المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر
بَابُ الهِبَةِ وَالعَطِيَّةِ
 

 

بَابُ الهِبَةِ وَالعَطِيَّةِ

 

وَهِيَ التَّبَرُّعُ بِتَمْلِيكِ مَالِهِ المَعْلُومِ المَوْجُودِ فِي حَيَاتِهِ غَيْرَهُ، ........

قوله: «الهبة والعطية» ، الهبة مصدر وَهَبَ يَهَبُ هِبَةً، وأصلها وِهْبَةٌ من وهب الشيء إذا أعطاه، مثل وعد يَعِدُ عِدة وأصلها وِعدة.

واعلم أن خروج المال بالتبرع يكون هبة، ويكون هدية، ويكون صدقة، فما قصد به ثواب الآخرة بذاته فهو صدقة، وما قصد به التودد والتأليف فهو هدية، وما قصد به نفع المعطَى فهو هبة، فهذا هو الفرق بينها، والتودد والتأليف من الأمور المقصودة شرعاً ويقصد بها ثواب الآخرة، لكن ثواب الآخرة لم يقصد فيها قصداً أولياً، ولهذا يخصها بشخص معين، أما الصدقة فلا يخصها بشخص معين، بل أي فقير يواجهه يعطيه، وكلها تتفق في أنها تبرع محض لا يطلب الباذل عليها شيئاً.

والعطية معطوفة على الهبة من باب عطف الخاص على العام؛ لأن العطية هي التبرع بالمال في مرض الموت المخوف، فهي أخص من الهبة، والهبة أن يتبرع بالمال في حال الصحة، أو في مرضٍ غير مخوف، أو في مخوف لم يمت به.

قوله: «وهي التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره» ، فقوله: «في حياته» متعلق بالتبرع، والتبرع تطوع، ولهذا لا يجوز من شخص عليه دَين ينقص الدينَ، فلو كان إنسان ليس عنده إلا عشرة ريالات وعليه عشرة ريالات، فلا يجوز له التبرع بهذه العشرة لا بصدقة ولا غيرها؛ لأن الدين واجب القضاء، وهذه التبرعات ليست بواجبة، والواجب مقدم.

وقوله: «غيرَهُ» مفعول لقوله: «تمليك» يعني هي أن يتبرع في الحياة بتمليك غيره ماله المعلوم، بمعنى أن الإنسان يتبرع بتمليك ماله لشخص في حال الحياة، ومعنى التبرع أنه لا يأخذ عليه مقابلاً.

وقوله: «ماله» المال كل عين مباحة النفع بلا حاجة.

وقوله: «تمليك» خرج به العارية؛ لأن العارية وإن كانت تبرعاً، لكنها ليست تمليكاً.

وقوله: «تمليك» يؤخذ منه شرط، وهو أن يكون الموهوب له ممن يصح تملكه، فلا يصح أن يهب جبريل عليه السلام؛ لأنه لا يصح تملكه.

وقوله: «ماله» خرج به مال غيره؛ لأنه لا يمكن أن يتبرع الإنسان بملك غيره.

وقوله: «المعلوم» خرج به المجهول، ولكن هذا غير صحيح، فالصحيح جواز هبة المجهول؛ لأنه لا يترتب عليه شيء؛ لأن الموهوب له إن وجد الموهوب كثيراً فهو غانم، وإن وجده قليلاً فلا ضرر عليه وهو غانم أيضاً، فلو وهب لشخص حملاً في بطن صح على القول الذي اخترناه، وهو صحة هبة المجهول.

وقوله: «الموجود» خرج به المعدوم.

وقوله: «في حياته» خرج به الوصية.

وقوله: «غيره» بيان للواقع.

مثال ذلك: شخص أعطى إنساناً كتاباً بدون قيمة، فإننا نسمي هذا هبة، فإن قصد بها ثواب الآخرة سمَّيناها صدقة، وإن قصد بها التودد إلى هذا الشخص فهي هدية، والغالب أن الهدية تكون من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الأدنى لا يريد أن ينفع الأعلى وإنما يريد التودد إليه.

والهبة تكون مع المساوي، ومع من دونه، لكنه لا يقصد بها ثواب الآخرة قصداً أولياً.

وهذه العقود الأربعة[(27)] ـ أيضاً ـ أوسع من عقود المعاوضات من وجه، وأضيق من وجه، فعقود المعاوضات كالبيع والإجارة تجوز حتى ممن عليه الدَّين، أما التبرعات فلا، وعقود التبرعات تجوز في الأشياء المجهولة، والمعاوضات لا تجوز.

 

وَإِنْ شَرَطَ فِيهَا عِوَضاً مَعْلُوماً فَبَيْعٌ ............

قوله: «وإن شرط فيها» ، أي: في الهبة.

قوله: «عوضاً معلوماً فبيع» ، يعني فلها حكم البيع، مثال ذلك: قال رجل لأخيه: وهبتك هذا على أن تعطيني عشرة ريالات، فنقول: هذه بيع ويثبت لها أحكام البيع، فيكون فيها خيار المجلس، ولا بد فيها من إيجاب وقبول، وسائر الشروط، ولهذا لو قلت لإنسان وأنت ذاهب معه إلى الجامع، وقد أذَّن الأذان الثاني يوم الجمعة: أعطيتك هذا القلم تبرعاً فإنه يجوز، ولو قلت: أعطيتك هذا القلم بشرط أن تعطيني خمسة ريالات فلا يجوز؛ لأنه بيع.

 

وَلاَ يَصِحُّ مَجْهُولاً، إِلاَّ مَا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ وَتَنْعَقِدُ بالإِيجَابِ وَالقَبُولِ وَالمُعَاطَاةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا وَتَلْزَمُ بِالقَبْضِ بِإِذْنِ وَاهِبٍ، إِلاَّ مَا كَانَ فِي يَدِ مُتَّهِبٍ،......

قوله: «ولا يصح مجهولاً» يعني لا يصح أن يهب شيئاً مجهولاً، وليس المراد لا يصح مجهولاً فيما شرط فيه العوض، وعلى هذا فلو أن شخصاً له جَمَلٌ شارد، وقال لآخر: وهبتك جملي الشارد، فإنه لا يجوز؛ لأنه مجهول وغير مقدور عليه فلا يصح، أو قال: وهبتك ما في هذا الكيس من الدراهم، فإنه لا يصح؛ لأنه مجهول، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ هو المذهب.

والقول الثاني وهو الصواب: أنه يصح أن يهب المجهول؛ وذلك لأن الهبة عقد تبرع، والإنسان فيها إما غانم وإما سالم، فليس هذا من باب الميسر الدائر بين غرم وغنم، بل بين غنم وسلامة، فإذا وهبته شيئاً مجهولاً وقبل فلا ضرر عليه؛ لأنه إما أن يحصل على شيء يريده، أو شيء لا يريده، فإن حصل على شيء يريده فهذا هو المطلوب، وإلا فلا ضرر عليه.

قوله: «إلا ما تعذر علمه» فتصح هبته، مثل أن يختلط ماله بمال شخص على وجه لا يُدرى عن كميته، ولا يتميز بعينه، فيقول: وهبتك مالي الذي اختلط في مالك، فهذا مجهول يتعذر علمه، فعلى المذهب يصح لدعاء الضرورة لذلك.

والصواب: أنه يصح هبة المجهول، سواء تعذر علمه أم لم يتعذر.

قوله: «وتنعقد» أي: الهبة.

قوله: «بالإيجاب» وهو اللفظ الصادر من الواهب.

قوله: «والقبول» وهو اللفظ الصادر من الموهوب له، فيقول: وهبتك هذا الكتاب، ويقول الثاني: قبلت، فالأول إيجاب والثاني قبول.

قوله: «والمعاطاة الدالة عليها» أيضاً تنعقد بالمعاطاة، أي بدون أن يتلفظ، بشرط أن تكون هذه المعاطاة دالة على الهبة، مثل أن يكون عند شخص وليمة، فأرسل إليه أخوه شاةً ولم يقل شيئاً، فأخذ الشاة وذبحها وقدمها للضِيفان، فتصح الهبة؛ لأن هذا دال عليها؛ لأن المرسل صديقه وأراد أن يساعده، فأرسل إليه الشاة ولم يقل: هبة؛ لأنه يخشى إذا قال: هبة، أن يكون فيها نوع من المنة، ورجل آخر بيده كتاب فرآه صاحبه، فلما رآه ينظر إليه أعطاه إياه بدون أن يقول: وهبتك، وبدون أن يقول ذاك: قبلت، فهذه المعاطاة الظاهر أنها تدل على الهبة، لا سيما إذا كان الواهب ممن عرف بالكرم، وإلا فقد يقال: إن الأصل بقاء ملكه، ولا تصح هذه الهبة؛ لأنه ربما أعطاه إياه من أجل أن ينظر فيه ويستفيد منه، والدليل على انعقادها بالمعاطاة أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يعطي الصدقات ويعطي من الفيء ولا يقول للمعطى: أعطيت، ولا يقول المعطى: قبلت؛ ولأن جميع العقود تنعقد بما دل عليها.

إذاً صيغتها نوعان: قولية، وفعلية، فالقولية هي الإيجاب والقبول، والفعلية هي المعاطاة الدالة عليها.

قوله: «وتلزم بالقبض بإذن واهب» إذا تمت الهبة بالإيجاب والقبول فليس فيها خيار مجلس، لكن فيها خيار مطلقاً حتى تقبض؛ لأنها لا تلزم إلا بالقبض، فلو قال: وهبتك كتابي الفلاني، فقال: قبلت، ولم يسلمه له، ثم رجع، فرجوعه جائز؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإذا قبضها فليس فيها خيار مجلس؛ لأن هذا عقد تبرع، والذي فيه خيار المجلس هو عقد المعاوضة.

والفرق بينهما ظاهر، ففي عقد المعاوضة أعطى الشارع المتعاقدين مهلة ما داما في المجلس؛ لأن الإنسان قد يرغب في السلعة، وإذا بيعت عليه نزلت من عينه، وهذا شيء مشاهد، فجعل له النبي صلّى الله عليه وسلّم الخيار إذا أحب أن يردها[(28)].

لكن الهبة ليس فيها معاوضة، فهو أعطيها مجاناً، حتى لو كان في الأول يحبها ثم أعطيها ونزلت من عينه، فهذا لا يضره شيء، والدليل على أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ وهب عائشة ـ رضي الله عنها ـ ثمرة نخل، ثم لما مرض رجع فيها، وقال لها: لو أنك جذذتيه كان لك، أما الآن فهو ميراث[(29)]، فدل هذا على أنها لا تلزم إلا بالقبض، والمسألة خلافية، لكن هذا المذهب في هذه المسألة ونحن نمشي عليه.

ولا بد ـ أيضاً ـ من إذن الواهب بذلك، فلو قال رجل: وهبتك بعيري الذي في حظيرتي، فقال: قبلت، ثم ذهب الموهوب له مسرعاً وأخذ البعير، فهل تلزم الهبة؟ المؤلف يقول: لا تلزم إلا إذا قال: اذهب فاقبضها، أو ذهب معه وأقبضه إياها، أما أن يقبض بدون إذنه فلا، فإذا قال قائل: أليس يلزم من الهبة الإذن في القبض؟ قلنا: لا يلزم؛ لأنه قد يندم الواهب فيرجع قبل القبض، وأنت إذا بادرت وقبضت بدون إذنه سددت عليه الباب، وهو له الحق أن يرجع حتى يسلمك إياها، أو يأذن لك بالقبض، فلهذا اشترط ذلك المؤلف فقال: «بإذن واهب» .

قوله: «إلا ما كان في يد متَّهب» ، فما كان في يد متَّهب لا يحتاج إلى إذن، كشخص استعار كتاباً من آخر والكتاب في يده، فقال له مالك الكتاب: قد وهبتك كتابي الذي استعرته مني، فلا يحتاج أن يقول: وهل تأذن لي في قبضه؟ لأنه في يده، فصار بعد الهبة مقبوضاً.

فإن قال قائل: إن قبضه هنا يختلف، فقبضه قبل الهبة على أن يده يد أمانة لا يد مالك، وبعد الهبة صارت يده يد مالك، نقول: هذا الفرق لا يؤثر؛ لأن العبرة هل الموهوب وصل إلى الموهوب له أو لا؟ وحينئذٍ نقول: إنه قد وصل، ومثل العارية الوديعة، كما إذا أعطيت شخصاً كتاباً، وقلت له: خذ هذا الكتاب احفظه عندك حتى أطلبه منك، ثم وهبته إياه، فهذا لا يحتاج إلى إذن في القبض، حتى المغصوب، فالعلماء يقولون: لو أن رب المال قال للغاصب: قد وهبتك ما غصبت، لزمت بمجرد القول؛ لأنها عنده.

ولو أن الواهب مات بعد أن وهب الهبة ولم يقبضها الموهوبُ له، فهل تلزم الهبة؟ لا تلزم؛ لأن الموهوب له لم يقبضها، والمال يرجع إلى الورثة؛ لأنها هبة لم تلزم، ولو وهب شيئاً ولم يُقبِضه ثم باعه فإن البيع يصح؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإذا لزمت بالقبض فإن الملك يكون من عقد الهبة، ونظيره إذا بعت عليك سلعة، فما دمنا في مجلس العقد فلكل واحد منا الخيار، فإذا تفرقنا لزم البيع، ويكون دخول ملك المبيع للمشتري من حين العقد لا من حين التفرق، وعلى هذا فإذا قلنا: إن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإنه ما دام لم يقبضها الموهوب له فللواهب الرجوع، فإذا قبضها فهي ملك الموهوب له، وملكه من العقد، فصارت تملك بالعقد، ولا تلزم إلا بالقبض.

وعلى هذا فلو نَمَتْ فالنماء من نصيب الموهوب له، ويجب على الواهب أن يرده إلى الموهوب له.

 

وَوَارِثُ الوَاهِبِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَمَنْ أَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ بِلَفْظِ الإِحْلالِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوِ الهِبَةِ وَنَحْوِهَا بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَتَجُوزُ هِبَةُ كُلِّ عَيْنٍ تُبَاعُ، وَكَلْبٍ يُقْتَنَى......

قوله: «ووارث الواهب يقوم مقامه» يعني في الإقباض وعدمه، فإذا مات الواهب بعد الإيجاب والقبول قبل أن يسلمها، فلورثته الحق في أن يمنعوا التسليم ولهم أن ينفذوها ويسلموها.

وعلم من قوله: «ووارث الواهب» أن وارث المتَّهب لا يقوم مقامه، وعلى هذا فلو وهب شيئاً لشخص ثم مات الموهوب له قبل القبض، بطلت الهبة؛ لأنه تعذر قبضه بعد أن مات.

فإن قال قائل: ما الفرق بين هذا وهذا؟

نقول: لأنه في مسألة الواهب عقد يؤول إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت، أما المتهب إذا مات ولم يقبض شيئاً فليس هنا شيء حتى يرجع إلى ورثته، ولذلك فرَّقوا ـ رحمهم الله ـ بين موت الواهب فقالوا: لا تبطل الهبة به ويقوم وارثه مقامه، وبين موت المتهب فقالوا: إن الهبة تبطل لتعذر القبض حينئذٍ.

قوله: «ومن أبرأ غريمه من دينه» ، «من» شرطية عامة، فتشمل الغني والفقير، والمحجور عليه والطليق، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، ولكن هذا ليس على عمومه، فمراد المؤلف: من أبرأ غريمه بشرط أن يكون ممن يصح تبرعه، فهو عام أريد به الخاص، وعليه لو أبرأ المحجور عليه غريمه من دَينه لم يبرأ؛ لأن المحجور عليه لا يصح تصرفه في ماله.

ولو أبرأ ولي اليتيم غريم اليتيم من دَينه لم يبرأ؛ لأن ولي اليتيم لا يصح منه الإبراء.

ولو أبرأ الوكيل غريم الموكل من دينه لا يبرأ؛ لأن الوكيل يتصرف وليس له أن يتبرع، وهلم جرًّا، فكل من يتصرف في مال غيره لا يمكن أن يتبرع به.

وقوله: «غريمه» ، أي: الذي يطلبه، فلدينا طالب ومطلوب، فالمدين يسمى غريماً.

وقوله: «من دينه» ، ظاهره أنه لا فرق بين أن يكون كثيراً أو قليلاً.

وعُلِم من كلمة «دَينه» أنه لا بد أن يكون الدَّين معيَّناً، فإن كان له على شخص دَينان أحدهما (بُرٌّ) والآخر (شعير) فأبرأه من أحدهما، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يبرأ؛ لأنه لم يعين الدَّين الذي أبرأه منه.

والصواب: أنه يبرأ من أحدهما، ويرجع في التعيين إلى المبرئ؛ لأن المبرَأ لم يملك ذلك إلا من قبل المبرِئ، ولأن هذا من جهته وهو أعلم بما أراد.

فلو أن رجلاً له على شخص مائة دينار ومائة درهم، ثم قال له: أبرأتك من أحد دَينيك، ولم يعين لا الدنانير ولا الدراهم، فقال المدين: هي الدنانير، وقال المبرِئ: هي الدراهم، فنرجع هنا إلى قول المبرئ؛ لأنه أعلم بنيته، والمال ماله فيبرئه مما شاء، لكن على المذهب لا يجوز إلا ديناً معيناً لقوله: «من دَينه» .

وقوله: «من دَينه» ، لو أبرأه من دَين غيره، وقال للمدين: إني أبرأتك من دين فلان وأنا أقضيه، فلا يصح ولا يبرأ، وقوله: وأنا أقضيه، هذا وعد والوعد لا يُلزِم، فلا بد أن يكون من دينه لا من دَين غيره.

قوله: «بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها» ، هذه مسألة لا بد أن نعرفها تماماً، فقوله: «بلفظ» احترازاً مما لو أبرأه بقلبه، كرجل له في ذمة فلان ألف ريال، فنوى بقلبه أنه أبرأه لكن لم يقل: إني أبرأته، أو لم يقل له: أبرأتك، أو أحللتك، أو سامحتك أو تصدقت عليك أو وهبته لك، فلا يبرأ، وهذا مثل إنسان يعين دراهم للصدقة بها، وقبل أن يتصدق منعها، فلا حرج عليه.

قوله: «برئت ذمته» ، أي ذمة الغريم، وبقي حراً طلقاً ليس عليه دين.

قوله: «ولو لم يقبل» ، أي: فإن الدَّين يسقط ولو لم يقبل؛ لأن الدين وصف في الذمة، فإبراؤه منه إزالة وصف عن المدين، وليس إدخال ملك عين عليه كالهبة، ولهذا لم يشترط في الإبراء قبول المبرَأ، بخلاف الموهوب له فإنه يشترط قبوله، وهذه هي قاعدة المذهب: أن الأوصاف لا يشترط فيها القبول، ولهذا لو كان في ذمة زيد لعمرو مائة صاع بر وسط، فأعطاه زيد مائة صاع من البر الجيد، فقال صاحب الدين: أنا لا أقبل إلا الوسط، فلا يشترط قَبول صاحب الدين؛ لأن هذا وصف، فإنه لم يعطه أكثر من مائة بل زاده خيراً في الوصف، لكن لو أراد أن يزيده صاعاً واحداً، فلا يصح إنشاء الزيادة إلا بقبول ممن له الدَّين.

وقال بعض أهل العلم: لا تبرأ ذمته إلا بالقبول؛ لأن المبرأ ربما يلاحظ شيئاً آخر وهو المِنَّة.

والصحيح في هذا التفصيل: أنه إن رد الإبراء دفعاً للمنَّة عليه فإنه لا يُلزَم بذلك؛ لأن المبرَأ قد يقول: لو أنني قبلت لأصبح هذا الرجل يتحدث بين الناس: إني أبرأت فلاناً، أو كلما حصل شيء قال: هذا جزائي حين أبرأتك من دينك! فهنا إذا لم يقبل فله الحق؛ لأنه يقول: أنا لم أقبل خوفاً من المنة، ولا شك أن هذا وصف كل إنسان يحب أن يدفعه عن نفسه.

مسألة: إذا أبرأ غريمه من الدين فهل تجب عليه الزكاة؟ بمعنى أنه لو كان له دين عند شخص وتمت عليه السنة فأبرأه منه، فهل تجب عليه زكاته؛ لأن إبراءه كقبضه أو لا تجب؟

الجواب: فيه تفصيل: إن وجبت الزكاة في هذا الدين لم يسقطها الإبراء، وإن لم تجب فإنه يسقطها الإبراء، فهذا هو الضابط، مثل أن يبرئ فقيراً أو ما أشبه ذلك فهنا لا تجب، وأما القول بأنه إذا أبرأه منه فإن الزكاة واجبة على كل حال؛ لأن الإبراء كالقبض، والدين إذا قبض ـ سواء على غني أو على فقير ـ فإن الزكاة فيه واجبة، فهو ضعيف.

قوله: «وتجوز هبة كل عين تباع» ، أفادنا ـ رحمه الله ـ أن الهبة إنما تكون في الأعيان، وأما الدين فيسمى إبراءً.

وقوله : «تباع» أي: يصح بيعها، فخرج بذلك ما لا يصح بيعه.

وظاهر كلامه أن ما لا يصح بيعه ولو لجهالته، أو عدم القدرة عليه لا تصح هبته، والصحيح في هذا أن ما لا يصح بيعه لجهالته، أو الغرر فيه، فإن هبته صحيحة، كما لو أبق عبد لشخص فقال لصاحبه: إني قد وهبتك عبدي الآبق، فقبل، فالصواب جواز هذا؛ لأن الموهوب له إن أدركه فهو غانم وإن لم يدركه فهو سالم، بخلاف البيع، وكذلك المجهول تصح هبته على القول الراجح؛ لأن الموهوب له إما سالم وإما غانم، فلا يكون ذلك من باب الميسر الذي حرمه الله ـ عزّ وجل ـ في كتابه.

ولو وهب موقوفاً فإنه لا تصح هبته؛ لأن الموقوف لا يصح بيعه، ولو وهب مرهوناً لم يصح؛ لأن المرهون لا يصح بيعه، ولو وهب مؤجَّراً صحت الهبة؛ لأن المؤجر يصح بيعه، ولكن لا يملك الموهوب له منافعه حتى تتم مدة الأجرة، فلو أجَّر بيته لمدة سنة، ووهبه آخر بعد مضي ستة أشهر فالهبة صحيحة، ولكن الموهوب له لا يملك المنافع إلا إذا تمت المدة، بمعنى أن حق المستأجر ثابت على ما هو عليه، أما ما يستحقه من الأجرة فإنه للموهوب له من حين ما وُهِبَ له بقسطه.

قوله: «وكلب يقتنى» يعني وتصح هبة الكلب الذي يقتنى، أي: يجوز اقتناؤه، مع أن الكلب لا يصح بيعه؛ لأن المحرم هو أخذ العوض عليه، فإن وهبه بلا عوض فلا بأس به، وهبته ـ أيضاً ـ ليست هبة حقيقة، ولكنها عبارة عن تنازل عن اختصاص بهذا الكلب، وإلا فالكلب لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه لا تصح هبته.

وقوله: «وكلب يقتنى» أفادنا ـ رحمه الله ـ أن الكلب الذي لا يقتنى لا تصح هبته؛ وذلك لأن الواهب في هذه الحال لا حق له فيه حتى يهبه.

والذي يُقتنى هو ما كان لثلاثة أمور: إما الحرث، وإما الماشية، وإما الصيد[(30)]، فهذه ثلاثة أشياء يجوز اقتناء الكلب لها بشرط ألا يكون أسود، فإن كان أسود فإنه لا يجوز اقتناؤه؛ لأنه لا يحل صيده؛ ولأنه شيطان[(31)] فلا يحل اقتناؤه، لكن الكلب الذي يجوز اقتناؤه يجوز للمقتني أن يهبه؛ وذلك لأن هبته حقيقتها التنازل عن حقه في هذا الكلب.

فإن اقتنى كلباً في حال لا يباح اقتناؤه فيها ووهبه، فهذا لا يصح؛ وذلك لأن هذا الواهب لهذا الكلب ليس له حق فيه، إذ أنه لا يجوز له أن يقتنيه، فكيف يتنازل عن شيء لا حق له فيه؟!

 

فَصْلٌ

 

يَجِبُ التَّعْدِيلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلاَدِهِ بِقَدْرِ إِرْثِهِمْ، ......

قوله: «يجب» ، الواجب هو الذي يثاب فاعله امتثالاً ويستحق العقاب تاركه.

قوله: «التعديل» ، بمعنى أن يعاملهم بالعدل.

قوله: «في عطية أولاده» ، يشمل الذكر والأنثى، والمراد بالعطية هنا الهبة، فهي أعم من العطية في مرض الموت.

ودليل الوجوب حديث النعمان بن بشير بن سعد ـ رضي الله عنهما ـ أن أباه نحله نِحلة، فقالت أم النعمان ـ رضي الله عنها ـ: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذهب بشير بن سعد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأخبره ليشهده على ذلك، فقال له: ألك بنون ؟ قال: نعم، قال: أنحلتهم مثل هذا ؟ قال: لا، قال: «لا أشهدُ، أَشْهِدْ على هذا غيري، فإني لا أشهد على جَوْر» ، ثم قال: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، أتحب أن يكونوا لك في البر سواءً؟» ، قال: نعم[(32)]، فرجع بشير بن سعد في هبته لولده النعمان.

قوله: «بقدر إرثهم» ، يعني أن يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين وهذا في العطية المحضة، فلو أعطاهم بالسوية لكان هذا جَوْراً، لأنه زاد الأنثى ونقص الذكر، أما ما كان لدفع الحاجة فإن يتقدر بقدرها.

وما ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ هو القول الراجح، أن الأولاد يعطون على حسب ما ذكر الله ـ عزّ وجل ـ في كتابه في إرثهم: {{لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] ولا شك أنه لا أعدل من قسمة الله ـ عزّ وجل ـ، ومن قال: إن هناك فرقاً بين الحياة والممات، فإنه يحتاج إلى دليل على ذلك، فنقول: هم في الحياة وبعد الممات سواء.

وأفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله: «في عطية» أنه بالنسبة للنفقة لا يكون التعديل بينهم بقدر إرثهم، بل بقدر حاجتهم، فيجب التعديل في الإنفاق على ولده بقدر الحاجة، فإذا قدر أن الأنثى فقيرة، والذكر غني، فهنا ينفق على الأنثى ولا يعطي ما يقابل ذلك للذكر؛ لأن الإنفاق لدفع حاجة، فالتعديل بين الأولاد في النفقة أن يعطي كل واحد منهم ما يحتاج، فإذا فرضنا أن أحدهم في المدارس يحتاج إلى نفقة للمدرسة، من كتب ودفاتر وأقلام وحبر وما أشبه ذلك، والآخر هو أكبر منه لكنه لا يدرس، فإذا أعطى الأول لم يجب عليه أن يعطي الثاني مثله.

ولو احتاج الذكر إلى غترة وطاقية قيمتهما مائة ريال مثلاً، واحتاجت الأنثى إلى خرصان في الآذان قيمتها ألف ريال، فالعدل أن يشتري لهذا الغترة والطاقية بمائة ريال، ويشتري للأنثى الخرصان بألف ريال، وهي أضعاف الذكر عشر مرات، فهذا هو التعديل.

ولو احتاج أحدهم إلى تزويج والآخر لا يحتاج، فالعدل أن يعطي من يحتاج إلى التزويج ولا يعطي الآخر، ولهذا يعتبر من الغلط أن بعض الناس يزوج أولاده الذين بلغوا سن الزواج، ويكون له أولاد صغار، فيكتب في وصيته: إني أوصيت لأولادي الذين لم يتزوجوا، أن يُزَوج كل واحد منهم من الثلث، فهذا لا يجوز؛ لأن التزويج من باب دفع الحاجات، وهؤلاء لم يبلغوا سن التزويج، فالوصية لهم حرام، ولا يجوز للورثة ـ أيضاً ـ أن ينفذوها إلا البالغ الرشيد منهم إذا سمح بذلك، فلا بأس بالنسبة لحقه من التركة.

وهنا مسائل:

الأولى : هل يفضِّل بينهم باعتبار البِرِّ؟ يعني إذا كان أحدهما أبر من الآخر، فقال: سأعطي البار أكثر مما أعطي العاق؛ تشجيعاً للبار وحثاً للعاق؟ فهذا لا يجوز؛ لأن البر ثوابه أعظم من دراهم تعطيه إياها، فالبر ثوابه عند الله ـ عزّ وجل ـ، ولا تدري فلعل البار اليوم يكون عاقاً بالغد، والعاق اليوم يكون باراً بالغد، فلا يجوز أن تفضله من أجل برِّه.

الثانية : إذا كان أحد الأولاد يعمل معه في متجره أو مزرعته، فهل يجوز أن يعطيه زيادة على الآخر الذي لم ينتفع منه بشيء؟ فيه تفصيل: إن كان الذي يُعِين أباه يريد بذلك وجه الله فإنه لا يعطيه شيئاً؛ لأنه يدخل في البر، وإن كان يريد عوضاً على ذلك، أو أن أباه فرض له العوض قبل أن يعمل فلا بأس، ولكن يُعطى مثل أجرته لو كان أجنبياً.

الثالثة: إذا كان أحد الأبناء كافراً بردة، أو من الأصل لم يدخل في الإسلام، فبعض العلماء يقول: لا يجب التعديل؛ لأن الله تعالى قال: {{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ *}} [القلم] .

وبعض العلماء قال: بل يجب التعديل؛ لأن هذا حق سببه الولادة، وهي ثابتة في الكافر كما هي ثابتة في المسلم، وينبغي أن يقال: ينظر للمصلحة إذا كان إعطاؤه للمسلم دون الكافر يقتضي أن يقرب الكافر للإسلام فيدخل في الإسلام، فهذا يعطي المسلم، وإن لم يكن مصلحة فلا يجوز، بل يجب التعديل.

وقوله: «في عطية أولاده» هل يقاس عليهم بقية الورثة؟ يعني لو كان للإنسان أخوان شقيقان، فهل يجوز أن يعطي أحدهما دون الآخر؟

ظاهر كلام المؤلف: يجوز؛ لأنه خص وجوب التعديل بالأولاد فقط، وهذا هو الحق؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»[(33)]، ولم يقل: «بين ورَّاثكم»، والنبي صلّى الله عليه وسلّم أعطي جوامع الكلم، ولو كان التعديل واجباً بين جميع الورثة لبينه النبي صلّى الله عليه وسلّم.

لكن إذا كان له أخوان، وخاف إذا أعطى أحدهما كان ذلك سبباً للقطيعة بالنسبة للآخر، فهنا له أن يعطيه، لكن يجب أن يجعل العطاء سرًّا؛ حتى لا تحصل القطيعة من الأخ الثاني، وهنا الواجب ليس هو التعديل، بل الواجب هو دفع ما يخشى منه من قطيعة الرحم، وهذا يحصل بالإسرار.

وما قاله المؤلف من أن التعديل يكون بقدر إرثهم هو القول الراجح، ودليله قسمة الله ـ تبارك وتعالى ـ للأولاد أن للذكر مثل حظ الأنثيين.

وقال بعض العلماء: إن التعديل يكون بالتسوية، أي أن يعطي الأنثى كما يعطي الذكر، واحتجوا بظاهر عموم حديث النعمان ـ رضي الله عنه ـ: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» ، و«أولاد» صالحة للذكر والأنثى، وبقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟»[(34)]، فظاهره أنهم يعطون بالسوية ليكون البر بالسوية، ولكن لا دلالة في ذلك.

أما الأول: فإن قوله: «اعدلوا بين أولادكم» ، ولم يقل سوّوا، بل قال: «اعدلوا» ، ولا نرى أعدل من الله ـ عزّ وجل ـ وقد قال الله تعالى: {{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] ، فالعدل أن يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين.

ثانياً: أنه في بعض ألفاظ الحديث قال: «ألك بنون؟» [(35)] قال: نعم، قال: «هل أعطيتهم مثله؟» قال: لا، قال: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» ، فقوله: «ألك بنون» يفيد أن القضية بين النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ وإخوانه وهم ذكور، وأنه ليس هناك أخوات فإذا كانوا ذكوراً فإنه يجب التسوية.

ثالثاً: أن قوله: «أتريد أن يكونوا لك في البر سواء؟» نقول: هم إذا علموا أن أباهم أعطاهم على حسب قسمة الله، لم يكن في قلب أحدهم حقد ولا غل على الأب، فيبرُّونه على السواء، فالصواب ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ أن التعديل يكون بقدر إرثهم.

 

فَإِنْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ سَوَّى بِرُجُوعٍ أَوْ زِيَادَةٍ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ ثَبَتَتْ وَلاَ يَجُوزُ لِواهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ اللاَّزِمَةِ إِلاَّ الأَبِ ......

قوله: «فإن فضَّل بعضهم» يعني أعطاه أكثر من الآخر أو خصَّه بعطاء.

قوله: «سوَّى» أي بينهم، ولو قال المؤلف: (عَدَّل) لكان أولى؛ لأن أول كلامه يقول: «يجب التعديل» ولم يقل: التسوية، ثم إن قوله: «سوَّى» ليس على إطلاقه؛ لأنه لو قلنا: «سوَّى» للزم أن نعود إلى مشكلة، وهي أن يكون الذكر والأنثى سواء، وليس ذلك مراداً، وعلى كل حال فمراده بالتسوية هنا التعديل.

قوله: «برجوع» على من فُضِّل ليساوي الناقص.

قوله: «أو زيادة» لمن فُضِّل عليه، فمثلاً إذا أعطى أحدهم ألف ريال، وأعطى الثاني ألفين، فطريق التسوية، إما أن يأخذ من الذي أعطاه ألفين ألفاً، وهذا هو قوله: «برجوع» ، وإما أن يضيف إلى الذي أعطي ألفاً ألفاً أخرى، وهذا معنى قوله: «أو زيادة» .

وهناك طريق ثالث: وهي أن يأخذ من الجميع، فيأخذ ممن أعطاه ألفين وممن أعطاه ألفاً، فيكون راجعاً في الهبة، ورجوع الوالد في الهبة جائز كما سيأتي إن شاء الله.

فإن قال قائل: هل هذا الحكم يشمل الأم والأب؟

فالجواب: نعم، يشمل الأم والأب؛ لأن العلة واحدة، فإذا أعطت الأم أحد أولادها شيئاً فلتعطِ الآخر مثله، ويكون للذكر مثل حظ الأنثيين.

فإن قال قائل: وهل يشمل ذلك الجد، يعني لو كان له أولادُ أولادٍ، فهل يجب أن يُعَدِّل بينهم؟

الجواب: الظاهر أنه لا يجب؛ لأن قوة الصلة بين الأب وابنه، أقوى من قوة الصلة بين الجد وأبناء أبنائه، لكن لو كان هناك خوف من قطيعة رحم، فيتجه مراعاتهم بأن يعطي من يعطي على وجه السر.

قوله: «فإن مات قبله» أي: قبل التسوية.

قوله: «ثبتت» أي: ثبتت العطية، يعني إذا مات الأب الذي فضل بعض الأولاد قبل أن يسوي ثبتت العطية، فإذا أعطى أحدهم ـ مثلاً ـ عشرة آلاف ريال تبرعاً لا نفقة ثم مات، فهذا العطاء يعتبر ملكاً للآخذ ويثبت؛ لأنه لم يتمكن من الرجوع أو تمكن ولكنه فرط، فالمطالب بالرجوع هو الأب وقد مات، فسقط عنه التكليف بموته، والابن الذي فُضِّل مَلَكه ملكاً تاماً، هذا المذهب وهو قول ضعيف؛ لأنه لا يجوز أن نمكن هذا الابن من أَخْذِ مالٍ لا يجوز له أخذه.

والصواب: أنه إذا مات وجب على المفضَّل أن يرد ما فضِّل به في التركة، فإن لم يفعل خصم من نصيبه إن كان له نصيب؛ لأنه لما وجب على الأب الذي مات أن يسوي، فمات قبل أن يفعل صار كالمدين، والدين يجب أن يؤدى، وعلى هذا نقول للمفضَّل: إن كنت تريد بر والدك فرد ما أعطاك في التركة.

ولكن هل للورثة الرجوع، أو الهبة لم تصح من الأصل؟

فيها قولان: قيل: إن العطية لم تصح من الأصل.

وقيل: إنها صحت، لكن إذا مات وهو لم يسوِ فللورثة الرجوع، ويجب على المفضل أن يردها في التركة.

والفرق بين القولين: أننا إذا قلنا: إنها لم تصح من الأصل، فإن ما حصل من نماء بين العطية والموت يكون للورثة؛ لأن العطية لم تصح أصلاً، وإذا قلنا بالصحة ولكن لهم الرجوع، فما حصل من نماء منفصل فهو للموهوب له.

لكن على كل حال القول بأنها تثبت قول ضعيف، والصواب أنه يجب على المفَضَّل أن يرد الزيادة في التركة، أو تخصم من نصيبه.

فإن قال قائل: إذا كان أحدهم يحتاج إلى سيارة والآخرون لا يحتاجون؛ لأن الأول مدرسته بعيدة والآخرون مدرستهم قريبة، فهل يجوز أن يشتري للذي يحتاج السيارة سيارة؛ لأنه يحتاجها؟

لا يجوز؛ لأنه إنما يحتاج للنفع فقط، وهو ركوبها إلى المدرسة ورجوعه، وهذا يحصل بأن تكتب السيارة باسم الوالد، ويبقى الانتفاع للولد، بحيث إذا مات الوالد ترجع هذه السيارة في التركة، ولا يجوز للإنسان أن يُملِّك الولد السيارة؛ لأن المقصود دفع الحاجة، ودفع الحاجة يحصل بدون تمليك؛ لأنه ربما يعطيه السيارة بستين ألفاً اليوم ويموت الأب غداً.

فلذلك نقول: هذه مسألة يجب التفطن لها، إذا كان أحد الأبناء يحتاج إلى سيارة والآخرون لا يحتاجون، فإننا لا نعطي المحتاج سيارة باسمه، ولكن تكون السيارة باسم الأب، وهذا يدفع حاجته بانتفاعه بها، وإذا مات الأب ترجع في التركة.

إذاً القول الراجح: أنه إذا مات فإنها لا تثبت العطية، ويجب ردها في التركة.

قوله: «ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة إلا الأب» ، «واهب» نكرة في سياق النفي، فتعم كل واهب، ويدل على إرادة العموم الاستثناء في قوله: «إلا الأب» ، وقد قال العلماء ـ رحمهم الله ـ: إن الاستثناء معيار العموم.

وقوله: «هبته اللازمة» احترازاً من الهبة غير اللازمة، والهبة اللازمة هي المقبوضة، وغير اللازمة هي التي لم تقبض، فلو قال لشخص: وهبتك سيارتي الفلانية، وقال: قبلت، وبعد أن وهبها رجع، فالرجوع جائز وصحيح؛ لأنه لم يقبضها، والهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإذا قبضها وأراد الرجوع، فإنه لا يحل له ولا يملك أيضاً، حتى في مجلس الهبة، فلو أنه وهبه قلمه وهما في المجلس، وقال: رجعت بعد أن قبضها الموهوب له فإنه لا يملك ذلك؛ لأنها ثبتت ولزمت فيحرم أن يرجع في هبته اللازمة؛ وذلك أن الهبة بعد القبض تصير ملكاً للموهوب له، فإذا رجع فيها فقد أخذ ملك غيره بغير حق فصار هذا حراماً، هذا تعليل المسألة من حيث النظر.

أما من حيث الأثر فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لنا مَثَلُ السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» [(36)]، فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لنا مثل السوء» ، هذه الجملة مفيدة جداً في الذين يمثلون أصوات الحيوان مثلاً، فيقال: ليس لنا مثل السوء، هكذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم فلا يجوز التمثيل بالحيوانات.

وقوله: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» مثل يراد به التقبيح والتنفير، فالكلب خسيس، من أخس الحيوان وأقبحه، بل هو أنجس الحيوان فيما نعلم؛ لأنه هو الذي يجب أن تغسل نجاسته سبع مرات إحداها بالتراب[(37)]، يقيء ثم يرجع ويأكل القيء!! فعل قبيح، هكذا الذي يهب ثم يرجع، مثله مثل الكلب الذي قاء ثم رجع في قيئه، حتى لو فرض أنه عندما رجع رضي الموهوب له ولم يبالِ، نقول: هذا حرام ولا يجوز، وإذا كان هذا حراماً فينبغي للإنسان إذا وهب شيئاً ألا تتعلق به نفسه؛ لأن بعض الناس يهب الشيء إما لطروء فرح بصاحبه، أو لعاطفة جياشة في تلك الساعة، ثم يندم ويقول: ليتني ما وهبت، فهذا لا ينبغي؛ لأن شيئاً وهبته اجعله عن طيب نفسك ولا تعلق نفسك به، فقد خرج عنك قدراً وشرعاً، فكيف تعلق نفسك به، مع أنه لا يمكن أن تعود؟! فلا يجوز له أن يعود في هبته.

فإن قال قائل: أفلا يمكن أن نقيسها على البيع، ونقول: ما داما في المجلس فللواهب الخيار؟

الجواب: لا؛ لأن البيع عقد معاوضة يحتاج إلى تروٍّ، والإنسان ربما يستعجل فيقدم على البيع دون تروٍّ، فجعل له الشارع مهلة ما دام في المجلس، أما هذا فهو عقد تبرع، فالواهب لا يريد عوضاً، والموهوب له لم يُؤخذ منه عوضٌ، فلا يصح قياس الهبة على البيع، إذاً تلزم بالقبض ولو في مجلس العقد، ولا يجوز أن يرجع في هبته اللازمة.

فإذا رجع في هبته غير اللازمة كأن يهب شخصاً كتاباً لكنه لم يسلمه له، فله أن يرجع ولكن هذا خلاف المروءة، ولأنه إخلاف للوعد، فنقول: ما دمتَ وهبتَه فقد وعدته، فينبغي إن طرأ عليه ما يقتضي أن يرجع في الهبة، أن يقول للموهوب له قولاً يقتنع به ونحوه حتى يطيب قلبه.

فإن قال قائل: هل يجوز له أن يشتري هبته من الموهوب له؟

فالجواب: لا يجوز؛ لأن الغالب أنك إذا اشتريت الهبة فسوف يخفض لك السعر ويستحي أن يماكسك، فلو وهبت له ما يساوي مائة ثم أردت أن تشتريه منه، فإنك لو قلت له: بثمانين، سوف يقول لك: خذها، ويخجل أن يقول: لا، إلا بمائة، وحينئذٍ تكون قد رجعت في بعض الهبة، لكن بطريق غير مباشر، ولهذا لما حمل أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ على فرس له في سبيل الله، فأضاعه الذي حمله عليه، وظن عمر أنه يبيعه برخص، استأذن من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يشتريه فقال له: «لا تشترِه ولو باعكه بدرهم، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»[(38)].

أما إذا اشترى صدقته فإنه أشنع؛ لأنه يتضمن شيئين: الرجوع في الهبة، والرجوع فيما أخرجه لله، وما أخرجه لله لا يجوز فيه الرجوع، حتى البلد إذا هاجر الإنسان منها لله لا يجوز أن يرجع ويسكن فيها؛ لأنه تركها لله وما تُرك لله فإنه لا يرجع فيه.

وقوله: «إلا الأب» ، فله أن يرجع في هبته اللازمة، والدليل على ذلك حديث ورد في هذا: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده»[(39)]، فإنه يرجع فيما وهبه لابنه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أنت ومالك لأبيك» [(40)]، لكن الحديث الأول أعله بعضهم وضعَّفه، وقال: إن عموم حديث: «العائد في هبته كالكلب» ، مقدم على هذا الحديث الضعيف، وأن الأب ليس له أن يرجع فيما وهبه لابنه.

لكننا نقول في الجواب عن هذا: إن الاستثناء وإن كان ضعيفاً فله ما يعضده، وهو أن للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، فإذا كان له أن يتملك ما شاء فرجوعه فيما وهبه لابنه من باب أولى، ولكن يستثنى من ذلك ما لم يكن حيلة على التفضيل فلا يجوز، كأن يعطي ولديه كل واحد سيارة، ثم عاد وأخذ من أحدهما سيارته، فهذا الرجوع لا يصح؛ لأنه يراد به تفضيل الولد الآخر.

وقوله: «في هبته اللازمة إلا الأب» يستفاد منه أنه لو أبرأ ابنه من دين فليس له الرجوع؛ لأن الإبراء ليس بهبة، بل هو إسقاط.

وقوله: «إلا الأب» يخرج به الجد، فليس له أن يرجع فيما وهب لابن ابنه، أو لابن بنته، ويخرج من ذلك الأم، فليس لها أن ترجع فيما وهبت لابنها.

فإذا قال قائل: ما الدليل؟

قلنا: عموم «العائد في هبته كالكلب» وصيغة العموم لا يخرج منها إلا ما دل عليه الشرع، وإلا فهي عامة لجميع الأفراد، وهنا لا يصح القياس؛ لأن القياس مخالف للعموم، فالأصل أن المرأة إذا وهبت أبناءها أو بناتها، لا يحل لها أن ترجع.

وقوله: «إلا الأب» هل يحتاج أن نقول: إلا الأب الحر، أو نقول: إنه لا يمكن أن يهب إلا إذا كان حراً؟ نقول: لا يحتاج أن نقيد الأب بالحر؛ لأنه لا يهب إلا وهو حر.

وظاهر كلام المؤلف: أن الأب يرجع ولو كان كافراً فيما وهبه لابنه المسلم للعموم، فلو أن رجلاً غنياً كافراً وهب لابنه المسلم شيئاً فله أن يرجع؛ لأن الحديث عام.

 

وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَيَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَلاَ يَحْتَاجُهُ، .....

قوله: «وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده» لكن لا بد من شرط وهو أن يكون الأب حراً، فنقول: «له» يعود على الأب لكن بقيد أن يكون حراً؛ لأن غير الحر لا يملك فكيف يتملك؟! ولأن غير الحر لو تملك من مال ابنه فإن ما تملكه يرجع إلى سيده.

وهل يشترط أن يكون موافقاً لابنه في الدِّين؟

إن نظرنا إلى إطلاق الحديث قلنا: لا يشترط، وعلى هذا فيجوز للأب الكافر أن يأخذ من مال ولده المسلم، وللأب المسلم أن يأخذ من مال ولده الكافر، هذا ظاهر الحديث.

وقيل: إنه لا يُمكَّن الأب الكافر من الأخذ من مال ولده المسلم؛ لأنه لا صلة بينهما، ولا توارث؛ ولأن الله تعالى يقول: {{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}} [النساء: 141] ؛ ولأننا لو مكنا الأب الكافر من الأخذ من مال ولده المسلم، لكان في ذلك إذلال للمسلم، وربما يقصد الأب الكافر أن يذل ابنه بالأخذ من ماله.

وعندي لا شك أنه ليس للأب الكافر أن يأخذ من مال ولده المسلم، أما أخذ الأب المسلم من مال ولده الكافر، فهنا قد نقول بعموم الحديث وأن له أن يأخذ؛ لأن أصل بقاء الكافر على الكفر ممنوع، فهو على دين غير مَرْضيٍّ عند الله، وتسليط المسلم على ماله له وجهة نظر، لا سيما إذا كان الابن من المحاربين، فإنه إذا كان من المحاربين فلا شك أن ماله حلال.

إذاً قوله: «له» أي: للأب، ونضيف وصفاً «الحر» ووصفاً آخر «الموافق في الدين» على رأي كثير من العلماء، أو على الأصح ألا يكون كافراً يأخذ من مال مسلم.

وقوله: «وله أن يأخذ ويتملك» الفرق بينهما: يأخذ على سبيل الاستعمال، ويتملك على سبيل الضم إلى ملكه، فله أن يأخذ سيارة الابن يسافر بها إلى مكة، إلى الرياض، إلى المدينة، إلى أي بلد وإن لم يتملكها، وله أن يتملك وإن لم يأخذ، فيأتي إلى كاتب العدل، مثلاً، ويقول: إني تملكت سيارة ابني فلان ويكتب كاتب العدل، لكن بشروط ستذكر.

وقوله: «من مال ولده» الذكور والإناث؛ لأن الولد إذا أطلق يشمل الذكور والإناث لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنت ومالك لأبيك» [(41)] لكن بشروط.

قوله: «ما لا يضره» فإن كان يضر الولد فإنه ليس له أن يأخذ، مثل أن يأخذ منه غداءه وهو مضطر إليه، فهنا ليس له ذلك، أو يأخذ منه لحافه وهو مضطر إليه لدفع البرد، فإنه لا يُمكَّن؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ابدأ بنفسك»[(42)]، ولا يمكن أن نسلط الأب على مال الولد مع أنه يضره.

قوله: «ولا يحتاجه» الحاجة أقل من الضرورة، فإنه ليس له أن يأخذ ما تتعلق به حاجة الابن، مثال ذلك: الابن عنده فرش في البيت ليست ضرورية، لكنه يحتاجها إذا جاءه ضيوف، أو عنده زيادة على قوت يومه وليلته لكنه يحتاجها، فليس للأب أن يتملك هذا؛ لأن هذا تتعلق به حاجة الابن، ومن ذلك سُرِّيَّة الابن إذا كان يحتاجها ولو كان عنده إماءٌ كثير؛ لأنها تتعلق بها نفسه.

إذاً يشترط:

أولاً: ألا يضر الابن.

ثانياً: ألا يحتاجه.

ثالثاً: أن يكون الأب حراً.

رابعاً: ألا يكون الولد أعلى منه في الدِّين.

خامساً: ألا يأخذ لولد آخر؛ لأنه إذا حرم التفضيل من مال الوالد الخاص، فتحريمه بأخذه من مال الولد الآخر من باب أولى.

مسألة: هل للأب أن يأخذ من أحد أولاده ويعطي الثاني؟

الجواب: نعم إذا كان الآخرون فقراء والأب لا يستطيع أن ينفق عليهم فله ذلك، أما إذا كانوا أغنياء، أو هو يقدر أن ينفق عليهم فلا يجوز؛ لأن هذا يحدث الضغائن بين الأولاد.

 

فَإِنْ تَصَرَّفَ فِي مَالِهِ وَلَوْ فِيمَا وَهَبَهُ لَهُ بِبَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ إِبْرَاءٍ أَوْ أَرَادَ أَخْذَهُ قَبْلَ رُجُوعِهِ أَوْ تَمَلُّكِهِ بِقَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ وَقَبْضٍ مُعْتَبَرٍ لَمْ يَصِحَّ بَلْ بَعْدَهُ،........

قوله: «فإن تصرف» أي: الأب.

قوله: «في ماله» أي: في مال ابنه، فالضمير في «تصرف» يعود إلى الأب، والضمير المجرور في قوله: «ماله» يعود إلى الابن.

قوله: «ولو فيما وهبه له» يعني تصرف الأب في مال ابنه ولو فيما وهبه له، فإنه لا يصح تصرفه، وإنما نص على ما وهبه له؛ لئلا يقول قائل: إن تصرف الأب فيما وهبه لابنه دليل على الرجوع، فيقال: لا، الرجوع لا بد فيه من قول، وهذا الرجل تصرف بلا قول.

مثاله: وهب ابنه سيارة، ثم إنه بعد أن وهبها لابنه وقبضها، باع الأب السيارة، فإنه لا يملك ذلك؛ لأن السيارة لم تزل على ملك الابن، والأب لم يتملكها، ولم يرجع في هبته، فإذا أجرها فلا يصح التأجير؛ لأنه لم يتملكها.

إذاً يستطيع أن يبيعها أو يؤجرها بأن يرجع في الهبة، يقول: إني رجعت فيما وهبته لابني، حينئذٍ ترجع إلى ملك الأب ويتصرف فيها.

وقوله: «ولو فيما وهبه له» هذه إشارة خلاف، وهو أن بعض العلماء ـ رحمهم الله ـ يقول: إذا تصرف فيما وهبه لابنه، فإن تصرفه يدل على الرجوع، وقاسوا ذلك على رجل وكَّلك في بيع شيء، ثم باعه هو فإنه يصح ويكون بيعه له رجوعاً، فيقال: الفرق واضح؛ لأن الموكل إذا تصرف فيما وكَّلَ فيه فقد تصرف في ملكه، لكن الأب إذا تصرف فيما وهبه لابنه دون أن يرجع، فقد تصرف في ملك غيره، إلا إذا قصد أنه راجع في هبته؛ لأنه لما رجع في هبته دخلت في ملكه، فباعها بعد دخولها في ملكه.

قوله: «ببيع» البيع معروف، مثاله: لولده سيارة فباعها الأب بدون توكيل الابن له فالبيع باطل.

قوله: «أو عتق» الابن له عبد، فقال الأب للعبد: أنت عتيق لوجه الله، فلا يصح العتق؛ لأنه في ملك الابن ولم يتملكه.

قوله: «أو إبراء» يعني من الدَّين، فمثلاً لابنه دين على شخص، فقال الأب للمدين: إني أبرأتك من دين ابني عليك، فإنه لا يبرأ؛ لأن الدين لم يملكه الابن فضلاً عن الأب، فالدين في ذمة المدين، وهذا واضح، هذا أشد من العين التي باعها الأب أو أعتقها.

وقال بعض العلماء: إن تصرف الوالد في مال ولده ببيع أو عتق أو إبراء صحيح؛ لأنه إذا كان له أن يتملك هذه الأشياء فتصرفه فيها من باب أولى، ويكون الثمن في البيع للابن، أما العتق والإبراء فالأجر للابن؛ لأن هذا أقل مما لو تملكه أصلاً، والظاهر أن الحديث يدل على صحة تصرف الأب في مال ابنه إذا لم يضره أو يحتاجه، وأما الإبراء فليس له ذلك؛ لأن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أنت ومالك لأبيك» [(43)]، لا يدخل فيه الدَّين؛ لأن الدَّين لا يكون مالاً للابن حتى يقبضه.

قوله: «أو أراد أخذه قبل رجوعه» ، «أخذه» أي: أخذ ما وهبه، والضمير هنا فيه ركاكة؛ لأنك لو قرأت المتن: «أو أراد أخذه» أي أخذ ماله قبل رجوعه، ولكن المراد: «أخذه» أي أخذ ما وهبه قبل رجوعه، يعني وهب ابنه شيئاً ثم أراد أن يضمه إلى ملكه قبل أن يرجع، فإنه لا يصح؛ لأنه لم يصرح بالرجوع، فالرجوع لا بد فيه من اللفظ، بأن يقول: رجعت فيما وهبته لك يا بني، أما أن يأخذه دون أن يصرح بالرجوع فلا يصح.

قوله: «أو تملكه» ، يعني يأخذ ما وهبه بنية التملك لا بنية الرجوع، فله هذا، والتملك يقول المؤلف: له طريقان: القول، أو النية مع القبض.

قوله: «بقول» بأن يقول: إني قد تملكت مال ابني، سيارته أو بيته أو أشياء لا يحتاج إليها ولا تضره.

قوله: «أو نية وقبض معتبر لم يصح» ، يعني يقبض المال من ابنه بنية التملك، فله حينئذٍ أن يتصرف فيه؛ لأنه لما قبضه بنية التملك صار ملكاً له.

وقوله: «وقبض معتبر» بأن يكون بإذن الابن، وعلى الوصف السابق في كتاب البيع، فما ينقل يكون بنقله، وما يوزن بوزنه، وما يكال بكيله، وما يذرع بذرعه، وما يُعَدُّ بِعَدِّهِ، وما لا يتصور فيه ذلك يكون بتخليته، كالأراضي مثلاً، فالأراضي لا يمكن أن تقبض بما ذكر، فيكون بالتخلية بمعنى أن يرفع يده عنها.

قوله: «بل بعده» ، أي: بل يصح تصرفه بالبيع أو العتق أو الإبراء بعد الرجوع في الهبة، أو بعد التملك في غير الهبة.

 

وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ وَنَحْوِهِ إِلاَّ بِنَفَقَتِهِ الوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لَهُ مُطَالبَتَهُ بِهَا وَحَبْسَهُ عَلَيْهَا.

قوله: «وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه» ، يعني لا يملك الولد أن يطالب والده بدين ونحوه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم»[(44)]، ولأنه إذا جاز أن يتملك من ماله فإنه لا يجوز للولد أن يطالبه بدَينه.

مثال ذلك: استقرض الأب من ابنه عشرة آلاف ريال، فليس للولد أن يقول: يا أبتِ أعطني الدَّين، وليس له أن يطالبه، ولكن له أن يُعَرِّض ويقول: يا أبت أنا محتاج، وأنت قد أغناك الله وما أشبه ذلك، أما أن يطالبه ويرفعه إلى القاضي فلا، ولكن إذا مات الأب فله أن يطالب بدينه في تركته.

وقوله: «وليس للولد مطالبة أبيه» مفهوم كلام المؤلف يدل على أن له أن يطالب أمه بدينه، وكذا جده من قبل أبيه أو أمه؛ لأن هؤلاء ليس لهم أن يتملكوا من مال ولدهم، أو ولد ابنهم فله أن يطالبهم، هذا مفهوم كلامه، لأن العلماء ـ رحمهم الله ـ كلامهم له منطوق ومفهوم.

ولكن الصحيح أنه لا يملك أن يطالب أمه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد سئل من أحق الناس بحسن صحبتي؟ فقال: «أمك» ، قال: ثم من؟ قال: «أمك» ، قال: ثم من؟ قال: «أمك» ، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك»[(45)]، وهذا صريح في أنه إذا كان لا يملك مطالبة أبيه فعدم مطالبته أمه من باب أولى، وهل من البر أن يقود أمه عند رُكَبِ القضاة؟! أبداً ليس من البر، هذا مستهجن شرعاً وعادة.

فالصواب: أنه لا يملك مطالبة أمه، وليست المسألة مبنية على التملك، فالتملك شيء والمطالبة بالدين شيء آخر.

وأصل مسألة الأب خلافية، فبعض أهل العلم يقول: له أن يطالب أباه بالدين.

وقوله: «بدين ونحوه» كأرش الجناية مثلاً، فلو أن أباه جنى عليه جناية توجب المال ـ ولا نقول: توجب القود؛ لأنه على المذهب ليس بين الأب وابنه قود ـ مثل أن يشجه في رأسه حتى يظهر العظم، وهذه الشجة التي توضح العظم تسمى موضحة، فيها خمس من الإبل، فليس له أن يطالب أباه بهذه الدية لدخولها تحت قوله: «ونحوه» ، كذلك لو أن الأب صدم سيارة الابن فإنه يلزمه أرشها، ويكون ديناً عليه، فليس له أن يطالب أباه بهذا الدين.

وفهم من قوله: «بدين» أن له أن يطالبه بالعين، فلو استعار أبوه منه كتاباً: كفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فقال الابن: أعطني الكتاب، أنا محتاج إليه، فقال: لا، ولم ينوِ التملك، فله أن يطالبه؛ لأن هذا ليس بدين ولكنه عين، والمؤلف يقول: «بدين» فله أن يطالب أباه بتسليم العين التي أعارها إياه عند القاضي؛ لأن هذا عين ماله.

لكن للأب أن يقول: أنا الآن تملكته، فإذا قال هذا، نظرنا إلى الشروط، فإذا قال الابن: أنا أحتاجه للقراءة أو المطالعة، امتنع التملك؛ لأن من شرط تملك الأب لمال ابنه ألا تتعلق به حاجته أو ضرورته، فحينئذٍ يمتنع التملك فله المطالبة.

وهذه مسألة يجب أن ننتبه لها، أن الذي يقوله الفقهاء ـ رحمهم الله ـ بقطع النظر عن مسألة المروءة أو التربية، أو حسن المعاملة، فهم يذكرون أحكاماً عامة، لكن هل من المروءة أن الإنسان يطالب أباه بعين ماله؟ في ظني لا، لكن قد يكون بين الأب والابن مشاحنات وعداوة وبغضاء، كما يوجد كثيراً ولا يهمه أن يطالب أباه، ولكن لا أعتقد أن المروءة تقضي بجواز ذلك، فأي إنسان يقال: إنه طالب أباه عند القاضي بقلم ـ مثلاً ـ بخمسين ريالاً فكل الناس سيعيبون هذا، وقد قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح»[(46)].

قوله: «إلا بنفقته الواجبة عليه، فإن له مطالبته بها وحبسه عليها» ، أي إذا امتنع الأب من النفقة الواجبة عليه فللابن أن يطالبه بها؛ لأنها ضرورة لحفظ حياة الابن، ولأن سببها معلوم ظاهر بخلاف الدَّين، ولأن وجوب النفقة ثابت بأصل الشرع، فهو كالزكاة يجبر الإنسان على بذلها لمستحقها، فإذا جاء الابن الفقير وهو عاجز عن التكسب وليس عنده مال، وقال لأبيه: أنفق عليَّ، فقال: لا أنفق، فله أن يطالب أباه بالنفقة، وإذا امتنع فللحاكم أن يحكم بحبسه حتى يسلم النفقة.

وأعتقد أن هذا العمل من الابن ـ أعني مطالبة أبيه بالنفقة ـ لا يخالف المروءة؛ لأن الذي خرم المروءة هو الأب، لِمَ لم ينفق؟! فإذا طالب أباه بالنفقة فله ذلك وله حبسه عليها.

 

فَصْلٌ

 

مَنْ مَرَضُهُ غَيْرُ مَخُوفٍ كَوَجَعِ ضِرْسٍ وَعَيْنٍ وَصُدَاعٍ يَسِيرٍ، .........

ما ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ الهبة وأحكاماً كثيرة تتعلق بها وهي في حال الصحة، ذكر الهبة في حال المرض، فهل الهبة في حال المرض كالهبة في حال الصحة؟ في ذلك تفصيل سيأتي في كلام المؤلف.

واعلم أن الأمراض ثلاثة أقسام: مرض غير مخوف، مرض مخوف، مرض ممتد، فالمرض المخوف هو الذي إذا مات به الإنسان لا يعد نادراً، أي: لا يستغرب أن يموت به الإنسان، وقيل: ما يغلب على الظن موته به، وغير المخوف هو الذي لو مات به الإنسان لكان نادراً، والأمراض الممتدة هي التي تطول مدتها مثل السِّل والجذام.

قوله: «مَنْ مرضُه غيرُ مخوفٍ» ، هذا هو القسم الأول من الأمراض، «مَنْ» اسم موصول مبتدأ «مرضُه» مبتدأ، ولا نقول: مبتدأ ثانٍ، لأن صلة الموصول جملة مستقلة «غير مخوف» خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.

قوله: «كوجع ضرسٍ» ، فوجع الضرس لا شك أنه يؤلم، وربما يُسْهِرُ الإنسان ليله لكنه غير مخوف، يعني لو أن الإنسان مات من وجع ضرسه لقال الناس: هذا مات في صحته؛ لأنه لا ينسب الموت إلى مثل هذا المرض، وإلا فإن وجع الضرس مؤلم بلا شك.

قوله: «وعين» ، أيضاً وجع العين غير مخوف، إلا أنَّ هناك نوعاً من الأمراض يكون في أصل الضرس، ويكون ـ أيضاً ـ في حدقة العين يسمى عندنا (الحبة)، فهذه مخوفة لا شك، فإذا مات الإنسان منها لم يكن ذلك غريباً، إنما وجع العين العادي ليس مخوفاً.

قوله: «وصداع يسير» الصداع وجع الرأس، لكن اشترط المؤلف أن يكون يسيراً، فأما الصداع الشديد فهو من الأمراض المخوفة؛ لأن نسبة الموت إليه لا تستغرب.

 

فَتَصَرُّفُهُ لاَزِمٌ كَالصَّحِيحِ وَلَوْ مَاتَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَخُوفاً كَبِرْسَامٍ وَذَاتِ الجَنْبِ وَوَجَعِ قَلْبٍ وَدَوَامِ قِيَامٍ وَرُعَافٍ وَأَوَّلِ فَالِجٍ وآخِرِ سِلٍّ والحُمَّى المُطْبِقَةِ والرِّبْعِ، ......

قوله: «فتصرفه لازم كالصحيح» ، أي: من كان مصاباً بهذا المرض فتصرفه لازم كالصحيح، أي: كمن ليس به مرض.

مثال ذلك: رجل أصابه وجع في ضرسه فأوقف جميع ماله، فالتصرف صحيح، ولو وهب جميع ماله فالتصرف صحيح؛ لأن المرض غير مخوف فهو كالصحيح، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خير الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر»[(47)]، الشاهد في قوله: «تأمل البقاء» ، والإنسان في هذه الأمراض اليسيرة يأمل البقاء.

وقوله: «فتصرفه لازم» ، قد يشكل على بعض الطلبة كيف جاءت الفاء في الخبر؟ فنقول في إزالة هذا الإشكال: أن «مَنْ» التي هي المبتدأ اسم موصول، والاسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم، فلذلك وقعت الفاء في خبره؛ لأن قوله: «فتصرفه لازم» هذه الجملة خبر المبتدأ، ومنه المثال المشهور: الذي يأتيني فله درهم، والأصل: الذي يأتيني له درهم، لكن لما كان الاسم الموصول مشبهاً لاسم الشرط في العموم، جاز دخول الفاء في خبره.

قوله: «ولو مات منه» أي: فإنه لا يضره.

قوله: «وإن كان» الضمير يعود على المرض.

قوله: «مخوفاً» هذا هو القسم الثاني من الأمراض، وهو المخوف، وهو الذي يصح نسبة الموت إليه، فعدَّ المؤلف اثني عشر نوعاً منه فقال:

«كبرسام» وهو وجع يكون في الدماغ ـ نسأل الله العافية ـ يختل به العقل، فإذا أصاب الإنسان صار مرضه مخوفاً؛ لأنه لو مات به لم يستغرب، ولا يقول الناس: هذا مات فجأة.

قوله: «وذات الجنب» وهو وجع في الجنب في الضلوع، يقولون: إن سببه أن الرئة تلصق في الضلوع، ولصوقها هذا يشل حركتها، فلا يحصل للقلب كمال دفع الدم وغير ذلك من أعماله، فهذا من الأمراض المخوفة.

وكان هذا الداء كثيراً جداً فيما سبق وقد عشنا ذلك، لا سيما في استقبال الشتاء، ولكنه ـ سبحان الله ـ يُشْفَى بإذن الله ـ عزّ وجل ـ بالكي، وهو أحسن علاج له، حتى إن بعض المرضى يغمى عليه، ويبقى الأيام والليالي وقد أغمي عليه، ثم يأتي الطبيب العربي، فيقص أثر الألم في الضلوع ثم يَسِم محل الألم بوَسْمٍ ثم يكويه، فإذا كواه ـ سبحان الله ـ لا يمضي ساعة واحدة إلا وقد تنفس المريض، ولذلك لا يوجد علاج فيما سبق لذات الجنب إلا الكي.

وذات الجنب تؤدي إلى الهلاك لا شك، ومن مات بذات الجنب لم يُعَدَّ مات بشيء غريب.

قوله: «ووجع قلب» أيضاً من الأمراض المخوفة؛ لأن القلب إذا أصابه الألم لم يستطع أن يضخ الدم أو ينقي الدم فيهلك البدن؛ لأن القلب بإذن الله مصفاة ـ سبحان الذي خلقه ـ يرد إليه الدم مستعملاً وفي نبضة واحدة يعود نقياً، فيدخل من عرق ويخرج من عرق آخر في لحظة، وهذا معنى النبضة، ثم إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أودعه قوة إذا احتاج الإنسان إليها وجدت، وإن لم يحتج فهو طبيعي، ولذلك إذا حملت شيئاً شاقاً أو سعيت بشدة تجد نبضات القلب تزيد؛ لأنه يحتاج إلى ضخ بسرعة.

فإذا وجع القلب فهو خطر على الإنسان لا شك، وأوجاع القلب أنواع متنوعة يعرفها الأطباء، لكن منها ما هو قوي ومنها ما هو دون ذلك.

قوله: «ودوام قيام» القيام هو الإسهال، فإذا كان دائماً فلا شك أنه مخوف؛ لأن الأمعاء مع هذا الإسهال لا يبقى فيها شيء يمتص الجسم منه غذاءً، فيهلك الإنسان، أما القيام اليسير كيوم أو يومين، فهذا لا يضر ولا يعد مرضاً مخوفاً، لكن إذا دام مع الإنسان فآخر مآله الموت.

قوله: «ورعاف» وهو خروج الدم من الأنف، هذا ـ أيضاً ـ إذا كان يسيراً فإنه ليس مرضاً، وإن كان دائماً فهو مرض؛ لأنه إذا دام فإن الدم ينزف، ومعلوم أن البدن لا يقوم إلا بالدم؛ لأن أصل البدن دم، فأصله عَلَقة، فلا يقوم إلا بذلك، فمع دوام الرعاف يعتبر المرض مرضاً مخوفاً.

قوله: «وأول فالج» الفالج هو خدورة البدن وأنواعه متعددة، ويسمى في عرف المتأخرين «الجلطة أو الشلل»، لكن أول الفالج خطر؛ لأن هذه الخدورة قد تسري إلى البدن بسرعة فتقضي عليه، أما إذا كان في آخر فالج فلا، إلا أن يقطعه بفراش كما سيأتي.

قوله: «وآخر سِل» الخطر في السِّل في آخره؛ لأن أول السل ربما يشفى منه المريض إما بحِمية أو بمعالجة يسيرة، لكن آخره خطر، فهو مرض مخوف، لكنه من الأمراض التي يسَّر الله للناس الحصول على دوائها، فأصبح في زماننا ليس بمخوف.

قوله: «والحمى المطبقة» يعني الدائمة.

قوله: «والرِّبع» التي تأتي في اليوم الرابع تتكرر عليه، كل يوم رابع تأتيه الحمى، والحمى هي السخونة وهي معروفة، وقد أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الحمى من فيح جهنم، وأنها تُطفأ بالماء البارد[(48)]، وهذا الطب اليسير السهل قد علم من كلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، والأطباء الآن يرجعون إليه فيصفون هذا الدواء لمن أصيب بالحمى، حتى إنهم يجعلون بعض المرضى أمام المكيف، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن الحمى معناها خروج الحرارة من داخل البدن إلى ظاهره، فيبقى البدن من الداخل بارداً، وإذا عدمت الحرارة اختل التوازن بلا شك؛ لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ جعل برودة وحرارة، ورطوبة ويبوسة يقوم بها البدن، فإذا غلب أحدها على الآخر اختلت طبيعة البدن، فإذا جاء البرد، انتقلت الحرارة من الظاهر إلى الباطن فيعتدل البدن.

 

وَمَا قَالَ طَبِيبانِ مُسْلِمَانِ عَدْلانِ: إِنَّهُ مَخُوفٌ. ...........

قوله: «وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف» فالشرط الأول: قوله: «طبيبان» ، فغير الطبيب لا يعتبر قوله، فلو أن عامياً قال لمريض من المرضى: إن مرضك هذا مخوف، وهو غير طبيب ولا يعرف الطب فإنه لا يعتبر قوله، كما لو أفتاك الجاهل بأن هذه الصلاة صحيحة أو غير صحيحة، أو هذا الوضوء صحيح أو غير صحيح.

فإذا كان غير طبيب لكنه مقلد لطبيب، أي: أنه قد سمع من طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف، فإنه على القول الراجح يؤخذ بقوله؛ لأنه أخبر عن طبيب، كما أنه في المسائل الشرعية لو أخبر شخص عن عالم بأنه قال: هذا حرام، فإنه يقبل قوله إذا كان مقبول الخبر.

الشرط الثاني: «مسلمان» وضدهما الكافران، ولو كانا من أحذق الأطباء فإنه لا عبرة بقولهما، لقول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}} [الحجرات: 6] ، فإذا كان هذا خبر الفاسق فخبر الكافر مردود لا يقبل.

الشرط الثالث: «عدلان» والعدل هو المستقيم في دينه ومروءته، فالاستقامة في الدين أن يؤدي الفرائض ويجتنب المحارم، فالمتهاون بصلاة الجماعة مثلاً ـ والجماعة واجبة عليه ـ ليس بعدل، وحالق اللحية ـ مثلاً ـ ليس بعدل إذا استمر على ذلك.

والمروءة أن لا يفعل أو يقول ما يخرم المروءة، وينزل قيمته عند الناس، وإن كان الفعل في نفسه ليس محرماً، وقد ذكر الفقهاء ـ رحمهم الله ـ من الأمثلة:

الرجل المتمسخر، يعني الذي يفعل التمثيليات سخرية وهزءاً، فإن هذا خارم للمروءة.

وذكروا ـ أيضاً ـ الذي يأكل في السوق فليس عنده مروءة، ومعلوم أن هذا المثال في الوقت الحاضر لا ينطبق على ذلك؛ لأن الناس الآن اعتادوا أن يأكلوا في السوق، ولا أعني الولائم، لكن لو وُجِدَ مطعم في السوق فإن الإنسان يأكل فيه.

وكنا نستنكر أن يشرب الشاي في دكانه، ونرى هذا خارماً للمروءة، والآن ليس بخارم للمروءة، فالناس يشربون الشاي والقهوة في الدكاكين.

قالوا: ومما يخرم المروءة أن يمد الإنسان رجله بين الجالسين؛ لأنه من العادة أن الإنسان يوقر جلساءه، وأن لا يمد رجليه بينهم، ولكن هذا في الحقيقة يختلف، فإذا كان الإنسان معذوراً وعرف الجالسون أنه معذور، فإن ذلك لا يعد خارماً للمروءة؛ لأنهم يعذرونه، أو كان الرجل استأذن منهم وقال: ائذنوا لي، ففعل فليس خارماً للمروءة، أو كان الإنسان بين أصحابه وقرنائه، ففعل ومد رجله بينهم وهم جلوس، فهذا لا يعد خارماً للمروءة، ومن الأمثال العامية «عند الأصحاب ترفع الكلفة في الآداب».

على كل حال الضابط في المروءة: أن لا يفعل ما ينتقده الناس فيه، لا من قول ولا من فعل.

فالشروط أربعة:

العلم بالطب، الإسلام، العدالة، عدد محصور باثنين.

وذلك لأن هذا من باب الشهادة، فلا بد فيها من الإسلام والعدالة والتعدد، فإذا اختل شرط من ذلك فإنه لا عبرة بقولهم، مع أنهم قالوا في صفة الصلاة: يجوز للإنسان أن يصلي قاعداً، إذا قال الطبيب المسلم الواحد: إن القيام يؤثر عليك، لكنهم يفرقون بين هذا وذاك، بأن ذاك خبر ديني يتعلق بأمور الدين، وهذا يتعلق بأمور المال، هذا ما قيده به المؤلف.

والصواب في هذه المسألة: أنه إذا قال طبيب ماهر: إن هذا مرض مخوف، قبل قوله، سواء كان مسلماً أو كافراً، ولو أننا مشينا على ما قال المؤلف لم نثق في أي طبيب غير مسلم، مع أننا أحياناً نثق بالطبيب غير المسلم أكثر مما نثق بالطبيب المسلم، إذا كان الأول أشد حذقاً من الثاني.

ثم إن صناعة الطب يبعد الغدر فيها من الكافر؛ لسببين:

الأول: أن كل إنسان يريد أن تنجح صناعته، فالطبيب ولو كان غير مسلم يريد أن تنجح صناعته، وأن يكون مصيباً في العلاج وفي الجراحة.

الثاني: أن من الأطباء من يكون داعية لدينه وهو كافر، وإذا كان داعية لدينه فلا يمكن أن يغرر بالمسلم؛ لأنه يريد أن يمدحه الناس ويحبوه ويحترموه؛ لأنه ناصح، فالصواب في هذه المسألة أن المعتبر حذق الطبيب، والثقة بقوله، والأمانة، ولو كان غير مسلم، والدليل على هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ بقول الكافر في الأمور المادية التي مستندها التجارب، وذلك حينما استأجر رجلاً مشركاً من بني الديل اسمه عبد الله بن أريقط ليدله على الطريق في سفره في الهجرة[(49)]، فاستأجره النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو كافر، وأعطاه بعيره وبعير أبي بكر؛ ليأتي بهما بعد ثلاث ليال إلى غار ثور، فهذا ائتمان عظيم على المال وعلى النفس.

وحتى العدالة، فلو أننا اشترطناها في أخبار الأطباء ما عملنا بقول طبيب واحد إلا أن يشاء الله؛ لأن أكثر الأطباء لا يتصفون بالعدالة، فأكثرهم لا يصلي مع الجماعة ويدخن ويحلق لحيته، فلو اشترطنا العدالة لأهدرنا قول أكثر الأطباء.

وكذلك العدد، فالمؤلف اشترط أن يكون اثنين فأكثر، ولكن الصحيح أن الواحد يكفي؛ لأن هذا من باب الخبر المحض، ومن باب التكسب بالصنعة، فخبر الواحد كافٍ في ذلك.

فإذا قال طبيب حاذق: هذا المرض مخوف يتوقع منه الموت، فإننا نعمل بقوله، ونقول: إن المريض بهذا المرض عطاياه من الثلث.

 

وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ، وَمَنْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ، لاَ يَلْزَمُ تَبَرُّعُهُ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ وَلاَ بِمَا فَوْقَ الثُّلُثِ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ لَهَا إِنْ مَاتَ مِنْهُ، وَإِنْ عُوفِيَ فَكَصَحِيحٍ.

قوله: «ومن وقع الطاعون ببلده» ، أي: فهو كالمريض مرضاً مخوفاً؛ لأنه يتوقع الموت بين لحظة وأخرى، فإن الطاعون ـ أجارنا الله والمسلمين منه ـ إذا وقع في أرض انتشر بسرعة، لكن مع ذلك قد ينجو منه من شاء الله نجاته، إنما الأصل فيه أنه ينتشر، فكل إنسان في البلد التي وقع فيها الطاعون يتوقع أن يصاب به بين عشية وضحاها، فلا فرق بينه وبين من أصابه المرض، في اليأس من الحياة، فعطاياه في حكم عطايا المريض مرضاً مخوفاً.

والطاعون قيل: إنه نوع معين من المرض يؤدي إلى الهلاك، وقيل: إن الطاعون كل مرض فتاك منتشر، مثل الكوليرا، فالمعروف أنها إذا وقعت في أرض فإنها تنتشر بسرعة، والحمى الشوكية، وغيرها من الأمراض التي يعرفها الأطباء ونجهل كثيراً منها، فهذه الأمراض التي تنتشر بسرعة وتؤدي إلى الهلاك يصح أن نقول: إنها طاعون حقيقة أو حكماً، ولكن الظاهر من السنة خلاف ذلك؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم عَدَّ الشهداء فقال: «المطعون والمبطون» [(50)]، وهذا يدل على أن من أصيب بداء البطن غير من أصيب بالطاعون، والمبطون هو الذي انطلق بطنه، فالمهم أن عطايا الصحيح الذي وقع الطاعون في بلده من الثلث.

وبالنسبة للطاعون هل يجوز للإنسان أن يخرج من البلد إذا وقع فيه؟ قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تخرجوا منه ـ أي من البلد الذي وقع فيه ـ فراراً منه»[(51)]، فقيد النبي صلّى الله عليه وسلّم منع الخروج بما إذا كان فراراً، أما إذا كان الإنسان أتى إلى هذا البلد لغرض أو لتجارة وانتهت، وأراد أن يرجع إلى بلده فلا نقول: هذا حرام عليك، بل نقول: لك أن تذهب.

بقي علينا أن نقول: هل نأذن له أن يذهب إذا خيف أن الوباء أصابه؟ الجواب: لا نأذن له بل نمنعه، حتى إن بعض الأطباء ظن إن قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إذا وقع في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها» ؛ أن هذا من باب الحَجْر الصحي، وقال: إن مراد الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن لا يخرج الناس من هذه الأرض الموبوءة كحَجْرٍ صحي، ولكن هذا غير صحيح؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم راعى ما هو أعم وأهم وهو الفرار من قدر الله، قال: «لا تخرجوا منها فراراً منه» .

وإذا سمع الإنسان أنه وقع في أرض، فهل يجوز أن يقدم عليها؟ لا؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها» ؛ لأن هذا من باب الإلقاء بالتهلكة، ومن باب قوله تعالى: {{وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}} [النساء: 29] ، كيف تقدم على بلد وقع فيه الطاعون؟! ما مثلك إلا مثل من أقدم على النار ليقتحم فيها.

فإن قال: أليس يمكن أن يَسْلَمَ الإنسان وهو في بلد الطاعون؟ قلنا: بلى، لكن الأصل الإصابة فلا يجوز أن تقدم.

وقد ارتحل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إلى الشام، وفي أثناء الطريق قيل له: إنه قد وقع فيها الطاعون، وهو طاعون عظيم مات فيه خلق كثير، وعمر ـ رضي الله عنه ـ ليس عنده أثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك، لكنه عنده عقل، فكأنه قال: كيف نقدم على أرض فيها هذا الوباء المعدي الفتاك؟! وكان من عادته ـ رضي الله عنه ـ أنه إذا أشكل عليه الأمر يجمع الصحابة ويستشيرهم، فجمع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ واختلفوا، ثم جمع المهاجرين الأولين ثم الأنصار فاختلفوا عليه جميعاً، ثم دعا من كان عنده من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، وكان الرأي الذي استقروا عليه أن يرجعوا، فقرر الرجوع بمشورة الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، وأمر بالارتحال، فجاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح ـ رضي الله عنه ـ الذي قال فيه الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إنه أمين هذه الأمة» [(52)]، وقال فيه عمر ـ رضي الله عنه ـ حين طُعِن: لو كان أبو عبيدة حياً لجعلته خليفة[(53)]؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «هو أمين هذه الأمة» ، فقال: يا أمير المؤمنين كيف تقرر الرحيل، أفراراً من قدر الله؟! خفي على أبي عبيدة ـ رضي الله عنه ـ أن القدر لم يقع حتى نفر منه، لكن لو أقدموا لكانوا هم الذين جاؤوا للقدر، فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!! يعني أتمنى أن غيرك قالها؛ لأن منزلة أبي عبيدة عند أمير المؤمنين عمر منزلة عالية، نحن نفر من قدر الله إلى قدر الله، من قدر الله الذي نلقي بأيدينا للتهلكة لو قدمنا عليه، إلى قدر الله الذي نسلم به، فهم إن مضوا إلى الشام فبقدر الله، وإن رجعوا فبقدر الله.

ثم ضرب له مثلاً: أن لو كان له إبل في وادٍ له عدوتان، واحدة مخصبة والأخرى مجدبة، فقال له: أما تذهب إلى المخصبة؟ قال: بلى، قال: إذاً إن ذهبت للمخصبة فبقدر الله، وإلى المجدبة فبقدر الله، لكن لن تختار المجدبة، إذاً نحن كذلك لا نختار القدوم على أرض الطاعون.

فرجعوا ـ والحمد لله ـ ووفقوا للصواب، وفي أثناء ذلك أتى عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ وكان قد تغيب في حاجة له، فبلغه الخبر وجاء إلى عمر، وقال: يا أمير المؤمنين سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فراراً منه» ، فقال الحمد لله[(54)]، فكل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ما سمعوا هذا الحديث، إلا عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ، لكن ـ الحمد لله ـ الشريعة محفوظة، لا يمكن أن تخفى، كل ما صدر من الرسول صلّى الله عليه وسلّم من شريعة الله فهو محفوظ، كما قال الله عزّ وجل: {{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *}} [الحجر] ، إذاً إذا وقع الطاعون في أرض فإننا منهيون أن نخرج منها فراراً منه، وإذا وقع في أرض فإننا منهيون أن نقدم على هذه الأرض.

وكانت الطواعين تكثر في الجزيرة قبل زمن، لكن ـ الحمد لله ـ الآن أنعم الله علينا نعماً كثيرة، نسأل الله أن لا يجعلها استدراجاً.

ويحكون لنا أنه قد يقدم للصلاة ثمان جنائز، وكانت بلدنا من قبل قرية صغيرة ليس فيها أحد، لكن كثر الأموات حتى إنه إذا دخل الطاعون البيت أفنى العائلة كلها، ويبقى البيت موصد الأبواب على غير أحد، وقالوا: إن قاضي البلد وهو صالح بن عثمان القاضي ـ رحمه الله ـ لما خرجوا يوماً من الأيام من المسجد الجامع بثمان جنائز، وكان الناس ليس عندهم سيارات يحملون الجنائز، فأرعب الناس هذا، ثمان جنائز يتبع بعضها بعضاً!! لا شك أنه يرعب، فنهاهم، وقال: لا يأتِ أحد بجنازته إلى الجامع إلا أهل الحي، والبقية كل حي يصلي على ميته في مسجده، ويخرج به إلى المقبرة خوفاً من الرعب؛ لأنه قد تكون كل جنازة من بيت، وربما يكون بكاء ونحيب من المشهد أو من المصيبة فيمن أصيب بقريبه، فكان من حكمته ـ رحمه الله ـ أن منع أن يؤتى بجنازة إلى الجامع إلا من كان في حي الجامع، فالمهم أن الأوبئة ـ والحمد لله ـ خفَّت الآن، ونسأل الله أن لا يجعله استدراجاً.

قوله: «ومن أخذها الطلق» «مَنْ» اسم موصول، أي: والتي أخذها الطلق، يعني بدأت تطلق من أجل الولادة، والطلق مؤلم وصعب، وسببه انتقال الولد من حال إلى أخرى؛ لأن الولد في الرحم وجهه إلى ظهر أمه وظهره إلى بطنها، فإذا أراد الله ـ عزّ وجل ـ أن يخرج انقلب حتى يكون رأسه الذي يخرج أولاً، وهذا الانقلاب ليس بهين، فالمكان ضيق والرحم كيس من العصب والعروق، فلا شك أنه سيكون ألم شديد، ولولا أن الله ـ تعالى ـ أحاط الولد بما أحاطه به من المشيمة، التي تسهل انقلابه لكان الأمر صعباً جداً، وقال أهل العلم: ينبغي أن يدخل في القبر كما خرج من بطن أمه، بمعنى أننا ننزله من عند رأسه، ليكون هذا الرأس الذي شهد الدنيا أولاً، هو الذي يذهب عن الدنيا أولاً، على كل حال المرأة إذا أخذها الطلق، ثم أعطت عطية في حال الطلق فإنه يكون من الثلث؛ لأنها على خطر، فحكمها حكم المريض مرضاً مخوفاً، مع أن الأمر ـ ولله النعمة والفضل ـ أن السلامة أكثر بكثير من الهلاك، لكن العلماء يقولون: إن هذا يصح أن يكون سبباً للموت، ولا يستغرب لو ماتت في طلقها، فهو مخوف حتى تنجو.

قوله: «لا يلزمُ تبرعُهُ لوارث بشيء» كلمة «لا يلزم» جواب الشرط في قوله: «وإن كان مخوفاً» ، وعلى هذا فيجوز فيها الرفع والجزم، لا يلزمُ، ولا يلزمْ؛ لأنه إذا كان فعل الشرط ماضياً فإنه يجوز رفع المضارع إذا كان جواباً، بخلاف ما إذا كان فعل الشرط مضارعاً فإنه يضعف أن يكون الجواب مرفوعاً، يقول ابن مالك في الألفية:

وبَعْدَ ماضٍ رَفْعُك الجَزَا حَسَنْ

وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضارِعٍ وَهَنْ

وقوله: «لا يلزم تبرعه لوارث بشيء» يعني لو تبرع لوارثه بشيء فهذا غير لازم، بمعنى أن للورثة أن يعترضوا على هذا؛ لأنه في هذه الحال قد انعقد سبب ميراث الورثة منه، فكان لهم حق في المال، فإذا أعطي الوارث فهذا من تعدي حدود الله ـ عزّ وجل ـ؛ لأن الله تعالى قسم مال الميت بين الورثة قسمة عدل بلا شك، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث»[(55)].

ولكن هل يجوز أن يعطي الوارث؟ الجواب: لا يجوز، ولهذا لم تلزم هذه العطية، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»[(56)]، حتى وإن كان هذا الوارث ليس من الأولاد، فلو فرضنا أن رجلاً له إخوة وليس له أولاد، ولما أصيب بالمرض المخوف أعطى بعض الإخوة نصف ماله، أو ربع ماله، فإن هذا لا يجوز ولا تلزم العطية؛ لأنه وارث، والمعطي في مرض الموت، فيخشى أنه أعطى هذا الوارث لينال من التركة أكثر من الآخرين.

وعلم من قوله: «تبرعه لوارث» ، أنه لو تصرف مع الوارث ببيع أو إجارة بدون محاباة، فإن البيع والإجارة لازمان، وأنه لو أنفق على وارث في هذا المرض المخوف فإنه جائز؛ لأن النفقة ليست من باب التبرع، ولكنها من باب القيام بالواجب كالزكاة.

ولو أقر لوارث في مرضه المخوف، فينظر إن وجدت قرائن تدل على صدقه عملنا بإقراره، وإلا فإقراره كتبرعه لا يصح ولا يقبل؛ لأنه ربما يكون بعض الناس لا يخاف الله، ففي مرضه المخوف يقر لبعض الورثة بشيء، فيقول: في ذمتي لفلان كذا وكذا، وليس كذلك، فإذا علمنا أن هذا الرجل عنده من الإيمان بالله ـ عزّ وجل ـ والخوف منه، ووجدت قرينة أخرى تدل على أنه كان فقيراً، وأن الوارث كان غنياً فحينئذٍ نقبل إقراره، وإلاَّ فالأصل عدم قبول إقراره، لكن إذا وجدت قرينة تدل على صدقه عمل بها، ولا يمكن أن نحرم صاحب الدَّين من دَينه، وتبقى ذمة الميت متعلقة به.

قوله: «ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها» يعني ولا بما فوق الثلث لأجنبي، فالأجنبي حده الثلث، فإذا أجاز الورثة فلا بأس، والورثة الذين تعتبر إجازتهم هم الذين يصح تبرعهم، ولا بد أن تكون الإجازة بعد الموت كما سيأتي.

وقوله: «ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها» أي: بما فوق الثلث لغير وارث، حتى لو أعطى شخصاً ليبني له مسجداً بزائد على الثلث فإنه لا ينفذ، ولو أعطى الفقراء زائداً على الثلث فإنه لا ينفذ، لحديث سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ، أنه استأذن النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ وكان مريضاً ـ أن يتصدق بثلثي ماله ـ والثلثان اثنان من ثلاثة ـ فقال: لا، قال: فالشطر ـ والشطر واحد من اثنين ـ قال: لا، قال: فالثلث ـ والثلث واحد من ثلاثة ـ قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الثلث والثلث كثير»[(57)]، يعني لا بأس بالثلث مع أنه كثير، ومن فقه ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الثلث والثلث كثير»[(58)]، وهذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون أنزل من الثلث.

إذاً نقول لهذا المريض مرض الموت المخوف: لا تتصدق بأكثر من الثلث.

الثاني: لا تتصدق لوارث، وهذا على سبيل التحريم؛ لأن المال الآن انعقد السبب الذي به ينتقل إلى الورثة.

وقوله: «إلا بإجازة الورثة» يكونون ورثة بعد الموت، فلو أجازوا قبل الموت فإن إجازتهم لا تقبل، ولا يعتد بها، فلو أن هذا المريض أحضر ورثته، وقال لهم: هذا الوارث منكم فقير وأنا أريد أن أتبرع له بشيء من مالي، فقالوا: لا بأس، فإنه لا يجوز؛ لأن إجازتهم في ذلك الوقت في غير محلها.

ومن أين نأخذ أنه لا تجوز إجازتهم ما دام حياً؟ من قوله: «الورثة» إذ لا يتحقق أنهم ورثة إلا بعد الموت، هذا ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ وقيل: إنه إذا كان مريضاً مرضاً مخوفاً فإن إجازتهم جائزة؛ لأنه انعقد السبب لكونهم يرثون هذا المال، وهو مرض الموت، فإذا رضوا بما زاد عن الثلث قبل الموت فإن رضاهم معتبر، ولا يحق لهم الرجوع بعد ذلك، ويدل لهذا القول ما جاء في باب الشفعة، حيث أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم من أراد أن يبيع أن يعرض على شريكه ليأخذ أو يدع[(59)]، فإن هذا يدل على أنه متى وجد السبب وإن لم يوجد الشرط، فإن الحكم المعلق بهذا السبب نافذ، ويدل لذلك ـ أيضاً ـ أن الرجل لو حلف على يمين فأراد الحنث وأخرج الكفارة قبل الحنث، فإن ذلك جائز لوجود السبب، وهذا القول هو الراجح، ولا مانع من اعتباره، فعلى هذا نقول: تصح إجازة الورثة في مرض الموت المخوف؛ لأن سبب إرثهم قد انعقد وهم أحرار.

فإن قال قائل: إننا نخشى أن تكون إجازة الورثة في حال الحياة حياءً وخجلاً، نقول: إذا خشينا ذلك فإن إجازتهم تكون غير معتبرة.

قوله: «إن مات منه» ، أي: من هذا المرض المخوف، فإن أعطى لبعض ورثته شيئاً، قلنا للورثة: الأمر بأيديكم، إن شئتم نفذوا العطية، وإن شئتم امنعوها.

قوله: «وإن عوفي فكصحيح» ، أي: فإن التبرع يكون صحيحاً، مثاله: امرأة أخذها الطلق فتبرعت لزوجها بنصف مالها ثم ماتت من الوضع، فإن التبرع لا يصح إلا بإجازة الورثة، فإن وضعت وبرئت وعادت صحيحة فإن تبرعها لزوجها بنصف مالها صحيح؛ لأن المرض الذي كان يمنعها قد زال، وعليه فيجوز أن يعطي بعض الورثة دون الآخرين، إن كانوا مِنْ غير الأولاد على القول الراجح، ويجوز أن يتبرع بأكثر من الثلث؛ لأن الصحيح يجوز أن يتبرع بجميع ماله، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما حث على الصدقة أتى عمر ـ رضي الله عنه ـ بشطر ماله مسابقاً أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يتسابقون في الخير، وقال: اليوم أسبق أبا بكر، لم يقل هذا حسداً ولكن غبطة، وأتى أبو بكر بجميع ماله، فقال: لا أسابقك بعد هذا أبداً[(60)] ـ الله أكبر ـ، فالمهم أنه إذا كان هذا المريض الذي أعطى أكثر من الثلث في حال المرض ثم عافاه الله، فإنَّ عطيته تكون نافذة كعطية الصحيح للوارث وغير الوارث؛ لأنه زال المحذور.

 

وَمَنِ امْتَدَّ مَرَضُهُ بِجُذَامٍ أَوْ سِلٍّ أَوْ فَالِجٍ وَلَمْ يَقْطَعْهُ بِفِرَاشٍ فَمِنْ كُلِّ مَالِهِ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ،

قوله: «ومن امتد مرضه» ، هذا هو القسم الثالث من الأمراض، وهو الممتد، يعني من كان مرضه مستمراً.

قوله: «بجذام» هذا مثال، والجذام جروح وقروح ـ والعياذ بالله ـ إذا أصابت الإنسان سرت في جميع بدنه وقضت عليه، فهو مرض يسري في البدن، وله أسماء أظنها معروفة عند العوام، منها الغرغرينة وما أشبهها.

ويجب على ولي الأمر أن يعزل الجذماء عن الأصحاء، أي حجر صحي، ولا بد، ولا يعد هذا ظلماً لهم، بل هذا يعد من باب اتقاء شرهم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد»[(61)].

وظاهر هذا الحديث يعارض قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا عدوى ولا طِيَرة»[(62)]، ولا شك في هذا؛ لأنه إذا انتفت العدوى فماذا يضرنا إذا كان المجذوم بيننا، ولكن العلماء ـ رحمهم الله ـ أجابوا بأن العدوى التي نفاها الرسول صلّى الله عليه وسلّم إنما هي العدوى التي يعتقدها أهل الجاهلية، وأنها تعدي ولا بد، ولهذا لما قال الأعرابي: يا رسول الله كيف يكون لا عدوى والإبل في الرمل كأنها الظباء، ـ يعني ليس فيها أي شيء ـ يأتيها الجمل الأجرب فتجرب؟! فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أعدى الأول»[(63)]؟ والجواب: أن الذي جعل فيه الجرب هو الله، إذاً فالعدوى التي انتقلت من الأجرب إلى الصحيحات كان بأمر الله ـ عزّ وجل ـ، فالكل بأمر الله تبارك وتعالى.

وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فر من المجذوم» ، فهذا أمر بالبعد عن أسباب العطب؛ لأن الشريعة الإسلامية تمنع أن يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة، ولهذا إذا قوي التوكل على الله ـ تعالى ـ فلا بأس بمخالطة الأجذم، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ ذات يوم بيد مجذوم وقال له: «كل باسم الله»[(64)]، فشاركه في أكله لقوة توكله صلّى الله عليه وسلّم على الله، وأن هذا الجذام مهما كان في العدوى إذا منعه الله ـ عزّ وجل ـ لا يمكن أن يتعدى.

قوله: «أو سِلٍّ» وهو قروح تكون في الرئة فتتجلَّط وتثقل عن الحركة؛ لأنها دائمة الحركة، فإذا أصاب الإنسان ـ نسأل الله العافية ـ خَرَقَ هذه الرئةَ وقضى عليها.

ولكن ـ الحمد لله ـ الآن الطب بتعليم الله ـ عزّ وجل ـ للبشر تقدم، وصار يمكن أن يقضى على السل، لا سيما في أوله.

قوله: «أو فالج» الفالج يعني الخدورة التي تصيب الإنسان في أحد جنبيه، أو في رأسه، أو في ظهره، وهذا الفالج أولَ ما يصيب الإنسان خطر، لكن إذا امتد صار أهون خطراً.

قوله: «ولم يقطعه بفراش» وجه ذلك أنه إذا قطعه بفراش صار مخوفاً، وصار المريض يشعر بقرب أجله، فصار يتصرف بماله بالتبرع لفلان أو لفلان، أما إذا لم يقطعه بالفراش، فالمريض ـ وإن كان يعرف أن هذا مآله ـ لكنه يستبطئ الموت، وكل إنسان مآله الموت حتى وإن كان صحيحاً، لكن إذا كان المرض لم يلزمه الفراش فإنه يرجو الصحة من وجه، وأيضاً لا يتوقع وقوع الموت عن قرب، فيعتقد أن في الأجل فسحة.

قوله: «فمن كل ماله» ، أي فتصرف هذا الذي لم يقطعه المرض بفراش من كل ماله، وحتى للوارث فإنه لا يضر، إلا الأولاد فإنه يجب التعديل في عطيتهم.

قوله: «والعكس بالعكس» ، العكس من قطعه بفراش فليس تصرفه من كل ماله، ولكن من الثلث، ثم متى يعتبر الثلث؟ قال:

 

وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَيُسَوَّى بَيْنَ المُتَقَدِّمِ والمُتَأَخِّرِ فِي الوَصِيَّةِ، وَيُبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ فِي العَطِيَّةِ

«ويعتبر الثلث عند موته» ، الثلث الذي ينفَّذ يعتبر عند الموت لا عند العطية؛ لأن الثلث قد يزيد وينقص، فربما يعطي الإنسان العطية وماله كثير فيفتقر، وربما يعطي العطية وماله قليل ثم يغنيه الله، فالمعتبر وقت الموت؛ لأن وقت الموت هو الوقت الذي يتعلق فيه حق الورثة في مال هذا المعطي، إذ قبل الموت لا حق لهم في ماله، فمثلاً رجل أعطى شخصاً مائتي درهم في مرض موته المخوف، وكان ماله حينئذٍ أربعمائة، ثم أغناه الله وصار ماله عند الموت ستمائة، فإن العطية تنفذ؛ لأنها لم تزد على الثلث، أما لو أعطاه مائتي درهم وكان ماله ستمائة وعند الموت صار أربعمائة درهم فلا ينفذ من العطية ما زاد على الثلث إلا بإذن الورثة، فإن لم يأذنوا أخذ ما زاد عن الثلث للورثة.

كذلك فالعطية في مرض الموت لا يتصرف فيها المُعْطَى إلا بتأمين للورثة؛ لأن المعتبر الثلث عند الموت، ولا ندري ربما يتلف مال هذا المريض كله ولا يبقى إلا هذه العطية.

فنقول: إذا كان يعتبر عند الموت فإن هذا المُعْطَى لا يتصرف إلا بتأمين وتوثيق للورثة.

فإن قال قائل: لماذا لا تجيزون له أن يتصرف بثلثها؛ لأننا لو قدرنا أن الميت مات وليس عنده إلا هذه العطية أخذ المُعْطَى ثلثها؟ فنقول: هناك احتمال آخر: أن يموت هذا الميت وعليه دين، وإذا مات وعليه دين فإنه لا حظَّ للمُعْطَى.

قوله: «ويسوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية» بدأ المؤلف ببيان الفروق بين العطية والوصية وهما تتفقان في أكثر الأحكام، ويجب أن نعلم الفرق بين العطية والوصية قبل كل شيء، فالوصية إيصاء بالمال بعد الموت، بأن يقول: إذا مِت فأعطوا فلاناً كذا، والعطية تبرع بالمال في مرض الموت.

فتشتركان في أنه لا يجوز أن يوصي لوارث، ولا لغير وراث بما فوق الثلث، ولا يجوز أن يعطي وارثاً ولا غير وارث ما فوق الثلث.

وتشتركان أيضاً في أنهما أدنى أجراً وثواباً من العطية في الصحة؛ لأن المراتب ثلاث:

الأولى: عطية في الصحة.

الثانية: عطية في مرض الموت.

الثالثة: وصية.

أفضلها العطية في الصحة لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان»[(65)].

يلي ذلك العطية في مرض الموت، ويلي ذلك الوصية، فالوصية متأخرة.

فإذا قال قائل: لماذا تجعلون العطية وهي في مرض الموت أفضل من الوصية؟

فالجواب: أن المُعْطِي يأمل أن يشفى من هذا المرض، والوصية لا تكون إلا بعد الموت.

أما المرض غير المخوف فهذا حكمه حكم الصحة؛ لأن الرجل لا يتوقع الهلاك.

وقوله: «ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبْدَأُ بالأول فالأول في العطية» ، هذا هو الفرق الأول بينهما، يعني إذا تزاحمت الوصايا والعطايا وضاق الثلث عنها، فإنه في العطية يبدأ بالأول فالأول، وفي الوصية يتساوى الجميع، أما إذا لم تتزاحم وكان الثلث متسعاً فإنه يعطى الجميع، سواء في الوصية أو العطية.

مثال ذلك: رجل أعطى شخصاً ألف ريال، وأعطى آخر ألفي ريال، وأعطى ثالثاً ثلاثة آلاف ريال، فيكون المجموع ستة آلاف ريال، ثم توفي ووجدنا تركته تسعة آلاف ريال، ومن المعلوم أن هذه العطايا زادت على الثلث، فماذا نصنع؟

نقول: نعطي الأول فالأول، فنعطي الأول ألف ريال، والثاني ألفي ريال، والثالث لا شيء له؛ لأن التركة تسعة آلاف ثلثها ثلاثة، والثلاثة استوعبتها عطية الأول والثاني، فلا يكون للثالث شيء.

ووجه ذلك أن العطية تلزم بالقبض ويملكها المعطَى بالقبض، فإذا أعطينا الأول ألفاً وأعطينا الثاني ألفين استقر ملكهما على ما أُعطياه، ويأتي الثالث زائداً على الثلث فلا يعطى.

ومثال الوصية : رجل أوصى لشخص بألف ريال، ولآخر بألفي ريال، ولثالث بثلاثة آلاف ريال، ثم مات ووجدنا تركته تسعة آلاف ريال، فهنا الوصايا زادت على الثلث، فالثلث ثلاثة والوصايا تبلغ ستة آلاف ريال، إذاً لا بد أن نرد الوصايا إلى الثلث وندخل النقص على الجميع، لكن لا نقدم الأول على الثاني كما فعلنا في العطية، بل نسوي ونقول: لهم ستة آلاف ولا يستحقون إلا ثلاثة، فننسب الثلاثة إلى الستة فتكون نصفها، فيعطى كل واحد نصف ما أوصي له به؛ لأن نسبة الثلث إلى مجموع الوصايا النصف، فنعطي صاحب الألف خمسمائة، وصاحب الألفين ألفاً، وصاحب الثلاثة ألفاً وخمسمائة، فالجميع ثلاثة آلاف، وهي الثلث.

ووجه ذلك أن هؤلاء الموصى لهم إنما يملكون الوصية بعد موت الموصي، وموت الموصي يقع مرة واحدة، ليس فيه تقديم وتأخير، فهم ملكوا المال الموصى لهم به في آن واحد وهو وقت موت الموصي.

ولو قال قائل: لماذا لا تقولون: إن الوصية الثانية تنسخ الأولى، والثالثة تنسخ الثانية، وحينئذ يُحْرَم الأول والثاني من الوصية، ويعطى الثالث ما أوصي له به، وهو ثلاثة آلاف؟

نقول: هذا لا يصح؛ لأن الجميع تزاحموا في الاستحقاق فلا نقدم بعضهم على بعض، نعم إن قال الموصي: ووصيتي الثالثة ناسخة لما سبق من الوصايا، فحينئذٍ يعمل بها؛ لأن للموصي أن يرجع في وصيته.

ولهذا تقع مشكلة الآن في وصايا الناس، تجد الرجل يوصي بوصية وتكون عنده في الدفتر وينساها، ثم يوصي وصية أخرى لو جمعت إلى الأولى لضاق الثلث، وإن عمل بإحداهما نفذت، كذلك ـ أيضاً ـ تختلف الشروط التي اشترط فيها، مثلاً يقول: هذه على الفقراء، وهذه على طلبة العلم، وهذه على المساجد، وهذه لإصلاح الطرق، فيشكل على الورثة.

ومن ثَمَّ نقول: ينبغي لطلاب العلم أن يرشدوا الناس إلى أنهم إذا أراد أحدهم أن يوصي وصية، يقول: وهذه الوصية ناسخة لما سبقها، فيؤخذ بقوله هذا؛ لأن الرجوع في الوصية جائز، فكلما كتب الإنسان وصية ينبغي أن ينتبه لهذا؛ حتى لا يوقع الموصى لهم والورثة في حيرة فيما بعد، فيستريح ويريح.

 

وَلاَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهَا، وَيُعْتَبَرُ القَبُولُ لَهَا عِنْدَ وُجُودِهَا وَيَثْبُتُ المِلْكُ إِذاً، وَالوَصِيَّةُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ.

قوله: «ولا يملك الرجوع فيها» أي: لا يملك الرجوع في العطية؛ لأنها لزمت؛ لأن العطية نوع من الهبة، فلو أعطى رجلاً ألف ريال وقبضها، صار ملك الألف للمعْطَى، ولا يمكن أن يرجع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»[(66)].

والوصية يملك الموصي الرجوع فيها، فلو أوصى ببيته لفلان، وقال: هذا البيت بعد موتي يُعْطَى فلاناً ملكاً له، ثم رجع فإنه يجوز؛ لأن الوصية لا تلزم إلا بعد الموت فله أن يرجع.

هذا هو الفرق الثاني : أن العطية اللازمة ـ وهي المقبوضة ـ لا يملك الرجوع فيها، والوصية ولو قبضها الموصى له فإن الموصي يملك الرجوع فيها؛ لأنها لا تلزم إلا بعد موته.

الفرق الثالث :

قوله: «ويعتبر القبول لها» أي: للعطية.

قوله: «عند وجودها» لأنها هبة، فيعتبر أن يقبل المعطى العطية عند وجودها قبل موت المعطي، فإذا أعطاه العطية فإنه يقبل في الحال، والوصية لا يصح قبولها إلا بعد الموت، حتى لو قال الموصي: إني أوصيت لك بهذا البيت بعد موتي ملكاً لك، فقال الموصى له: قبلت وشكر الله سعيك وجزاك الله خيراً، وذهب إلى كاتب العدل وقال: إني أوصيت ببيتي لفلان بعد موتي، فله أن يرجع؛ لأنها وصية.

الفرق الرابع : أنه لا يثبت الملك للموصَى له من حين تم عقد الوصية، بل الملك للموصي، بخلاف العطية فإنه يثبت الملك فيها حين وجودها وقبولها؛ ولهذا قال:

«ويثبت الملك إذاً» ، أي عند وجودها وقبولها، ويت+فرع على هذا أنه لو زادت العطية زيادة متصلة، أو منفصلة فهي للمُعْطى، بخلاف الوصية فالنماء للورثة؛ لأن الملك في الوصية لا يثبت إلا بعد الموت، ولهذا قال: «والوصية بخلاف ذلك» .

هذه أربعة فروق ذكرها المؤلف، وهناك فروق أخرى كنت قد كتبتها زيادة على ما ذكر، فمنها:

الفرق الخامس : اشتراط التنجيز في العطية، وهذا ربما يؤخذ من قوله: «ويعتبر القبول لها عند وجودها» ، وأما الوصية فلا تصح منجزة؛ لأنها لا تكون إلا بعد الموت، فهي مؤجلة على كل حال.

الفرق السادس : الوصية تصح من المحجور عليه، ولا تصح العطية.

مثلاً : رجل عليه ديون أكثر من ماله، مثلاً عليه عشرة آلاف ريال، وماله ثمانية آلاف ريال، وحجر عليه، فلا يمكن أن يعطي أحداً من هذه الثمانية، لأنه محجور عليه، فهذه العطية تبرع يتضمن إسقاط واجب، والتبرع الذي يتضمن إسقاط واجب غير صحيح، لكن لو أوصى بعد موته بألفي ريال فإنه يجوز، والفرق أن الوصية لا تنفذ إلا بعد قضاء الدين، وليس على أهل الدَّين ضرر إذا أوصى بشيء من ماله؛ لأنه إذا مات الميت، نبدأ أولاً بتجهيزه ثم بالديون التي عليه، ثم بعد ذلك بالوصية.

إذاً الوصية تصح من المحجور عليه والعطية لا تصح، والفرق أن العطية فيها إضرار بالغرماء، والوصية ليس فيها إضرار؛ لأنها لن تنفذ إلا بعد قضاء الدين.

وهل تصح من المحجور عليه لسفه؟

المحجور عليه لسفه إما أن يكون صغيراً، وإما أن يكون مجنوناً، وإما أن يكون بالغاً عاقلاً لكنه سفيه لا يحسن التصرف، أما الأول والثاني فلا تصح وصيتهما ولا عطيتهما؛ لأنهما لا قصد لهما ولا يعرفان الوصية والعطية.

وأما الثالث ففيه قولان: قال بعض أهل العلم: تصح وصيته؛ لأنه إنما حجر عليه لمصلحة نفسه، وبعد موته لا يضره ما ذهب من ماله إلى ثواب الآخرة مثلاً، لكن في النفس من هذا شيء؛ لأن السفيه لا يحسن التصرف، فأنا أتوقف في هذا.

الفرق السابع : الوصية تصح بالمعجوز عنه، والعطية لا تصح، فلو أعطى شيئاً معجوزاً عنه كجمل شارد وعبد آبق وما أشبه ذلك، فإنها لا تصح العطية على المشهور من المذهب، والقول الراجح أنها تصح؛ لأن المعطَى إما أن يغنم وإما أن يسلم وليس فيه مراهنة، لكن على المذهب لا تصح العطية بالمعجوز عنه، وتصح الوصية، والفرق أن الوصية لا يشترط تملكها في الحال، فربما يقدر عليها فيما بين الوصية والموت.

والصحيح في هذا أن كلتيهما تصح بالمعجوز عنه.

الفرق الثامن : الوصية لها شيء معين ينبغي أن يُوصى فيه والعطية لا، والشيء المعين الذي ينبغي أن يوصي فيه هو الخُمس، فالإنسان إذا أراد أن يوصي بتبرع فليوصِ بالخمس، فلدينا خمس وربع وثلث ونصف وأجزاء أخرى.

فالوصية بالنصف حرام، والوصية بالثلث جائزة، والوصية بالربع جائزة ولكنها أحسن من الثلث، والوصية بالخمس أفضل منهما، أي من الثلث والربع، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين استأذنه سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ في أن يوصي بأكثر من الثلث قال: «الثلث والثلث كثير» [(67)]، وقول نبينا صلّى الله عليه وسلّم: «الثلث كثير» يوحي بأن الأولى النقص عنه.

وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ مع ما أعطاه الله ـ تعالى ـ من الفهم يقول: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الثلث والثلث كثير»)[(68)]، يعني لكان أحسن.

أما أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ فقد سلك مسلكاً آخر واستنبط استنباطاً آخر، وفهم فهماً عميقاً، فأوصى بالخمس، وقال: أوصي بما رضيه الله لنفسه، ثم تلا: {{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}} الآية [الأنفال: 41] [(69)]، ولذلك اعتمد الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن الجزء الذي ينبغي أن يوصى به هو الخمس.

وهذه ـ أيضاً ـ مسألة أحب من طلبة العلم أن ينبهوا الناس عليها، فالآن الوصايا كلها ـ إلا ما شاء الله ـ بالثلث، يقول الموصي: أوصيت بثلثي ـ سبحان الله!! ـ الرسول صلّى الله عليه وسلّم ماكسه سعد ـ رضي الله عنه ـ من الثلثين إلى النصف إلى الثلث فقال: «الثلث كثير» فلماذا لا نرشد العامة ـ لا سيما إذا كان ورثتهم فقراء ـ أن يوصوا بالربع فأقل؟ لكن هذا قليل مع الأسف، والكتَّاب يُرضون من حضر إليهم للوصية، يقول الكاتب: بكم تريد أن توصي؟ فيقول: بالثلث، فلا يقول الكاتب له: بل بالربع أو بالخمس، وهذا غلط.

وأنا أرى أنه إذا طُلِب من إنسان أن يكتب وصية بالثلث، أن يقول: يا أخي تريد الأفضل؟ فإذا قال: نعم، يقول له: الأفضل الخمس، فإذا قال: أنا أريد أكثر فإننا ننقله إلى الربع، ونقول: هذا هو الأفضل، وأنت لو أردت التقرب إلى الله حقاً لتصدقت وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء وتخشى الفقر، أما الآن إذا فارقت المال تذهب تحرمه ممن جعله الله له! فهذا لا ينبغي.

على كل حال الوصية لها جزء معين ينبغي أن تكون به والعطية لا، فلا نقول: يسن أن يعطي الخمس أو الربع.

الفرق التاسع : يقول الفقهاء: الوصية تصح للحمل، والعطية لا تصح؛ ووجه ذلك أن الحمل لا يملك، فإذا أعطيته لم يملك، ولا يصح أن يتملك له والداه؛ لأن الحمل ليس أهلاً للتملك، والعطية لا بد أن يكون التملك فيها ناجزاً.

الفرق العاشر : أن العبد المدبَّر يصح أن يوصَى له، ولا تصح له العطية، مثلاً: رجل عنده عبد مدبَّر ـ وهو الذي علق عتقه بموت سيده ـ فقال له: إذا مت فأنت حر، فهذا مدبَّر؛ لأن عتقه يكون دبر حياة سيده، فيصح أن يوصي لعبده المدبر؛ لأن الوصية تصادف العبد وقد عتق، وإذا عتق صح أن يتملك، ولا يصح أن يعطي عبده بناءً على أن العبد لا يملك بالتمليك، والعطية لا بد أن يتملكها في حينها.

الفرق الحادي عشر : العطية خاصة بالمال، والوصية تكون بالمال والحقوق، ولذلك يصح أن يوصي شخصاً ليكون ناظراً على وقفه، ويصح على قولٍ ضعيف أن يوصي شخصاً بتزويج بناته، ولكن العطية خاصة بالمال.

وليعلم أن من أسباب تحصيل العلم أن يعرف الإنسان الفروق بين المسائل المشتبهة، وقد ألف بعض العلماء في هذا كتباً، كالفروق بين البيع والإجارة، وبين الإجارة والجعالة، بين العطية والوصية، وكل المسائل المشتبهة، فمن أسباب اتساع نظر الإنسان وتعمقه في العلم أن يحرص على تتبع الفروق ويقيدها. هذا ما تيسر لنا، وقد يكون عند التأمل فروق أخرى.

وقد ذكرنا أنه يصح على قول أن يوصي الإنسان بتزويج بناته وهذا هو المذهب، والصحيح أنه لا تصح وصيته بتزويج بناته؛ لأنه ولي على بناته ما دام حياً، وترتيب الولاية ليست إلى الولي، بل هي إلى ولي الولي وهو الله ـ عزّ وجل ـ، وعلى هذا فإذا مات الإنسان انقطعت ولايته في تزويج بناته، كما تنقطع ولاية بقية الأولياء.

فلو قال شخص عند موته: أوصيت إلى فلان أن يتولى تزويج بناتي ثم مات ولهن عم، فالقول الراجح أن يزوجهن العم، والقول الثاني: يزوجهن الوصي.

 

----------------------------

 

[27]   الوقف والهبة والعطية والهدية.

[28]   أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا خيَّر أحدهما صاحبه (2112)؛ ومسلم في البيوع/ باب ثبوت خيار المجلس (1531) (44) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[29]   أخرجه مالك (2/752) وعبد الرزاق (16507)؛ والبيهقي (6/169) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ. انظر: نصب الراية (4/122) وصححه الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف كما في موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية (2/518) ومثله في الإرواء (1619).

[30]   لما أخرجه البخاري في الوكالة/ باب اقتناء الكلب للحرث (2322)؛ ومسلم في المساقاة/ باب الأمر بقتل الكلاب... (1575) (58).

[31]   لما أخرجه مسلم في الصلاة/ باب ما يستر المصلي (510) عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ.

[32]   سبق تخريجه ص(36).

[33]   سبق تخريجه ص(36).

[34]   سبق تخريجه ص(36).

[35]   أخرجه مسلم في الهبات/ باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (1623) (15).

[36]   أخرجه البخاري في الهبة/ باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته (2622)؛ ومسلم في الهبات/ باب تحريم الرجوع في الصدقة (1622) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.

[37]   أخرجه مسلم في الطهارة/ باب حكم ولوغ الكلب (279) (91) بلفظ: «أولاهن بالتراب» عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[38]   أخرجه البخاري في الهبة/ باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته (2623)؛ ومسلم في الهبات/ باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض (1622) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ

[39]   أخرجه أحمد (2/27)؛ وأبو داود في البيوع/ باب الرجوع في الهبة (3539)؛ والترمذي في البيوع/ باب ما جاء في الرجوع في الهبة (1299)؛ والنسائي في الهبة/ باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده (3690)؛ وابن ماجه في الأحكام/ باب من أعطى ولده ثم رجع فيه (2377) عن ابن عمر وابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ، انظر: نصب الراية (4/124).

[40]   أخرجه ابن ماجه (2291) عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ، وصححه البوصيري على شرط البخاري وصححه ابن حبان (410) إحسان عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ، وأخرجه الإمام أحمد (2/179، 204، 214)؛ وأبو داود في البيوع/ باب الرجل يأكل من مال ولده (3530)؛ وابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2292) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحسَّن إسناده في الإرواء (3/325).

[41]   سبق تخريجه ص(90).

[42]   أخرجه مسلم في الزكاة/ باب الابتداء بالنفقة على النفس (997) عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ.

[43]   سبق تخريجه ص(90).

[44]   أخرجه الإمام أحمد (6/41)؛ والترمذي في الأحكام/ باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده (1358)؛ والنسائي في البيوع/ باب الحث على الكسب (7/240) وابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2290)؛ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (4261). وانظر: التلخيص (1665)؛ والإرواء (1626).

[45]   أخرجه البخاري في الأدب/ باب من أحق الناس بحسن الصحبة (5971)؛ ومسلم في الأدب/ باب بر الوالدين وأيهما أحق به (2548) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[46]   أخرجه الإمام أحمد (1/379)، وقال الحافظ في الدراية (2/187): «إسناده حسن».

[47]   أخرجه البخاري في الزكاة/ باب فضل صدقة الشحيح الصحيح (1419)؛ ومسلم في الزكاة/ باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الشحيح (1032) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، وعن البخاري «تأمل الغنى» بدل «تأمل البقاء».

[48]   أخرجه البخاري في الطب/ باب الحمى من فيح جهنم (5725)؛ ومسلم في الطب/ باب لكل داء دواء واستحباب التداوي (2210) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.

[49]   أخرجه البخاري في الإجارة/ باب استئجار المشركين عند الضرورة (2263) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ، ولم يصرح البخاري باسم عبد الله بن أريقط، إنما ورد اسمه في كتب السيرة كما قال الحافظ في الفتح.

[50]   أخرجه البخاري في الجهاد والسير/ باب الشهادة سبع سوى القتل (2829)؛ ومسلم في الإمارة/ باب بيان الشهداء (1914) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[51]   أخرجه البخاري في الطب/ باب ما يذكر في الطاعون (5729)؛ ومسلم في الطب/ باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (2219) عن عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ.

[52]   أخرجه البخاري في المغازي/ باب قصة أهل نجران (4380) عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ، ومسلم في فضائل الصحابة/ باب من فضائل أبي عبيدة بن الجراح (2419) ـ رضي الله عنه ـ عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.

[53]   أخرجه أحمد (1/18) والحاكم (3/268).

[54]   سبق تخريجه ص(111).

[55]   أخرجه أحمد (5/267)؛ وأبو داود في الوصايا/ باب ما جاء في الوصية للوارث (2870)؛ والترمذي في الوصايا/ باب ما جاء لا وصية لوارث (2120)؛ وابن ماجه في الوصايا/ باب لا وصية لوارث (2713) عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ.

          قال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه الحافظ في التلخيص (1369)، وانظر طرقه في الإرواء (1655).

[56]   سبق تخريجه ص(49).

[57]   أخرجه البخاري في الوصايا/ باب الوصية بالثلث (2744)؛ ومسلم في الوصية/ باب الوصية بالثلث (1628) عن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ.

[58]   أخرجه البخاري في الوصايا/ باب الوصية بالثلث (2743)؛ ومسلم في الوصية/ باب الوصية بالثلث (1629) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.

[59]   أخرجه مسلم في البيوع/ باب الشفعة (1608) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.

[60]   أخرجه أبو داود في الزكاة/ باب في الرخصة في ذلك (1678)؛ والترمذي في المناقب/ باب في مناقب أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ (3675) عن عمر ـ رضي الله عنه ـ، وقال: حسن صحيح.

[61]   أخرجه أحمد (2/443) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، والبخاري في الطب/ باب الجذام (5707) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ معلقاً، ولفظه: «كما تفر من الأسد».

[62]   أخرجه البخاري في الطب/ باب الطيرة (5753)؛ ومسلم في الطب/ باب الطيرة والفأل... (2225) (116) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[63]   أخرجه البخاري في الطب/ باب لا صفر (5717)؛ ومسلم في الطب/ باب لا عدوى ولا طيرة... (222.) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[64]   أخرجه أبو داود في الطب/ باب في الطيرة (3925)؛ والترمذي في الأطعمة/ باب ما جاء في الأكل مع المجذوم (1817)؛ وابن ماجه في الطب/ باب الجذام (3542) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.

[65]   سبق تخريجه ص(102).

[66]   سبق تخريجه ص(87).

[67]   سبق تخريجه ص(118).

[68]     سبق تخريجه ص(118).

[69]   أخرجه عبد الرزاق (16363) عن قتادة عن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ.

 

 

تاريخ التحديث : Feb 22, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com