المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثاني عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثاني عشر
بَابُ نِكَاحِ الكُفَّارِ
 

 

بَابُ نِكَاحِ الكُفَّارِ

 

حُكْمُهُ كَنِكَاحِ المُسْلِمِينَ، وَيُقَرُّونَ عَلَى فَاسِدِهِ إِذَا اعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ فِي شَرْعِهِمْ، وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا، فَإِنْ أَتَوْنَا قَبْلَ عَقْدِهِ عَقَدْنَاهُ عَلَى حُكْمِنَا،....

قوله: «نكاح الكفار» الكفار هنا عام يشمل أهل الكتاب، والمشركين، ومن لا يتدين بدين.

قوله: «حكمه كنكاح المسلمين» أي: حكم نكاح الكفار كنكاح المسلمين في جميع آثاره، وما يترتب عليه، فمنه صحيح ومنه فاسد، ويقع به الطلاق والظهار، وتجب به النفقة، ويثبت به الإرث، ويدل لذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقر من أسلم من الكفار على نكاحه، ولم يتعرض له.

والتعليل أنه لا يمكن العمل إلا بهذا؛ لأننا لو عملنا بغير ذلك لحصل بهذا نفور عن الإسلام، وفوضى عظيمة في الأنساب وغير الأنساب، ولكن هل يقرون عليه أو لا؟ هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: إنهم لا يقرون على فاسده مطلقاً، بل يجب أن يفسخ إذا كان نكاحاً فاسداً، وكانوا تحت ذمة المسلمين، ومنهم من قال: يقرون على الفاسد بشرطين كما سيأتي، وهذا هو الصحيح، ويدل لذلك أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أخذ الجزية من مجوس هجر[(144)]، ولم يتعرض لأنكحتهم، مع العلم بأن المجوس كانوا يجوزون نكاح ذوات المحارم، يعني ينكح الإنسان أخته، عمته، خالته، ابنته، والعياذ بالله.

قوله: «ويقرون على فاسده إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا» ذكر المؤلف شرطين:

الأول : أن يعتقدوا صحته في شرعهم، ولو عبر المؤلف بعبارة أسدّ فقال: إذا كان صحيحاً في شرعهم؛ لأنهم قد يعتقدون الصحة، وهو ليس بصحيح بمقتضى شرعهم، كأن يكونوا جهالاً، فالمهم إذا كان هذا صحيحاً في شرعهم فإننا لا نتعرض له.

الثاني: ألا يرتفعوا إلينا، فلم يقولوا: انظروا في نكاحنا، واحكموا بيننا فيه بما يقتضيه الشرع، فإن كان غير صحيح في شرعهم، مثل أن يتزوج اليهودي أخته، فهل نقره؟ لا؛ لأن ذلك ليس صحيحاً في شرعهم، فنمنعه ونفرق بينهما، وكذلك إذا ارتفعوا إلينا فإننا لا نحكم فيهم بمقتضى شرعهم؛ لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أمرنا أن نحكم بينهم بكتاب الله: {{وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ}} [المائدة: 42] فالواجب أن نحكم بكتاب الله إذا ارتفعوا إلينا، ولهذا قال:

«فإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا» أي: إذا أتونا قبل عقده يجب أن نعقده على شرعنا بإيجاب وقبول، وتعيين الزوجة والزوج، والرضا، والولي، والشهود، والمهر على القول باشتراطه.

 

وَإِنْ أَتَوْنَا بَعْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ وَالمَرْأَةُ تُبَاحُ إِذَنْ أُقِرَّا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا،..........

قوله: «وإن أتونا بعده» أي: بعد ما تم العقد عندهم وصارت زوجته، جاؤوا إلينا يحتكمون في هذا النكاح، فإننا ننظر إن كانت الزوجة الآن تحل أبقينا النكاح على ما هو عليه، وإن كانت لا تحل فسخنا النكاح، فلو كانت هذه الزوجة مطلقته ثلاثاً، وهم يعتقدون حل المطلقة ثلاثاً للزوج، لكن شرعنا يحرمه، فأتونا فإننا نفسخ العقد؛ لأن المرأة لا تحل فنفرق بينهما، ولو كان هو مجوسياً تزوج أخته ثم ترافعوا إلينا بعد العقد، فلا نبقي العقد؛ لأن المرأة لا تحل، فإذا حكمنا بينهم بكتاب الله قلنا: هذه المرأة حرام عليك فيجب التفريق، فنفرق بينهما على كل حال.

وإذا قدر أنها أسلمت، وهو على كفره، فنفرق بينهما، وإذا ترافعوا إلينا بعد العقد، وكانوا قد عقدوا بغير ولي، إلا أنهم يرون ذلك صحيحاً في شرعهم لا نفرق بينهما؛ لأن النكاح صحيح، وهي الآن تحل لو أراد أن يعقد عليها من جديد.

إذن نقر العقد؛ لأن القاعدة أننا لا نتعرض لعقودهم السابقة، بل ننظر إلى ما هم عليه الآن، فإن كانوا في حال يباح للزوج أن يعقد على المرأة أبقيناه، وإلا فسخنا، ولو تزوجها في عدة، والزواج في العدة في حكم الإسلام باطل، ولكن عندهم ليس بباطل، وترافعوا إلينا بعد أن انتهت العدة، فإننا نقره؛ لأن القاعدة: «إن كانت الزوجة يصح أن يعقد عليها الآن أقر النكاح، وإلا فلا»، مثل ذلك ـ أيضاً ـ إذا أسلم الزوجان فإننا ننظر إن كانت المرأة الآن تحل لو عقد عليها أقررناهما على النكاح، وإن كان النكاح في أصله ليس بصحيح على مقتضى قواعد الشرع فرقنا بينهما، فهذا رجل وزوجته أسلما، وكان عقد النكاح بدون ولي ولا شهود فإنهما يقران عليه، وإذا كان عقد النكاح بينهما صداقة، وجرت العادة عندهم أنه إذا تصادق الرجل والمرأة وأحبا أن يكونا زوجين، فجامعها على أن هذا هو العقد عندهم، يقران ما دامت المرأة الآن تحل لو أراد أن يتزوجها، ولو أن مجوسياً تزوج عمته من الرضاع وأسلما جميعاً فإنهما لا يقران؛ لأنها الآن لا تحل له، ولو أسلم وكان قد تزوج هذه المرأة ومعه أختها، لكن أختها ماتت يقر؛ لأنها الآن تحل له لو أراد أن يتزوجها، ولهذا قال المؤلف:

«أو أسلم الزوجان، والمرأة تباح إذن أقرا، وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحِها فُرِّق بينهما» .

فصار الضابط:

أولاً: نكاح الكفار حكمه كنكاح المسلمين في كل ما يترتب عليه من آثار، كالظهار، واللعان، والطلاق، والإحصان، ولحوق النسب، وغير ذلك.

ثانياً: إذا كان النكاح صحيحاً على مقتضى الشريعة الإسلامية فهو صحيح، وإن كان فاسداً على مقتضى الشريعة الإسلامية فإنهم يقرون عليه بشرطين: الأول: أن يروا أنه صحيح في شريعتهم، الثاني: ألا يرتفعوا إلينا، فإن لم يعتقدوه صحيحاً فرق بينهما، وإن ارتفعوا إلينا نظرنا، فإن كان قبل العقد وجب أن نعقده على شرعنا، وإن كان بعده نظرنا إن كانت المرأة تباح حينئذٍ أقررناهم عليه، وإن كانت لا تباح فرقنا بينهما، ودليل هذه الأشياء إسلام الكفار في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم فأبقى من كان معه زوجته على نكاحه في الجاهلية، ولم يتعرض له، فدل هذا على أنه يبقى على أصله.

 

وَإِنْ وَطِئَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً فَأَسْلَمَا، وَقَدْ اعْتَقَدَاهُ نِكَاحاً أُقِرَّا، وَإِلاَّ فُسِخَ، وَمَتَى كَانَ المَهْرُ صَحِيحاً أَخَذَتْهُ، وَإِنْ كَانَ فَاسِداً وَقَبَضَتْهُ اسْتَقَرَّ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ، وَلَمْ يُسَمَّ فُرِضَ لَهَا مَهْرُ المِثْلِ.

قوله: «وإن وطئ حربي حربية فأسلما وقد اعتقداه نكاحاً أقرا وإلا فُسخ» .

قوله: «حربي حربية» هذا القيد ليس بشرط، والمراد حربي أو ذمي وقد اعتقدا أن هذا الوطء هو عقد النكاح فإنهما يقران عليه، إذا كانت المرأة حين الإسلام تحل له، والبادية فيما سبق كانوا يعقدون أنكحة شبيهة بهذا، فهؤلاء لا يُقرون على هذا؛ لأنهم مسلمون، وإذا كانوا مسلمين يجب أن يطبق العقد على شريعة الإسلام، والمسألة بسيطة نقول: الآن نعقد بينكما.

قوله: «ومتى كان المهر صحيحاً أخذته» أي: لو كان المهر دراهم، وأسلموا على النكاح السابق الفاسد بمقتضى الشريعة الإسلامية، ولكنهم يقرون عليه، فإن الزوجة تأخذ المهر.

مثال ذلك: رجل تزوج امرأة على عشرة آلاف ريال، بدون ولي، وشهود، وأسلما فإننا نقرهم، والمهر تأخذه؛ لأننا قلنا: إن نكاح الكفار كنكاح المسلمين يوجب المهر، فإن كان صحيحاً أخذته.

قوله: «وإن كان فاسداً وقبضته استقر» ، مثال ذلك: أصدقها خمراً، والخمر عندهم مباح، فنقول: إن كانت قد قبضته فقد استقر؛ لأنهم يعتقدون أن الخمر مال، وقد قبضته فلا نتعرض له.

قوله: «وإن لم تقبضه ولم يُسم فُرِضَ لها مهر المثل» أي: إن لم تقبض المهر ولم يسم فلها مهر المثل؛ لأن هذه هي القاعدة في الشريعة الإسلامية، أن المهر إذا لم يسم ثبت لها مهر المثل.

وقوله: «ولم يسم» فإن سمي فلها المسمى إن كان صحيحاً، وإن كان فاسداً ولم تقبضه يُقوَّم، كم يساوي هذا الخمر لمن يستحله؟ فإن قالوا مثلاً: مائة ريال، نقول: لها مائة ريال، ولا يمكن أن نعطيها الخمر؛ لأن الخمر حرام فتعطى القيمة[(145)].

 

فَصْلٌ

 

وَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا، أَوْ زَوْجُ كِتَابِيَّةٍ فَعَلَى نِكَاحِهِمَا،فَإِنْ أَسْلَمَتْ هِيَ أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ غَيْرَ الكِتَابِيَّيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ بَطَلَ،.........

هذا الفصل مهم في هذا العصر؛ وذلك لأنه يكثر الدخول في الإسلام ـ والحمد لله ـ من أشخاص متزوجين، فهل إذا أسلم أحدهم ينفسخ نكاحه أو لا، يقول المؤلف:

«وإن أسلم الزوجان معاً أو زوجُ كتابيةٍ فعلى نكاحهما» إن أسلم الزوجان معاً، بأن تلفظا بكلمة الإسلام جميعاً، في لحظة واحدة، فهما على نكاحهما؛ لأنه لم يسبق أحدهما الآخر، ولم يختلفا ديناً، وهل هذا ممكن؟ الجواب: ممكن لكن فيه عسر، بأن يقول لهما قائل: قولا: لا إله إلا الله، فيقولان جميعاً: لا إله إلا الله، فحينئذٍ يكون إسلامهما معاً.

وذهب بعض العلماء، ومنهم الموفق صاحب المغني إلى أن الإسلام في المجلس كالإسلام معاً؛ وعللوا ذلك بأن الإسلام معاً من الأمور النادرة، ولا ينبغي أن تحمل الأحكام الشرعية على الأمور النادرة، بل إذا قالت المرأة مثلاً: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم قال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهما على نكاحهما، أو بالعكس.

وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن القول الأول فيه نوع من الحرج، فلو قدرنا أن الرجل كافر وامرأته كذلك وحضرا مجلساً دعيا فيه إلى الإسلام، فقالت الزوجة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، انفسخ النكاح، حتى لو قال الزوج بعدها مباشرة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؛ والسبب أنها لما قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله صارت مسلمة، والمسلمة لا تحل للكافر فينفسخ النكاح.

لكن القول بأن المجلس معتبر، وأنه كإسلامهما معاً قول فيه سعة، وله قوة.

وقوله: «أو زوج كتابيةٍ» وهي اليهودية أو النصرانية، فلو أن زوج كتابية أسلم، وبقيت هي على دينها، فإنهما يبقيان على نكاحهما لعدم وجود المانع؛ لأن المسلم يجوز أن يتزوج كتابية ابتداءً، وهنا استدامة فهي أقوى، فإذا كان يهودي تزوج يهودية، ثم أسلم هذا اليهودي، فإن النكاح بحاله، ولو بقيت هي على دينها، وكذلك لو كان نصرانياً تزوج نصرانية، ثم أسلم وبقيت هي على دينها فالنكاح بحاله، والأمر في هذا ظاهر؛ لأنه يحل له أن يتزوج النصرانية ابتداءً، فالدوام أقوى.

قوله: «فإن أسلمت هي أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل» أي: إذا كان الإسلام من المرأة، بأن تقدمت المرأة زوجها بالإسلام ولو بلحظة، وكان ذلك قبل الدخول فإن النكاح يبطل؛ وذلك لأنه لا عدة حتى نقول: إنه ينتظر انتهاء العدة، ويبطل لقوله تعالى في الكفار: {{لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}} [الممتحنة: 10] .

وإن تقدم إسلام الرجل فإن كانت المرأة كتابية فالنكاح بحاله، وإن كانت غير كتابية فإن النكاح يبطل، وهذا الكلام قبل الدخول، إذن، إذا كان قبل الدخول فله أربع حالات:

الأولى: أن يسلما معاً فالنكاح بحاله.

الثانية: أن يسلم الرجل، والزوجة كتابية، فالنكاح بحاله.

الثالثة: أن يسلم والزوجة غير كتابية فيبطل النكاح.

الرابعة: أن تسلم هي فيبطل النكاح.

 

فَإِنْ سَبَقَتْهُ فَلاَ مَهْرَ، وَإِنْ سَبَقَهَا فَلَهَا نِصْفُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وُقِفَ الأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الآخَرُ فِيهَا دَامَ النِّكَاحُ، وَإِلاَّ بَانَ فَسْخُهُ مُنْذُ أَسْلَمَ الأَوَّلُ،........

قوله: «فإن سبقته فلا مهر» أي: أسلمت قبله قبل الدخول فلا مهر لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، فنقول لها: لو بقيت على الكفر ما صار منك فرقة، لكن لما أسلمتِ صارت الفرقة من قبلك، فليس لك شيء من المهر، وهذا على قاعدة المذهب واضح؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها فلو شاءت لم تسلم، وهذا يدعوها إلى البقاء على دينها على الكفر!

قوله: «وإن سبقها فلها نصفه» يعني أسلم قبلها فلها نصفه، فإذا بقيت كافرة وزوجها أسلم تعطى نصف المهر؛ والسبب أن الفرقة من قبله، إذ لو شاء لم يسلم.

وفي المذهب قول أن الفرقة تكون من المتأخر إسلامه، فعلى هذا إذا أسلمت هي ولم يسلم فالفرقة منه، فيجب عليه نصف المهر؛ لأننا نقول: أنت الذي فرطت لِمَ لم تسلم؟ وإن كانت هي التي تأخرت وهو أسلم، فالفرقة من قبلها فلا يكون لها شيء، يعني عكس ما قاله المؤلف، وهذا يشجع على الإسلام، وهذا من الناحية الدينية وكونه فيه حث على الإسلام أقوى من المذهب، ومن ناحية التقعيد فالمذهب أقعد؛ لأن حقيقة الأمر أن الفرقة ممن تسبب لها، والذي تسبب لها الذي أسلم، فالمذهب أقرب إلى القواعد بقطع النظر عن كون هذا السبب محرماً أو جائزاً.

هذا إذا كان قبل الدخول، وأما إذا كان بعد الدخول، فيقول المؤلف:

«وإن أسلم أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة، فإن أسلم الآخر فيها دام النكاح، وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول» إذا كان الإسلام بعد الدخول فله صور أيضاً:

الأولى: أن يسلما معاً فيبقى النكاح.

الثانية: أن يسلم الزوج وهي كتابية فيبقى النكاح.

الثالثة: أن يسلم الزوج وهي غير كتابية فيوقف الأمر إلى أن تنقضي العدة؛ فلا تنقطع عُلق النكاح حتى تعتد، فإن أسلمت هي فالنكاح بحاله، وإن بقيت على كفرها تبين أن النكاح منفسخ منذ إسلام الزوج.

الرابعة: أن تسلم هي فنوقف الأمر إلى انقضاء العدة، فإن أسلم الزوج بقي النكاح، وإن لم يسلم تبين فسخه منذ أسلمت المرأة، هذا هو المشهور من المذهب.

وقال بعض أهل العلم: إنه إذا حصل اختلاف دين على وجه لا يقران عليه، بطل النكاح بمجرد الاختلاف ولا ينتظر، فالصورتان الأوليان النكاح باقٍ ولا إشكال، إنما الصورتان الأخريان يرى بعض العلماء كابن حزم وجماعة من أهل العلم، وهو رواية عن أحمد أنه ينفسخ بمجرد أن تسلم هي، أو يسلم هو وهي غير كتابية، ويعللون هذا بأن جميع أسباب الفسخ يكون فيها الفسخ من حين ما يوجد سببه، فكل سبب يبطل النكاح، فبمجرد ما يوجد يبطل النكاح، فاللعان يبطل النكاح بمجرد أن يوجد، والرضاع إن ثبت فبمجرد ثبوته يبطل النكاح.

وهناك قول ثالث عكس هذا الأخير: أنه لا ينفسخ النكاح إذا شاءت المرأة، أي: إذا أسلمت المرأة بعد الدخول وانقضت العدة لا نقول: انفسخ النكاح، فقبل انقضاء العدة لا يمكن أن تتزوج؛ لأنها في عدة الغير فنحبسها عن الزواج، وبعد انقضاء العدة نقول لها: إن شئت تزوجي، وإن شئت انتظري حتى يسلم زوجك، فلعله يسلم فترجعين إليه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ـ رحمهما الله ـ، وحسنه الشوكاني ـ رحمه الله ـ في نيل الأوطار، بل إن شيخ الإسلام لا يفرق بين ما قبل الدخول وبعده؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ما دام أنه معقود على وجه صحيح، وسبب الصحة باقٍ، ولم يحفظ عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه فرق بين الرجل وامرأته إذا سبقها بالإسلام، أو سبقته به، وقال أيضاً: لدينا دليل على ثبوت ذلك، فهذا أبو العاص بن الربيع ـ رضي الله عنه ـ زوج زينب بنت الرسول صلّى الله عليه وسلّم أسلم متأخراً عن إسلامها؛ لأنها أسلمت في أول البعثة، وما أسلم هو إلا بعد الحديبية، حين أنزل الله تعالى: {{فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}} [الممتحنة: 10] ، فبين إسلامه وإسلامها نحو ثماني عشرة سنة، وردها النبي صلّى الله عليه وسلّم بالنكاح الأول ولم يجدد نكاحاً، وهذا دليل واضح جداً، وكذلك صفوان بن أمية ـ رضي الله عنه ـ أسلمت زوجته قبل أن يسلم بشهر؛ لأنها أسلمت عام الفتح وهو ما أسلم إلا بعد غزوة الطائف، وأقره النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ على نكاحه[(146)]، ويقول شيخ الإسلام: القياس إما أن ينفسخ النكاح بمجرد اختلاف الدين، كما قاله ابن حزم؛ لأنه وجد سبب الفرقة إذا قلنا: إن الإسلام سبب للفرقة، وإما أن يبقى الأمر على ظاهر ما جاء في السنة، وهو أنه لا انفساخ، لكن ما دامت في العدة فهي ممنوعة من أن تتزوج من أجل بقاء حق الزوج الأول، وبعد انقضاء العدة إذا شاءت أن تتزوج تزوجت، وإن شاءت أن تنتظر لعل زوجها يسلم فلا حرج، وهذا الذي قاله هو الذي تشهد له الأدلة، ولأنه القياس حقيقة.

واعلم أنه ورد في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في قصة أبي العاص بن الربيع ـ رضي الله عنه ـ أنه كان بين إسلامه وإسلام زينب ست سنين[(147)]، ولكن يقول ابن القيم: إن هذا وهمٌ، أو أن المراد بالإسلام الهجرة، أي بين إسلامه وهجرتها ست سنين، وأما بين إسلامه وإسلامها فنحو ثماني عشرة سنة؛ لأنها أسلمت أول البعثة وهو ما أسلم إلا بعد الحديبية، وقد أقام النبي صلّى الله عليه وسلّم بمكة ثلاث عشرة سنة من بعد البعثة مع ست سنين، فهذه تسع عشرة سنة، فإذا قدرنا أنها أسلمت في السنة الثانية، فتكون نحو ثماني عشرة سنة، وبقيت معه حتى الحديبية؛ لأنه لم ينزل التحريم إلا في الحديبية، قال تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}} [الممتحنة: 10] .

 

وَإِنْ كَفَرَا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وُقِفَ الأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ العِدَّةِ، وَقَبْلَهُ بَطَلَ.

قوله: «وإن كفرا أو أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة، وقبله بطل» ، اعلم أنهما إذا كفرا بعد الإسلام فإنهما لا يمكنان من البقاء في الدنيا؛ لأنهما يستتابان فإن تابا، وإلا ضربت عنقهما.

لكن كلام الفقهاء هنا بيان لحكم المسألة فيما لو تأخر الأمر، أو كان ـ مثلاً ـ في بلد لا يهتمون بمن يكفر ومن يسلم، فلا بد أن نعلم الحكم، فإذا كفرا أو أحدهما قبل الدخول، يقول المؤلف: بطل النكاح.

وظاهره سواء كفرا معاً أو تأخر كفر أحدهما، كفرا معاً مثاله: بعد ما عقدا النكاح، جاءهما شخص خبيث، ودعاهما إلى الكفر، فقال لهما: اكفرا بالله، فقالا جميعاً: كفرا بالله، فيبطل النكاح؛ لأنهما لا يقران على هذا الدين أصلاً، وإن كفر أحدهما قبل الآخر ـ أيضاً ـ بطل النكاح، هذا إذا كان قبل الدخول.

وإذا كان بعد الدخول، قال المؤلف:

«وقف الأمر على انقضاء العدة» لا نقول هنا: إذا كان يهودياً، أو نصرانياً، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه إذا كفرت المرأة، فانتقلت من الإسلام إلى اليهودية فإنها لا تقر، فلا يحل نكاحها، لأنها مرتدة، إذاً نقول: إذا كفرا بعد الدخول، أو أحدهما يوقف الأمر على انقضاء العدة، فلا ينفسخ، بل ننتظر حتى تنتهي العدة، فإن رجع للإسلام بقي النكاح، قال في الروض[(148)]: «فإن تاب من ارتد قبل انقضائها فعلى نكاحهما، وإلا تبينا فسخه منذ ارتد» لا نقول هنا: إن ارتد الآخر دام النكاح، بل نقول: فإن تاب من ردته بقي النكاح؛ لأن الآخر مسلم، وإن لم يتب فرق بينهما.

وشيخ الإسلام يرى في هذه المسألة ما رآه في المسألة الأولى، يقول: قبل انقضاء العدة تمنع المرأة من النكاح، وبعد انتهاء العدة لها أن تنكح، لكن لو أرادت ألا تنكح لعل زوجها يسلم فلها ذلك، فحينئذ يكون الأمر في الارتداد في الكفر كالأمر في الإسلام، إلا أنه في مسألة الردة ما نقول: إن ارتد الآخر، بل نقول: إن رجع الأول عن ردته تبينا بقاء النكاح.

وهذه المسألة الأخيرة كثيرة الوقوع في زماننا، في ترك الصلاة، فكثير من الناس لا يصلي ـ والعياذ بالله ـ، فإذا تبينا قبل الدخول أنه لا يصلي، فمن الأصل ما صح العقد، فالعقد باطل؛ لأنه بنص القرآن أن الكافر لا يحل أن يتزوج المسلمة، وإن كان هناك خلاف هل يكفر تارك الصلاة أم لا؟ هذا شيء آخر.

لكن إذا حكمنا بكفره وهو القول الراجح، فإنه بنص القرآن يكون النكاح باطلاً

فإن كان عند العقد يصلي، لكن بعد ذلك صار لا يصلي، فإن كان قبل الدخول انفسخ العقد، ولها أن تتزوج في الحال، وإن كان بعده انفسخ العقد، ولكن تنتظر حتى تنقضي العدة، فإن هداه الله للإسلام فهو زوجها وإلا فلها أن تتزوج.

وكثير من النساء ـ والعياذ بالله ـ يمنعهن وجود الأولاد عن طلب الفسخ، وهذه مسألة عظيمة، فيقال: افسخي النكاح، ولا يجوز أن تبقي مع هذا الكافر الذي لا يصلي، وأولادك لن يفارقوك ما دام أبوهم على هذه الحال، فلا ولاية له عليهم، فالكافر لا ولاية له على مؤمن: {{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}} [النساء: 141] فلن يفرق بينك وبين أولادكِ، وأما هذا الزوج فلا خير فيه، زوج كافر تتركيه يستحل منك ما يحرم! هذا منكر عظيم.

 

---------------------------

 

[144]    أخرجه البخاري في الجزية/ باب الجزية والموادعة (3157) عن عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ.

[145]    وأما المذهب فإن المهر يبطل إذا كان فاسداً، ويفرض لها مهر المثل، انظر: شرح منتهى الإرادات (3/56)، وكشاف القناع (5/133).

[146]    أخرجه مالك في الموطأ (2/543) عن ابن شهاب أنه بلغه...

[147]    أخرجه أحمد (1/217)؛ وأبو داود في الطلاق/ باب إلى متى ترد عليه امرأته... (2240)؛ والترمذي في النكاح (باب ما جاء في الزوجين المشركين... (1143)؛ وابن ماجه في النكاح/ باب الزوجين يسلم أحدهما... (2009) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ غير أنه عند ابن ماجه «سنتين» وصححه الإمام أحمد كما في المسند، والحاكم (2/200) ووافقه الذهبي.

[148]    الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (6/361).

 

 

تاريخ التحديث : Feb 22, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com