المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر
بَابُ مِيرَاثِ الغَرْقَى
 

 

بَابُ مِيرَاثِ الغَرْقَى

 

إِذَا مَاتَ مُتَوَارِثَانِ كَأَخَوَيْنِ لأَبٍ بِهَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ غُرْبَةٍ أَوْ نَارٍ، وَجُهِلَ السَّابِقُ بِالمَوْتِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِن الآخَرِ مَنْ تِلادِ مَالِهِ دُونَ مَا وَرِثَهُ مِنْهُ؛ دَفْعَاً للدَّوْرِ.

الغرقى يعني الذين غرقوا جميعاً ولم نعلم السابق منهم، فهل لهم نظير؟ نعم، لو سقطت طائرة ولم نعلم الميت الأول، لو انقلبت سيارة ولم نعلم الميت الأول، لو شب حريق ولم نعلم الميت الأول، فالمراد بالغرقى هنا جماعة هلكوا جميعاً ولم نعلم عن حالهم، هل ماتوا لحظة واحدة أو تقدم أحدهم؟

قوله: «إذا مات متوارثان كأخوين لأب بهدم أو غرق أو غربة أو نار» الهدم واضح، والغرق واضح، والنار واضحة، والغربة كرجلين سافرا جميعاً وأتانا خبر أنهما ماتا، ولم ندرِ أيهما الأول، فحكمهما حكم من ماتوا بغرق أو نار ولم يعلم الأول منهم.

قوله: «وجُهل السابق بالموت ولم يختلفوا فيه» يعني ورثة كل واحد لم يختلفوا.

قوله: «ورث كلُّ واحدٍ من الآخَر من تِلادِ ماله دون ما ورثه منه دفعاً للدور» أولاً نصور المسألة: هؤلاء جماعة ركبوا سفينة، غرقت السفينة وماتوا كلهم، ولا ندري أيهم الأول، فهل يجري التوارث بينهم أو لا؟ المذهب أنه يجري التوارث بينهم إذا لم يختلف الورثة.

القول الثاني: أنه لا توارث بينهم، كل واحد منهم لا يرث الآخر، وإنما يرثه الورثة الآخرون؛ لأن من شرط الإرث أن يوجد الوارث بعد موت المورث لقوله تعالى: {{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}} [النساء: 12] ، {{وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ}} [النساء: 11] ، فلا بد أن نعلم أن الوارث وجد بعد موت المورث، وهنا الشرط غير موجود، إذاً لا توارث، وهذا القول مع كونه أصح وأوفق للأدلة الشرعية هو ـ أيضاً ـ أهون وأقطع للنزاع، على القول الأول سيكون نزاعٌ إذا كان أحد الذين غرقوا يملك الملايين، والثاني يملك ثوبه الذي عليه فقط، فنورث هذا من هذا وهذا من هذا، فالغني هل يرث من الفقير؟ لا؛ لأنه لا شيء له، والفقير يرث من الغني، فيعود مال هذا الغني لورثة الفقير بأي حق؟! فالقول الراجح بلا شك أنه لا توارث بينهم.

وعلى المذهب إن تنازع الورثة في المثال الذي ذكرنا، أخوان أحدهما يملك الملايين والثاني ما عنده شيء، كل واحد منهم له زوجة وأم، ثم تنازعوا فورثة الغني يقولون: إن مورثكم مات قبل مورثنا، وأولئك يقولون بالعكس، فهنا يتساقطون، وهذا فيه شيء من الصحة، ويكون ميراث كل ميت لورثته، وأما إذا لم يختلفوا قالوا: ما نعلم، فنحن لا ندعي أن مورثنا هو الأول أو الثاني، فحينئذٍ يرث كل واحد منهما من الآخر من تلاد ماله ـ أي: من قديمه ـ لا مما ورثه منه؛ لأننا لو قلنا: مما ورثه منه، صار دوراً، فيرث هذا مما ورثه منه، ثم ذاك يرث مما ورث منه، وهكذا.

مثال هذا: أحدهما خلف مليون ريال والثاني خلف مائة ألف ريال، إذا ورث صاحب مائة الألف من صاحب المليون سيرث خمسمائة ألف، وذاك إذا ورث من الآخر يرث خمسين ألفاً، هل نضم الخمسين ألفاً للمليون ونقول: يرث هذا خمسمائة ألف وخمسين ألفاً؟

لا يمكن، لو قلنا هذا لزم أن ندور، فنقول: يرث صاحب مائة الألف خمسمائة ألف من صاحبه، وصاحب المليون يرث خمسين ألفاً من صاحبه وتنتهي المسألة، ومع هذا نحن نقول ونرجح: أنه لا توارث بينهما، وأنه لا حق لأحدهما في مال الآخر؛ لأن الشرط وهو وجود الوارث بعد موت المورث لم يتحقق، وهذا الذي اخترناه هو مذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو الصواب بلا شك.

 

 

تاريخ التحديث : Feb 22, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com