المكتبة المقروءة : التوحيد : شرح العقيدة السفارينية
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : التوحيد : شرح العقيدة السفارينية
الباب السادس : في ذكر الإمامة ومتعلقاتها
 

 

الباب السادس

 

في ذكر الإمامة ومتعلقاتها

 

الشرح

هذا الباب كنا نستهونه في أيام طلبنا ، كما كنا نستهون كتاب الجهاد ، فكنا نتساءل : أين الجهاد ؟ وما حاجتنا في أن نبحث في الجهاد ، ومتى يكون واجباً على العين وعلى الكفاية ، وما حكم ما يلزم الجيش وما يلزم الإمام ؟! وسبب ذلك أنه لا يوجد جهاد ، ثم لما حصل الجهاد في الوقت الأخير عرفنا إننا مفرطون ، وأنه كان ينبغي أن نعرف أحكام الجهاد تماماً!!

وفي مسألة الإمامة كنا نقول : ليس لنا حاجة في أن نبحث في الإمامة ، فنحن والحمد لله إمامنا ابن سعود ، ولكل بلد إمامه ، والأمور مستقرة على ذلك ، لكن الآن تبين لنا أنه لابد أن نعرف الحكم ، فلابد أن نعرف من هو الإمام ، ومن يستحق الإمامة ، ولابد أن نعرف ما حق الإمام على رعيته ، وما حق الرعية على الإمام .

وذلك لأنه كثر القيل والقال ، وخاض في ذلك من هم من الجاهلين ، فصاروا يتخبطون خبط عشواء فيما يلزم الإمام وفيما يلزم الرعية ، وغالبهم يميل إلى تحميل الإمام ما لا يلزمه حمله ، وتبرئة الشعب مما يلزمهم القيام به ، هذا حال غالبهم ، وذلك لأن بعض الناس مشغوف 0 والعياذ بالله - بنشر المساوئ من ولاة الأمور ، وكتم المحاسن ، فيكون معه جور في الحكم ، وسوء في التصرف .

إذاً لابد الآن أن نعرف من هو الإمام ، وبم تثبت الإمامة ، وما حق الإمام على الرعية ، وما حق الرعية على الإمام ، وما طريق السلف في معاملة الأئمة الظلمة والمنحرفين ، حتى نمشي على طريقهم ، ونكون أمة سلفية ، وحتى لا نبرئ أنفسنا نحن من النقص ، بل نحن ناقصون ؛ إذا قارنت بين أعمالنا وعقائدنا وبين ما كان عليه الصحابة ، وجدت أن الفرق بيننا وبينهم كالفرق بين زماننا وزمانهم ، وأن الفرق كبير .

وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف نريد أن يكن لنا ولاة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ؟! فهذا ظلم ، وهذا تأباه حكمة الله عز وجل ، ولهذا جاء في الأثر : كما تكونون يولى عليم ، فكيف نريد أن يكون خلفاء الأمة الإسلامية  الآن كخلفاء الأمة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ونحن على هذه الحال ؛ كذب وغش وظلم وسوء عقيدة وغير ذلك؟!

ويذكر أن عبد الملك بن مروان شعر بأن الناس قد ملوه أو عندهم شيء من التمرد عليه ، فجمع وجهاء القوم وأعيانهم وتكلم فيهم وقال لهم : أتريدون أن نكون لكم كأبي بكر وعمر ؟ قالوا: نعم . قال : إن كنتم تريدون ذلك فكونوا لنا كالذين كانوا لأبي بكر وعمر ، فأقام عليهم الحجة .

وكذلك أيضاً ينقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رجلاً خارجياً قال له : يا علي، كيف دان الناس لأبي بكر وعمر ولم يدينوا لك ؟قال : لأن أبا بكر وعمر كان رجالهم أنا وأمثالي ، وكان رجالي أنت وأمثالك . فأقام عليه الحجة.

فالمهم أنه لا يمكن أن نطمع في أن يكون ولاة أمورنا كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ونحن على الحال التي تشاهد ؛ ولا شك في أن البيت الذي فيه ثلاثة نفر يكون فيه أربعة آراء ! فأين الوفاق فينا ؟ وأين الصلاح فينا كي يكون في ولاتنا ؟!

فالمهم أن هذا الباب - باب مهم ، يجب أن يعتنى به .

والإمامة نوعان : إمامة في الدين ، وإمامة في التدبير والتنظيم ، فمن إمامة الدين الإمامة في الصلاة ، فإن الإمام في الصلاة إمامته إمامة دين ، ومع ذلك فله نوع من التدبير ، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمتابعته ، ونهى عن سبقه والتخلف عنه ، فهذا نوع تدبير ؛ لأنه مثلاً إذا كبر كبرنا ، وإذا ركع ركعنا ، وإذا سجد سجدنا .وهكذا .

وأما إمامة التدبير فتشمل الإمام الأعظم ومن دونه ، والإمام الأعظم هو الذي له الكلمة العليا في البلاد ؛ كالملوك ورؤساء الجمهوريات و ما أشبه ذلك ، ومن دونه كالوزراء والأمراء و ما أشبه ذلك ، والأمة الإسلامية بشر كغيرها من البشر ، والبشر كائن من الأحياء ، وكل حي فلابد له من رئيس .

بل حتى البهائم ، وكذلك الطيور في الجو ، لها رئيس تتبعه ، ولهذا كان الصيادون إذا مرت بهم جحافل من الطيور أو الظباء أو ما أشبه ذلك ذلك يصيدون أول ما يصيدون قائدهم ، فإذا صادوا القائد ارتبك المجموع فسهل صيده ؛ لأن كل كائن سواء من البشر أو غيرهم لابد له من قائد يقوده .

ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام والمسافرين إذا كانوا ثلاثة ، يعني فأكثر ، أن يؤمروا واحدا منهم  ، يعني أنه لابد من أمير وإلا لاضطربت الأحوال ، وصار كل إنسان يقول : أنا أمير نفسي ، وحينئذٍ يتزعزع الأمن ويحل الخوف .

 

ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى:

171- ولا غنى لأمة الإسلام                 في كل عصر كان عن إمام

______________________________________________

الشرح

يعني لا يمكن أن تستغني أمة المسلمين في كل العصور من عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا عن أمام ، أي عن قائد يقودها ، وحتى الأمة من الأمم الكافرة لابد لها من إمام ، ولذلك تجد الأمم الكافرة ربما ينقادون لأئمتهم أكثر مما ينقاد بعض المسلمين لأئمتهم ؛ لأنهم يعلمون أن الأمن والاستقرار إنما يكون في إتباع الأئمة ، والانقياد لهم ، والانصياع لأوامرهم.

وهذه مسألة يغفل عنها كثير من المسلمين ، وقد حدثنا بعض من يذهبون إلى بلاد الكفر أن رعاياهم يتبعون الأنظمة تماما ، ويطبقونها تماما ؛ سواء أنظمة المرور ، أو أنظمة الأمن ، أو غير ذلك ، مع أنهم كفار لا يرجون بهذا ثوابا من الله عز وجل ، لكن يعلمون أن انتظام الأمة وحفظ أمنها لا يكون إلا بإتباع أوامر الرؤساء .

فلذلك كانوا أشد تطبيقاً من بعض المسلمين لطاعة ولاة الأمور ، مع إننا نحن بامتثالنا لطاعة ولي الأمر نرجو الثواب من الله عز وجل ، وبالمخالفة نخاف العقاب ؛ لأن مخالفة أي نظام من أنظمة الدولة بدون سبب شرعي ، والسبب الشرعي سبب واحد وحيد وهو أن يأمروا بمعصية الله ، وما سوى ذلك تجب علينا طاعته من أجل حفظ الأمن.

وبعض الناس يتوهم انه لا تجب طاعتهم إلا حيث أمروا بما أمر الله به ، وهذا وهم باطل ؛ لأنهم إذا أمروا بما أمر الله به فأمرهم هذا تأكيد لأمر الله فقط ، ولو أمرنا أي واحد بما أمرنا الله به لكانت الطاعة مفروضة علينا ؛ لأنه أمر الله .

لكن طاعة ولاة الأمور في غير معصية شيء وراء ذلك ، فيجب علينا أن نطيع ولاة الأمور في كل ما أمروا به ، ما لم يأمروا بمعصية .

فإذا لابد للأمة الإسلامية - بل وغير الإسلامية - من إمام يقودها ويوجهها ، ويأمرها ، وينهاها ، وإلا لضاعت وأصبحت الأمور فوضى.

قال الشاعر :

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم                   ولا سراة إذا جهالهم سادوا

فلابد من قيادة ، ولابد من أن تكون هذه القيادة حكيمة .

قال المؤلف رحمه الله  :

ولا غنى لأمة الإسلام               في كل عصر كان عن إمام

عصر بمعنى وقت ، والوقت كما نعلم هو ظرف الحوادث والأحداث ، ولهذا أقسم الله به في قوله تعالى : (وَالْعَصْرِ)(العصر:1)(إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (العصر:2) ، فكل عصر لابد فيه للأمة الإسلامية من إمام .

 

ثم قال المؤلف رحمه الله  تعالى:

172- يذب عنها كل ذي جحود           ويعتني بالغزو والحدود

______________________________________________

الشرح

قوله : ( يذب عنها كل ذي جحود ) يذب : يعني يطرد عنها .( كل ذي جحود ) : أي كل ذي كفر . وهذه من مسؤوليات الإمام وهي :

أولاً:  أن الإمام يذب أهل الكفر عن بلاد المسلمين ، أي يرد ويطرد ويمنع كل ذي جحود من أن يعتدي على بلاد المسلمين ، ومن المعلوم أنه ليس يمنع بنفسه ولكن يمنع بجنوده .

ثانياً : قال : ( ويعتني بالغزو ) يعني غزو الكفار ، والشطر الأول للمدافعة ، والشطر الثاني للمهاجمة، فالإمام يعتني بغزو الكفار ومقاتلتهم ؛ لأن الواجب على المسلمين أن يقاتلوا الكفار ، وذلك فرض كفاية ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .

وإذا نظرنا في واقعنا اليوم فإننا سنجد أن مسألة غزو الكفار ممحوة من القاموس ، اللهم إلا ما يقع مدافعة ، ومع ذلك فإن ما يقع مدافعة لا تكاد تجد فيه من يساعد هؤلاء المدافعين ، إلا النادر من إفراد الشعوب ، أما الحكومات الإسلامية فإنها مع الأسف  - ونقولها بكل مرارة - لا تساعد على الأقل مساعدة ظاهرة في الدفاع عن المسلمين ، والأحداث لا تحتاج أن أفصلها ؛ لأنها منشورة مشهورة.

إذاً فلابد من مقاتلة الكفار ، قال تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (الأنفال:39) ، وهذا فرض كفاية ، ومعلوم أن فرض الكفاية يحتاج إلى شرط وهو القدرة ، فبالنسبة للشعوب لا قدرة لهم ، وبالنسبة للحكومات فالله حسيبهم ؛ منهم من يقتدر ، ومنهم من لا يقتدر وفي ظني أن كل واحد منهم يقتدر بالنسبة للمضايقات الدبلوماسية.

ثالثاً: قال رحمه الله  : ( والحدود ) يعني أن من مسؤوليات الإمام أنه يعتني بالحدود ، والحدود جمع حد ، والحد في اللغة المنع ، والمراد بالحدود هنا العقوبات التي قدرها الله ورسوله في فعل معصية ، مثل قطع يد السارق ، فهذا حد ، فمتى ثبتت السرقة وتمت شروط القطع فإنه يجب تنفيذه ، إذاً فالحدود يجب تنفيذها وهي رحمة من الله عز وجل لعباده ، إذ أن في الحدود فائدتين :

الأولى : أنها كفارة للفاعل الذي أقيم عليه الحد .

والثانية : أنها ردع لغيره .

فإن قال قائل : لكن فيها إتلاف عضو من الأعضاء ، وربما يكون هذا العضو عاملاً في غاية الأهمية عند صاحبه ، بل وغيره ؟

فالجواب على ذلك بأنه لابد أن نقطعها حتى لا يأتي آخر فيسرق ، ولهذا قال الله تعالى : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ )(البقرة: الآية179) مع أن القصاص إضافة إزهاق نفس إلى نفس أخرى ؛ فالمقتول واحد وبالقصاص يكون المقتول اثنين ، لكن هذا فيه حياة ، فكم من إنسان يرتدع عن القتل إذا علم أنه إذا قتل قتل ! ولهذا قال تعالى : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ).

ومن الحدود حد الزنى ، وهو على حسب الجرم ، فالبكر حده مائة جلدة وتغريب سنة ، يعني يجلد مائة جلدة ويطرد عن البلد لمدة سنة ، والثيب الذي قد منَّ الله عليه بالنكاح حده الرجم ، فيرجم بحجارة لا صغيرة ولا كبيرة حتى يموت ، وإذا مات فإنه يصلى عليه لأنه مسلم ، ويدعى له بالمغفرة والرحمة .

ومن الحدود حد القذف ، والقذف هو أن يرمى المحصن بالزنى ، والمحصن يعني العفيف ، وذلك كأن يقول لشخص عفيف ذكر أو أنثى أنه زان ، فهذا إما أن يقيم البينة بشهادة أربعة رجال بذلك ؛ وإلا فحد ظهره ، قال تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً )(النور: الآية4)).

وقد رتب الله على القذف ثلاثة أمور ، حيث قال تعالى : ( فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(النور: الآية4)) ، ثم استثنى الله تعالى فقال : (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور:5)  ، وهذا الاستثناء يعود على الفاسقين في قوله : (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) يعني إذا تابوا وأصلحوا زال عنهم الفسق .

لكن هل من تاب قبلت شهادته كما زال عنه الفسق ؟ في هذا خلاف بين العلماء ، فمنهم من يقول : إنه إذا تاب قبلت شهادته ، ومنهم من يقول : لا تقبل ؛ لأن الله تعالى قال :( وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً).

وكذلك فإن هذا الاستثناء لا يعود على العقوبة الأولى في قوله : (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) ، فإذا تاب فإنه لا يعود عليه بالاتفاق .

فصارت هذه العقوبات الثلاث بالنسبة للاستثناء على النحو التالي :

أولاً : يعود الاستثناء على آخرها بالاتفاق .

ثانياً : لا يعود على أولها بالاتفاق .

ثالثاً : وفي عودة الاستثناء على أوسطها خلاف .

ومن الحدود حد قطاع الطريق ، قال تعالى : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً )(المائدة: الآية33) ، فهؤلاء يقفون على الطرق ومعهم السلاح ومن مر اخذوا ماله أو قتلوه ، و ما أشبه ذلك ، فهؤلاء حدهم كما قال تعالى : ( أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْض)(المائدة: الآية33)

وهذه الأنواع الأربعة من الحدود التي ذكرنا ، كلها حدود لا إشكال فيها .

واختلف العلماء رحمهم الله في الخمر هل عقوبته حد أو تعزير ، والصحيح أنها تعزير ، ويدل لذلك ما يكاد يكون إجماعاً من الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم فيما يصنع ، فقال عبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين ، أخف الحدود ثمانون ؛ يعني فاجلد شارب الخمر هذا الجلد ، فأمر به عمر فارتفع إلى ثمانين جلدة  ، وهذا يكاد يكون كالإجماع ؛ لأن كونه أخف الحدود يعني أن عقوبة الخمر ليست حداً .

ويدل لذلك أيضاً انه لو كانت عقوبة الخمر حدا ،ما كان لعمر أن يغيرها ، قال تعالى : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا)(البقرة: الآية229) ، ولهذا فإنه لو كثر بين الناس اقتراف الزنا - نسأل الله العافية - فإننا لا يمكن أن نزيد المائة جلدة إلى مائتين مثلاً ، وذلك لأن الحدود لا تزاد ، وهذا يدل على أن عقوبة شارب الخمر ليست من الحد .

لكن المشهور عند أكثر العلماء أنها حد من الحدود .

أما قتل المرتد فإنه ليس بحد ؛ لأن الحد لا يسقط بعد القدرة على الفاعل ولو تاب ، وقتل المرتد يسقط بعد القدرة إذا تاب ، فالردة إذا تاب منها المرتد ولو بعد القدرة عليه ، فإنه لا يقتل ، ويحرم قتله . إلا ما قيل في الساحر فإنه يقتل حداً ، لحديث : (( حد الساحر ضربة - أو قال : ضربة بالسيف)).

أما القصاص فإنه ليس بحد ، ولذلك لو أن أولياء المقتول عفوا فإنه لا يقتص من القاتل ، وبناء على ذلك فإنه ليس بحد .

وقد رأيت بعض المتأخرين المعاصرين من يجعل الحدود سبعة أنواع ، ويدخل حد الردة والقصاص ، وهذا خطأ وغلط ؛ لأن الحد عقوبة مقدرة من الشرع لا تسقط بإسقاط أحد ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم لما شفعوا إليه في المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده ، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقطع يدها - غضب وخطب الناس ، وقال لأسامة وقد شفع إليه : (( أتشفع في حد من حدود الله ؟!)).

ولو أن القاتل لما طلب أولياء المقتول أن يقتل وشفع أحد فيه فإنه لا ينكر عليه ؛ لأن الحق لهم فلو أن أولياء المقتول قالوا : لابد أن يقتل القاتل ، وحكم القاضي بقتله ، فجاء رجل طيب وعرف أن هذا القاتل رجل من الخيار ، لكن سولت له نفسه قتل أخيه فقتله ، فذهب إلى أولياء المقتول وشفع إليه فلا بأس . ولو كان حداً لحرمت الشفاعة فيه .

إذاً فإن من مهمات الإمام إقامة الحدود ، وهذا يعني أنه يجب على الإمام أن يقيم الحدود على أي إنسان كائن من كان ، حتى لو سرق أبو الإمام فإنه يأمر بقطع يده ، ولا ينافي ذلك البر ، بل هذا من البر ؛ لأن هذا الحد كفارة له يسقط عنه عقوبة الآخرة ، وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدنيا .

ثم إن هذا الحق ليس حقا للإمام ، بل هو حق لله عز وجل رب الإمام ورب أبي الإمام ، فإذا أمر بقطع يد أبيه لأنه سرق قلنا : جزاك الله خيراً ، فهذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم أقساماً أمام الناس ويقول : (( وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )).

 

ثم قال المؤلف رحمه الله  تعالى:

173- وفعل معروف وترك نكر             ونصر مظلوم وقمع كفر

___________________________________________________

الشرح

 قال رحمه الله  : ( وفعل معروف ) هذا هو الرابع من مسؤوليات الإمام ، يعني ويعتني بفعل المعروف ؛ بأن يفعل هو المعروف ؛ وأن يأمر بالمعروف ، أي بكلا الأمرين ، لكن الأول له ولغيره ، ففعل المعروف كل إنسان مطالب به ، لكن الأمر بالمعروف أول من يطالب به الإمام ، فيجب عليه أن يأمر بالمعروف ؛ إما بنفسه وإما بنوابه وجوبا .

فالأمر بالمعروف من مهمات الإمام ومن مسؤولياته ، وإذا أضيع - لا قدر الله - فإن الله سوف يسأله عنه يوم القيامة سؤالا مباشراً .

لكن ما المراد : المعروف ؟ هل المعروف ما تعارف الناس عليه أو هو ما عرفه الشرع وأقره ؟ وما المراد بالمعروف في قوله تعالى : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف)(النساء: الآية19) ؟

المراد بالمعروف في الآية ما تعارف الناس عليه ، لكن لو قلنا : إن المعروف هو ما تعارف الناس عليه لفسدت الدنيا وفسد الدين ، وصار لكل بلد شرع ؛ لأن أعراف الناس تختلف ؛ فمن الناس من يستبيحون أن يقيموا أسواق الدعارة ، فلا يكون ذلك معروفاً لأنه متعارف بينهم ، ومن الناس من تباع عندهم جِرار الخمر كما تباع جِرار الماء ، فلا نقول : هذا  معروف .

إذاً المعروف هو ما عرفه الشرع وقره ، وإن شئت فقل : هو ماشرعه الشرع ، وهذا أدق ؛ لأن شرعه إياه اعتراف به ، فكل ما شرعه الله ورسوله فهو معروف ، ثم الأمر به على حسب مرتبته ، فالأمر بالواجب واجب ؛ والأمر بالمستحب مستحب .

وقوله : ( وترك نكر ) فترك النكر أيضاً المسؤولية فيه على الإمام وهذا هو الخامس من مسؤوليات الإمام ، وليعلم أن ترك المعروف وفعل المنكر إذا كان مستتراً عن الإمام فليس من مسؤوليته ، فمسؤوليته المنكر الظاهر ، فالمنكرات التي في البيوت إذا لم يطلع عليها فليست من مسؤوليته ؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها .

ومن المنكرات التي يجب على الإمام أن يمنعها ، أن يظهر النصارى أو اليهود أو البوذيون أو غيرهم من أهل الكفر ما يكون شعاراً لهم في بلاد الإسلام ، مثل أن يعلق النصراني صليبا في صدره ، فهذا ممنوع في بلاد الإسلام ، ويجب منعه ، ولكن بالتي هي أحسن ، وقد سمعت أن بعض الإخوة الناهين عن المنكر رأى فلبينيا قد تقلد قلادة من ذهب وفي أسفلها الصليب ، فأمسك بالقلادة وبترها ، حتى كادت أن تحز رقبته وتقطعها . وهذا ليس من الخير ، بل في هذا إساءة إلى الإسلام ، وهو غلط.

والواجب أن مثل هذا ينصح ، لو انه قال لهذا الرجل : اخف هذا ، بلطف ، لحصل المقصود بدون عنف ، والله تعالى يحب الرفق في الأمر كله ، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام : ( إن الله رحمه الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ))

إذاًَ يجب على الإمام أن يمنع المنكرات ، فما كان معلناً فالأمر واضح أنه من مسؤوليته ، وما كان مستوراً فإن علم به فعليه مسؤولية ، وإن لم يعمل فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها .

والمنكر ليس هو ما أنكره الناس ، وإنما هو ما أنكره الشرع ومنعه ، أما ما أنكره الناس فهذا ينظر فيه ؛ فإن كان مشروعاً فالواجب إظهاره ، مثل لو أنكر الناس الصلاة في النعال ، فهنا أنكروا معروفاً فلا يجابون على ذلك ، بل يبين الحق حتى يطمئن الناس إليه .

وكل الناس ينكرون ذلك حينما كانت المساجد مفروشة بالحصباء أو بالرمل ، أما الآن فلا يمكن الصلاة في النعال لما في ذلك من تلويثها ، وأكثر الناس لا يهتمون عند دخول المسجد ، ويمكن للإنسان أن يحصل السنة بأن يصلي في بيته بنعاله

وأما ما أنكره الناس مما ليس مشروعاً ، فإنه ينكر لئلا يقع الإنسان في الشهرة ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس الشهرة ، حتى لا يذكر المرء في المجالس ؛ لأن الإنسان الذي يخالف عادات الناس سوف تلوكه ألسنتهم ، إما بالذم ، وإما بالمدح ، والغالب أنه يكون بالذم ، فلو قام طالب علم من طلبة العلم المحترمين وخرج إلى الناس ببنطلون وبرنيطة وكرفتة فإن الناس سيرون هذا شهرة مع أنه في الأصل مباح إذا لم يكن تشبهاً بالكفار ، لكنه مخالف للعادة فيشتهر الإنسان به ، ويكون ملاكاً تلوكه الألسنة .

وقد نهي الإنسان عن لباس الشهرة - مع أنه قد يكون طيباً - لئلا يشتهر به الإنسان ويذكر في المجالس .

والناس في الواقع لا يلقون بالاً لهذا الأمر ، ويغفلون عن مسألة الشهرة ، فتجد الإنسان لا يبالي بأحد ؛ اشتهر أم لم يشتهر ، وهذا غلط ؛ لأنك عرضت نفسك للكلام في المجالس ، والإنسان في غنى عن أن يتكلم الناس فيه .

إذاً فالمنكر هو ما أنكره الشرع ولم يقره ، أما ما أنكره العرف فينظر فيه ؛ إن كان من الأمور المشروعة فلابد أن يروض الناس عليه ، وأن يفعل أمامهم حتى يطمئنوا إليه ؛ وإذا لم يكن كذلك فإنه يكون من الشهرة التي نهي عنها .

سادساً : نصر المظلوم ، فمن مسؤوليات الإمام نصر المظلوم ، لذا قال المؤلف : ( ونصر مظلوم ) ، فيجب على الإمام وعلى غيره أيضاً نصر المظلوم ، لكن على الإمام بالدرجة الأولى ؛ لأنه هو الذي يستطيع أن ينصر المظلوم ، وذلك برفع الظلم عنه إن كان قد وقع ، ودفعه عنه إن كان متوقعاً.

فلو علم الإمام مثلاً أن إنسانا يهدد شخصا بأخذ ماله أو غيره ، فعليه أن يمنع من ذلك ، أو لو كان إنسان قد استولى فعلاً على حق غيره فإنه يرفعه .

فعلى الإمام مسؤولية نصر المظلوم ، وغيره عليه أيضاً أن ينصر المظلوم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( انصر أخاك ظالما أو مظلوما )) ، لكن غير الإمام قد لا يتسنى له ذلك ، فقد يكون الظالم أكبر ممن يريد أن يرفع الظلم ، وحينئذٍ لا يقدر على رفعه ، لكن الإمام لا أحد فوقه من البشر ، فيجب عليه أن ينصر المظلوم ، بدفع المتوقع وبرفع الواقع .

وإذا عرفنا أنه يجب على الإمام أن ينصر المظلوم ، فلنعلم أنه لابد لذلك من شروط ، منها مثلاً ثبوت وقوع هذا الظلم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم ))

سابعاً : قال المؤلف رحمه الله  : ( وقمع كفر ) يعني إذا ظهر ، وهذا غير ذب الجحود ، لأن ذب الجحود يعني دفعه ومنعه ، أما هذا فقمع الكفر بعد وقوعه .

والكفر كما نعلم كفر صريح بالسلاح ، وهذا له الجهاد ، وكفر باطن وهذا أيضاً يجب أن يقمع ، مثل أن يكون هذا الرجل متظاهراً بالإسلام لكن له أفكار رديئة ينشرها في الأمة ، فهذا أيضا يجب على ولي الأمر أن يقمعه ، ولا يجوز له أن يمكنه من كفره الذي ينشره في الأمة ، وإن كان يتظاهر بالإسلام ؛ وذلك لأنه إذا لم يقم بهذا انتشر الكفر واستشرى في الأمة من حيث لا يعلم .

وقد يقول قائل إذا كان هذا الرجل له فكر رديء يدعو إليه وأنتم تقولون : إن الإسلام يعطي كل إنسان حريته فأفسحوا المجال لكل من عنده رأي أو فكر يتكلم بما شاء ، وإلا فقد كذبتم في دعواكم ؟

ويجاب على هذا القائل بأن نقول : نعم ، نحن نقول : إن الإسلام قد أعطى كل إنسان حريته ، لكن ما هي الحرية الصحيحة ؟ إن الحرية الصحيحة هي التحرر من قيود الشيطان ، ومن قيود النفس الأمارة بالسوء ، ولهذا فإن كل من خالف الشرع فإنه رقيق وليس بحر ، والى هذا يشير ابن القيم رحمه الله  في بيت أرى أن يكتب بماء الذهب ، يقول :

هربوا من الرق الذي خلقوا له              وبلوا برق النفس والشيطان

يعني أنهم تحرروا من الرق الذي خلقوا له ، وهو الرق لله عز وجل ، ولكنهم ابتلوا برق النفس والشيطان .

ونحن نقول لمن يطلب حريته في أن يقول ما يشاء : إننا إذا أعطيناك حريتك وقلت ما شئت من الكفر والفسوق والأخلاق الرديئة ، فإنك قد بليت برق آخر وهو رق النفس والشيطان .

ولهذا نقول : إن قمع الكفر ولو تظاهر الإنسان بالإسلام من واجبات الإمام ، وعلى هذا يجب على الإمام أن يجعل له نظراء ينظرون في كل ما يكتب في الصحب والمجلات ، وكل ما ينشر في الاذاعات المسموعة والمرئية ، وكل ما يذكر في الكتب والرسائل المؤلفة ، فيجعل أمناء علماء بالشريعة ويوليهم الحق في النظر في كل ما ينشر في وسائل الإعلام ، ويمنعوا كل شيء يدعو إلى الفسوق والمجون والكفر ، وهذا يجب على الإمام .

اعلم أن معنى قولنا : يجب على الإمام كذا ليس حروفاً تكتب على ورق ، بل هي مسؤولية عظيمة ، يسأل عنها الإمام بين يدي الله عز وجل ، لذا فعليه مسؤولية قمع الكفر بأنواعه وأشكاله .

 

ثم قال المؤلف رحمه الله  تعالى:

174- وأخذ مال الفيء والخراج            ونحوه والصرف في منهاج

______________________________________________

الشرح

ثامناً : قال ( وأخذ مال الفيء والخراج ) أي ويعتني أيضاً بأخذ مال الفيء والخراج ، وهذان مادة بيت المال ، وبيت المال هو عبارة عن الخزانة التي تودع فيها أموال المسلمين ، ومنها مال الفيء .

والفيء ما أفاء الله على المسلمين من أموال الكفار ، وذلك أن المسلمين إذا اغتنموا غنيمة قسمت إلى خمسة أقسام ، أربعة أقسام للغانمين ، الذين جاهدوا وباشروا القتال ، وتقسم بينهم ، للراجل سهم ، وللفارس ثلاثة أسهم ، وللراكب بعير ونحوها سهمان .

والقسم الخامس يقسم أيضاً خمسة أقسام، ذكرها الله عز وجل بقوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ )(الأنفال: الآية41) .

فهي خمس لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا إلى بيت المال ، وأربعة أخماس لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .

وذو القربى قيل : هم قرابة الإمام ، وقيل : بل هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، والصحيح الثاني .

وبناء على هذا التقسيم يكون مال الفيء بالنسبة للغنيمة جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً ، وهذا يجعل لبيت المال في المصالح العامة .

والخراج هو : أن المسلمين إذا غنموا أرضاً - والغنائم إما عقارات وأراض وإما منقولة - وفتحوها بالسيف ، وجلا أهلها عنها فإنها تكون للمسلمين ، ويخير الإمام بين قسمها على ما سبق ، أي تقسم خمسة أسهم ، والخمس الخامس يقسم خمسة أسهم ؛ وبين أن يقفها على المسلمين ، فيجعلها وقفاً ، ويضرب عليها خراجاً .

والخراج يعني الرزق ، قال تعالى : (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المؤمنون:72) والخراج : أن يجعل شيئاً معيناً من الدراهم مقابل مساحة معينة ، وهذا الخراج يؤخذ من كل من تكون هذه الأرض بيده ، سواء انتقلت بالميراث أو ببيع أو بغير ذلك .

وهذه الطريقة اختارها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الموفق للصواب ، عندما قسمت خيبر ، كما في الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال يا رسول الله : ( إني أصبت أرضاً بخيبر ، ولم يكن لي مال أنفس منها ... )، لكن أرض الشام ومصر والعراق التي فتحت في عهد عمر ، رأى رضي الله عنه  ألا تقسم بين الغانمين ، قال : إذا قسمناها بين الغانمين انحصر نفعها بالغانمين ، فيكون أربعة أخماس النفع ، فرأى أنها تبقى بأيدي أهلها عامة ، ويضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي بيده .

ونظير الخراج الأجرة كما لو كان لأحد بيت وأجَّره واحداً من الناس عشر سنوات كل سنة بمائة أي بمبلغ معين ، فهذه الأجرة نظيرها الخراج.

ففي الخراج مثلاً ؛ من أخذ من هذه الأرض مساحة كذا وكذا فعليه كذا وكذا من الدراهم .

وتبقى الأرض بيدهم ، وكل سنة تسلم الدراهم التي جعلت عليها إلى بيت المال ، والمعنيُّ ببيت المال هو الإمام ، ولهذا قال : ( وأخذ مال الفيء والخراج ) فهذا من مسؤوليات الإمام .

لكننا نعلم أنه الآن لم تعد توجد أرض خراجية يستخرج منها فقد تغيرت البلاد ومن عليها ، لكن فيما سبق كانت موجودة ، وتدر هذه الأرضي على بيت المال شيئاً كثيراً .

مسألة : هل يمكن في الخراج المضروب أن يزاد فيه أو هو ثابت ؟

الجواب : اختلف العلماء رحمهم الله فيما وضعه عمر رضي الله عنه ، فمنهم من قال : لا يزاد على ما وضعه عمر لأنه له سنة متبعة ، وأما ما وضعه الخلفاء بعده فإنه لا باس أن يزاد أو ينقص عليه ، والمرجع إلى رأي الإمام في هذه المسألة ، فقد تكون الأراضي مثلاً مرتفعة الأسعار فيزيد في الخراج وقد تكون بالعكس فينقص .

ثم قال رحمه الله  : ( ونحوه ) ، ونحوه بمعنى مثله ، وهي كلمة واسعة عامة كثيرة ، منها مثلاً : إذا مات ميت وليس له وارث ، فإن ماله يذهب لبيت المال ، والمعْني بذلك الإمام ، وكذلك الأموال المجهول صاحبها ، أي الضائعة ولم يعرف لها صاحب ، فإنها أيضاً تكون لبيت المال ، وهلم جرا ، فهناك أموال كثيرة تدر على بيت المال ، وبيت المال يُعنَى به الإمام ، ويجب عليه أن يصرفه في مصالح المسلمين .

وقوله رحمه الله  : ( والصرف في منهاج ) يعني وأيضاً هو يعتني بالصرف في منهاج ، وما أثقل هذا ، فالأخذ سهل على الإمام ؛ فسهل أن يأخذ الخراج من الأراضي ، وسهل أن يأخذ مال من مات وليس له وارث ، كل هذا سهل ، لكن الشاق هو الصرف في منهاج ، أي الصرف في طريق شرعية ، فصرف المال في طريق شرعي هذا من مسؤوليات الإمام .

فيجب على الإمام أن يصرف مال المسلمين في الطريق الصحيح النافع للمسلمين ، فلا يكون جماعاً مناعاً دفاعاً ؛ جماعاً للمال ، مناعاً في بذله في الخير ، دفاعاً في بذله في الشر ، فهذا حرام .(( إن أقواماً يتخوضون في مال الله بغير حق ، لهم النار يوم القيامة )) .

فهذه مما يجب على الإمام من المسؤوليات العظيمة ، وأكبر مسؤولية عليه فيما أرى من هذه الأشياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأن هذا واجب في الحرب والسلم والأمن والخوف والرخاء   والشدة ، وواجب في كل قرية وفي كل مدينة وفي كل طريق ، فلذلك نقول : إن مسؤوليات الإمام عظيمة نسأل الله أن يعين الأئمة على ما فيه الخير .

وهل هذه الإمامة شرط في العبادات بمعنى أنها لا تصح العبادات إلا بإمام ؟ والجواب : لا ، إلا عند الرافضة ، فالرافضة يقولون : لا يمكن أبداً أن نصلي جماعة إطلاقاً حتى يأتي الإمام المنتظر ، هذا الإمام الذي يدعون أنه اختفى في سرداب منذ مئات السنين .

وكل صباح يهيئون فرساً عليه راكب ، معه رمح وخبز وعسل وماء ، فيجلس عند هذا السرداب ينتظر خروج الإمام ، فإذا خرج أفطر بالخبز والماء والعسل ، ثم أخذ الرمح وركب الفرس ، وسار في الأرض يملؤها عدلاً بعد أن ملئت جوراً ، ويسمى هذا الإمام المنتظر .

فيقولون : لا يمكن أبداً أن نصلي جماعة ولا جمعة إلا إذا جاء هذا الإمام المنتظر ، لكن في ظني أنه بعد أن جاء زعيمهم الذي أسس ولاية الفقيه غيَّر هذا الرأي ، وقال : لا يمكن ، أين الإمام المنتظر ؟ لماذا لا نصلي جمعة ولا جماعة حتى يأتي ! ، وصار يأمرهم أن يصلوا مع الجماعات والجمعات ، وهذا طيب وتحول إلى حق والله المستعان .

 

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :

175- ونصبه بالنص والإجماع               وقهره فحل عن الخداع

______________________________________________

الشرح

بعد أن ذكر المؤلف رحمه الله  الفوائد والمصالح من تنصيب الإمام ومسؤولياته ، وأنه لا غنى للأمة عنه ، ذكر في هذا البيت الأمور التي ينصب بها ، وهي :

الأمر الأول : النص :

فإذا نص عليه الخليفة من قِبله فإنه يكون خليفة ، ولا تجوز منازعته ، ولا يحتاج إلى بيعة ؛ لأن بيعته يغني عنها بيعة الأول ، إذ أن بيعة الأول معناها التزام الناس بتصرف الأول ، وإذا تصرف الأول هذا التصرف وقال : إن الإمام من بعدي أو الخليفة من بعدي فلان ، فإنه يكون هو الخليفة دون أن يكون هناك مبايعة .

الأمر الثاني : الإجماع:

وهو إجماع أهل الحل والعقد على بيعته ، كما أجمع أصحاب الشورى الستة الذين وضعهم عمر علي مبايعة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فإذا أجمع أهل الحل والعقد على شخص ونصبوه إماماً ، صار إماماً ، لكن بشرط ألا يكون الخليفة الأول قد نص على شخص معين ، فإن كان قد نص على شخص معين فلا كلام ، لكن لو مات ولم ينص على أحد فإنه يجتمع أهل الحل والعقد ، فإذا أجمعوا على أن فلانا هو الخليفة صار خليفة .

ولا يشترط أن يبايع كل فرد من الأمة ، ولأن هذا شيء غير ممكن ، ولهذا لم يبايع أبا بكر رضي الله عنه إلا أهل الحل والعقد ، ولم يرسل إلى كل مراهق ، ولا إلى  كل عجوز ، ولا إلى كل شاب ، ولا إلى كل رجل أن يبايعه ، ولم يرسل إلى مكة ولا إلى الطائف ولا إلى غيرها من البلاد ، بل ولا إلى أهل المدينة ، بل اكتفى بمبايعة أهل الحل والعقد .

وبهذا نعرف أن من قال من السفهاء الأغرار : أنا لم أبايع ، أنه أخطأ ، فإنه لا يشترط أن يبايع كل واحد من الأمة ، فالمبايعة ليست لكل واحد من الناس ، بل المبايعة لأهل الحل والعقد ، فإذا اجمعوا عليه وبايعوه صار إماما ، ووجب على الجميع التزام أحكام الإمام في هذا الرجل الذي أجمع عليه أهل الحل والعقد ، وذلك مثل عثمان رضي الله عنه ، فقد بويع بإجماع أهل الشورى الذين نصبهم عمر رضي الله عنه .

الأمر الثالث : القهر :

يعني لو خرج رجل واستولى على الحكم وجب على الناس أن يدينوا له ، حتى وإن كان قهراً بلا رضا منهم ؛ لأنه استولى على السلطة ، ووجه ذلك أنه لو نوزع هذا الذي وصل إلى سدة الحكم لحصل بذلك شر كثير . وهذا كما جرى في دولة بني أمية فإن منهم من استولى بالقهر والغلبة ، وصار خليفة ينادى باسم الخليفة ، ويدان له بالطاعة امتثالاً لأمر الله عز وجل .

فهذه هي الطرق التي يكون بها الإمام إماماً  وهي ثلاثة : النص والإجماع والقهر . وإذا قلنا : إن الخلافة تثبت بواحد ، هذه الطرق الثلاث فيعني ذلك أنه لا يجوز الخروج على من كان إماماً بواحد منها أبدا .

ولهذا قال المؤلف رحمه الله  : ( فحل عن الخداع ) يعني لا تخادع ولا تخن إذا ثبتت الإمامة بواحدة من هذه الطرق ، فالإمامة ثابتة بها .

 

ثم قال المؤلف رحمه الله  تعالى:

176- وشرطه الإسلام والحرية              عدالة سمع مع الدرية

177- وأن يكون من قريش عالماً            مكلفاً ذا خبرة وحاكما

______________________________________________

الشرح

قال رحمه الله  : ( وشرطه ) أي شرط الإمام الذي يكون خليفة على المسلمين ، وعدد رحمه الله شروطاً ، وهي :

الشرط الأول : ( الإسلام ) وهذا لابد منه ، فلا يمكن أن يتولى على المسلمين غير مسم أبداً ، بل لابد أن يكون مسلماً .

فلو استولى عليهم كافر بالقهر ، وعندهم فيه من الله برهان أنه كافر ؛ بأن يعلن أن يهودي أو نصراني مثلاً ، فإن ولايته عليهم لا تنفذ ولا تصح ، وعليهم أن ينابذوه ، ولكن لابد من شرط مهم وهو القدرة على إزالته ، فإن كان لا تمكن إزالته إلا بإراقة الدماء وحلول الفوضى ، فليصبروا حتى يفتح الله لهم باباً ؛ لأن منابذة الحاكم بدون القدرة على إزالته لا يستفيد منها الناس إلا الشر والفساد والتنازع ، وكون كل طائفة تريد أن تكون السلطة حسب أهوائها.

الشرط الثاني : ( الحرية ) فيشترط أن يكون حراً ، أما الرقيق فلا ولاية له ؛ لأن الرقيق قاصر ، والرقيق مملوك ، فكيف يكون مالكاً؟ فلو فرض أن العبد الرقيق كان مالكاً خليفة فكيف يتصور موقفه مع سيده ؟! لا شيء لأن سيده مالك له ، وإذا كان هو مملوكاً بمنزلة البعير يباع ويشترى ويؤجر . فكيف يكون هذا إماماً للمسلمين !؟ ، فلابد من الحرية . بل لابد من كمال الحرية ولا يصح أن يكون المبعض إماماً ، لأن هذا الجزء الرقيق منه يمنعه من كمال التصرف .

الشرط الثالث : ( العدالة ) والعدالة هي العدل ، أي أن يكون عدلاً ، والعدالة في اللغة هي : الاستقامة ، وفي الشرع هي : الاستقامة في الدين والمروءة ، يعني أن يكون مؤدياً للفرائض ، مجتنباً للكبائر ، ذا مروءة من الكرم والشجاعة والحزم واليقظة و ما أشبه ذلك .

فإذا لم يكن مستقيماً في دينه فإنه لا يجوز أن يولى ، وهذا الشرط شرط للابتداء ، أي العدالة شرط للابتداء ، بمعنى أننا لا نوليه وهو غير عدل إذا كان الأمر باختيارنا ، أما من ملك وصار خليفة فإن العدالة ليست شرطاً فيه ، ولهذا أذعن المسلمون للخلفاء ذوي الفسوق والفجور ، مع فسقهم وفجورهم وخلاعة بعضهم ، وانحراف بعضهم في الدين ، إلا أنه انحراف لا يصل إلى الكفر .

إذاً فالعدالة هنا شرط للابتداء ، يعني عندما نريد أن ننصب إماماً فلابد أن يكون عدلاً ، أي مستقيماً في دينه ومستقيماً في مروءته .

الشرط الرابع : ( سمع ) ، يعني يشترط أن يكون سميعاً ، فإن كان أصم لا يسمع أبداً فإنه لا يصح أن يكون إماما ، وهذا أيضاً شرط في الابتداء ، فلو أنه صار إماماً ثم حدث له حادث فأصمه ، فإن ولايته باقية ، لكن حينما نريد أن ننصبه لابد أن يكون سميعاً ، وذلك لأن الأصم لا يمكن أن يتم به الحكم ، وإن تم في بعض الأمور لكن لا يكون تاماً كما ينبغي ، حتى وإن كان له وزراء ومساعدون يساعدونه فإنه لا يكفي ، فلابد أن يكون سميعا .

على أن الشرط هو مطلق السمع وإن لم يكن قوياً ، فالمهم أن يسمع ولو كان سماعه بعد التصويت البالغ ، وذلك لأن غير السميع لا يتم به التصرف في الإمامة .

الشرط الخامس : قال : ( مع الدرية ) يعني أن يكون ذا دراية ، يعني ذا فطنة ، ومعرفة بالسياسة ، ومعرفة بالأحوال ، حتى يدير الحكم على ما تقتضيه الشريعة ، وتقتضيه المصالح ، والمصالح لا تنكرها الشريعة ، وضد ذي الدرية المغفل الغبي ، فلا ينصب إماماً وهو مغفل غبي ، يأتيه الصبي فيلعب بعقله.

فلابد لمن يتولى على المسلمين أن يكون عنده دراية ، أي علم بأحوال الناس ،وبمخادعة الناس ، وغير هذا مما تتطلبه الإمامة .

الشرط السادس : قال : ( وأن يكون من قريش ) أي أن يكون الخليفة من قريش ، وهذا أيضاً شرط في الابتداء ، ومع ذلك فقد اختلف العلماء رحمهم الله في اشتراطه ؛ فمنهم ، قال : لابد أن يكون من قريش ، فإن كان من غير قريش ولو كان عربياً فإنه لا يجوز أن يكون إماماً ، وهذا رأي الجمهور .

ومعنى لا يجوز أن يكون إماماً أي لا يجوز أن ننصبه إماماً ، ووجه ذلك انه قد ورد في بعض الأحاديث ، ما يدل على أنه لابد أن يكون من قريش ، ولأن قريشاً أفضل العرب وفيهم أفضل الرسالة ، فكانوا أحق بالإمامة ، كما جعلهم الله تعالى أحق بالرسالة .

الشرط السابع : قال : ( عالما) يعني ذا علم ، والمراد بالعلم هنا العلم بأحوال الخلافة وما تتطلبه الخلافة ، فلا يشترط أن يكون عالماً بالشرع ، وإن كان علمه بالشرع أكمل ، لكنه ليس بشرط ، أما العلم بما تتطلبه الإمامة فلابد منه ، إذ كيف يتصرف من لا يعلم المناسب من غير المناسب ، وهل هذا لابد منه أو مما استغنى عنه ، و ما أشبه ذلك .

الشرط الثامن : ( مكلفاً ) يعني بالغاً عاقلاً ، فلا يجوز أن نجعل صبياً له عشر سنوات خليفة على المسلمين ؛ لأن من دون البلوغ مولى عليه ، فكيف يكون والياً على المسلمين ؟ حتى لو فرض أنه مراهق ، وأنه ذكي فإنه لا يصح أن يتولى إمامة المسلمين لنقصه.

وإن كان مجنوناً فمن باب أولى ألا يجوز به ، فلا يعقل أن نجعل الرجل المجنون خليفة على المسلمين ، فيوماً يجلب عليهم بلية ، ويوما يأمرهم بطامة ، فلابد أن يكون بالغاً عاقلاً .

الشرط التاسع : ( ذا خبرة ) ، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور ، وهي أخص من قوله فيما سبق : ( عالما ) ، وهي أن يكون ذا خبرة في أساليب الحكم ، ومنها أن يكون ذا خبرة فيما يتعلق بالجهاد ، من السلاح وغير ذلك .

وهذه الشروط كما سبق أن قلنا شروط في الابتداء ، إلا الإسلام فإنه شرط في الابتداء والدوام .

الشرط العاشر : ( وحاكما ) وهذا الشرط يعني أن له قوة شخصية حتى يحكم تماماً ؛ لأن من الناس من يكون له علم وخبرة وعدالة ومن قريش وغير ذلك من الشروط ، لكنه ليس بحاكم  ، يلعب به في الحكم ، فيكون حاكماً بلا حكم ، ولا فائدة منه حينئذٍ ، فلابد أن يكون حاكماً ؛ أي ذا شخصية يستطيع بها تنفيذ حكمه.

فهذه شروط عشرة للإمامة ؛ واحد منها شرط للابتداء والاستمرار ، وهو الإسلام ، ويلحق به أيضاً العقل إذ لابد منه ، فلو جن فإنه يجب عزله ، وإقامة غيره ، لكن إذا فسق بعد العدالة ، أو ضعف لكنه يستطيع تدبير الحكم ، فإنه لا تزول ولايته .

 

ثم قال المؤلف رحمه الله  تعالى: :

178- فكن مطيعاً أمره فيما أمر             ما لم يكن بمنكر فيحتذر

______________________________________________

الشرح

قوله : (كن ) يعني أيها الإنسان ، ( مطيعاً أمره ) أي أمر الإمام ، ( فيما أمر ) يعني في كل ما أمر به ؛ لأن ( ما ) اسم موصول ، واسم الموصول يفيد العموم ، أي في جميع ما يأمر به ، ( ما لم يكن بمنكر ) فإن أمر بمنكر فلا طاعة له .

والنصوص في هذا من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم معلومة مستفيضة مشهورة .

من ذلك قوله تعالى : ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)(النساء: الآية59) ، ومن السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أمر )) ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك )) وغير ذلك كثير .

وتعليل ذلك انه لو عصي الإمام لصار الناس فوضى ؛ إذ لا فائدة في أمام لا يؤتم به . فلابد من طاعة ولي الأمر .

لكنه يقول : ( ما لم يكن بمنكر ) والمنكر نوعان : إما فعل محرم وإما ترك واجب ، فلو أمر بترك الواجب ، وقال : لا تصلوا مع الجماعة مثلاً . فإنه يقال : لا سمع ولا طاعة ، ونصلي مع الجماعة.

ولو أمر بمنكر بأن قال مثلاً : يا فلان في البلد نصارى كثيرون، والنصارى لا يحرمون شرب الخمر ، فافتح لهم معملاً للخمر حتى يشربوا ، كما أنك تشرب المرطبات ، وما أشبهها ، فلا يطاع في ذلك حتى ولو أمر به ؛ لأن هذا معصية لله عز وجل ، وقد قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء: الآية59) فلم يعد الفعل مع أولي الأمر ، ولم يقل : وأطيعوا أولي الأمر ، فدل ذلك على أن  طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله ورسوله ، فإذا أمروا بالمعصية فلا سمع ولا طاعة.

أما إن اكرهوا على المعصية ، مثل أن يقولوا : احلق لحيتك وإلا حبسناك ، فإنه تباح المعصية للإكراه ؛ لأن الله أباح الكفر للإكراه ، لكن بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان ، فهنا أيضاً المعصية إذا أُمرت بها وأكرهت عليها فافعل ، بشرط أن يكون قلبك مطمئناً بأن هذا معصية لله ، ولولا الإكراه ما فعلت .

وهذا من رحمة ارحم الراحمين سبحانه وتعالى ، إن الإنسان عند الإكراه يفعل ما اكره عليه .

لكن إذا اكره الإنسان على الفعل فهل يفعله دفعاً للإكراه أو يفعله للإكراه ؟ قال بعض العلماء : لابد أن ينوي أنه يفعله دفعاً للإكراه لا للإكراه ولكن الصحيح أنه ليس بشرط أن يفعله دفعاً للإكراه، بل الشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالأيمان وبحكم الله عز وجل ؛ لأن كونه يريد بذلك دفع الإكراه لا يتسنى لكل أحد ، فلا يتسنى إلا لطالب علم يعرف ، ثم إن طالب العلم قد يكون المقام لهوله وشدته منسياً له عن هذه الإرادة ، فالصواب أنه يفعله للإكراه لا اختياراً له ، لا لدفع الإكراه .

والفرق أن فعله لدفع الإكراه يعني لا يريد به إلا أن يدفع إكراه هذا الرجل ولا يريد الفعل ، أما فعله للإكراه فيعني أنه يريد الفعل ، لكن لأنه مكره لا اختياراً للفعل ، فالأول لم ينو الفعل أصلا ًإنما هو مدافع فقط أي يدافع الإكراه ، والثاني نوى الفعل لكن من أجل الإكراه وقلبه مطمئن .

وهناك مرتبة ثالثة وهي أن يفعل الفعل مع الاطمئنان إليه فهذا له حكم الفاعل بدون إكراه.

وقد يقول قائل : إن هذه مسألة فرضية ولا يمكن أن توجد . لكن نقول : أنها قد توجد ، فقد يكون الرجل يكره المعصية التي أمر بها ، لكن يجعل الإكراه سبباً مبيحاً ، فهو يريد المعصية لكنه قبل الإكراه لا يفعلها ، فيجعل الإكراه سبباً لاستباحتها.

مثال ذلك : لو فرضنا أن رجلاً يحب الزنا والعياذ بالله ويريده ، لكن ما دام لم يحرض فهو مجتنب له ، فإذا جاء أحد يكرهه سواء من المرأة نفسها أو من غيرها ، فعله حباً له وتعلل بأنه مكره ، وهذا أمر يقع .

ولذلك قال الفقهاء رحمهم الله : إن الرجل إذا اكره على الزنا فزنى فإنه تجب إقامة الحد عليه ، ولو أكرهت المرأة لم تجب إقامة الحد عليها ، وعللوا ذلك فقالوا : لأن الرجل لا يمكن أن يجامع إلا إذا انتشر ذكره ، ولا انتشار إلا بإرادة ، فكأن هذا الرجل يريد الزنا لكنه يخشى من اللوم .

 

فصل

في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامة هذه الأمة ، ورمز شرفها وفضلها ، لقول الله تبارك وتعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(آل عمران: الآية110) ، وقال تعالى في بني إسرائيل : (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ )(المائدة: الآية79)

حتى إن بعض العلماء ذكره من أركان الإسلام هو والجهاد ، وذلك لأنه أمر عظيم لا تقوم الأمة إلا به ، ولا يحصل الائتلاف إلا به ، قال الله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104)(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105) فدل ذلك على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجب للاختلاف ، وهذا ظاهر لأننا إذا جعلنا كل واحد يعمل كما شاء تفرقت الأمة .

فإذا التزمت الأمة جميعاً على العمل بدين الله ائتلفت واتفقت ، وهذا هو السر في قوله تعالى : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ )(آل عمران: الآية105) بعد قوله : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) .

ولابد هنا أن نعرف ما هو المعروف وما هو المنكر :

أما المعروف : فهو ما عَرفه الشارع وأقره وأمر به ؛ فكل ما أمر الله به فهو معروف .

والمنكر : هو ما نهى الله عنه ، فكل ما نهى الله عنه فإنه منكر ، يعني وهو منكر ؛ لأن الشرع أنكره والنفوس السليمة والعقول المستقيمة كذلك تنكره .

قال بعض العلماء : إن الله ما أمر بشيء فقال العقل : ليته لم يأمر به  وما نهى عن شيء فقال العقل : ليته لم ينه عنه ، وهذا يعني أن المأمورات موافقة ومطابقة للعقول الصريحة ، وكذلك المنهيات ، لكن العقل لا يمكن أن يحيط بتفاصيل المصالح والمفاسد حتى يستقل بالأمر والنهي ، ولذلك لابد من الشرع ، والإنسان إذا لم يقس الأمور بالشريعة ضل .

أما حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو فرض كفاية ، إن قام به من يكفي سقط عن الباقين ، وإن لم يقم به من يكفي تعين على الجميع ، لقول الله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ)  و ( من ) هنا قيل : إنها للتبعيض ، يعني وليكن بعضكم ، وقيل : إنها لبيان الجنس ، فتكون للعموم ، يعني كونوا أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وتؤمن بالله .

وإذا تتبعت موارد الشريعة عرفت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية ، لكن من رأى المنكر فلينه عنه ، ومن رأى الإخلال بالمعروف فليأمر به ، ومن رأى من ينهى عن منكر فلا يجب أن ينهى هو أيضاً عنه ؛ لأنه حصل بهذا الناهي الكفاية ، إلا إذا رأينا الذي أنكر عليه لم يمتثل ، فحينئذٍ يتعين أن يساعد هذا الناهي .

 

ثم قال المؤلف رحمه الله  تعالى:

179- واعلم بان الأمر والنهي معا          فرضا كفاية على من قد وعى

180- وإن يكن ذا واحد تعينا              عليه لكن شرطه أن يأمنا

______________________________________________

الشرح

من المعلوم أنه إذا صُدرت الجملة باعلم فهو دليل على الاهتمام بها والعناية بها ، ومن ذلك قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)(محمد: الآية19) ، وقوله تعالى : (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:98)  وقوله تعالى :(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ )(الحديد: الآية20)

فالمؤلف رحمه الله  هنا صدر حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله  ( واعلم ) يعني أيها المخاطب ( بأن الأمر والنهي معاً ) أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ( معاً ) أي جميعا ، ( فرضا كفاية ) ؛ (فرضا): خبر أنَّ مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى ، وقد قيل إن مثل هذا التعبير غير صحيح ، وذلك لأن فرض مصدر والمصدر لا يجمع ولا يثنى حتى وإن وقع خبراً أو وقع وصفاً ، قال ابن مالك رحمه الله  :

ونعتوا بمصدر كثيرا                 فالتزموا الإفراد والتذكيرا

لكن يسهل تثنيته أو جمعه أنه بمعنى اسم المفعول ، واسم المفعول يجمع ويثنى ويفرد ، فمعنى فرضا كفاية : أي مفروضاً كفاية ، وعلى هذا سهل أن يثنى وهو مصدر .

وقوله : ( فرضا كفاية ) معناه أن المقصود حصول الفعل بقطع النظر عن الفاعل ، فإذا وجد الفعل فلا يهمنا أن يكون الفاعل واحداً أو اثنين أو  ثلاثة أو أكثر ، المهم أن هذا الفعل يوجد ، ومعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقصد إيجاده فقط بقطع النظر عن القائم به ، وحده أهل العلم بقولهم فرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين .

واختلف العلماء رحمهم الله أيهما أفضل فرض الكفاية أو فرض العين ؟ فقال بعضهم : فرض الكفاية أفضل ؛ لأن الإنسان يقوم به عن نفسه وعن غيره ، وأما فرض العين فلا يقوم به إلا عن نفسه فقط .

ولكن الصحيح أن في ذلك تفصيلاً ؛ فأما من حيث التأكد ومحبة الله للفعل ففرض العين أفضل ، ولذلك أوجبه الله على كل واحد . وأما من حيث إن القائم بفرض الكفاية قام عن الباقين فهو أفضل ؛ لأنه اسقط به الفرض عن نفسه وعن غيره .

وقوله : ( على من قد وعى ) أي على من كان واعياً ، أي عاقلاً ، ولم يذكر المؤلف رحمه الله  إلا شرط العقل ، ويمكن أن يقال : بل المراد بالوعي ما هو أعم من العقل ، فالمراد العاقل العالم ، وذلك لأن شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر مما ذكره المؤلف رحمه الله  ؛ فمن الشروط ما يلي:

الشرط الأول : أن يكون الإنسان عالماً بأن هذا منكر ، يعني أنه قد أنكره الشرع ، فلا يجوز أن يحكم بالذوق أو بالعاطفة أو ما أشبه ذلك ؛ لأن المرجع في هذا إلى الشرع ، والدليل على ذلك قوله تعالى :(وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )(الإسراء: الآية36)

ونضرب مثلاً لذلك بأنه أول ما ظهرت مكبرات الصوت في المساجد ، أنكرها بعض الناس ، وقال : إن هذا حرام فهذا بوق اليهود تماماً ، ونحن إذا صلينا واستخدمناه فإننا نتشبه باليهود في عبادتنا ولكن الصواب أن هذا ليس من أبواق اليهود ، وليس هذا إلا نقل الصوت على وجه أوسع فقط ، وكما أن الإنسان يضع نظارة على عينه فتكبر الحروف ، فإنه هنا يضع إمامه لاقطة تكبر الصوت ، ولا فرق .

إذاً فلابد أن يعلم من ينهى أن هذا الذي ينهى عنه محرم ، حتى إننا رأينا أيضاً من يقول : إنه يحرم على الإنسان تحريماً باتا قاطعاً أن يستمع إلى القرآن من الشريط المسجل ؛ لأن الشريط المسجل ليس له أجر ، وأنت لابد أن تستمع إلى إنسان يؤجر فتؤجر معه ، وهذه تعاليل عليلة ، ثم يذهب هؤلاء ينكرون حتى على أهلهم إذا دخلوا بيوتهم ورأوهم يستمعون إلى القرآن وهذا غير صحيح .

إذاً لابد أن نعلم أن هذا الذي ننكره أنكره الشرع ، ثم إننا إذا رأينا من يفعل منكراً في رأينا ، لكنه ليس منكراً عند غيرنا ، ونحن نعلم أن هذا الرجل الذي تلبس بما نراه محرماً يرى أنه حلال ، فإنه لا يلزمنا أن ننكر عليه ما دامت المسألة فيها مجال للاجتهاد.

مثال ذلك : إذا رأينا رجلا يرمي الجمرات في الليل ، ونحن نرى أنه لا يرمى بالليل في أيام التشريق ، وكنا نعرف أن هذا الرجل يرى أنه يجوز الرمي ليلاً ، فلا يجب علينا أن ننكر عليه ؛ لأن المسألة فيها مجال للاجتهاد فلا ننكر عليه.

وكذلك إذا رأينا رجلا يشرب الدخان ، وهو يرى بدليل شرعي أنه حلال ، فلا يجب أن ننكر عليه ما دمنا نعلم أنه يقول : إنه حلال ؛ لأن هذا فيه مجال للاجتهاد .

وكذلك إذا رأينا امرأة كاشفة وجهها ، وهي ترى أنه يجوز كشف الوجه للرجال الأجانب فلا ينكر عليها لأنها تعتقد أن هذا هو الدين ، لكن لنا أن نمنعها إذا كانت في بلد محافظ وأهله يرون أنه لابد من تغطية الوجه ، ولا يكون ذلك من جهة أنه حرام عليها في الشرع لأنها تعتقد أنه حلال ، لكن من جهة أن هذا يفسد علينا النساء .

ولهذا قال العلماء رحمهم الله : يجوز أن نقر أهل الذمة على شرب الخمر ما لم يعلنوه في أسواقنا ، فإن أعلنوه منعناهم للإعلان لا لأنه حرام ؛ لأنهم معتقدون أنه حلال ، وهذه المسألة يجب التفطن لها . صحيح أننا لا ننكر على غيرنا اجتهاده ما دامت المسألة فيها مساغ للاجتهاد ، لكننا نمنع ما يكون ضرراً علينا .

إذاً لابد أن نعلم أن هذا الذي ننكره منكر ، ولابد أيضاً أن يكون الذي ننكر عليه يرى أنه منكر ، فإن كان لا يرى أنه منكر ، وهو مما يسوغ فيه الاجتهاد فإنه لا يلزمنا أن ننهى عنه ؛ لأن الدين يسر ، والصحابة رضي الله عنهم وهم أجل منا قدراً وأحب للائتلاف والاجتماع منا ، لا ينكر بعضهم على بعض في مسائل الاجتهاد ، وإن كان الحاكم منهم الذي يتولى الحكم قد ينكر على غيره الاجتهاد خوفاً من أن يشيع في المجتمع ، كما أنكر أحدهم على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مسألة المتعة ؛ لأن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يرى جواز المتعة للضرورة ، ولكن القول الذي عليه أهل العلم - عامتهم أو أكثرهم - أنه لا يجوز للضرورة ؛ لأنه يمكن للإنسان أن يعقد النكاح عقداً شرعياً .

الشرط الثاني : أن نعلم أن هذا الفاعل فاعل للمنكر وهو منكر في حقه ؛ لأنه قد يكون منكراً عندنا وعنده ، ولكنه في حال يباح له أن يمارس هذا المحرم ، والدليل على ذلك قوله تعالى :(وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )(الإسراء: الآية36)

مثال ذلك : (( إنسان يأكل لحم ميتة )) عند الجميع ، لكن هذا الرجل مضطر إن لم يأكل مات ، فلا ننكر عليه إذا أكل ، إذاً لابد أن نعلم أن هذا الفاعل للمنكر قد فعله وهو منكر في حقه .

وكذلك نقول في الأمر بالمعروف : إنه لابد أن نعلم أن هذا التارك للمعروف تركه وهو معروف في حقه ، ولهذا لما دخل الرجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب وجلس ، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بداية ، بل سأله صلى الله عليه وسلم أولاً قال : (( أصليت ؟)) قال : لا

إذاً لا نأمر بالمعروف حتى نعرف أن هذا الذي تركه في حال يؤمر فيها ؛ لأنه قد تقول لرجل دخل المسجد : قم صل ، فيقول صليت ، ففي هذا تسرع والأولى أن تسأله أولاً .

ومثل ذلك يقال في الواجب ؛ فلو أن رجلاً أكل لحم إبل ، وقام يريد أن يصلي ، وترك الوضوء مع أن وضوءه من لحم الإبل معروف ، فإذا كنت أعلم أن يرى أنه لا يجب الوضوء منه فلا آمره ؛ لأنه يقول : أنا لا أرى الوجوب .

إذاً لابد أن نعلم أن هذا التارك للمعروف يرى أنه معروف ، أما إذا كان لا يرى أنه معروف ، ويقول : الأمر ليس للوجوب فلا آمره . لكن لي أن آمره على سبيل الاستحباب ، فأقول : يا أخي أنت ترى أنه ليس واجباً ، لكن الاحوط والأولى بك أن تتوضأ .

الشرط الثالث : ألا يتغير المنكر إلى ما هو أنكر منه ، وفي هذا القمام تكون أربعة أحوال إذا نهينا عن المنكر : إما أن يزول بالكلية إذا نهينا عنه ، أو يقل ، أو يتغير إلى منكر مساوٍ له أي مثله ، أو يتغير إلى أشد .

فإذا كان يزول بالكلية أو يقل فالنهي عن هذا المنكر واجب ؛ لأن إزالة المنكر والتقليل منه واجب ، فيجب أن ننهى . أما إذا كان يتغير إلى مثله ؛ مثل لو نهينا شخصاً عن السرقة من آخر فذهب يسرق من ثالث ، فهنا تغير المنكر لكن إلى مثله مساوٍ له ، فهنا لا ننهاه ما دمنا نعلم أنه لابد أن يفعل .

ولو أن هناك سلطاناً جائراً يريد أن يضرب ضريبة على التجار ، فضرب على رجل فنهيناه عن الضريبة لأنها حرام، فقال : حرام أن نأخذ من هذا إذاً نأخذ من آخر ، فهذا لا ننهاه ؛ لأنه لا فائدة من النهي .

ولو قال قائل : إلا يمكن أن يكون تغيره من حال إلى حال سببا لإقلاعه عنه ؟ قلنا : إن صح ذلك وجب النهي ، أما إذا لم يصح فيقال : ليس بواجب .

لكن هل يخير الإنسان بين أن ينهى أو يترك ؟ وأيهما أرجح النهي أو الإمساك ؟ ، الظاهر أنه ينظر إلى المصلحة .

أما إذا كان المنكر يتغير بالنهي إلى أنكر منه ، فإنه لا ينهى عنه ، وذلك مثل أن نرى رجلاً أحمق ينظر إلى النساء ، ونعلم إننا لو نهيناه عن النظر إلى النساء لذهب يغمزهن ، فهذا الثاني أنكر من الأول ، ولهذا فإننا لا ننهاه عن النظر .

ويدل لهذا قوله تبارك وتعالى : (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ )(الأنعام: الآية108)وجه الدلالة في الآية أن سب آلهة المشركين خير وواجب ، فإذا كان يتضمن شراً أكبر منه ترك سبهم ، ولما كان سب آلهة المشركين يؤدي إلى أنهم يسبون المنزه عن كل عيب وهو الله عز وجل ؛ يسبونه عدواً بغير علم ، ونحن إذا سببنا آلهتهم سببناها حقاً بعلم ؛ وسببناها عدلاً بعلم وليس عدواً بغير علم ، لكن لما كان هذا يتضمن شراً أكبر نهى الله عنه.

وقد مر شيخ الإسلام رحمه الله وصاحب له بجماعة من التتار يشربون الخمر ويسكرون ، وكان شيخ الإسلام رحمه الله لا تأخذه في الله لومة لائم فقال له صاحبه : لماذا لم تنههم ؟ قال : هم الآن يشربون الخمر وضررهم على أنفسهم ، لكن لو نهيناهم وصاروا منتبهين ، ذهبوا يقتلون رجال المسلمين ، ويأخذون أموالهم ، ويعتدون على أعراضهم ، وهذا أعظم ضرراً من شربهم الخمر ، فتركهم يشربون الخمر حتى لا يعتدوا على المسلمين ، وهذا من فقهه رحمه الله  ، وهذا واضح عند التأمل ، وليس فيه إشكال .

والحاصل أن يشترط إلا يتحول المنكر إلى ما هو أنكر منه ، فإذا كان كذلك حرم النهي ؛ لأن كونه ينتقل إلى مفسدة أعظم هذا حرام .

فالشروط إذا هي :

أولاً : العلم بأن هذا منكر .

ثانياً : العلم بحال الرجل وأنه ارتكبه وهو منكر في حقه .

ثالثاً : العلم بأنه ارتكب منكراً ، وهذا غير العلم بأنه ارتكب منكراً في حقه .

رابعاً : ألا يتغير إلى أنكر منه ، فإن تغير إلى أنكر منه فإنه لا يجوز أن ينكر .

وقول بعض العلماء رحمهم الله : لا إنكار في مسائل الاجتهاد ، مبني على ما ذكرنا من الشروط ؛ وذلك لأن المسائل الاجتهادية ليس فيها إنكار ما دام يسوغ فيها الاجتهاد ، أما ما لا يسوغ فيه الاجتهاد فإنه ينكر على فاعله ، ولو قال : لقد أدى بي اجتهادي إلى كذا وكذا ، يقال : لا محل للاجتهاد والنص في صريح .

فلو قال قائل في قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ )(المائدة: الآية3) لا حرج في أكل ميتة الظبي والأرنب لأن الله تعالى قال :(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ )(المائدة: الآية3)بعد أن قال : ( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ)(المائدة: الآية1)فيكون معنى الآية حرمت عليم الميتة من بهيمة الأنعام ، وزعم أنه مجتهد في ذلك ؟

فيجاب عليه بأن هذا لا يسوغ فيه الاجتهاد ؛ لأن العلماء رحمهم الله مجمعون على أن جميع الميتات حرام ، وما لا يسوغ فيه الاجتهاد لو زعم فاعله أنه مجتهد فيه ، قلنا له : لا قبول .

والذين أنكروا صفات الله عز وجل إما كلية أو جزئية ،ننكر عليهم . فإذا قالوا : هذا اجتهادنا ، وعقولنا ترفض أن تكون لله عين أو يد أو وجه أو قدم ، نقول : إن المرجع في الأمور الغيبية إلى النقل المجرد لا إلى العقول ، فالشيء الغيبي عنك كيف تحكم عقلك فيه ؟! ثم هو شيء غيبي أيضاً لا يمكن إدراكه ، قال تعالى : ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(طـه: الآية110) فهذا لا يسوغ فيه الاجتهاد ، ثم أين الاجتهاد في هذا في عهد الصحابة رضي الله عنهم التابعين ؟

وعلى ذلك فقول بعض العلماء : (( لا إنكار في مسائل الاجتهاد)) ليس على إطلاقه ، بل المراد ما يمكن أن يجتهد فيه ، وأما ما لا يمكن ففيه الإنكار .

الشرط الخامس : القدرة ، وفي ذلك يقول المؤلف : ( لكن شرطه أن يأمنا ) فيشترط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القدرة ، وهذا شرط في جميع العبادات ، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(التغابن: الآية16)وقوله الله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)(البقرة: الآية286)، وقوله تعالى في المسألة الخاصة :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )(آل عمران: الآية97)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ))، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة الخاصة لعمران بن حصين : (( صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنبك )) .

إذا الدليل على هذه المسألة من القرآن قواعد وأمثلة ، فالقواعد : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ، و(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) ، والأمثلة : مثل الحج قال تعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) . وفي السنة : ( صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنبك ))، وهناك أيضاً أمثلة أخرى : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ )(النور: الآية61)) ، و (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ )(التوبة: الآية91) وذكر الله الهجرة وتوعد على من تركها : (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (النساء:98) (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ )(النساء: الآية99).

والمهم أن هذه القاعدة لها أمثلة في القرآن والسنة ، ومن جملة ذلك : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنه لابد فيه من الاستطاعة ؛ فمن لم يستطع أن يأمر وينهى سقط عنه ؛ إما لكونه رجلا ًعاجزاً عن القول والإشارة ، أو لكونه قيل له : إنك إن أمرت بمعروف أو نهيت عن المنكر قصصنا لسانك أو سجناك ، فهذا عاجز تسقط عنه الواجبات .

إذا شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خمسة ؛ شرط عام في كل عبادة وشروط خاصة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والشرط العام هو القدرة ، ولهذا قال المؤلف رحمه الله  : ( شرطه أن يأمنا ).

 

ثم قال رحمه الله  تعالى:

181- فاصبر وزل باليد واللسان            لمنكر واحذر من النقصان

______________________________________________

الشرح

قوله رحمه الله  : ( فاصبر ) ، الصبر : حبس النفس عن التسخط وعن الحجام ، فلا تحجم ولا تتسخط ، وهذا مأخوذ من قوله تعالى : في سورة لقمان : (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان:17)  فلابد من صبر .

وإنما أمر الله بالصبر عند ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشارة إلى أن  الآمر والناهي سوف يلقى الأذى ، وربما يلقى الضرر ، فيقال للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مثلاً : هذا متشدد ، هذا مطوع ، ويقال هذا على سبيل السخرية ، وسيتكلم الناس عليه بكلام كثير .

فموقف الآمر الناهي في ذلك كله هو الصبر ، وليعلم أنه ما أوذي أذية في ذلك إلا كتب الله له فيها أجراً ، وقربه إلى العاقبة الحميدة ، لأن الله تعالى قال : (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (هود:49) .

وكلما اشتد الأذى قرب الفرج ، ومعنى قرب الفرج : أن يفرج الله عنه معنى وحساً ، أما التفريج حسا فظاهر ؛ بأن يزول عنه الكبت والمنع والأذى ، وأما معنى - وهو أهم - فبأن يشرح الله صدره ، ويعطيه الطمأنينة في قلبه ، ويصبر ويحتسب ، ويرى العذاب في ذات الله عذباً.

ويقال إن شيخ الإسلام رحمه الله لما حبسوه وأغلقوا عليه الباب ، قال ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)(الحديد: الآية13) وقال رحمه الله  : (( ما يصنع أعدائي بي ؛ إن حبسي خلوة ، ونفيي سياحة ، وقتلي شهادة )) أي حال يفعلونها بي فهي خير لي.

وهذا أيضاً مما يفرج الله به عن الإنسان إذا كبت وأوذي وعذب في ذات الله ، فمن أقوى التفريج عنه أن يشرح الله صدره لما وقع عليه ، وكأن شيئاً لم يكن .

لذا نقول للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر : اصبر على الأذى فالفرج قريب ، ولا تيأس من رحمة الله ، أنت تقاتل بسيف الله ، وإنك تدعو بدعوة الله ، فاحتسب ، ولو شق عليك نفسياً أو جسمياً فاصبر واصبر .

قوله(وزل باليد واللسان) زل أصلها أزل (لمنكر واحذر من النقصان) هذا مرتبة أخرى غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي مسألة التغير ، والتغير ليس كالأمر والنهي .

ولكي يتبين لنا الفرق بين الأمر أو النهي والتغيير نضرب مثالاً بشخص رأى آخر معه زمارة من آلات اللهو ؛ يزمر بها ويرقص عليها ، فقال له : يا فلان اتق الله ، هذا حرام ولا يحل ، فهذا نسميه نهياً عن المنكر ، وإذا جاءه مرة أخرى فرآه أيضاً معه الزمارة فأخذها وكسرها ، فهذا يسمى تغييراً ، إذاً فمقام المغير أقوى من مقام الآمر والناهي .

وكذلك إذا رأيت رجلاً لايصلي مع الجماعة مع وجوبها عليه ، فقلت له : يا أخي اتق الله وأقم الصلاة مع المسلمين ، فهذا يسمى أمراً بالمعروف ، ثم إذا جئت مرة ثانية ووجدته لم يخرج من بيته فقرعت الباب عليه ، فإذا أبى كسرت الباب ثم جررته إلى المسجد ، فهذا تغيير .

لكن هذا الأخير ليس كل أحد يطيقه على خلاف الأول ، فكل أحد يطيقه إلا ما ندر ، ولهذا جاء التعبير النبوي : (( فإن لم تستطع )) ولم يأت حديث واحد فيه : ( مروا بالمعروف فإن لم تستطيعوا ) فدل ذلك أن التغيير شيء والأمر شيء آخر .

وقوله : ( فاصبر وزل باليد واللسان ) واليد في وقتنا هذا لا تكون إلا من ذي سلطان ، وإنما كان الأمر كذلك لئلا يصبح الناس فوضى .

وعلى كل حال فنحن نقول : إن التغيير شيء لا يكون إلا من ذي سلطان وهو حق ؛ لأنه لو جعل التغيير باليد لكل إنسان لأصبح من رأى ما يظنه منكراً منكراً عنده ، فأتلف أموال الناس من أجل أنه منكر ، فمثلاً يرى بعض الناس أن المذياع منكر ، فإذا مر هذا برجل قد فتح المذياع يسمع الأخبار ، وقلنا غير باليد ، فإنه يكسر المذياع مع أنه ليس له حق في أن يكسره .

فلو جعل التغيير في وقتنا الحاضر لغير ذي سلطان لأصبح الناس فوضى ، وتقاتل الناس فيما بينهم .

ومنذ سنوات حدث أن دخل حاج من الحجاج إلى مسجد مطار جدة ومعه مذياع ، فقام رجل حبيب طيب ينهى عن المنكر أمام المصلين ، وقال : نعوذ بالله ؛ يأتي أحدكم بالمذياع مزمار الشيطان ويجعله معه في المسجد ... وهو مذياع فيه تسجيل . فهذا لعله يسمع أخباراً يسجلها تنفعه ، فقام الحاج يتكلم كلاماً عظيماً منبهراً : هل هذا حرام؟! نحن جئنا لنحج ولا نبتغي الحرام.

فقلت لهم : اطمئنوا فإنه حلال إن شاء الله ، لكن إياكم أن تفتحوه على الأغاني والموسيقى ، فإن هذا حرام ، أما الأخبار والقرآن والحديث فهذا ليس فيه شيء ، فالقرآن والحديث طيب والأخبار من الأمور المباحة ، فأقول : إن بعض الناس يظن ما ليس منكراً منكرا ، فلو قلنا : غير باليد ، كسر هذا المذياع أو المسجل أو الذي يرى أنه منكر .

ولهذا نقول : الإزالة باليد أو التغيير باليد في الوقت الحاضر لايكون إلا من ذي سلطان ، والسلطان من أعطاه ولي الأمر صلاحية في ذلك ، وعلى هذا فرجال الحسبة الموجودون عندنا يكون لهم السلطة .

وقوله : ( فاصبر ) ، اصبر أمر بالصبر ، لأن  المقام يحتاج إلى الصبر ولهذا قال الله تعالى : (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ)

.... وزل باليد واللسان           لمنكر واحذر من النقصان

هذه مراتب التغيير غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد سبق أن هناك ثلاث مراتب ؛ الدعوة والأمر والنهي والتغيير .

فالدعوة أن يدعو الإنسان إلى الله عز وجل ترغيباً وترهيباً ،دون أن يوجه أمراً معينا لشخص معين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ما يوجه إلى شخص معين أو طائفة معينة وما أشبه ذلك ، لكن فيه أمر ؛ افعلوا ، اتركوا .

فلو قام رجل بعد صلاة الظهر مثلاً يدعو الناس ، ويرشدهم إلى الله ؛ يبين الحق ويرغب فيه ويبين الباطل ويحذر منه ، فإن هذا يقال : إنه داع إلى الله ، ولو رأينا رجلاً يقول لشخص : يا فلان افعل كذا ، يا فلان اتق الله ، اترك كذا ؛ فإن هذا آمرٌ وناهٍ.

أما التغيير فهو أن يغير الإنسان منكراً بنفسه ، بأن يكون دعا صاحب المنكر إلى تركه ولكن أبى ، أو أمر تارك المعروف أن يفعله ولكن أبى ، فهذا يغير ؛ بأن يُضرب ويحبس ويكسر آلة اللهو وما أشبه ذلك .

وقد قيد الرسول عليه الصلاة والسلام التغيير ، ولم يقيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال : (( والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا )) ، وما قال : إن استطعتم ، لكن قال : (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه))

إذاً فالتغيير غير الدعوة والأمر أو النهي ؛ فالتغيير فيه سلطة وقدرة ، والأب في بيته داعٍ آمر مغير ، لأن له سلطة ، ورجل الحسبة في المجتمع داعٍ وآمر ومغير ، لكن ليس التغيير لكل أحد ، فما كل أحد يستطيع أن يغير ، فقد يغير الإنسان ويلحقه من الضرر ما لا يعلمه إلا الله ، بل يلحق غيره أيضاً ممن لم يشاركه في التغيير كما هو الواقع .

ولهذا قال المؤلف رحمه الله  هنا : ( زل باليد ) أي غير باليد ، فإن لم تستطع قال : ( واللسان ) ، والمؤلف رحمه الله  رتبها ترتيباً محلياً لا لفظياً ، فلم يأت بثم الدالة على الترتيب ، أو بالفاء ، أو ما أشبه ذلك ، لكن تقديم بعضها على بعض يدل على الترتيب ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الصفا والمروة من شعائر الله . أبدا بما بدأ الله به ))، مع  أن الله قال : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ )(البقرة: الآية158) ولم يقل ثم المروة . إذاً فالأول : التغيير باليد ، والثاني : التغيير باللسان .

والتغيير باللسان ليس أن تقول : يا فلان لا تفعل هذا اتق الله ، بل أن تنتهره ، وأن تريه سلطة وقدرة استعلاء بالحق ، فهذا التغيير باللسان .

ثم قال المؤلف رحمه الله  : ( لمنكر واحذر من النقصان ) - النقصان هو أن تغير بالقلب ؛ لأنه اضعف الإيمان . لكن هل الإنسان يمكن أن يغير بالقلب ؟ ، الجواب : نعم ، يمكن ؛ بالكراهة للمنكر وعدم مخالطة فاعليه ، لقول الله تبارك وتعالى : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ )(النساء: الآية140) إنكم إذاً - أي إذا قعدتم - مثلهم .

فإذا فرضنا أن قوماً يلعبون الشطرنج ومعهم رجل صالح ، فقال : يا قوم اتقوا الله ، هذا حرام لا يجوز ، قالوا : لن ندع هذا ، فلا يجوز أن يجلس معهم ، لكنهم إذا قالوا له : إن خرجت سنفعل بك كذا وكذا فجلس ، فلا يأثم لأنه مكره على الجلوس ، فإن قال : أنا لم اكره على الجلوس لكن أخشى إن ذهبت أن يقع بيني وبينهم عداوة ، فإننا نقول له : وليكن ، إنك إذا عاديتهم لله ، فإنه لا يضرك ، فإن قال : أخشى أن يقع بيني وبينهم قطيعة رحم ، فنقول : لا يقع بينك وبينهم قطيعة رحم ، صلهم أنت فإن صلة الرحم من قبلك ممكنة ، وليست متعذرة ، وأنت إذا وصلتهم وهم يقطعونك فكأنما تسفهم المل ، كما جاء في الحديث .

فالحاصل أن التغيير له ثلاث مراتب ؛ الأول باليد والثاني باللسان والثالث بالقلب ، ومعنى التغيير بالقلب : الكراهة وعدم المخالطة .

 

ثم قال المؤلف رحمه الله  تعالى:

182- ومن نهى عما له قد ارتكب          فقد أتى بما به يقضى العجب

______________________________________________

الشرح

قوله : ( من ) شرطية ، و ( فقد ) جواب الشرط ، ( عما له قد ارتكب ) في بعض النسخ ( عن ما ) وهذا غلط ، ؛ لأن ألذ يقرؤها على هذا يحسبها عن ماله ، وقوله  ( ومن نهى عما له قد ارتكب ... الخ ) ، أي : عن الذي هو يرتكبه ، وهنا يقصد المؤلف أن من ينهي عن شيء وهو يرتكبه ، فإنه فعل ما يدعو إلى العجب .

فمثلاً إذا نهى الإنسان عن شيء يرتكبه ،مثل أن يرى رجلاً يتعامل بالربا فيقول له : يا فلان اتق الله ولا تتعامل بالربا ، فإن الربا من كبائر الذنوب ، وهو نفسه له محل يتعامل بالربا فيه ، هذا عجب ، وهذا يقضى به العجب

إذ كيف ينهى عن شيء هو يفعله ؟! ولو كان باطلاً ما فعله ، وإن فعله وهو يعتقد أنه باطل فهو سفيه ، لقول الله تبارك وتعالى في بني إسرائيل : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44) ، وقال تعالى لهذه الأمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف:2) (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف:3) . ، فهذا من كبائر الذنوب . ولهذا يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار حتى تندلق اقتاب بطنه - يعني أمعاءه - فيدور عليها كما يدور الحمار على رحاه ، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان مالك ؟ ! ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟! فقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه )) وهذا وعيد شديد نسأل الله العافية ، وفضيحة وعار ، وكذلك يكون هو أول من تسعر به النار يوم القيامة . نسأل الله العافية . ويقول الشاعر :

لا تنه عن خلق وتأتي مثله                    عار عليك إذا فعلت عظيم

والمهم أن الإنسان الذي يأتي بشيء ينهى عنه ، هذا أتى مما به يقضى العجب ، أو بما به يقضى العجب ، إذ كيف يأمر بما لا يفعل أو ينهى عما يفعل .

وإتيان المؤلف رحمه الله  بهذا البيت أو بهذا الحكم بعد ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يفيد أن من فعل ذلك لا يسقط عنه الأمر والنهي ، فلو كان مبتلى بهذا الأمر ويفعله فلينته عنه ، ولو أن إنساناً مبتلى بشرب المخدرات ، وشارب المخدرات لا يكاد يقلع ، وهو ينهى الناس عن المخدرات ، فلا يقال له : ما دمت أنك تفعل اسكت ، بل نقول له : اِنهَ الناس .

إذاً لا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان مخالفاً ؛ لأنه إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع المخالفة ، يكن قد ترك واجبين ؛ الأول : ترك المعصية التي يفعلها ، والثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فنقول : وإن كنت لا تفعل المعروف فأمر به ، وإن كنت تفعل المنكر فإن فعلك إياه لا يسقط عنك النهي عنه . فإنه عنه.

فإذا قال قائل : كيف أنهى عنه وأُعرضُ نفسي للفضيحة وللوعيد في قول النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يلقى في النار فتندلق اقتاب بطنه.

فالجواب : إنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تحذيراً من أن يأمر الإنسان ولا يفعل أو أن ينهى ويفعل ، وليس مراده أن يحذر من أن يأمر بما لا يفعل وأن ينهى عما يفعل .

 

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:

183- فلو بدا بنفسه فذادها                 عن غيها لكان قد أفادها

______________________________________________

الشرح

قال المؤلف رحمه الله  : ( لو بدا بنفسه فذادها عن غيها ) ولم يقل : فلو اعتنى بنفسه ؛ يعني وترك الآخرين ، لأن البداية لها نهاية ، فيبدأ أولاً بنفسه ثم بغيره ، وهذه هي الحكمة وهذا هو الترتيب الصحيح .

لكن لو أصر هو على فعل المعصية فلا يمنعنه ذلك من ترك النهي عنها .

وبهذا يكون قد انتهى الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وأتت الخاتمة ، نسأل الله حسن الخاتمة.

 

-----------------------

 

1- رواه أبو داود ، كتاب الجهاد ، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم رقم (2608،2609) والبيهقي في سننه (5/257).

2- رواه مسلم ، كتاب الحدود ، باب حد الخمر ، رقم (1706).

3- رواه الترمذي ، كتاب الحدود ، باب ما جاء في حد الساحر ، رقم (1460).

4- رواه البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب حديث الغار ، رقم (3475)، ومسلم ، كتاب الحدود ، باب قطع السارق الشريف ... ، رقم (1688).

5- رواه البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب حديث الغار ، رقم (3475) ، ومسلم ، كتاب الحدود ، باب قطع السارق الشريف وغيره ... ، رقم (1688).

6- رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب الرفق في الأمر كله ، رقم (6024) ، ومسلم ، كتاب السلام ، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب السلام .... ، رقم (2165).

7- رواه البخاري ، كتاب المظالم والغصب ، باب اعن أخاك ظالما ... ، رقم (2443) ، ومسلم.

8- رواه البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، باب إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ، رقم (4552) ، ومسلم ، كتاب الاقضة ، باب اليمين على المدعي عليه ، رقم (1711).

9- انظر القصيدة النونية 2/466.

10- رواه البخار ي، كتاب الشروط ، باب الشروط في الوقف ، رقم (2737) ، ومسلم ، كتاب الوصية ، باب الوقف ، رقم (1633).

11- رواه البخاري ، كتاب فرض الخمس ، باب قول الله تعالى : (( فإن لله خمسه وللرسول )) ، رقم (3318).

12- رواه البخاري ، كتاب الأحكام ، باب السمع والطاعة للإمام ... ، رقم (7144) ، ومسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب طاعة الأمراء ... ، رقم (1839).

13- رواه مسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ... ، رقم (1847).

14- رواه البخاري ، كتاب الجمعة ، باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب أمره ... ، رقم (930) ، ومسلم ، كتاب الجمعة ، باب التحية والإمام يخطب ، رقم (875).

15- انظر اعلام الموقعين 3/16.

16- رواه البخاري ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رقم (7288)،ومسلم ، كتاب الحج ، باب فرض الحج مرة في العمر ، رقم (1337).

17- رواه البخاري ، كتاب الجمعة ، باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب ، رقم (1117).

18- رواه أبو داود ، كتاب الملاحم ، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، رقم( 4336)

19- تقدم تخريجه ص 57.

20- رواه مسلم كتاب البر والصلة والآداب ، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ، رقم (2558).

21- رواه البخاري ، كتاب بدء الخلق ، باب صفة النار وأنها مخلوقة ، رقم (3267) ، ومسلم ، كتاب الزهد والرقائق ، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله ... ، رقم (2989).

22- تقدم تخريجه ص 711.

 

 

تاريخ التحديث : Mar 31, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com