المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر
بَابُ مِيرَاثِ المَفْقُودِ
 

 

بَابُ مِيرَاثِ المَفْقُودِ

 

مَنْ خَفِيَ خَبَرُهُ بِأَسْرٍ أَوْ سَفَرٍ غَالِبُهُ السَّلاَمَةُ كَتِجَارَةٍ، انْتُظِرَ بِهِ تَمَامُ تِسْعِينَ سَنَةً مُنْذُ وُلِدَ،

المفقود مَنْ فُقِدَ ولم تعلم له حياة ولا موت، إما أنه دخل في حرب ولا يُدرى أسَلِمَ أم قُتِلَ، أو أنها جاءت فيضانات واجترفت الناس ولا يُدرى، أو ركب سفينة ولا يدرى أين ذهب، فماذا نصنع فيه؟ يقول المؤلف:

«من خفي خبره بأسْرٍ أو سفر غالبه السلامة، كتجارة، انتُظر به تمام تسعين سنة منذ ولد» ، مثل إنسان سافر إلى المدينة ـ مثلاً ـ في وقت آمن، ثم فقد، فهذا السفر غالبه السلامة، نقول: ينتظر تمام تسعين سنة منذ ولد، فإذا كان فقد وله عشرون سنة ننتظر سبعين سنة، وإذا فقد وله تسع وثمانون سنة وإحدى عشر شهراً ننتظر شهراً واحداً مع أن ظاهر سفره السلامة، لكن هذا عليه سؤالان:

الأول: لماذا خص تسعون سنة؟ قالوا: لأن هذا أكثر ما يعيش فيه الإنسان غالباً، وأعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، لكن يوجد من يصل إلى مائة.

الثاني: كيف ننتظر شهراً واحداً؟! هذا لا يكفي؛ لأننا إذا قلنا: ننتظر إلى تمام التسعين، معناه إذا تمت التسعون حكمنا بأنه ميت، ووُرِثَ مالُه واعتدَّت زوجتُهُ وحلت للأزواج، ومثل هذا لا يكفي في الغالب، وقولهم: إن الأكثر والأغلب أن لا يعيش أكثر من هذا، نقول: لكن وجد من يعيش مائة سنة أو أكثر.

 

وَإِنْ كَانَ غَالِبُهُ الهَلاكَ، كَمَنْ غَرِقَ فِي مَرْكَبٍ، فَسَلِمَ قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ، أَوْ فُقِدَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ أَوْ فِي مَفَازَةٍ مَهْلَكَةٍ، انْتُظِرَ بِهِ تَمَامُ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ فُقِدَ..

قوله: «وإن كان غالبه الهلاك» ، أي: غالب سفره الهلاك.

قوله: «كمن غرق في مركب فسلم قومٌ دوم قومٍ» ، المركب غرق في البحر وسلم قوم إلى الساحل، وقوم فقدوا ولا يعلم عنهم، منهم هذا الرجل المفقود، فهذا غالب فقده الهلاك، أو احترق المركب أو ما أشبه ذلك، فالغالب الهلاك.

قوله: «أو فقد من بين أهله» ، خرج يقضي حاجة في السوق ولم يرجع، هذا ظاهر غيبته الهلاك، أو نائم هو وأهله في البر فلما أصبحوا لم يجدوه، هذا ـ أيضاً ـ ظاهر فقده الهلاك.

قوله: «أو في مفازة مَهْلَكة» ، يعني في أرض فلاة ليس حولها ماء ولا شجر ولا سكان، هذه يسميها العرب مفازة من الفوز، وهذا من باب التسمية بما يتفاءل به؛ لأنها مهلكة فقالوا: مفازة تفاؤلاً، كما قالوا فيما يوضع على الكسر: جبيرة، تفاؤلاً بجبره، فالذي يفقد في مفازة لا ماء ولا ساكن ولا شيء، فظاهر غيبته الهلاك.

قوله: «انتظر به تمام أربع سنين منذ فقد» ، في بعض النسخ «منذ تلف» ، والصواب «منذ فقد» ، لأنه إذا تلف ما ننتظر ولا ساعة، لكنها سبقة قلم من المؤلف ـ رحمه الله ـ فينتظر به تمام أربع سنين منذ فقد، فإذا فقد رجلان لكل واحد منهما ثمان وثمانون سنة، أحدهما ظاهر غيبته الهلاك، والثاني ظاهر غيبته السلامة، ننتظر بمن ظاهر غيبته السلامة سنتين، والآخر الذي ظاهر غيبته الهلاك أربع سنين، هذا غير معقول!! كيف نقول: الذي ظاهر غيبته الهلاك وله ثمان وثمانون سنة ننتظره أربع سنين، والذي ظاهر غيبته السلامة وله ثمان وثمانون سنة ننتظره سنتين؟! كان يقتضي الأمر العكس، وإنما قدروا هذا التقدير للتوقيف يعني هذا لا مجال للعقل فيه؛ لأن هذا هو الذي ورد عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ[(110)]، ولكن لنا أن نقول: ما ورد عن الصحابة قضايا أعيان، وقضايا الأعيان ليست توقيفية؛ لأن قضايا الأعيان يعني أننا ننظر إلى كل مسألة بعينها، وإذا كان قضايا أعيان فهو اجتهاد، فالقول الراجح في هذه المسألة أنه يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام، أو من ينيبه الإمام في القضاء، والناس يختلفون، من الناس مَنْ إذا مضى سنة واحدة عرفنا أنه ميت؛ لأنه رجل شهير في أي مكان ينزل يُعرف، فإذا فُقِدَ يكفي أن نطلبه في سنة، ومن الناس من هو من العامة يدخل مع الناس، ولا يعلم عنه إن اختفى لم يفقد، وإن بان لم يؤبه به، هل نقول: إننا ننتظر في هذا الرجل كما انتظرنا في الأول؟ لا؛ لأن هذا يحتاج إلى أن نتحرى فيه أكثر؛ لأنه إنسان مغمور ليس له قيمة في المجتمع، فننتظر أكثر، ثم إذا غلب على الظن أنه ميت حكمنا بموته، وهنا يجب على القاضي أن يبحث عن هذا الشخص.

أيضاً تختلف المسألة باختلاف ضبط الدولة، بعض الدول تكون حدودها قوية لا يمكن أن يدخل عليها أحد، وإذا دخل عليها أحد لا يمكن أن يخرج، فهذه لا نطوِّل مدة الانتظار؛ لأنها محكمة محصورة، وما دامت الأمور تختلف باختلاف أحوال الشخص، وباختلاف السلطان وقوة النظام، فإننا يجب أن نرجع في ذلك في كل مكان وزمان بحسبه، وهذا هو الراجح، وحينئذٍ لنا نظران: النظر الأول: في قسم ماله، يعني بحكمنا بموته يقسم ماله، والنظر الثاني: في إرث من معه، يقول المؤلف:

 

ثُمَّ يُقْسَمُ مَالُهُ فِيهِمَا، فَإِنْ مَاتَ مُوَرِّثُهُ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ أَخَذَ كُلُّ وَارِثٍ إِذَاً اليَقِينَ وَوُقِفَ مَا بَقِيَ، فَإِنْ قَدِمَ أَخَذَ نَصِيبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَالِهِ، وَلِبَاقِي الوَرَثَةِ أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى مَا زَادَ عَنْ حَقِّ المَفْقُودِ فَيَقْتَسِمُونَهُ.

«ثم يقسم ماله فيهما» «فيهما» الضمير يعود على الغَيْبة التي ظاهرها السلامة والتي ظاهرها الهلاك.

قوله: «فإن مات مورِّثه في مدة التربص أخذ كل وارث إذاً اليقين ووقِف ما بقي» إذا مات مورثه، يعني مات شخص يرثه المفقود في مدة الانتظار نبقي حق المفقود، ونقسم ما زاد على حقه بين الورثة، فإذا كان المفقود ابناً مع ابنين موجودين نوقف له الثلث، ونعطي الابنين الموجودين كل واحد ثلثاً حتى يتبين الأمر.

قوله: «فإن قدم أخذ نصيبه وإن لم يأتِ فحكمه حكم ماله» أي متى حكمنا بموته ورث وارثوه مالَه الأصلي، ومالَه الذي ورثه من مُورِّثه، فإذا أوقفنا له عشرة آلاف من مورِّثه ثم مضت المدة ولم يأتِ، وقلنا: الرجل ميت، وكان عنده من قبل عشرة آلاف فالتركة عشرون ألفاً فتورث.

وخلاصة الأمر:

أولاً: المفقود هو الذي اختفى فلم يعلم أحي هو أم ميت؟

ثانياً: الفقهاء يقولون: إن كان ظاهر غيبته السلامة ننتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد، وإن كان ظاهر غيبته الهلاك ننتظر به أربع سنين منذ فقد.

ثالثاً: إذا مضت المدة ولم يأت يقسم ماله بين ورثته؛ لأننا نحكم بموته، وإذا أتى قبل تمام المدة يأخذ الموقوف له ولا إشكال، وإذا مات له مورث في مدة الانتظار يوقف نصيبه كأنه حي موجود، ويرث من معه اليقينَ، ثم إن قدم فالأمر واضح، وإن لم يأت فحكمه حكم ماله، وإذا علمنا أنه مات قبل موت مورثه، يرد المال على الورثة، فإذا مات عن ابنين أحدهما موجود والثاني مفقود، ثم تبين أن المفقود مات قبل موت الأب فالمال للابن الموجود، ولا إشكال في ذلك.

قوله: «ولباقي الورثة أن يصطلحوا على ما زاد عن حق المفقود فيقتسمونه» يعني حق المفقود إذا وقفناه وزاد، فللورثة أن يصطلحوا على هذا الزائد ويقتسموه بينهم؛ لأنه ليس له وارث.

 

-----------------------

 

[110]    ومن ذلك ما أخرجه مالك في الموطأ (2/575) عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: «أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدرِ أين هو؟ فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشراً ثم تحل».

              وأخرجه ابن أبي شيبة (4/237)؛ وعبد الرزاق (12317) عن عمر وعثمان رضي الله عنهما ـ. وأخرج سعيد بن منصور في سننه (1756)؛ والبيهقي (7/445) عن ابن عباس وابن عمر ـ رضي الله عنهم ـ مثل ذلك، وصحح هذه الآثار الحافظ ابن حجر في الفتح (9/340) ط/دار الريان.

 

 

تاريخ التحديث : Feb 22, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com