المكتبة المقروءة : الحديث : شرح رياض الصالحين المجلد الثالث
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الحديث : شرح رياض الصالحين المجلد الثالث
باب بر الوالدين وصلة الأرحام
 

 

40 ـ باب بر الوالدين وصلة الأرحام

 

قال الله تعالى : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: 36] ، وقال تعال : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) [النساء: 1] وقال تعالى : (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) [ الرعد: 21] وقال تعالى : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) (23)  وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) [الاسراء: 23 ، 24 ] ، وقال تعالى : ( وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ) [لقمان:14] .

1/312 ـ عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم : (( أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال (( الصلاة على وقتها )) قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) قلت:  ثم أي ؟ قال (( الجهاد في سبيل الله )) متفق عليه )) (133) .

2/313 ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يجري ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه )) رواه مسلم (134) .

 

الـشـرح

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب بر الوالدين وصلة الأرحام .

الوالدان : هما الأب والأم ، وعبر بحق الوالدين بالبر اتباعاً لما جاء في النص ، وعبر عن صلة الأرحام بالصلة ، لأنه هكذا جاء أيضاً بالنص ، والأرحام هم القرابة .

وبر الوالدين من أفضل الأعمال ؛ بل هو الحق الثاني بعد حق الله ورسوله .

وذكر المؤلف رحمه الله ، آيات كثيرة في هذا المعنى كقوله تعالى : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) [النساء: 36] ، وقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) [الإسراء:23]،

وقوله تعالى : ( وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً) [العنكبوت: 8] ، وقوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان:14] ، وقوله تعالى : ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23)  وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) [الاسراء: 23 ، 24 ] .

وكل هذه الآيات وغيرها تدل على عظم حق الوالدين ، وقد بين الله سبحانه وتعالى حال الأم ، وأنها تحمل ولدها وهنا على وهن : أي ضعفاً على ضعف ، من حين أن تحمل به إلى أن تضعه وهي في ضعف ومشقة وعناء وكذلك عند الوضع كما قال تعالى : ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ) [الأحقاف: 15] ، كل هذا البيان سبب حفها العظيم .

ثم ذكر الله أشد حالة يكون عليها الوالدان فقال تعالى : ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) ؛ لأن الوالدين إذا بلغا الكبر ؛ ضعفت نفوسهما ، وصارا عالة على الولد ، ومع ذلك يقول ( إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ) يعني لا تقل إني متضجر منكما ؛ بل عاملهما باللطف والإحسان والرفق ، ولا تنهرهما إذا تكلما ، ( أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل ) يعني : رد عليهما رداً جميلاً لعظم الحق .

ثم ذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين سأله عبد الله بن مسعود : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال (( الصلاة على وقتها )) قلت : ثم أي ؟ قال (( بر الوالدين )) ، قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله ))

فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مرتبة البر بالوالدين مقدمة على مرتبة الجهاد في سبيل الله ، قال : ولو استزدته لزادني ، وفي هذا دليل على فضل بر الوالدين .

فإن قال قائل : ما هو البر ؟ قلنا : هو الإحسان إليهما ؛ بالقول والفعل والمال بقدر المستطاع ، اتقوا الله ما استطعتم ، وضد ذلك العقوق .

ثم ذكر الحديث الثاني وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه ))  يعني يعتقه بشرائه ؛ لأنه فك أباه من رق العبودية للإنسان ، وهذا الحديث لا يدل على أن من ملك أباه لا يعتق عليه ؛ بل نقول : إن معناه إلا أن يشتريه فيعتقه ، أي فيعتقه بشرائه ؛ لأن الإنسان إذا ملك أباه عتق عليه بمجرد الملك ، ولا يحتاج إلى أن يقول عتقته ، وكذلك إذا ملك أمه تعتق بمجرد الملك ، ولا يحتاج إلى أن يقول عتقتها .

 

*            *            *

 

4/315 ـ وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم ، فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى ، قال فذلك لك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اقرؤوا إن شئتم : (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) [محمد: 22 ،23] متفق عليه (135) .

وفي رواية للبخاري : فقال الله تعالى : (( من وصلك ، وصلته ، ومن قطعك ، قطعته )) (136) .

5/316 ـ وعنه رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : (( أمك )) قال : ثم من ؟ قال : (( أمك )) قال : ثم من ؟ قال : (( أمك )) قال : ثم من ؟ قال : (( أبوك )) متفق عليه  (137) .

وفي رواية:قال يا رسول الله ((من أحق بحسن الصحبة؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك أدناك ))(138)

(( والصحابة)) بمعنى : الصحبة . وقوله : (( ثم أباك )) هكذا منصوب بفعل محذوف ، أي : ثم برأباك ، وفي رواية (( ثم أبوك )) وهذا واضح .

 

الـشـرح

هذان الحديثان في بيان فضل صلة الرحم ، والرحم سبق لنا أنهم هم الأقارب ، وصلتهم بما جرى به العرف واتبعه الناس ؛ لأنه لم يبين في الكتاب والسنة نوعها ولا جنساها ولا مقدارها ؛ لأن النبي صلى عليه الله وسلم لم يقيده بشيء معين، فلم يقيده بأن يأكلوا معك أو يشربوا معك ، أو يكتسوا معك ؛ أو يسكنوا معك ، بل أطلق ، ولذلك يرجع فيها للعرف ، فما جرى به العرف أنه صلة فهو الصلة ، وما تعارف عليه الناس أنه قطيعة فهو قطيعة ، هذا هو الأصل .

فلو فرض أن االأعراف فسدت وصار الناس لا يبالون بالقطيعة ، وصارت القطيعة عندهم صلة فلا عبرة بهذا العرف ؛ لأن هذا العرف ليس عرفاً إسلامياً ، فإن الدول الكافرة الآن لا تتلائم أسرها ، ولا يعرف بعضهم بعضاً ، حتى إن الإنسان إذا شبّ ولده وكبر صار مثله مثل الرجل الأجنبي الذي لا يعرف أن له أباً ؛ لأنهم لا يعرفون صلة الأرحام ، ولا يعرفون حسن الجوار ، وكل أمورهم فوضى فاسدة ؛ لأن الكفر دمرهم تدميراً والعياذ بالله لكن كلامنا عن المجتمع المسلم المحافظ ، فما عده الناس صلة فهو صلة ، وما عدوه قطيعة فهو قطيعة .

وفي حديث أبي هريرة الأول أن الله سبحانه وتعالى تكفل للرحم بأن يصل من وصلها ويقطع من قطعها ، وفي هذا الحديث حث وترغيب في صلة الرحم ، فإذا أردت أن يصلك الله ـ وكل إنساك يريد أن يصله ربه ـ فصل رحمك ، وإذا أردت أن يقطعك الله فاقطع رحمك ، جزاء وفاقاً ، وكلما كان الإنسان لرحمه أوصل ؛ كان الله له أوصل ، وكلما قصر جاءه من الثوب بقدر ما عمل ، لا يظلم الله أحداً .

وذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ قوله سبحانه : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) فبين سبحانه وتعالى أن الذين يفسدون في الأرض ويقطعون أرحامهم ملعونون والعياذ بالله أي : مطرودون ومبعدون عن رحمة الله ، وقد أصمهم الله أي : جعلهم لا يسمعون الحق ، ولو سمعوا ما انتفعوا به ، وأعمى أبصارهم ؛ فلا يرون الحق ، ولو رأوه لم ينتفعوا به ، فسد عنهم طرق الخير ؛ لأن السمع والبصر يوصل المعلومات إلى القلب ، فإذا انسد الطريق لم يصل إلى القلب خير ، والعياذ بالله .

وقد ذكر أهل العلم من جملة الصلة النفقة على الأقارب ، فقالوا : إن الإنسان إذا كان له أقارب فقراء وهو غني وهو وارث لهم ، فإنه يلزمه النفقة عليهم ؛ كالأخ الشقيق مع أخيه الشقيق ، إذا كان الأخ هذا يرثه لو مات فإنه يجب على الوارث أن ينفق على أخيه ما دام غنياً ، وأخوه فقيراً عاجزاً عن التكسب ، فإن هذا من جملة الصلة.

وقالوا أيضاً : إن من جملة الإنفاق أنه إذا احتاج إلى النكاح فإنه يزوجه ؛ لأن إعفاف الإنسان من أشد الحاجات .

وعلى هذا فإذا كان للإنسان أخ شقيق ولا يرثه إلا أخوه ، وأخوه غني وهو فقير عاجز عن التكسب ، وجب عليه أن ينفق عليه طعاماً وشراباً وكسوة ومسكناً ومركوباً إذا كان يحتاجه ، وأن يزوجه أيضاً إذا احتاج إلى النكاح ؛ لأن الإعفاف من أشد الحاجات فيدخل في صلة الرحم .

وهذه الأمور يجب على الإنسان إذا كان لا يعلم عنها شيئاً أن يسأل أهل العلم حتى يدلوه على الحق ؛ لقوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) [الأنبياء:7]

والحديث الثاني في بيان أحق الناس بحسن صحبة الإنسان ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أحق الناس بذلك الأم ، فأعيد عليه السؤال فقال : أمك مرة ثانية ، كرر ذلك ثلاث مرات ، ثم بعد ذلك الأب ؛ لأن الأم حصل عليها من العناء والمشقة للولد ما لم يحصل لغيرها ؛ حملته أمه وهنا على وهن ، حملته كرها ً ووضعته كرهاً ، وفي الليل تمهد وتهدئه حتى ينام ، وإذا أتاه ما يؤلمه لم تنم الليلة حتى ينام .ثم إنها تفديه بنفسها بالتدفئة عند البرد ، والتبريد عند الحر وغير ذلك، فهي أشد عناية من الأب بالطفل، ولذلك كان حقهما مضاعفاً ثلاث مرات على حق الأب.

ثم إنها أيضاً ضعيفة أنثى لا تأخذ بحقها ، فلهذا أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، وأوصىأشد بالأب مرة واحدة ، وفي هذا الحث على أن يحسن الإنسان صحبة أمه وصحبة أبيه أيضاً بقدر المستطاع . أعاننا الله والمسلمين على ذلك .

وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح ووصلنا والمسلمين بفضله وإحسانه .

 

*         *         *

 

7/318 ـ وعنه رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلى ، وأحلم عنهم ويجهلون على فقال : (( لئن كنت كما قلت ، فكأنما تسفهم المل ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك )) رواه مسلم (139) .

(( وتسفهم )) بضم التاء وكسر السين المهملة وتشديد الفاء ، (( والمل )) بفتح الميم ، وتشديد اللام وهو الرماد الحار : أي كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الآلم ، ولا شيء على هذا المحسن إليهم ، لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه ، وإدخالهم الأذى عليه والله أعلم .

8/319 ـ وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من أحب أن يبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره ؛ فليصل رحمه )) متفق عليه (140) .

ومعنى (( ينسأ له في أثره )) : أي يؤخر له في أجله وعمره .

9/320 ـ وعنه قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ، ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما نزلت هذه الآية : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [آل عمران:92 ] ، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن الله تبارك وتعالى يقول : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) وإن أحب مالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله تعالى ، أرجو برها وذخرها عند الله تعالى ، فضعها يا رسول الله ، حيث أراك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بخ ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ! وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الآقربين )) فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه . متفق عليه(141) .

وسبق بيان ألفاظه في باب الإنفاق مما يحب .

10/321 ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى . قال : (( فهل لك من والديك أحد حي ؟ )) قال : نعم بل كلاهما قال : (( فتبتغي الأجر من الله تعالى ؟ )) قال : نعم . قال : (( فارجع إلى والديك ، فأحسن صحبتهما )) متفق عليه (142) ، وهذا لفظ مسلم .

وفي رواية لهما : جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: (( أحي والداك ؟ قال : نعم قال،:(( ففيهما جاهد ))(143)

11/322 ـ وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمة وصلها )) رواه البخاري (144) .

و (( قطعت )) بفتح القاف والطاء . و (( رحمة )) مرفوع .

12/ 323 ـ وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني : وصله الله ، ومن قطعني  ؛ قطعه الله )) متفق عليه (145) .

 

الـشـرح

هذه الأحاديث في بيان فضيلة صلة الرحم ، وأن الإنسان الواصل ليس المكافئ الذي إذا وصله أقاربه وصلهم ، ولكن الواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها ، فتكون صلته لله لا مكافأة لعباد الله ، ولا من أجل أن ينال بذلك مدحاً عن الناس ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((ليس الواصل بالمكافئ )) يعني بالذي إذا وصله أقاربه وصلهم مكافأة لهم ، وإنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها .

وكذلك أيضاً في هذه الأحاديث أن الرحم متعلقة بالعرش ، تقول : (( من وصلني ؛ وصله الله ومن قطعني ؛ قطعه الله )) ، وهذا يحتمل أن يكون خبراً وأن يكون دعاءً ، يعني يحتمل أن الرحم تخبر بهذا أو تدعو الله عز وجل به ، وعلى كل حال فهو دليل على عظم شأن الرحم وصلتها ، وأنها تحت العرش تدعو بهذا الدعاء ، أو تخبر بهذا الخبر .

ثم ذكر المؤلف حديث الرجل الذي كان يحسن إلى قرابته فيسيئون إليه ، ويصلهم فيقطعونه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن كنت )) : يعني كما تقول (( فكأنما تسفهم الملَ )) ، والملّ: هو الرماد الحار ، وتسفهم : يعني تجعله في أفواههم ، والمعنى : أنك كأنما ترغمهم بهذا الرماد الحار عقوبة لهم ، ولا يزال لك من الله عليهم ظهير ، يعني عون عليهم مادمت على ذلك ، أي تصلهم وهم يقطعونك .

فكل هذه الأحاديث وما شابهها تدل على أنه يجب على الإنسان أن يصل رحمه وأقاربه بقدر ما يستطيع ، وبقدر ما جرى به العرف ، ويحذر من قطيعة الرحم .

 

*            *            *

 

14/325 ـ وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت : قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : قدمت على أمي وهي راغبة ، أفأصل أمي ؟ قال : (( نعم صلي أمك )) متفق عليه (146) .

وقولها:(( راغبة )) أي : طامعة عندي تسألني شيئاً ؛ قيل : كانت أمها من النسب ، وقيل : من الرضاعة ، والصحيح الأول .

15/326 ـ وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وعنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن )) قالت : فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له : إنك رجل خفيف ذات اليد ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة فأته ، فسأله ، فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم . فقال عبد الله : بل ائتيه أنت ، فانطلقت ، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتي حاجتها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد ألقيت عليه المهابة ، فخرج علينا بلال فقلنا له : ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك : أتجزي الصدقة عنهما على أزوجهما وعلى أيتام في حجورهما ؟ ولا تخبره من نحن ، فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من هما )) قال امرأة من الأنصار وزينب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أي الزيانب هي ؟ )) قال : امرأة عبد الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لهما أجران : أجر القرابة ، وأجر الصدقة )) متفق عليه (147) .

 

الـشـرح

قال المؤلف فيما نقله عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها : إن أمها قدمت عليها المدينة وهي راغبة فاستفتت النبي صلى الله عليه وسلم هل تصلها أم لا ؟ وقالت: يا رسول الله ، إني أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها ؟ فأمرها أن تصلها .

وقولها : (( وهي راغبة )) قال بعض العلماء معناه : وهي راغبة في الإسلام ؛ فيكون الأمر بصلتها من أجل تأليفها على الإسلام ، وقيل : بل معنى قولها : وهي راغبة في أن أصلها ، ومتطلعة إلى ذلك ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلها ، وهذا هو الأقرب أنها جاءت تتشوق وتتطلع إلى أن تعطيها ابنتها ما شاء الله .

ففي هذا دليل على أن الإنسان يصل أقاربه ولو كانوا على غير الإسلام ؛ لأن لهم حق القرابة ، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة لقمان : (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ) [لقمان: 15] ، يعني إن أمرك والداك وألحا في الطلب على أن تشرك بالله فلا تطعهما ؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولكن صاحبهما في الدنيا معروفاً ، أي أعطهم من الدنيا ما يجب لهم من الصلة ، ولو كانا كافرين أو فاسقين ؛ لأن لهما حق القرابة .

وهذا الحديث يدل على ما دلت عليه الآية ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها أن تصل أمها مع أنها كافرة .

ثم إن صلة الأقارب بالصدقة يحصل بها أجران : أجر الصدقة ، وأجر الصلة ، ودليل ذلك حديث زينب بنت مسعود الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء بالصدقة ، فرجعت إلى بيتها وكان زوجها عبد الله بن مسعود خفيف ذات اليد يعني أنه ليس عنده مال ، فأخبرته ، فطلب منها أن تتصدق عليه ، وعلى أيتام كانوا في حاجتها ، ولكنه أشكل عليها الأمر فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه ، فلما وصلت إلى بيته وجدت عنده امرأة من الأنصار ، حاجتها كحاجة زينب ، تريد أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن تتصدق على زوجها ومن في بيتها .

فخرج بلال وكان النبي صلى الله قد أعطاه الله المهابة العظيمة ، وكل من رآه هابه ، لكنه من خالطه معاشرةً أحبه وزالت عنه الهيبة ، لكن أول ما يراه الإنسان يهابه هيبة عظيمة ، فإذا خالطه وعاشره أحبه وألفه صلى الله عليه وسلم ، فخرج بلال فسألهما عن حاجتهما فأخبرتاه أنهما يسألان النبي صلى الله عليه وسلم : هل تجوز الصدقة على أزواجهما ومن في بيتهما ؟ ولكنهما قالتا له : لا تخبر الرسول صلى الله عليه وسلم من هما ؛ أحبتا أن تختفيا.

فدخل بلال على النبي صلى الله وأخبره وقال : إن بالباب امرأتين حاجتهما كذا وكذا ، فقال : من هما ؟ وحينئذٍ وقع بلال بين أمرين بين أمانة ائتمنتاه عليها المرأتان ؛ حيث قالتا : لا تخبره من نحن ، ولكن الرسول قال من هما ؟ قال : امرأة من الأنصار ، وزينب .

فقال : أي الزيانب ؟ حيث اسم زينب كثير ، فقال : امرأة عبد الله ، وكان عبد الله بن مسعود خادماً للرسول صلى الله عليه وسلم يدخل بيته حتى بلا استئذان ، وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم أهله وعرف حاله .

وهو إنما أخبره مع قولهما له لا تخبره ؛ لأن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة مقدمة على طاعة كل أحد .

فقال :إن صدقتهما على هؤلاء صدقة وصلة ، يعني فيها أجران : أجر الصدقة ، وأجر الصلة ؛ فدل ذلك على أنه يجوز للإنسان أن يتصدق على أولاده عند الحاجة ، ويتصدق على زوجته ، وكذلك الزوجة تتصدق على زوجها ،  وأن الصدقة عليهم صدقة وصلة .

أما الزكاة فإن كان مما يجب على الإنسان أن يدفعه فإنه لا يصح أن يدفع إليهم الزكاة ، مثل لو كانت الزكاة لدفع حاجتهما من نفقة ، وهو ممن تجب عليه النفقة ، وماله يتحمل ، فإنه لا يجوز له أن يعطيهما من الزكاة ، أما إذا كان ممن لا يجب عليه ، كما لو قضى ديناً عن أبيه أو عن ابنه أو زوجته ، أو قضت ديناً على زوجها فإن ذلك لا بأس به إذا كان المدين حياً ، أما إذا كان المدين ميتاً فلا يقضي عنه إلا تبرعاً ، أو من التركة ، ولا يقضي عنه من الزكاة .

16/327 ـ وعن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه ، في حديثه الطويل في قصة هرقل : أن هرقل قال لأبي سفيان : فماذا يأمركم به ؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال : قلت : يقول : (( اعبدوا الله وحده ، ولا تشركوا به شيئاً ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة ، والصدق ، والعفاف ، والصلة )) متفق عليه (148) .

18 / 328 ـ وعن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط ))(149)  .

وفي رواية : (( ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط ، فاستوصوا بأهلها خبراً ؛ فإن لهم ذمة ورحما )) (150) .

وفي رواية : (( فإذا افتتحتموها ، فأحسنوا إلى أهلها ، فإن لهم ذمة ورحما )) أو قال : (( ذمة وصهراً )) رواه مسلم (151) .

قال العلماء : الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل صلى الله عليه وسلم منهم (( والصهر )) : كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم .

18/ 329 ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء:214] ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً ، فاجتمعوا فعم ، وخص وقال : (( يا بني عبد شمس ، يا بني كعب بن لؤي ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني هاشم ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة ، أنقذي نفسك من النار ، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً ، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها )) رواه مسلم (152) .

قوله صلى الله عليه وسلم : (( ببلالها )) هو بفتح الباء الثانية وكسرها ، (( والبلال )) : الماء . ومعنى الحديث : سأصلها ، شبة قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وهذه تبرد بالصلة .

19/330 ـ وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهاراً غير سر يقول (( إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي ، إنما وليي الله وصالح المؤمنين ، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها )) متفق عليه (153)  واللفظ للبخاري .

 

الـشـرح

هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف ـ رحمه الله ـ كلها تدل على أهمية صلة الرحم ، أي صلة القرابة ، وصدرها بحديث أبي سفيان صخر بن حرب حين وفد ومعه قوم من قريش على هرقل ، وكان قد وفد على هرقل قبل أن يسلم رضي الله عنه ؛ لأنه أسلم عام الفتح .

وأما قدومه إلى هرقل ، فإنه كان بعد صلح الحديبية ، ولما سمع بهم هرقل وكان رجلاً عاقلاً ، عنده علم من كتاب ، وعنده علم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وبما يدعو إليه ؛ لأن صفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم موجودة في التوراة والإنجيل ، كما قال تبارك وتعالى : (النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ ) [الأعراف: 157] ، مكتوباً بصفته ومعروفاً ، حتى إنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لا يشكون فيهم .

فلما قدم هؤلاء الجماعة من العرب من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، من الحجاز دعاهم يسألهم عن حال النبي صلى الله عليه وسلم ، وعما يأمر به ، وعما ينهى عنه ، وعن كيفية أصحابه ، ومعاملتهم له ، إلى غير ذلك مما سألهم عنه ، وقد ذكره البخاري مطولاً في صحيحه ، وكان من جملة ما سألهم عنه : ماذا يأمر به ؟ قالوا : كان يأمرنا بالصلة ، والصدق ، والعفاف .

الصلة : يعني صلة الرحم ، والصدق : الخبر الصحيح المطابق للواقع ، والعفاف : عن الزنى ، وعما في أيدي الناس من الأموال ، وكذلك الأعراض .

ثم إنه لما ذكر لهم ما ذكر قال له : إن كان ما تقوله حقاً فسيملك ما تحت قدمي هاتين ، يقول ذلك وهو أحد الرئيسين في الدولتين الكبيرتين : الروم والفرس .

يقول ذلك وهو ملك له مملكة كبيرة عظيمة ، لكنه يعلم أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حق ، وأنه هو الصواب المطابق للفطرة ولمصالح الخلق ، كلن يأمر بالصدق والعفاف والأرحام . ثم ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ أحاديث في هذا المعنى ، أي في صلة الأرحام ، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله عليه (َأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )[ الشعراء 214] ، جمع قريشاً ، وعمم وخص وقال : (( يا بني فلان ، يا بني فلان ، يا بني فلان )) يعدهم أفخاذاً أفخاذاً حتى وصل إلى ابنته فاطمة ، قال : (( يا فاطمة ، أنقذي نفسك من النار ؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئاً )) وهذا من الصلة .

وبين أن لهم رحماً سيبلها ببلالها ، أي سيبلها بالماء ؛ وذلك لأن قطيعة الرحم نار والماء يطفئ النار ، وقطيعة الرحم موت والماء به الحياة ، كما قال تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ) [الأنبياء:30] ، فشبه الرسول صلى الله عليه وسلم صلة الرحم بالماء الذي يبل به الشيء .

وكذلك أيضاً من الأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي )) وذلك لأنهم كفار .

والواجب على المؤمن أن يتبرأ من ولاية الكافرين ، كما قال الله تعالى : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) [الممتحنة: 4] ، فتبرأ منهم مع قرابتهم له .

قال : (( ولكن لهم رحم أبلها ببلها )) يعني سأعطيها حفها من الصلة ، وإن كانوا كفاراً .

وهذا يدل على أن القريب له حق الصلة وإن كان كافراً ، لكن ليس له الولاية ، فلا يوالى و لا يناصر لما عليه من الباطل .

ثم ذكر أيضاً من الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة بأنهم سيفتحون مصر ، وأوصى بأهلها خيراً ، وقال : إن لهم رحما وصهراً ، وذلك أن هاجر أم إسماعيل سرية إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام كانت من مصر ، ولهذا قال (( إن لهم صهراً ورحماً )) ؛ لأنهم أخوال إسماعيل ، وإسماعيل هو أبو العرب المستعربة كلها .

فدل ذلك على أن الرحم لها صلة ولو كانت بعيدة . ما دمت تعرف أن هؤلاء من قبيلتك فلهم الصلة ولو كانوا بعداء .

ودل أيضاً على أن صلة القربة من جهة الأم كصلة القرابة من جهة الأب .

 

*           *           *

 

20/331 ـ وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله ، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ، ويباعدني من النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصل الرحم )) متفق عليه(154) .

21/332 ـ وعن سلمان بن عامر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا أفطر أحدكم ، فيفطر على تمر ، فإنه بركة ، فإن لم يجد تمراً ، فالماء ، فإنه طهور )) ، وقال : (( الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم ثنتان : صدقة وصلة )) . رواه الترمذي وقال : حديث حسن (155).

22/333 وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كانت تحتي امرأة ، وكنت أحبها ، وكان عمر يكرهها فقال لي : طلقها ، فأبيت ، فأتى عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( طلقها )) رواه أبو داود ، والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح (156) .

23/334 ـ وعن أبي الدر داء  رضي الله عنه أن رجلاً أتاه فقال : إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( الوالد أوسط أبواب الجنة ، فإن شئت ، فأضع ذلك الباب أو احفظه )) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (157) .

24/335 ـ وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((الخالة بمنزلة الأم )) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح  (158) .

وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة ؛ منها أصحاب الغار، وحديث جريج وقد سبقا ، وأحاديث مشهورة في الصحيح حذفتها اختصاراً ، ومن أهمها حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه ، الطويل المشتمل على جمل كثيرة من قواعد الإسلام وآدابه وسأذكره بتمامه إن شاء الله تعالى في باب الرجاء قال فيه :

دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، في أول النبوة فقلت له : ما أنت ؟ قال : (( نبي )) فقلت وما نبي ؟ قال : (( أرسلني الله تعالى )) فقلت بأي شي أرسلك ؟ قال : (( أرسلني بصلة الأرحام ، وكسر الأوثان ، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء )) وذكر تمام الحديث (159) . والله أعلم .

 

الـشـرح

هذه الأحاديث في بيان صلة الرحم وبر الوالدين .

منها حديث خالد بن زيد الأنصاري ، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الجنة ويباعده من النار ، فقال له : (( تعبد الله لا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصل الرحم )) . والشاهد هنا حيث قال : (( تصل الرحم )) ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلة الرحم من الأسباب التي تدخل الإنسان الجنة وتباعده عن النار .

ولا شك أن كل إنسان يسعى إلى هذا الكسب العظيم ؛ أن ينجو من النار ويدخل الجنة ، فإن من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ، وكل مسلم يسعى إلى ذلك ، وهذا يحصل بهذه الأمور الأربعة :

الأول : تعبد الله لا تشرك به شيئاً ؛ لا شركاً أصغر ولا شركاً أكبر .

الثاني : تقيم الصلاة ، وتأتي بها كاملة في أوقاتها مع الجماعة إن كنت رجلا، ودون الجماعة أن كانت امرأة.

والثالث : تؤتي الزكاة ، بأن تؤدي ما أوجب الله عليك من الزكاة في مالك إلى مستحقه .

والرابع : تصل الرحم ؛ بأن تؤتيهم حقهم بالصلة حسب ما يتعارف الناس ، فما أعده الناس صلة فهو  صلة ، وما لم يعدوه صلة فليس بصلة ، إلا إذا كان الإنسان في مجتمع لا يبالون بالقرابات ، ولا يهتمون بها ، فالعبرة بالصلة نفسها المعتبرة شرعاً .

ثم ذكر حديث سلمان بن عامر الضبي في الإفطار على التمر ، فإن لم يجد فعلى ماء ، وأن الصدقة على الفقير صدقة ، وعلى ذي القرابة ثنتان : صدقة وصلة .

ولهذا قال العلماء : إذا اجتمع فقيران أحدهما من قرابتك والثاني من غير قرابتك ، فالذي من قرابتك أولى ؛ لأنه أحق بالصلة .

ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان له امرأة يحبها  ، فأمره أبوه أن يطلقها ، لكنه أبى ذلك ؛ لأنه يحبها ، فذكر عمر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأمر ابن عمر بطلاقها .

وكذلك الحديث الآخر في امرأة كانت تأمر ابنها بطلاق زوجته فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم أو بر الوالدين سبب لدخول الجنة ، وهو إشارة إلى أنه إذا بر والدته بطلاق زوجته كان ذلك سبباً لدخول الجنة .

ولكن ليس كل والد يأمر ابنه بطلاق زوجته تجب طاعته ؛ فإن رجلاً سأل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ، قال إن أبي يقول : طلق امرأتك ، وأنا أحبها ، قال : لا تطلقها ، قال : أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر ابن عمر أن يطلق زوجته لما أمره عمر ، فقال له الإمام أحمد : وهل أبوك عمر ؟ لأن عمر نعلم علم اليقين أنه لن يأمر عبد الله بطلاق زوجته إلا لسبب شرعي ، وقد يكون ابن عمر لم يعلمه ؛ لأنه من المستحيل أن عمر بأمر ابنه بطلاق زوجته ليفرق بينه وبين زوجته بدون سبب شرعي . فهذا بعيد .

وعلى هذا فإذا أمرك أبوك أو أمك بأن تطلق امرأتك ، وأنت تحبها ولم تجد عليها مأخذاً شرعياًَ ، فلا تطلقها ؛ لأن هذه من الحاجات الخاصة التي لا يتدخل أحد فيها بين الإنسان وبين زوجته .

 

----------------------

 

(133) رواه البخاري ، كتاب مواقيت الصلاة ، باب فضل الصلاة لوقتها ، رقم ( 527 ) ، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال ، رقم ( 85 ) .

(134) رواه مسلم ، كتاب العتق ، باب فضل عتق الولد ، ( 1510 ) .

(135) رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب من وصل وصله الله ، رقم ( 5987 ) ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب صلة الرحم . . . ، رقم ( 2554 )  .

(136) رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب من وصل وصله الله ، رقم ( 5988 ) .

(137) رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب من أحق الناس بالصحبة ، رقم ( 5971 ) ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب بر الوالدين وأنهما أحق . . .، رقم (2548)  .

(138) رواه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب بر الوالدين وأنهما أحق . . ، رقم ( 2548 ) [2] .

(139) رواه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ، رقم 0 2558 ) .

(140) رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم ، رقم (5986 ) ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ، رقم ( 2557 ) .

(141) رواه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب الزكاة على الأقارب ، رقم ( 1461 ) ، ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب إثم مانع الزكاة ، رقم (988) .

(142) رواه  البخاري ، كتاب الجهاد والسير ، باب الجهاد بإذن الأبوين ، رقم ( 3004 ) ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب الوالدين . . . ، رقم ( 2549 ) [ 6  ] .

(143) رواه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ، باب الجهاد بإذن الأبوين ، رقم ( 3004 ) ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب بر الوالدين وأنهما أحق به ، رقم (2549) [5 ] .

(144) رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب ليس الواصل بالمكافئ ، رقم ( 5991 ) .

(145) رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب من وصل وصله الله ، رقم ( 5989 ) ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ، رقم ( 2555 ) .

(146) رواه البخاري ، كتاب الهبة ، باب الهبة للمشركين ، رقم ( 2620 ) ، ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب فضل النفقة والصدقة . . . ، رقم ( 1003 ) .

(147) رواه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر ، رقم ( 1466 ) ، ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج ، رقم ( 1000 ) .

(148) رواه البخاري ، كتاب بدء الوحي ، باب بدء الوحي ، رقم (7) ، ومسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ، رقم (1773) .

(149) رواه مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم . . . ، رقم ( 2543 ) [ 226 ] .

(150) رواه مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل . . . ، رقم ( 2543 ) .

(151) رواه مسام ، كتاب فضائل الصحابة ، باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل . . . ، رقم ( 2543 ) [ 227] .

(152) رواه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب في قوله تعالى ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ، رقم ( 204 ) .

(153) رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب تبل الرحم ببلالها ، رقم ( 5990 ) ، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم . . . ، رقم ( 215 )

(154) رواه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب وجوب الزكاة ، رقم ( 1396) ، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة . . . ، رقم ( 13 ) .

(155) رواه الترمذي ، كتاب الزكاة ، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة ، رقم ( 658 ) ، وأبو داود، كتاب الصوم ، باب ما يفطر عليه ، رقم ( 2355 ) ، وابن ماجه ، باب ما جاء على يستحب الفطر ، رقم ( 1699) .

(156) رواه الترمذي ، كتاب الطلاق ، باب ما جاء في الرجل يسأله أبوه أن يطلق زوجته ، رقم ( 1189 ) ، وأبو داود ، كتاب الأدب ، باب في بر الوالدين ، رقم ( 5138 ) .

(157) رواه الترمذي ، كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في عقوق الوالدين ، رقم ( 1901 ) .

(158) رواه الترمذي ، كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في دعوة الوالدين ، رقم ( 1905 ) .

(159) رواه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين ، باب إسلام عمرو بن عبسة ، رقم ( 832 ) .

 

 

تاريخ التحديث : Apr 15, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com