|
بَابُ مِيرَاثِ الحَمِْلِ وَالخُنْثَى المُشْكِلِ
مَنْ خَلَّفَ وَرَثَةً فِيهِم حَمْلٌ فَطَلَبُوا القِسْمَةَ وُقِفَ لِلحَمْلِ الأَكْثَرُ مِنْ إِرْثِ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ،............
أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ بهذه الترجمة أن الحمل له ميراث، ولكن لا بد له من شرط، وهو أن يعلم وجوده حال موت مورثه فإن لم يعلم فإنه لا يرث، وذلك فيما إذا ولد لستة أشهر فأكثر من موت مورثه وأمُّه توطأ، فإنه في هذه الحال لا يدرى أنشأت به أمه بعد موت المورث أو قبله، ولهذا لا بد أن نقول: الحمل لا بد أن يعلم وجوده حال موت مورثه، وذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من موت مورثه ويعيش؛ وهذه الحال الأولى؛ لأنه لا يمكن أن يولد حمل قبل ستة أشهر ويعيش.
الحال الثانية : أن تأتي به بعد أربع سنوات، فلا يرث بناء على أن أكثر مدة الحمل أربع سنوات على كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ.
الحال الثالثة : ما بين ذلك أن تلده لستة أشهر فأكثر من موت مورثه، فإن كانت لا توطأ علمنا أنه موجود يقيناً، وإن كانت توطأ فلا نعلم؛ لأنه يحتمل أنها نشأت به بعد موت المورث، وإلا فلا يرث.
والحمل كما هو معلوم، إما أن يكون ذكراً أو أنثى، أو ذكراً وأنثى، أو ذكرين، أو أنثيين، وإما أن يخرج حياً أو يخرج ميتاً، كل هذه احتمالات؛ ولذلك نستعمل اليقين في ميراثه.
قوله: «من خلف ورثة فيهم حملٌ فطلبوا القسمة» أفادنا بقوله: «فطلبوا القسمة» ، أنهم إما ألا يطلبوا القسمة ويقولوا: ننتظر حتى يوضع الحمل ونعرف، وإما أن يطلبوا القسمة، وإذا طلبوا القسمة، فهل يجابون إلى طلب القسمة، أو يقال: انتظروا حتى يخرج الحمل؟ الجواب: يجابون؛ لأن المال مالهم، فإنه لما مات الميت صار ماله للورثة، فإذا طلبوا القسمة أجيبوا، وإن طلب بعضٌ وامتنع بعضٌ يجاب الطالب؛ لأنه شريك ويقول: أنا أريد أن أفسخ الشركة وأستقل بميراثي فيجاب.
إذاً قوله: «فطلبوا القسمة» ، يعني أو أحدهم طلب القسمة فإنه يجاب، ولكن ماذا نصنع بالحمل؟ يقول:
«وُقِفَ للحمل الأكثر من إرث ذكرين أو أنثيين» ، فتارة يكون الأكثر إرث ذكرين، وتارة يكون الأكثر إرث أنثيين، فإذا استغرقت الفروض أكثر من الثلث فالأكثر إرث أنثيين؛ لأنه سيبقى لهما الثلثان، وإن كان أقل من الثلث فالأكثر إرث ذكرين؛ لأنه لو كان أنثيين كان لهما الثلثان والباقي للعاصب، لكن إذا كان ذكرين صار الباقي لهما، وهذا ضابط ويظهر بالأمثلة.
هلك هالك عن زوجة حامل وعن ابنين، الزوجة على كل حال لها الثمن، سواء خرج الحمل حياً أو ميتاً؛ لأنه لا يمكن أن يزيد إرثها عن الثمن لوجود اثنين من الأبناء، بقي الحمل، هل نوقف له إرث أنثيين، أو إرث ذكرين، أو إرث ذكر، أو إرث أنثى؟ الجواب: إرث ذكرين؛ لأنا لو وقفنا إرث ذكرين صار للموجودَيْن نصف الباقي؛ لأنه يكون مات عن أربعة أبناء، للابنين الموجودَيْن نصف الباقي، وإن قدرناه واحداً صار للاثنين الثلثان، وإن قدرناه أنثى صار للموجودَيْن أربعة أخماس، إذاً الأكثر أن نقدره ذكرين، فإن قال قائل: لماذا لم نقدره ثلاثة؟ نقول: هذا نادر، والنادر لا حكم له، لكن لو فرضنا أننا قدرناه اثنين ثم زادا رجع في نصيبهم.
فإذا قال قائل: لماذا لا نقدره واحداً لأنه متيقن؟ قلنا؛ لأن وجود الاثنين كثير، ولو ذهبنا إلى اليقين لقلنا: لا نجعل له شيئاً؛ لأنه يحتمل أن يسقط ميتاً، لذلك اختار أصحابنا ـ رحمهم الله ـ أن يوقف له نصيب اثنين، فإن كان الأكثر نصيب الأنثيين وقف نصيب الأنثيين، وإن كان الأكثر نصيب الذكرين وقف نصيب الذكرين.
فَإِذَا وُلِدَ أَخَذَ حَقَّهُ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَمَنْ لاَ يَحْجِبُهُ يَأْخُذُ إِرْثَهُ كَالجَدَّةِ، وَمَنْ يُنْقِصُهُ شَيْئاً اليَقِينَ، وَمَنْ سَقَطَ بِهِ لَمْ يُعْطَ شَيْئَاً، وَيرِثُ وَيُورَثُ إِنِ اسْتَهَلَّ صَارِخاً ...
قوله: «فإذا ولد» يعني الحمل.
قوله: «أخذ حقه وما بقي فهو لمستحقه» وإن زاد رجع على الموجودين، فلو هلك هالك عن ابنين وزوجة حامل، الزوجة لها الثمن، ونقدر أن الحمل ذكران فنعطي الابنين الموجودين نصف الباقي، لكن إن صار الحمل ثلاثة، فنرجع عليهم ونقول: بدلاً من أن نقسمه أرباعاً نقسمه أخماساً، للابنين الموجودين الخمسان وللحمل ثلاثة أخماس.
فصار إذا وقفنا إرث ذكرين أو أنثيين يأخذ حقه، فإن بقي شيء رد على مستحقه، وإن نقص له شيء أخذ ممن أخذه؛ لأن المسألة كلها تحت الواقع المستقبل.
قوله: «ومن لا يحجبه يأخذ إرثه كالجدة، ومن ينقصه شيئاً اليقينَ، ومن سقط به لم يعط شيئاً» ، الورثة الذين مع الحمل ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: لا ينقصه الحمل شيئاً فنعطيه نصيبه كاملاً.
القسم الثاني: ينقصه الحمل فنعطيه اليقين.
القسم الثالث: يحجبه الحمل فلا نعطيه شيئاً.
مثال ذلك : مات رجل عن امرأة حامل وجدة وأخ شقيق، هذا المثال ينطبق على كل الأقسام الثلاثة، الجدة نعطيها كاملاً؛ لأنه لا يحجبها ولا ينقصها، فلها السدس على كل حال، سواء ولد ميتاً أو حياً، الزوجة إن ولد حياً فلها الثمن وإن ولد ميتاً فلها الربع، إذاً الحمل ينقصها فنعطيها اليقين وهو الثمن، الأخ الشقيق إن ولد الحمل ذكراً سقط الأخ، وإن ولد ميتاً ورث الباقي، وإن ولد أنثى أخذ الباقي بعد فرضها فنمنعه من الميراث، ونقول: انتظر؛ لأنه يوجد احتمال أن يكون الحمل ذكراً فيسقط، فلا نعطيه، هذا بالنسبة لإرث من معه.
قوله: «ويرث ويورث إن استهل صارخاً» ، شرط ميراثه أن يستهل صارخاً، وقوله: «صارخاً» حال لكنها حال مؤكِّدة، تؤكد معنى الاستهلال وهو رفع الصوت، ومعناه أنه إذا ولد سمع له صياح؛ لأن المولود إذا ولد لا بد أن يستهل صارخاً، فإن الشيطان قد رصد له فينخسه في خاصرته ليقتله[(108)].
أَوْ عَطَسَ أَوْ بَكَى أَوْ رَضَعَ أَوْ تَنَفَّسَ وَطَالَ زَمَنُ التَّنَفُّسِ، أَوْ وُجِدَ دَلِيلُ حَيَاتِهِ غَيْرَ حَرَكَةٍ وَاخْتِلاَجٍ، وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُهُ فَاسْتَهَلَّ ثُمَّ مَاتَ وَخَرَجَ لَمْ يَرِثْ،
قوله: «أو عطس» إذا عطس دَلَّ ذلك على حياته؛ لأنه لا يمكن لهذا الحمل أن يعطس بدون حياة.
قوله: «أو بكى» الفرق بين استهل وبكى أن البكاء لطيف لين ليس صراخاً.
قوله: «أو رضع أو تنفس» أي: سمعناه تنفس، أو تنهَّد.
قوله: «وطال زمن التنفس» فنفس خفيف جداً، ثم يموت، لا يدل على الحياة الكاملة.
قوله: «أو وجد دليل حياته» أيُّ دليل، وما ذكره المؤلف من الأمثلة داخل في قوله: «دليل حياته» فيكون هذا من باب عطف العام على الخاص.
قوله: «غير حركة واختلاج» الحركة اليسيرة ما تدل على الحياة، والاختلاج أي: الاضطراب؛ لأن هذا لا يدل على استقرار الحياة.
قوله: «وإن ظهر بعضه فاستهل ثم مات وخرج لم يرث» ظهر بعضه وصرخ ولكن تعسرت الولادة فمات وخرج فإنه لا يرث؛ لأنه لم تتم الولادة، إذاً لا بد أن يستهل صارخاً بعد الولادة، بعد أن ينفصل من أمه ويخرج وإلا فلا يرث، فشرط إرث الحمل، شرط سابق وشرط لاحق، الشرط السابق أن يعلم وجوده حين موت مورثه، فإن لم يعلم، كما لو أتت به لستة أشهر فأكثر وهي توطأ فإنه لا يرث؛ لأننا لا ندري هل نشأت به أمه قبل موت المورث، أو بعده؛ ولهذا أحياناً نمنع الرجل من إتيان زوجته إذا كان حملها يرث الميت، كإنسان تزوج امرأة لها أولاد ممن سبق فمات أحد أولادها، نقول: لا تجامعها؛ لأنه إذا جامعها فسيكون هذا الولد الذي في بطنها أخاً من الأم فيرث، فنقول: لا تجامع حتى تحيض المرأة، إذا حاضت علم أن ليس في بطنها حمل.
الشرط اللاحق وهو أن يستهل صارخاً، فإن لم يتم الشرطان فلا ميراث له.
وَإِنْ جُهِلَ المُسْتَهِلُّ مِن التَّوْأَمَيْنِ وَاخْتَلَفَ إِرْثُهُمَا يُعَيَّنُ بِقُرْعَةٍ والخُنْثَى المُشْكِلُ يَرِثُ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ وَنِصْفَ مِيراثِ أُنْثَى.
قوله: «وإن جهل المستهل من التوأمين واختلف إرثهما يعين بقرعة» أي: إذا جهل المستهل من التوأمين، فإن كان إرثهما واحداً فلا حاجة للقرعة؛ لأنه سواء وجد هذا أو هذا، وإن اختلفا كما لو كان أحدهما ذكراً والثاني أنثى، فلا بد أن نعين أحدهما بالقرعة؛ لأن القرعة سبيل للتعيين إذا لم نجد غيرها.
وقد جاءت القرعة في القرآن الكريم في موضعين، وجاءت في السُّنة في ستة مواضع، وهي طريق شرعي لتعيين المبهم، في القرآن الكريم جاءت في آل عمران: {{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}} [44] ، والموضع الثاني في سورة الصافات: {{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *}}، والسنة معروفة منها أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيهما خرج سهمها خرج بها[(109)].
قوله: «والخنثى المشكل» وهو الذي لا يُعلم أهو ذكر أم أنثى، وهو أنواع:
الأول : أن يكون له آلة ذكر وآلة أنثى، يعني فرجاً وذكراً ويبول منهما جميعاً، فهذا لا ندري هل هو ذكر أو أنثى؟
الثاني : أن يكون له مخرجٌ واحد يخرج منه البول والغائط، ولا له آلة ذكر ولا آلة أنثى.
الثالث: أن يكون له دبر مستقل، ويخرج البول من غير ذكر ولا فرج، يخرج رشحاً كالعرق الكثيف.
الرابع: ألا يكون له فرج إطلاقاً من أسفله، لا دبر ولا قبل ولا فرج، وإنما يتقيأ ما يأكله ويشربه، يبقى في معدته ما شاء الله حتى يمتص الجسم ما يحتاجه من غذاء هذا الطعام والشراب، ثم يتقيأ، كل هذا ذكره الفقهاء، فهؤلاء كلهم نسمِّيهم خنثى مشكلاً، وأفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن في الخنثى من ليس مشكلاً وهو كذلك، كما لو كان له آلة ذكر وفرج أنثى، ولكنه يبول من فرج الأنثى ويحيض، فهذا غير مشكل، فنجعله أنثى، وكما لو كان له فرج أنثى وآلة ذكر، ويبول من آلة الذكر ولا يبول من آلة الأنثى ولا يحيض، فهذا يسمونه خنثى واضحاً.
ماذا نعمل في الخنثى المشكل؟ نقول: إن وافق الورثة على أن ينتظروا حتى يكبر ويبلغ وينظر، أو حتى تجرى له عملية كما في وقتنا الحاضر، فهذا المطلوب، وإن لم يوافقوا فالمؤلف يقول:
«يرث نصف ميراث ذكرٍ ونصف ميراث أنثى» وهذا هو العدل؛ لأنه ما دام مشكلاً فيجب أن نحتاط، ونقول: لك نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى، فلو هلك هالك عن ابنين أحدهما خنثى، فمسألة الذكورية من اثنين ومسألة الأنوثية من ثلاثة، الذكورية من اثنين له واحد ولأخيه واحد، الأنوثية من ثلاثة له واحد ولأخيه اثنان، وبين المسألتين تباين نضرب إحداهما في الأخرى تبلغ ستة، ونقول من له شيء من إحدى المسألتين أخذه مضروباً في الأخرى.
-------------------------------------
[108] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء/ باب قول الله تعالى: {{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ}} (3431)؛ ومسلم في الفضائل/ باب فضائل عيسى ـ عليه السلام ـ (2366) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[109] أخرجه البخاري في الهبة/ باب هبة المرأة لغير زوجها (2594)؛ ومسلم في فضائل الصحابة/ باب في فضل عائشة ـ رضي الله عنها ـ (2445) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
|