|
بَابُ المُوصَى إِلَيْهِ
تَصِحُّ وَصِيَّةُ المُسْلِمِ إِلى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ رَشِيدٍ .....
قوله: «باب الموصى إليه» الموصى إليه ليس ركناً من أركان الوصية؛ لأن أركان الوصية هي: موصٍ، وموصًى له، وموصًى به، والصيغة قد نقول: هي من الأركان، لكن الموصى إليه ليس بركن؛ لأنه أمر زائد فيمكن للموصي أن يقول: أوصيت لفلان بكذا وينتهي.
الموصى إليه هو الذي عُهد إليه بالتصرف بعد الموت سواء في المال أو في الحقوق، وهو بمنزلة الوكيل للأحياء وله شروط.
قوله: «تصح وصية المسلم إلى كل مسلم مكلف عدل رشيد» أي: إذا كان الموصي مسلماً فلا بد أن يكون الموصى إليه مسلماً مكلفاً، يعني بالغاً عاقلاً، عدلاً يعني مستقيم الدين والخلق، رشيداً، يعني حسن التصرف فيما أوصي إليه به.
ووصية الكافر إلى المسلم تصح من باب أولى، ووصية الكافر إلى الكافر تصح، فلو أوصى يهودي إلى يهودي لينفذ بعد موته ما وصاه به فلا بأس، إنما هذه الشروط في الموصى إليه إذا كان الموصي مسلماً.
وقوله: «إلى كل مسلم» يخرج به الكافر، فلا تصح وصية المسلم إلى الكافر، ولو كان الكافر أميناً، ولو كان الكافر عاقلاً ولو كان صديقاً للموصي؛ لأن هؤلاء قد خانوا الله من قبل، وإذا كانوا خانوا الله فإنهم يخونون عباد الله من باب أولى؛ ولهذا لما كتب معاوية ـ رضي الله عنه ـ إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في أن يولي نصرانياً على حساب بيت المال فأبى عليه عمر ـ رضي الله عنه ـ وقال: لا يمكن أن نأتمن نصرانياً على حساب بيت المال، وكيف نأمنهم وقد خوَّنهم الله، فكتب إليه معاوية ـ رضي الله عنه ـ أن الرجل حاذق وجيد، فكتب إليه عمر ـ رضي الله عنه ـ: (مات النصراني والسلام)[(86)]، وهذه لها مغزى عظيم، يعني هل يتعطل بيت المال إذا مات هذا النصراني؟! فقدِّرْ أنه مات، فبيت المال لا يتعطل.
إذاً لا يصح أن يوصي إلى الكافر، ولو كان من آمن الكفار، وأقواهم؛ لأنه غير مأمون مهما كان الأمر.
وقوله: «مكلف» يعني بالغاً عاقلاً، والبلوغ معروف بماذا يحصل، والعقل هو أن يكون لدى الإنسان ما يحجزه عن السفه والتصرفات الطائشة، وضد البالغ الصغير، وضد العاقل المجنون.
وظاهر كلامه أنه تصح وصية الرجل إلى المرأة؛ لأنها بالغة عاقلة، فإذا أوصى إليها بثلث ماله تصرفه للفقراء أو أي مشروع خيري، فهذا يجوز؛ لأنها يصح تصرفها في مال نفسها، فيصح تصرفها في مال غيرها.
وقوله: «عدل» العدل ضد الفاسق، وهو من استقام في دينه ومروءته، ففي دينه بأن لا يفعل كبيرة إلا أن يتوب منها، وأن لا يصر على صغيرة، وأن يكون مؤدياً للفرائض؛ وذلك لأن من فرط في دينه فإنه لا يؤمن أن يفرط في عمله، وأما المروءة فإنه لا يفعل ما ينتقده الناس، فإن فعل ما ينتقده الناس عليه فليس بعدل.
فإن أوصى إلى فاسق، فالمذهب أنه لا تصح الوصية إليه؛ لأنه غير مأمون، وقد قال الله تبارك وتعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}} [الحجرات: 6] ، فالفاسق لا يقبل خبره ولا يرضى تصرفه، ولكن ينبغي أن يقال: إن هذا مبني على الشهادة، فإذا قبلنا شهادة الفاسق المرضي في شهادته قبلنا الوصية إليه؛ لأنه قد يوجد فاسق لكنه أمين من جهة المال، ولنفرض أنه يشرب الدخان، وشرب الدخان إصرار على صغيرة، إذاً هو فاسق، فإذا كان هذا الشارب للدخان رجلاً عاقلاً حصيفاً أميناً رشيداً، ونقول: لا تصح الوصية إليه، في هذا نظر لا شك، ولهذا نقول: إن اشتراط العدالة فيه تفصيل، فإن كانت العدالة تخدش في تصرفه فهي شرط، وإن كانت لا تخدش في تصرفه، وأنه يتصرف تصرفاً تاماً ليس فيه أي إشكال، فإنها ليست بشرط، وهذا هو الصحيح في مفهوم قوله: «عدل» .
وقوله: «رشيد» وهو الذي يحسن التصرف فيما وكل إليه؛ لقول الله تعالى في اليتامى: {{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}} [النساء: 6] ، فالرشد لا بد منه، ولكن الرشد في كل موضع بحسبه، فالرشيد في المال هو الذي يحسن البيع والشراء والاستئجار والتأجير، بدون أن يغبن غبناً أكثر مما جرت به العادة.
والرشيد في ولاية النكاح ـ على القول بصحة الوصية فيها ـ ليس الذي يحسن البيع والشراء، بل هو الذي يعرف الكفء ومصالح النكاح.
فكل رشد بحسبه، فالرشيد في المال ليس الرشيد في ولاية النكاح، والرشيد في النكاح ليس الرشيد في المال، فقد يكون الرجل رشيداً في ولاية النكاح؛ لأنه رجل يعرف الناس ويعرف الكفء ويخشى الله ويتقه، ولكنه في المال أخرق لا يعرف، يأتيه الصبي معه الدجاجة تساوي ريالين فيبيعه إياها بعشرة ريالات، فهذا ليس برشيد؛ لأنه غبن بنحو خمسة أضعاف، لكنه من الناحية الأخرى جيد، إذاً الرشيد في كل موضع بحسبه.
وَلَوْ عَبْداً، وَيَقْبَلُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَإِذَا أَوْصَى إِلَى زَيْدٍ وَبَعْدَهُ إِلَى عَمْرٍو وَلَمْ يَعْزِلْ زَيْدَاً اشْتَرَكَا، وَلاَ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِتَصَرُّفٍ لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ .....
قوله: «ولو عبداً، ويقبل بإذن سيده» «لو» هذه إشارة خلاف، يعني أنه تصح الوصية إلى العبد لكن يقبل بإذن سيده، ولو قلنا بهذا القول فيجب أن نقول: من شرط السيد أن يكون عدلاً رشيداً بالغاً عاقلاً مسلماً، فيشترط في سيده أن يكون ممن تصح الوصية إليه.
وهذا الخلاف الذي أشار إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ يقابله من يقول: لا تصح الوصية إلى العبد مطلقاً؛ لأن العبد قاصر يحتاج إلى من يقوم عليه، فكيف يكون قيماً على غيره؟! فالوصية إلى العبد لا تصح.
والقول الثالث: التفصيل، فالوصية إلى عبد نفسه جائزة، والوصية إلى عبد غيره غير جائزة؛ لأن وصيته إلى عبد نفسه تكون نتيجة لعلمه بأن هذا العبد أمين رشيد، يحسن التصرف تماماً، وأنه سوف يحرص على وصية سيده كما يحرص على ماله أو أكثر، وهذا القول وسط بين القول بالمنع مطلقاً والقول بالجواز مطلقاً، ومع ذلك لا بد من إذن السيد؛ لأنه إذا قبل الوصية فسوف ينشغل وقتاً غير قصير بتصريف هذه الوصية، فيقتطع جزءاً من وقته يُفوِّته على سيده، فلا بد من إذن السيد.
وقوله: «سيده» يجوز أن يقال: سيده؛ لأن هذه سيادة مقيدة، والممنوع هي السيادة المطلقة، فإنها لا تكون إلا لله وحده ـ عزّ وجل ـ، أما السيد المقيد فلا بأس، فيقال: سيد هؤلاء القوم، أو سيد بني فلان.
قوله: «وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيداً اشتركا، ولا ينفرد أحدهما بتصرفٍ لم يجعله له» هذان الاسمان ـ زيد وعمرو ـ محل التمثيل عند الفقهاء والنحويين وغيرهم أيضاً، لخفتهما؛ لأن كليهما ثلاثة أحرف وسطها ساكن، فهي خفيفة على اللسان، فلو قال: أوصيت إلى زيد أن يصرف خُمس مالي في أعمال البر، ثم بعده قال: أوصيت إلى عمرو أن يصرف خُمس مالي في أعمال البر، فنقول: إن قال: عزلت زيداً، فالوصية لعمرو، وإن لم يقل فهي بينهما، هكذا قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ، وإذا كانت بينهما اشتركا في التصرف، ولا يمكن أن ينفرد أحدهما بتصرف إلا بمراجعة الآخر، وعلى هذا فإذا مات الموصي أعطينا الرجلين جميعاً الوصية ـ وهي الخمس ـ في المثال السابق، وقلنا: تصرفا فيه فيما أوصى به فيه، ولا ينفرد أحدكما عن الآخر بشيء؛ لأنه جعله لهما.
وهذه المسألة لها صور:
الأولى: أن يوصي إلى زيد ثم يوصي إلى عمرو، ويقول: قد عزلت زيداً، فإن الموصى إليه يكون عمراً.
الثانية: أن يقول: أوصيت إلى زيد وعمرو، فإن الوصية تكون إلى الاثنين.
الثالثة: أن يقول: أوصيت إلى زيد، ثم يقول بعد ذلك: أوصيت إلى عمرو، فالمذهب أنهما يشتركان.
وقيل: إن الوصية للأخير؛ لوجهين:
أولاً: أنه لو ورد نصان لا يمكن الجمع بينهما فإن الثاني يكون ناسخاً للأول.
ثانياً: إن مقتضى الوصية إلى عمرو عزل زيد، ورضاه بعمرو.
فإن قال قائل: قد يكون نسي أنه أوصى إلى زيد، مثل أن تكون المدة طويلة.
فنقول: نعم، لنفرض أنه نسي، لكن الإيصاء إلى عمرو يقتضي أنه رضي بعمرو، وإذا اقتضى ذلك، فإن قلنا: إنه عزل لزيد فهو عزل، وإن لم نقل فهو ابتداء وصية، فيكون الثاني هو الوصي وحده، وهذا القول هو الراجح، كما مر علينا في الموصى له أنهما يشتركان، وأن القول الراجح أنه للثاني، ولكن كما قلت من قبل، وأقوله الآن تأكيداً: إنه ينبغي للإنسان إذا كتب وصية إنسان أن يقول: هذه الوصية ناسخة لما قبلها، حتى يريح الذين يأتون من بعد، ولا يحصل التباس.
وقوله: «ولا ينفرد أحدهما بتصرفٍ لم يجعله له» علم منه أنه إذا انفرد أحدهما بتصرف جعله له فلا بأس، كما لو قال: أوصيت بخمسي إلى زيد وعمرو في أعمال الخير، يتولى زيد صرفه في طلبة العلم، فإن الذي يتولاها زيد؛ لأنه خصه، ولو قال: يتولى عمرو صرفه فيمن احتاج إلى النكاح، فإن عمراً يتولى هذا، ونحن نمشي في الوصية على ما يقتضيه كلام الموصي.
وَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةٌ إِلاَّ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ يَمْلِكُهُ المُوصِي كَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَتَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ والنَّظَرِ لِصِغَارِهِ، .............
قوله: «ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي» أي: الوصية لا تصح بالنسبة للموصى إليه إلا في تصرف معلوم يبينه الموصي، ويكون الموصي يملك ذلك، فإن كان في تصرف مجهول فإنه لا يصح، وهل مثله إذا أَطلق ولم يذكر تصرفاً؟ يحتمل هذا وهذا، مثل أن يقول: أوصيت بخمسي إلى فلان، ولا يذكر شيئاً، فظاهر كلام المؤلف أنه لا تصح الوصية؛ لأن الموصى إليه ماذا يصنع؟
لكن القول الراجح: أنه تصح الوصية ويقال للموصى إليه: افعل ما يقتضيه العرف، أو افعل ما ترى أنه أحسن شيء في أمور الخير، حتى وإن اقتضى العرف خلافه، وَعُرْفُنا الآن ـ الذي جرى عليه أكثر الناس ـ إذا قال: أوصيت بخمس مالي أو ثلثه يجعل في أضحية، وعشاء في رمضان، وما أشبه ذلك من المصروفات التي يعرفها الناس من قبل، لكن لو رأى الموصى إليه أن يصرف هذا في عمارة المساجد وطبع الكتب المحتاج إليها، وتزويج المحتاجين وإعانة طلاب العلم، فهذا أفضل من أضحية تذبح ويتنازع عليها الورثة.
وكان الناس فيما سبق ـ لما كانت الأموال قليلة ـ يتنازعون على الأضحية نزاعاً شديداً، حتى لو أخذ أحدهم أكثر من الآخر برطل تنازع معه.
فنقول: إذا أوصى بشيء وأطلق، فالصحيح أنه جائز، ويصرف فيما اعتاده أهل البلد، أو على الأصح فيما يرى أنه أفضل.
وقوله: «يملكه الموصي» فإن كان لا يملكه لم تصح الوصية، والذي لا يملكه الموصي نوعان:
أحدهما: ما لا يملكه شرعاً بأن يوصي إليه في فعل محرم، مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يَصرف للقبر الفلاني مائة درهم لإسراجه أو للذبح له، فهذه الوصية باطلة.
الثاني: ما يمتنع لحق الغير، مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يبيع بيتي وهو مرهون، فهذا لا يصح؛ لأنه لا يملكه إلا بإذن المرتهن.
قوله: «كقضاء دينه» يعني لو أوصى هذا الرجل إلى فلان أن يقضي دينه فإن التصرف معلوم، حتى لو كان الدين مجهولاً فإنه لا يضر.
قوله: «وتفرقة ثلثه» يعني أوصى بثلثه وقال: الوصي ـ أي: الموصى إليه ـ فلان يفرقه في كذا وكذا، فهذا التصرف معلوم، وليت المؤلف لم يقل: «وتفرقة ثلثه» وليته قال: تفرقة خمسه؛ لأنه في أول الوصايا قال: تسن بالخمس، وإذا كان هذا هو الأفضل فينبغي أن يكون هو مورد التمثيل؛ لأن الثلث مباح والخمس أفضل، وإذا كان كذلك فينبغي أن نذكر الأفضل حتى يعتاد الناس عليه، ولهذا الآن أكثر الناس يقول: فلان ليس له ثلث، ولو راعينا الأفضل لقلنا: ما له خمس، فليت المؤلف ـ رحمه الله ـ قال: وتفرقة خمسه، أو على الأقل قال: وتفرقة ما أوصى به؛ لأنه لو قال: الثلث، اعتاد الناس على الثلث.
قوله: «والنظر لصغاره» النظر للصغار ـ أيضاً ـ من التصرف المعلوم، يقول: الوصي على أولادي الصغار من بنين وبنات فلان، فإنه يجوز ويكون هذا الوصي هو الناظر على الأولاد، يقوم بمصالحهم من نفقة وكسوة وتربية وسكن.
وهل يملك أن يوصي بتزويج بناته؟
المذهب: يملك، فيقول: الوصي في تزويج بناتي فلان، حتى وإن كان لهن إخوة أشقاء فإنهم لا يزوجونهن؛ لأن ولاية النكاح تستفاد بالوصية، لكن هذا القول ضعيف جداً؛ لأن ولاية النكاح ولاية مستقلة، هي للإنسان ما دام حياً، فإذا مات انتقلت إلى من هو أولى شرعاً، فلا تستفاد ولاية النكاح ـ على القول الراجح ـ بالوصية.
وقولنا: لا تستفاد بالوصية، يفهم منه أنها تستفاد بالقرابة، فلو أوصى أن يزوج بناته أخوهن الأكبر الشقيق، فإنه يصح؛ لأنه هو وليهن بعده، إلا من تزوجت وأتت بأبناء فأبناؤها أولياؤها.
إذاً القول الراجح في مسألة التزويج أنه لا يملك الموصى إليه ـ وهو الوصي ـ أن يزوج بهذه الوصية، لكن إذا أردنا أن نعمل بالقول الراجح وبالمذهب فكيف نصنع؟ لأننا نقع في مشكلة، فإذا زوج الوصي ـ وهو بعيد منهن ـ فعلى المذهب النكاح صحيح، وعلى ما اخترناه النكاح غير صحيح؛ لأن ولاية النكاح لا تستفاد بالوصية، ولو زوج أخوهن في هذه الحال فالنكاح غير صحيح على المذهب، وهو صحيح على القول المختار، فإما أن يوكل أحدهما الآخر فيقال للأخ: وكِّل الوصي، أو يقال للوصي: وكِّل الأخ، وإذا وكل أحدهما الآخر انحلت المشكلة، وإلا يحضران جميعاً عند المأذون ويزوِّجانها.
فيقول الولي: زوَّجتك أختي فلانة، ويقول الوصي: زوجتك بنت فلان بالوصية، فإذا أوجب هذان الاثنان، يقول الزوج: قبلت النكاح، وعلى هذا فيكون الإيجاب صادراً من اثنين، والقبول من واحد.
وَلاَ تَصِحُّ بِمَا لاَ يَمْلِكُهُ المُوصِي، كَوَصِيَّةِ المَرْأَةِ بِالنَّظَرِ فِي حَقِّ أَوْلاَدِهَا الأَصَاغِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَنْ وُصِّيَ فِي شَيْءٍ لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ، وإنْ ظَهَرَ عَلى المَيِّتِ دينٌ يَسْتَغْرِقُ تَرِكَتَهُ بَعْدَ تَفرِقَةِ الوَصِيِّ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ قَالَ: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ شِئْتَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَلاَ لِوَلَدِهِ.
قوله: «ولا تصح بما لا يملكه الموصي، كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك» لا تصح الوصية فيما لا يملكه الموصي، كامرأة أيِّم قد مات زوجها ولها أولاد صغار، هي وليتهم، فلما أحست بالموت أو خافت أوصت شخصاً ينظر في أولادها الصغار، يقول المؤلف: الوصية لا تصح؛ لأن الأم لا تملك النظر استقلالاً على أولادها الصغار، فالنظر في الأولاد للأب أي: للذكور، فإذا ماتت الأم تحال المسألة إلى القاضي ويجعل القاضي من رأى فيه خيراً.
وفي المسألة قول آخر، وهو أنها تصح ولايتها ومن ثم وصيتها، فلو أن رجلاً أوصى إلى امرأته بالنظر في أولاده الصغار يجوز؛ لأن المرأة مسلمة مكلفة رشيدة وتصح الوصية إلى كل مسلم، فتدخل في كلام المؤلف الأول «تصح وصية المسلم إلى كل مسلم» وكثير من النساء تكون رعايتها لأولادها أفضل بكثير من رعاية الرجال.
قوله: «ومن وُصِّيَ في شيء لم يصر وصياً في غيره» فإذا أوصى إلى شخص يكون ناظراً على أولاده، فإنه لا يملك النظر في أموالهم؛ لأن النظر على الأولاد ليس هو النظر في المال.
وإذا وصى إلى شخص ينمي مال أولاده الصغار، لم يكن له حضانتهم؛ لأن الوصية بمنزلة الوكالة، فتختص بما أُوصِيَ إليه فيه، وهكذا جميع من عمل نائباً لغيره فإنه لا يتجاوز ما حُدِّد له، ومن ذلك القضاة مثلاً، فإذا جَعَلَتْ وزارة العدل رجلاً قاضياً في الأنكحة لم ينظر في المواريث، وإذا جعلته قاضياً في المواريث لم ينظر في البيوع، وإذا جعلته قاضياً في البيوع لم ينظر في قسمة المواريث، وهلم جرًّا.
فالوكالة والوصايا تتقيد بما عُيِّنَت له ولا تزيد، فعلى هذا نقول: من وصي إليه بشيء لم يكن وصياً في غيره؛ وتعليل ذلك أن هذا الوصي يتصرف بالإذن، فوجب أن يقتصر على ما أُذِن له فيه ولا يتعداه، وهذا تعليل ظاهر ليس به شبهة.
قوله: «وإن ظهر على الميت دين يستغرق تَرِكَتَهُ بعد تفرقة الوصي لم يضمن» هذه مسألة مهمة، فلو ظهر على الميت دين بعد أن تصرف الوصي، وصرف الموصى به إلى جهته، فإنه لا ضمان على الوصي؛ لأنه تصرف تصرفاً مأذوناً فيه فليس عليه ضمان.
مثال ذلك: أوصى إلى زيد أن يبذل عشرة آلاف ريال في بناء مسجد، فصرفها، ثم ظهر على الميت دين يستغرق العشرة فليس عليه ضمان؛ لأنه تصرف تصرفاً مأذوناً فيه فوقع موقعه، فهو مجتهد وليس عالماً بالغيب، فإن قيل: لماذا لم ينتظر؟ فالجواب: إلى أي مدى ينتظر؟ لأن كل وقت يحتمل أن يظهر فيه دين، والوصي مأمور بالإسراع بتنفيذ الوصية، فإن أخرها يوماً أو يومين خوفاً من أن يظهر دين، قال أيضاً: أؤجل شهراً أو شهرين خوفاً من أن يظهر دين، وحينئذٍ يؤدي إلى عدم تنفيذ الوصية، فنقول: هذا الوصي المشروع في حقه أن يبادر في تنفيذ الوصية، فإذا فعل ما هو مشروع في حقه ثم تبين ما ليس يعلمه فإنه لا ضمان عليه.
فإذا قال قائل: أين يكون حق صاحب الدين؟
نقول: صاحب الدين ليس له شيء، بخلاف ما إذا أخذ الورثة المال، ثم تبين بعد ذلك أن عليه ديناً، ـ أي: على الميت ـ فإنه يؤخذ من الورثة، فيؤخذ من كل إنسان ما أَخَذَ، والفرق ظاهر؛ لأن الوصي تصرف لغيره، والورثة تصرفوا لأنفسهم، فتلف المال تحت أيديهم فلزمهم ضمانه، وهذه المسألة قد يظن الظان أنه لا فرق بينها وبين المسألة السابقة، والفرق بينهما واضح.
فإن قال قائل: لو علم الوصي له أنَّ على الميت ديناً ولكنه أخذ الموصى به وتصرف فيه، فهنا نقول: إنه يضمن؛ لأنه حين تَصَرُّفِهِ يعلم أنه لا يستحق، إذ إن الدين مقدم على الوصية، فيكون الوصي له بمنزلة الوارث الذي يضمن.
قوله: «وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده» مثاله: إنسان أوصى إلى شخص وقال: ضع ثلثي حيث شئت، أو قال: ضع ثلثي في قضاء الديون، فمات الرجل فإنه لا يجوز للوصي أن يأخذ شيئاً من هذا الثلث، ولا يجوز لولده أن يأخذ شيئاً من هذا الثلث؛ لأنه لو أراد الموصي أن ينفع الوصي لقال: أوصيت لك، ولم يقل: أوصيت إليك، ولا يحل لولده؛ لأنه متهم، فربما يحابي ولده ويصرف المال له، وغيره أحق به منه؛ فلذلك قال العلماء ـ رحمهم الله ـ: إنه لا يجوز للوكيل ولا للوصي أن يصرف لنفسه أو لأحد من أولاده، وعمم بعضهم ذلك وقال: أو ممن لا تقبل شهادته له، فوسعوا الأمر.
ولكن لو قال قائل: في مسألة الوكالة إذا كان الوكيل يريد هذا الشيء، وأخرجه أمامَ الناس يتزايدون فيه حتى كان آخر سوم على هذا الوكيل، فهل له أن يأخذه؟
على كلام الفقهاء لا، والصحيح أنه إذ زالت التهمة فهو كغيره، هذا من حيث النظر، أما من حيث العمل ـ ولا سيما في زمننا هذا ـ فينبغي أن يمنع الوكيل أو الوصي مطلقاً من أن يصرف الشيء إلى نفسه، أو إلى أحد من ذريته، من ذكور أو إناث، والعلة هي التهمة، ألا يحرص على أن يضع هذا الشيء موضعه.
وذكرنا أنه إذا زالت التهمة، بأن أخرج الوكيل الشيء بالمزاد العلني ووقف عليه فالمذهب لا يصح، حتى في هذه الحال ـ التي هي بعيدة من التهمة ـ يقولون: لا يصح، سداً للباب، وهذا القول من الناحية التربوية أحسن من القول بأنه يجوز أن يأخذه؛ لأننا إذا قدرنا أن واحداً من مائة زال الوصف في حقه ـ وهو التهمة ـ فغيره لا يزول.
وَمَنْ مَاتَ بِمَكَانٍ لاَ حَاكِمَ بِهِ وَلاَ وَصِيَّ حَازَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ تَرِكَتَهُ، وَعَمِلَ الأَصْلَحَ حِينَئِذٍ فِيهَا مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ.
قوله: «ومن مات بمكان لا حاكم به ولا وصي، حاز بعضُ مَنْ حضره مِنَ المسلمين تِركتَهُ» وهذا يقع كثيراً، مثال ذلك: رفقة مات أحدهم في سفر وليس هناك قاضٍ يرجع إليه، ولا وصي خاص يرجع إليه، يقول: «حاز بعض من حضره من المسلمين تركته» وقوله: «حاز» خبر بمعنى الأمر، يعني يجب أن يحوز بعض من حضره تركته؛ لئلا تضيع أو ما أشبه ذلك.
قوله: «وعمل الأصلح حينئذٍ فيها من بيع وغيره» فيحوز التركة التي معه، ثم إن كان الأحسن أن يبيعها باعها، وإن كان الأحسن أن يبقيها أبقاها، وهذا يختلف باختلاف الأموال واختلاف الأحوال، فمثلاً إذا كان في التركة ما يسرع فساده كالبطيخ فالأفضل له البيع لا شك، وإذا كان في التركة ما الأحسن إبقاؤه وجب إبقاؤه، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فإنه يبقى على حاله؛ لأن الأصل أن لا يتصرف فيه، ثم إن تغيرت الحال فيما بعد عمل ما تقتضيه الحال من بيع أو غيره.
-------------------------
[86] انظر: أحكام أهل الذمة، لابن القيم (1/211).
|