المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر
بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ المِلَلِ
 

 

بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ المِلَلِ

 

لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ إِلاَّ بِالوَلاَءِ، وَلاَ الكَافِرُ المُسْلِمَ إِلاَّ بِالوَلاَءِ،......

 أهل الملل يعني الأديان، ولا يمكن أن نبحث في ميراث أهل الملل حتى يوجد سبب الميراث، وأسباب الميراث ثلاثة: نكاح ونسب وولاء، فإذا وجد اثنان بينهما توارث وهما على دين واحد جرى التوارث، وإن اختلف دينهما فلا؛ لأن من شرط الإرث اتفاق الدين، لقول الله ـ تبارك وتعالى ـ لنوح حين قال: {{إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}} قال الله له: {{إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}} [هود: 45، 46] ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» [(111)].

قوله: «لا يرث المسلمُ الكافرَ إلا بالولاء ولا الكافرُ المسلمَ إلا بالولاء» والدليل ما أشرنا إليه من الآية، وما قاله النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» ، ولأن الإرث مبني على الموالاة والنصرة، ولا موالاة ولا نصرة بين المسلم والكافر، أما قول المؤلف: «إلا بالولاء» ، فهذا الاستثناء لا دليل عليه ولا يصح أثراً ولا نظراً، أما كونه لا يصح أثراً فلعدم الدليل الصحيح، وقد ورد فيه حديث ضعيف[(112)]، وأما كونه لا يصح نظراً؛ فلأن الإرث بالولاء أضعف من الإرث بالنسب والزوجية، فإذا كان اختلاف الدين يمنع الميراث مع السبب الأقوى، فكيف لا يمنعه مع السبب الأضعف؟! هذا خلاف القياس وخلاف النظر، ولنضرب لهذا مثلاً: هلك هالك عن أب كافر هل يرثه أبوه؟ لا.

هلك هالك عن معتِق كافر والعبد المعتق مسلم، هل يرثه سيده؟ على المذهب يرثه، وعلى القول الراجح لا يرثه، ونحن نقول بالقول الراجح لعموم الحديث: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».

لو هلك هالك عن ابن لا يصلي وعن عم مسلم يصلي، فميراثه للعم، والابن الذي لا يصلي لا يرث، وكذلك لو كان هناك رجل لا يصلي ومات عن أقارب مسلمين فإنهم لا يرثونه؛ لأنه لا يرث المسلم الكافر، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ بيانه.

 

وَيَتَوَارَثُ الحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ وَالمُسْتَأْمِنُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مَعَ اتِّفَاقِ أَدْيَانِهِمْ لاَ مَعَ اخْتِلاَفِهَا، وَهُمْ مِلَلٌ شَتَّى، وَالمُرْتَدُّ لاَ يَرِثُ أَحَداً وَإِنْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ فَمَالُهُ فَيْءٌ.

قوله: «ويتوارث الحربي والذمي والمستأمن» ، هؤلاء ثلاثة أصناف من الكفار، فالحربي هو الذي ليس بيننا وبينه عهد ولا ذمة ولا أمان.

وقوله: «والمستأمِن» بكسر الميم، وأكثر الناس يقولون: المستأمَن بفتح الميم وهذا غلط؛ لأنه ليس مستأمَناً بل هو مُؤَمَّن، وهو الذي أُعْطِيَ الأمان ألا يعتدى عليه، سواء من الإمام أو ممن يجيز إجارته الإمام، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ» [(113)].

وقوله: «والذمي» وهو الذي بيننا وبينه عهد وذمة أن يبقى في دارنا آمناً، تحفظ له حقوقُه، ولا يعتدى عليه لكن عليه الجزية.

والمعاهد هو الذي جرى بينه وبين المسلمين عهد، لكنه في بلده مستقل، ليس للمسلمين به تعلق، إلا العهد الذي بيننا وبينه، فيتوارث هؤلاء إذا اتفقت أديانهم، فكلهم يهود، كلهم نصارى، كلهم مجوس، كلهم شيوعيون، يتوارثون إذا اتفقت أديانهم، وإن اختلفت فلا توارث، والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» [(114)]، فإن هذا يدل على أن اختلاف الدين مانع من الإرث، ولهذا قال المؤلف:

«وأهل الذمة يرث بعضهم بعضاً مع اتفاق أديانهم لا مع اختلافها» أهل الذمة هل يمكن أن تختلف أديانهم؟ نعم، يهود، نصارى، مجوس، هؤلاء أهل الذمة، ثلاثة أصناف، والصحيح أنهم أكثر من ثلاثة أصناف، وأن جميع الكفار يمكن أن يكونوا أهل ذمة، تعقد لهم الجزية، كما صح ذلك فيما رواه مسلم عن بريدة ـ رضي الله عنه ـ[(115)].

قوله: «وهم» الضمير يعود على أهل الأديان.

قوله: «ملل شتى» أي: متفرقة، اليهود ملة، والنصارى ملة، والمجوس ملة، والشيوعيون ملة، والبوذيون ملة وهكذا، وهذا هو القول الراجح.

وقال بعض العلماء: إن الكفر ملة واحدة، لكن هذا قول ضعيف؛ لأن اليهود يقولون: ليست النصارى على شيء، والنصارى يقولون: ليست اليهود على شيء، فكيف يكونون أمة واحدة؟! نعم هم بالنسبة للإسلام صنف، لكن بالنسبة لما بينهم مختلفون، كما نقول مثلاً: أهل السنة يدخل فيهم المعتزلة، يدخل فيهم الأشعرية، يدخل فيهم كل من لم يَكْفُر من أهل البدع، إذا قلنا هذا في مقابلة الرافضة، لكن إذا أردنا أن نبين أهل السنة، قلنا: إن أهل السنة حقيقة هم السلف الصالح الذين اجتمعوا على السنة وأخذوا بها، وحينئذٍ يكون الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ونحوهم ليسوا من أهل السنة بهذا المعنى.

قوله: «والمرتد لا يرث أحداً» لأنه ـ والعياذ بالله ـ ليس له دين ولا يقر على دينه، يعني لو كان عندنا كافر ملحد غاية الإلحاد نقره على دينه، لكن لو ارتد أحد إلى اليهودية أو النصرانية لا نقره؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم صلّى الله عليه وآله وسلّم: «من بدل دينه فاقتلوه» [(116)] يعني من بدل دين الإسلام، فإننا نقتله، إذاً المرتد لا يرث أحداً، ولا أباه ولا أمه ولا ابنه؛ لأنه مرتد مخالف للدين وليس على دين؛ لأنه لا يقر على هذا الدين.

قوله: «وإن مات على ردته فماله فيء» يعني يُدخَل في بيت المال، وبهذا نعلم أن العلماء ـ رحمهم الله ـ يحكمون على الشخص بعينه بالردة أو غيرها مما يقتضيه فعله، خلافاً لما عليه الشباب الآن فإنهم يتهيبون أن يكفروا أحداً بعينه، وهذا غلط، إذا وجد الكفر وتمَّت الشروط وانتفت الموانع، فإننا نكفره بعينه ونعامله معاملة الكافر في كل شيء؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، أما لو فرضنا أنه كان مؤمناً بقلبه، ولكن يظهر الكفر، فهذا حسابه على الله ـ عزّ وجل ـ لكن نكفره بعينه؛ لأننا لو قلنا: إننا لا نكفر أحداً بعينه، وإنما نكفر الجنس، ما بقي أحد يكفر، ولا أحد يُدعى إلى الإسلام.

وقوله: «وإن مات على ردته فماله فيء» دليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» [(117)]، وهذا واضح؛ ولأن الإرث مبني على النصرة والولاء، ولا نصرة ولا ولاء بين المسلم والكافر، هذا ما ذهب إليه الفقهاء ـ رحمهم الله ـ وهم أسعد بالدليل مما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه ـ رحمه الله ـ يرى أن المرتد يورث، ويستدل بأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في أيام الردة يورِّثون أهل المرتدين من أموال المرتد، ولكن الإنسان يقول: ما جوابي يوم القيامة حين يناديهم فيقول: «ماذا أجبتم المرسلين»؟ ماذا نقول في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»؟ وأما فعل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، فهل أجمعوا عليه؟ لو أجمعوا عليه لقلنا: إجماعهم حجة، لكن من يقول: إنهم أجمعوا على هذا؟ والمسألة ليست عندي بذاك المسألة البينة، إذاً نبقى على الأصل وهو: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» .

وقوله: «فماله فيء» الفيء يكون في بيت المال، يصرف في المصالح العامة، كبناء المساجد، وبناء المدارس، وإعطاء الفقراء، المهم ما يصرف فيه بيت المال، يصرف فيه مال المرتد.

 

وَيَرِثُ المَجُوسُ بِقَرَابَتَيْنِ إِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا قَبْلَ إِسْلاَمِهِمْ، وَكَذَا حُكْمُ المُسْلِمِ يَطَأُ ذَاتَ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ بِشُبْهَةٍ وَلا إِرْثَ بِنِكَاحِ ذَاتِ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، وَلاَ بِعَقْدٍ لاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ لَوْ أَسْلَمَ.

قوله: «ويرث المجوس بقرابتين إن أسلموا» المجوس من مذهبهم الخبيث أنه يجوز للإنسان أن ينكح محارمه ـ والعياذ بالله ـ ينكح أخته، بنته، عمته، أمه، وهذا من أخبث المذاهب وأقبحها، فإذا كان أحدهم يدلي بقرابتين فإنه يرث بهما؛ لأنهم يعتقدون حل فعلهم، فإذا أسلموا فإنهم يورثون بالقرابتين، كما ذكرنا في الجدات أن الجدة التي تدلي بجهتين ترث ثلثي السدس.

قوله: «أو تحاكموا إلينا قبل إسلامهم» يعني إذا تحاكموا إلينا قبل إسلامهم فإننا نورثهم على حسب القرابتين، فإن لم يسلموا أو لم يتحاكموا فأمرهم إلى أنفسهم.

قوله: «وكذا حكم المسلم يطأ ذات رحم محرم منه بشبهة» يعني لو أن المسلم وطئ ذات رحم محرم منه بشبهة، والشبهة إما شبهة عقد وإما شبهة اعتقاد، فمن وطئ امرأة يظنها زوجته فبانت أخته أو بنته فهذا شبهة اعتقاد، ومن عقد على امرأة على أنها أجنبية منه وبعد العقد والدخول تبين أنها مَحرم له، تبين أنها أخته من الرضاعة ـ مثلاً ـ هذه شبهة عقد؛ لأنه عقد عقداً يظنه صحيحاً وذاك جامَع جماعاً يظنه صحيحاً، فإذا أتت بولد صار هذا الولد يرث بجهتين، فيوَرَّث بالجهتين؛ لوجود السببين، والشيء إذا وجد سببه وجب العمل به.

وقيل: يرث بأقوى الجهتين ميراثاً واحداً؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع في شخص واحد جهتان متقابلتان، وإذا كان لا يمكن فإنه يؤخذ بالأقوى ويرث بجهة واحدة.

قوله: «ولا إرث بنكاح ذات رحم محرَّم» مثاله: إنسان تزوج امرأة ثم مات عنها، وبعد الموت تبين أنها أخته من الرضاعة، فهل ترث؟ الجواب: لا ترث؛ لأنه تبين أن النكاح باطل، فلا ترث حتى لو بقيت معه عدة سنين.

قوله: «ولا بعقد لا يُقَرُّ عليه لو أسلم» يعني ولا إرث بعقد لا يقر عليه لو أسلم، مثاله: أن يتزوج المجوسي أخته ثم يموت عنها، فهذا العقد إذا أسلم لا يقر عليه، بخلاف ما لو كان عقد عقداً محرماً لكن زال سبب التحريم، فإنه يقر عليه، كما لو تزوج أخت زوجته والأخت معه فالنكاح لا يصح؛ لأنه لا يجمع بين أختين، لكن لو أنه حين أسلم فارق الأولى فالنكاح يصح؛ لأنه زال المانع، وكذلك لو نكح امرأة في عدتها فالنكاح باطل، ولكن لو أسلم بعد أن انقضت العدة فإنه يقر عليه.

 

-----------------------

 

[111]    أخرجه البخاري في الفرائض/ باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (6764)؛ ومسلم في الفرائض/ باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (1614).

[112]    أخرجه الدارمي في الفرائض/ باب ميراث أهل الشرك وأهل الإسلام (2993 ـ 2994)؛ والنسائي في الكبرى في الفرائض/ باب الصبي يسلم أحد أبويه (6356)؛ والدارقطني (4/74)؛ والحاكم (4/345)؛ والبيهقي (6/218) عن جابر ـ رضي الله عنه .

[113]    أخرجه البخاري في الصلاة/ باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به (357)؛ ومسلم في الصلاة/ باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان (336) عن أم هانئ ـ رضي الله عنها ـ.

[114]    سبق تخريجه ص(302).

[115]    في الجهاد/ باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها (1731).

[116]    أخرجه البخاري في الجهاد/ باب لا يعذب بعذاب الله (3017) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.

[117]    سبق تخريجه ص(302).

 

 

تاريخ التحديث : Feb 22, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com