|
35 ـ باب حق الزوج على المرأة
قال الله تعالى : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)[النساء: 34] .
وأما الأحاديث فمنها حديث عمرو بن الأحوص السابق في الباب قبله .
1/281 ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها ؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح )) متفق عليه (91) .
وفي راوية لهما : (( إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها ؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح )) (92) .
وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها )) (93) .
الـشـرح
قال المؤلف ـ رحمة الله تعالى ـ : باب حق الزوج على المرأة .
لما ذكر ـ رحمه الله ـ حقوق الزوجة على زوجها ؛ ذكر حقوق الزوج على زوجته ، ثم استدل بقوله الله تعالى : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) .
ثم بين سبب هذه القوامة والولاية التي جعلها الله ، فقال : ( بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) حيث فضل الرجل على المرأة في العقل والدين والقدرة والقوة وغير ذلك من وجوه الفضائل ، والشريعة كلها عدل ، تعطي كل أحد ما يستحقه بمقتضى فضله ، فإذا كان الله قد فضل الرجال على النساء ؛ فإنهم هم القوامون عليهن ،وفي هذا لا يدرين الواقع على فضل جنس الرجال على النساء ، وأن الرجال أكمل وأفضل وأولى بالولاية من المرأة ، ولهذا لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: مات كسرى وتولى الأمر بعده امرأة قال : ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)(94) وهذا الحديث إن كان يعني هؤلاء الفرس الذين نصبوا عليهم امرأة ؛ فهو يعنيهم ولكن غيرهم مثلهم ، وإن كان عاماً فهو عام ، لن يفلح قوم ولوا على أمرهم امرأة ، فالرجل هو صاحب القوامة على المرأة ، وفي هذا دليل على سفه أولئك الكفار من الغربيين وغير الغربيين ، الذين صاروا أذناباً للغرب يقدسون المرأة أكثر من تقديس الرجل ؛ لأنهم يتبعون لأولئك الأراذل من الكفار الذين لم يعرفوا لصاحب الفضل فضله ، فتجدهم مثلاً في مخاطباتهم يقدمون المرأة على الرجل فيقول أحدهم : أيها السيدات والسادة ، وتجد المرأة في المكان الأعلى عندهم والرجل دونها . .
ولكن هذا ليس بغريب على قوم يقدسون كلابهم ، حتى إنهم يشترون الكلب بالآلاف ويخصصون له من الصابون وآلات التطهير وغير ذلك ما يضحك السفهاء فضلاً عن العقلاء ، مع أن الكلب لو غسلته بالأبحر السبعة ، ما صار طاهراً ؛ لأنه نجس العين ، لا يطهر أبداً .
فالحاصل أن الرجال هم القوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض ، وبما أنفقوا من أموالهم ، وهذا وجه آخر للقوامة على النساء ، وهو أن الرجل هو الذي ينفق على المرأة ، وهو المطالب بذلك ، وهو صاحب البيت ، وليس المرأة هي التي تنفق .
وهذه إشارة إلى أن أصحاب الكسب الذين يكسبون ويعملون هم الرجال ، أما المرأة فصناعتها بيتها ، تبق في بيتها تصلح أحوال زوجها ، وأحوال أولادها ، وأحوال البيت ، هذه وظيفتها ، أما أن تشارك الرجال بالكسب وطلب الرزق ثم بالتالي تكون هي المنفقة عليه ؛ فهذا خلاف الفطرة وخلاف الشريعة ، فالله تعالى يقول : ( وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) فصاحب الإنفاق هو الرجل .
قال الله تعالى : ( فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه ُ) فالصالحات قانتات أي مديمات للطاعة ، الصالحة تقنت ليس معناها : الدعاء بالقنوت ؛ بل القنوت دوام الطاعة كما قال تعالى : ( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238] أي مديمين لطاعته ( قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) يعني : يحفظن سر الرجل وغيبته وما يكون داخل جدرانه من الأمور الخاصة، وتحفظه بما حفظ الله، أي بما أمر الله تعالى بحفظه فهذه هي الصالحة ، فعليك بالمرأة الصالحة ؛ لأنها خير لك من امرأة جميلة ليست بصالحة .
ثم ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ فيما نقله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه ؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح )) .
ولعن الملائكة يعني أنها تدعو على هذه المرأة باللعنة ، واللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله ، فإذا دعاها إلى فراشه ليستمتع بها بما أذن الله له فيه فأبت أن تجيء ، فإنها تلعنها الملائكة والعياذ بالله ، أي تدعو عليها باللعنة إلى أن تصبح .
اللفظ الثاني : أنها إذا هجرت فراش زوجها ، فإن الله تعالى يغضب عليها حتى يرضى عنها الزوج ، وهذا أشد من الأول ؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا سخط ؛ فإن سخطه أعظم من لعنة الإنسان ، نسأل الله العافية .
ودليل ذلك أن الله تعالى ذكر في آية اللعان أنه إذا لاعن الرجل يقول : ( أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)[النور: 7]، وهي إذا لاعنت تقول الرجل تقول: ( أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) [النور: 9]،
وهذا يدل على أن الغضب أشد ، وهو كذلك .
وأيضاً قال في الحديث : (( إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها )) أي الزوج ، وهناك قال: (( حتى تصبح )) ، أما هنا فعلّقه برضى الزوج ، وهذا قد يكون أقل ، وقد يكون أكثر يعني : ربما يرضى الزوج عنها قبل طلوع الفجر ، وربما لا يرضى إلا بعد يوم أو يومين ، المهم ما دام الزوج ساخطاً عليها فالله عز وجل ساخط عليها .
وفي هذا دليل على عظم حق الزوج على زوجته ، ولكن هذا في حق الزوج القائم بحق الزوجة ، أما إذا نشز ولم يقم بحقها ؛ فلها الحق أن تقتص منه وألا تعطيه حقه كاملاً ؛ لقول الله تعالى :
( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) [البقرة: 194] ولقوله تعالى : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [ النحل : 126 ] .
لكن إذا كان الزوج مستقيماً قائماً بحقها فنشزت هي ومنعته حقه ؛ فهذا جزاؤها إذا دعاها إلى فراشه فأبت أن تأتي .
والحاصل أن هذه الألفاظ التي وردت في هذا الحديث هي مطلقة ، لكنها مقيدة بكونه قائماً بحقها ، أما إذا لم يقم بحقها فلها أن تقتص منه وأن تمنعه من حقه مثل ما منعها من حقها ؛ لقوله تعالى : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) وقوله : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) .
وفي هذا الحديث دليل صريح لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وسلف الأمة من أن الله عز وجل في السماء هو نفسه جل وعلا فوق عرشه ، فوق سبع سموات ، وليس المراد بقوله : (( في السماء )) أي ملكه في السماء ؛ بل هذا تحريف للكلم عن مواضعه .
وتحريف الكلم عن مواضعه من صنيع اليهود والعياذ بالله الذين حرفوا التوراة عن مواضعها وعما أراد الله بها ، فإن ملك الله سبحانه وتعالى في السماء وفي الأرض ، كما قال الله تعالى : (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض) [آل عمران: 189] ، وقال أيضاً : (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْه ) [المؤمنون: 88]، وقال أيضاً : (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض ِ) [الشورى: 12] .
كل السموات والأرض كلها بيد الله عز وجل ، كلها ملك الله ، ولكن المراد أنه هو نفسه عز وجل فوق سماواته على العرش استوى، ولذلك نجد أن المسألة فطرية لا تحتاج إلى دراسة وتعب حتى يقرّ الإنسان أن الله في السماء ، بمجرد الفطرة يرفع الإنسان يديه إلى ربه إذا دعا ويتجه قلبه إلى السماء ، واليد ترفع أيضاً نحو السماء .
بل حتى البهائم ترفع رأسها إلى السماء ، حدثني أحد الأساتذة في الجامعة عندنا عن شخص اتصل عليه من القاهرة إبان الزلزلة التي أصابت مصر يقول: إنه قبل الزلزلة بدقائق ، هاجت الحيوانات في مقرها الذي يسمونه : (( حديقة الحيوانات )) هاجت هيجاناً عظيماً ، ثم بدأت ترفع رأسها إلى السماء . سبحان الله ، بهائم تعرف أن الله في السماء ، وأوادم من بني آدم ينكرون أن الله في السماء والعياذ بالله ، فالبهائم تدري وتعرف .
نحن نشاهد بعض الحشرات إذا طردتها أو آذيتها وقفت ثم رفعت قوائمها إلى السماء نشاهدها مشاهدة ، فهذا يدل على أن كون الله عز وجل في السماء أمر فطري لا يحتاج إلى دليل أو تعب أو عنت ، حتى الذين ينكرون أن الله في السماء ـ نسأل الله لنا ولهم الهداية ـ لو جاءوا يدعون أين يرفعون أيديهم ؟. . إلى السماء ، فسبحان الله ! أفعالهم تكذب عقيدتهم ، هذه العقيدة الباطلة الفاسدة التي يخشى عليهم من الكفر بها .
وهذه جارية ، أمة مملوكة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، أراد سيدها أن يعتقها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( ادعها )) ، فجاءت الجارية ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : (( أين الله )) قالت : الله في السماء . قال : (( من أنا )) قالت : أنت رسول الله . قال لسيدها : (( أعتقها فإنها مؤمنة ))(95) .
سبحان الله ! إن هؤلاء الذين يعتقدون أن الله ليس في السماء يقولون : من قال إن الله في السماء فهو كافر والعياذ بالله ، نسأل الله لنا ولهم الهداية .
المهم أن من عقيدتنا التي ندين الله بها أن الله عز وجل فوق كل شيء ، وهو القاهر فوق عباده ، وأنه على العرش استوى ، وأن العرش على السموات مثل القبة ، كأنه قبة أي خيمة مضروبة على السموات والأرض ، والسموات والأرض بالنسبة للعرش ليست بشيء .
وجاء في بعض الآثار : أن السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض ، حلقة الدرع حلقة ضيقة لا يدخل فيها مفتاح ، إذا ألقيت في فلاة من الأرض ماذا تشغل من مساحة هذه الفلاة ؟ لا شيء .
قال : (( وإن فضل العرش على الكرسي ، كفضل الفلاة على هذه الحلقة )) (96) ، إذا الله أكبر من كل شيء ومحيط بكل شيء ولهذا قال الله عز وجل : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ) يعني أحاط بها ، فما بالك بالرب عز وجل .
فالرب عز وجل فوق كل شيء ، هذه عقيدتنا التي نسأل الله تعالى أن نموت عليها ونبعث عليها ، هذه العقيدة التي يعتقدها أهل السنة والجماعة بالاتفاق .
* * *
2/282 ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بأذنه ، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه )) متفق عليه (97) . وهذا لفظ البخاري .
الـشـرح
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يحل لامرأة أن تصوم وزجها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه )) .
هذا من حقوق الزوج على زوجته ، أنه لا يحل لها أن تصوم إلا بإذنه ما دام حاضراً في البلد ، أما إذا كان غائباً ؛ فلها أن تصوم ما شاءت ، لكن إذا كان في البلد فلا تصوم .
وظاهر الحديث أنها لا تصوم فرضاً ولا نفلاً إلا بإذنه ، أما النفل فواضح أنها لا تصوم إلا بإذنه ؛ لأن حق الزوج عليها واجب والنفل تطوع لا تأثم بتركه وحق الزوج تأثم بتركه ، وذلك أن الزوج ربما يحتاج إلى أن يستمتع بها ، فإذا كانت صائمة وأراد الاستمتاع بها صار في نفسه حرج ، وإلا فله أن يستمتع بها ويجامعها وهي صائمة صوم تطوع إذا لم يأذن فيه من قبل ولو أفسد صومها ولا إثم عليه .
لكن من المعلوم أنه سيكون في نفسه حرج ، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه )) .
أما صيام الفرض فإن كان قد بقي من السنة مدة أكثر مما يجب عليها ، فلا يحل لها أن تصوم إلا بإذن زوجها إذا كان شاهداً ، يعني مثلاً عليها عشرة أيام من رمضان ، وهي الآن في رجب ، وقالت : أريد أن أصوم القضاء ، نقول : لا تصومي القضاء إلا بإذن الزوج ؛ لأن معك سعة من الوقت ، أما إذا كان بقي في شعبان عشرة أيام فلها أن تصوم إن لم يأذن ؛ لأنه لا يحل للإنسان الذي عليه قضاء من رمضان أن يؤخر إلى رمضان الثاني ، وحينئذ تكون فاعلة لشيء واجب فرض في الدين ، وهذا لا يشترط فيه إذن الزوج ولا غير.
فصوم المرأة فيه تفصيل : أما التطوع فلا يجوز إلا بإذن الزوج ، وأما الفرض فإن كان الوقت متسعاًَ ، فإنه لا يجوز إلا بإذن الزوج ، وإن كان لا يسع إلا مقدار ما عليها من الصوم، فإنه لا يشترط إذن الزوج، هذا إذا كان حاضراً ، أما إذا كان غائباً فلها أن تصوم .
وهل مثل ذلك الصلاة ؟ يحتمل أن تكون الصلاة مثل الصوم ، وأنها لا تتطوع في الصلاة إلا بإذنه ، ويحتمل أن لا تكون مثل الصوم ؛ لأن وقت الصلاة قصير بخلاف الصوم ، الصوم كل النهار، والصلاة ليست كذلك، الصلاة ركعتان إذا كانت تطوعاً ، والفريضة معروف أنه لا يشترط إذنه .
والظاهر أن الصلاة ليست كالصوم ، فلها أن تصلي ولو كان زوجها حاضراً ، إلا أن يمنعها فيقول : آنا محتاج إلى استمتاع ، لا تصلين الضحى مثلاً لا تتهجدين الليلة .
على أنه لا يجوز للزوج أن يحرم زوجته الخير ، إلا إذا كان هناك حاجة بأن غلبت عليه الشهوة ، ولا يتمكن من الصبر ، وإلا فعليه أن يكون عوناً لها على طاعة الله ، وعلى فعل الخير ؛ لأنه يكون مأجوراً بذلك كما أنها مأجورة أيضاً على الخير .
وأما إدخال أحد بيته بغير إذنه فظاهر . فلا يجوز أن تدخل أحداً بيته إلا بإذنه ، لكن الإذن في إدخال البيت نوعان :
الإذن الأول : إذن العرف : يعني جرى به العرف مثل دخول امرأة الجيران والقريبات والصاحبات والزميلات وما أشبه ذلك ، هذا جرى العرف به ، وأن الزوج يأذن به ، فلها أن تدخل هؤلاء إلا إذا منع وقال : لا تدخل عليك فلانة ، فهنا يجب المنع ، ويجب أن لا تدخل .
والإذن الثاني : إذن لفظي ، بأن يقول لها : أدخلي من شئتي ولا حرج عليك إلا من رأيتي منه مضرة فلا تدخليه ، فيتقيد الأمر بإذنه .
وفي هذا دليل على أن الزوج يتحكم في بيته أن يمنع حتى أم الزوجة إذا شاء أن يمنعها وحتى أختها وخالتها وعمتها ، لكنه لا يمنعها من هؤلاء إلا إذا كان هناك ضرر عليه وعلى بيته ؛ لأن بعض النساء والعياذ بالله لا يكون فيها خير تكون ضرراً على ابنتها وزوجها ، تأتي إلى ابنتها وتحقنها من العداوة والبغضاء بينها وبين الزوج ، حتى تكره زوجها ، ومثل هذه الأم لا ينبغي أن تتصل بابنتها ؛ لأنها تفسدها على زوجها ، فهي كالسحرة الذين يتعلمون ما يفرقون به بين المرء وزوجه .
* * *
3/283 ـ وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ، والأمير راع ، والرجل راع على أهل بيته ، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده ، فكلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته )) متفق عليه (98) .
4/284 ـ وعن أبي على طلق بن على رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور )) رواه الترمذي والنسائي (99) وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
5/285 ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) رواه الترمذي (100) ، وقال : حديث حسن صحيح .
6/286 ـ وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة )) رواه الترمذي (101) ، وقال حديث حسن .
الـشـرح
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته )) .
الخطاب للأمة جميعاً يبين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن كل إنسان راع ومسؤول عن رعيته . والراعي هو الذي يقوم على الشيء ويرعى مصالحة فيهيئها له ، ويرعى مفاسده فيجنبه إياها ، كراعي الغنم ينظر ويبحث عن المكان المربع حتى يذهب بالغنم إليه ، وينظر في المكان المجدب فلا يتركها في هذا المكان .
هكذا بنو آدم كل إنسان راع ، وكل مسؤول عن رعيته ، فالأمير راع ومسؤول عن رعيته ، والأمراء يختلفون في نفوذهم وفي مناطق أعمالهم ، قد يكون هذا الأمير أميراً على قرية صغيرة ، فتكون مسئوليته صغيرة ، وقد يكون أميراً على مدينة كبيرة فتكون مسئوليته كبيرة ،وفد يكون مسؤولاً عن أمة، كالأمير الذي ليس فوقه أمير في منطقته، كالملك مثلاً هنا ، وكالرؤساء في البلاد الأخرى ، وكأمراء المؤمنين في عهد عمر ابن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلى بن أبي طالب ، وكالخلفاء في زمن بني أمية وبني العباس وغيرهم .
فالرعاة تتنوع رعيتهم أو تتنوع رعايتهم ما بين مسؤولية كبيرة واسعة ، ومسؤولية صغيرة ، ولهذا قال : (( الأمير راع )) يعني هو مسؤول عن رعيته ، الرجل راع لكن رعيته محصورة ؛ هو راع في أهل بيته ، في زوجته ، في ابنه ، في بنته ، في أخته ، في عمته ، في خالته ، كل من في بيته ، راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته ، يجب عليه أن يرعاهم أحسن رعاية ؛ لأنه مسؤول عنهم .
كذلك المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ، يجب عليها ، يجب أن تنصح في البيت ،
في الطبخ ، في القهوة ، في الشاي ، في الفرش ، لا تطبخ أكثر من اللازم ، ولا تجهز الشاي أكثر مما يحتاج إليه،
يجب عليها أن تكون امرأةً مقتصدة ؛ فإن الاقتصاد نصف المعيشة ، غير مفرطة فيما ينبغي .
مسؤولة أيضاً عن أولادها في إصلاحهم وإصلاح أحوالهم وشؤونهم ، كإلباسهم الثياب ، وخلع الثياب غير النظيفة ، وتغيير فراشهم الذي ينامون عليه ، وتغطيتهم في الشتاء وهكذا ، مسؤولة عن كل هذا ، مسؤولة عن الطبخ وإحسانه ونضجه ، وهكذا مسؤولة عن كل ما في البيت .
كذلك العبد مسؤول وراع في مال سيده ، ومسؤول عن رعيته ، يجب عليه أن يحفظ مال سيده ، وأن يتصرف فيه بما هو أحسن ، وألا يفرط فيه ، وألا يتعدى الحدود وهكذا ، فكلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته.
أما بقية الأحاديث التي ساقها المؤلف ؛ ـ ما عدا الأخير منها ـ فكلها أحاديث تحتاج إلى نظر في صحتها ، لكن مجمل ما تدل عليه عظم حق الزوج على زوجته ، وأن حق الزوج على زوجته عظيم ، يجب عليها أن تقوم به ، كما يجب عليه أن يقوم بحقها ، كما قال الله تعالى : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) [البقرة: 228] .
8/288 ـ وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)) متفق عليه (102) .
الـشـرح
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في نقله عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء )) .
والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأنه ما ترك فتنة أضر على الرجال من النساء ، وذلك أن الناس كما قال تعالى : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ) [آل عمران: 14] .
كل هذه مما زين للناس في دنياهم ، وصار سبباً لفتنتهم فيها ، لكن أشدها فتنة النساء ، ولهذا بدأ الله بها فقال : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ) [آل عمران: 14] .
وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك يريد به الحذر من فتنة النساء ، وأن يكون الناس منها على حذر ؛ لأن الإنسان بشر إذا عرضت عليه الفتن ، فإنه يخشى عليه منها .
ويستفاد منه سد كل طريق يوجب الفتنة بالمرأة ، فكل طريق يوجب الفتنة بالمرأة ؛ فإن الواجب على المسلمين سده ، ولذلك وجب على المرأة أن تحتجب عن الرجال الأجانب ، فتغطي وجهها ، وكذلك تغطي يديها ورجليها عند كثير من أهل العلم ، ويجب عليها كذلك أن تبتعد عن الاختلاط بالرجال ؛ لأن الاختلاط بالرجال فتنة وسبب للشر من الجانبين ، من جانب الرجال ومن جانب النساء .
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها )) (103) وما ذلك إلا من أجل بعد المرأة عن الرجال ، فكلما بعدت فهو خير وأفضل .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد ، ولكنهن لا يختلطن مع الرجال ، بل يكون لهن موضع خاص ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب الرجال وانتهى من خطبتهم ، نزل فذهب إلى النساء فوعظهن وذكرهن ، وهذا يدل على أن النساء كنّ في مكان منعزل عن الرجال .
وكان هذا والعصر عصر قوة في الدين وبُعد عن الفواحش ، فكيف بعصرنا هذا ؟
فإن الواجب توقي فتنة النساء بكل ما يستطاع ، ولا ينبغي أن يغرنا ما يدعو إليه أهل الشر والفساد من المقلدين للكفار ، من الدعوة إلى اختلاط المرأة بالرجال ؛ فإن ذلك من وحي الشيطان والعياذ بالله ، هو الذي يزين ذلك في قلوبهم ، وإلا فلا شك أن الأمم التي كانت تقدم النساء وتجعلهن مع الرجال مختلطات ، لا شك أنها اليوم في ويلات عظيمة من هذا الأمر ، يتمنون الخلاص منه فلا يستطيعون .
ولكن مع الأسف فإن بعض الناس منا ومن أبنائنا ومن أبناء جلدتنا يدعون إلى التحلل من مكارم الأخلاق ، وإلى جلب الفتن إلى بلادنا ، في توسع النساء ، ومحاولة توظيفهن مع الرجال جنباً إلى جنب ، نسأل الله تعالى أن يعصمنا والمسلمين من الشر والفتن إنه جواد كريم .
---------------------
(91) رواه البخاري ،كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة ، رقم ( 3237 ) ، ومسلم ، كتاب النكاح ، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها ، رقم ( 1436 ) [ 122 ].
(92) رواه البخاري ، كتاب النكاح ، باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها رقم ( 5194 ) ، ومسلم ، كتاب النكاح ، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها ، رقم ( 1436 ) [ 120 ] .
(93) رواه مسلم ، كتاب النكاح ، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها ، رقم (1436 ) [ 121 ] .
(94) رواه البخاري ، كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ، رقم ( 4425) .
(95) رواه مسلم ، كتاب المساجد ، باب تحريم الكلام في الصلاة . . . ، رقم ( 537 ) .
(96) انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 13/403 ) .
(97) رواه البخاري ، كتاب النكاح ، باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها إلا . . . ، رقم ( 5195 ) ، ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب ما أنفق العبد من مال مولاه ، رقـم ( 1026 ) .
(98) رواه البخاري ، كتاب الجمعة ، باب الجمعة في القرى والمدن ، رقم ( 893 ) ن ومسلم ، كتاب الإمارة ، باب فضيلة الإمام العادل . . . ، رقم ( 1829 ) .
(99) رواه الترمذي ، كتاب الرضاع ، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة ، رقم ( 1160 ) .
(100) رواه الترمذي ، كتاب الرضاع ، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة ، رقم ( 1159 ) .
(101) رواه الترمذي ، كتاب الرضاع ، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة ، رقم ( 1161 ) .
(102) رواه البخاري ، كتاب النكاح ، باب ما يتلقى من شؤم المرأة ، رقم ( 5096 ) ، ومسلم ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار . . ، باب أكثر أهل الجنة الفقراء . . . ، رقم ( 2740) .
(103) رواه مسلم ، كتاب الصلاة ، باب تسوية الصفوف . . . ، رقم ( 440 )
|