقطتي فإن له كذا وكذا فيعطى جعلاً.

وكذلك الضالة، إذا رد ضالة مما يباح التقاطه، فإنه لا يستحق عوضاً إلا إذا كان قد جعل له، وذلك لعدم وجود عقد بينه وبين المالك، فيقال: لك الأجر عند الله، أما أن تستحق على المالك شيئاً فلا.

واستثنى المؤلف مسألة جاء بها النص فقال:

«إلا ديناراً أو اثني عشر درهماً عن رد الآبق» الدينار هو النقد من الذهب، والدرهم هو النقد من الفضة، وإذا تأملت التقدير في هذا وفي الديات وفي نصاب السرقة، تبين لك أنه في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان الدينار يساوي اثني عشر درهماً؛ ولهذا تقطع اليد بربع دينار[(170)] أو بثلاثة دراهم[(171)]، والديات ألف مثقال ذهب أو اثنا عشر ألف درهمٍ فضة.

وقوله: «والآبق» هو العبد الذي شرد عن مالكه، هذا إذا رده أحد فله دينار أو اثنا عشر درهماً من الفضة، والدليل السنة، فقد جعل النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك لمن رد الآبق[(172)] ووردت آثار عن الصحابة[(173)] بذلك، والحكمة من هذا أن إباق العبد ليس بالأمر الهين؛ لأنه إذا أبق وكان أصله كافراً فربما يرجع إلى أصله إلى بلاد الكفر، ويكون حرباً على المسلمين، أو إذا ترك وساح في الأرض فربما يحتاج ويفسد في الأرض بالسرقات أو غيرها، فلذلك جعل الشارع لمن رده عوضاً، وإن لم يُظهر سيده ذلك العوض.

ويستثنى أمران آخران ـ أيضاً ـ:

الأول: من أنقذ مال المعصوم من الهلكة، فإنه يستحق أجرة المثل، مثل أن يرى الحريق قد اتجه إلى متاع شخص فينقذ المتاع، فهذا يعطى أجرة المثل؛ وذلك لتشجيع الناس على إنقاذ أموال المعصومين من الهلكة؛ لأننا لو قلنا: لا يعطى شيئاً؛ لأنه لم يتفق مع صاحبه بعقد، توانى الناس عن المبادرة في إنقاذ أموال المعصومين.

الثاني: إذا كان الإنسان قد أعد نفسه للعمل فجاء شخص وأعطاه الثوب وقال: خط لي ثوباً فله أن يأخذ عوضاً؛ لأنه قد أعد نفسه للعمل، أما إذا لم يعد نفسه للعمل فليس له شيء، فقد أعطاه على أنه محسن.

فصار كل من عمل لغيره عملاً بلا عقد فإنه ليس له شيء، إلا في ثلاث أحوال:

الأولى: إنقاذ مال المعصوم من الهلكة.

الثانية: رد الآبق.

الثالثة: إن أعد الإنسان نفسه للعمل.

مسألة : لو أن شخصاً عمل ما فيه مصلحة في مال الشخص وطلب العوض على ذلك، فهل يلزم المالك؟ لا؛ لأن صاحب المال يقول: أنا ما أمرتك لا باللفظ ولا بالقرينة، بل أن صاحب المال يمكن أن يطلب منه عوضاً، ويقول: لماذا تتصرف في مالي؟!

قوله: «ويرجع بنفقته أيضاً» أي: يرجع راد الآبق بنفقته؛ لأن نفقته واجبة، لما فيها من إحياء النفس، ولا يمكن أن يتخلف الذي رد الآبق عن الإنفاق عليه؛ لأنه لو تخلف عن الإنفاق عليه لهلك، فلهذا يرجع بنفقته.

ومن يقبل قوله في النفقة؟

إذا دل العرف على قول الذي رد الآبق، أو على قول سيده عُمِل بالعرف، فمثلاً لو قال مَنْ رد الآبق: أنفقت عليه ألف ريال، وقال سيده: بل خمسمائة، فلدينا الآن مدعٍ، ومدعى عليه، والغارم السيد، فهل نقبل قول السيد، أو ننظر ماذا يدل عليه واقع الناس؟ الجواب: الثاني، فإذا كان من العادة أن مثل هذا الآبق يُنفق عليه ألف أخذنا بقول الذي رده، وإذا كان من العادة أنه لا ينفق عليه إلا خمسمائة أخذنا بقول السيد، وإن اشتبه علينا الأمر رجعنا إلى الأصل وهو أن يقبل قول السيد؛ لأنه غارم.

فإن نوى التبرع بهذا كله برد الآبق والنفقة، ثم بعد ذلك نُدِّم، وقيل له: كيف تنوي التبرع وقد خسرت عليه كذا وكذا وتعبت فيه؟! فأراد الرجوع فليس له أن يرجع؛ لأنه حال فِعْلِهِ فَعَلَهُ لا على سبيل التعويض.

وإن نوى الرجوع في الرد والنفقة ولكن أثناء الحال نوى بقلبه أنه يبرئ صاحب العبد، ثم ندم وأراد الرجوع فهنا له أن يرجع؛ لأنه حين فعله كان ناوياً الرجوع والتعويض، لكن نوى فيما بعد أن يبرئه ولم يبرئه، والإنسان إذا نوى الشيء ولم يفعل فهو بالخيار، كما لو أعد الإنسان الدراهم ليتصدق بها وقبل أن يتصدق بها عدل عن هذا، وكما لو بنى بيتاً بنية أنه سيوقفه على الفقراء ثم بعد استكمال البيت عدل عن هذه النية، فإنه يجوز؛ لأنه لم يتلفظ بالوقف ولم يشرعه للفقراء، وكما لو نوى أن يضحي بهذه الشاة ثم عدل وباعها فليس عليه شيء، فلا حرج؛ لأن هذه الأشياء لا تتم إلا بالإمضاء فعلاً، أما قبل ذلك ـ وهي مجرد نية ـ فليس عليه شيء.

 

---------------------

 

[168]    أخرجه الإمام أحمد (2/68، 99)؛ وأبو داود في الزكاة/ باب عطية من سأل بالله (672)؛ والنسائي في الزكاة/ باب من سأل بالله ـ عز وجل ـ (5/82) عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ وصححه ابن حبان (3408)؛ والحاكم (1/412) وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

[169]    سبق تخريجه ص(187).

[170]    أخرجه البخاري في الحدود/ باب قول الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}...} (6789)؛ ومسلم في الحدود/ باب حد السرقة ونصابها (1684) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.

[171]    أخرجه البخاري في الحدود/ باب قول الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}...} (6795)؛ ومسلم في الحدود/ باب حد السرقة ونصابها (1686) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[172]    أخرجه البيهقي (6/200) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ ولفظه: «أنه قضى في العبد الآبق يوجد في الحرم عشرة دراهم» وضعفه البيهقي.

[173]    أخرجها البيهقي (6/200) عن علي ـ رضي الله عنه ـ في جُعل الآبق دينار قريباً أخذ أو بعيداً، وعن سعيد بن المسيب أن عمر ـ رضي الله عنه ـ جعل في الآبق ديناراً أو اثني عشر درهماً؛ أخرجه ابن أبي شيبة (6/541). وانظر: نصب الراية (3/470، 471).

 

 

تاريخ التحديث : Feb 22, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com