المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثاني عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثاني عشر
كِتَابُ النِّكَاحِ
 

 

كِتَابُ النِّكَاحِ

 

قوله: «النكاح» النكاح في اللغة يطلق على أمرين:

الأول: العقد.

الثاني: الجماع.

والأصل فيه الأول، وأنه للعقد، فقول الله تعالى: {{وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}} [النساء: 22] يعني لا تعقدوا عليهن، وأما قوله تعالى: {{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}} [البقرة: 230] ، فهنا قال بعض العلماء: المراد بالنكاح الجماع، وأن الذي حرَّفه عن المعنى الأول هو السُّنَّة، وقال آخرون: وأن الذي حرَّفه عن المعنى الأول هو قوله: {{زَوْجًا}} لأن الزوج لا يكون زوجاً إلا بعقد، وحينئذٍ يتعين أن يكون المراد بالنكاح في قوله: {{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا}} الوطء، ومعنى ذلك أن الزوجية سابقة على النكاح، ولا تكون زوجية سابقة على النكاح إلا إذا كان النكاح هو الوطء.

فإذا قيل: نكح بنت فلان، فالمراد عقد عليها، وإذا قيل: نكح زوجته، فالمراد جامعها.

فهو إذاً مشترك بين المعنيين بحسب ما يضاف إليه، إن أضيف إلى أجنبية فهو العقد، وإن أضيف إلى مباحة فهو الجماع.

أما في الشرع فهو أن يعقد على امرأة بقصد الاستمتاع بها، وحصول الولد، وغير ذلك من مصالح النكاح.

وقد ذكر الفقهاء أن النكاح تجري فيه الأحكام الخمسة، تارة يجب، وتارة يُستحب، وتارة يُباح، وتارة يُكره، وتارة يَحْرُم.

 

وَهُوَ سُنَّةٌ،.............

قوله: «وهو سنة» ، هذا هو الأصل في حكمه، وذلك لحث النبي صلّى الله عليه وسلّم عليه، ولما فيه من المصالح العظيمة التي ستتبين فيما بعد.

وقوله: «وهو سنة» ، دليله قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج»[(1)] ، والمراد بالباءة النكاح بحيث يكون عنده قوة بدنية وقدرة مالية، إلا أنه سيأتي ـ إن شاء الله ـ بيان اختلاف العلماء في هذه المسألة.

وهو ـ أيضاً ـ من سنن المرسلين لقوله تعالى: {{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}} [الرعد: 38] ، وقال: {{وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}} [النور: 32] ، وقال ـ عزّ وجل ـ: {{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}} [النساء: 3] ، ولأن عثمان بن مظعون رضي الله عنه قال: لو أذن لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لاختصينا، ولكن نهانا عن التبتل[(2)]، يعني ترك النكاح؛ وذلك لما في النكاح من المصالح الكثيرة التي من أجلها صار سنة، ولأنه من ضرورة بقاء الأمة؛ لأنه لولا النكاح ما حصل التوالد، ولولا التوالد ما بقيت الأمة، ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة، والشيء قد يكون مطلوباً وإن لم ينص على طلبه لما يترتب عليه من المصالح والمنافع العظيمة.

 

وَفِعْلُهُ مَعَ الشَّهْوَةِ أَفْضَلُ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَخَافُ زِنًا بِتَرْكِهِ،........

قوله: «وفعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة» ، وليس أفضل من واجباتها؛ لأن الواجب مقدم على السنة لقوله تعالى في الحديث القدسي: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» [(3)]، لكن النوافل هو أفضل منها، فالنكاح إذا كان لدى الإنسان شهوة، وعنده مال يستطيع به القيام بواجب النكاح فإنه أفضل من نوافل العبادة.

فلو قال قائل: هل تفضلون أن أبقى أتعبَّد في المسجد بالصلاة، والتسبيح، وقراءة القرآن، أو أن أتزوج؟

قلنا له: ما دُمْتَ ذا شهوة وعندك ما تقوم به بواجبات النكاح فإن الأفضل أن تتزوج؛ لأن فيه من المصالح العظيمة ما يربو على نوافل العبادة.

قوله: «ويجب على من يخاف زناً بتركه» ، هذا هو الحكم الثاني للنكاح، وهو الوجوب على من يخاف زنا بتركه؛ وذلك لشدة شهوته، ولتيسر الزنا في بلده؛ لأن الإنسان ربما تشتد به الشهوة ويخشى أن يزني، لكن لا يتيسر له؛ لأن البلد محفوظ، لكن مراده إذا اشتدت شهوته في بلد يتيسر فيه الزنا، أما إذا لم يتيسر فهو وإن اشتدت به الشهوة لا يمكن أن يزني، فإذا خاف الزنا لوجود أسبابه وانتفاء موانعه، صار النكاح في حقه واجباً دفعاً لهذه المفسدة؛ لأن ترك الزنا واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقال بعض أهل العلم: إنه واجب مطلقاً، وأن الأصل فيه الوجوب؛ لأن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج» ، اللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب، إلا أن يوجد ما يصرفه عن الوجوب، ولأن تركه مع القدرة عليه فيه تشبه بالنصارى الذين يعزفون عن النكاح رهبانيةً، والتشبه بغير المسلمين محرم، ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة واندفاع المفاسد الكثيرة، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ولكن لا بد من شرط على هذا القول وهو الاستطاعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قيد ذلك بالاستطاعة فقال: «من استطاع منكم الباءة» ، ولأن القاعدة العامة في كل واجب أن من شرطه الاستطاعة.

والقول بالوجوب عندي أقرب، وأن الإنسان الذي له شهوة، ويستطيع أن يتزوج فإنه يجب عليه النكاح، ولكن المشهور من المذهب هو ما ذكره المؤلف.

ومتى يباح؟ يباح لمن لا شهوة له إذا كان غنياً؛ لأنه ليس هناك سبب يوجب، ولكن من أجل مصالح الزوجة بالإنفاق عليها وغير ذلك.

فإن قصد بذلك إعفاف الزوجة وتحصين الفرج كان مسنوناً لمصلحة الآخرين، وهكذا المباحات إذا كانت وسيلة للمحبوبات صارت محبوبة ومطلوبة.

ومتى يكره؟ يكره لفقير لا شهوة له؛ لأنه حينئذٍ ليس به حاجة، ويُحَمِّل نفسه متاعب كثيرة، فإن كانت المرأة غنية لا يهمها أن ينفق أو لا ينفق، فالنكاح في حقه سنة.

ومتى يحرم؟ قالوا: يحرم بدار حرب، إذا صار الإنسان في دار الكفار يقاتل في سبيل الله، فإنه لا يجوز أن يتزوج؛ لأنه يخشى على عائلته في هذه الدار، ومن ذلك إذا كان الإنسان معه زوجة وخاف إذا تزوج ثانية ألا يعدل، فالنكاح حرام لقول الله تعالى: {{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}} [النساء: 3] ، فأمر الله ـ تعالى ـ بالاقتصار على الواحدة إذا خفنا عدم العدل، ويستحب فيما عدا ذلك؛ لأنه هو الأصل.

فإذا قلنا: إن الأصل فيه الوجوب وهو القول الثاني، فإننا نجعل الأصل هو الواجب، ونقول: يستحب لإنسان ليس له شهوة ولكن عنده مال ويريد أن ينفع الزوجة، ولكن المذهب أنه تجري فيه الأحكام الخمسة، وفي هذه الحال التي ذكرنا لا يجب وإنما يباح.

وينبغي لمن تزوج ألا يقصد قضاء الشهوة فقط، كما هو مراد أكثر الناس اليوم، إنما ينبغي له أن يقصد بهذا التالي:

أولاً: امتثال أمر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج»[(4)].

ثانياً: تكثير نسل الأمة؛ لأن تكثير نسل الأمة من الأمور المحبوبة إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ[(5)]، ولأن تكثير نسل الأمة سبب لقوتها وعزتها، ولهذا قال شعيب ـ عليه الصلاة والسلام ـ لقومه: {{وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ}} [الأعراف: 86]، وامتن الله به على بني إسرائيل في قوله: {{وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا}} [الإسراء: 6] .

ثالثاً: تحصين فرجه وفرج زوجته، وغض بصره وبصر زوجته، ثم يأتي بعد ذلك قضاء الشهوة.

ثم انتقل المؤلف ـ رحمه الله ـ من بيان حكم النكاح إلى بيان من تنكح كَمًّا وكيفاً، أما الكم، فقال:

 

وَيُسَنُّ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ،.............

«ويسن نكاح واحدة» يعني لا أكثر، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فمن العلماء من قال: إنه ينبغي أن يتزوج أكثر من واحدة، ما دام عنده قدرة مالية وطاقة بدنية، بحيث يقوم بواجبهن فإن الأفضل أن يتزوج أكثر؛ تحصيلاً لمصالح النكاح، والمفاسد التي تتوقع تنغمر في جانب المصالح، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان عنده عدة نساء، وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: خير هذه الأمة أكثرها نساء[(6)]، لكن من المعلوم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يعدد الزوجات من أجل قضاء الوطر، وإنما من أجل المصلحة العامة؛ حتى يكون له في كل قبيلة صلة، فتكون كل قبائل العرب لها صلة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن المصاهرة قسيم النسب، وعديل النسب، عَادَلَ الله بينهما في قوله: {{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا}} [الفرقان: 54] ، ومن جهة أخرى أن رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ أراد أن يكثر الأخذ عنه في الأعمال الخفية التي لا تكون إلا في البيوت، فزوجاته تأخذن عنه، ولهذا كان كثير من السنن التي لا يعلنها الرسول صلّى الله عليه وسلّم تؤخذ من زوجاته ـ رضي الله عنهن ـ، وكذلك تحصين فروجهن، وجبر قلوبهن، كقضية صفية بنت حيي ـ رضي الله عنها ـ، وكانت أسيرة في غزوة خيبر، وأبوها سيد بني النضير، ومعلوم أن امرأة بنتاً لسيد بني النضير تؤخذ أسيرة سوف ينكسر قلبها، فأراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يجبر قلبها فتزوجها[(7)]، ولو كان يريد أن يقضي الوطر، ما كانت زوجاته كلهن ثيبات إلا واحدة؛ لأن البكر بدون شك أحسن من الثيب، حتى قال صلّى الله عليه وسلّم لجابر رضي الله عنه: «هلا بكراً تلاعبك وتلاعبها» [(8)]، فعلى كل حال نقول: التعدد خير لما فيه من المصالح، ولكن بالشرط الذي ذكره الله عزّ وجل، وهو أن يكون الإنسان قادراً على العدل.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يسن أن يقتصر على واحدة، وعلل ذلك بأنه أسلم للذمة من الجَوْرِ؛ لأنه إذا تزوج اثنتين أو أكثر فقد لا يستطيع العدل بينهما، ولأنه أقرب إلى منع تشتت الأسرة، فإنه إذا كان له أكثر من امرأة تشتت الأسرة، فيكون أولاد لهذه المرأة، وأولاد لهذه المرأة، وربما يحصل بينهم تنافر بناء على التنافر الذي بين الأمهات، كما هو مشاهد في بعض الأحيان، ولأنه أقرب إلى القيام بواجبها من النفقة وغيرها، وأهون على المرء من مراعاة العدل، فإن مراعاة العدل أمر عظيم، يحتاج إلى معاناة، وهذا هو المشهور من المذهب.

فإن قال قائل: قوله تعالى: {{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ}} [النساء: 3] ألا يرجح قولَ من يقول بأن التعدد أفضل؟ لأنه قال: {{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}}، فجعل الاقتصار على واحدة فيما إذا خاف عدم العدل، وهذا يقتضي أنه إذا كان يتمكن من العدل فإن الأفضل أن ينكح أربعاً؟

قلنا: نعم، قد استدل بهذه الآية من يرى التعدد، وقال: وجه الدلالة أن الله تعالى يقول: {{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}} [النساء: 3] فجعل الاقتصار على واحدة فيما إذا خاف عدم العدل.

ولكن عند التأمل لا نجد فيها دلالة على هذا؛ لأن الله يقول: {{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}} [النساء: 3] كأنه يقول: إن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى اللاتي عندكم، فإن الباب مفتوح أمامكم إلى أربع، وقد كان الرجل تكون عنده اليتيمة بنت عمه أو نحو ذلك، فيجور عليها، ويجعلها لنفسه، ويخطبها الناس ولا يزوجها، فقال الله تعالى: {{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}}[(9)]، أي: اتركوهن والباب أمامكم مفتوح لكم، إلا أنه لا يمكن أن تتزوجوا أكثر من واحدة إذا كان في حال خوف عدم العدل، فيكون المعنى هنا بيان الإباحة لا الترغيب في التعدد.

وعلى هذا فنقول: الاقتصار على الواحدة أسلم، ولكن مع ذلك إذا كان الإنسان يرى من نفسه أن الواحدة لا تكفيه ولا تعفه، فإننا نأمره بأن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة، حتى يحصل له الطمأنينة، وغض البصر، وراحة النفس.

 

دَيِّنَةٍ،............

قوله: «ديِّنَةٍ» ، أي: صاحبة دين، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» [(10)]. فالديِّنة تعينه على طاعة الله، وتصلح من يتربى على يدها من أولاده، وتحفظه في غيبته، وتحفظ ماله وتحفظ بيته، بخلاف غير الدينة فإنها قد تضره في المستقبل، ولهذا قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «فاظفر بذات الدين» ، فإذا اجتمع مع الدين جمال ومال وحسب فذلك نور على نور، وإلا فالذي ينبغي أن يختار الديِّنة.

فلو اجتمع عند المرء امرأتان: إحداهما جميلة وليس فيها فسق أو فجور، والأخرى دونها في الجمال لكنها أدين منها، فأيهما يختار؟ يختار الأدين.

لكن أحياناً بعض الناس يكون مولعاً بالجمال، وإذا علم أن هناك امرأة جميلة، لا تطيب نفسه بنكاح من دونها في الجمال، ولو كانت أدين، فهل نقول: إنك تكره نفسك على هذه دون هذه وإن لم ترتح إليها؟ أو نقول: خذ من ترتاح لها ما دامت غير فاجرة ولا فاسقة؟

الظاهر الثاني، إلا إذا كانت غير دينة، بمعنى أنها فاسقة، فهذه لا ينبغي أن يأخذها، إلا في مسألة الفجور والزنا فلا تحل، وقد يقول بعض الناس: أتزوج امرأة غير دينة لعل الله أن يهديها على يدي، ونقول له: نحن لا نكلف بالمستقبل، فالمستقبل لا ندري عنه، فربما تتزوجها تريد أن يهديها الله على يدك، ولكنها هي تحولك إلى ما هي عليه فتشقى على يديها.

وكذلك بالعكس بعض الناس يخطب منهم الرجل الفاسق، لكن يقولون: لعل الله أن يهديه، وأقبح من ذلك أن يعرف بعدم الصلاة فيقولون: لعل الله أن يهديه، فنقول: نحن لا نكلف بالمستقبل، لكن نكلف بما بين أيدينا، بالحاضر، فلعل هذا الرجل الذي ظننت أن يستقيم لعله يعوج ابنتكم ويضلها؛ لأن الرجل له سيطرة على المرأة، وكم من امرأة ملتزمة تزوجت شخصاً تظن أنه دين فيتبين أنه غير دين، فتتعب معه التعب العظيم، ونحن دائماً يشكى إلينا هذا الأمر من النساء، حتى تود أن تفر بدينها من هذا الرجل، ولو بكل ما تملك من المال، ولهذا يجب التحرز في هذه المسائل، سواء من جهة الرجل يتزوج المرأة، أو من جهة المرأة تتزوج الرجل.

 

أَجْنَبِيَّةٍ،..............

قوله: «أجنبية» يعني ليس بينه وبينها نسب، لا تكون من بني عمه، بل تكون من أناس أجانب، وعللوا ذلك بأمرين:

أحدهما: أنه أنجب للولد يعني يكون فيه نجابة؛ لأنه يأخذ من طبائع أخواله، ومن طبائع أهله، فيتكون من ذلك خلق من الخلقين جميعاً، وهذا أمر مقصود، وكم من أناس كثيرين جذبهم أخوالهم في الكرم، والشهامة، والرجولة.

الثاني: أنه ربما حصل بينه وبينها جفوة، فيؤدي إلى قطيعة الرحم، كأن يقع بينه وبينها مشاكل، فيأتي ـ مثلاً ـ عمه ويتنازع معه أو مع أبيه، فيحصل بذلك قطيعة الرحم، فكونه يأخذ امرأة أجنبية أولى.

وما قالوه صحيح، لكن إذا وجد في الأقارب من هو أفضل منها بالاعتبارات الأخرى، فإنه يكون أفضل، يعني عند التساوي ربما تكون الأجنبية أولى، لكن مع التفاضل بالاعتبارات الأخرى لا شك أننا نقدم القريبة، ومن ذلك إذا كانت ـ مثلاً ـ بنت العم امرأة ذات دين وخلق، وأحوالهم ـ مثلاً ـ ضعيفة يحتاجون إلى رفق ومساعدة، فإنه لا شك أن هذا مصلحة كبيرة، فالإنسان يراعي المصالح في هذا الأمر، وما دامت المسألة ليس فيها نص شرعي يجب الأخذ به فإن الإنسان يتبع في هذا المصالح.

 

بِكْرٍ،........

قوله: «بكر» ، وهي التي لم تتزوج من قبل، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لجابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ لما سأله تزوجت؟ قال: نعم، قال: «بكراً أم ثيباً؟» ، قال: بل ثيباً، فقال: «فهلاَّ بكراً تلاعبك وتلاعبها» [(11)]، فالبكر أفضل؛ لأنها لم تطمح إلى رجال سابقين، ولم يتعلق قلبها بأحد قبله، ولأن أول من يباشرها من الرجال هذا الرجل، فتتعلق به أكثر.

لكن قد يختار الإنسان الثيب لأسباب، مثل ما فعل جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ فإنه اختار الثيب؛ لأن والده عبد الله بن حرام ـ رضي الله عنه ـ استشهد في أحد، وخلف بناتاً يحتجن إلى من يقوم عليهن، فلو تزوج بكراً لم تقم بخدمتهن ومؤنتهن، فاختار ـ رضي الله عنه ـ ثيباً لتقوم على أخواته، ولهذا لما أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك أقره النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فإذا اختار الإنسان ثيباً لأغراض أخرى فإنها تكون أفضل، وفي هذا دليل على اعتبار الأمور، وأن التفضيل يرجع إلى هذه الاعتبارات، كما سبق ذكره.

 

وَلُودٍ،.......

قوله: «ولود» ، أي: كثيرة الولادة، وهذا ظاهره يتناقض مع قوله: «بكر» ؛ لأن البكر ما ولدت حتى نعلم أنها ولود أم لا، ولكن لا تناقض، ويمكن معرفة هذا بمعرفة قريباتها، فإذا كانت من نساء عرفن بكثرة الولادة فالغالب أنها تكون مثلهن، فيختار المرأة التي عرفت قريباتها بكثرة الولادة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك فقال: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة» [(12)]؛ ولأن كثرة الأمة عِزٌّ لها، وإياك وقول الماديين الذين يقولون: إن كثرة الأمة يوجب الفقر، والبطالة، والعطالة، بل والكثرة عِزٌّ امتن الله به على بني إسرائيل، حيث قال: {{وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا}} [الإسراء: 6] ، وذَكَّر شعيب عليه الصلاة والسلام قومه بها، حيث قال: {{وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ}} [الأعراف: 86] .

فكثرة الأمة عِزٌّ، لا سيما إذا كانت أرضهم قابلة للحراثة، والزراعة، والصناعة، بحيث يكون فيها مواد خام للصناعة وغير ذلك، وليس ـ والله ـ كثرة الأمة سبباً للفقر والبطالة أبداً.

لكن ـ مع الأسف ـ أن بعض الناس ـ الآن ـ يختار المرأة التي يمكن أن تكون عقيماً، فهي أحب من الولود، ويحاولون أن لا تلد نساؤهم إلا بعد ثلاث أو أربع سنوات من الزواج وما أشبه ذلك، وهذا خطأ؛ لأنه خلاف مراد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويقولون أحياناً: إن تربيتهم تشق، فنقول: إذا أحسنتم الظن بالله أعانكم الله.

ويقولون أحياناً: إن المال الذي عندنا قليل، نقول لهم: {{وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}} [هود: 6] ، وأحياناً يرى الإنسان الرزق ينفتح إذا ولد له، وقد حدثني من أثق به ـ وهو رجل يبيع ويشتري ـ يقول: إني منذ تزوجت فتح الله علي باب رزق، ولما ولد ولدي فلان انفتح باب رزق آخر، وهذا معلوم؛ لأن الله يقول {{وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}} [هود: 6] ، ويقول: {{وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}} [الأنعام: 151] ، وقال: {{وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}} [الإسراء: 31] ، وقال: {{إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}} [النور: 32] ، فالحاصل أن هذه العلة وهي ـ كون الأولاد سبباً للفقر ـ خطأ.

قد يقول قائل: أنا أحب أن تبقى زوجتي شابة فلا أحب أن تلد.

فنقول: هذا غرض لا بأس به، لكن الولادة، أو كثرة الأولاد أفضل من ذلك.

ولو قال قائل: أنا أريد أن أنظم النسل، بمعنى أن أجعل امرأتي تلد كل سنتين مرة، فهل يجوز أو لا؟

الجواب: هذا لا بأس به، وقد كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يعزلون في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم[(13)]، والعزل لا شك أنه يمنع من الحمل غالباً.

 

بِلاَ أُمٍّ.........

قوله: «بلا أم» ، أي: أن يختار امرأة لا أم لها؛ أي لا أم لها حية؛ لأن الأم ربما تفسدها عليه ـ سبحان الله ـ هذا تشاؤم، ولو تأملت الواقع وجدت أكثر النساء لهن أمهات، ولم تفسدهن، والحمد لله، بل نادراً أن الأم تفسد، وأيضاً نقول: الزوج بلا أم؛ لأن بعض أمهات الأزواج تفسده على المرأة، وكم من أم غارت من محبة ابنها لزوجته، ثم حاولت أن تفسد بينها وبين زوجها، وإذا كان كذلك فإنه لا ينبغي أن نقول: إنه يختار امرأة لا أم لها، بل نقول: يختار امرأة أمها صالحة، أما أن نقول: بلا أم، فهذا فيه نظر؛ لأن من الأمهات من تكون خيراً على بناتهن، وعلى أزواجهن.

ثم إن المفسدة ليست محصورة في الأم، فقد تفسدها خالتها أو أختها أو أحد أقاربها، أو أحد من الأباعد، وتكون الأم حامية لها، تحميها من هؤلاء الذين يفسدونها على زوجها.

 

وَلَهُ نَظَرُ مَا يَظْهَرُ غَالِباً، مِرَارَاً، بِلاَ خَلْوَةٍ............

قوله: «وله نظر ما يظهر غالباً مراراً بلا خلوة» ، «وله» ، اللام للإباحة، والضمير يعود على من أراد خطبة امرأة، ولو قال: للخاطب، لكان أولى وأوضح، أي: ولمن أراد خطبة امرأة نظر... إلى آخره.

وظاهر كلام المؤلف هنا أن النظر للمخطوبة مباح وليس بمطلوب؛ وعلَّلوا كونه مباحاً أنه ورد بعد الحظر، فيكون مباحاً كالأمر بعد الحظر عند أكثر الأصوليين يكون للإباحة، ولكن العلماء ـ رحمهم الله ـ يعبرون بما يفيد الإباحة أحياناً لدفع توهم المنع، لا لإثبات الحكم المباح، مثلاً قالوا في باب الحج: ويجوز للقارن والمفرد أن يتحول إلى عمرة ليصير متمتعاً، مع أن الأمر سنة.

قال صاحب الفروع: لعلهم عبروا بالجواز لدفع قول من يقول بالمنع، فلا ينافي أن يكون مستحباً، فهنا قال: «وله نظر» فيحتمل أن المؤلف عبر بما يدل على الإباحة دفعاً لتوهم المنع، فلا ينافي أن يكون مستحباً، ولهذا نقول: يسن لمن أراد أن يخطب امرأة أن ينظر إلى ما يظهر غالباً، فإن كان المؤلف أراد دفع توهم المنع فلا إشكال، وإن كان أراد إثبات حكم الإباحة، فالمسألة فيها قول آخر وهو أنه سنة وهو الصواب، إلا إذا علم الإنسان بصفتها بدون نظر، فلا حاجة، كما لو أرسل امرأة يثق بها تماماً فإنه لا حاجة إلى أن ينظر.

على أنه في الحقيقة نظر الغير لا يغني عن نظر النفس، فقد تكون المرأة جميلة عند شخص وغير جميلة عند شخص آخر، وقد يرى الإنسان ـ مثلاً ـ المرأة على حال غير حالها الطبيعية؛ لأنه أحياناً يكون الإنسان في حال السرور وما أشبه ذلك له حال، وفي حال الحزن له حال، وفي الحال الطبيعية له حال أخرى، ثم إنه ـ أيضاً ـ بعض الأحيان إذا علمت المرأة أنه سينظر إليها أدخلت على نفسها تحسينات، فإذا نظر إليها ظن أنها جميلة جداً، وهي ليست كذلك.

وعلى كل حال نقول: إن ظاهر السنة أن النظر إلى المخطوبة سنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر به وقال: «إنه أحرى أن يؤدم بينكما» [(14)]، أي: يؤلف بينكما.

ولكن كيف ينظر؟ إذا أمكن أنه ينظر إليها باتفاق مع وليها، بأن يحضر وينظر لها فله ذلك، فإن لم يمكن فله أن يختبئ لها في مكان تمر منه، وما أشبه ذلك، وينظر إليها، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»[(15)].

وقوله: «وله نظر ما يظهر غالباً» مثل الوجه، والرقبة، واليد والقدم، ونحوها، أما أن ينظر إلى ما لا يظهر غالباً، فهذا لا يجوز، فكلمة «غالباً» مربوطة بعرف السلف الصالح، لا بعرف كل أحد؛ لأننا لو جعلناها بعرف كل أحد لضاعت المسألة، واختلف الناس اختلافاً عظيماً، لكن المقصود ما يظهر غالباً وينظر إليه المحارم، فللخاطب أن ينظر إليه، وأهم شيء في الأمر هو الوجه، وينظر إليها قبل الخطبة، ويجوز للمرأة أن تمكن الخاطب من النظر إليها بالشروط التي ذكرها المؤلف.

وقوله: «مراراً» ، أي: يجوز أن يكرر النظر إليها، لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل» ، فإذا كان في أول مرة ما وجد ما يدعوه إلى نكاحها، فلينظر مرة ثانية، وثالثة.

وهل يجوز له مكالمتها؟ لا؛ لأن المكالمة أدعى للشهوة والتلذذ بصوتها، ولهذا قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «أن ينظر منها» ، ولم يقل: أن يسمع منها.

وقوله: «بلا خلوة» لأنها لم تزل أجنبية منه، والأجنبية يحرم على الرجل أن يخلو بها؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» [(16)]، والنهي للتحريم، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» [(17)]، وهذا يدل على أن تحريمه مؤكد.

فشروط جواز النظر إلى المرأة ستة:

الأول: أن يكون بلا خلوة.

الثاني: أن يكون بلا شهوة، فإن نظر لشهوة فإنه يحرم؛ لأن المقصود بالنظر الاستعلام لا الاستمتاع.

الثالث: أن يغلب على ظنه الإجابة.

الرابع: أن ينظر إلى ما يظهر غالباً.

الخامس: أن يكون عازماً على الخطبة، أي: أن يكون نظره نتيجة لعزمه على أن يتقدم لهؤلاء بخطبة ابنتهم، أما إذا كان يريد أن يجول في النساء، فهذا لا يجوز.

السادس: ـ ويخاطب به المرأة ـ ألا تظهر متبرجة أو متطيبة، مكتحلة أو ما أشبه ذلك من التجميل؛ لأنه ليس المقصود أن يرغب الإنسان في جماعها حتى يقال: إنها تظهر متبرجة، فإن هذا تفعله المرأة مع زوجها حتى تدعوه إلى الجماع، ولأن في هذا فتنة، والأصل أنه حرام؛ لأنها أجنبية منه، ثم في ظهورها هكذا مفسدة عليها؛ لأنه إن تزوجها ووجدها على غير البهاء الذي كان عهده رغب عنها، وتغيرت نظرته إليها، لا سيما وأن الشيطان يبهي من لا تحل للإنسان أكثر مما يبهي زوجته، ولهذا تجد بعض الناس ـ والعياذ بالله ـ عنده امرأة من أجمل النساء، ثم ينظر إلى امرأة قبيحة شوهاء؛ لأن الشيطان يبهيها بعينه حيث إنها لا تحل له، فإذا اجتمع أن الشيطان يبهيها، وهي ـ أيضاً ـ تتبهى وتزيد من جمالها، وتحسينها، ثم بعد الزواج يجدها على غير ما تصورها، فسوف يكون هناك عاقبة سيئة.

فإن قيل: كيف يغلب على ظنه الإجابة؟

الجواب: الله ـ سبحانه وتعالى ـ جعل الناس طبقات، كما قال تعالى: {{نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}} [الزخرف: 32] ، فلو تقدم أحد الكنَّاسين إلى بنت وزير، فالغالب عدم إجابته، وكذلك إنسان كبير السن زمِن، أصم، يتقدم إلى بنت شابة جميلة، فهذا يغلب على ظنه عدم الإجابة.

لما ذكر المؤلف الخاطب ذكر مَن المخطوبة، وهل كل امرأة يمكن أن يخطبها الإنسان؟ فقال:

 

وَيَحْرُمُ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ، وَالْمُبَانَةِ............

«ويحرم التصريح بخِطبة المعتدة من وفاة والمبانة» .

«خِطبة» و«خُطبة» الفرق بينهما: أن الخُطبة هي الكلمة التي يخطب بها الخطيب، مثل خطبة الجمعة، والخِطبة بكسر الخاء هي طلب التزوج من المرأة، قال الله تعالى: {{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ}} [البقرة: 235] .

وقوله: «ويحرم التصريح بخطبة المعتدة» ، التصريح معناه أن يقول ما لا يحتمل غير النكاح، مثل أن يقول: أطلب زواجك، أو زوجيني نفسك، أو يقول للولي: زوِّجني ابنتك، أو ما أشبه ذلك.

وقوله: «بخطبة المعتدة» يعني التي في عدة الغير، مثل معتدة من وفاة، أو من طلاق رجعي، أو من طلاق بائن، فالتصريح للمعتدة لا يجوز أبداً.

وقوله: «من وفاة» يعني امرأة زوجها مات عنها، فتكون في عدة، ولا يجوز لأحد أن يصرح بخطبتها في العدة، والدليل قوله تعالى: {{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ}} [البقرة: 235] ، فقوله: { ئ {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ}} مفهومه عليكم جناح إذا صرَّحتم.

وقوله: «والمبانة» ، أي: التي فارقها زوجها في الحياة فراقاً بائناً لا يستطيع الرجوع إليها، وهي إما أن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات؛ أو مطلقة على عوض، أو مفسوخة فسخاً لا طلاقاً، مثلاً: وجدت في زوجها عيباً ففسخت النكاح، أو وجد هو بها عيباً ففسخ النكاح.

هذه المبانة التي بانت من زوجها فلا رجعة له عليها، فلا يجوز أن يخطبها صريحاً.

 

دُونَ التَّعْرِيضِ،.............

قوله: «دون التعريض» يعني يحرم التصريح دون التعريض فيباح، والدليل قوله تعالى: {{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ}} [البقرة: 235] ، فمنطوق الآية نفي الجناح بالتعريض، ومفهومها ثبوت الجناح في التصريح.

والتعريض مثل أن يبدي لها الرغبة بالخطبة، وهو جائز للمعتدة من وفاة، والبائن بطلاق، أو فسخ، وسيأتي ذكرها في كلام المؤلف، مثل أن يقول لها: والله إن امرأة مثلك غنيمة، أو: إذا انقضت العدة فأخبريني، أو: لا تفوتي نفسك، أو: إني في مثلك لراغب، أو: أم العيال كبرت وأنا محتاج لزوجة، أو ما أشبه ذلك، فالمهم أن هذا نسميه تعريضاً، وهو جائز للمعتدة من وفاة، والبائن بطلاق أو فسخ.

 

وَيُبَاحَانِ لِمَنْ أَبَانَهَا دُونَ الثَّلاَثِ .........

قوله: «ويباحان» ، أي: التصريح والتعريض.

قوله: «لمن أبانها دون الثلاث» يعني لزوج أبانها بغير الطلاق الثلاث، مثل ما لو طلقها على عوض، كرجل اتفق هو وزوجته على أنه يطلقها وتسلم له فلوساً، أو وليها، أو أي شخص آخر، فهذه نسميها بائناً بعوض، وقد سمى الله ـ تعالى ـ هذا العوض فداء؛ لأن المرأة اشترت نفسها من زوجها: {{فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}} [البقرة: 229] ، فلو قلنا: إن زوجها له أن يراجعها ما استفادت، ولهذا نقول: لا رجعة له عليها إلا برضاها.

وقوله: «دون الثلاث» ، لو قال المؤلف: بغير الثلاث، لكان أوضح، مثل أن يطلقها على عوض، أو يفسخ العقد فسخاً لعيب في زوجها، أو لإعسار بالصداق، أو بالنفقة، أو نحو ذلك، المهم أن الطلاق على عوض وجميع الفسوخ، تعتبر بينونة، لكن ليست مثل البينونة بالثلاث، فيجوز لزوجها الذي أبانها أن يصرح ويعرِّض، ويعقد عليها أيضاً، ولو في العدة بمهر جديد؛ لأن العدة له، ولا عدوان في ذلك على أحد.

إذاً يجوز التصريح والتعريض لزوج أبان زوجته بغير الثلاث، وبالثلاث لا يجوز التعريض ولا التصريح؛ لأنها تحرم عليه.

والدليل على جواز خطبة المبانة بغير الثلاث ممن أبانها تصريحاً وتعريضاً أن العدة له، ويحل له تزوجها، فكل امرأة يجوز أن يتزوجها ويعقد عليها فإنه يجوز التصريح والتعريض في خطبتها.

 

كَرَجْعِيَّةٍ، وَيَحْرُمَانِ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا...........

قوله: «كرجعية» يعني كرجعية له، والحقيقة هذا التمثيل فيه نظر؛ لأن الرجعية بالنسبة لزوجها ما تخطب، بل يراجعها، فيقول: أنا راجعتك، وتتمم الرجعة، وتعود زوجته، لكنه ذكر ذلك تمهيداً لقوله:

«ويحرمان منها على غير زوجها» «يحرمان» ، أي: التعريض والتصريح «منها» أي: من الرجعية، فالرجعية يحرم على غير زوجها أن يخطبها تصريحاً أو تعريضاً؛ لأنها زوجة، ولا يجوز لأحد أن يأتي لامرأة رجل طلقت ويقول: أريد أن أتزوجك؛ لأن هذا معناه أنه خبَّبها على زوجها، وليس من الدين الإفساد بين الناس، ومن أعظم الأشياء محاولة التفريق بين الرجل وأهله الذي هو طريق السحرة: {{فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}} [البقرة: 102] .

فعلم من كلام المؤلف أن خطبة المعتدة لها ثلاث حالات:

الأولى: تحرم تصريحاً وتعريضاً.

الثانية: تجوز تصريحاً وتعريضاً.

الثالثة: تجوز تعريضاً لا تصريحاً.

تحرم تصريحاً وتعريضاً خطبة الرجعية من غير زوجها؛ لأنها زوجة، ولا يجوز لأحد أن يخطب زوجة غيره لا تصريحاً ولا تعريضاً، ومثلها المبانة بثلاث من زوجها.

وتباح الخطبة تصريحاً وتعريضاً لزوج أبان زوجته بغير الثلاث، بطلاق على عوض، أو فسخ.

ويحرم التصريح دون التعريض في خطبة المبانة من غير الزوج، والمعتدة من الوفاة.

وهل يجوز التصريح أو التعريض في خطبة المحرمة بحج أو عمرة؟

لا يجوز؛ لأنه لا يجوز عقد النكاح عليها.

إذاً القاعدة: كل من لا يجوز العقد عليها فإنه تحرم خطبتها تصريحاً، أما تعريضاً ففيه تفصيل.

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ مبيناً معنى التعريض:

 

وَالتَّعْرِيضُ: إِنِّي فِي مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ،..............

«والتعريض: إني في مثلك لراغب» ، فإذا قال مثل هذا الكلام عرفت أنه يريدها، فالمهم ألا يصرح، ودليل ذلك قوله تعالى: {{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ}} ـ أي: المعتدات من وفاة ـ {{أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا}} [البقرة: 235] ، فأباح الله تعالى التعريض في خطبة المعتدة من وفاة.

والتصريح ما عرَّفه؛ لأنه بيِّن، مثلاً يقول: أريد أن تزوجيني نفسك، أو يقول لوليِّها: أريد أن تزوجني فلانة، يعني أن يطلب نكاحها على وجه صريح لا احتمال فيه.

 

وَتُجِيبُهُ: مَا يُرْغَبُ عَنْكَ، وَنَحْوُهُمَا، فَإِنْ أَجَابَ وَلِيُّ مُجْبَرَةٍ، أَوْ أَجَابَتْ غَيْرُ المُجْبَرَةِ لِمُسْلِمٍ، حَرُمَ عَلَى غَيْرِهِ خِطْبَتُهَا،...........

قوله: «وتجيبه: ما يرغب عنك» يعني أنا لا أرغب عنك.

قوله: «ونحوهما» مثل لا تفوتي نفسك، وتقول: إن قضي شيء كان.

وفهم من كلام المؤلف أنه يجوز للإنسان أن يخاطب مخطوبته، وعليه فنقول: هذا الإطلاق من المؤلف يجب أن يقيد بأن لا يحدث شهوة، أو تلذذ بمخاطبتها، فإن حصل ذلك فإنه لا يجوز؛ لأن الفتنة يجب أن يبتعد عنها الإنسان.

قوله: «فإن أجاب ولي مجبرة أو أجابت غير المُجبَرَة لمسلم حرم على غيره خطبتها» ، يعني إذا تمت الخطبة فأجابت غير المجبرة، أو أجاب ولي المجبرة حرمت خطبتها.

وعلم من كلام المؤلف أن النساء قسمان: مجبرات، وغير مجبرات، وهذا مبني على المذهب كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والصحيح أنه ليس هناك امرأة تجبر على النكاح، نعم لو زَوَّجَ صغيرةً، وقلنا بجواز تزويج الصغيرة فهذه لا تعتبر إجابتها، إنما المعتبر إجابة الولي، لكن نحن نمشي على كلام المؤلف، وكونها تجبر أو لا تجبر يأتي ـ إن شاء الله ـ في بابه، فالمعتبر إجابة غير المجبرة وإجابة ولي المجبرة.

فغير المجبرة مثل الثيب أو البكر مع غير الأب.

والمجبرة البكر مع الأب على المذهب، فإذا أجاب أبو البكر الخاطب اعتبرت الإجابة صحيحة، وإذا أجاب أخو البكر فالإجابة غير صحيحة لا أثر لها، وإذا أجاب أبو الثيب فالإجابة غير صحيحة وغير معتبرة، فالمعتبر إجابة المرأة نفسها إن كانت لا تزوج إلا برضاها، وإجابة وليها إن كان يستطيع أن يجبرها.

وقوله: «لمسلم» تنازعه عاملان، «أجاب» و «أجابت» ، يعني إن أجاب ولي المجبرة لمسلم، أو أجابت غير المجبرة لمسلم.

وعلم منه: أنها لو أجابت لغير مسلم فإنه يجوز خطبتها، فيخطب على خطبة غير المسلم، كامرأة نصرانية ـ مثلاً ـ خطبها نصراني، فظاهر كلام المؤلف أنه يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة هذا النصراني؛ لأنه قال: «أو أجابت غير المجبرة لمسلم» فمفهومه أن غير المسلم لا تحرم الخطبة على خطبته، والدليل قوله تعالى: {{وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ}} [البقرة: 221] ، ولقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه»[(18)]، والنصراني ليس أخاً.

وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: إن قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خطبة أخيه» من باب الأغلب؛ لأنه يخاطب مسلمين، والغالب أن الخاطب مسلم، ومعلوم أن القيد إذا كان للأغلب فلا مفهوم له، وعلى هذا لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة النصراني؛ لأن النصراني له حقوق.

وهذا القول أصح أنه لا يجوز أن يخطب على خطبة غير المسلم إذا لم يكن حربياً، أما إذا كان حربياً فليس له حق، لكن إذا كان معاهداً أو مستأمناً، أو ذمياً؛ لأن هذا من باب حقوق العقد لا العاقد، فعلى هذا لا يجوز لنا أن نخطب على خطبة غير المسلمين، وأيضاً لو خطبنا على خطبة غير المسلم كان فيه مضرَّة على الإسلام، سيتصور غير المسلمين أن الإسلام دين وحشية، واعتداء على الغير، وعدم احترام للحقوق، فما دام هذا الرجل خطبها وهو كفء لها في دينها، فلا يجوز لنا أن نعتدي عليه.

فإن قال قائل: فما الجواب عن الآية؟

قلنا: إن الله يقول: {{وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ}} يخاطب أهل الزوجة ألا يزوجوا المشرك مع وجود المؤمن، لكنه لا يبيح للمؤمن أن يخطب على خطبة المشرك، هذا إذا قلنا: إن النصارى يدخلون هنا في اسم المشرك.

وقوله: «حرم على غيره خطبتها» تعريضاً أو تصريحاً؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا يخطب على خطبة أخيه»[(19)].

وهذا نهي، والأصل في النهي التحريم، لا سيما وأن علته تقتضي التحريم؛ لما فيها من العدوان والظلم، ولأن هذا قد يؤدي إلى فتنة كبيرة.

 

وَإِنْ رُدَّ أَوْ أَذِنَ، أَوْ جُهِلَ الحَالُ جَازَ............

قوله: «وإن رُدَّ أو أذن، أو جُهل الحال جاز» ، أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ بهذه العبارة أن حال الخاطب لا تخلو من أربع أحوال:

الأولى: أن يجاب فتحرم الخطبة على خطبته.

الثانية: أن يرد ويعلم أنهم ردوه فتحل الخطبة؛ لأنه انتهى حقه.

الثالثة: أن يأذن، مثلاً علمتُ أنه خطب هذه المرأة، فذهبتُ إليه، وقلت: يا فلان أنت خطبت فلانة، وأنا متعلِّق قلبي بها، أريد أن تسمح لي أن أخطبها، فإذا أذن جاز؛ لأن الحق له، وإذا أسقطه سقط، لكن إذا علمنا أنه أذن حياء وخجلاً لا اختياراً فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا الإذن كعدمه، أو علمنا أنه أذن خوفاً؛ لأن الذي استأذنه رجل شرير لو لم يأذن له لآذاه، فلا يجوز الإقدام، لكن إذا أذن اختياراً وبرضا وطواعية فإن يجوز للثاني أن يخطب.

الرابعة: إذا جهل الحال، فلا نعلم هل أجيب أو رد؟ فظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يخطب؛ لأنه إلى الآن ما ثبت حقه، كالذي يسوم سلعة، فلك أن تزيد عليه.

ولكن الصحيح أنه لا يجوز؛ لأن هذا اعتداء على حقه، وربما يكون أهل الزوجة قد ركنوا إلى هذا الخاطب، إلا أنهم ما أجابوه، فإذا جاءت خطبة أخرى عدلوا عنه، فالصحيح أنه إذا جهل الحال حرمت الخطبة، ويدل لذلك الأثر والنظر:

أما الأثر فعموم قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ولا يخطب على خطبة أخيه» [(20)]. وهذا يشمل هذه الصورة، ولهذا جاء في الرواية الأخرى: «ما لم يأذن أو يُرَد»[(21)].

أما النظر فلأن ذلك يورث العداوة وقطع الرزق، وقد نهى عنه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقال: «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها»[(22)]، فكونك تخطب وأنت ما تدري هل أجيب أو رد، معناه أنك قطعت رزقه.

وإذا قلنا: إنه لا تجوز الخطبة على خطبة أخيه، فكيف نجيب عن قصة فاطمة بنت قيس ـ رضي الله عنها ـ، أنها جاءت تستشير النبي صلّى الله عليه وسلّم لما خطبها ثلاثة: أبو جهم، ومعاوية، وأسامة ـ رضي الله عنهم ـ؟[(23)].

الجواب: أن هذه القصة تحمل على أن الواحد منهم ما علم بخطبة الآخر.

 

وَيُسَنُّ العَقْدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ مَسَاءً، ...........

قوله: «ويسن العقد يوم الجمعة مساءً» ، يسن عقد النكاح يوم الجمعة مساء، يعني بعد العصر، وذكر ابن القيم أنه ينبغي أن يكون في المسجد ـ أيضاً ـ لشرف الزمان والمكان، وهذا فيه نظر في المسألتين جميعاً، إلا لو ثبتت السنة بذلك لكان على العين والرأس، لكنني لا أعلم في هذا سنة، وقد علَّلوا ذلك بأن يوم الجمعة آخره فيه ساعة الإجابة، فيرجى إجابة الدعاء الذي يكون عادة بين الزوج ومن يبرِّكون عليه، «بارك الله لك وعليك».

ولكن يقال: هل النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ من هديه وسنته أنه يتحرى هذا الوقت؟ إذا ثبت هذا فالقول بالاستحباب ظاهر، وأما إذا لم يثبت فلا ينبغي أن تسن سنة، ولهذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يزوج في أي وقت، ويتزوج في أي وقت، ولم يثبت أنه اختار شيئاً معيناً، نعم لو صادف هذا الوقت لقلنا: هذا ـ إن شاء الله ـ مصادفة طيبة، وأما تقصُّد هذا الوقت ففيه نظر، حتى يقوم دليل على ذلك، فالصواب أنه متى تيسر العقد، سواء في المسجد أو البيت أو السوق أو الطائرة ونحو ذلك، وكذلك ـ أيضاً ـ يعقد في كل زمان.

 

 بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ.............

قوله: «بخُطبة ابن مسعود» التي رواها عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهي: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره» ، وزاد في الروض[(24)]: «ونتوب إليه» ولكنها لم ترد، فيقتصر على «ونستغفره»، «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» [(25)]، ويقرأ ثلاثة آيات وهي قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *}} [آل عمران] ، {{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا *}} [النساء] ، {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا *}} [الأحزاب] .

هذه هي خطبة الحاجة التي كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يعلمها أصحابه، أي: التي تقدم بين يدي الحاجة.

كثير من الإخوان يقول: من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، فينقلون الآية إلى هذا الحديث؛ والأليق بالإنسان والأكمل في الأدب أن يتمشى على ما جاء به الحديث، لأن كونه يضع لفظاً مكان اللفظ النبوي شبه اعتراض على الرسول صلّى الله عليه وسلّم كأنه قال: لماذا لم تقل الذي في الآية؟

وهذه المسألة لا يتفطن لها إلا القليل من الناس، فالشيء الذي جاءت به السنة يقال كما جاءت به السنة، ولا يستبدل كلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم بغيره أبداً، حتى لو كان من القرآن؛ لأننا نقول له: هل أنت أحفظ للقرآن من الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟ وهل أنت أكثر تعظيماً لله ولكتابه من الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟ قل كما قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من يهدِه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له» ، وأما قوله: «ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً» ، ففي هذا الموضع لا يقال.

ثم يقال للولي: زوِّج الرجل، فيقول: زوجتك بنتي فلانة، ولا حاجة أن يقول: على سنة الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن الأصل في المسلم أنه على سنة الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ويقول الزوج: قبلت، ثم يقال للزوج: بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير[(26)]، وبعض الناس يقول ما يقوله أهل الجاهلية: «بالرفاء والبنين»، نسأل الله ألا يعمي قلوبنا، يأتي لفظ عن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ خير وبركة ونعدل عنه، ربما لا يكون هذا رفاء، فربما يحصل من الخروق أكثر من الرفاء بين الزوج والزوجة، وقد تكون البنت خيراً من الابن بكثير.

ثم إذا زفت إليه يأخذ بناصيتها، ويقول: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه[(27)]، لكن هل يقول ذلك جهراً أم سراً؟ نرى التفصيل في هذا، إن كانت امرأة متعلمة تدري أن هذا من المشروع فليقل ذلك جهراً، وربما تؤمِّن على دعائه، وإن كانت جاهلة فأخشى إن قال ذلك أن تنفر منه، وعلى كل حال لكل مقام مقال.

 

فَصْلٌ

 

وَأَرْكَانُهُ: الزَّوْجَانِ الخَالِيَانِ مِنَ المَوَانِعِ، وَالإِيجَابُ، وَالقَبُولُ،........

قوله: «وأركانه» ، أي: أركان النكاح، والركن في اللغة الجانب الأقوى من البيت، ولهذا تسمى الزاوية ركناً؛ لأن أقوى ما في الجدار زاويته؛ لأنها مدعومة من الجانبين.

أما في الاصطلاح فإن الأركان ما لا يتم تركيب الماهية إلا به، مثلاً أركان الصلاة: قيام وقعود وركوع وسجود؛ لأن الصلاة ما تقوم إلا بهذا، أيضاً أركان النكاح ما يقوم النكاح إلا بها، وأما ما كان من أجزاء الماهية ولكنها تتم بدونه، فهذا لا يسمى ركناً، كرفع اليدين في الصلاة مثلاً، فهذا تتركب منه الماهية، لكن الصلاة تتم بدونه.

قوله: «الزوجان» يعني الزوج والزوجة، والتثنية صحيحة، فلا يقال: إنه غلب فيها جانب الذكور؛ لأن الزوج يطلق على الذكر والأنثى، وعلى هذا فلا تغليب.

قوله: «الخاليان من الموانع» ، هذا ليس داخلاً في الركنية، ولكنه شرط، أي خلو الزوج أو الزوجة من الموانع، ولهذا لو قلنا: الزوجان، كفى، والموانع هي المحرمات في النكاح، أي: ما يمنع صحة النكاح؛ لأن من فيهما موانع، وجودهما كالعدم، كما لو كانت المرأة معتدة وتزوجت، فإن هذا النكاح غير صحيح، ولكن اشتراط الخلو من الموانع يلزم منه ـ أيضاً ـ الزوجان اللذان تمت فيهما الشروط.

قوله: «والإيجاب والقبول» ، الإيجاب هو اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه.

فيقول ـ مثلاً ـ الولي، كالأب، والأخ، وما أشبه ذلك: زَوَّجْتك ابنتي، زوجتك أختي، وسمي إيجاباً؛ لأنه أوجب به العقد، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج، أو من يقوم مقامه.

والذي يقوم مقام الولي هو الوكيل، وهو الذي أذن له بالتصرف في حال الحياة، مثل أن يقول: وكلتك أن تزوج بنتي.

والوصي هو الذي أذن له بالتصرف بعد الموت، وهو ـ على المذهب ـ أيضاً يقوم مقامه، وهو مبني على أنه، هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية أو لا؟ فيه خلاف سيأتي بيانه إن شاء الله، إنما على القول الصحيح الذي يقوم مقامه واحد فقط هو الوكيل، وكذا الزوج أو من يقوم مقامه وهو الوكيل، وإذا قلنا بأن الأب يجوز أن يقبل النكاح لابنه الصغير ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ يكون الولي قائماً مقام الزوج، وبعده الوكيل.

 

وَلاَ يَصِحُّ مِمَّنْ يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ بِغَيْرِ لَفْظِ زَوَّجْتُ، أَوْ أَنْكَحْتُ، ...........

قوله: «ولا يصح» الضمير إما أن يعود على النكاح، أو على الإيجاب والقبول.

قوله: «ممن يحسن العربية بغير لفظ زوجت أو أنكحت» ، فإن كان لا يحسن العربية أتى بأي لفظ يفيد هذا المعنى ويصح، ومعلوم أن الناس يختلفون في اللغة؛ لأنه ليس لهم لفظ إلا هذا، سواء كان باللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الروسية، ولهذا اشترط المؤلف «ممن يحسن العربية» ، فإن كان يحسن أن يقول: زوجت أو أنكحت وهو غير عربي، ولا يدري ما معنى زوجت أو أنكحت، فإنه يقولها بلغته؛ لأنه لا يتعبد بلفظه، بخلاف القرآن الكريم، فلو أراد أحد أن يتلو القرآن الكريم بلغته ولو بالمعنى المطابق قلنا له:، لا؛ لأن القرآن كلام الله، لا يمكن أن يغير، ولأنه يتعبد بتلاوته.

وقوله: «ممن يحسن العربية بغير لفظ زوجت أو أنكحت» فيقول مثلاً: زوجتك بنتي، أو أنكحتك بنتي، فلو قال: جوزتك بنتي، لا يصح على المذهب؛ لأنه يحسن العربية، فلا بد أن يقول: زوجتك بتقديم الزاي.

ولو قال: ملكتك بنتي لا يصح؛ لأنه لا بد أن يكون بلفظ زوَّجت أو أنكحت.

وما الدليل على أنه لا يصح إلا بهذين اللفظين؟ ليس هناك دليل، لا في القرآن، ولا في السنة أنه لا يصح النكاح إلا بهذا اللفظ، لكن يقولون: لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن، ففي القرآن الكريم: {{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}} [النساء: 3] ، {{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}} [الأحزاب: 37] ، فاللفظان اللذان ورد بهما القرآن هما النكاح والزواج، فلا نتعداهما، فنقتصر على الألفاظ الواردة؛ وذلك لعظم خطر النكاح، فهو أعظم العقود خطراً وأشدها تحرياً، ولا شك أن هذا التعليل عليل، بل هو ميت.

القول الثاني : أنه يجوز العقد بكل بلفظ يدل عليه عرفاً، والدليل من القرآن ومن السنة.

من القرآن أن الله قال: {{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}} [النساء: 3] ، فأطلق النكاح، وعلى هذا فكل ما سمي نكاحاً عرفاً فهو نكاح، ولم يقل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء بلفظ الإنكاح أو التزويج، ولا قال: {{فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}} بلفظ الإنكاح أو التزويج، فلما أطلق العقد رجعنا في ذلك إلى العرف.

ولو أننا قلنا: إن التعبير بالمعنى معناه التقيد باللفظ لقلنا أيضاً: البيع لا ينعقد إلا بلفظ البيع؛ لأن الله يقول: {{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}} [البقرة: 275] ، وكان كل ما ذكره الله بلفظ، قلنا: لا بد فيه من هذا اللفظ، مع أنهم يقولون: إن البيع ينعقد بما دل عليه عرفاً حتى بالمعاطاة.

ومن السنة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أعتق صفية ـ رضي الله عنها ـ وجعل عتقها صداقها[(28)].

فلما رأوا أن هذا دليل قالوا: تستثنى هذه المسألة، فقالوا: لا بد أن يكون بلفظ الإنكاح أو التزويج، إلا إذا أعتق أمته، وجعل عتقها صداقها.

دليل آخر من السنة: قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلّى الله عليه وسلّم وقد ثبت في صحيح البخاري[(29)] أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ملكتكها بما معك من القرآن» ، وهذا نص صريح، فأجابوا عنه بأن أكثر الروايات: «زوجتكها بما معك من القرآن»[(30)].

فيقال: كون الرواة ينقلونه بالمعنى «ملكتكها» دليل على أنه لا فرق بين هذا وهذا، ولو كان هناك فرق ما جاز أن يغيروا اللفظ إلى لفظ يخالفه في المعنى؛ لأن شرط جواز رواية الحديث بالمعنى أن يكون اللفظ البدل لا يخالف اللفظ النبوي في المعنى، فدل هذا على أنه بمعناه، وأنه لا فرق عندهم بين هذا وهذا.

ثم نقول: الدليل النظري القياس على جميع العقود أنها تنعقد بما دل عليها، والله ـ تعالى ـ يقول: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] ، فما عده الناس عقداً فهو عقد، وعلى هذا القول يصح أن تقول للرجل: جوزتك بنتي، أو ملكتك بنتي، ولكن لا بد أن تكون دلالة اللفظ العرفي دالة على المعنى الشرعي للنكاح، فلو قال: آجرتك بنتي بألف ريال فلا يصح؛ لأن الأجرة لا تستعمل في النكاح إطلاقاً، لكن لو قال: أجرتك بنتي على صداق قدره ألف ريال هنا يصح العقد؛ لأن فيه ما يدل على أن المراد بالأجرة هنا النكاح، وقد سمى الله تعالى المهر أجرة فقال تعالى: {{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}} [النساء: 24] .

فالقاعدة أن جميع العقود تنعقد بما دل عليها عرفاً، سواء كانت باللفظ الوارد أو بغير اللفظ الوارد، وسواء كان ذلك في النكاح أو في غير النكاح، هذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وكون عقد النكاح له خطر قد يقال: إن هذا أولى بأن ينعقد بكل ما دلَّ عليه؛ لأنه لو أن أحداً قال: جوزتك بنتي، وقال: قبلت، ودخل بها، وأتت منه بأولاد، أو مات، أو ماتت، فكوننا نقول: لا ينعقد، مع العلم بأن الطرفين، الولي والزوج، كليهما يعلم المراد فيه خطر، فالصواب قطعاً أن ينعقد بكل لفظ دلَّ عليه.

ونقل في الحاشية عن شيخ الإسلام أنه قال[(31)]: «ولم ينقل أحد عن أحمد أنه خصه بهذين اللفظين، وأول من قال ذلك من أصحاب الإمام أحمد ابنُ حامد، وتبعه على ذلك القاضي ومن جاء بعده؛ بسبب انتشار كتبه وكثرة أتباعه وأصحابه»، وبناء على ذلك لا يصح نسبة هذا القول إلى مذهب الإمام الشخصي، إنما يقال: هو مذهب الإمام أحمد الاصطلاحي، وهناك فرق بين المذهب الشخصي الذي يدين به الإمام لله ـ عزّ وجل ـ وبين المذهب الاصطلاحي، فالمذهب الاصطلاحي قد لا يكون الإمام قاله، أو قال بخلافه، وهو ما اصطلح عليه أتباع هذا الإمام أن يكون هو مذهبهم، مثل أن يختاروا أئمة من أتباعه، ويقولون: إذا اتفق فلان وفلان من أئمة أتباعه على كذا فهو المذهب، أو إذا كان أكثر الأتباع على هذا فهو المذهب، لكن المذهب الشخصي يختلف فهو ما يدين به لله عزّ وجل، وقد يكون موافقاً لما قيل: إنه المذهب اصطلاحاً، وقد يكون مخالفاً.

 

وَقَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ،............

قوله: «وقبلت هذا النكاح» يقوله الزوج؛ أو من يقوم مقامه، لكن من يقوم مقامه ما يطلق، ويقول: قبلت هذا النكاح، لا بد أن يقول: قبلته لموكلي فلان، كما أنه إذا كان الولي له وكيل، ما يقول الوكيل مثلاً: زوجتك بنتي، بل يبين أنه وكيل، فيقول: زوجتك بنت موكلي فلان، وهي فلانة بنت فلان، أو زوجتك بالوكالة بنت فلان ابن فلان.

فلو قال: زوجتك بنت فلان ما صح؛ لأنه لا ولاية له عليها، حتى يبين السبب بأنه زوجه بنت فلان، لأنه وكيله.

 

تَزَوَّجْتُهَا، أَوْ تَزَوَّجْتُ، أَوْ قَبِلْتُ، وَمَنْ جَهِلَهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ تَعَلُّمُهُمَا،......

قوله: «أو تزوجتها أو تزوجت أو قبلت» ، القبول توسعوا فيه أكثر، فإذا قال: قبلت هذا النكاح، أو تزوجتها، مع أنها صيغة ظاهرها الخبر وليست إنشاء، ومع ذلك يقولون: إن قرينة الحال تدل على أن المراد الإنشاء فيصح.

وقوله: «أو تزوجت» ، أي: قال الولي: زوجتك بنتي، قال: تزوجت، فهل يفهم منها القبول؟! حقيقة أن فهم القبول منها بعيد، بل قد يُفهم منها أن عنده زوجة فلا يريد هذه.

وقوله: «تزوجتها» أهون؛ لأنه فيها ضمير يعود على المذكورة، لكن «تزوجت» هذه من الغرائب أنهم جعلوها قبولاً مقبولاً، ولا يجعلون «جوزتك بنتي» مع قول الزوج: «قبلت هذا النكاح» عقداً صحيحاً، وإذا قال: زوجتك فقال: تزوجت، يعتبر قبولاً مقبولاً!! وهذا كله مما يدل على أن القول الراجح والصواب أن النكاح ينعقد إيجاباً وقبولاً بما دل عليه العرف.

قوله: «ومن جهلهما لم يلزمه تعلمهما» ، أي: جهل الإيجاب والقبول باللغة العربية لا يلزمه تعلمهما، وإلا لكنا نلزم جميع غير العرب أن يتعلموا اللغة العربية في عقد النكاح، وإذا أوجب الولي العقد بلغة غير عربية ـ وهو يحسن العربية ـ لكنها معروفة للزوج والشاهدين، فعلى القول الراجح ينعقد، كأن يوجب الولي العقد باللغة الإنجليزية، وهو يعلم المعنى، والزوج والشاهدان يعلمون المعنى، فالراجح أنه ينعقد؛ لأن العبرة بالمعنى، ولكنه يؤدب على كونه يعقد النكاح، الذي هو عقد شرعي من أفضل العقود، وأهمها في الشريعة بلغة غير العربية مع كونه يعلمها، ولهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يضرب من تكلم بالرطانة الأعجمية[(32)]، وبعض إخواننا اليوم من المسلمين لضعف الإيمان في قلوبهم، وضعف الشخصية في نفوسهم يتكلمون باللغة الإنجليزية، فتجده إذا كلم صاحبه باللغة الإنجليزية وخاطبه ذلك باللغة الإنجليزية مجيباً له ينتفخ، وكأنه نال مشارق الأرض ومغاربها؛ لأنه صار يتكلم باللغة الإنجليزية، وحينئذٍ يتمثل بقول الشاعر:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا                     متى أضع العمامة تعرفوني

لأنه يعرف التكلم باللغة الإنجليزية، حتى بلغني أن بعض الناس ـ والعياذ بالله ـ يعلم صبيانه اللغة الإنجليزية، وإذا أراد أن يودعه، أو يسلم عليه سلم عليه باللغة الإنجليزية، ويترك [السلام عليكم]، أو [عليكم السلام]!! وهذا فضيحة، وعار، ولو لم تكن المسألة شرعية لكان يجب أن تكون على الأقل قومية، أذهبُ إلى لغة قوم آخرين وعندي اللغة العربية؟! أفصح اللغات هي لغة العرب وأذهب إلى اللغات الأخرى!! ولهذا فيما أرى أن الذي يعلم صبيه اللغة الإنجليزية من الصغر، سوف يحاسب عليه يوم القيامة؛ لأنه يؤدي إلى محبة الصبي لهذه اللغة وإيثارها على اللغة العربية، وبالتالي يؤدي إلى محبة من ينطق بها من أهلها، واستهجان من ينطقون بغير هذه اللغة، أما من كبر وترعرع وقال: أنا أريد أن أتعلم اللغة الإنجليزية، أو غيرها من اللغات الأجنبية لأدعو إلى الله بها، فنقول له: هذا خير، ونساعدك على هذا ونشجعك، أو قال: أنا أحتاج إلى اللغة غير العربية؛ لأني أمارس التجارة مع هؤلاء القوم، فأريد أن أتكلم لأتمكن من عملي، قلنا: هذا لا بأس به، هذا عمل مقصود وغرض صحيح، أما إنسان يفعل ذلك تعشقاً لها، وتعظيماً لقومها، وإيثاراً لها على اللغة العربية، فهذا خطأ.

 

وَكَفَاهُ مَعْنَاهُمَا الخَاصُّ بِكُلِّ لِسَانٍ ،.......

قوله: «وكفاه معناهما الخاص» يعني الذي لا يحتمل غير النكاح.

قوله: «بكل لسان» ، أي: بكل لغة، قال الله تعالى: {{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ *}} [الشعراء] أي: بلغة عربية، وقال تعالى: {{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}} [إبراهيم: 4] فاللسان في اللغة بمعنى اللغة.

ويستثنى من ذلك إذا تزوجها وهي مملوكة، وجعل عتقها صداقها، فلا يحتاج إلى اللغة العربية، ولا إلى لفظ التزويج، أو  الإنكاح، بل يقول: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أعتق صفية ـ رضي الله عنها ـ، وجعل عتقها صداقها[(33)].

مسألة: إذا كان الولي أو الزوج أخرس ـ نسأل الله السلامة ـ فكيف يعقد النكاح؟

الجواب: يعقده بالإشارة المفهومة، إن كان يعرف الإشارة المفهومة، وإن كان لا يعرف فبالكتابة إن كان يجيدها، فإن كان لا يعرف الكتابة انتقلت الولاية إلى غيره.

والإشارة المفهومة لا بد أن يعرفها الشاهدان حتى يشهدا على ما وقع.

 

 فَإِنْ تَقَدَّمَ القَبُولُ لَمْ يَصِحَّ،...........

قوله: «فإن تقدم القبول لم يصح» ، لو قال: قبلت قبل أن يقول: زوجتك، لم يصح؛ لأن العقد لا يكون إلا به، ولأن القبول قَبولُ شيءٍ بُذِلَ، فكيف يتقدم القبول على الإيجاب، ولم يبذل شيء حتى الآن؟! فلا بد أن يتقدم الإيجاب على القبول، فإن تأخر فإنه لا يصح، والطريق إلى تصحيحه أن يعاد القبول بعد الإيجاب؛ لأن القبول المتقدم وقع في غير محله، فإذا جاء الإيجاب وأردفناه بالقبول صح، والقول الراجح أنه إذا تقدم القبول على وجه يحصل به فإنه يصح.

وظاهر كلام المؤلف سواء وقع القبول بلفظ الماضي أو الأمر، مع أنه في باب البيع تقدم أنه يصح إذا كان بلفظ الأمر، مثل: بعني هذا البيت بعشرة آلاف، فقال: بعتك، صح البيع، فهنا لو قال: زوجني ابنتك، فقال: زوجتك بنتي، ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح، وأنه لا بد أن يتقدم الإيجاب.

وبناء على ما قررناه من أن المعتبر في كل العقود ما دلت عليه بالعرف الخاص، نقول: إنه يصح، بل إنه وقع في حديث الرجل الذي قال: «زوِّجنيها»، فقال: «زوَّجتكها بما معك من القرآن» [(34)]، وما ورد أن الرجل قال: قبلت، فهذا دليل على أنه إذا تقدم القبول على وجه يتضح به القبول فإنه يصح، كما لو وقع ذلك بلفظ الطلب: زوِّجني، فقال: زوَّجتك.

مسألة: متى يسقط القبول، أي: متى ينعقد النكاح بالإيجاب فقط؟

الجواب: إذا كان الولي هو ابن العم مثلاً، وأراد أن يتزوجها فليحضر شاهدين، ويقول: أشهدكما أني تزوجت موليتي بنت عمي، فلانة بنت فلان، وينعقد النكاح، ولا حاجة أن يقول: وقبلت؛ لأن كلمة «تزوجتها» وهو وليها كافية.

 

وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنِ الإِيجَابِ صَحَّ مَا دَامَا فِي المَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ،........

قوله: «وإن تأخر عن الإيجاب صح ما داما في المجلس» ، أي: إن تأخر القبول عن الإيجاب، بأن قال الولي: زوجتك بنتي، وبعد مدة قال: قبلت، يصح ما داما في المجلس.

قوله: «ولم يتشاغلا بما يقطعه» ، كذلك ـ أيضاً ـ لو لم يتشاغلا بما يقطعه، فإن تشاغلا بما يقطعه ما صح، كأن يقول: زوجتك بنتي، ثم قال: أحضروا الطعام، وحين انتهوا من الأكل قال: قبلت.

كذلك ـ أيضاً ـ لو أنه أوجب العقد، بأن قال: زوجتك ابنتي، ثم قال: سمعت في الأخبار اليوم أنه حصل كذا وكذا، وصار يتكلم عن الأخبار، ثم لما انتهى قال الرجل: قبلت النكاح، فلا يصح؛ لأنهما تشاغلا بما يقطعه، فلا بد أن يكون الإيجاب غير مفصول بينه وبين القبول بفاصل أجنبي.

فإن تشاغلا بما يقطعه بغير اختيار، مثل أن قال له: زوجتك بنتي، فمن شدة الفرح قام يبكي وأطال البقاء حتى قال: قبلت، فإنه يصح؛ لأن هذا بغير اختياره، أو أصابته سعلة ثم قال: قبلت، فهذا لا بأس به؛ لأن هذا الانفصال كان لعذر.

 

        وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ بَطَلَ............

قوله: «وإن تفرقا قبله بطل» ، «قبله» أي: قبل القبول، مثلاً لما قال: زوجتك ابنتي، قاموا وتفرقوا ثم رجعوا، وقال الخاطب: قبلت النكاح، فلا يصح؛ وذلك لأن الإيجاب والقبول صيغة عقد واحد، فلا بد أن يتقارنا.

فصار يشترط في القبول شرطان:

الأول: أن يكون في المجلس.

الثاني: ألا يتشاغلا بما يقطعه.

وهناك شرط ثالث ما ذكره المؤلف؛ لأنه معلوم، أن يكون القبول لمن أوجب له، فلو قال: زوجتك بنتي فلانة، فقال: قبلت نكاح ابنتك فلانة الثانية فإن العقد لا يصح، لعدم التطابق بين الإيجاب والقبول.

قال في الروض[(35)]: «وكذلك لو جُنَّ أو أغمي عليه قبل القبول»، أي: يشترط ألا يزول عقل القابل قبل قبوله، فإن زال عقله فإنه يبطل الإيجاب، ويكون القبول إذا أفاق، لكن لا بد من إعادة الإيجاب، وكذلك لو أغمي عليه بطل الإيجاب ولا بد من إعادته.

قال في الروض: «لا إن نام» مثلاً أوجب الولي العقد فقال: زوجتك بنتي، فألقى الله عليه النوم، وبعد ساعة استيقظ فقال: قبلت، يصح على المذهب؛ لأنهما لم يتشاغلا بما يقطعه ولم يتفرقا فهو كالساكت.

 

فَصْلٌ

 

وَلَهُ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ،..........

قوله: «وله شروط» ، أي: للنكاح شروط.

واعلم أن من حكمة الشرع أن جميع العبادات والمعاملات لا بد فيها من شروط؛ لأجل أن تتحد الأمور وتنضبط وتتضح، ولولا هذه الشروط لكانت هذه الأمور فوضى، كل يتزوج على ما شاء، وكل يبيع على ما شاء، وكل يصلي كيف شاء، لكن هذه الشروط التي جعلها الله ـ تعالى ـ في العبادات، وفي المعاملات هي من الحكمة العظيمة البالغة؛ لأجل ضبط الشريعة وضبط العقود، كما أنه لا بد من انتفاء الموانع، ولذلك من القواعد المشهورة: أن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه، وانتفاء موانعه.

ثم هناك فرق بين شروط النكاح، والشروط في النكاح:

أولاً: شروط النكاح قيود وضعها الشرع ولا يمكن إبطالها، والشروط في النكاح شروط وضعها العاقد ويمكن إبطالها.

ثانياً: شروط النكاح يتوقف عليها صحته، والشروط في النكاح يتوقف عليها لزومه.

قوله: «أحدها: تعيين الزوجين» ، لأن عقد النكاح على أعيانهما، الزوج والزوجة؛ والمقام مقام عظيم يترتب عليه أنساب، وميراث، وحقوق، فلذلك لا بد من تعيين الزوجين، فلا يصح أن يقول: زوجت أحد أولادك، أو زوجت أحد هذين الرجلين، أو زوجت طالباً في الكلية، بل لا بد أن يعين، وكذلك الزوجة فلا بد أن يعيِّنها فيقول: زوجتك بنتي.

والأدلة الواردة في الكتاب والسنة تدل على التعيين، قال الله تعالى: {{فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}} [النساء: 25] ، وقال: {{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}} [الأحزاب: 37] ، وقال: {{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}} [النساء: 12] وإن كان هذا حكاية عن عقد تام.

ولأن النكاح لا بد فيه من الإشهاد، والإشهاد لا يكون على مبهم، بل لا يكون إشهاد إلا على شيء معين.

 

فَإِنْ أَشَارَ الوَلِيُّ إِلَى الزَّوْجَةِ، أَوْ سَمَّاهَا، أَوْ وَصَفَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ، أَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَلَهُ وَاحِدَةٌ لاَ أَكْثَرَ صَحَّ.

قوله: «فإن أشار الولي إلى الزوجة، أو سماها، أو وصفها بما تتميز به» التعيين له طرق:

الأول: الإشارة، بأن يقول زوجتك ابنتي هذه، فيقول: قبلت.

الثاني: التسمية باسمها الخاص، بأن يقول: زوجتك بنتي فاطمة، وليس له بنت بهذا الاسم سواها.

الثالث: أن يصفها بما تتميز به، مثل أن يقول: ابنتي التي أخذت الشهادة السادسة هذا العام، أو ابنتي الطويلة، أو ابنتي القصيرة، أو البيضاء، أو السوداء، أو العوراء، أو ما أشبه ذلك.

الرابع: أن يكون التعيين بالواقع، مثل أن يقول: زوجتك ابنتي، وليس له سواها، ما سمَّاها، ولا وصفها، ولا أشار إليها، فالذي عيَّنها الواقع، ولهذا قال:

«أو قال: زوجتك بنتي وله واحدة لا أكثر صح» .

وهل يلحق به ما إذا كان له بنت واحدة لم تتزوج، والباقيات متزوجات؟ نعم يشمل هذا.

فإذا قال قائل: هذا الشرط كيف تجمعون بينه وبين قوله تعالى عن موسى ـ عليه السلام ـ أنه قال له صاحب مدين: {{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَجٍ}} [القصص: 27] .

فالجواب: لا تعارض بين هذا وبين الآية؛ لأن الرجل ما قال: إني زوجتك بإحدى ابنتي، بل قال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، فهذا ليس عقداً، هذا خبر عن الإرادة، يعني فتخير من شئت منهما أزوجك.

على أنه لو فرض أن هناك معارضة صريحة، وورد شرعنا بخلافها، فالعبرة بما في شرعنا؛ لأن شرعنا نسخ ما سواه من الشرائع، فلا يعارض شرعنا بشرع من قبلنا.

 

فَصْلٌ

 

الثَّانِي: رِضَاهُمَا.........

قوله: «الثاني: رضاهما» ، أي: الشرط الثاني: رضا الزوجين، والدليل على هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا تنكح الأيِّم حتى تستأمر» ، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها ـ أي: البكر ـ؟ قال: «أن تصمت» [(36)]، حتى لو كان الأب هو الذي يزوج، والدليل العموم «لا تنكح البكر» لم يستثن الأب، وهناك رواية في صحيح مسلم[(37)] خاصة بالأب حيث قال صلّى الله عليه وسلّم: «والبكر يستأذنها أبوها» فنص على البكر ونص على الأب، ولأن هذا العقد من أخطر العقود.

وإذا كان الإنسان لا يمكن أن يجبر في البيع على عقد البيع ففي النكاح من باب أولى؛ لأنه أخطر وأعظم؛ إذ إن البيع إذا لم تصلح لك السلعة سهل عليك بيعها، لكن الزواج مشكل، فدل هذا على أنه لا أحد يجبر البنت على النكاح، ولو كانت بكراً، ولو كان الأب هو الولي، فحرام عليه أن يجبرها ولا يصح العقد.

وقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لا تنكح» ، لو قال قائل: هذا ليس نهياً، هذا خبر، فما الجواب؟ نقول: هذا الخبر بمعنى النهي، واعلم أن الخبر إذا جاء في موضع النهي فهو أوكد من النهي المجرد، فكأن الأمر يكون مفروغاً منه، ومعلوم الامتناع؛ لأن النفي دليل على الامتناع، والنهي توجيه الطلب إلى المكلف، فقد يفعل وقد لا يفعل، ولهذا قلنا في قوله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ}} [البقرة: 228] إنه أبلغ مما لو قال: وليتربَّص المطلقات؛ لأن قوله: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ}} كأن هذا أمر واقع لا يتغير.

 

إِلاَّ البَالِغَ المَعْتُوهَ، وَالمَجْنُونَةَ، وَالصَّغِيرَ، وَالبِكْرَ وَلَوْ مُكَلَّفَةً،.......

قوله: «إلا البالغ المعتوه، والمجنونة، والصغير» ، هؤلاء ثلاثة لا يشترط رضاهم:

الأول: البالغ المعتوه لا يشترط رضاه؛ لأنه لا إذن له، ولا يعرف ما ينفعه وما يضره.

والبالغ من بلغ خمس عشرة سنة، أو أنبت الشعر الخشن حول القبُل، أو أنزل باحتلام، أو غيره.

والمعتوه هو الذي نسميه باللغة العامية الخِبْل، وليس مجنوناً، فهذا يزوجه أبوه، ولكن بماذا نعلم أنه يريد النكاح؟ نعرف ذلك بميله إلى النساء، وتحدثه في النكاح، وظهور علامات الرغبة عليه، فهذا نزوجه ولا يحتاج أن نستأذن منه.

الثاني: المجنونة، أيضاً يزوجها أبوها، وهي أبعد من المعتوه، ولم يقيدها المؤلف بالبلوغ ولا بالصغر؛ لأن الأب يجبر ابنته عاقلة كانت أو مجنونة إذا لم تكن ثيباً، وهل يزوج المجنونة مطلقاً؟ ظاهر كلام المؤلف الإطلاق، ولكن ينبغي أن يقيد بما إذا علمنا رغبتها في النكاح، فإذا لم نعلم رغبتها في النكاح صار تزويجها عبثاً، وربما يحصل نزاع من زوجها ومفسدة، فربما تكون في حالة جنون شديد وتقتل أولادها كما قد يقع، لكن إذا علم أنه لا بد من تزويجها بقرائن الأحوال فلا بد من ذلك، كذلك المجنون لا يشترط رضاه، وعلامة رغبته في النكاح القرائن، فإذا رأينا القرائن تدل على أن هذا المجنون يريد الزواج زوَّجناه، ولا حاجة أن نقول له: هل ترغب في الزواج؟

الثالث: الصغير، وهو من دون البلوغ، كذلك لا يشترط رضاه؛ لأنه إن كان دون التمييز فهو كالمجنون لا تمييز له، وإن كان دون البلوغ فإن رضاه غير معتبر، وسخطه غير معتبر، وعلى هذا فالمراهق يزوجه أبوه بدون رضاه، هذا ما ذهب إليه المؤلف.

وفي هذه المسألة نظر، صحيح أن الصغير لا إذن له معتبر؛ لأنه يحتاج إلى ولي، لكن هل هو في حاجة إلى الزواج؟ غالباً ليس بحاجة، والصغر علة يرجى زوالها بالبلوغ، فلننتظر حتى يبلغ، أما المجنون والمعتوه فعلتهما لا ينتظر زوالها.

لكن إذا قال قائل: ربما يحتاج الصغير إلى زوجة، كأن تكون أمه ميتة، والزوجة ستقوم بحاجاته ومصالحه، فهل نقول في مثل هذه الحال: إننا نزوجه؟ نقول: نعم، وهذا في الحقيقة فيه مصلحة، ومن مقاصد النكاح القيام بمصالح الزوج، غير الجماع وما يتعلق به، وقد مر علينا قصة جابر ـ رضي الله عنه ـ في أنه تزوج ثيباً لتصلح من شؤون أخواته[(38)]، فعلم من ذلك أن للنكاح مقاصد غير مسألة الجماع، فإذا قلنا بهذا، فهل نقول في مثل هذه الحال: يجوز أن يعقد الأب له الزواج على هذه المرأة لتقوم بمصالحه؟

المذهب يقولون: نعم يعقد له النكاح لتقوم بمصالحه، ولو قلنا بعدم الصحة، وأن هذه المصالح يمكن إدراكها باستئجار هذه المرأة لتقوم بمصالحه، ولا نلزمه بزوجة يلزمه مؤونتها، والإنفاق عليها، وترثه لو مات، ويترتب عليه أمور أخرى، فلو قلنا بذلك لكان له وجه، فكوننا نلزم هذا الصغير بأمر لا يلزمه مع أنه يمكن أن نقوم بمصالحه على وجه آخر، محل نظر.

فإن كان قريباً من البلوغ فله إذن؛ لأنه إذا صار يعرف مصالح النكاح فيمكن أن يستأذن، وسيأتينا ـ إن شاء الله ـ أن ابن تسع وبنت تسع في باب النكاح لهم إذن؛ لأنهم يعرفون مصالح النكاح.

مسألة: إذا زوج الأب ابنه الصغير لمصلحته، فهل له الخيار إذا بلغ؟

الجواب: هناك قول في المذهب بأن له الخيار في الفسخ، وحينئذٍ يلزم الأب المهرُ، وهذا هو الفرق بين قولنا له الخيار وله الطلاق، فإذا طلق فالمهر يلزمه هو، والصحيح أنه لا خيار له؛ لأن تصرف الأب صحيح بمقتضى الشرع، فإن أراد الابن أن يفارق هذه الزوجة فله أن يطلق.

قوله: «والبكر ولو مكلفة» ، أي: أنه يجوز لأب البكر أن يزوجها، ولو بغير رضاها، ولو كانت مكلفة، أي: بالغة عاقلة.

وقوله: «ولو مكلفة» إشارة خلاف، فإذا قال لها أبوها: أنا أريد أن أزوجك فلاناً، فقالت: لا، أنا ما أريد فلاناً صراحة، يقول: أزوجك ولا أبالي، ويغصبها غصباً ولو كانت لا تريده؛ لأنها بكر، ولو كانت بالغة عاقلة ذكية، تعرف ما ينفعها وما يضرها، وعقلها أكبر من عقل أبيها ألف مرة؛ ودليلهم أن عائشة بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ زوجها أبوها النبيَ صلّى الله عليه وسلّم وهي بنت ست، وبنى بها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهي بنت تسع سنوات[(39)].

فنقول لهم: هذا دليل صحيح ثابت، لكن استدلالكم به غير صحيح، فهل علمتم أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ استأذن عائشة ـ رضي الله عنها ـ وأبت؟!

الجواب: ما علمنا ذلك، بل إننا نعلم علم اليقين أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لو استأذنها أبوها لم تمتنع، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ خيَّرها مثل ما أمره الله: {{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً *}}، أي: بلطف وحسن معاملة وشيء من المال، {{وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا *}} [الأحزاب] .

فأول من بدأ بها عائشة ـ رضي الله عنها ـ وقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «استأمري أبويك في هذا وشاوريهم» ، فقالت: يا رسول الله أفي هذا أستأمر أبواي؟! إني أريد الله والدار الآخرة[(40)]، فمن هذه حالها لو استؤذنت لأول مرة أن تتزوج الرسول صلّى الله عليه وسلّم هل تقول: لا؟! يقيناً لا، وهذا مثل الشمس، فهل في هذا الحديث دليل لهم؟! ليس فيه دليل.

فإذا قال قائل: إذا كانت صغيرة فلا يشترط إذنها، بخلاف الكبيرة.

قلنا: أنتم تقولون: «ولو مكلفة» ، أي: هي بالغة عاقلة من أحسن الناس عقلاً، ولها عشرون سنة، أو ثلاثون سنة، فلا يشترط رضاها، فأنتم لا دليل لكم في هذا الحديث.

ثم نقول: نحن نوافقكم إذا جئتم بمثل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومثل عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهل يمكن أن يأتوا بذلك؟! لا يمكن، إذن نقول: سبحان الله العظيم، كيف نأخذ بهذا الدليل الذي ليس بدليل؟! وعندنا دليل من القرآن قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا}} [النساء: 19] وكانوا في الجاهلية إذا مات الرجل عن امرأة، تزوجها ابن عمه غصباً عليها[(41)].

ودليل صريح صحيح من السنة، وهو عموم قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لا تنكح البكر حتى تستأذن» [(42)]، وخصوص قوله: «والبكر يستأذنها أبوها»[(43)]، فإذا قلنا: لأبيها أن يجبرها صار الاستئذان لا فائدة منه، فأي فائدة في أن نقول: هل ترغبين أن نزوجك بهذا، وتقول: لا أرضى، هذا رجل فاسق، أو رجل كفء لكن لا أريده، فيقال: تجبر؟! هذا خلاف النص.

وأما النظر فإذا كان الأب لا يملك أن يبيع خاتماً من حديد لابنته بغير رضاها، فكيف يجبرها أن تبيع خاتم نفسها؟! هذا من باب أولى، بل أضرب مثلاً أقرب من هذا، لو أن رجلاً طلب من هذه المرأة أن تؤجر نفسها لمدة يومين لخياطة ثياب، وهي عند أهلها ولم تقبل، فهل يملك أبوها أن يجبرها على ذلك، مع أن هذه الإجارة سوف تستغرق من وقتها يومين فقط وهي ـ أيضاً ـ عند أهلها؟ الجواب: لا، فكيف يجبرها على أن تتزوج من ستكون معه في نكد من العقد إلى الفراق؟! فإجبار المرأة على النكاح مخالف للنص المأثور، وللعقل المنظور.

فإذا قال قائل: قوله: «يستأذنها» يدل على أن المرأة لها رأي، فلا نجعل الحكم خاصاً بالصغيرة، ونقول: المكلفة لا تجبر، لكن الصغيرة تجبر.

قلنا: أي فائدة للصغيرة في النكاح؟! وهل هذا إلا تصرف في بضعها على وجه لا تدري ما معناه؟! لننتظر حتى تعرف مصالح النكاح، وتعرف المراد بالنكاح ثم بعد ذلك نزوجها، فالمصلحة مصلحتها.

إذاً القول الراجح أن البكر المكلفة لا بد من رضاها، وأما غير المكلفة وهي التي تم لها تسع سنين، فهل يشترط رضاها أو لا؟ الصحيح ـ أيضاً ـ أنه يشترط رضاها؛ لأن بنت تسع سنين بدأت تتحرك شهوتها وتحس بالنكاح، فلا بد من إذنها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو الحق.

وأما من دون تسع سنين، فهل يعتبر إذنها؟ يقولون: من دون تسع السنين ليس لها إذن معتبر؛ لأنها ما تعرف عن النكاح شيئاً، وقد تأذن وهي تدري، أو لا تأذن؛ لأنها لا تدري، فليس لها إذن معتبر، ولكن هل يجوز لأبيها أن يزوجها في هذه الحال؟

نقول: الأصل عدم الجواز؛ لقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لا تنكح البكر حتى تستأذن» [(44)]، وهذه بكر فلا نزوجها حتى تبلغ السن الذي تكون فيه أهلاً للاستئذان، ثم تستأذن.

لكن ذكر بعض العلماء الإجماع على أن له أن يزوجها، مستدلين بحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ، وقد ذكرنا الفرق، وقال ابن شبرمة من الفقهاء المعروفين: لا يجوز أن يزوج الصغيرة التي لم تبلغ أبداً؛ لأننا إن قلنا بشرط الرضا فرضاها غير معتبر، ولا نقول بالإجبار في البالغة فهذه من باب أولى، وهذا القول هو الصواب، أن الأب لا يزوج بنته حتى تبلغ، وإذا بلغت فلا يزوجها حتى ترضى.

لكن لو فرضنا أن الرجل وجد أن هذا الخاطب كفء، وهو كبير السن، ويخشى إن انتقل إلى الآخرة صارت البنت في ولاية إخوتها أن يتلاعبوا بها، وأن يزوِّجوها حسب أهوائهم، لا حسب مصلحتها، فإن رأى المصلحة في أن يزوجها من هو كفء فلا بأس بذلك، ولكن لها الخيار إذا كبرت؛ إن شاءت قالت: لا أرضى بهذا ولا أريده.

وإذا كان الأمر كذلك فالسلامة ألا يزوجها، وأن يدعها إلى الله ـ عزّ وجل ـ فربما أنه الآن يرى هذا الرجل كفئاً ثم تتغير حال الرجل، وربما يأتي الله لها عند بلوغها النكاح برجل خير من هذا الرجل؛ لأن الأمور بيد الله ـ سبحانه وتعالى ـ.

وهذا أمر ينبغي للإنسان أن يسلكه في أقواله وتصرفاته، فمتى دار الأمر بين السلامة والخطر فالأولى السلامة، وذكر عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أنه كان لا يعدل بالسلامة شيئاً، ولعل هذا مأخوذ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»[(45)]، يعني إذا لم يتبين لك الخير فيما تقول فوظيفتك السكوت، وجرب تجد، كم من إنسان أخرج كلمة، فقال: ليتني لم أخرجها، لكن لو كان مالكاً لها في قلبه يكون له التحكم، ويصبر حتى إذا وجد أنه لا بد من الكلام تكلم، وكذلك التصرفات إذا دار الأمر بين أن تفعل أو لا تفعل، ولم يترجح عندك أن الإقدام خير، فإن الأولى الانتظار والتأني حتى يتبين، وما أحسن حال الإنسان إذا استعمل ذلك، فإنه يجد الراحة العظيمة.

والفرق بين قولنا: إن الصغير يجوز لأبيه تزويجه لمصلحته، وقولنا: إن الصغيرة لا يزوجها، أن الصغير يستطيع أن يتخلص من الزوجة بالطلاق، لكن الزوجة لا تستطيع التخلص.

لكن هاهنا مسألة، وهي أن المرأة إذا عيَّنت من ليس بكفء فإن الأب لا يطيعها، ولا إثم عليه، ويقول: أنا لا أزوجك مثل هذا الرجل أبداً، ولكن إذا عينت كفؤاً فعلى العين والرأس.

وإذا عيَّن كفؤاً وأبت، ثم جاءه كفء آخر وأبت، ثم جاءه ثالث وأبت، وكلما جاء كفء أبت، فهل عليه إثم إذا لم يزوجها؟ لا؛ لأنها هي التي تأبى، فيقال لها: أنت إن رضيت الكفء الذي أمرنا الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بتزويجه، وهو من نرضى دينه وخلقه فعلى العين والرأس، أما إذا عينت من ليس بكفء في دينه وخلقه ـ وأهم شيء الدين ـ فإننا لا نقبل منك ولا نزوجك.

 

لاَ الثَّيِّبَ، فَإِنَّ الأَبَ، وَوَصِيَّهُ فِي النِّكَاحِ يُزَوِّجَانِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، كَالسَّيِّدِ مَعَ إِمَائِهِ،....

قوله: «لا الثيب» ، أي: لا تستثنى الثيب، بل الثيب يشترط رضاها، ولو زوجها أبوها، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا تنكح الأيم حتى تستأمر» [(46)]، أي يؤخذ أمرها، والثيب هي التي زالت بكارتها بجماع في نكاح صحيح، أو بزنا مع رضا، أو بزنا مع إكراه ـ أيضاً ـ على المذهب؛ وذلك لأن الثيب التي جومعت عرفت معنى الجماع، فتستطيع أن تقبل أو ترد، ولكن هذا بالنسبة لمن تزوجت وجومعت واضح، وكذلك من زنت ـ والعياذ بالله ـ برضاها واضح؛ فإنها تتلذذ بالجماع وتعرفه، لكن بالنسبة لمن زني بها كرهاً، هل نقول: إن حكمها حكم الثيب التي زالت بكارتها بالجماع في النكاح الصحيح، أو بالزنا المرضي به؟

الجواب: هذا لا يظهر، والمذهب أن حكمها حكم الأولين، ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن المزني بها ـ ولو زالت بكارتها ـ فإنها إذا كانت مكرهة فلا بد من إذنها، ولا عبرة بثيوبتها، المهم أن الثيب لا بد أن ترضى حتى ولو زوجها أبوها، فإن زوَّجها بغير رضاها فلها الخيار؛ لأنه ثبت في الصحيح أن امرأة زوجها أبوها في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وهي ثيب فخيرها النبي صلّى الله عليه وسلّم[(47)]، فلا بد من استئمارها، أي: أن تشاور وتراجع، والفرق بين البكر والثيب ظاهر، فالبكر حيية تستحي من الكلام في هذه الأمور، والثيب قد عرفت الأزواج والرجال، ويمكنها أن تقبل أو ترفض، فلذلك لا بد من استئمارها، فإن ردت من أول الأمر، بأن رفضت فلا حاجة للاستئمار، لكن لنا أن نشير عليها إذا كان الرجل كفؤاً لعلها تقبل؛ لأن بعض النساء قد ترد لأول وهلة، وبعد المراجعة تقبل.