|
بَابُ الوَصِيَّةِ بِالأَنْصِبَاءِ وَالأَجْزَاءِ
إِذَا أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ فَلَهُ مِثْلُ نَصِيبِهِ مَضْمُوماً إِلى المَسْأَلَةِ، فَإِذَا أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ وَلَهُ ابْنَانِ فَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلاثَةً فَلَهُ الرُّبُعُ ......
«باب الوصية بالأنصباء والأجزاء» ، الأنصباء: جمع نصيب وهو نصيب الوارث، وهو الشيء المقدر، والأجزاء: جمع جزء وهو الشيء المقدر، لكن لا بالنسبة لشخص معين، فالأنصباء بالنسبة للأشخاص، والأجزاء بالنسبة للمسألة.
قوله: «إذا أوصى بمثل نصيب وارث معيَّن فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة» ، هذا هو الضابط، فإذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فقال: مثل نصيب ابني فلان، أو بنتي فلانة أو ما أشبه ذلك، فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة، إذاً نصحح مسألة الورثة، ثم نضيف إليها مثل نصيب مَنْ أوصى له، مثاله:
قوله: «فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث» ، فالمسألة من اثنين، أضف إليها مثل نصيب واحد منهما، فتكون المسألة من ثلاثة، فيكون له الثلث.
قوله: «وإن كانوا ثلاثة فله الربع» ، فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ثلاثة أبناء، فمسألتهم من ثلاثة، أضف إليها واحداً مثل نصيب أحدهم تكن أربعة، فيكون للموصى له الربع، وهذا سهل.
ولو أوصى بمثل نصيب زوجته وله زوجة وابن، فله الثمن مضموماً إلى المسألة وهو تسع في الحقيقة! لأن نصيب الزوجة الثمن ـ واحد من ثمانية ـ والمسألة من ثمانية أضف إليها واحداً تكن تسعة، فيكون للموصى له التسع، وللزوجة الثمن واحد، لكنه بسبب الوصية أصبح تسعاً، والباقي للابن.
وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ بِنْتٌ فَلَهُ التُّسْعَانِ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَانَ لَهُ مِثْلُ مَا لأَقَلِّهِمْ نَصِيباً، فَمَعَ ابْنٍ وَبِنْتٍ رُبُعٌ وَمَعَ زَوْجَةٍ وَابْنٍ تُسْعٌ وَبِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ فَلَهُ سُدُسٌ، وَبِشَيْءٍ أَوْ جُزْءٍ أَوْ حَظٍّ أَعْطَاهُ الوَارِثُ مَا شَاءَ.
قوله: «وإن كان معهم بنت فله التسعان» أي: إذا كانوا ثلاثة أبناء معهم بنت فله التسعان؛ لأن الثلاثة لكل واحد سهمان فيكون ستة، والبنت سهم فيكون سبعة، أضف إلى المسألة مثل نصيب أحد الأبناء فتكون تسعة، فيكون له التسعان.
قوله: «وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يبين كان له مثل ما لأقلهم نصيباً» مثال ذلك: قال أوصيت لفلان بمثل نصيب وارث من ورثتي، ولم يبين مَنْ هو، فله مثل ما لأقلهم نصيباً.
قوله: «فمع ابن وبنت ربع» هذا المثال الأول.
له ابن وبنت وأوصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يبين، فنقول: الابن والبنت مسألتهما من ثلاثة، للابن اثنان، وللبنت واحد، أضف إلى الثلاثة مثل نصيب البنت تكن أربعة، إذاً للموصى له الربع.
قوله: «ومع زوجة وابن تُسع» هذا المثال الثاني: إذا قال: أوصيت لفلان بمثل نصيب أحد الورثة، وورثته زوجة وابن، فالزوجة لها الثمن، والابن له الباقي، أضف الثمن واحداً إلى الثمانية تكن تسعة، إذاً فللموصى له التسع.
قوله: «وبسهم من ماله فله سدس» أي: إذا أوصى له بسهم من ماله فله السدس قَلَّ أو كثر، فيؤخذ السدس من التركة أولاً ثم يقسم الباقي على الورثة، مثال هذا: أوصى رجل بسهم من ماله لفلان، وله ابن وبنت، فنعطي فلاناً السدس، والباقي يقسم بين الابن والبنت، للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا مروي عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم[(85)] ـ فأخذ به الفقهاء توقيفاً لا تعليلاً.
وقال بعضهم: إنه تعليل؛ لأن السهم في اللغة العربية السدس، ولكن في القلب شيء من هذا؛ لأن السهم يقتضي أن يكون أقل سهم، فيكون كما لو أوصى بنصيب وارثٍ ولم يُبين، وهذا أحد القولين في المسألة، أنه إذا أوصى له بسهم من ماله فله مثل ما لأقل الورثة نصيباً، وعلى هذا فمع ابن وبنت يعطى الربع؛ لأن هذا أقل سهم.
وأما السدس فلعلها قضايا أعيان وردت عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فَظُنَّ أنها توقيف، وما دامت المسألة ليس فيها نص شرعي ولا حقيقة شرعية، فينبغي أن يُرجع في ذلك إلى المسألة ويقال: أدنى سهم فيها هو الواجب للموصى له.
قوله: «وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء» أي: إذا قال: أوصيت لفلان بشيء من مالي ثم هلك، فيعطيه الوارث ما شاء، وظاهر كلامهم ـ رحمهم الله ـ أنه يعطيه ما شاء مطلقاً، حتى ولو كان بعيداً أن يكون مراداً، فلو كان إنسان عنده عشرة ملايين تركة، وأوصى بشيء من ماله لفلان، فأعطاه الورثة ريالاً فقط، فعلى كلام المؤلف تبرأ ذممهم، ولا يطالبهم بشيء؛ لأن الميت أوصى له بشيء من ماله، وهذا شيء، فيعطى أقل ما يقع عليه الاسم، ولكن ينبغي أن يقال: ما لم يخالف ذلك العرف، فإن خالف العرف رجعنا إلى ما تقتضيه الوصية، ومن المعلوم أن من عنده عشرة ملايين وأوصى لشخص بشيء أنه لا يريد ريالاً من عشرة ملايين!! هذا بعيد جداً؛ لأن الموصي قصده نفع الموصى له، وإعطاؤه من هذا المال، ومثل هذا لا يرضى أن يعطى إياه، فيرجع في ذلك ـ على القول الراجح ـ إلى ما يقتضيه العرف، ولا يعطيه الوارث ما شاء.
وكذلك ـ أيضاً ـ إذا قال: بجزء من مالي، وعنده عشرة ملايين، فأعطاه الوارث هللة، وهي جزء من المال، فلا يمكن أن يقال: إن هذه الهللة أراد الموصي أن يُعْطَى إياها الموصى له، وعنده عشرة ملايين!!
ولو أوصى له بشيء من ماله، فأعطاه الورثة غترة النوم التي يتغلل بها إذا نام، فعلى كلام المؤلف أن هذا يجزئ؛ لأن هذه مال تورث وتباع في التركة، لكن هذا لا يمكن أن يقال به، حتى عامة الناس يرون أن هذا منتقد، وأن الموصي لم يرد ذلك.
وقوله: «أو حظ» بأن قال: أوصي لفلان بحظ من مالي، وأعطوه هللة وعنده ملايين فيصح على كلام المؤلف، لكن إذا قال: «حظ من مالي» فكلٌ يفهم أنه حظ مهم.
فعلى كل حال مثل هذه المسائل يُرجع فيها إلى العرف، لا إلى مطلق المعنى؛ لأن الناس لهم أعراف ولهم إرادات تُخصص العام، أو تُعمم الخاص، أو تطلق المقيد أو ما أشبه ذلك.
------------------------------
[85] كابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ كما عند ابن أبي شيبة (11/171).
|