|
بَابُ الشُّرُوطِ وَالعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ
قوله: «الشروط والعيوب في النكاح» ، جمع المؤلف بين الشروط والعيوب؛ لأن العيب فَقْد شرط؛ إذ إن العقد المطلق مقتضاه السلامة من العيوب، فكأن العاقد شرط بمطلق عقده خلو المعقود عليه من العيوب؛ فلهذا جمع بينهما.
سبق لنا شروط النكاح، فنحتاج إلى معرفة الفرق بينها وبين الشروط في النكاح، فنقول: الشرط في اللغة العلامة، ومنه قوله تعالى: {{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا}} [محمد: 18] أي: علاماتها، أما الفرق بين شروط النكاح والشروط فيه، فهو من أربعة أوجه:
أولاً: أن شروط النكاح من وضع الشارع، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الذي وضعها وجعلها شروطاً، وأما الشروط في النكاح فهي من وضع العاقد، وهو الذي شرطها.
ثانياً: شروط النكاح يتوقف عليها صحة النكاح، أما الشروط فيه فلا تتوقف عليها صحته، إنما يتوقف عليها لزومه، فلمن فات شرطه فسخ النكاح.
ثالثاً: أن شروط النكاح لا يمكن إسقاطها، والشروط في النكاح يمكن إسقاطها ممن هي له.
رابعاً: شروط النكاح لا تنقسم إلى صحيح وفاسد، والشروط في النكاح تنقسم إلى صحيح وفاسد.
واعلم أن الشروط في النكاح يعتبر أن تكون مقارِنة للعقد، أو سابقة عليه، لا لاحقة به، فمحلها إما في صلب العقد أو قبله لا بعده، في صلب العقد مثل أن يقول: زوجتك ابنتي هذه على أن لا تتزوج عليها، فهذا مقارن للعقد، أو زوجتك ابنتي هذه على أن تدفع لها خمسمائة ريال مهراً، هذا مقارن أيضاً، والشرط السابق أن يتفق هو وإياه حين خطبها منه أن لا يتزوج عليها، فهذا الشرط مع كونه سابقاً للعقد، لكنهما اتفقا عليه فيعتبر؛ لأن العقد الذي حصل مبني على ما سبق من الشروط.
وقد سبق لنا في الشروط في البيع أن المعتبر منها المقارن واللاحق في زمن الخيار، دون ما اتفقا عليه قبل، وسبق لنا أن الصحيح أنه كالنكاح لا فرق بينه وبينه، وأن ما اتفقا عليه قبله يكون كالمقارن، أما النكاح فإنه لا يمكن فيه الشرط اللاحق؛ لأنه ليس فيه خيار على المذهب، وفي البيع يمكن أن يلحق بعد العقد كما لو لحق في خيار المجلس، أو في خيار الشرط كما تقدم.
واعلم أن الأصل في جميع الشروط في العقود الصحة حتى يقوم دليل على المنع؛ والدليل على ذلك عموم الأدلة الآمرة بالوفاء بالعقد: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] ، {{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}} [الإسراء: 34] ، وكذلك الحديث الذي روي عن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» [(97)]. وكذلك قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «كل شرط ليس فيه كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» [(98)].
فالحاصل: أن الأصل في الشروط الحل والصحة، سواءً في النكاح، أو في البيع، أو في الإجارة، أو في الرهن، أو في الوقف، وحكم الشروط المشروطة في العقود إذا كانت صحيحة أنه يجب الوفاء بها في النكاح وغيره؛ لعموم قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} فإن الوفاء بالعقد يتضمن الوفاء به وبما تضمنه من شروط وصفات؛ لأنه كله داخل في العقد، وقد قيل:
الأصل في الأشياء حِلٌّ وامنعِ
عبادةً إلا بإذن الشارعِ[(99)]
والغريب أن فقهاء المذهب ـ رحمهم الله ـ يرون أن الوفاء بالشروط في عقد النكاح سنة وليس بواجب، حتى فيمن لا يملك الفسخ، ولكن هذا القول ضعيف، ومخالف لقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ الثابت عنه في الصحيحين: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» [(100)]، فالصواب أنه يجب على الزوج والزوجة، وعلى كل من شُرط عليه شرط أن يوفي به استناداً إلى الآيات التي أشرنا إليها، وإلى هذا الحديث الصحيح، ومن الغريب أن نوجب الوفاء بالشرط في عقدٍ على بيع لا يساوي خمسة دراهم، ولا نوجب الوفاء بالشرط في عقد يكون العوض فيه الزوجة، التي هي محل الحرث، والعوض الذي أعطيته خمسون ألفاً!!
والشروط في النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام: صحيحة، وفاسدة غير مفسدة، وفاسدة مفسدة.
الأول: شروط صحيحة، ومعلوم أن الشرط الصحيح لا يؤثر على العقد، فالصحيحة يصح معها العقد، ومنها:
إِذَا شَرَطَتْ طَلاَقَ ضَرَّتِهِا، أَوْ أَنْ لاَ يَتَسَرَّى أَوْ لاَ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا،
قوله: «إذا شرطت طلاق ضَرتِها» «إذا» شرطية، والجواب في قوله: «صح» فإذا شرطت طلاق ضرتها فإن الشرط صحيح والعقد صحيح، مثال ذلك: خطب رجل من شخص ابنته، فقال: لا بأس لكن بشرط أن تطلق زوجتك، نقول: هذا الشرط صحيح؛ لأن الزوجة التي شرطت أن يطلق ضرتها لها مقصود في ذلك، وهو أن تنفرد به، وهذا مقصود للنساء بلا شك، وكل يعرف أن النساء يحببن أن ينفرد الزوج بهن، فيكون هذا مقصوداً صحيحاً.
لكن هذا القول ضعيف؛ لأن هذا القياس في مقابلة النص، والنظر في مقابلة الأثر عمًى وليس بنظر؛ لأن كل شيء يخالف النص فهو باطل، يخالف قول رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لا تسأل المرأة طلاق أختها» فأتى بالأخوة التي تستوجب عدم الاعتداء على حقها، ثم علل فقال: «لتكفأ ما في صحفتها» [(101)]، يعني فإن هذا الشرط موجب لقطع رزقها من هذا الزوج الذي ينفق عليها، وهذا أدنى ما يوجبه، وإلا فالرسول صلّى الله عليه وسلّم ذكر الأدنى ليُستدل به على الأعلى، ففراق زوجها لها فراق العشرة، وإن كانت ذات أولاد ففراق أولاد، وتشتتهم، وهذا أعظم، فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ نبه بأدنى المفاسد على أعلاها.
فإذا قلنا بجوازه، فمعنى ذلك أننا خالفنا النص، وأبحنا للمرأة أن تشترطه، إذاً هذا الشرط يدخل في الشروط الفاسدة لا في الشروط الصحيحة؛ لمخالفته للنص.
وقولهم: إن لها في ذلك غرضاً مقصوداً، نقول: صحيح لكن فيه اعتداء على غيرها ممن هي أمكن منها بزوجها، فيكون هذا النظر الذي قالوه مقابَلاً بأثر ونظر، فلو تزوجها على هذا الشرط، ثم دخل بها وأمسك الأولى فليس لها أن تطالبه بطلاقها؛ لأن الشرط الفاسد كأن لم يكن.
قوله: «أو أن لا يتسرى أو لا يتزوج عليها» الفرق بين التسري والتزوج، أن التسري الوطء بملك اليمين، والتزوج عقد النكاح، فإذا اشترطت امرأة أن لا يتسرى عليها زوجها، فقبل فإن هذا يجوز؛ لأن حق الأمة لم يوجد بعد، فلم تعتدِ على أحد، أو اشترطت أن لا يتزوج عليها فإن هذا يجوز.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز؛ لأنه حجر على الزوج فيما أباح الله له، فهو مخالف للقرآن: {{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}} [النساء: 3] ، فيقال في الجواب على ذلك: هي لها غرض في عدم زواجه، ولم تعتدِ على أحد، والزوج هو الذي أسقط حقه، فإذا كان له الحق في أن يتزوج أكثر من واحدة وأسقطه، فما المانع من صحة هذا الشرط؟! ولهذا فالصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ من أن ذلك شرط صحيح.
فإذا قيل: ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى؟
فالجواب: أن الفرق بينهما ظاهر؛ لأنه في الأول الرجل متزوج، وهنا لم يتزوج، فليس في هذه المسألة الأخيرة عدوان على أحد، ولهذا يقال: إن الدفع أهون من الرفع، وهي قاعدة معروفة من قواعد الفقه، والاستدامة أقوى من الابتداء، ثم إن الوفاء به ـ أيضاً ـ هو الموافق للمروءة والأخلاق؛ لأنه ليس من كريم الخلق أن تتزوج امرأة على أنك لا تتزوج عليها، ثم إذا أزلت بكارتها وصارت كاسدة بين الناس تذهب وتتزوج عليها!!
مسألة: لو قالوا للزوج: نشرط عليك أنك لو تزوجت فهي طالق، فقال: لكم ألا أتزوج، وإن تزوجت فهي طالق، يصح شرط ألا يتزوج، لكن لو تزوج هل تطلق؟ لا؛ لأنه تعليق على ما لا يملك، فالطلاق لا يكون إلا بعد النكاح، وهذا الرجل لم يتزوج حتى يطلق، ولهذا لو أن امرأة سمعت أن زوجها يريد أن يتزوج وبدأت تخالفه، فإذا أمرها بشيء، لم تمتثل، وقالت: لأنك ستتزوج، فقال: أتريدين أن أرضيك؟ قالت: نعم، قال: إذا تزوجت أي امرأة فهي طالق، ثم عقد على امرأتين فلا تطلقان؛ لأنه طلاق معلق على النكاح، ولا يصح أن يعلق الطلاق على النكاح، إذ إنه لا بد أن يكون النكاح سابقاً للطلاق.
يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا، أَوْ شَرَطَتْ نَقْداً مُعَيَّناً، أَوْ زِيَادَةً فِي مَهْرِهَا صَحَّ، فَإِنْ خَالَفَهُ فَلَهَا الفَسْخُ،.........
قوله: «أو لا يخرجها من دارها» قال: أنا أزوجك بنتي، لكن بشرط ألا تخرجها من بيتي فيصح؛ وذلك لأنه هو الذي أسقط حقه، وليس في ذلك عدوان على أحد، لكن يجوز فيما بعد أن يسألها إسقاط هذا الشرط، ولو بعوض على القول الراجح.
قوله: «أو بلدها» اشترطت ألا يخرجها من بلدها فهذا جائز، وهو أوسع من الدار قليلاً؛ لأنه يملك في هذا الشرط أن يخرجها إلى بيته، أو إلى جهة أخرى من البلد، فإن اتسعت البلد حتى صارت بلاداً، فنقول: ما دام اسم البلد باقياً على هذه المنطقة فهو بلدها، فيجوز هذا الشرط.
وفي الروض[(102)] «أو ألا يفرق بينها وبين أولادها»، فهذا ـ أيضاً ـ شرط صحيح.
كذلك ـ أيضاً ـ إذا شرطت أن ترضع ولدها الصغير وقَبِل بهذا يلزمه؛ لأن هذه كلها أقصى ما فيها أنها إسقاط لكمال الاستمتاع من الزوج، وهو الذي رضي بذلك وأسقط حقه.
قوله: «أو شرطت نقداً معيناً» يعني في المهر، بأن قالت: أريد أن يكون صداقي من الدولارات فإنه يجوز، ولو اشترطت أن يكون المهر من النقد المعدني، يعني ذهباً أو فضة فإنه يجوز، ولو شرطت أن يكون صداقها من فئة مائتين الجديدة فإنه يجوز؛ لأنه قد يكون لها فيها غرض، فالمهم إذا شرطت نقداً معيناً لزم الزوج لعموم قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] ، والشروط في العقود هي أوصاف للعقود، فتدخل في قوله: {{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}}.
قوله: «أَوْ زيادةً فِي مَهْرِهَا صحَّ» أي: والتزم الزوج بذلك، فالشرط صحيح، ولا مانع.
وقوله: «في مَهْرِهَا» متعلق بقوله: «معيناً» .
وقوله: «زيادة» لو شرطت العكس أي: نقصاً في المهر، فهذا يصح، بأن قالت: بشرط أن لا يكون مهري إلا مائة ريال، ثم أعطاها مائتين فإن لها أن ترد المائة؛ لأنه قد يكون لها غرض في قلة المهر، إما لئلا تنكسر قلوب أخواتها، أو صديقاتها، أو تريد أن تسن سنة حسنة بتقليل المهور، فلها أن ترد الزائد على ما شرطت؛ لأن الحق لها وأسقطته.
وعموم قول المؤلف: «أو زيادة في مهرها» يشمل الزيادة الكثيرة والزيادة القليلة، فلو قالت: أنا أشترط عليك أن يكون مهري مليون ريال، ومهرها لا يساوي إلا مائتي ريال، فهذا يصح والحق لها، وهذا قد يقع تعجيزاً للخاطب؛ لأنها لا تريده، وأبوها، أو أمها، أو حاشيتها يريدون أن يجبروها على ذلك، فتقول: لا مانع، بشرط أن يعطيني مهراً مليون ريال، فإن كان تعجيزاً فسوف يرفضه الزوج غالباً، فاشتراط الزيادة الكبيرة قد يكون لغرض، ونحن نقول: إن الشروط في النكاح هي إلزام أحد الزوجين الآخر ماله فيه غرض.
والزيادة في المهر، هل تكون لها، أو لأمها وأبيها؟
تكون لها بنص القرآن لقوله تعالى: {{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ}} أي: مهورهن {{نِحْلَةً}} [النساء: 4] أي: عطية لا منة فيها.
قوله: «فإن خالفه فلها الفسخ» يعني إن خالف هذه الشروط، أن يطلق ضرتها، وألا يتزوج عليها، ولا يتسرى، ولا يخرجها من دارها، أو بلدها، أو زيادة نقد معين، أو زيادة في مهرها، سبع مسائل، لكن الأولى منها ضعيفة لا نعتبرها، فيكون المعتبر من المسائل التي عدها ست مسائل، إن خالفها فلها الفسخ.
وقد يستفاد من ظاهر قوله: «فإن خالفه» أن المخالفة ليست حراماً؛ لأنه لم يقل: «وتحرم مخالفته» فقد يقال: إن ظاهر كلامه أن مخالفة الشرط ليست حراماً، وأن الوفاء به ليس بواجب وهو المذهب؛ وعللوا ذلك بأنه إذا لم يفِ فلها الخيار يعني فقد استفادت، فلا نلزمه، ولكن الصحيح أن الوفاء به واجب كما سبق، لكن إذا لم يفِ به، سواء قلنا: إن الوفاء سنة، أو قلنا: إنه واجب، فلها الفسخ.
وقوله «فلها» اللام هل هي للإباحة، أو للاستحقاق، أو لهما جميعاً؟ لهما جميعاً، فالفسخ حق لها، إن شاءت فسخت، وإن شاءت لم تفسخ.
وقوله: «فلها الفسخ» ظاهره على التراخي، يعني لا يشترط أن تبادر وتفسخ، مثال ذلك: اشترطت أن لا يتزوج عليها فتزوج، نقول: ظاهر كلام المؤلف أن الفسخ على التراخي، لقوله: «فلها الفسخ» ولم يقل: فوراً، فلما لم يشترط الفورية علم أنه على التراخي، وقد يقول قائل: لم يذكر التراخي إذاً يبقى الفسخ استحقاقه مطلقاً، فإذا كان مطلقاً فمتى شاءت فسخت، لكن إن وجد منها ما يدل على الرضا فإنه يسقط حقها، فدلالة الرضا منها إما بالقول وإما بالفعل، أما القول فأن تقول: لا بأس، أنا راضية بما خالفتَ فيه، وأما بالفعل فأن تستقر، وما أشبه ذلك، فإذا لم يعلم رضاها فإن لها الفسخ.
وإذا قلنا: لها الفسخ، فالصواب أن لها أن تفسخ بدون إذن الحاكم؛ لأن هذا شرط لا اختلاف لها فيه، وقد امتنع من عليه الشرط من التزامه به، فلا حاجة للحاكم؛ لأننا نحتاج إلى الحاكم في الفسوخ التي فيها الخلاف.
مسألة: بعض الناس يشترط على الزوج أن لا يسافر بزوجته إلى الخارج، وهذا يقع كثيراً، فهذا الشرط صحيح، لكن إذا تزوجها وأسقطت هذا الشرط فيسقط؛ لأن الحق لها، ولا نقول: إن لأبيها أن يمنعها من السفر إذا خاف عليها الفتنة؛ لأنها لما تزوجت صار وليها زوجها، قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته»[(103)].
وإِذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ وَلِيَّتَهُ فَفَعَلاَ وَلاَ مَهْرَ بَطَلَ النِّكَاحَانِ،...........
قوله: «وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا ولا مهر بطل النكاحان» ، هذا من الشروط الفاسدة المفسدة، «إذا زوجه وليته» أي من له ولاية عليها، ففعيل هنا بمعنى مفعول، أي: موليته «على أن يزوجه الآخر وليته» يعني من له ولاية عليها، من بنت، وأخت، وعمة، والجدة إن كانت من جهة الأم، فلا ولاية له عليها، وإن كانت من جهة الأب فهو ابن ابن فله ولاية عليها.
وقوله: «على» أي بشرط «أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما» والمهر هو الصداق الذي يدفع بعقد النكاح «بطل النكاحان» كل منهما يبطل، والدليل أثر ونظر، أما الأثر فهو ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن نكاح الشغار، وفُسِّر الشغار بأن يزوجه موليته على أن يزوجه الآخر موليته ولا مهر بينهما[(104)]، وأما التعليل فمن ثلاثة أوجه:
أولاً: أنه في هذه الحال جعل مهر كل واحدةٍ بُضْع الأخرى، فهل هذا ابتغى بمالِهِ أو ابتغى بفرج موليته؟ الجواب: ابتغى بفرج موليته، والله تعالى يقول: {{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}} [النساء: 24] يعني أن تطلبوا النكاح بأموالكم، وهذا الرجل طلب النكاح بفرج موليته، فجعل فرج موليته هو المهر.
ثانياً: أنه في هذه الحال عادت منفعة الصداق إلى غير المرأة، فعادت إلى الولي، والله تعالى يقول: {{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}} [النساء: 4] أي: عطية بلا تقصير، فأضاف الصداق إليهن، وأمر بإعطائهن إياه نحلة، وهنا ما أعطينا هذه المسكينة صداقاً.
ثالثاً: أن هذا فيه غالباً مخالفة الأمانة ومجانبتها، فإن الإنسان إذا كان يحصل له فرج امرأة بفرج موليته غفل عن مقتضى الأمانة، وهي اختياره الكفء لها، وصار لا يهمه إلا من يحقق له رغبته، أما أن يكون صالحاً أو طالحاً فلا يهمه، يأتيه الرجل الصالح فيقول: أريد أن تزوجني بمهر، لكن ليس عنده بنت فيقول: لا، ويأتيه الرجل الفاسق عنده بنت فيتبادلان، ففي هذا تضييع للأمانة التي حملها الله ـ تعالى ـ للإنسان، ولهذا كان هذا العقد باطلاً بالأثر وبالنظر.
وقوله: «ولا مهر بينهما» مفهومه أنه إن كان بينهما مهرٌ صح العقد، وظاهر كلامه سواء كان المهر قليلاً أم كثيراً؛ لأنه قال: «ولا مهر» فعلم منه أنه إذا كان بينهما مهر فالنكاح صحيح؛ لأن تفسير نافع للشغار قال: «أن يزوجه ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق»[(105)]، وأيضاً فإن الشغار بمعنى الخلو، ومنه قولهم شغر المكان إذا خلا، ومنه قول الناس: وظيفة شاغرة، يعني خالية ما فيها أحد، فإذا كان هناك مهر فلا خلو، وأيضاً فإن الله قال: {{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}} وهذا الرجل قد ابتغى بماله فقد بذل مهراً، فيكون النكاح صحيحاً بالمهر، سواء كان قليلا أم كثيراً.
وقال بعض أهل العلم، ومنهم الخرقي أحد فقهاء الحنابلة: لا يصح وإن سمي لهما مهر، وأن الشغار ليس من الخلو، ولكن من شغر الكلب، إذا رفع رجله ليبول، وأنه سمي بهذا الاسم تقبيحاً له، وهو ظاهر ما في قصة معاوية ـ رضي الله عنه ـ حيث أمر بفسخ النكاح مع تسمية المهر، وقال: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم[(106)]، صحيحٌ أن المهر تام، ولكن ربما أن يضيع الإنسان أمانته بسبب أنه سيحصل على التزوج بهذه المرأة.
وقال بعض العلماء بالتفصيل، وهو أنه إذا كان المهر مهر مثلها لم ينقص، والمرأة قد رضيت بالزوج وهو كفء لها، فإن هذا صحيح، وهذا هو الصحيح عندنا، أنه إذا اجتمعت شروط ثلاثة: وهي الكفاءة، ومهر المثل، والرضا، فإن هذا لا بأس به؛ لأنه ليس هناك ظلم للزوجات، فقد أعطين المهر كاملاً، وليس هناك إكراه، بل غاية ما هنالك أن كل واحد منهما قد رغب ببنت الآخر فشرط عليه أن يزوجه، لا سيما في مثل وقتنا هذا، حيث صار الناس ـ والعياذ بالله ـ لا يمكن أن يزوجوا بناتهم ويتحجَّروهن، لكن وإن قلنا: إن هذا صحيح من حيث النظر، فإنه لا ينبغي فتح الباب للعامة؛ لأن الإنسان الذي ليس عنده خوف من الله، إذا كان يهوى أن يتزوج ببنت هذا الرجل، فهي وإن كرهت الزوج فيجبرها، فسد الباب في مثل هذا الوقت أولى، وأن يقال: متى شرط أن يزوجه الآخر فإنه يجب فسخه درءاً للمفسدة، أما من حيث المعنى ومن حيث النظر، فإن ظاهر الأدلة يقتضي أنه إذا وجد مهر العادة، والرضا، والكفاءة فلا مانع.
فَإِنْ سُمِّيَ لَهُمَا مَهْرٌ صَحَّ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنَّهُ مَتَى حَلَّلَهَا لِلأَوَّلِ طَلَّقَهَا، أَوْ نَوَاهُ بِلاَ شَرْطٍ،
قوله: «فإن سمي لهما مهر صح» أي: كلا النكاحين، واعتمدوا على قوله في الحديث: «الشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق» [(107)]، قالوا: هذا التفسير يحل الإشكال، ويدل على أنه إذا كان بينهما صداق فإن النكاح صحيح، وكذلك الاشتقاق يدل عليه فهو من شغر المكان إذا خلا، والعبرة في الألفاظ بمعانيها، فالشغار إذاً ليس فيه مهر، فإن سمي فيه مهر فليس فيه خلو، وقد سبق بيان ذلك.
وقوله: «مهرُ» نكرة في سياق الشرط، وظاهره ولو قليلاً، لكنه خلاف المذهب، فالمذهب قالوا: غير قليل بلا حيلة، فإن كان قليلاً حيلة فإنه لا يصح حتى على المذهب.
قوله: «وإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها» ، هذا ـ أيضاً ـ شرط فاسد مفسد، ويسمى نكاح التحليل، كامرأة مطلقة ثلاثاً، والرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، لقوله تعالى: {{اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}} ثم قال: {{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}} [البقرة: 230] فجاء رجل فتزوجها، لكن اشترط أهل الزوجة عليه أنه متى حللها للأول طلقها، فوافق على هذا الشرط، فهذا الشرط فاسد مفسد؛ لأنه نكاح غير مقصود، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [(108)]، والنكاح يراد به الدوام والاستمرار، وهذا لا يراد به ذلك؛ ولهذا سماه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ «بالتيس المستعار»[(109)] ، فهو كرجل استعار تيساً ليبقى عنده في غنمه ليلة، ثم ينصرف، وهو جدير بأن يسمى بهذا الاسم؛ لأنه ما أراد بهذا النكاح البقاء، ولا العشرة، ولا الأولاد، وإنما أراد جماعاً يحلها به للأول فلا يصح؛ ولأن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لعن المحلِّل والمحلَّل له[(110)]، فالمحلِّل؛ لأنه ـ والعياذ بالله ـ اتخذ آيات الله هزواً، فالنكاح يراد للبقاء وهذا لم يرده للبقاء، والمحلَّل له إن كان عالماً فملعون، أما إن كان ليس بعالم فليس بملعون، لكن إذا علم فلا يجوز أن يتزوجها؛ وذلك لأن النكاح الثاني غير صحيح، ولا بد أن يكون النكاح صحيحاً حتى تحل للأول، فهو ليس نكاحاً شرعاً فلا يؤثر ما يؤثره النكاح الصحيح، وعلى هذا فلا تحل للأول ولا للثاني، أما الثاني فلأن عقده عليها غير صحيح، وأما الأول فلأنها لم تنكح زوجاً غيره في الواقع.
وهل يسمى زنا؟ قد يكون فيه شبهة لكن ليس زناً محضاً، وقد روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما»[(111)]، فهذا الأثر يدل على أنه زنا؛ لأن الرجم لا يكون إلا للزاني.
قوله: «أو نواه بلا شرط» أي: نواه الزوج الثاني، ولهذا قال: «وإن تزوجها بشرط أو نواه» أي: نوى الزوج الثاني أنه متى حللها للأول طلقها، فإنها لا تحل للأول، والنكاح باطل، والدليل أن هذا نوى التحليل فيكون داخلاً في النهي أو في اللعن، وقد قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [(112)].
وماذا لو نوته الزوجة، فوافقت على التزوج بالثاني من أجل أن تحل للأول؟ فظاهر كلام المؤلف أنه لا أثر لنية الزوجة؛ ووجهه أنه ليس بيدها شيء، والزوج الثاني لا يطلقها؛ لأنه تزوجها نكاح رغبة، فليس على باله هذا الأمر، فإن لم تنوه هي ولكن نواه وليها فكذلك.
ولهذا قال بعض الفقهاء عبارة تعتبر قاعدة، قال: من لا فرقة بيده لا أثر لنيته، فعلى هذا تكون الزوجة ووليها لا أثر لنيتهما؛ لأنه لا فرقة بيدهما.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن نية المرأة ووليها كنية الزوج، وهو خلاف المذهب، وسلموا بأنه لا فرقة بيدهما، لكن قالوا: بإمكانهما أن يسعيا في إفساد النكاح، بأن تنكد على الزوج حتى يطلقها، أو يغروه بالدراهم، والنكاح عقد بين زوج وزوجة، فإذا كانت نية الزوج مؤثرة فلتكن نية الزوجة مؤثرة أيضاً.
فعندنا ثلاثة: الزوج، والزوجة، والولي، والذي تؤثر نيته منهم هو الزوج على المذهب، والقول الراجح أن أي نية تقع من واحد من الثلاثة فإنها تبطل العقد، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات» والولي حينما عقد لم ينوِ نكاحاً مستمراً دائماً، وكذلك الزوجة.
فإذا قال قائل: امرأة رفاعة القرظي تزوجت عبد الرحمن بن الزَّبير ـ رضي الله عنهما ـ وجاءت تشكو للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن ما معه مثل هدبة الثوب، فقال لها: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟» ، فقالت: نعم[(113)]، ألا يدل ذلك على أن نية الزوجة لا تؤثر؟ نقول: هذه الإرادة، هل هي قبل العقد، أو حدثت بعد أن رأت الزوج الثاني بهذا العيب؟ الذي يظهر أنها بعد أن رأته؛ لأن كون الرجل يتزوجها ويدخل بها، وليس عندها أي ممانعة، ثم جاءت تشتكي، فظاهر الحال أنه لولا أنها وجدت هذه العلة ما جاءت تشتكي، والله أعلم، وإن كان الحديث فيه احتمال.
فإذا كان نكاح المحلل باطلاً ولا تحل به للأول، فمتى تحل؟
تحل إذا تزوجها بنكاح صحيح، نكاح رغبة، وجامعها، ولا بد من الجماع، فبغير جماع لا تحل، فلو بقيت مع الثاني عشر سنوات ولم يجامعها لم تحل للأول، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لامرأة رفاعة القرظي: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» ، والحكمة من ذلك أن الزوج الثاني إذا جامع رغب، فإن الجماع يقتضي المودة بين الزوجين.
أوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ إِنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا، أَوْ إِذَا جَاءَ غَدٌ فَطَلِّقْهَا، أَوْ وَقَّتَهُ بِمُدَّةٍ بَطَلَ الكُلُّ.
قوله: «أو قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر، أو إن رضيت أمها، أو إذا جاء غدُ فطلقها، أو وقته بمدة بطل الكل» هذا النكاح المعلق، والمؤلف ذكر له أربع صور: الأولى: إذا جاء رأس الشهر، وهذا تعليق محض، الثانية: إذا رضيت أمها، فهذا تعليق بفعل الغير، الثالثة: تعليق الطلاق ، الرابعة: إذا وقَّته بمدة، أي: وقَّت النكاح.
الأولى: إذا قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر، فهذا تعليق محض، فهل يصح النكاح أو لا يصح؟ يقول المؤلف: إنه لا يصح؛ لأنه يشترط تنجيز العقد، فلا يصح معلقاً.
وقوله: «رأس الشهر» هل هو أوله أو آخره؟ المعروف أن رأس الشهر ورأس الحول آخره، فإذا قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر يعني آخره، فقال: قبلت، فالنكاح لا يصح؛ لأنه نكاح معلق على شرط، فإذا كان نكاحاً معلقاً على شرط ثم قبل، وقع القبول قبل الإيجاب؛ لأن الإيجاب على رأس الشهر فإذا قبل الآن لم يصح.
هذا هو المشهور من المذهب في هذه المسألة وغيرها، أن جميع العقود غير الولايات والوكالات وما جرى مجراها لا يصح تعليقها، فالبيوع لا يصح تعليقها، والإجارة لا يصح تعليقها، والصحيح أن في ذلك تفصيلاً، فإن كان مجرد تعليق، فالقول بعدم صحة العقد صحيح، أما إن كان التعليق فيه غرض مقصود فالنكاح صحيح.
ثانياً: إذا قال: زوجتك إن رضيت أمها، فقال: قبلت، فرضيت أمها، فالنكاح لا يصح بناءً على ما سبق، من أن النكاح المعلق على شرط يقع فيه القبول قبل الإيجاب.
وقال بعض أهل العلم: إنه يصح؛ لأنه وإن كان تعليقاً لكن له معنى، وهو رضا الأم، فإن رضا الأم بزواج ابنتها له شأن كبير في إصلاح ما بين الزوجة والزوج، ولذلك بعض النساء تفسد بنتها على زوجها إذا لم ترضه.
فالقول الراجح في هذه المسألة: أنه جائز أن يقول: زوجتك إذا رضيت أمها؛ لأن في ذلك غرضاً صحيحاً، ولأن مدته الغالب أنها تكون قليلة، فإذا قلنا: إنه لا يصح، ورضيت الأم فلا يلزم إلا شيء واحد فقط وهو إعادة العقد، وما أسهل إعادة العقد إذا كان يحمي الإنسان من الشبهة، ويخرج به من الخلاف، ويترتب على القول بأنه يصح أنه لو رضيت أمها ثم مات الزوج، فعليها العدة، ولها المهر والميراث، وإذا قلنا: لا يصح لم يترتب شيء.
قال في الروض[(114)]: «غير زوجت أو قبلت إن شاء الله فيصح، كقوله: زوجتكها إذا كانت بنتي، أو إن انقضت عدتها وهما يعلمان ذلك» هذا استثناء من هذه المسألة:
المسألة الأولى : إذا علقه بمشيئة الله، مثل أن يقول: زوجتك بنتي إن شاء الله، فقال: قبلت، فإن النكاح يصح، فإذا قال قائل: كيف يصح، ونحن لا نعلم مشيئة الله؟ قلنا: بل قد علمنا مشيئة الله؛ لأننا إذا فعلنا المأمور على حسب ما أمر الله به فقد علمنا أن الله قد شاء فِعْلَنا؛ فإذا قلت: زوجتك إن شاء الله، فقلت: قبلت هذا الزواج، علمنا أن الله شاءه لما وقع، وأن الله يرضاه بمقتضى الشرع، فنحن بوقوعه علمنا أنه مُشاءٌ لله، وبمعرفتنا أنه منطبق على مقتضى الشريعة علمنا رضا الله به، فبالوقوع، نعلم أنه مراد، وبموافقته للشرع نعلم أنه مرضي؛ وذلك لأن الله لا يرضى إلا ما وافق شرعه: {{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}}. [الزمر: 7] ، وقال تعالى: {{فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}} [التوبة: 96] ، فما خالف أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم فهو غير مرضي له، وقع أم لم يقع، وما وافق مشيئته وقع، سواء كان مرضياً له أم لم يكن مرضياً له.
المسألة الثانية: إذا كان ولياً لها بأن قال: زوجتك هذه إن كانت ابنتي، وهو يعلم أنها بنته، والشهود يعلمون أنها ابنته، فهذا التعليق في الحقيقة بيان للواقع فيصح النكاح؛ والسبب أن هذا هو الواقع؛ لأنه لو لم تكن ابنته ما زوجها، وهذا تعليق على وجود الشرط.
المسألة الثالثة: لو علقه على انتفاء مانع، بأن يقول: زوجتك ابنتي هذه إن كانت انقضت عدتها، والزوج يعلم أنها منقضية، والشهود يعلمون أنها منقضية، فالنكاح صحيح؛ لأن هذا بيان للواقع، ومعلوم أنه لما انقضت عدتها صح نكاحها.
فصار التعليق بوجود الشرط، أو انتفاء المانع صحيحاً إذا كان الولي، والزوج، والشهود يعلمون ذلك.
وقوله: «أو إذا جاء غد فطلقها» ، أي: بأن قال: زوجتك بنتي ليلة الثلاثاء، لكن صباح الأربعاء طَلِّقْها، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه وقَّته ولم يأتِ في الشرع أن النكاح يراد للطلاق.
وقوله: «أو وقته بمدة» هذه هي القاعدة العامة، يعني إذا وقته بمدة بطل النكاح في كل المسائل، بأن قال: زوجتك ابنتي لمدة شهر، أو شهرين، فهذا الشرط فاسد مفسد، وهو ما يسمى بنكاح المتعة، وسمي بذلك؛ لأن المراد به التمتع هذه المدة فقط.
ولو قال: زوجتك بنتي ما دمت في هذا البلد، أو ما دمت تدرس في الجامعة فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا هو المتعة، سواء قيدها بزمن معين محدد، أو بحال معينة للزوج.
فالقاعدة إذاً كل نكاح موقت بعمل، أو زمن فإنه نكاح متعة لا يجوز.
والمتعة من مسائل الخلاف بين أهل القبلة الذين ينتسبون للإسلام، فقد روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه يجوز للضرورة[(115)]، وأن الإنسان إذا اضطر لمثل هذا النكاح فلا بأس به، مثل أن يكون غريباً يخشى على نفسه من الفساد، ويريد أن يتزوج، فإن تزوج تزوجاً مطلقاً كثر عليه المهر، وإن تزوج تزوجاً مؤقتاً قل عليه المهر، فيرى ـ رضي الله عنه ـ أن هذا جائز.
ولكن هذا الرأي مرجوح؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم ثبت عنه، كما في حديث مسلم[(116)] عن سبرة بن معبد الجهني ـ رضي الله عنه ـ أنه خطب، وقال عن المتعة: «إنها حرام إلى يوم القيامة» فصرح النبي صلّى الله عليه وسلّم بحرمتها، وصرح بقوله: «إلى يوم القيامة» ، وهذا خبرٌ، والخبر لا يدخله النسخ، ثم هو خبرٌ مقيد بأمد تنتهي به الدنيا، فما دام الرسول صلّى الله عليه وسلّم حرمه إلى يوم القيامة، فمعنى ذلك أنه لا يمكن أن ينسخ هذا الحكم أبداً، فلو أن أحداً قال: إنها حرام، وهذا خبر صحيح لكن بمعنى الحكم، والخبر الذي بمعنى الحكم يدخله النسخ، قلنا: لكن هذا ما يمكن دخول النسخ فيه؛ والسبب أنه قال: «إلى يوم القيامة».
وقال بعض أهل العلم: إن المتعة أحلت ثم حرمت ثم أحلت ثم حرمت، والصحيح أنه لم يكن ذلك فيها، وإنما أحلت ثم حرمت.
وخالف في ذلك من أهل البدع الروافض، فإنهم يجيزون نكاح المتعة، ويستدلون بقوله تعالى: {{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}} [النساء: 24] وكأنهم لم يلتفتوا إلى الأحاديث الواردة في هذا، مع أن الآية لا تدل على ما ذهبوا إليه؛ لأن الله يقول: {{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}}، فهذا مُفرع على ما سبق أن الإنسان يبتغي بماله حال كونه محصناً غير مسافح، ومعلوم أن نكاح المتعة يشبه السفاح، كأنه إجارة على الوطء والاستمتاع مدة معينة، ولكن معنى الآية أنكم إذا استمتعتم بهن فإن الأموال التي أعطيتموهن حق لهن، وأن المهر يثبت بالاستمتاع بالزوجة وإن لم يطأ، فالصواب في هذه المسألة أن نكاح المتعة محرم وباطل.
بقي أن يقال: لو نوى المتعة بدون شرط، يعني نوى الزوج في قلبه أنه متزوج من هذه المرأة لمدة شهر ما دام في هذا البلد فقط، فهل نقول: إن هذا حكمه حكم المتعة أو لا؟ في هذا خلاف، فمن العلماء من قال: إنه حرام وهو المذهب لأنه في حكم نكاح المتعة؛ لأنه نواه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [(117)]، وهذا الرجل قد دخل على نكاح متعة مؤقت، فكما أنه إذا نوى التحليل وإن لم يشترطه صار حكمه حكم المشترط، فكذلك إذا نوى المتعة وإن لم يشترطها فحكمه كمن نكح نكاح متعة، وهذا القول قول قوي.
وقال آخرون: إنه ليس بنكاح متعة؛ لأنه لا ينطبق عليه تعريف نكاح المتعة، فنكاح المتعة أن ينكحها نكاحاً مؤقتاً إلى أجل، ومقتضى هذا النكاح المؤجل أنه إذا انتهى الأجل انفسخ النكاح، ولا خيار للزوج ولا للزوجة فيه؛ لأن النكاح مؤقت يعني بعد انتهاء المدة بلحظة لا تحل له هذه المرأة، وهو ـ أيضاً ـ ليس فيه رجعة؛ لأنه ليس طلاقاً بل هو انفساخ نكاح وإبانة للمرأة، والناوي هل يُلزِم نفسه بذلك إذا انتهى الأجل؟
الجواب: لا؛ لأنه قد ينوي الإنسان أنه لا يريد أن يتزوجها إلا ما دام في هذا البلد، ثم إنه إذا تزوجها ودخل عليها رغب فيها ولم يطلقها، فحينئذٍ لا ينفسخ النكاح بمقتضى العقد، ولا بمقتضى الشرط؛ لأنه ما شرط ولا شُرط عليه، فيكون النكاح صحيحاً وليس من نكاح المتعة.
وشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ اختلف كلامه في هذه المسألة، فمرة قال بجوازه، ومرة قال بمنعه، والذي يظهر لي أنه ليس من نكاح المتعة، لكنه محرم من جهة أخرى، وهي خيانة الزوجة ووليها، فإن هذا خيانة؛ لأن الزوجة ووليها لو علما بذلك ما رضيا ولا زوجاه، ولو شرطه عليهم صار نكاح متعة، فنقول: إنه محرم لا من أجل أن العقد اعتراه خلل يعود إليه، ولكن من أجل أنه من باب الخيانة والخدعة.
فإذا قال قائل: إذا هم زوَّجوه، فهل يلزمونه بأن تبقى الزوجة في ذمته؟ فمن الممكن أن يتزوج اليوم ويطلق غداً؟
قلنا: نعم، هذا صحيح أن الأمر بيده إن شاء طلق وإن شاء أبقى، لكن هنا فرق بين إنسان تزوج نكاح رغبة، ثم لما دخل على زوجته ما رغب فيها، وبين إنسان ما تزوج من الأصل إلا نكاح متعة بنيته، وليس قصده إلا أن يتمتع هذه الأيام ثم يطلقها.
فلو قال قائل: إن قولكم إنه خيانة للمرأة ووليها غير سديد؛ وذلك لأن للرجل عموماً أن يطلق متى شاء، فالمرأة والولي داخلان على مغامرة ومخاطرة، سواء في هذه الصورة أو غيرها؛ لأنهما لا يدريان متى يقول: ما أريدها.
قلنا: هذا صحيح لكنهما يعتقدان ـ وهو أيضاً يعتقد ـ أنه إذا كان نكاح رغبة أن هذا النكاح أبدي، وإذا طرأ طارئ لم يكن يخطر على البال، فهو خلاف الأصل، ولهذا فإن الرجل المعروف بكثرة الطلاق لا ينساق الناس إلى تزويجه، ولو فرضنا أن الرجل تزوج على هذه النية، فعلى قول من يقول: إنه من نكاح المتعة ـ وهو المذهب ـ فالنكاح باطل، وعلى القول الثاني ـ الذي نختاره ـ أن النكاح صحيح، لكنه آثم بذلك من أجل الغش، مثل ما لو باع الإنسان سلعة بيعاً صحيحاً بالشروط المعتبرة شرعاً، لكنه غاشٌ فيها، فالبيع صحيح والغش محرم، لكننا لا نشجع على هذا الشيء؛ لأنه حرام في الأصل، ثم إن بعض الناس بدأ ـ والعياذ بالله ـ يستغل هذا القول بزنا صريح، فبعض الناس الذين لا يخافون الله، ولا يتقونه يذهبون إلى الخارج؛ لأجل أن يتزوجوا، ليس لغرض، يعني ليس غريباً في البلد يطلب الرزق، أو يطلب العلم، وخاف من الفتنة فتزوج، بل يذهب ليتزوج، ويقول: النكاح بنية الطلاق جائز، وقد سمعنا هذا من بعض الناس، يذهبون إلى بلاد معينة معروفة ـ والعياذ بالله ـ بالفجور ليتزوج، وبعضهم يتزوج أكثر من عشر نساء في مدة عشرين يوماً، فلذلك يجب أن نقول: إن هذا حرام ممنوع، وحتى لو كان من الوجهة النظرية مباحاً، فهو من الوجهة التربوية يجب أن يكون ممنوعاً؛ لأنه صار وسيلة للفسوق والفجور نسأل الله العافية، والشيء المباح إذا تضمن وقوعاً في حرام، أو تركاً لواجب صار حراماً، ولذلك لو سافر الإنسان في رمضان من أجل أن يفطر حرم عليه السفر والفطر، ولو أكل البصل من أجل أن يترك المسجد حرم عليه أكل البصل، فالمباح لا يعني أنه مباح في كل حال، ولذلك أقول ـ وإن كنت أعتقد أن النكاح من حيث العقد ليس بباطل، لكن نظراً إلى أنه اتخذ وسيلة للزنى، الذي لم يقل أحد من العلماء بجوازه ـ أقول: يجب أن يمنع، وأن لا ينشر هذا القول بين الناس.
وقوله: «أو وقته بمدة» فلو وقته بمدة هي مقتضى العقد، بأن قال: زوجتك بنتي إلى أن تموت أنت أو هي، فإنه يصح؛ لأن هذا مقتضى عقد النكاح، فمتى مات الزوج أو الزوجة حصل الفراق.
مسألة: إذا اشتُرِطَ أن الطلاق بيد المرأة، فهل هذا جائز؟ قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» [(118)]، فهل يمكن أن نجعل عقدة النكاح الذي هو من أشرف العقود، وأعظمها خطراً بيد امرأة ناقصة؟! فإذا خرجت إلى السوق، ووجدت هذا الشاب الجميل المملوء شباباً، قالت لزوجها: أنت طالق بالثلاث!! فلا يجوز هذا أبداً، لكن يجوز شرط الخيار لغرض مقصود، مثل أن تقول: إن طاب لي المسكن فالنكاح باقٍ، وإلا فلي الخيار، فإن تبين أن المسكن غير طيب، إما لسوء العشرة مع والدي الزوج، أو مع إخوانه، أو أن الزوج رجل شحيح، فلها الخيار، أما مجرد أن لي أن أطلقك، فهذا لا ينبغي، لأن الطلاق لمن أخذ بالساق، فالطلاق بيد الرجال؟
فَصْلٌ
وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لاَ مَهْرَ لَهَا، أَوْ لاَ نَفَقَةَ، ............
قوله: «وإن شرط أن لا مهر لها» إذا شرط الزوج أن لا مهر لها عليه، فعلى المذهب يصح النكاح دون الشرط، فشرط عدم المهر فاسد غير مفسد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: إن شرط عدم المهر فاسد مفسد؛ لأن الله يقول: {{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}} [النساء: 24] ، فقيد النكاح بابتغاء المال، يعني أن تطلبوا النكاح بأموالكم التي تبذلونها، ولأن الله ـ تعالى ـ ذكر فيما أحل لنبيه صلّى الله عليه وسلّم أن تهب المرأة نفسها له فقال: {{}} [الأحزاب: 50] ، ولو قلنا بصحة النكاح مع شرط انتفاء المهر لكان هبة، والعبرة بالمعاني لا بالألفاظ، والهبة لا تصح إلا للرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يزوج الرجل الذي طلب منه أن يزوجه الواهبة نفسها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا بمهر، حتى انتهى إلى أن يكون مهرها أن يعلمها ما معه من القرآن[(119)]، ولأن علة تحريم الشغار أنه لا مهر بينهما، ولذلك لو رضيت الزوجتان وصار كلا الزوجين كفئاً للأخرى، ولكن شرطوا أن لا مهر ما صح النكاح، فما دام أنه لا يصح الشغار لعدم المهر، فلا فرق، وما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ هو الصحيح.
أما المذهب فيرون أن الشرط ليس بصحيح، وأما النكاح فصحيح، وحينئذ يجب لها مهر المثل؛ لأنه لا بد لها من مهر بخلاف البيع، فالبيع لا يصح إلا بثمن المثل، أما النكاح فهو أوسع.
ولو خدعوا هذا الزوج وقالوا: لعلك تعطينا مائة ريال مهراً، قال: لا، ولا عشرة ريالات، فقالوا: لا مانع، فتزوج، فنقول: يجب عليك مهر المثل، خمسون ألفاً، وهو بالأول رافض المائة ريال، فيلزم هذا الزوج المسكين خمسون ألفاً، وعلى رأي شيخ الإسلام العقد غير صحيح، ولا تحل له المرأة، وهذا أهون عليه ما لم يكن قد جامعها، فإن كان قد جامعها فعليه مهر المثل، ويفرق بينهما.
ولهذا في مثل هذه المسائل ينبغي أن يكون الإنسان فقيهاً، فالزوج مثلاً إذا طلق زوجته أول طلقة فله المراجعة، لكن لو أعطته زوجته ريالاً واحداً فليس له المراجعة.
قوله: «أو لا نفقة» أي: اشترط الزوج أن لا ينفق عليها، ومعلوم أنه يجب على الزوج أن ينفق على زوجته إذا عقد عليها وتسلمها، فإذا اشترط ذلك فقبلت، فالنكاح صحيح؛ لأن هذا لا يعود إلى نفس العقد، ولكن الشرط غير صحيح؛ لأنه يخالف مقتضى العقد، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»[(120)]، ذكر هذا في خطبة حجة الوداع، فإذا أسقط النفقة كان مخالفاً للحديث، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط»[(121)] .
وأما التعليل فهو أن هذه المرأة أسقطت حقها قبل ثبوته؛ لأن النفقة تثبت بعد العقد، وهذه أسقطتها قبل ثبوتها فلا يصح.
فإذا شرط أن لا نفقة وتم العقد، ثم طالبته بالنفقة، فقال: إنه شارط أن لا نفقة عليه، فإنه يُلزم بالنفقة.
ولو أنه بعد العقد رأت الزوجة أن زوجها سوف يطلقها، وخافت أن يطلقها، فقالت له: أبقى عندك بلا نفقة، فوافق، فإن هذا يجوز؛ لأنه إسقاط للحق بعد ثبوته، لكنهم قالوا ـ رحمهم الله ـ: لو عادت فطالبت وجبت لها النفقة؛ لأن المستقبل لها الحق أن تطالب به، فالنفقة تتجدد كل يوم بيومه، وهذا صحيح إلا إذا وقع ذلك على وجه المصالحة، بأن خيف الشقاق بين الزوجين ثم تصالحا على أن لا نفقة، فهنا لا تلزمه النفقة؛ لأن هذا فائدة المصالحة، فلو قلنا: إذا تصالحا على عدم النفقة لها أن تطالب بالنفقة بعد ذلك، أصبح الصلح لغواً لا فائدة منه.
الخلاصة :
أولاً: إذا شرط الزوج أن لا نفقة قبل العقد، ثم عقد على هذا الشرط، فالعقد صحيح والشرط باطل.
ثانياً: إذا أسقطت المرأة نفقتها بعد العقد، فالإسقاط صحيح، لكن لها أن تطالب بها في المستقبل.
ثالثاً: إذا جرى ذلك بينهما صلحاً، بأن خيف الشقاق بينهما، وتصالحا على أن لا نفقة، فهنا ليس لها أن تطالب بالنفقة؛ لأنه جرى الصلح عليها؛ لأن فائدة الصلح أن يُمضى ويثبت، وإذا لم يمضِ ولم يثبت فلا فائدة في الصلح.
أَوْ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ ضَرَّتِهَا أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ شَرَطَ فِيهِ خِيَارَاً، أَوْ إِنْ جَاءَ بِالمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلاَّ فَلاَ نِكَاحَ بَيْنَهُمَا،.........
قوله: «أو أن يقسم لها أقل من ضرتها» أي: رجل تزوج امرأة على امرأة سابقة وهي الضرة، وسميت ضرة لكثرة المضارة بينها وبين الزوجة الأخرى في الغالب، فإذا شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها، فالمذهب لا يصح، والصحيح أنه يصح، فإذا قال: أنا عندي زوجة سأعطيها يومين وأنت يوماً، فرضيت بذلك فلا مانع، فهذه سودة بنت زمعة ـ رضي الله عنها ـ وهبت يومها لعائشة ـ رضي الله عنها ـ فأقرها النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ[(122)].
فإن شرطت هي أن يقسم لها أقل من ضرتها، يعني قالت: اقسم لي يوماً ولضرتي يومين، فهل هذا الشرط يقع من المرأة؟ نعم يمكن أن تكون هذه المرأة مدرِّسة أو ذات عمل، وتقول: لا أريد أن تأتيني يوماً وراء يوم، ائتني يوماً وللزوجة الأخرى يومين، أو تقول: لي يوم، ولها ستة أيام، أو يوم الخميس والجمعة مثلاً، والباقي للأولى، فالنكاح صحيح والشرط باطل على كلام المؤلف، قالوا: لأن في ذلك إسقاطاً لحق الزوج، والجواب: أنه يقال: نعم هو إسقاط لحق الزوج، لكن برضاه واختياره، ولهذا كان الصواب أنه إذا اشترطت أن يقسم لها أقل من ضرتها ورضي بذلك، فالشرط صحيح.
قوله: «أو أكثر» أي: شرطت أن يقسم لها أكثر من ضرتها، فالشرط لا يصح لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل»[(123)] ؛ ولأنه يتضمن ظلماً على الضرة، فالضرة تقول: لا بد أن تساويني بها؛ لأنه بذلك يكون مسقطاً لحق الزوجة القديمة، وهو لا يملك إسقاط حقها، فإذا رضيت القديمة فلا حرج.
قوله: «أو شرط فيه خياراً» أي: شرط الزوج في النكاح خياراً، وشرط الخيار ينقسم إلى قسمين: أن يكون من الزوجة على الزوج، وأن يكون من الزوج على الزوجة.
فإذا كان من الزوجة على الزوج كامرأة خطبها إنسان، فقالت: لي الخيار لمدة شهر، فالشرط فاسد على المذهب؛ لأن النكاح يقع لازماً، فيكون شرط الخيار فيه منافياً للعقد فلا يصح.
والصحيح أنه يصح إذا شرطت الخيار لها؛ لأن لها في هذا غرضاً مقصوداً، فقد يكون هذا الرجل مشهوراً بسوء الخلق، أو أهله مشهورين بسوء الخلق، فتقول: لي الخيار إن جاز لي المقعد، وإلا فلي الفسخ، فإذا رضي بذلك، فالصحيح أنه لا مانع، وكونه يقع لازماً، نقول: حتى البيع يقع لازماً، وإذا شرط فيه الخيار جاز، فكذلك النكاح.
وإذا شرط هو الخيار فالمذهب أنه لا يصح؛ لأن الزوج يستغني عن شرط الخيار بملك الطلاق، فالزوج له أن يفسخ إذا شاء طلق، وانتهى الموضوع وزال الإشكال، وعلى هذا فلا يصح شرط الخيار للزوج اكتفاء بملكه الطلاق، ويمكن أن يقال: إن له الخيار إذا تبين أنه مغرور بها، ويرجع بالمهر على من غره، ولكن يقال: هذه مسألة ثانية، هذه المسألة الأخيرة فيما إذا شرطها على صفةٍ فبانت دونها، أما الخيار الذي نحن بصدده فهو الخيار المطلق، الذي ليس سببه فوات صفة مطلوبة، أو وجود صفة غير مرغوبة، وقد يقال ـ أيضاً ـ بأن هذا الخيار للزوج ربما يستفيد منه فيما إذا طلق قبل الدخول، فإنه يكون عليه نصف المهر، فإذا شرط الخيار وطلق قبل الدخول، أو اختار الفسخ ـ مثلاً ـ فإنه في هذه الحال ليس عليه شيء من المهر، فهو يستفيد من شرط الخيار إذا اختار قبل الدخول، أما بعد الدخول فإن لها المهر بما استحل من فرجها، فلا يستفيد شيئاً، نعم يستفيد بأنه إذا فسخ لا يحسب عليه من الطلاق، وحينئذٍ نرجع بعد هذه المناقشات إلى تصحيح الخيار للزوج وللزوجة، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وقال: إنه يصح شرط الخيار له ولها أيضاً.
قوله: «أو إن جاء المهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما» يعني قال: أنا سأتزوجها على ألف ريال، على أني إن جئت بالألف على رأس سنة ألف وأربعمائة وخمسة، وإلا فلا نكاح، نقول: هذا الشرط لا يصح؛ وعللوا ذلك بأنه يشبه الخيار، ولا خيار في النكاح، مع أنهم قالوا في البيع: يجوز أن يقول: إن جئتك بالثمن في وقت كذا، وإلا فلا بيع بيننا؛ لأنه تعليق فسخ، وهنا يقولون: إنه لا يصح، وقد قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» [(124)].
والصواب أنه يجوز، وأنه إذا مضت المدة انفسخ النكاح، ولكن هل يثبت المهر؟ نعم، إذا حصل الدخول، فإذا وجدت مقرِّرات المهر استقر المهر، وإن قالوا: لا يمكن أن تدخل إلا أن تسلم المهر، فلهم ذلك.
قال في الروض[(125)]: «أو شرطت أن يسافر بها»، يقولون: إنه لا يصح، وهذا ـ أيضاً ـ ليس بصحيح، فإنها لو شرطت أن يسافر بها، كما لو شرطت الزيادة في المهر والنفقة، فإذا قالت: بشرط أن تسافر بي إلى مكة للحج، ما المانع من هذا الشرط؟! أو بشرط أن تسافر بي إلى الرياض لأزور خالتي، أو عمتي، أو عمي، أو ما أشبه ذلك، فالصواب أن يصح، نعم لو قالت: بشرط أن تسافر بي إلى بلاد لا يجوز السفر إليها، فالشرط هنا فاسد، كذلك يقول في الروض: «أو أن تستدعيه للوطء عند إرادتها»، فهذا الشرط لا يصح.
كذلك إذا شرطت أن لا تسلم نفسها لمدة سنة، يقولون: النكاح صحيح والشرط فاسد، والصحيح أنه يصح، وعليه عمل الناس الآن، فأحياناً يتزوجها ويشترطون أن لا يدخل عليها، إلا بعد سنتين، أو ثلاثة، أو خمسة، فعائشة ـ رضي الله عنها ـ تزوجها ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولها ست، ودخل بها وهي بنت تسع[(126)]، فإذا لم يمنع الشرع هذا فلا مانع من اشتراطه، ولو كان حراماً ما فعله النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وإذا لم يكن حراماً صار حلالاً، وإذ صار حلالاً، صار اشتراطه جائزاً.
بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ النِّكَاحُ، وَإِنْ شَرَطَهَا مُسْلِمَةً فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً،........
قوله: «بطل الشرط» والعلة منافاته لمقتضى العقد، وهذا التعليل في الحقيقة يجب أن ننظر فيه، فعندنا ثلاث كلمات: منافاته مطلق العقد، منافاته مقتضى العقد، منافاته للعقد.
المنافاة لمطلق العقد هي جميع الشروط غير المشروطة شرعاً، إذ إن مطلق العقد أن لا يوجد شرط.
أما المنافاة لمقتضى العقد، فينظر إن أريد مقتضى العقد المطلق فهو الأول؛ لأن كل الشروط منافية لمقتضى العقد المطلق، وإن أريد منافية لمقتضى العقد الذي لم يشرط فيه هذا الشيء، فكذلك، ولهذا فهذا التعليل فيه نظر؛ لأننا يمكننا أن نقول: جميع الشروط الصحيحة والفاسدة منافية لمقتضى العقد، لكن ما هو التعليل الصحيح؟
التعليل الصحيح أن يقال: لمنافاته للعقد، أي: المنافي لما جاء به الشرع، مثل اشتراط البائع أن يكون الولاء له إذا أعتقه المشتري، فهذا منافٍ للعقد، فالصواب في هذا أن يقال: الشرط الفاسد؛ هو الشرط المنافي لمقتضى الشرع.
قوله: «وصح النكاح» لأنه لا يوجد ما ينافي العقد؛ لأن عندهم الذي ينافي العقد من أصله يبطل العقد، والذي ينافي مقتضاه يبطل الشرط ويصح العقد، والذي ينافي مطلق العقد، فهذا قد يكون صحيحاً، وقد يكون فاسداً.
قوله: «وإن شرطها مسلمة» الضمير يعود على الزوج، أي: أنه شرط أنها مسلمة.
قوله: «فبانت كتابية» فله الفسخ، إذاً هذا شرط صحيح، والمؤلف ـ رحمه الله ـ ما رتبها كما ينبغي.
وعلم من كلامه أنه إذا لم يشترط أنها مسلمة فبانت كتابية فلا فسخ له، كإنسان تزوج امرأة وهو يعتقد أنها مسلمة، ولما دخل عليها وإذا هي نصرانية، أو يهودية فليس له الفسخ؛ لأنه ما شرط أنها مسلمة، لكن لاحظ أن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، فإذا كنت في بلد أهله مسلمون، وعند الزواج قال: زوجتك بنتي فلانة، فقلت: بشرط أنها مسلمة، لقال الولي: تتهم بناتي بأنهن كافرات؟! فإذا كان في بيئة أهلها مسلمون فلا يحتاج أن يشترط أنها مسلمة؛ لأنه معروف أنها مسلمة، فلو تبين أنها غير مسلمة فله الفسخ، ولا إشكال.
وإذا تبين أنها كافرة غير كتابية، فالنكاح من أصله فاسد، كأن يتبين أنها لا تصلي، وهذا ربما يقع، فالنكاح فاسد من الأصل، ولا يجب به مهر، سواء علم قبل الدخول أو بعده، لكن إن كان بعد الدخول تعطى المهر لوطئه، ويرجع على من غرَّه.
أَوْ شَرَطَهَا بِكْراً، أَوْ جَمِيلَةً، أَوْ نَسِيبَةً، أَوْ نَفْيَ عَيْبٍ لاَ يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ فَبَانَتْ بِخِلاَفِهِ فَلَهُ الفَسْخُ،.........
قوله: «أو شرطها بكراً» أي فبانت ثيباً فله الفسخ، ويرجع على من غره.
وعلم من كلامه أنه إذا لم يشترط أنها بكر فلا فسخ له، حتى ولو علم أنها لم تتزوج من قبل؛ لأنه ربما ما تزوجت لكن زالت بكارتها، إما بزناً إكراهاً، والعياذ بالله، أو بعبثها هي في بكارتها حتى زالت، أو بسقوطها على شيء، المهم أنها قد تزول البكارة وإن لم تتزوج، وعلى هذا فإذا تبين أنها غير بكر فلا خيار له؛ لأنه لم يشترط، ولو ظن أنها بكر ظناً فقط، فليس له الخيار، ولكن إذا لم تتزوج فالأصل البكارة، ولو قيل: بأن هذا شرط عرفي لكان له وجه، وإذا أردت أن تعرف أن هذا القول فيه ضعف، فتصور لو أن أحداً قال: زوجتك بنتي، ومعروف أنها ما تزوجت، وقال: بشرط أنها بكر، فماذا تكون حال الولي؟ قد يرفض الزوج نهائياً؛ لأنه سيقول: اتهم بنتي بالفساد، ولهذا فالصحيح في هذه المسألة أن من لم يُعلم أنها تزوجت، فإن اشتراط كونها بكراً معلوم بالعرف، ولو شُرِط لعدَّه الناس سفهاً.
قوله: «أو جميلة» أي: شرطها جميلة، ولما دخل عليها فإذا هي ليست بجميلة، فله الفسخ، فإن لم يشترطها جميلة فليس له الفسخ.
فالمرأة لا تخلو من ثلاث حالات: جميلة، قبيحة فيها عيوب، متوسطة لا هي من ذات الجمال، ولا هي من المعيبات، فأما كونه يقول: أنا ما تزوجتها إلا على أنها من أجمل النساء، فهذا ليس صحيحاً، إنما إن وجد فيها عيوباً فقد نقول: إن الأصل السلامة من العيوب، فما الميزان لكونها جميلة أو غير جميلة؟ لأنه قد يكون جميلاً عند شخص ما ليس جميلاً عند آخر، وكل طفلة عند أمها غزالة، فيقال: إذا تنازع الزوج والزوجة وأهلها ـ وهذا قد يكون غير وارد ـ، لكن لو تنازعوا، فإنه يرجع إلى نساء متزنات، ومن ثم نعرف أهمية رؤية الخاطب لمخطوبته، ولذلك جاء الأمر بها من الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ[(127)]؛ لأنه إذا رآها لم يبقَ له حجة، ودخل على بصيرة، فإذا لم يشترط أنها جميلة، ثم تبين أنها قبيحة فليس له الخيار ما دام لم يشترط؛ لأن الجمال أمر زائد على الأصل.
قوله: «أو نسيبة» أي: شرطها نسيبة يعني ذات نسب، وهي التي نسميها نحن القبيلية، فتبين أنها ليست قبيلية، وهؤلاء الناس الذين تزوج منهم اسمهم قبيلي، وكثيراً ما تشترك الأسماء يكون ناس قبيليون وناس غير قبيليين، واسمهم واحد، فهو تزوجها على أنها من القبيليين واشترط ذلك، فتبين أنها ليست كذلك فله الفسخ.
قوله: «أو نفي عيبٍ لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه فله الفسخ» يعني شرط نفي عيب لا ينفسخ به النكاح؛ لأن العيوب قسمان: قسم إذا وجد في المرأة فللزوج الفسخ، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في آخر الباب، وقسم إذا وجد في المرأة فإنه لا يملك الفسخ، إلا بشرط نفي العيب، فالذي لا ينفسخ به النكاح العمى، والصمم، والبكم، والخرس، والقبح، وسقوط الأسنان، وقطع الأذنين، والزمانة، فلما دخل عليها وإذا هي عجوز فيها كل العيوب التي لا ينفسخ بها النكاح، نقول له: لا خيار لك إلا إن كانت شارطاً عند العقد انتفاء هذه العيوب، وعلى هذا فلا يسلم من هذا البلاء إلا من شرط عند العقد أنها سميعة، بصيرة، غير مشوهة، ولا ساقطة أسنانها، ولا زمناء، ولا مقطوعة الأذن، المهم أنه على المذهب إذا أراد أن يسلم من هذه الأشياء يشترط انتفاءها، فإن لم يشترط الانتفاء فإنه لا خيار له، لكن هذا كما هو معلوم قول ضعيف، والصحيح أن له الخيار.
وقوله: «أو شرطها بكراً... إلخ» ظاهره أن هذا الشرط للزوج، وأن المرأة لو شرطت ذلك على الزوج فلا عبرة به، فلو شرطته بكراً فبان غير بكر فلا يضر، لكن إن شرطته شاباً فبان شيخاً فلها ذلك، وهذا هو الصحيح، والمذهب لا، وإذا شرطته جميلاً فبان قبيحاً فلا خيار لها على المذهب؛ وذلك لأن الجمال إنما يراد في المرأة، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين» [(128)]، وقال في الرجل: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» [(129)]، ولم يذكر الجمال، فإذا شرطت أن الزوج جميل، ولما دخل عليها فإذا هو لا تحب أن تنظر إليه، فعلى المذهب ليس لها الخيار، سبحان الله! يقول المتنبي قولاً صحيحاً:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بد
ومع أنهم يقولون: إذا اشترطت زيادة ريال واحد في المهر ولم يفِ به فلها الفسخ، فلو كان مهرها ألف ريال، وقالت: لا بد أن تعطيني ألفاً وريالاً، ولم يعطها إلا ألفاً فلها الفسخ لفوات الريال، فكيف إذا اشترطت أن يكون جميلاً، وتبين أنه من أقبح عباد الله؟! فلا شك أن هذا أشد على المرأة.
ولهذا فالقول المتعين الراجح أنها إذا اشترطت في الزوج صفة مقصودة من جمال، أو طول، أو سمن، أو ما أشبه ذلك، فإنه إذا تبين بخلافه فلها الفسخ، وسبحان الله! إذا شرطها جميلة فبانت قبيحة فله الفسخ، وإذا شرطت أن يكون جميلاً فبان قبيحاً فلا فسخ، فأين العدل؟!
ولذلك فالصواب المقطوع به أنها إذا شرطت صفة مقصودة في الزوج فتبين بخلافها فلها الفسخ، ولا فرق، بل لو نقول: إنها أحق من الزوج بالفسخ؛ لأن الزوج يستطيع أن يتخلص بالطلاق، لكن الزوجة ليس بيدها طلاق لكان أولى.
وإن شرطته مسلماً فبان كتابياً يبطل النكاح أصلاً؛ لأن الكافر ولو كتابياً لا يحل له أن يتزوج المسلمة، وإذا شرطها تلد فبانت عقيمة فله الخيار على المذهب، وبالعكس فلها الخيار ـ أيضاً ـ على المذهب.
وَإِنْ عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَلاَ خِيَارَ لَهَا، بَلْ تَحْتَ عَبْدٍ.
قوله: «وإن عتقت تحت حر فلا خيار لها، بل تحت عبدٍ» أي: حرٌ تزوج أمة بالشروط السابقة وهي ثلاثة، ثم إن سيدها أعتقها فلا خيار لها؛ لأنها وإن عتقت لم ترتفع على زوجها؛ إذ إنها حرة وزوجها حر، فالنقص الذي كان فيها زال، لكنه لم يرتقِ بها لدرجة أكثر من درجة الزوج، فليس لها خيار، هذا هو المشهور من المذهب، وعليه أكثر العلماء.
وإن عتقت تحت عبد فإن لها الخيار؛ لأنها صارت أعلى منه، والدليل حديث بريرة ـ رضي الله عنها ـ حين عتقت فخيرها النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أن تبقى مع زوجها أو تفسخ النكاح، فاختارت الفراق، فكان زوجها يلاحقها في أسواق المدينة؛ لأنه كان يحبها حباً شديداً، وهي تبغضه بغضاً شديداً، فيلاحقها، يبكي، يريد أن لا تفارقه، وهي لا تعبأ به، حتى إن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ شفع فيه إليها، فقالت: يا رسول الله إن كنت تأمرني فسمعاً وطاعة، وإن كنت تشير علي فلا حاجة لي فيه[(130)]، وهذا دليل على أنه إذا عتقت تحت عبد فلها الخيار، وقد اختلف الرواة في مغيث، هل هو حر، أو عبد[(131)]؟ وأكثر الرواة على أنه عبد وهو المحفوظ، وفي بعض الروايات أنه كان حراً لكن فيها بعض الإشكال، وعلى هذا فلها الخيار.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أن لها الخيار مطلقاً إذا عتقت، وجعل الموجب للخيار العتق، لا أنها ساوت الزوج؛ وذلك لأنها حين كانت أمة كانت مغلوبة على أمرها، وهو الراجح؛ والعلة أنها قبل العتق نفسها لسيدها، فهو الذي يزوجها، أما إذا عتقت فإنها تحررت، فتملك كل ما كان لسيدها من السيطرة من قبل.
وقد يقال: إن كان سيدها قد أكرهها على الزواج خيرناها، وإن كانت لم تكره ورضيت به فلا خيار لها؛ لأنها قد رضيت هي بنفسها، وهذا قول مركب من القولين، وهو مما يسلكه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أحياناً، فمثلاً اختار وجوب الوتر على من يقوم الليل، والمعروف أن بعض العلماء يقول: الوتر واجب، وبعضهم يقول: غير واجب، قال فيه لما اختار هذا القول: وهو بعض قول من يوجبه مطلقاً، فنحن هنا إذا قلنا بهذا التفصيل، وهي أنها إن كانت متزوجة برغبتها ورضاها فلا خيار لها، وإلا فلها الخيار؛ لأنها في الحقيقة زُوجت مغلوبة على أمرها، والآن تحررت، فلو قلنا بذلك لكنا قد سلكنا مسلك شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ.
فَصْلٌ
وَمَنْ وَجَدَتْ زَوْجَهَا مَجْبُوباً، أَوْ بَقِيَ لَهُ مَا لاَ يَطَأُ بِهِ فَلَهَا الفَسْخُ، وَإِنْ ثَبَتَتْ عُنَّتُهُ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَلَى إِقْرَارِهِ أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تُحَاكِمُهُ، فَإِنْ وَطِئَ فِيهَا وَإِلاَّ فَلَهَا الفَسْخُ،.......
هذا الفصل في العيوب في النكاح، واعلم أن ما يفوت به غرض الزوج، أو الزوجة، ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: فوات صفة كمال.
الثاني: وجود صفة نقص.
فمثلاً كونها حسنة الخلق، وكون الزوج حسن الخلق، كريماً، سمحاً، وما أشبه ذلك، فهذا فوات صفة كمال، ويفوت به غرض المرأة، وسعادة النكاح، فما كان لفوات صفة كمال فلا خيار فيه ما لم تشترط تلك الصفة، وما كان صفة عيبٍ ففيه الخيار، لكن ما هو العيب الذي فيه الخيار؟ هل هو مخصوص بأشياء معدودة، أو هو مضبوط بضابط محدود؟ المشهور من المذهب أنه محدود بأشياء معدودة، وما سواها ـ ولو كان أولى منها بالنفور ـ فليس بعيب.
والصحيح أنه مضبوط بضابط محدود، وهو ما يعده الناس عيباً، يفوت به الاستمتاع أو كماله، يعني ما كان مطلق العقد يقتضي عدمه، فإن هذا هو العيب في الواقع، فالعيوب في النكاح كالعيوب في البيوع سواء؛ لأن كلا منها صفة نقص تخالف مطلق العقد.
والعيوب التي يثبت بها الفسخ على المذهب تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: يختص بالرجل.
الثاني: يختص بالمرأة.
الثالث: مشترك.
فالذي يختص بالرجل، ذكره المؤلف بقوله:
«ومن وجدت زوجها مجبوباً» أي: مقطوع الذكر، ولم يقل: إن ثبت جَبُّه ؛ لأن الجَبَّ يعلم من جهتها، فإذا قالت: إن زوجها مجبوب، فهذا عيب؛ لأنه يفوت الغرض، فمن أكبر أغراض النساء الولادة، والاستمتاع، والتلذذ بالجماع، وهذا مقطوع ذكره.
قوله: «أو بقي له ما لا يطأ به فلها الفسخ» ، أي: ما بقي له من ذكره جزء صغير، لا يتمكن من الوطء به، فهذا وجوده كالعدم.
وعلم من كلامه أنه إذا بقي ما يمكن الوطء به فليس بعيب، مع العلم بأنه يفوت كمال الاستمتاع، فإذا بقي له ـ مثلاً ـ مقدار الحشفة، أو ما أشبه ذلك مما يمكن أن يطأ به، لكنه لا يحصل به الاستمتاع، فليس بعيب.
قوله: «وإن ثبتت عُنَّتُه بإقراره» العُنة من العِنان وهو ما تقاد به الناقة، وهو أن يحبس عن الجماع، ومناسبتها للاشتقاق ظاهرة، فإن الزمام يحبس الناقة، فكذلك العنة تحبس الإنسان من الجماع، بمعنى أنه ما يتمكن من جماع زوجته، وهذا قد يحدث، وقد يكون طبيعة، وقد يكون حادثاً على القول الراجح فتثبت عنته بإقراره، كأن يقر عند القاضي.
وعلم من قوله «بإقراره» أنها لا تثبت بدعوى المرأة إلا ببينة، فلو قالت: إنه عنين فلا نقبل قولها إلا ببينة؛ وذلك لقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «البينة على المدعي» [(132)].
قوله: «أو ببينة على إقراره» أنكر لكن عندنا عليه بينة تشهد بأنه أقر من قبل بأنه عنين، فتثبت العنة، فما الحكم فيه؟
الجواب قوله: «أجل سنة منذ تحاكمه» يؤجل سنة منذ التحاكم، والمراد بالسنة هنا الهلالية لا الفصلية؛ لأنها هي التي نص عليها القرآن: {{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ}{لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}} [يونس: 5] ، فبيَّن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن السنين هي السنين الهلالية، وقال تعالى: {{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ}} [البقرة: 189] ، وهل هناك فرق بين الهلالية والفصلية؟ نعم، الفصلية أطول؛ لأن الفصلية متعلقة بالبروج، والبروج اثنا عشر برجاً، وأيامها أطول من أيام الهلالية، فالمهم أنها سنة هلالية، فتوقَّت بها الآجال لمن فيه عُنة.
وقوله: «منذ تحاكمه» لا منذ الزواج، ولا منذ الدعوى، فلو ادعت عليه ـ مثلاً ـ في محرم، ولم يتحاكما إلا في ربيع، فالمدة من ربيع.
وقوله: «أجل سنة» المؤجل له الحاكم الشرعي.
قوله: «فإن وطئ فيها وإلا فلها الفسخ» إن وطئ الزوج في هذه المدة فلا فسخ لها؛ لأنه تبين أنه ليس بعنين وإلا فلها الفسخ.
وهذه السنة التي ضربت للعنين، أحياناً تكون المرأة حائضاً، فلو قال: إنه نشط في أيام حيضها فلا يقبل، ويقال: وإن لم تتمكن من الجماع في أيام الحيض، لكن تتمكن من المباشرة، ويعلم بذلك زوال عنتك.
وهل تحتسب عليه أيام الحيض؟ نعم، تحتسب عليه، والدليل أنه روي عن عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنهم ـ[(133)].
وهل هذا حكم تشريعي أو حكم قضائي؟ يحتمل أنه حكم قضائي، وحينئذ يكون راجعاً إلى اجتهاد القاضي، وقد يختلف من زمان إلى آخر، ويحتمل أنه حكم تشريعي، وهذا ينبني على قول الصحابي هل هو حجة أو ليس بحجة؟ والصحيح أن قول عمر وأبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ: حجة لقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «اقتدوا بالذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر» [(134)]، وقوله: «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا» [(135)].
ولكن يحتمل أن يكون قضاءً، وفرق بين القضاء والتشريع، فالقضاء اجتهاد في وقته ومحله، يختلف من قاضٍ إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، ومن حال إلى حال، والتشريع لا يتغير.
ولهذا أمثلة، منها: أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قضى للقاتل بسلب المقتول، فقال: «من قتل قتيلاً فله سلبه» [(136)]، فاختلف العلماء في مثل هذا، هل هو تشريع أو قضاء؟ فمن قال: إنه قضاء قال: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جعل من قتل قتيلاً فله سلبه في تلك الغزوة، ومن جعله تشريعاً قال: إنه عام في جميع الغزوات.
فلو أن الطب بالفحص الدقيق قال: إن الرجل عنين قبل أن تمضي السنة، أو قال: إنه ليس بعنين، أو قال: إنه يحتمل أن يعود عليه نشاطه في فصل من فصول السنة، فهل لنا أن نخالف هذا الحكم؟ إن قلنا: إنه من باب التشريع فلا نخالفه، حتى لو قال لنا الأطباء: إننا نعلم علم اليقين أن هذا الرجل لن تعود إليه قوة الجماع فإننا لا نأخذ به، بل نؤجله، وإذا قلنا: إنه من باب القضاء الخاضع للاجتهاد، فإنه إذا قرر الأطباء من ذوي الكفاءة والأمانة أنه لن تعود إليه قوة الجماع فلا فائدة من التأجيل، فلا نستفيد من التأجيل إلا ضرر الزوجة، فهو في الحقيقة يشبه مقطوع الذكر في عدم رجوع الجماع إليه، فلا حاجة في التأجيل حينئذٍ.
ومما يعلم بالطب، واشتهر عند الناس أن من كُوِيَ من صُلبه فإنه تبطل شهوته، إما لأنه لا ينزل، أو لا ينتشر، ولهذا يحترزون جداً من كي الإنسان في صُلبه، فمثل هذا إذا علمنا أنها لن تعود شهوته فلا فائدة من التأجيل؛ لأن ذلك يشبه المجبوب الذي لا يرجى، بل يقطع بعدم قدرته على الوطء.
أما تعليل التأجيل بسنة فقالوا: لأجل أن تمر عليه الفصول الأربعة، وهي: فصل الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء.
فصل الربيع يبتدئ من برج الحَمل، إذا تساوى الليل والنهار بعد طول الليل، ففصل الربيع له الحَمل والثور والجوزاء، وفصل الصيف يكون إذا بلغ النهار نهايته في الطول، وله السرطان والأسد والسنبلة، ثم بعد ذلك يبتدئ فصل الخريف، وذلك إذا تساوى الليل والنهار بعد طول النهار، وله الميزان والعقرب والقوس، ثم يدخل فصل الشتاء إذا انتهى طول الليل وبدأ النهار يزيد حتى يتساوى الليل والنهار، فيدخل فصل الربيع.
فالعلماء يقولون: إذا أُجل هذه السنة وتعاقبت عليه الفصول، فإنه يتبين إن كان عنيناً طبيعة فلا ينتفع باختلاف الفصول؛ لأن في الإنسان طبائع أربعة، وهي الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة فقد يكون هناك غلبة إحدى الطبائع الأربع فلا يناسبها هذا الوقت من فصل السنة، ويناسبها الفصل الثاني؛ فلهذا أجل سنة ليتبين أمره.
مسألة: هل ضعف الرجل في الجماع عُنَّة؟ ليس عُنة، فما دام يستطيع الجماع فإنه ليس بعنة، حتى لو كان لا يجامع في الشهر إلا مرة ـ مثلاً ـ؛ لأنه ثبت أنه يجامع.
مسألة: هل يمكن أن يكون الإنسان عنيناً متبعضاً، بمعنى أنه في وقت يقدر على الجماع، وفي وقت لا يقدر؟
الجواب: يمكن، لكنه ليس بعنين؛ لأنه ليس بدائم.
وهل يمكن أن يكون عنيناً بالنسبة لزوجة، وليس عنيناً بالنسبة لزوجة أخرى؟
الجواب: الواقع يمكن، لا سيما إذا كان ـ والعياذ بالله ـ مسحوراً؛ لأن هناك سحر عطف وصرف، فقد يكون هو بالنسبة لفلانة لا يستطيع الجماع أبداً، وبالنسبة للأخرى يستطيع أن يجامع، ففي الأولى: المذهب أنه ليس لها الفسخ؛ لأنه ليس بعنين، فهو قادر على الجماع، والصواب وهو الراجح عندي أن لها الفسخ، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولو قيل: إن هذه أحق بالفسخ من غيرها؛ لأنها تراه مع ضرتها، يغتسل في اليوم ثلاث مرات، وهي لا يأتيها، فهذا أشد عليها مما لو كان منفرداً بها، فينبغي أن نمكنها من الفسخ رأفة بها ورحمة، ولعل الله أن ييسر لها زوجاً يحصل به الكفاية.
وَإِنِ اعْتَرَفَتْ أَنَّهُ وَطِئَهَا فَلَيْسَ بِعِنِّينٍ، وَلَوْ قَالَتْ فِي وَقْتٍ: رَضِيتُ بِهِ عِنِّيناً سَقَطَ خِيَارُهَا أَبَداً.
قوله: «وإن اعترفت أنه وَطِئها فليس بعنين» يعني ولو مرة واحدة، فلو قالت: إنه جامعها في أول ليلة فإنه ليس بعنين، فلا يكون لها الخيار، وتبقى معه طول حياتها لا تتمتع بلذة، ولا تتمتع بأولاد، ونقول: اصبري لعل الله يرزقه القوة أو يموت أو يطلقك، فالأمر بيد الله ـ عزّ وجل ـ.
إذاً على كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ العنة لا تحدث، فمتى جامع الرجل مرة واحدة فليس بعنين، وهذا القول ضعيف يخالفه الواقع، فإن العُنَّة تحدث بلا ريب؛ لأن الإنسان معرض لفقد قواه كلها أو بعضها، أليس السميع يمكن أن يلحقه الصمم؟! بلى، والبصير يلحقه العمى، والقوي الجسم يلحقه الضعف، أيضاً قوي الشهوة يلحقه الضعف، فكثير من الناس يبتلى بمرض يفقده الشهوة نهائياً، فلا يشتهي إطلاقاً ولا ينتشر ذكره، وهذه هي العُنة، فكيف نعلم علم اليقين أن زوجها لم يجامعها، ثم نقول: إنه لا خيار لها؟! فالصواب أن العنة تحدث، وأنها إذا حدثت فللزوجة الخيار.
فإذا قال قائل: كيف تجعلون لها الخيار في أمر قدره الله على الزوج، وليس باختياره؟ قلنا: هذا من المصائب التي يبتلى بها المرء، فالزوج ابتلي بهذه المصيبة، فلا نجعل مصيبته مصيبة على غيره، وإذا كان الرجل إذا أعسر بالنفقة فللزوجة الفسخ، فكيف إذا أعسر بما هو أهم عندها من النفقة؟! فكثير من النساء ما يهمهن النفقة، بل يهمهن الاستمتاع والولد، والنفقة عندهن شيء ثانوي، بل ربما تنفق على زوجها، فالصواب بلا شك أنه متى ثبتت العُنة ولو طارئة وعلم أنها لن تعود شهوة النكاح، فإن لها الفسخ، أما إذا كانت العنة أمراً طارئاً يزول فإننا لا نمكنها من الفسخ؛ لعدم اليأس من قدرته على الجماع.
وقوله: «وإن اعترفت أنه وطئها» قال في الروض[(137)]: في القبل في النكاح الذي ترافعا فيه ولو مرة «فليس بعنين» ، فعلم منه أنه لو اعترفت أنه وطئها في نكاح سابق، ثم طلقها ثم تزوجها ثانياً ولم يطأها أنه عنين، وهذا ما يؤيد القول الذي رجحناه، وهو أن العنة تحدث إذ لا فرق في حدوث العنة بين النكاح السابق والنكاح اللاحق.
قوله: «ولو قالت في وقت: رضيت به عنيناً، سقط خيارها أبداً» كامرأة رضيت بزوجها عنيناً، ثم أصابها ما يصيب النساء من شهوة النكاح، فأرادت أن تفسخ، نقول: لا خيار لكِ، فإن قالت: ذاك الوقت أنا معجبة به وراضية، لكن طالت المدة، وأنا الآن لا أريده، فنقول: لا خيار لك؛ لأن التفريط منك.
وهذا مما يجعل الإنسان يأخذ درساً في أن لا يكون مبالغاً في الأمور، فلا يظن أن الأحوال تدوم، بل يكون عنده احتياط وتحفظ، ولهذا ورد في بعض الآثار: «أبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما» [(138)]، وهذا صحيح، لا تغالِ في الأمور، ونزِّل الأمور منازلها، واحسب للمستقبل حسابه حتى تكون حكيماً فيما تفعل وفيما تقول.
فَصْلٌ
وَالرَّتَقُ، وَالقَرَنُ، وَالعَفَلُ، وَالفَتْقُ،..............
قوله: «والرَّتَقُ» مأخوذ من الجمع، كما قال الله تبارك وتعالى: {{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا}} [الأنبياء: 30] أي: شيئاً واحداً، فالرتق معناه أنه يكون فرج المرأة مسدوداً، ما يسلكه الذكر، فهذا يثبت للزوج الخيار؛ لأنه يفوت مقصود النكاح من الولد والاستمتاع.
قوله: «والقَرَن» وهو لحم ينبت في الفرج فيسده، وحكمه كالأول، وهو طارئ، والأول أصلي.
قوله: «والعَفَلُ» وهو ورم في اللحمة التي بين مسلكي المرأة، فيضيق منها فرجها، فلا ينفذ فيه الذكر.
قوله: «والفَتْقُ» وهو انخراق ما بين سبيليها، أي: ما بين مخرج بول ومَنِيٍّ، وهذا يمنع التلذذ، وربما يؤدي إلى تسرب البول إلى مخرج المني، وأيضاً قد يمنع الحمل، بحيث يكون هذا الانفتاق سبباً لضياع المني، فلا يصل إلى الرحم، وحينئذٍ يكون هذا عيباً.
وهذه العيوب كلها تتعلق بالفرج، فهي خاصة بالمرأة؛ والسبب في كونها عيوباً أنها تمنع مقصود النكاح.
وظاهر كلام المؤلف أن الفتق عيب ولو أمكن إزالته، ونحن نقول: إذا لم تمكن إزالته إلا بعد عملية طويلة فهو عيب، وقد تنجح وقد لا تنجح، لكن إذا كان الطب قد ترقى، وقالوا: هذا سهل، يزول خلال أسبوع، فظاهر كلامهم في كتاب البيوع أنه إذا زال العيب سريعاً في السلعة فلا خيار، أن يقال: هذا كذلك، وقد يقال: هناك فرق؛ لأن تصور الزوج أن امرأته أجرت عملية في هذا المكان سوف يمنعه من كمال اللذة، وعليه فنقول: هو عيب ولو أمكن إزالته.
وَاسْتِطْلاَقُ بَوْلٍ، وَنَجْوٍ، وَقُرُوحٌ سَيَّالَةٌ فِي فَرْجٍ،.........
قوله: «واستطلاق بول ونجو» البول معروف، والنجو الغائط، ومعنى استطلاقهما أنه لا يمكن أن يحبسهما، يعني هو السلس، فسلس البول أو الغائط عيب، من أشد ما يكون من العيوب، وهل مثلهما الريح؟ الجواب: نعم؛ لأن الريح تبعث رائحة كريهة. وهذا العيب مشترك بين الرجل والمرأة، والمؤلف ـ رحمه الله ـ خلط بين الخاص والمشترك، وكان من حسن التصنيف أن يجعل الخاص وحده والمشترك وحده.
قوله: «وقروح سيالة في فرج» هذا خاص بالمرأة، فإذا كان فيها قروح سيالة تسيل ماءً في الفرج، فهو عيب؛ لأنه يوجب النفرة، ويمنع من كمال الاستمتاع.
وعلم من قوله: «سيالة» أنه لو كانت القروح يابسة لا تسيل فليست بعيب، وفيه نظر؛ وذلك لأن القروح في الفرج لا شك أنها توجب النفرة منه والقلق، وحتى لو فرض أنه لقوة محبته للمرأة وشهوته للجماع لا يبالي، لكن ربما تعافها نفسه، لا من جهة الميل النفسي، لكن من جهة خوف العدوى.
قال في الروض[(139)]: «واستحاضة» وهي استمرار الدم الخارج من المرأة، وهو دم طبيعي لكنه مرض، بخلاف الدم الناشئ عن عملية في الرحم مثلاً، فالدم الناشئ عنها ليس استحاضة إلا أنه ملحق بها في الحكم، فالاستحاضة عيب؛ وذلك لأننا لو قلنا: إنها تمنع الوطء لخوف العنت فهذا عيب واضح، وإذا قلنا بالقول الصحيح أنه يجوز وطء المستحاضة فإنه وإن جاز وطؤها، فلا شك أنه يحدث للرجل نفوراً من هذه المرأة المستحاضة، فكلما جامع وجد نفسه متلوثاً بالدم، هذا لا شك أنه ينفر منها، ويمنع من كمال الاستمتاع.
وهل نقول: إن كثرة المذي من الرجل عيب؟ ليس عيباً؛ لأنه ليس كاستطلاق البول إذ إنه لا يكون إلا من شهوة.
وَبَاسُورٌ، وَنَاصُورٌ، وَخِصَاءٌ، وَسَلٌّ وَوِجَاءٌ، وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا خُنْثَى وَاضِحَاً، وَجُنُونٌ وَلَوْ سَاعَةً،
قوله: «وباسور، وناصور» وهما داءان بالمقعدة، مثل الجروح، يصيبان الرجال والنساء، فإذا كان في أحدهما باسور أو ناصور فهو عيب، والفرق بينهما أن الباسور يكون داخل المقعدة، والناصور يكون بارزاً، ودائماً يكون ملوثاً، ومع أنهما لا يحدثان أي شيء بالنسبة للجماع، ولا يشوهان المنظر أيضاً، ومع ذلك يقولون: إن هذا من العيوب؛ لأنه إذا ذكر أن بامرأته باسوراً أو ناسوراً لا يرتاح لها، وكذلك بالنسبة للمرأة مع الرجل.
قوله: «وخِصاء، وسَل» الخصاء قطع الخصيتين بجلدتهما، والسَّل ليس هو السِّل المعروف عند الناس، الذي هو المرض في البدن كله، السَّل ـ أي: سل الخصيتين ـ بحيث تقطع الخصيتان ويبقى الجلد، وهذا في الأحوال العادية لا يمكن، لكن قد يسلط الله على إنسان عدوًّا يأسره ـ ككافر ـ ويمثل به هذا التمثيل.
قوله: «ووِجاء» وهو أن يقطع الخصيتين ووعاءهما قطعاً، فإن ذلك يضعف الشهوة بلا شك، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» [(140)]، والخصاء والسل والوجاء، إما أن تضعف الوطء، أو يزول بالكلية، ثم إنها ـ أيضاً ـ تمنع من النسل؛ لأنه إنما يكون بالمني، والمني لا ينشئه إلا الخصيتان، وإذا فقدت الخصيتان فلا نسل، بل ولا جماع كامل، فيكون هذا عيباً.
قوله: «وكون أحدهما» أي: أحد الزوجين .
قوله: «خنثى واضحاً» فإن كان مشكلاً لا يصح نكاحه من الأصل على ما تقدم في المذهب، أما هذا فهو واضح أنه رجل فيتزوج امرأة، أو أنه أنثى فيتزوجه رجل، فهذا يثبت به الفسخ؛ لأن رجلاً يتزوج امرأة على أنها امرأة خالصة، ثم يجد معها آلة ذكر، أو يجد لها لحية، فلا شك أنه ينفر منها، وكذلك العكس، امرأة تزوجت رجلاً، فإذا له فرج، أو له ثدي، فهذا من العيوب.
قوله: «وجنون ولو ساعة» الجنون ـ والعياذ بالله ـ فقد العقل، فإذا فقد العقل ولو ساعة من زمان، أي: إذا ثبت أنه جُن ولو ساعة، فإن ذلك يعتبر عيباً، سواء المرأة أو الرجل، ومنه الصرع.
وظاهر كلامه ولو برئ منه، لأنه لا يؤمن أن يعود.
أما إذا كان الجنون بواسطة الأعصاب، وعولج علاجاً تاماً، وقطع الأطباء أنه لن يعود لكونهم ـ مثلاً ـ وجدوا عرقاً يكون سبباً للتشنج العصبي، وقطعوه أو غير ذلك، المهم أنهم قطعوا بأنه لن يعود، فهذا ليس بعيب؛ لأنه ما من إنسان إلا ويمرض ثم يبرأ، لكن إذا كان بسبب الجن، أو بسبب الأعصاب لكن لم يشف فهو عيب.
وَبَرَصٌ، وَجُذَامٌ يُثْبِتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الفَسْخَ،........
قوله: «وبَرَص» وهو بياض الجلد، وهو من الأمراض التي قد تكون وراثية، وقد تكون لسبب من الأسباب، ومن أكثر أسبابها التخم، وهو أن الإنسان يملأ بطنه، ويخلط فيه من الأكل، ولهذا قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إذا خاف الإنسان بأكله التخمة فالأكل عليه حرام، ولو أنه خبز ولحم.
ومن أسبابه ـ أيضاً ـ الروعة والوحشة فإنها تحدث ذلك، وقد كان الناس فيما سبق يسافرون في الليالي المظلمة المخيفة، فأحياناً يصيب بعضهم هذا البلاء، وقد يكون بأمر الله لا يعلم له سبب، فهذا البرص ولو بقدر رأس الإبرة يعتبر عيباً، سواء كان بالزوج أو بالزوجة، ولهذا جاء في الحديث في قصة الثلاثة الذين كان أحدهم أبرص قال: «ويذهب عني الذي قذرني الناس به» [(141)] وكلام الفقهاء ولو قليلاً؛ لأنه لا يؤمن أن يزداد وينتشر، وعلى هذا فلو كان في إبط الزوجة كرأس الإبرة برص، وجب على أهلها عند العقد أن يبينوا له؛ لأن هذا عيب وكذلك الرجل.
لكن حسب ما نرى أن البرص نوعان: برص يعتبر مرضاً حقيقة، فينشأ أول ما ينشأ في الإنسان جزء صغير جداً، ثم ينتشر في الجلد كالجرب نسأل الله السلامة، وقسم آخر ليس عيباً فتجد مثلاً الجلد أصابه شيء، إما لذعة نار أو جرح أو ما أشبه ذلك، أو أنك لا تدري ما السبب لكنه ليس بمرض، فلا يزيد ولا يتغير ولا يكاد يخلو منه أحد، لكن مرادهم البرص الذي يكون عيباً، وينتشر في الجلد، ويخشى من انتشاره، والغريب ـ سبحان الله ـ أن هذا المرض لا يعدي، ولهذا لو كان يعدي لتمكن الأطباء من معالجته؛ لأن المرض الذي يعدي، يعدي بجراثيمه، وإذا علمت الجراثيم أمكن القضاء عليها، ولهذا تجد بعض الأحيان يكون هذا الرجل خادماً لأناس، يطبخ غداءهم وعشاءهم، ويلامس أوانيهم، وهم سالمون من هذا المرض.
وإبراء الأبرص من الآيات التي أعطيها عيسى صلّى الله عليه وسلّم، قال تعالى: {{وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ}} [المائدة: 110] فهو من الآيات المعجزات؛ لأن إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وإخراجهم من القبور لا يقدر عليها البشر، لا بعلاج ولا غيره، فعلى كل حال البرص داء منفر، وهو عيب في الزوج أو الزوجة.
قوله: «وجذام» وهو عبارة عن قروح تصيب البدن، ولا يسلم منها، فلا تزال تسري حتى يموت الإنسان، ويسمى عند العامة الآكلة؛ لأنها تأكل الجلد، وهو لا شك عيب، وهو ـ أيضاً ـ معدٍ، وقد جاء في السنة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بالفرار من المجذوم[(142)]، حتى إن العلماء قالوا: يجب على السلطان أن يعزل الجذمى في مكان واحد؛ لئلا يختلطوا بالناس فينتشر هذا الداء.
قوله: «يثبت لكل واحد منهما الفسخ» وثبوت الفسخ للمرأة ظاهر المصلحة؛ لأن المرأة ليس بيدها الطلاق، فإذا ثبت لها الفسخ حصل لها الفراق، لكن ثبوت الفسخ للرجل، ماذا يستفيد منه؟ نقول: إنه يستفيد منه ثلاث فوائد:
الأولى: أنه لا ينقص به عدد الطلاق، فلا يحسب عليه من الطلاق.
الثانية: أنه يرجع بالمهر على من غره ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ.
الثالثة: أن الناس لا ينظرون إليه على أنه رجل مطلاق، أي: كثير الطلاق، وهذه فائدة اجتماعية؛ لأن الرجل المطلاق لا يكاد يقدم على تزويجه أحد؛ لأنهم يخشون أن يطلق.
وهذه العيوب إذا تأملناها، وجدنا منها ما يمكن معالجته، ومنها ما لا يمكن معالجته، فهل هي سواء، أو نقول: إنه إذا أمكن إزالة العيب فلا خيار؟ فالرتق يمكن معالجته بعملية، ولكن هل العملية تجعل الفرج كالطبيعي؟ الظاهر ليس كذلك، وكذلك ـ أيضاً ـ القَرَن، ولا ندري هل يكون كالطبيعي أم لا؟ والعَفَل يمكن علاجه؛ لأنه ما دام ورماً فإنه يمكن علاجه بدون عملية، فإن كانت تبرأ بعد عشر سنين فلا يلزمه الانتظار، لكن إذا كان في وقت لا تفوت به مصلحة الزوج فإنه لا خيار له، لا سيما مع عدم الغش، أما مع الغش فلا ينبغي أن يعامل الغاش بالأخف والأيسر؛ لأنه ليس محلاً للرحمة.
وأما استطلاق البول والنجو فما أمكن علاجه بسرعة، بحيث لا تفوت مصلحة الزوج فإنه لا يثبت به الفسخ، والقروح السيالة في الفرج واضح أنه يمكن معالجتها، والباصور يمكن معالجته، والناسور يمكن لكنه يعود، والخصاء والسل والوجاء لا يمكن معالجتهما، وكون أحدهما خنثى واضحاً لا يمكن، وإذا كان ليس له إلا ذكر فقط، وجميع مميزات المرأة موجودة فيه ما عدا الآلة، وقالوا: يمكن أن تجرى له عملية بكل سهولة، فهذا يمكن إزالة العيب بدون أي ضرر، ما دام أن الفرج سليم.
وأما الجنون فنوعان: نوع له سبب محسوس فهذا لا شك أنه إذا عولج فبرئ منه فإنه لا خيار، وهو ما يسمى عند الناس الوِشرة، وهو أن الرأس ينفتق في ملاحمه، فتق من الدماغ، ثم يبدأ الرجل يهذي حتى يصل إلى الجنون، لكن له علاج وهو الكي، ولهم طرق يستدلون بها على موضع الفتق، فيضعون على موضع الفتق عجيناً ليناً، فإذا أصبح ووجدوا أن محل الفتق يابس، مع البخار عرفوا موضعه، فإذا كوي بإذن الله برئ بسرعة، كأنما نشط من عقال، فمثل هذا ليس بعيب؛ لأن هذا مرض يزال.
النوع الثاني: ما ليس له علاج فهذا يثبت الفسخ؛ لأنه لا يؤمن أن يعود، ولأن الزوج أو الزوجة يُعيَّر بذلك، فيقال: تزوج فلانة التي كانت مجنونة بالأسواق، أو فلاناً كذلك، ففيه نوع عار عليه.
والبرص ما أظنه يبرأ، فهو عيب يثبت الفسخ بكل حال، والجذام لا يبرأ كذلك، نسأل الله العافية.
وغير هذه العيوب لا تثبت الفسخ، فالعمى ليس بعيب، والصمم ليس بعيب، والخرس ليس بعيب، والعرج ليس بعيب، وقطع الرِّجْل أو اليد ليس بعيب، وعلى هذا فقس، فلو تزوج امرأة عمياء، بكماء، صماء، مقطوعة اليد، عرجاء الرجل، عجوزاً فإنه لا يعتبر ذلك عيباً، فإن قال: أنا أديت مالاً كثيراً، قالوا: لماذا لم تشترط خُلُوَّهَا من هذه العيوب؟ لماذا لم تقل عند العقد: بشرط أن تكون بصيرة، سميعة، ناطقة، غير عرجاء، ولا مقطوعة اليد... إلخ؟! كل هذه العيوب لا يثبت بها الفسخ، فلا بد أن تشترط انتفاءها عند العقد؛ فإن لم تشترط فأنت مخاطر، إن وجدتها سليمة، وإلا فلا خيار لك، هذا ما ذهب إليه الفقهاء ـ رحمهم الله ـ.
ولكن هذا القول فيه نظر، والصواب أن العيب كل ما يفوت به مقصود النكاح، ولا شك أن من أهم مقاصد النكاح المتعة والخدمة والإنجاب، فإذا وجد ما يمنعها فهو عيب، وعلى هذا فلو وجدت الزوج عقيماً، أو وجدها هي عقيمة فهو عيب، ولو وجدها عمياء فهو عيب؛ لأنه يمنع مقصودين من مقاصد النكاح وهما المتعة والخدمة، ولو وجدها صماء فإنه عيب، وكذلك لو وجدها خرساء فإن ذلك عيب، ولو وجدها لا أسنان لها وهي شابة ليست عجوزاً فإن هذا لا يعد عيباً؛ لأنه يمكن إزالته، والزوج مصلحته من الأسنان كمال الجمال، فيمكن أن تركب أسناناً، وتكون من أحسن ما يكون.
إذاً لو قال قائل: إذا وجدها غير جميلة لكن ليس فيها عيب، فهل يعتبر ذلك موجباً للفسخ؟ لا، إلا إن كان قد اشترط، أما إن وجد فيها خدشاً في الوجه، أو بياضاً في العين، أو شرماً في الشفة وما أشبه ذلك، فلا شك أن هذا عيب، فالصواب أن العيوب غير معدودة، ولكنها محدودة، فكل ما يفوت به مقصود النكاح، لا كماله فإنه يعتبر عيباً يثبت به الخيار، سواء للزوج أو للزوجة.
أما الكِبَر، بمعنى أنه ظن أنها بنت سبع عشر فإذا هي بنت ثلاثين سنة، أو ظنت أن له خمساً وعشرين سنة فإذا له خمس وثلاثون سنة، فالظاهر أن هذا ليس بعيب، لكن لو بانت عجوزاً أو بان شيخاً كبيراً فهذا عيب؛ لأنه يفوت المقصود.
فإذا قال قائل: هذا الرجل يشاهَد فلماذا لم تنظروا إليه؟ فنقول: وجدناه ذا لحية قد طلاها بالسواد، أو حلقها ولا ندري، فيمكن أن يغتر الناس به لأحد هذين السببين.
وهذا الذي اخترناه هو الذي اختاره ابن القيم ـ رحمه الله ـ وكذلك أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض الأصحاب ـ رحمهم الله ـ، وحجة المذهب أن هذا هو الوارد عن السلف من الصحابة والتابعين، فيقال: إن الوارد عن السلف من الصحابة والتابعين قضايا أعيان، يقاس عليها ما يشبهها، أو ما كان أولى منها، ولا ريب أن كل أحد يعلم أن بعض هذه العيوب لا تساوي شيئاً بالنسبة لعيوب كثيرة، ذكروا أنها ليست عيوباً، والشريعة لا يمكن أن تفرق بين متماثلين، ولا أن تجمع بين مختلفين أبداً، فإذا تشابه الشيئان صار حكمهما واحداً، وإذا اختلفا اختلف حكمهما، هذه قاعدة عامة في كل الشريعة، وقد يبدو للإنسان في بعض الأحيان أن الشيئين مختلفان وهما لم يختلفا، وقد يبدو أنهما مفترقان وهما لم يفترقا، وحينئذ يكون الخطأ من سوء فهمه، وليس من الحكم الشرعي.
وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ العَقْدِ، ..........
قوله: «ولو حدث بعد العقد» أي: لو حدث العيب بعد العقد فلمن له الحق أن يفسخ؛ لأن العيوب قد تحدث بعد العقد، وقد تكون من قبل كما هو واضح، فمثلاً الرتق والفتق وما أشبه ذلك بالنسبة للمرأة يكون قبل العقد، والعُنة على القول الراجح تحدث وتكون بعد العقد.
وقوله: «ولو حدث بعد العقد» هذا إشارة خلاف، حيث إن بعض أهل العلم يقول: إن العيب إذا حدث بعد العقد، وهو لا يتعدى ضرره فإنه لا خيار، كما لو حدث عيب السلعة بعد البيع فلا خيار للمشتري؛ لأنها تعيبت على ملكه، فكذلك إذا حدث بعد العقد فإنه لا خيار، وهذا القول يكون متوجهاً في بعض العيوب، أما بعضها فإنه لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، فالجنون المطبق ـ والعياذ بالله ـ إذا حدث بعد العقد لو قلنا: ليس للمرأة الخيار لكان مشكلاً، وهو أن نلزمها بالبقاء مع رجل مجنون تخاف على نفسها منه وعلى أولادها، وهذا لا يمكن أن تأتي به الشريعة الرحيمة، فبعض العيوب قد نقول: إنه لا يضر حدوثه، فالشيء الذي لا يؤثر من هذه العيوب لا ينبغي أن يكون فيه خيار إذا حدث بعد العقد، والمؤثر كما قال المؤلف.
أَوْ كَانَ بِالآخَرِ عَيْبٌ مِثْلُهُ،........
قوله: «أو كان بالآخر عيب مثله» فإنه يثبت الفسخ، لما اطلع الرجل على برص في زوجته قال: بك عيب، فقالت: وأنت بك عيب البرص، فلكل منهما الخيار، فإذا قال: لا خيار لك؛ لأن فيك مثل هذا العيب الذي فيّ، فما الجواب؟ الجواب: أن يقال كما علله الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: إن الإنسان ينفر من عيب غيره ولا ينفر من عيب نفسه، ولهذا تجد الإنسان يتقزز إذا رأى في إنسان جرحاً، لكن جرحه الذي فيه لا يتقزز منه.
إلا أن بعض الأصحاب استثنوا من ذلك ما لو كان مجبوباً وهي رتقاء، فإنه لا خيار لأحدهما؛ لأنه في هذه الحال إذا وجدها رتقاء إنما يثبت له الفسخ لفوات الاستمتاع بالجماع، وإذا وجدته مجبوباً فإنما يثبت لها الفسخ لفوات الاستمتاع بالجماع، وهنا لا فائدة، حتى لو كان هو غير معيب فإنها لن تستفيد منه، ولو كانت هي غير معيبة فإنه لن يستفيد منها، وعلى هذا فلا خيار لهما، وهذا وجيه.
وقوله: «مثله» أي: يقاس عليه ما إذا كان العيب مغايراً له، فلو كان في الآخر عيب من غير جنسه، مثل أن يكون في المرأة استطلاق النجو، وفي الرجل برص مثلاً، فلها أن تفسخ من باب أولى؛ لأنه إذا كان العيب المماثل لصاحبه أن يفسخ، فهذا من باب أولى.
وَمَنْ رَضِيَ بِالعَيْبِ، أَوْ وُجِدَتْ مِنْهُ دَلاَلَتُهُ مَعَ عِلْمِهِ فَلاَ خِيَارَ لَهُ،.......
قوله: «ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له» ، «من» شرطية «رضي» فعل الشرط، وجوابه «فلا خيار له» .
وقوله: «رضي بالعيب» بأن صرح به، فقالت المرأة: رضيت به معيباً، أو قال هو: رضيت بها معيبة، فإنه لا خيار لهما؛ لأن الحق لهما وقد أسقطاه.
وقوله: «أو وجدت منه دلالته» أي دلالة الرضا.
وقوله: «مع علمه» أي بالعيب، فإذا قال إنسان: هذا فيه إشكال من الناحية العربية؛ لأن الضمير في «دلالته» يعود على الرضا، ومرجع الضمير لا يكون إلا اسماً، ولا يمكن أن يكون فعلاً، فالجواب أنه يعود على اسم وهو الرضا المفهوم من «رضي» ونظيره في القرآن قوله تعالى: {{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}} [المائدة: 8] {{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}} أي: العدل المفهوم من {{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}}.
والدلالة: العلامة الدالة على رضاه، مثل أن تمكنه من الجماع، فإذا مكنته من ذلك مع علمها بعيبه دل هذا على أنها راضية به، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقال بعض أهل العلم: إن هذا لا يسقط الفسخ؛ لأنها قد تمكنه وهي غير راضية، لكن تفكر في أمرها هل توافق أو ترفض؟ وبعضهم استثنى مسألة العنين قال: لأنها قد تمكنه رجاء أن تزول عنَّته ويقدر على الوطء، فليس التمكين من الوطء بدليل على الرضا، وعلى هذا يقال: يجب أن نتحقق بأنها فعلت ما يدل على الرضا، فإذا شككنا وصار هذا التمكين غير صريح في الدلالة على الرضا، فالأصل عدم الرضا وبقاء حقها، فإذا علمنا أن هذه المرأة تمكن زوجها من أن يستمتع بها، وكأنه ليس به مرض، وهي عالمة بهذا العيب، فهذا دليل على الرضا، أما إذا كنا نعلم أنها امرأة تريد أن تتروى في الأمر، أو ترجو زوال هذا العيب فإنه لا يكون دليلاً على رضاها.
وقوله: «فلا خيار له» سواء كان الرجل أو المرأة.
وظاهر قوله «من رضي بالعيب» أن خياره يسقط ولو كان جاهلاً بالحكم، وفي هذه المسألة يكون التفريق بين الجهل بالحكم والجهل بالحال، فالجهل بالحال لا يسقط الخيار، ولهذا قال المؤلف: «مع علمه به» فعلم منه أنه لو كان جاهلاً بالعيب فالخيار لا يسقط، وأما الجهل بالحكم فظاهر كلام المؤلف: أنه يسقط الخيار، مثل ألا تدري أنه إذا وجد به برص أو كان عنيناً أن لها الفسخ، وهذا القول ليس بصحيح، والصواب أن الجهل بالحكم كالجهل بالحال، فالتي مكنته من نفسها وهي لا تدري بعيبه، كالتي مكنته من نفسها وهي لا تدري أن لها الفسخ، لا سيما وأن كثيراً من النساء قد يجهلن هذا الأمر، ثم إننا نقول: إنه لا بد من الرضا بالعيب، وهل الذي لا يدري بالحكم يكون راضياً بالعيب؟ لا؛ ربما أنها لو علمت لفسخت العقد من أول ما علمت.
فإذا ظن العيب يسيراً فبان كبيراً، مثال ذلك: رأى في أصبع امرأته برصاً، أو هي رأت في طرف أصبعه فظنت أنه يسير، لكن تبين أنه غالب جلده المستور بالثياب، فهنا يسقط الخيار؛ لأنها رضيت بجنس العيب، وكذلك هو بالعكس، لما رضي بجنس العيب، قلنا: أنت الذ |