المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثالث عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثالث عشر
بابُ التَّأْوِيلِ فِي الحَلِفِ
 

 

بابُ التَّأْوِيلِ فِي الحَلِفِ

 

وَمَعْنَاهُ أَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، فَإِذَا حَلَفَ وَتَأَوَّلَ يَمِينَهُ نَفَعَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ظَالِماً، فَإِنْ حَلَّفَهُ ظَالِمٌ: مَا لِزَيْدٍ عِنْدَكَ شَيْءٌ، وَلَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ بِمَكَانٍ فَنَوَى غَيْرَهُ، أَوْ بِـ«مَا» الَّذِي، .............................

التأويل في الحلف فسره بقوله:

«ومعناه أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره» والتأويل يكون من المتكلم، ولهذا قال: «أن يريد بلفظه» فهو مؤول بكلامه على خلاف ما يظهر لنا.

فنسأل أولاً ما حكم التأويل، هل هو جائز، أو واجب، أو محرم؟ بيّن المؤلف ذلك فقال:

«فإذا حلف وتأول يمينه نفعه إلا أن يكون ظالماً» هذا المذهب، فإذا حلف وتأول يمينه نفعه إلا أن يكون ظالماً، فإن كان ظالماً فإن التأويل لا ينفعه؛ لأن الظالم يمينه على ما يصدقه به صاحبه.

والمؤول لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون مظلوماً، أو ظالماً، أو لا ظالماً ولا مظلوماً، فإن كان مظلوماً فالتأويل جائز له بالاتفاق، وإن كان ظالماً فالتأويل حرام عليه بالاتفاق، وإن لم يكن ظالماً ولا مظلوماً ففيه خلاف، والمشهور من المذهب أن التأويل جائز.

والقول الثاني: أن التأويل ليس بجائز وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله؛ لأن عاقبته غير محمودة؛ إذ إن المؤول إذا ظهر الناس على كذبه صار ذلك قدحاً فيه، بخلاف المظلوم، والأمثلة تبين لنا ـ إن شاء الله ـ حكم هذه المسألة.

قوله: «فإن حلَّفه ظالم: ما لزيد عندك شيء، وله عنده وديعة بمكان فنوى غيره» مثاله: إنسان ظالم سمع أن عندك لفلان وديعة، وجاء ليأخذها منك، وقد وضعت هذه الوديعة في الحجرة رقم واحد، فجاء وقال: أعطني الوديعة التي عندك لفلان، قال: ما عندي شيء، قال: عندك، فقلت: ليس عندي شيء، قال: احلف أنك ما عندك له شيء، فنويت بقولك: ما عندي شيء له أو ما عندي له وديعة، نويت الحجرة رقم اثنين، فهذا يجوز وأنت صَادق؛ لأنه لا يوجد في رقم اثنين شيء، فالمخاطَب يظن بيمينه والله ما عندي شيء، أنه ما عنده شيء مطلقاً، لا في الحجرة رقم واحد، ولا في الحجرة رقم اثنين، ولا في سائر البيت.

قوله: «أو بـ «ما» الذي» كذلك إذا حلف وأراد بـ «ما» الذي؛ لأن «ما» تصح أن تكون اسماً موصولاً، ويصح أن تكون نافية، فإذا قال: والله ما عندي له شيء فالتقدير، والله الذي عندي له شيء، و «ما» على تأويله نعربها مبتدأ، وعلى مفهوم الظالم نعربها نافية.

فلو كان هذا الظالم ذكياً وقال: قل: والله ما أعطاني شيئاً، ونوى الحالف بـ«ما» الذي فلا يصلح؛ لأن «شيئاً» بالنصب، ولو جعل «ما» بمعنى الذي لقال: شيء، يعني والله الذي أعطاني شيء، لكن إذا تعذر أن يجعل «ما» اسماً موصولاً، فينوي غير هذا اللفظ، فمثلاً لو كان قد أعطاه دراهم، يقول: والله ما أعطاني شيئاً، وينوي غير الجنس الذي أعطاه يصح، كأن ينوي ما أعطاني شيئاً من الغنم.

واعلم أنك إذا قلت: يجوز ليس المعنى أنه متساوي الطرفين، بل قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً؛ لأن القاعدة عندنا كما تقدم، أن كل مباح يمكن أن تجري فيه الأحكام الخمسة، فإذا قلنا: إن التأويل للمظلوم جائز، فالمعنى أنه قد يكون واجباً، فلو كان هذا الظالم سيأخذ الوديعة إذا تبين أنها عندك صار التأويل واجباً؛ لأن حفظ الوديعة واجب.

ويقال: إن الإمام أحمد كان جالساً مع أصحابه ومعه المَرُّوذي أو غيره، وجاء أحد يسأل عن المَرُّوذي، فقال الإمام أحمد: ليس المروذي ها هنا وأشار إلى كَفِّه، وماذا يصنع المروذي ها هنا؟! والمروذي ليس في راحة الإمام أحمد فتأوَّل، لكن هذا التأويل لمصلحة، وهي أن الإمام أحمد لا يحب أن يحرمه حديثه، وربما أن الإمام أحمد عرف أن هذا الرجل لا يريده لأمر هام.

وإذا كان الإنسان ظالماً فلا يجوز أن يتأول، مثال ذلك: رجل بينه وبين شخص خصومة فذهبوا إلى المحكمة، فوجهت اليمين على المُدَّعَى عليه، فقال له القاضي: قل: والله ما عندي له شيء، فقال المُدَّعَى عليه: والله ما عندي له شيء، يريد بـ «ما» الذي، فالقاضي سيحكم بالظاهر، وهو براءة المُدَّعَى عليه من الدعوى، ولكن لا ينفعه ذلك عند الله؛ لأنه ظالم، والظالم لا ينفعه تأويله بالاتفاق، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» [(86)].

وإذا كان الإنسان لا ظالماً ولا مظلوماً وتأول، قال شيخ الإسلام: لا يجوز؛ لأنه ربما يعثر على كذبه فيما بعد، ويكون ذلك قادحاً في صدقه، وما دام أنه غير محتاج فلا يعرض نفسه للقدح والذم، أما إن احتاج كشخص يسألك عن شيء محرج لا ينبغي أن يسأل عنه؛ لأنه ما يعنيه، وأنت لا تود أن تعلمه به، فهنا لا بأس أن تتأول، ويقال لهذا الرجل: لماذا سألت عن شيء لا يعنيك؟! لكن إذا أصرَّ وقال: احلف أنك ما تأولت، يقول: والله ما تأولت، ويعني ما تأولت في آيات الصفات، أنا أجريها على ظاهرها، أو ما تأولت في الكتاب الفلاني، أو ما أشبه ذلك.

فإذا كان في الحرب، وتأول خداعاً للعدو جاز، وهذا هو الكذب الذي جاء في الحديث أنه يجوز في الحرب[(87)].

وكذا لو كان للإصلاح بين اثنين، كرجل يسألك: ما تقول في فلان، هذا الذي يسبني عند الناس ويغتابني؟ فتحب أن تصلح بينهما، فتقول: والله ما قال فيك شيء، يعني الذي قال فيك شيء، أو تعني الساعة الثانية عشرة ليلاً، فهذا يجوز؛ لأنه للإصلاح بين الناس، فلو طلب منك أن تحلف، قال: قل: والله ما قال فيَّ شَرٌّ، قال: والله ما قال فيك شر، وينوي أي: الذي قال فيك شر، فهو صادق، فهذا طيب ويحمد عليه الإنسان.

كذلك إنسان يتحدث مع زوجته، والذي ينبغي بين الزوجين أن يفعل كل منهما ما يجلب مودة الآخر، لتبقى العشرة طيبة، فأتى هذا الرجل بحليٍّ لزوجته، اشتراه بعشرة ريالات، فأعجبها، فقالت: بكم اشتريت هذا؟ فقال: اشتريته بأربعين، وهو ينوي أربعين ربعاً، وهي تعتقد أنه بأربعين ريالاً، فهي على كل حال ستسعد وتقول: هذا الرجل الغالي الذي يشتري لي بأغلى الأثمان، فهذا مطلوب، ولهذا جاء فيه إباحة الكذب في تحديث الرجل امرأته وتحديثها إياه[(88)].

لكن لاحظ أن هذا يجوز بشرط أن نأمن اطلاع المخاطَب على الواقع؛ فإذا لم نأمن ذلك لكان داعياً إلى الشك في كل ما تحدث به، فكلما تحدث يقول الناس: هذا الرجل تأول.

 

أَوْ حَلَفَ مَا زَيْدٌ هَا هُنَا؛ وَنَوى غَيْرَ مَكَانِهِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لاَ سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئاً فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَةٍ، وَلَمْ يَنْوِهَا لَمْ يَحْنَثْ فِي الْكُلِّ.

قوله: «أو حلف ما زيد ها هنا ونوى غير مكانه» إذا حلف وقال: والله ما زيد ها هنا، وهو عنده لكن نوى غير مكانه، فلا حرج والتأويل صحيح.

قوله: «أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئاً فخانته في وديعة، ولم ينوها لم يحنث في الكل» حلف على امرأته قال: احلفي أنك لا تسرقين مني شيئاً؛ فقالت: والله ما أسرق منك شيئاً، فخانته في وديعة سبقت أو لحقت، بأن استودعها يوماً من الأيام وديعة فأنكرت، فإنها لا تعد سرقة وإن كانت ظالمة في هذه الخيانة.

والدليل على جواز التأويل قصة أيوب عليه الصلاة والسلام: فإن فيها شيئاً من التأويل، قال تعالى: {{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ}} [ص: 44] ، وقد حلف أنه يضرب امرأته مائة سوط، والضغث الذي فيه مائة شمراخ ما يُعَدُّ مائة، لكن اللفظ محتمل، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى عموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [(89)]، وكذلك حديث ركانة رضي الله عنه ـ لو صح ـ حيث قال: «والله ما أردت إلا واحدة» [(90)]، وكذلك قصة إبراهيم[(91)] ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع الظالم فإن فيها تأويلاً، والأدلة كثيرة.

 

 

[86] أخرجه مسلم في النذر/ باب اليمين على نية المُسْتَحْلِف (1653) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[87] أخرجه مسلم في الأدب/ باب تحريم الكذب وبيان ما يباح منه (2605) عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها.

[88] سبق تخريجه ص(167).

[89] سبق تخريجه ص(17).

[90] أخرجه أبو داود في الطلاق/ باب في النية (2208)، والترمذي في الطلاق/ باب ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتة (1177)، وابن ماجه في الطلاق/ باب طلاق البتة (2051) عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده، انظر: التلخيص الحبير (3/213)، والإرواء (6/139).

[91] أخرجها البخاري في أحاديث الأنبياء/ باب قول الله تعالى: {{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}} (3358)، ومسلم في الفضائل/ باب من فضائل إبراهيم الخليل صلّى الله عليه وسلّم (2371) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

 

تاريخ التحديث : Feb 4, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com