|
بَابُ المُوصَى لَهُ
تَصِحُّ لِمَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ.
قوله: «باب الموصى له» ، عندنا: موصى له، وموصى به، وموصى إليه، وموصي، ووصية.
فالموصي معروف وهو: المتبرع، والوصية: هي العقد الصادر من الموصي، والموصى له: من أوصى له الميت ليكون الشيء له ملكاً، والموصى به: العين التي أوصى بها أو المنفعة، والموصى إليه: نظير الوكيل في حال حياته، يعني الذي يؤمر بالتصرف بعد الموت، وسيأتي إن شاء الله.
قوله: «تصح لمن يصح تملكه» ، هذه هي القاعدة، فإن قيل: من الذي تصح الوصية له؟
فالجواب: كل من يصح تملكه، أما من لا يصح تملكه، فلا تصح الوصية له، فلو أوصى لعبد غيره فالوصية لا تصح؛ لأن عبد الغير لا يملك على المشهور من المذهب، ولا يقال: إنها تصح وتكون لسيده؛ لأن الموصي قد يقصد نفس العبد، يريد رحمته والبرَّ به، فلا تصح الوصية.
ولو أوصى لِجِنِّيٍّ، بأن كان له صديق من الجن يخدمه ويساعده على أموره ويطلب العلم عنده، فأوصى له بشيء فإنه لا يصح، مع أن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يقولون: إنه يقبل قول الجني أن ما بيده ملكه، فلو وجدنا جنياً بيده محفظة ويحضر الدرس وقال: إنها لي، وقال إنسان: هذه محفظتي، فإننا نقول: هي له؛ لأنها بيده، إلا إذا أتيت بالشهود.
أشكل على بعض المتأخرين كيف يقول الفقهاء: إنها لا تصح الوصية للجني؛ لأنه لا يملك، ويقولون: إن ما بأيديهم يقبل أنه لهم؟! أجابوا عن ذلك ـ إن صح ما قاله الفقهاء، وقد أوافق أو لا أوافق ـ بأن الفرق واضح؛ لأن الوصية لهم تمليك جديد، وما بأيديهم ملك مستمر فهو لهم، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قد ملكهم كل عظم ذكر اسم الله عليه يجدونه أوفر ما يكون لحماً، فقال لهم: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحماً ـ هذا يدل على أنهم يأكلون ـ وكل بعرة فهي علف لدوابكم»[(79)].
مسائل:
الأولى: هل يجوز أن يوصي لكافر؟
المذهب تصح الوصية للكافر، ولكن المرتد يرى بعض أهل العلم أنه لا يمكن أن يملك شيئاً؛ لأنه يجب قتله ويصرف ماله في بيت المال، حتى ورثته لا يرثونه.
الثانية: إذا تزاحمت الديون وصارت أكثر من المال، فهل نبدأ بالأسبق أو يتساوى الجميع؟
نقول: إن الديون تشترك والنقص يكون على الجميع؛ لأن تعلقها بالتركة ورد على التركة في آن واحد عند موت المدين، فلا فرق بين الدين السابق واللاحق، مثال ذلك:
رجل عليه دين لزيد ثلاثة آلاف، استدانه قبل سنة من موته، وعليه دين لعمرو ثلاثة آلاف استدانه قبل ستة أشهر من موته، ثم مات ولم نجد في تركته إلا ثلاثة آلاف، فلا نعطيها زيداً؛ لأن دينه أسبق، بل نقول: النقص بالقسط، بأن ننسب التركة إلى مجموع الدين، فننسب ثلاثة آلاف إلى مجموع الدَّين ستة آلاف يكون النصف، فنعطي كل واحد نصف حقه.
الثالثة: إذا اجتمعت ديون لله وللآدمي، فهل نقدم دَين الآدمي، أو دَين الله، أو يشتركان؟
مثال ذلك: رجل مات وفي ذمته خمسة آلاف ريال زكاة، وعليه لزيد خمسة آلاف، ولما توفي لم نجد إلا خمسة آلاف فقط، فالدين أكثر من التركة، فهل نصرف خمسة الآلاف في الزكاة؟ أو في دين الآدمي؟ أو يشتركان؟
في هذا ثلاثة أقوال للعلماء:
فمنهم من قال: يُقضى دين الآدمي، فنعطي خمسة آلاف ـ التي هي التركة ـ الآدمي، وعلل ذلك بأن حق الله مبني على المسامحة، وهو ـ سبحانه وتعالى ـ غني عنا، وحق الآدمي مبني على المشاحة، وهو بحاجة إلى حقه، فيقدم.
ومنهم من قال: يقدم حق الله ـ عزّ وجل ـ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء»[(80)]، و(أحق) اسم تفضيل، فيقدم على الحق المفضل عليه، وعلى هذا القول نخرج خمسة الآلاف التي في التركة لأهل الزكاة.
ومنهم من قال: يشتركان؛ لأن كلًّا منهما دين في ذمة الميت فلا يفضل أحدهما على الآخر، وهذا هو المذهب عند الأصحاب ـ رحمهم الله ـ وهو الصحيح.
فإن قال قائل: ما هو الجواب عن قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء»؟
الجواب: أن معنى الحديث: إذا كان دين الآدمي يقضى فدين الله من باب أولى؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أرأيتِ لو كان على أمكِ دين فقضيتيه أيجزئ عنها؟» ، قالت: نعم، قال: «اقضوا الله فالله أحق بالقضاء» ، والمسألة لم ترد في حقين أحدهما لله والآخر للآدمي حتى نقول: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم حكم بأن دَين الله مقدم، إنما أراد الرسول صلّى الله عليه وسلّم القياس، فإذا كان دين الآدمي يقضى فالله أحق بالوفاء.
ونجيب عن القول الآخر، وهو أن حق الآدمي مبني على المشاحة والحاجة، بأن حق الله ـ عزّ وجل ـ يكون لعباد الله، فالزكاة ـ مثلاً ـ للمخلوقين وليست لله ـ عزّ وجل ـ، بمعنى أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا ينتفع بها، فهي في الحقيقة حق لله، وفي نفس الوقت حق لعباد الله، وكذلك نقول في الكفارات، وغيرها مما يجب على الإنسان لله ـ عزّ وجل ـ.
فالقول بأنهما يتحاصَّان ويشتركان هو القول الراجح.
وَلِعَبْدِهِ بِمُشَاعٍ كَثُلُثِهِ وَيَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِهِ وَيَأْخُذُ الفَاضِلَ، وَبِمِائَةٍ أَوْ مُعَيَّنٍ لاَ تَصِحُّ لَهُ، وَتَصِحُّ بِحَمْلٍ وَلِحَمْلٍ تُحُقِّقَ وُجُودُهُ قَبْلَهَا، ......
قوله: «ولعبده بمشاع كثلثه» ، المشاع هو الجزء الذي لم يعين مثل الربع، الخمس، العشر، فالوصية لعبده فيها تفصيل، إن أوصى له بمشاع كالثلث ونحوه كالربع والسدس والخمس فلا بأس فيصح؛ لأنه يدخل في الوصية، أي: أن العبد نفسه يدخل في الوصية، فإذا ملك الجزء بالوصية يعتق منه بقدر ما أوصى به، وينجر العتق إلى العبد كله بالسراية فصح أن يتملك، وهذا وجه الفرق بين عبده وعبد غيره.
ولنفرض أن عنده عبداً يساوي ألفاً وعنده عروض تجارة تساوي ألفاً وعنده نقود ألف، فأوصى لعبده بثلثه، فإن العبد يدخل في الوصية؛ لأن الثلث مشاع، يشمل العبد وعروض التجارة والنقود، فيعتق ثلث العبد وينجر العتق إلى العبد كله بالسراية.
قوله: «ويَعتِقُ منه بقدره» أي: بقدر المشاع الذي أوصى به، سواء الثلث أو أقل.
قوله: «ويأخذ الفاضل» إن فضل، بأن تكون قيمته أقل من الجزء المشاع الذي أوصى له به، فلو أوصى للعبد بالثلث، وقدرنا العبد بعد موت سيده فوجدناه يساوي سبعة آلاف والثلث عشرة آلاف، فإن العبد يعتق، ويبقى من الثلث ثلاثة آلاف يأخذها العبد؛ ولهذا قال: «ويعتق منه بقدره» أي بقدر الثلث إن كانت قيمة العبد أكثر من الثلث، «ويأخذ الفاضل» إن كانت قيمة العبد أقل من الثلث.
مثال آخر إذا كانت قيمة العبد أكثر: كما لو أوصى لعبده بثلث ماله، وبعد موته قدرنا الثلث فوجدناه عشرة آلاف ريال، والعبد يساوي خمسة عشر ألف ريال مثلاً، فإننا نقول: يعتق من العبد ثلثاه؛ ووجه ذلك أنه أوصى له بالثلث، وقيمته تزيد على الثلث فلا يعتق منه إلا مقدار الثلث، وإن ساوى العبد الثلث عتق وليس له شيء.
فصار إذا أوصى لعبده بمشاع، فإما أن تزيد قيمة العبد أو تنقص أو تساوي.
قوله: «وبمائة أو معين لا تصح له» هذا الجانب الثاني من التفصيل، فإن أوصى لعبده بمقدَّرٍ، بأن قال: أوصي لعبدي بمائة ريال بعد موتي، فإن الوصية لا تصح ولو كان عبده؛ لأن عبده لا يملك لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع» [(81)]، فما بيده من المال ليس ملكاً له، وهو غير داخل في الوصية، أما في المسألة الأولى إذا أوصى بالمشاع فهو داخل في الوصية، فمن جملة المشاع نفس العبد فيملك جزءاً من نفسه فيعتق بهذا، أما هنا فهو غير داخل في الوصية.
ولو أوصى لعبده بمعين بأن قال: البيت الفلاني لعبدي، فإن الوصية لا تصح؛ لأن العبد لا يملك، فصارت الوصية لعبد الغير غير صحيحة، سواء أوصى له بمعين أو بمقدر أو بمشاع، والوصية لعبده، إن أوصى بمشاع صحت، وإن أوصى بمقدر كمائة أو بمعين لا تصح، والفرق واضح؛ لأنه إذا أوصى بالمشاع صار من جملة المشاع العبد، فيعتق منه بقدر المشاع الذي أوصى به له.
قوله: «وتصح بحملٍ ولحملٍ تُحُقِّقَ وجودُه قبلَها» الوصية بالحمل والوصية للحمل بينهما فرق، فالوصية بالحمل يعني أن الحمل يكون هو الموصى به، والوصية للحمل يعني أن الحمل هو الموصى له، أي: المملَّك الذي يعطى الوصية، فتجوز الوصية بالحمل، وللحمل، بشرط أن يكون الحمل موجوداً حين الوصية، فيجوز أن يوصي بالحمل ويقول مثلاً: أوصيت بحمل هذه الشاة لفلان، ويريد الحمل الذي في البطن لا الحمل المستقبل، فإذا كشفنا عنها ووجدنا أنه لا حمل في بطنها فإن الوصية باطلة؛ لأنه غير موجود حين الموت، ولو وجد الحمل بعد الموت فإن الوصية باطلة؛ لأنه لم يوجد إلا بعد الوصية.
لكن لو قال: أوصيت بما تحمل بعيري هذه لفلان، صحت الوصية؛ لأن الحمل هنا لم يعين فكأنه أوصى بنماء هذه البعير، بخلاف الأول فإنه عيَّن فقال: بحمل، فإن لم يكن حمل فإن محل الوصية مفقود، وإذا فقد محل الوصية فقدت الوصية.
والوصية للحمل، أي: أوصى لحمل فلانة، يعني الذي في بطنها، إن كان الحمل موجوداً حين الوصية صحت الوصية، ولكن لا يملكها إلا إذا استهل صارخاً كالميراث، وإن لم يكن موجوداً فإنها لا تصح، ومتى نتيقن الوجود؟ نتيقن الوجود إذا وضعت هذه المرأة قبل ستة أشهر من الوصية وعاش، فنعلم الآن أنه موجود حين الوصية؛ لأن أقل مدة حمل يعيش فيها المولود ستة أشهر، والدليل على ذلك مركب من آيتين: الآية الأولى: قوله تبارك وتعالى: {{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا}} [الأحقاف: 15] ، فإن ثلاثين شهراً من الأعوام سنتان ونصف.
الآية الثانية: قوله ـ عزّ وجل ـ: {{وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}} [لقمان: 14] ، فإذا أسقطنا عامين من ثلاثين شهراً يبقى ستة أشهر، فيكون الاستدلال مركباً من دليلين، وذكر ابن قتيبة في المعارف أن عبد الملك بن مروان الخليفة المشهور ولد لستة أشهر، لكن الغالب أن الحمل يكون تسعة أشهر بالنسبة للآدميين.
وَإِذَا أَوْصَى مَنْ لاَ حَجَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ صُرِفَ مِنْ ثُلُثِهِ مَؤُونَةُ حَجَّةٍ بَعْدَ أُخْرى حَتَّى يَنْفَدَ .............
قوله: «وإذا أوصى من لا حج عليه أن يحج عنه بألف صُرِف من ثلثه مؤونة حجة بعد أخرى حتى يَنفدَ» ، أي: إذا أوصى من لا حج عليه أن يُحَجَّ عنه بألف، كرجل أدى فريضة الحج ـ لأن من لم يحج الفريضة يجب تنفيذ حجه، سواء أوصى به أو لم يوصِ، وسواء زاد عن الثلث أو نقص عنه ـ فإن أدى فريضة الحج ثم أوصى فقال: أوصيت أن يُحَج عني بألف، فوجدنا مَنْ يحج عنه بخمسمائة، يقولون: إنه يُحَج عنه مرة أخرى حتى تَنفدَ الألف؛ لأنه قال: «يحج عني بألف» ولم يقل: حجة، فَيُحج بكل ثلثه حجة بعد أخرى حتى ينفدَ؛ لأنه عيَّن أن يكون الثلث في الحج.
وإذا قال: أوصيت أن يُحَج عني حجة بألف، فهنا قيدها، فهل إذا حججنا عنه بثمانمائة نحج عنه أخرى، أو نطلب من يحج عنه بألف؟
هذا فيه تفصيل:
إذا قال: أوصيت أن يحج عني فلان حجة بألف، أعطينا فلاناً الألف كاملة وقلنا: حج عنه؛ لأن تعيينه الشخص، وتعيينه أكثر مما تستحقه الحجة، يدل على أنه أراد مصلحة الشخص، فنعطيه الألف ولو كان يحج بثلاثمائة مثلاً.
والمذهب أن الزائد للورثة مطلقاً سواء عين أم لا، والصحيح أنه إن عين الموصى له فالزائد له، وإلا فالزائد للورثة.
وإن قال: يحج عني فلان بألف، نقول: يحج عنه فلان حجة بعد أخرى حتى تنفدَ الألف؛ لأنه لم يقيدها.
أما إذا قال: يُحَج عني حجة بألف ولم يعين الشخص، فهنا لا يحج عنه بألف إذا وجدنا من يحج بأقل؛ لأنه لا يظهر أنه أراد منفعة شخص معين، بل يحتمل أنه غلب على ظنه أنه لا يوجد من يحج إلا بألف، فقيدها بالألف بناءً على ظنه.
والناس في هذه المسألة اختلفوا اختلافاً عظيماً، ونحن أدركنا مَنْ يحج بخمسين ريالاً، أما الآن فلا يُحَج إلا بثلاثة آلاف أو خمسة آلاف، فتغير الحال، فربما يكون هذا الموصي الذي قال: يُحَج عني حجة بألف، ظن أنه لا يوجد مَنْ يحج إلا بألف، فإذا وجدنا من يحج بخمسمائة، فالمذهب أن الزائد للورثة.
فإن نقصت الألف عن الحجة فماذا نصنع؟ الجواب: إذا كان سبب زيادة الحج معلوماً يرجى زواله فإننا ننتظر، مثل أن يكون السبب الخوف في الطرقات ونحو ذلك، أما لو كان السبب غير طارئ ونعلم أنه إن لم تزد قيمة الحجة لم تنقص، ولم نجد أحداً يمكن أن يحج من مكة، ففي هذه الحال، إما أن نبطل الوصية أو نصرفها في أعمال برٍّ أخرى، وهذا هو المتعين، فتصرف الدراهم في أعمال خير أخرى؛ لأن الرجل إنما قصد بالوصية التقرب إلى الله ـ عزّ وجل ـ، وخص نوعاً من القربات ولم نتمكن من هذا النوع، فنأخذ بالمعنى العام وهو القربى.
وَلاَ تَصِحُّ لَمَلَكٍ وَبَهِيمَةٍ وَمَيِّتٍ، فَإِنْ وَصَّى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ يُعْلَمُ مَوْتُهُ فَالكُلُّ لِلحَيِّ وَإِنْ جَهِلَ فَالنِّصْفُ، وَإِنْ وَصَّى بِمَالِهِ لابْنَيْهِ وَأَجْنَبِيٍّ فَرَدَّا فَلَهُ التُّسْعُ.
قوله: «ولا تصح» ، الفاعل يعود على الوصية.
قوله: «لِمَلَكٍ» ، لأن الملَك لا يملك، فالملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لا يملكون؛ لأنهم ليسوا بحاجة إلى الأكل والشرب، بل هم صُمْدٌ ـ يعني لا أجواف لهم ـ يلهمون التسبيح، فيسبِّحون الله ـ تعالى ـ الليل والنهار لا يفترون.
قوله: «وبهيمة» ، أي لا تصح الوصية لبهيمة على المشهور من المذهب؛ لأن البهيمة لا تملك، ومن شرط صحة الوصية أن تكون لمن يملك، لكن ذكر بعض العلماء أنه يصح الوقف على بهيمة ويصرف في علفها ومؤونتها، فيخرَّج من هذا أن تصح الوصية للبهيمة ويصرف ذلك في علفها ومؤونتها، هذا إذا لم تكن البهيمة من خيول الجهاد أو إبل الجهاد، فإن كانت من خيول الجهاد أو إبل الجهاد فالوصية لها صحيحة؛ لأن المقصود الجهاد وليس البهيمة؛ ولذلك لا يقوم بقلب الموصي أنها لهذا النوع من الخيل أو من الإبل، بل لعموم الإبل والخيل.
فإذا قال: أوصيت لجمل فلان بكذا وكذا، صححنا الوصية على هذا، كذلك إذا علمنا أن المقصود الجهة دون عين البهيمة، مثل الجهاد، أو يكون هناك بهائم كإبل أو بقر تنقل الماء للمحتاجين في الأحياء، وأوصى لهذه الإبل أو البقر فلا شك أن الوصية صحيحة، ويصرف في مؤونتها وعلفها.
قوله: «وميت» أي: لا تصح لميت؛ لأن الميت لا يملك، فإذا كان لا يملك فكيف تصح الوصية له؟!
وقيل: تصح الوصية للميت وتصرف صدقة له في أعمال الخير، وهذا القول هو الراجح، أنه تصح للميت لا على سبيل التمليك؛ لأن الميت لا يملك، وكل أحد يعرف أن الإنسان إذا أوصى لميت لا يريد أن يُشترى له طعام ليأكله، أو شراب ليشربه أو لباس يلبسه، وإنما يريد أن يصرف في أعمال الخير لهذا الميت، لكن لو قال: أنا أريد تمليك الميت، قلنا: الوصية غير صحيحة، وهذا تلاعب؛ لأن الميت لا يملك، وملك الميت ينتقل إلى غيره إذا مات، فكيف يملك؟!
قوله: «فإن وصَّى لحي وميت يعلم موته فالكل للحي» إذا وصى لحي وميت، بأن قال: أوصيت بألف ريال لزيد وعمرو الميت، وهو يعلم أنه ميت فالكل للحي؛ ووجه ذلك أن اشتراكهما اشتراك تزاحم، والموصي يعلم أن الميت معدوم، وأن الوصية لا تصح له، فكأنه أراد أن تكون كلها للحي، فلما تعذر أن يكون نصيب الميت له عاد إلى الحي؛ لأنه يعلم أن الميت لا يملك، وعلى القول الذي رجحنا يكون للحي النصف وللميت النصف ويكون صدقة له، والمذهب أنه ليس للحي إلا النصف مطلقاً سواء علم الموصي أم لم يعلم، بناء على تفريق الصفقة، وأن الصفقة إذا اشتملت على حلال وحرام، حَلَّ الحلال وحرم الحرام، أو على صحيح وفاسد صح الصحيح وفسد الفاسد، وعليه يكون للحي النصف مطلقاً.
ومحل الخلاف ما لم يقل: بينهما أنصافاً، فإن قال ذلك فليس للحي إلا النصف مطلقاً.
قوله: «وإن جهل» ، أي: موته.
قوله: «فالنصف» ، ووجهه أنه إنما أوصى للحي والميت بناءً على أن الميت موجود وحي، وعلى هذا يكون الموصى به بينهما نصفين، وتَعذَّرَ إيصال حق الميت إليه، فيبقى حق الحي وهو النصف.
قوله: «وإن وصَّى بماله لابنَيه وأجنبي فردَّا فله التُّسع» ، أي: إن وصى لابنيه وأجنبي بكل ماله، بأن قال: أوصيت بمالي لزيد وابنيَّ بكر وخالد، فإن الوصية بما زاد على الثلث باطلة إذا ردها الورثة، وهذان الابنان ردَّا وقالا: لا نقبل ما زاد على الثلث ولا نجيزه، فإن الوصية ترجع من المال كله إلى الثلث، فيصير الثلث بين ثلاثة، الابنين والأجنبي أثلاثاً، فيكون نصيب الأجنبي التسع؛ لأنه ثلث الثلث، ولهذا قال: «فله التُّسع» .
---------------------
[79] أخرجه مسلم في الصلاة/ باب الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن (450) عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ.
[80] أخرجه البخاري في الحج/ باب الحج والنذور عن الميت (1852) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
[81] أخرجه البخاري في المساقاة/ باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط (2379)؛ ومسلم في البيوع/ باب من باع نخلاً عليها ثمر (1543) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ
|