|
بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّلاَقِ
مَنْ شَكَّ فِي طَلاَقٍ، أَوْ شَرْطِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ،
قوله: «الشك في الطلاق» يعني هل أوقعه؟ وهل وجد شرطه؟ وهل وجد العدد؟ فالشك يتضمن ثلاثة أمور: هل أوقعه، أو لا؟ وهل وجد شرطه أم لم يوجد؟ وهل وجد العدد أم لا؟
والشك في الطلاق لا عبرة به؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ودليل ذلك حديث عبد الله بن زيد ـ رضي الله عنه ـ في الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» [(92)]، فالأصل بقاء طهارته إلا بدليل؛ لأنه كان في الأول متيقناً للطهارة ثم شك في الحدث، والشك لا يزيل اليقين، وهذا الدليل هو الأصل في هذا الباب.
أما التعليل: فإن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وعدم التغير، وأن الأمور باقية على ما هي عليه، ولهذا قال الله عزّ وجل: {{فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ}} [النساء: 6] ، لأنك لو لم تشهد لزمك المال؛ لأن الأصل بقاؤه عندك وعدم دفعه، فعندنا أصل من السنة، وقاعدتان فقهيَّتان، وهما: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»، فما دام النكاح موجوداً فالأصل بقاؤه، والثانية: «أن اليقين لا يزول إلا بيقين» بناء على هذا يقول المؤلف:
«من شك في طلاق أو شرطه لم يلزمه» شك في طلاق، يعني قال: ما أدري، هل طلقت زوجتي أو لا؟ فلا يلزمه الطلاق، والدليل ما سبق.
وهذا ـ نسأل الله السلامة ـ يُبتلى به بعض الناس فيحصل عنده وسواس في طلاق زوجته، حتى إن بعض الناس ـ نسأل الله أن يعافينا ـ يقول: إني قلت: إن فتحت الكتاب فزوجتي طالق، ثم إذا فتحه قال: لا، أخاف إني قلت: إن لم أفتحه فزوجتي طالق!! فكلما حصل أدنى شيء قال: إني قد علقت طلاق زوجتي على هذا الشيء، فيحصل عنده من التردد والخوف ما يفسد عليه حياته الزوجية، وهذا لا شك أنه بلوى، لكن دواؤها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وكثرة قراءة: {{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *}} [الفلق] و{{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *}} [الناس] ، فمن كثرت شكوكه في ذلك فلا عبرة بشكه؛ لأنه وسواس، والوسواس لا يقع به الطلاق.
ومن كان شكه معتدلاً وحقيقياً، قال بعض العلماء: إن الورع التزام الطلاق مع الشك، وقال آخرون: الورع عدم التزام الطلاق مع الشك، وهو الصواب؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فالورع التزام النكاح، ولأننا إذا قلنا: إن الورع التزام الطلاق، ارتكبنا محظورين: الأول: التفريق بين الزوجين، والثاني ـ وهو أشد ـ إحلال هذه المرأة لغير الزوج، وقد تكون في عصمته، أيضاً إذا قلت: الورع التزام الطلاق فمعنى ذلك أنك سوف تحرم زوجتك من النفقة، ومن الميراث إذا مت، ومن أشياء كثيرة من حقوقها.
وقوله: «أو شرطه» أي: شك في شرط الطلاق، هل وقع أم لم يقع؟ فإن الأصل عدم الطلاق، مثل ما لو علق طلاق زوجته على شيء، ثم شك هل وجد هذا الشيء أم لم يوجد؟ فالنكاح بحاله ولا يقع الطلاق.
مثاله: قال: إن جاء فلان فزوجتي طالق، ثم شك هل جاء أم لم يأتِ؟ لم تطلق؛ لأن الأصل عدم الطلاق بناء على الحديث والأصل السابق.
وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِهِ فَطَلْقَةٌ، وَتُبَاحُ لَهُ، فَإِذَا قَالَ لامْرَأَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ طَلَقَتْ المَنْوِيَّةُ وَإِلاَّ مَنْ قَرَعَتْ، .....................................................
قوله: «وإن شك في عدده فطلقة» كذلك شك في عدده، بأن قال: أنا متيقن أني طلقت، لكن ما أدري هل طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً؟ يكون واحدة لأن البناء على الأقل.
قوله: «وتباح له» أي: الزوجة، يعني من شك هل طلق مرة، أو مرتين، أو ثلاثاً فهو مرة، وتباح للزوج؛ لأنه لو كان ثلاثاً ما أبيحت له.
قوله: «فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق» أي قال لزوجتيه: إحداكما طالق.
قوله: «طلقت المنوية» إن كان نوى زينب فهي زينب، وإن نوى فاطمة فهي فاطمة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [(93)]، واللفظ الذي أصدره صالح لهذه النية فتطلّق المنوية.
قوله: «وإلا» أي: فإن قال: ليس لي نية، أو لا أدري من نويت، يقول المؤلف:
«من قَرَعَت» والأحسن «من قُرعت»؛ لأنها ليست بغالبة بل مغلوبة.
فقوله: «من قُرعت» أي: وقعت القرعة عليها لا لها، وليس لنا طريق إلا القرعة؛ لأننا لو قلنا: تطلق المرأتان كان ذلك إلزاماً له بما لم يلتزمه؛ لأنه قال: إحداكما، فإذا قلنا: تطلق المرأتان فهو ظلم له، بل ظلم للزوجة أيضاً، ثم ليس ظلماً للزوجة وحدها، بل ظلم لمن سيتزوجها بعده، وإذا قلنا: تطلق إحداهما فمن؟ فلا يوجد إلا القرعة.
فلو قال: أنا لم أنوِ شيئاً عند الطلاق، لكني الآن اختار أن تكون فلانة فهل تتعين؟ نقول: ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من القرعة، والذي يظهر أنه لا بأس أن يعينها، ما دام أبهم وهو المسؤول، ثم عيَّن فإننا نرجع إلى تعيينه، ونقول: تطلق التي عيَّنها.
وكيفية الإقراع مثلاً أن يجعل ورقتان إحداهما يُكتب عليها طالق والأخرى لا يُكتب عليها شيء، فمن أخذت الورقة التي فيها طالق طلقت.
والقرعة ثابتة في تمييز كل حقين متساويين لا تمييز بينهما، وهي حكم شرعي ثبت في القرآن وفي السنة، في القرآن ورد في موضعين:
الأول : قوله تعالى في يونس عليه السلام: {{فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *}} [الصافات] .
الثاني: قوله تعالى: {{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}} [آل عمران: 44] .
أما في السنة فقد وردت في ستة مواضع منها: أن رجلاً أعتق ستة أعبد، فجزَّأهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم ليخرج الثلث فقط[(94)].
ومنها: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها[(95)].
أما دلالة النظر على أن القرعة حكم شرعي فلأنه لا طريق لنا إلى التمييز بين متساويين إلا بهذا.
وأنكر بعض أهل العلم القرعة، وقال: إن القرعة من الميسر وأنها مثل الاستقسام بالأزلام، ولكن هذا القول مردود لمخالفته النص، ولبطلانه بذاته، أما مخالفته للنص فقد ذكرنا ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات للقرعة، وأما بطلانه بذاته فإن هذا ليس من الميسر؛ لأننا لا نقرع إلا بين شيئين متساويين، والميسر ليس بين متساويين، نعم لو قلنا: أنتما رجلان بينكما هذا الحق مشتركاً مناصفة، ولكن سنجعله ثلثين وثلثاً ونقرع بينكما فلا يجوز؛ لأنه ميسر، إن وقعت على صاحب الثلث غُلب، وإن وقعت على صاحب الثلثين غَلب، أما شيئان متساويان فأين الميسر فيهما؟! وأما الاستقسام بالأزلام فليس كذلك، فليس هناك حقان متساويان يراد التمييز بينهما، بل هما إرادتان من هذا المستقسم، ويعمل بهذه الأقداح لينظر ماذا يُقسم له من هذه الإرادة، فبينهما فرق، وعلى هذا فالصواب أن القرعة ثابتة في كل حقين متساويين لا يمكن التمييز بينهما إلا بهذا.
كَمَنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا بَائِناً ونَسِيَهَا، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ المُطَلَّقَةَ غَيْرُ الَّتِي قَرَعَتْ رُدَّتْ إِلَيْهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ تَكُنِ الْقُرْعَةُ بِحَاكِمٍ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ هذَا الطَّائِرُ غُرَاباً فَفُلاَنَةٌ طَالِقٌ، وَإِنْ كَانَ حَمَاماً فَفُلاَنَةٌ، وَجُهِلَ لَمْ تَطْلُقَا،............................
قوله: «كمن طلق إحداهما بائناً ونَسِيَها» يعني، وكذلك من طلق إحداهما بائناً، أي: طلاقاً بائناً، ونسيها، فإنه يقرع بينهما، فمن قُرعت وقع عليها الطلاق.
وقوله: «طلاقاً بائناً» يعني إحداهما بقي له من طلاقها طلقة واحدة، فطلق إحداهما وعيَّن، قال: فلانة طالق، لكن نسي هل طلق التي ما طلقها من قبل، أو طلق التي لم يبقَ لها إلا طلقة؟ فإن كان الطلاق واقعاً على التي لم يطلقها من قبل فالأمر سهل، ولو أرادها راجعها وانتهت القضية، وإن كان الطلاق واقعاً على من كانت هذه آخر طلاقها فإنها تبين ولا تحل له، فهو الآن متردد يقول: أنا مطلق واحدة منهما، ولكني نسيت، فنقول في هذه الحال: أقرع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي المطلقة وتحل لك الباقية، هذا هو المذهب.
ولكن جمهور أهل العلم يرون أنه لا تدخل القرعة في هذا؛ لأنه اشتبه عليه امرأتان، إحداهما حلال، والأخرى حرام، وإذا كان كذلك فالواجب اجتناب الجميع حتى يتبين الأمر، فإن لم يتبين فماذا نعمل؟ يطلق واحدة، ثم تطلق المرأتان جميعاً، واحدة بائن، والأخرى رجعية، وهذا الأخير هو الذي اختاره الموفق في المغني ونصره، وقال: إنه قول جمهور أهل العلم، وأنه لا يعلم قائلاً بذلك من الصحابة، وأن الذي ورد عن الصحابة القرعة فيه في باب الميراث، وليس في باب الحِلِّ، بمعنى أن الإنسان لو طلق إحدى زوجاته طلاقاً بائناً، ثم مات فإنه يقرع بينهما من أجل الإرث، لا من أجل الحِلِّ، قال: والقرعة تدخل في المال، ولا تدخل في الفروج.
ولكن لا شك أن ما قاله المؤلف أقرب إلى الصواب، من حيث إنه أيسر على المكلف؛ لأن كوننا نقول: اجتنب المرأتين مشكل، والطلاق إنما هو وقع على واحدة، ثم إذا اجتنب المرأتين، وقلنا: لا تحل لك المرأتان، واحدة؛ لأنها بائن، والثانية؛ لأنها مطلقة، سيترتب على ذلك شيء آخر، وهو أنها تبين وتحل للأزواج، وهو ما طلق، وإن ألزمناه بأن يطلق الثانية قد نضرُّه، فالصواب ما قاله المؤلف أنه يقرع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي الطالق وتبقى المرأة الثانية زوجة له.
قوله: «وإن تبين أن المطلقة غير التي قرعت ردت إليه، ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم» يعني أقرعنا بين فاطمة وزينب، ووقعت القرعة على زينب، وقلنا لها: أنت طالق، ثم تبين أن المطلقة فاطمة، فإن زينب ترد إليه؛ لأنه تبين أنها ليست هي المطلقة، والقرعة إنما هي لحل مشكل ما لنا منه مخرج، فإذا تبين لنا منه مخرج رجعنا إلى ما تبين، إلا في حالين:
الأولى: إذا تزوجت التي قُرعت؛ لأنها إذا تزوجت فإن إقراره بأنها غير المطلقة يكون فيه إبطال لحق الزوج الجديد، وإبطال لحق الزوج الجديد ما يمكن أن نقبله.
وعلم من التعليل أن الزوج الثاني لو صدَّقه، وقال: أنا أثق بهذا الرجل، وأن التي وقع عليها الطلاق هي التي عنده، وأن هذه لم يقع عليها الطلاق، فهل ينفسخ النكاح؟ الجواب: نعم؛ لأن تصديقه للزوج الأول يستلزم إقراره ببطلان النكاح.
الثانية: إذا كانت القرعة بحكم حاكم، فإنه لو رجع الزوج وقال: أنا تذكرت أن الزوجة المقروعة ليست المطلقة، قلنا له: لا نقبل قولك؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، وعلى هذا فلا يقبل قوله؛ لأن الحُكم نُفِّذ، ولهذا لو رجع الشهود بعد حكم الحاكم لم ينقضِ الحكم، فلو شهد رجلان لشخص بأن هذا المال المدعى به له، فحكم به القاضي ثم بعد الحكم رجعا وقالا: كذبنا في شهادتنا، غلطنا، أو توهمنا؛ فإن الحاكم لا ينقض الحكم، ولكن يلزمهما الضمان لمن شهد عليه.
وإذا ثبت ببينة أن الحكم بخلاف ذلك، ينظر حتى في الزواج، فلو جاءنا ناس وقالوا: نحن نشهد أن الرجل طلق فلانة التي لم تقع عليها القرعة، فحينئذٍ يلغى كل شيء؛ لأن القرعة ليست بحكم، بل القرعة تمييز.
قوله: «وإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق، وإن كان حماماً ففلانة، وجُهل لم تطلقا» هذا رجل مرَّ به طائر، فقال: إن كان هذا الطائر حمامة فهند طالق، وإن كان غراباً فدَعْد طالق، والطائر ذهب، ولا ندري ما هو؟ فلا طلاق؛ لأنه يحتمل أنه ليس غراباً ولا حماماً، وحينئذٍ نكون قد شككنا في وقوع الطلاق على واحدة منهما.
فإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً فهند طالق، وإن كان غير غراب فدعد طالق، فلا بد أن إحداهما طلقت؛ لأن هذا الطائر إما غراباً، أو غير غراب، فكيف نعرف؟ نعرفها بالقرعة.
وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ اسْمُهُمَا هِنْدٌ: إِحْدَاكُما أَوْ هِنْدٌ طَالِقٌ، طَلَقَتِ اِمْرَأَتُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الأَجْنَبِيَّةَ لَمْ يُقْبَلْ حُكْمَاً، إِلاَّ بِقَرِينَةٍ، وَإِنْ قَالَ لِمَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ: أَنْت طَالِقٌ طَلَقَتِ الزَّوْجَةُ، وَكَذَا عَكْسُهَا.
قوله: «وإن قال لزوجته وأجنبية اسمهما هند: إحداكما أو هند طالق طلقت امرأته» كرجل وجد امرأته ومعها امرأة أخرى، فقال: إحداكما طالق فتطلق الزوجة؛ لأنه من المعلوم أنه لا يمكن أن يقع الطلاق على المرأة التي ليست زوجته.
فهاتان امرأتان اسمهما هند، الزوجة اسمها هند، والأخرى اسمها هند، فقال: هند طالق، يقع الطلاق على زوجته؛ لأنه لا يملك طلاق هند التي ليست زوجة له.
فإن كان قد وُكِّل في طلاق امرأة اسمها هند، وله زوجة اسمها هند وقال: هند طالق، تطلق إحداهما بقرعة، لكن في هذا المثال يغلب على الظن أنه أراد الزوجة التي وُكِّل في طلاقها؛ لأنه ليس بينه وبين زوجته مشكل، فيحمل على التي وكِّل في طلاقها، إلا أن يكون له نية فعلى ما نوى.
قوله: «وإن قال: أردت الأجنبية لم يقبل حكماً إلا بقرينة» إن قال: أردت الأجنبية، يعني من ليست زوجة لي في قوله: «إحداكما طالق»، أو قوله: «هند طالق وكلتاهما اسمها هند» فإنه لا يقبل حكماً، أي: فيما لو ترافعا هو وامرأته إلى القاضي، فالقاضي لا يقبل قوله؛ لأنه خلاف الظاهر، إذ إن الإنسان لا يطلق إلا من يملك طلاقها، وهكذا كلما مَرَّ عليك من قول العلماء: «لم يقبل حكماً»، أي: ويقبل فيما بينه وبين الله.
فإن قال قائل: هل يفهم من كلام المؤلف أن الزوجة لو سكتت فهي باقية في عصمته؟ نعم، يفهم ذلك.
قوله: «وإن قال لمن ظنها زوجته: أنت طالق طلقت الزوجة» أي: وجد امرأة تشبه زوجته في اللباس، وفي الجسم، وفي المشي فظنها زوجته، فقال: أنت طالق، وتبين أنها غير زوجته، يقول المؤلف: تطلق الزوجة؛ لأنه أوقع الطلاق بصيغته التي يقع بها، مع أنه تبين أنها أجنبية ليست زوجة له، فنقول: العبرة بالمقاصد، وهذا الرجل قصد طلاق زوجته في شخص يظنها زوجته.
قوله: «وكذا عكسها» طلق زوجته يظنها غير زوجته تطلق الزوجة، والصحيح أنها لا تطلق؛ لأنه ما أراد طلاق زوجته، كإنسان رأى شبحاً ولم يظن أنها زوجته، ولا أراد أن يطلق زوجته فقال: أنت طالق، ثم تبين أنها الزوجة، فالمؤلف يرى أنها تطلق؛ لأنه واجهها بصريح الطلاق، لكن هل هو يعتقد أنها زوجته؟ لا يعتقد ذلك، إذاً كلامه لغو، فالصواب أنها لا تطلق في المسألة الثانية، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»[(96)].
[92] أخرجه مسلم في الطهارة/ باب الدليل على أن من تيقن الطهارة... (362) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[93] سبق تخريجه ص(17).
[94] أخرجه مسلم في النذر/ باب من أعتق شركاً له في عبد (1668) عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
[95] أخرجه البخاري في النكاح/ باب القرعة بين النساء إذا أراد سفراً (5211)، ومسلم في الفضائل/ باب فضائل عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها (2445) عن عائشة رضي الله عنها.
[96] سبق تخريجه ص(17).
|