المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثالث عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثالث عشر
بابُ الرَّجْعَةِ
 

 

بابُ الرَّجْعَةِ

 

مَنْ طَلَّقَ بِلاَ عِوَضٍ زَوْجَةً مَدْخُولاً بِهَا أَوْ مَخْلُوّاً بِهَا دُونَ مَا لَهُ مِنَ الْعَدَدِ فَلَهُ رَجْعَتُهَا فِي عِدَّتِهَا..........................

 قوله: «الرجعة» هي رد المطلقة على وجه شرعي بغير عقد، أو إعادة المطلقة إلى عصمة الزوجية.

مثاله: رجل قال لزوجته: أنت طالق، فتطلق، فله أن يقول في العدة: قد راجعتك، فقوله: قد راجعتك، هي المراجعة، لكن لها شروط.

قوله: «من طلق» هذا شرط.

قوله: «بلا عوض زوجة مدخولاً بها، أو مخلوّاً بها دون ما لَهُ من العَدد فله رجعتها في عدتها» هذه خمسة شروط لا تتم الرجعة إلا بها: أن يكون الفراق بطلاق، وأن يكون على غير عوض، وأن تكون الزوجة مدخولاً بها أو مخلوّاً بها، وأن يكون دون ماله من العدد، وأن تكون الرجعة في العدة، أي: قبل انقضائها.

أولاً : أن يكون الفراق بطلاق، احترازاً مما لو كان بفسخ، مثل أن تفسخ لعيب في الزوج، أو تفسخ لفوات شرط اشترطته على الزوج، فهنا لا رجعة؛ لأن هذا ليس بطلاق ولكنه فسخ.

مثال ذلك: اشترطت على زوجها أن يكون المهر ألفاً، ولكن أعطاها خمسمائة وماطلها، فلها أن تفسخ النكاح، فهذا يسمى فسخاً لا طلاقاً، فليس له الرجعة إلا بعقد جديد.

مثال آخر: بعد أن عقد عليها، ودخل بها تبين أنها أخته من الرضاع، ينفسخ النكاح وليس له الرجعة.

ثانياً: أن يكون الطلاق بلا عوض، فإن كان بعوض ـ ولو شيئاً يسيراً ـ فلا رجعة إلا بعقد جديد، مثال ذلك: امرأة تعبت من زوجها، فقالت له: طلقني وأعطيك ألف ريال، فقال: نعم، فطلقها على هذا العوض، فليس له أن يراجع إلا بعقد جديد؛ ولأن هذا العوض فداء، افتدت به نفسها، ولو قلنا: للزوج أن يراجع، لم يكن لهذا الفداء فائدة، وأيضاً يجتمع للزوج العوض والمعوض، وهي تريد الفكاك منه، ويسمى هذا الفراق إذا كان على عوض خلعاً.

ثالثاً: كون المرأة مدخولاً بها، وإذا قيل: مدخولاً بها؛ أي قد جامعها زوجها، لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}} [الأحزاب: 49] ، وإذا لم يكن لها عدة، فلا رجعة؛ لأن غير المدخول بها من حين ما يقول: أنت طالق تطلق، وتبين منه، ولا عدة له عليها.

أو تكون مخلوّاً بها، والخالي هو الزوج، يعني لا بد أن يكون داخلاً بها أو خالياً بها؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم قضوا بأن الخلوة كالدخول[(97)].

فلو طلقها قبل الدخول والخلوة فليس له رجعة؛ لأنه لا يوجد عدة، فسوف تنفصل عنه بانتهاء كلمة الطلاق.

رابعاً: أن يكون الطلاق دون ماله من العدد، وهو ثلاثة، فإذا كان آخر ما له من العدد فلا رجعة لقول الله تعالى: {{اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}} إلى قوله: {{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}} [البقرة: 229، 230] فإذا طلق زوجته وراجع ثم طلق وراجع، ثم طلق الثالثة فلا رجعة.

خامساً: أن تكون الرجعة في العدة، فإن راجع بعد انتهاء العدة فلا رجعة، لقول الله تبارك وتعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}} إلى قوله: {{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}} [البقرة: 228] أي: في ذلك الوقت المحدد، أي: ثلاثة القروء، فعلم من الآية أنه لا حق للأزواج بعد انتهاء العدة، وهو كذلك.

 

وَلَوْ كَرِهَتْ، بِلَفْظِ: رَاجَعْتُ امْرَأَتِي وَنَحْوِهِ لاَ نَكَحْتُهَا ونَحْوِهِ،.........

قوله: «ولو كرهت» أي: لو كرهت الزوجةُ الرجعةَ فإنها تثبت لقوله تعالى: {{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}} [البقرة: 228] ، ولم يشترط الله ـ تعالى ـ رضا الزوجة.

فإن قال قائل: ألستم تشترطون في عقد النكاح رضا الزوجة؟ فالجواب: بلى، ولكن ذلك ابتداء عقد، وهذا إعادة مطلقة، فهو استدامة نكاح، وليس ابتداء عقد، والاستدامة أقوى من الابتداء، ولهذا لا يشترط فيها وليٌّ ولا شهود، وهذه قاعدة فقهية ينبغي لطالب العلم أن يفهمها؛ ولهذا إذا تطيب الإنسان قبل إحرامه ثم بقي الطِّيب عليه بعد الإحرام جاز، ولو تطيب بعد الإحرام لا يجوز؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، وكذلك لو أراد الإنسان أن يعقد وهو مُحْرم على امرأة حَرُم، ولو راجع امرأته المطلقة وهو محرم جاز؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.

أما صيغة المراجعة فقال:

«بلفظ: راجعت امرأتي» أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الرجعة لا تحصل بالنية، فلو نوى أنه مراجع زوجته بدون لفظ فإنه لا يكون رجوعاً، بل لا بد من أن يلفظ فيقول: راجعت امرأتي.

قوله: «ونحوه» يعني ونحو هذا اللفظ، مثل أن يقول: رددتها، أمسكتها، ابتغيتها، وما أشبه ذلك، مما يدل على المراجعة، فالمراجعة تصح بكل لفظ دل عليها.

قوله: «لا نكحتها ونحوه» يعني لا بلفظ نكحتها ونحوه؛ لأنه إذا كان خبراً فهو عن شيء ماضٍ، وهو قد نكحها فيما مضى، وإن كان إنشاء فهو عقد نكاح جديد؛ لأن النكاح صريح في العقد، فإذا قال: نكحتها، نقول: ما انفرطت منك حتى تنكحها، فهي الآن في عصمتك؛ لأن الله سمّاك بعلاً لها {{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}}، فإذا قلت للمرأة الرجعية: أشهدكم أني نكحت زوجتي، فلا يكون رجعة، وكذلك لو قلت: أشهدكم أني تزوجت زوجتي فلانة التي طلقت ما يصح؛ لأن هذا ابتداء عقد جديد، وهي إلى الآن في عصمتك، والعقد الجديد لا يكون إلا للمرأة الأجنبية.

وقال بعض أهل العلم: يصح بلفظ نكحتها ونحوه، إذا علم أن مراده المراجعة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإنما لكل امرئ ما نوى» [(98)]، وهذا القول قوي جداً؛ لأن العبرة في الألفاظ بمعانيها.

 

وَيُسَنُّ الإِشْهَادُ، وَهِيَ زَوْجَةٌ، لَهَا وَعَلَيْهَا حُكْمُ الزَّوْجَاتِ، لَكِنْ لاَ قَسْمَ لَهَا،................................

قوله: «ويسن الإشهاد» أي: على الرجعة؛ يعني إذا أراد الإنسان أن يراجع زوجته المطلقة فإنه يسن أن يشهد على ذلك، وظاهر كلام المؤلف ليس مطلقاً، سواء واجهها بالمراجعة، أم لم يواجهها، فإنه يُشهد لقوله تعالى: {{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}} [الطلاق: 2] .

وقيل: إن الإشهاد واجب لقوله تعالى: {{وَأَشْهِدُوا}}، فالأمر للوجوب؛ ولأن الرجعة كابتداء النكاح، فكما أن ابتداء النكاح لا بد فيه من الإشهاد، فالرجعة لا بد فيها من الإشهاد.

ويحتمل أن يقال: في هذا تفصيل، إن راجعها بحضرتها فلا حاجة للإشهاد، وإن راجعها في غيبتها وجب الإشهاد؛ لأنه إذا راجعها في غيبتها ولم يشهد، ربما تنكر وتقول: أبداً ما راجعتني إذا أعلمها وأخبرها بالمراجعة بعد انتهاء العدة، وحينئذٍ يقع الإشكال؛ لأنه ليست المشكلة أنها تحرمه من المراجعة، بل المشكلة أنها تحل لغيره، وهي ما زالت في عصمته، فالصواب هذا التفصيل.

قوله: «وهي زوجة» أي: أن الرجعية زوجة يعني في حكم الزوجات، والدليل قوله تعالى: {{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}} أي: أزواجهن، فسمَّاه الله تعالى بعلاً مع أنه مطلِّق، إذاً فهي زوجة، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: {{أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا}} [هود: 72] .

وقد يقول قائل: سمَّاه الله تعالى بعلاً باعتبار ما كان، كقوله تعالى: {{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}} [النساء: 2] ، واليتيم لا يعطى ماله إلا إذا بلغ، وإذا بلغ زال اليتم، فسمَّاه الله تعالى يتيماً باعتبار ما كان.

نقول: هذا خلاف الظاهر والأصل، وما كان خلاف الظاهر فإنه لا يصار إليه إلا بدليل، ويدل لذلك أيضاً ـ أي: أنه بعل وزوج حقيقة ـ قوله تعالى: {{لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يُخْرَجْنَ}} [الطلاق: 1] ، فأمر بإبقاء المطلقة عند الزوج، ونسب بيت زوجها إليها، ولو كانت تبين منه وتنفصل وينفصل منها، ما كان بيت زوجها بيتاً لها، إذاً هي زوجة؛ ولهذا قال المؤلف:

«لها وعليها حكم الزوجات» إذاً تجب لها النفقة، ويلزمها طاعته، ويجوز أن تكشف له، وأن ينفرد بها، وأن تتطيب له، وأن تمازحه وتضحك إليه، وأن يسافر بها، فكل ما يجوز للزوجة مع الزوج يجوز لها مع زوجها؛ إلا في مسائل قليلة منها:

قوله: «لكن لا قسم لها» يعني لو كان له زوجات أُخر، فليس للمطلقة الرجعية حق القسم، فلا تطالبه بليلة ويوم كزوجاته الأخر؛ لأنها انفصلت منه.

وهل عليها ـ أيضاً ـ ما على الزوجات، من طاعة زوجها فيما يقتضيه العرف؟ نعم، فلو قال لها: اكنسي البيت يلزمها طاعته مثل زوجاته الأخر، ولو قال: اغسلي ثوبي يلزمها، كالزوجات الأخر، ولهذا قال المؤلف: «لها وعليها حكم الزوجات» فكل الأحكام التي على الزوجة أو للزوجات فهو ثابت لهذه المطلقة الرجعية، إلا أنها ليس لها قسم؛ لأنه طلقها.

وأيضاً تفارق غيرها في مسائل أخرى، منها: أنه يلزمها لزوم المسكن، فيجب عليها لزوم المسكن كالمتوفى عنها، فلا تخرج إلا للضرورة في الليل، أو الحاجة في النهار، أما الزوجات الأخر فلا يجب عليهن لزوم المسكن، فتخرج المرأة لزيارة قريبها، لزيارة صديقتها، وما أشبه ذلك، إذن هي في لزوم المسكن أشد من الزوجات المعتادات، والعرف من حين تطلق تذهب إلى أهلها، فهذا حرام ولا يجوز، والدليل قوله تعالى: {{لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يُخْرَجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}} [الطلاق: 1] ، فلا تخرج حتى تنتهي العدة، ولو بإذنه لحاجة في النهار، أو ضرورة في الليل، هذا هو المذهب.

والقول الثاني: أنها لا يلزمها لزوم المسكن، بل هي كالزوجات الأخر؛ لأن الله تعالى سمَّاه بعلاً ـ أي: زوجاً ـ فهي إذاً زوجة، وما دامت زوجة فهي كغيرها من الزوجات، تخرج من البيت ليلاً ونهاراً، ولا يلزمها السكنى، وأما ما استدلوا به من قوله تعالى: {{وَلاَ يُخْرَجْنَ}}، فالمراد خروج مفارقة ليس المراد خروجاً لأي سبب، وهذا القول هو الصحيح.

ومما تفارق به الزوجات أن المرأة إذا تزوجت سقطت حضانتها لأولادها، فلو أن إنساناً طلق زوجته، وله منها أولاد، فأحق الناس بحضانتهم الأم حتى يبلغوا سبع سنين، لكن إذا تزوجت سقطت حضانتها ورجعوا إلى أبيهم، إلا أنها إذا طلقت ولو طلاقاً رجعياً فإن الأولاد يعودون إليها، وبهذا فارقت الزوجات، فهي الآن زوجة باعتبار زوجها الأخير الذي طلقها، لكنها تأخذ أولادها من زوجها الأول مع أنها تعتبر في حكم الزوجة بالنسبة للزوج الثاني.

ومما تفارق به الزوجات أنه لو أن أحداً من الناس وقف وقفاً، وقال: وقف على أولادي، وأما من تَزَوَّجَتْ من البنات فلا حق لها من الوقف، فلو طُلِّقت ـ ولو رجعياً ـ فإنه يعود حقها في الوقف.

هذه الفروق كلها على المذهب، مع أن كلام المؤلف هنا يقتضي أنها لا تفارق الزوجات إلا في القسم، وإنما قلت: إنه يقتضيه؛ لأن المعروف عند أهل العلم أن الاستثناء معيار العموم، يعني أنك إذا استثنيت شيئاً دل ذلك على أن الحكم عام فيما عدا المستثنى، فلما قال: «لكن لا قسم لها» نقول: بقية الأحكام توافق الزوجات، مع أنها تخالف الزوجات في الأحكام الثلاثة السابقة، وهذه قد لا تجدها في مكان واحد من كلام الفقهاء لكننا أخذناها بالتتبع من كلامهم.

 

وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ أَيْضاً بِوَطْئِهَا، وَلاَ تَصِحُّ مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ، ..........

قوله: «وتحصل الرجعة أيضاً بوطئها» كل ما سبق في حصول الرجعة باللفظ، وهذا حصول بالفعل؛ لأن وطأها دليل على إرجاعه لها، فإذا جامعها حصلت الرجعة، وظاهر كلام المؤلف: أن الرجعة تحصل بجماعها، سواء نوى بذلك الرجعة أم لم ينوِ؛ لأنه لم يشترط، فلم يقل: تحصل الرجعة بوطئها إذا نوى، وهذا هو المشهور من المذهب؛ لأن هذا الفعل فعل لا يباح إلا مع زوجة، فكأنه لمَّا استباحه راجعها فيكون أقوى من اللفظ.

القول الثاني : أنها لا تحصل الرجعة بالوطء إلا بنية المراجعة؛ لأن مجرد الوطء قد يستبيحه الإنسان في امرأة أجنبية مثل الزنا، فهذا الرجل قد تكون قد ثارت شهوته عليها أو أنه رآها متجملة وعجز أن يملك نفسه فجامعها، وما نوى الرجعة، ولا أرادها، ولا عنده نية أن يرجع لها، فعلى هذا القول لا تحصل الرجعة بالوطء إلا بنية الرجعة، وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن الوطء قد يكون عن رغبة في إرجاعها فيكون نية إرجاع، وقد يكون لمجرد الوطء والشهوة فلا يدل على الإرجاع.

القول الثالث: أنه لا تحصل الرجعة بالوطء ولو بنية الرجوع، بل لا بد من اللفظ، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن قوله تعالى: {{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}} [الطلاق: 2] عام، فكل ما يدل على الإمساك فإنه يحصل به.

فالصواب أن الرجعة لا تحصل بمجرد الوطء، إلا إن كان من نيته أنه ردَّها، وأنه استباحها على أنها زوجة، فإذا كان كذلك فهذه مراجعة، لكن على هذا القول لو أنه جامعها بغير نية الرجوع، وأتت بولد من هذا الجماع، فهل يكون ولداً له؟ الجواب: نعم، يكون ولداً له؛ لأن هذا الوطء وطء شبهة؛ لأنها زوجته ولم تخرج من عدتها، ولا يُحَدُّ عليه حد الزنا، وإنما يعزَّر عليه تعزيراً، هذا إذا قلنا بأن الرجعة لا تحصل بالوطء المجرد.

فإن قال قائل: إن الله قال: {{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}} [الطلاق: 2] والإشهاد لا يمكن على الجماع.

فيقال: بل يمكن أن يقول لاثنين: إنه جامعها بنية المراجعة، فيكون ذلك إشهاداً على الإمساك.

قوله: «ولا تصح معلقة بشرط» «لا تصح» الضمير يعود على الرجعة، فلا تصح الرجعة معلقة بشرط، مثل أن يقول: إذا جاء الشهر الفلاني فقد راجعتك، أو يقول: إذا حضت الحيضة الثانية فقد راجعتك، فهذا لا يصح، وعلَّلوا ذلك بأن المراجعة كالعقد، وعقد النكاح لا يصح معلقاً، فلا تصح الرجعة معلقة، ولأن هذا لا يدل على الرغبة الأكيدة في رجوعه، ولأنه رجوع يشترط تنجيزه فلا يصح معلقاً.

ولكن هذا التعليل الأخير عليل، فكوننا نقول في التعليل: إنه إرجاع يشترط تنجيزه، فهذا تعليل للحكم بالحكم فلا يقبل، مثل لو قلت: يحرم كذا وكذا؛ لأنه يحرم، فهل يكون هذا علة؟! ومثل لو قلت: يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة؛ لأنه يجب أن يصلي مع الجماعة، فهل هذا دليل؟! فإذا قلنا: إن الرجعة إرجاع يشترط فيه التنجيز فلا يصح معلقاً بشرط، قلنا: هذا تعليل بالحكم فلا يقبل.

وأما قولهم: إنه لا يدل على الرغبة، فهذا ـ أيضاً ـ فيه نظر، فقد يعلقها الإنسان على شرط؛ لأنه يريد أن يتمهل، مثل أن يتزوج امرأة بكراً شابة، فغضبت أمُّ أولاده، وتركت البيت، فطلق هذه المرأة، وقال لها: إن لم ترجع أم أولادي في خلال الحيضتين الأوليين، أو قبل أن تحيضي الحيضة الثالثة فأنت مُراجَعة، فهذا غرض صحيح مقصود، فإذا كان هناك غرض صحيح مقصود فإن الأصل في غير العبادات الحل، حتى يقوم دليل على المنع، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنها تصح الرجعة معلقة بشرط، وهذا القول أصح.

أولاً: لأن الأصل في العادات الحل، ولهذا قال الناظم:

والأصلُ في الأشياء حِلٌّ وامْنَعِ

عبادةً إلا بإذن الشارعِ[(99)]

فلهذا نقول: الأصل الحل إلا إذا دلّ الدليل على المنع.

ثانياً : قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» [(100)]، وكنت أتهيب القول بهذا؛ لأن الذين أمامنا دائماً يقولون: هذا قول الجمهور، وبعضهم يقول: إجماع، لكني وجدت خلافاً في هذه المسألة، وما دامت المسألة ليست إجماعاً، فالواجب النظر في الأدلة، وإن قلَّ القائل.

وهذه القاعدة هامة، فإذا كان في المسألة إجماع، فلا قول لأحد مع وجود الإجماع، ولهذا تجد شيخ الإسلام رحمه الله إذا قال قولاً قال: هذا القول هو الحق، إن لم يمنع منه إجماع، أو يقول: إن كان أحد قال بهذا القول فهو الحق، لكن إذا لم يكن إجماع فالمَرَدُّ إلى الكتاب والسنة، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» وهذا لا يحرم حلالاً ولا يحل حراماً.

مسألة : لو قال: كلما راجعتك فقد طلقتك، فراجعها فهل يقع الطلاق أو لا؟ على المذهب يصح؛ لأن هذا تعليق للطلاق، وتعليق الطلاق يجوز كما سبق، لكن إذا قال: إذا طلقتك فقد راجعتك، فهذا ما يصح؛ لأن الرجعة لا يصح تعليقها.

 

فَإِذَا طَهَرَتْ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَمْ تَغْتَسِلْ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا، ..........

قوله: «فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فله رجعتها» هذه المسألة يجب أن ننتبه لها، مثاله: امرأة طلقت فعدتها ثلاث حيضات، فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فلزوجها رجعتها، إذاً ليس الحد أن تطهر من الحيضة الثالثة، بل يستمر إلى أن تغتسل، وانظر حب الشارع للإصلاح والوفاق والوئام أدى إلى هذا، فلعله إذا طهرت من الحيضة وصارت صالحة للجماع يرغب فيها زوجها فيراجعها.

وهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم، وهي من المسائل الكبيرة التي تكاد الأدلة فيها أن تكون متكافئة، فيرى بعض أهل العلم: أنه لا رجعة لها إذا طهرت من الحيضة الثالثة، لقول الله عزّ وجل: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}} [البقرة: 228] ومتى يكون الحق بالرجعة؟ قال تعالى: {{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}} [البقرة: 228] أي: في القروء الثلاثة، فهذا وجه الدلالة من النص.

ووجه الدلالة من القياس قالوا: لأن جميع الأحكام تنقطع بالطهر من الحيضة الثالثة، فإذا طهرت من الحيضة الثالثة فإنها تحتجب عنه، ولا تجب لها النفقة، ولا ترثه لو مات، ولا يرثها لو ماتت، فكل الأحكام المترتبة على انقطاع العدة تثبت بالطهر من الحيضة الثالثة، اغتسلت أو لم تغتسل، فيقال: ما الذي أخرج هذه المسألة عن بقية الأحكام؟ فإذا طهرت من الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها.

وقال بعض أهل العلم وهو المذهب: إن له رجعتها، ما لم تغتسل، قال في الروض[(101)]: «روي عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم»[(102)]، إذاً هناك آثار عن الصحابة أن له أن يراجعها ما دامت لم تغتسل، وهذه الآثار مبنية على قوله تعالى: {{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}} [الطلاق: 2] ، فَخَيَّر الله الزوج بين الإمساك والمفارقة بعد بلوغ الأجل، وبلوغ الأجل يكون إذا طهرت من الحيضة الثالثة، كما قال الله تعالى: {{وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}} [البقرة: 235] فلما قال الله تعالى: {{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}} فمعنى ذلك أن له أن يراجعها بعد بلوغ الأجل، لكن يبقى النظر ما الذي حدده بالغسل؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية لقلنا: إذا بلغت الأجل فلك الخيار بين الإمساك والمفارقة إلى ما لا نهاية؛ لأن الآية ما حددت بالغسل ولا بشيء آخر؟

نقول: يحدد بالغسل؛ لأنها قبل أن تغتسل ما زال عليها آثار الحيض، والدليل على أنه ما زال عليها آثار الحيض أنها لا يمكن أن تصلي حتى تغتسل، ولا يطؤها زوجها حتى تغتسل، لقوله تعالى: {{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}} [البقرة: 222] ، وعلى هذا فيكون تحديده بالاغتسال ظاهراً.

ويبقى النظر ما الجواب عن قوله تعالى: {{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}}؟ نقول: هذه الآية تدل على أن له الحق في المراجعة، ما دامت لم تكمل ثلاث حيض، والآية الثانية التي في سورة الطلاق ـ وسورة الطلاق بعد سورة البقرة وتسمى سورة النساء الصغرى ـ تدل على أن له أن يراجع بعد انقطاع الحيض، فيكون فيها زيادة، والزيادة يجب الأخذ بها.

فالآثار المروية عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم يعضدها ظاهر آية الطلاق، فهذا دليل أثري.

والدليل النظري: أن هذا من توسعة الله ـ سبحانه وتعالى ـ على العباد ومحبته للوئام والوفاق.

ولكن إذا قيل: ما حد الاغتسال؟ فقد تود هذه المرأة أن ترجع لزوجها فلا تغتسل، وتقول: ربما يراجع، وإذا قيل لها: حرام عليك ترك الاغتسال، قالت: سأتوب إلى الله!

فالظاهر أنه إذا أخَّرت فرضاً من فروض الصلاة ولم تغتسل فإنها تنقضي العدة وليس له رجعة؛ لأن المروي عن الصحابة رضي الله عنهم مبني على الأغلب، والأغلب أن المرأة تغتسل إذا جاء وقت الصلاة، والله أعلم.

 

وَإِنْ فَرَغَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ رَجْعَتِهَا بَانَتْ وحَرُمَتْ قَبْلَ عَقْدٍ جَدِيدٍ، وَمَنْ طَلَّقَ دُونَ مَا يَمْلِكُ ثُمَّ رَاجَعَ، أَوْ تَزَوَّجَ، لَمْ يَمْلِكْ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ، وَطِئَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ، أَوْ لاَ.

قوله: «وإن فرغت عدتها قبل رجعتها بانت» يعني إذا فرغت العدة واغتسلت قبل رجعتها فإنها تبين، لكنها بينونة صغرى.

قوله: «وحرمت» لأنها صارت أجنبية.

قوله: «قبل عقد جديد» هذا إن لم تكن الطلقة الأخيرة؛ فإن كانت الأخيرة فلا تحل له إلا بعد زوج.

قوله: «ومن طلَّق دون ما يملك ثم راجع أو تزوج لم يملك أكثر مما بقي، وطئها زوج غيره أو لا» يملك الحر ثلاثاً والعبد اثنتين، فإذا طلق واحدة ثم راجعها، أو تمَّت عدتها ثم تزوجها، أو تمَّت عدتها وتزوجها شخص آخر ثم طلقها، ثم عادت للأول فإنه لا يملك أكثر مما بقي، ففي المثال الذي ذكرنا يملك اثنتين.

فإن طلقها مرتين ثم راجعها، أو انقضت عدتها ثم تزوجها، أو انقضت عدتها وتزوجها زوج آخر ثم فارقها، ثم تزوجها الأول يبقى له واحدة، ولهذا قال: «لم يملك أكثر مما بقي» سواء وطئها زوج غيره أم لا؛ لأن الله تعالى يقول: {{اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}}، ثم قال: {{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}} [البقرة: 230] ، فقوله: {{اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}} ثم قوله: {{فَإِنْ طَلَّقَهَا}}، يشمل ما إذا تزوجت بعده أو لم تتزوج، يعني إن طلقها بعد المرتين لم تحل له إلا بعد زوج؛ وظاهر الآية الكريمة سواء تزوجت بين هاتين الطلقتين وبين الثالثة أم لم تتزوج، ولأن زواج الثاني لم يؤثر شيئاً فلم يَنقُض الطلاق السابق، فهي حلال له، سواء تزوجت أم لم تتزوج، ولهذا ما يملك إلا ما بقي، فلهذه المسألة ثلاث صور:

الأولى : طلقها ثم راجعها فلا يملك إلا ما بقي.

الثانية : طلقها ثم انقضت عدتها، ثم تزوجها بعقد جديد فلا يملك إلا ما بقي.

الثالثة : طلقها ثم انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر ثم فارقها الثاني، ثم تزوجها الأول فلا يملك إلا ما بقي.

ومفهوم قوله: «دون ما يملك» أنه لو طلق ما يملكه وهي الثلاث في الحر والثنتان في العبد، فإنها لا تحل له إلا بعد زوج، فإذا تزوجها بعد الزوج فإنه يستأنف الطلاق من جديد ويكون له ثلاث طلقات، كأنه ما تزوجها إلا الآن؛ وذلك لأن نكاح الزوج الثاني في هذه المسألة صار له تأثير، وهو أنه أحلها للأول، ولولا هذا النكاح ما حلت للأول، فلما كان له التأثير وقد استكمل الزوج الأول ما يملك، فإنها تعود إليه على طلاق جديد، ولا يقال: إنه إذا عادت إليه فله أن يطلقها مرة واحدة فقط ثم تبين؛ لأننا نقول: إن الزوج الثاني هدم ما كان للأول؛ ولذلك أباحها له، مع أنها كانت لا تحل له.

وذهب بعض أهل العلم: إلى أنها في المسألة الأولى إذا تزوجت فإن الزوج الثاني يهدم الطلاق، حتى فيما إذا كان أقل من ثلاث، ولكن الصواب ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن نكاح الزوج الثاني إذا كان الزوج الأول لم يطلق ثلاثاً لا أثر له؛ لأنها تحل لزوجها الأول سواء تزوجت أم لم تتزوج.

* * *

فَصْلٌ

 

وَإِنِ ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا فِيهِ، أَوْ بِوَضْعِ الحَمْلِ المُمْكِنِ، وَأَنْكَرَهُ فَقَوْلُهَا، وَإِنِ ادَّعَتْهُ الحُرَّةُ بِالْحَيْضِ فِي أَقلَّ مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْماً وَلَحْظَةٍ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهَا، وَإِنْ بَدَأَتْهُ فَقَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي، فَقَالَ: كُنْتُ رَاجَعْتُكِ، أَوْ بَدَأَهَا بِهِ فَأَنْكَرَتْهُ فَقَوْلُهَا.

قوله: «وإن ادعت انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه» أي: إن ادعت المطلقة أنها انقضت عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه، وهو على المذهب تسعة وعشرون يوماً ولحظةٌ، وهذا أقل زمن يمكن انقضاؤها فيه؛ لأن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً فإذا جمعنا ثلاثة عشر يوماً مع ثلاثة عشر يوماً يكون الجميع ستة وعشرين يوماً، ويبقى ثلاثة أيام، يوم وليلة للحيضة الأولى، ويوم وليلة للحيضة الثانية، ويوم وليلة للحيضة الثالثة، لكن إن قالت: إنها انقضت عدتها في ثمانية وعشرين يوماً فإن دعواها لا تسمع؛ لأن هذا لا يمكن، هذا هو المذهب.

أما على القول الراجح فقد سبق أنه لا حَدَّ لأقل الحيض ولا لأقل الطهر، ولكن لا شك أن كون امرأة تحيض ثلاثة أيام ثلاث مرات في شهر، هذا بعيد جداً، ولهذا حتى لو ادعت أنها انقضت في شهر فلا بد من بينة.

قوله: «أو بوضع الحمل الممكن» الحمل الممكن الذي تنقضي به العدة هو الذي تبين فيه خلق الإنسان، ولا يمكن أن يتبين خلق الإنسان في أقل من واحد وثمانين يوماً لحديث ابن مسعود رضي الله عنه: «يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك» [(103)]، وابتداء المضغة يكون في اليوم الواحد والثمانين أما قبل ذلك فلا، ولهذا قال الله تعالى: {{ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}} [الحج: 5] يعني قد يبتدئ التخليق من أول ما يكون مضغة، وقد يتأخر بعض الشيء، ولهذا فأقل زمن يمكن أن يخلق فيه واحد وثمانون يوماً، ولا يمكن أن يخلَّق قبل ذلك، ولكن الغالب أنه إذا تم له ثلاثة أشهر ـ يعني تسعين يوماً ـ فإنه يُخلَّق، فإذا وضعت من لم يُخَلَّق فإن العدة لا تنقضي بذلك؛ لأن من لم يخلَّق لم يتيقن كونه ولداً، فقد يفسد وينزل، لكن إذا خُلِّق عُلم أنه ولد، ولأن النفاس لا يثبت إلا بأن تضع ما فيه خلق إنسان، فإذا ادعت انقضاء عدتها في ذلك فإنها تقبل، ولهذا يقول المؤلف:

«وأنكره فقولها» أي: أنكره الزوج، وقال: ما انقضت العدة، وهي تقول: انقضت، يقول المؤلف: إن القول قولها، والدليل قوله تعالى: {{وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}} [البقرة: 228] ، فهذه الآية تشير إلى أن القول قولها؛ لأن الله قال: {{يَكْتُمْنَ}} فلو قالت: لا يوجد حمل والعدة انقضت فالقول قولها؛ لأنه لولا أن القول قولها لم يكن لكتمانها أثر.

فإذا قال قائل: أليست هي المدعية؛ والأصل بقاء العدة؟

قلنا: بلى، ولكن يقال: إن الزوج هو الذي كان السبب في الفراق، فعاد وبال فعله عليه، وقلنا: إن القول قولها.

قوله: «وإن ادعته الحرة بالحيض» «ادعته» الضمير يعود على انقضاء العدة.

وقوله: «الحرة» لأن الحرة عدتها ثلاثة قروء، والأمة قَرْءَان، يعني إن ادعت أنه انقضى بالحيض.

قوله: «في أقلَّ من تسعة وعشرين يوماً ولحظة لم تسمع دعواها» لأنه ما يمكن أن يكون في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة.

وقوله: «لم تسمع» يعني أن القاضي يرفضها رفضاً ولا ينتظر، أو يقول: هاتي بينة أو ما أشبه ذلك، لكن هل تقبل دعواها؟

نقول: كل دعوى لا تسمع فإنها لا تقبل، وليس كل دعوى لا تقبل لا تسمع، فقد تسمع الدعوى ولا تقبل، فإذا ادعت انقضاء العدة في ثلاثين يوماً تسمع لكن لا تقبل؛ لأنها لا تحيض في هذه المدة القصيرة ثلاث مرات إلا نادراً، فإذا ادعت ذلك فدعواها خلاف الظاهر فلا تقبل إلا ببينة، ولهذا ذكر أنه رفع لشريح ـ القاضي المشهور ـ امرأة ادعت أنها انقضت عدتها في ثلاثين يوماً، فقال: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينه وخلقه أو أمانته فإنها تقبل وإلا فلا، فقال علي رضي الله عنه: قالون[(104)]؛ يعني جيد بالرومية، فأخذ الفقهاء بذلك، وقالوا: إن ادعته في زمن يندر انقضاؤها فيه فإنه لا بد أن تأتي ببينة، وإلا فلا تقبل، فصار لها ثلاث حالات:

الأولى : أن تدعي انقضاء العدة في زمن لا يمكن انقضاؤها فيه، فهذه لا تسمع دعواها أصلاً، ولا يلتفت إليها القاضي.

الثانية : أن تدعي انقضاءها في زمن يمكن، لكنه بعيد ونادر، فهذه تسمع ولكن لا تقبل إلا ببينة.

الثالثة : أن تدعي انقضاءها في زمن يمكن انقضاؤها فيه، ولا يندر أن تنقضي فيه، يعني أمثالها كثير، مثل لو ادعت انقضاءها في مدة شهرين فإن هذا أمر يقع كثيراً، فهذه تقبل بلا بينة؛ وذلك لأن هذا أمر يمكن وكثير، فليس هناك ما يمنع قولها.

فإن كان الأمر بالعكس، كأن ادعى هو انقضاء العدة، وقالت: إنها لم تنقضِ، فالقول قولها هي؛ لأن الأصل بقاؤها، ولأن الله ـ تعالى ـ جعل الأمر راجعاً إليها في قوله: {{وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}} [البقرة: 228] ، وهذا هو الأصل.

قوله: «وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي، فقال: كنت راجعتك، أو بدأها به فأنكرته فقولها» هاتان مسألتان:

الأولى : إذا بدأت وقالت: انقضت عدتي، فقال: كنت راجعتك، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم المراجعة، فإن أتى ببينة تشهد بأنه راجع قبل انقضاء عدتها فالزوجة زوجته، وإن لم يأتِ فلا؛ لأن القول قولها، وهذا هو الأصل.

الثانية : إن بدأها به يعني قال: راجعتك، فقالت: قد انقضت عدتي، فقال: قد راجعتك قبل انقضاء العدة، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم المراجعة، فالصورتان معناهما واحد، ولكن المسألة الثانية خلاف المذهب، فالمذهب: أن القول قوله؛ لأنه لما قال: كنت راجعتك، فقالت: انقضت عدتي فهي المدعية، فهي التي ادعت أن رجعته غير صحيحة، فعليها البينة، فإن لم تأتِ ببينة فإنه يكون زوجاً لها، والقول قوله.

وهذا الذي ذكروه ـ رحمهم الله ـ لا شك أنه من حيث الصورة ظاهر الفرق بينه وبين الصورة الأولى، لكن من حيث المعنى لا يظهر الفرق بينهما، ولهذا فالصواب ما مشى عليه الماتن من أن القول قول المرأة في كلتا الصورتين؛ فأيُّ فرق بين أن تأتي إليه وتقول: انقضت عدتي، ويقول: راجعتك، وبين أن يأتي إليها ويقول: راجعتك، فتقول: قد انقضت عدتي قبل أن تراجعني، فالحقيقة أنه لا فرق بينهما؛ لأن الأصل عدم المراجعة.

* * *

فَصْلٌ

 

إِذَا اسْتَوْفَى مَا يَمْلِكُ مِنَ الطَّلاَقِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجٌ في قُبُلٍ وَلَو مُراهِقاً،..................................................

 قوله: «إذا استوفى ما يملك من الطلاق» أي: إذا استوفى المطلق ما يملك من الطلاق، الحر يملك ثلاثاً والعبد يملك اثنتين.

قوله: «حرمت عليه» والدليل قوله تعالى: {{اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}} [البقرة: 229] ، ثم قال: {{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}} [البقرة: 230] .

قوله: «حتى يطأها زوج» نستفيد من قوله: «زوج» أنه لا بد أن يكون النكاح صحيحاً، أي: لا تثبت الزوجية إلا بنكاح صحيح، والنكاح الصحيح هو الذي اجتمعت شروطه وانتفت موانعه، وعلى هذا فلو تزوجها الزوج الثاني بنية التحليل للأول، أو بشرط التحليل للأول فالنكاح غير صحيح، ولا يعتبر في حلِّها للأول.

وقوله: «حتى يطأها» إذا قال قائل: القرآن ليس فيه «حتى يطأها» بل فيه {{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}} فعلق الله الحكم بالنكاح، والنكاح يحصل بالعقد.

قلنا: ذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وقال: إنها تحل للزوج الأول بمجرد العقد لظاهر الآية الكريمة: {{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}} والنكاح يكون بالعقد لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}} [الأحزاب: 49] فأثبت نكاحاً بدون مس، فعلى هذا تحل بمجرد العقد، ولكن هذا القول مردود بالسنة الصحيحة الصريحة، فإن امرأة رفاعة القرظي ـ رضي الله عنهما ـ طلقها زوجها ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده رجلاً يقال له: عبد الرحمن بن الزَّبِير، ولكنه ـ رضي الله عنه ـ كان قليل الشهوة، فجاءت تشتكي إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وقالت: إنها تزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، يعني ما عنده قوة، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «أتريدين أن ترجعي لرفاعة؟! لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» [(105)]، وهذا نص صريح في أنه لا بد من الجماع، وعلى هذا تكون السنة قد أضافت إلى الآية شرطاً آخر، وهذا كما أضافت السنة إلى قوله تعالى: {{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] أنه لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر[(106)]، والسنة تفسر القرآن وتبينه، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتنسخه ـ أيضاً ـ على القول الراجح، وإن كان لا يوجد له مثال، لكنه ممكن.

فإذاً نقول: الآية الكريمة يراد بها العقد على القول الراجح، لكن السنة أضافت إلى هذا شرطاً آخر وهو الوطء، وعلى هذا فلابد من الوطء، ولهذا قال المؤلف: «حتى يطأها زوج» والحكمة من اشتراط الوطء هو أن لا يظن أن النكاح لمجرد التحليل؛ ولأن الوطء دليل على رغبة الإنسان في المرأة.

وأما من قال من أهل العلم: إن المراد بالنكاح في الآية الوطء ففيه نظر، إلا إذا أراد أن المراد الوطء بنكاح فهذا صحيح؛ لأن الله يقول: {{حَتَّى تَنْكِحَ}} والمرأة موطوءة لا واطئة، فلا يفسر اسم الفاعل باسم المفعول، صحيح أنها يضاف إليها النكاح الذي هو العقد، لكن ما يضاف إليها النكاح على أنها الفاعلة، بل هي مراد به الوطء؛ لأنها موطوءة وليست واطئة.

فإذا قال قائل: إذا قلتم هكذا، فما الفائدة من قوله: {{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا}}؛ لأن ظاهر الأمر أن الزواج متقدم على النكاح، ولم يقل: رجلاً، وهذا يشعر بأن الزواج سابق على النكاح، إذ لا يمكن أن يكون زوجاً إلا بعقد، فيكون المراد بالنكاح الوطء؟

قلنا: إنما قال الله عزّ وجل: {{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}} إشارة إلى أنه لا بد أن يكون هذا النكاح مؤثراً مترتباً عليه أثره، وهي الزوجية، وذلك عبارة عن اشتراط كون النكاح صحيحاً، هذا وجه، ووجه آخر باعتبار ما سيكون، فهو إذا عقد صار زوجاً.

قوله: «في قُبُل» احترازاً من الدبر، فلو جامعها في دبر ما حلت للزوج الأول؛ لأنه لا يحصل ذوق العسيلة بوطء الدبر، ثم ـ أيضاً ـ ليس الدبر محلاً لذلك، فالإيلاج فيه كالإيلاج بين الفخذين لا عبرة به.

قوله: «ولو مراهقاً» يعني ولو كان الزوج مراهقاً، والمراهق الذي لم يبلغ لكنه قريب البلوغ، فإذا جامعها زوج ولو مراهقاً فإنها تحل للزوج الأول، لكن بشرط أن يكون العقد صحيحاً كما سبق.

 

وَيَكْفِي تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مَعَ جَبٍّ فِي فَرْجِهَا مَعَ انْتِشَارٍ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ،...........................

قوله: «ويكفي تغييب الحشفة» الحشفة هي أعلى الذكر، فلابد من تغييبها كلها من الزوج الثاني.

قوله: «أو قدرها مع جَبٍّ» أي: إذا كانت مقطوعة فيكتفي بقدرها مما بقي من الذكر، يعني ليس بلازم أن يكون الجماع كاملاً، بل لو أدخل الحشفة، أو قدرها مع جَبٍّ فإنه يكفي؛ لأنه يحصل بذلك ذوق العسيلة ولا شك، لكن ما يحصل الكمال إلا بكمال الوطء، ولا شك أن هذا الذي وصفه من الوطء، يعني ـ تغييب الحشفة ـ يعتبر وطئاً في وجوب الغسل، وفي ثبوت النسب، وفي حد الزنا، وفي كل ما يترتب على أحكام الجماع؛ فإن العلماء لا يفرقون بين الإيلاج الكامل وعدمه، ما دام قد غيب الحشفة أو قدرها.

قوله: «في فرجها» هذا مع الأول كالتكرار؛ لأن الفرج هو القُبُل.

قوله: «مع انتشار» الانتشار يعني انتصاب الذكر، فيشترط أن يكون الإيلاج بانتشار، فلو أولج بدون انتشار فإنها لا تحل.

وظاهر كلامه: ولو أنزل؛ لأنه ما يحصل بذلك كمال اللذة، وقضية عبد الرحمن بن الزَّبِير رضي الله عنه تدل على أنه لا بد أن يكون الإيلاج بانتشار.

قوله: «وإن لم ينزل» الفاعل الزوج، يعني وإن لم يحصل إنزال، سواء لم ينزل مطلقاً أو أنزل خارج الفرج، فإنه لا يضر.

وقوله: «وإن لم ينزل» هذه إشارة خلاف، فإن بعض أهل العلم يقول: لا بد من الإنزال؛ لأنه ما يتم ذوق العسيلة إلا بالإنزال، فإن كمال اللذة لا يحصل إلا بالإنزال، ومجرد الجماع ما يحصل به كمال اللذة، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» [(107)]، ولكن جمهور أهل العلم على عدم اشتراط ذلك، فحينئذٍ يكون القول الصواب في هذه المسألة وسطاً بين طرفين: الطرف الأول أن مجرد العقد يكفي، والطرف الثاني أنه لا بد من إنزال، والوسط أن العقد مجرده لا يكفي وأن الإنزال ليس بشرط، وعلى هذا فيكون وسطاً.

وغالب أقوال أهل العلم إذا تأملتها تجد أن القول الوسط يكون هو الصواب؛ لأن الذين تطرفوا من جهة نظروا إلى الأدلة من وجه، والذين تطرفوا من جهة نظروا إليها من الوجه الثاني، والذين توسطوا نظروا إليها من الوجهين، فكان قولهم وسطاً وهو الصواب، ولو تأملت الخلاف بين الناس سواء فيما يتعلق بالعقائد، أو فيما يتعلق بالأعمال وجدت أن القول الوسط في الغالب هو الصواب.

فائدة: قال بعض الناس: يمكن أن نأخذ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ما يسمى بشهر العسل، فهل هذا صحيح؟

نعم، هذا صحيح، لكن العسل ليس بشهر إذا دام مع المرأة، فيكون العسل دهراً وليس شهراً.

أما السفر في هذا الشهر إلى بلاد لا ينبغي السفر إليها، فإن فيه إضاعة للمال، ثم إننا نسمع أن بعض الناس يخرج إلى بلاد خارجية، ويذهب إلى المسابح والمسارح والملاهي، وامرأته متبرجة كاشفة رأسها، ونحرها، وعضديها وما أشبه ذلك ـ والعياذ بالله ـ فهل هذا إلا من الذين بدلوا نعمة الله كفراً؟! فجزاء هذه النعمة أن يزداد الإنسان شكراً لله عزّ وجل، ومعاشرة حسنة لأهله، ولكن ما حكم من يقول بدلاً من هذا: أذهب أنا وإياها للعمرة؟ نقول: هذا حسن وغير حسن؛ لأن الظاهر أن أصله مأخوذ من غير المسلمين؛ لأننا ما عهدنا هذا في أزمان العلماء السابقين، ولا في عهد السلف، ولا تكلم عليها أهل العلم، فيكون هذا متلقى من غير المسلمين، هذا من وجه.

ومن وجه آخر أخشى أنه إذا طال بالناس زمان أن يجعلوا الزواج سبباً لمشروعية العمرة، ثم يُقال: يسن لكل من تزوج أن يعتمر! فنحدث للعبادة سبباً غير شرعي وهذا مشكل؛ لأن الناس إذا طال بهم الزمن تتغير الأحوال وينسى الأول، فلهذا نقول: اجعل شهر العسل في حجرتك، في بيتك، واجعل العسل دهراً لا شهراً، واحمد الله على العافية.

 

وَلاَ تَحِلُّ بِوَطْءِ دُبُرٍ، وَشُبْهَةٍ، وَمُلْكِ يَمِينٍ، وَنِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَلاَ فِي حَيْضٍ، وَنِفَاسٍ، وَإِحْرَامٍ، وَصِيَامِ فَرْضٍ، وَمَنِ ادَّعَتْ مُطَلَّقَتُهُ المُحَرَّمَةُ ـ وَقَدْ غَابَتْ ـ نِكَاحَ مَنْ أَحَلَّهَا، وَانْقِضَاءَ عِدَّتِهَا مِنْهُ، فَلَهُ نِكَاحُها إِنْ صَدَّقَهَا وَأَمْكَنَ.

قوله: «ولا تحل بوطء دبر» وقد سبق.

قوله: «وشبهة» الشبهة نوعان: شبهة عقد، وشبهة اعتقاد، أما شبهة العقد فمعناه أن يعقد عليها عقداً يتبين أنه غير صحيح، وأما شبهة الاعتقاد فأن يطأها يظنها زوجته وليس هناك عقد، فلا تحل بوطء شبهة.

والظاهر أن المراد بالشبهة في كلام المؤلف هنا شبهة الاعتقاد؛ لأنه قال: «ونكاح فاسد» .

فشبهة الاعتقاد كرجل طلق امرأته ثلاثاً وبَيْنَا هي نائمة، إذ أتاها رجل يظنها زوجته فجامعها، فهل تحل للأول؟ ما تحل؛ لأن هذا الوطء بغير نكاح.

قوله: «وملك يمين» يعني لو كانت زوجة الأول أمة فطلقها ثلاثاً وانتهت عدتها، فإنها تحل لسيدها؛ لأنه مالك لها؛ إذ إن تزويجها لا ينقل ملكها فإذا جامعها سيدها بملك اليمين، واستبرأها، أو أنها جاءت منه بولد وتركها فهل تحل لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثاً؟ ما تحل للزوج الأول؛ لأنها ما تزوجت، والله يقول: {{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}} وهذه ما نكحت زوجاً.

وقوله: «ونكاح فاسد» وهو ما اختل فيه شرط من شروط الصحة، أو وجد فيه مانع من موانع الصحة، ولكن هل هو الباطل أو غيره؟ غيره، والفرق بينهما: أن الباطل ما أجمع العلماء على فساده، وأما الفاسد فهو ما اختلف العلماء في فساده، ولا فرق عندنا ـ في مذهب الحنابلة ـ بين الفاسد والباطل إلا في موضعين فقط: باب النكاح، وباب الحج؛ فإنهم يفرقون بين الفاسد وبين الباطل، يقولون: إن الحج الباطل ما حصل فيه مبطل كالردة مثلاً، فلو ارتد وهو في أثناء الحج ـ والعياذ بالله ـ بطل، والفاسد هو الذي جامع فيه قبل التحلل الأول، والنكاح، فالفاسد هو الذي اختلف فيه العلماء، والباطل هو الذي أجمع العلماء على فساده، فهذا رجل طلق زوجته ثلاثاً واعتدت وبانت منه، فتزوجها رجل آخر بعقد تامة شروطُه، ودخل عليها وجامعها، ثم شهدت امرأة ثقة بأنها أرضعت الزوج الثاني وزوجته، فهل تحل للأول؟ ما تحل للأول؛ لأنه تبين أن هذا العقد باطل، وأن الزوج ليس بزوج.

وكذلك لو تزوجها بلا ولي على رأي من يرى أن الولي شرط لصحة النكاح فإنها لا تحل، مثال ذلك: رجل طلق زوجته ثلاثاً واعتدت منه، ثم تزوجها آخر بلا ولي ـ على رأي من يرى أن الولي شرط لصحة النكاح ـ فإنها لا تحل للأول.

مثال آخر: رجل طلق زوجته ثلاثاً واعتدت منه، ثم تزوجها رجل آخر، وصار العاقدَ لها أبو أمها، ودخل عليها الزوج الثاني، ثم طلقها الزوج الثاني وانتهت العدة فهل تحل للأول؟ ما تحل؛ لأن أبا الأم ليس ولياً، وعلى هذا فقد تزوجت بدون ولي، فيكون النكاح فاسداً فلا تحل للزوج الأول.

قوله: «ولا في حيضٍ» يعني أن الزوج الثاني تزوجها بنكاح صحيح، وجامعها وهي حائض، ثم طلقها فلا تحل للزوج الأول؛ لأن هذا الجماع محرم لحق الله عزّ وجل، فلا تحل به كما لو صلى في مكان مغصوب، فإن الصلاة لا تصح.

قوله: «ونفاسٍ» كذلك ـ أيضاً ـ لا تحل بوطء في نفاس؛ لأن الوطء في النفاس محرم فلا تحل به، مثل ما لو طلقها زوجها الأول وهي حامل، فوضعت فتنقضي عدتها، فتزوجها آخر وهي في نفاسها وجامعها، فهل تحل للأول؟ لا تحل؛ وذلك لأن هذا الوطء محرم لحق الله، فلا يكون مؤثراً كما قلنا في الحيض.

قوله: «وإحرام» أي: لا تحل بوطء في إحرام بحج أو عمرة؛ لأن الجماع في الإحرام محرم، وما كان محرماً فإنه لا يترتب عليه أثره، ولا يكون مصححاً لشيء، كما لو صلى في أرض مغصوبة.

قوله: «وصيام فرض» أي: لا تحل ـ أيضاً ـ بوطء في صيام فرض، سواء صيام رمضان، أو صيام قضاء رمضان، أو صيام عن كفارة، أو عن فدية، أو عن أي شيء، المهم أن الصيام فرض؛ فلا تحل؛ لأنه وطء محرم.

وقوله: «وصيام فرض» مفهومه أنه لو جامعها في صيام نفل حلت؛ لأن الوطء جائز؛ إذ إن إتمام النفل ليس بواجب؛ فإذا كان إتمام النفل غير واجب فإنه يجوز للزوج أن يجامع زوجته في صيام النفل، هذا ما ذهب إليه المؤلف.

وقال بعض أهل العلم: إنها تحل بالوطء في هذه الأحوال؛ لعموم الحديث، فإن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» يشمل ما إذا كان الوطء حلالاً أو حراماً، ولكنه يكون آثماً، وليس الوطء عبادة حتى نقول: لا يصح مع التحريم، كالصلاة في أرض مغصوبة، وإنما الوطء شرط للحل، وهذا القول أصح، ولذلك لو أنه سافر سفراً محرماً كان القصر والفطر فيه جائزين عند أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله وجماعة من أهل العلم؛ لأن الله علق الحكم على السفر مطلقاً، وهذا أيضاً عُلِّق الحكم فيه على الوطء مطلقاً، ولأنهم هم أنفسهم يقولون: لو أنه جامعها في وقت صلاة ضاق وقتها فإن ذلك يُحِلها للأول، مع أن الوطء في هذه الحال محرم؛ لأنه يلزم منه إخراج الصلاة عن وقتها.

فالصواب في هذه المسألة: أنها تحل ولو مع الوطء المحرم، وهو اختيار المُوَفَّق رحمه الله.

والخلاصة : أنه إذا وطئها وطئاً محرماً فلا يخلو، إما أن يكون لمانع يمنع الوطء فيها كالحيض والنفاس، أو لعبادة لا يجوز الوطء فيها كالصيام لفرض والحج والعمرة، فهذه لا تحل للزوج الأول، أو لمعنى آخر، مثل أن تكون مريضة لا يحل وطؤها لمرضها، فيطؤها في هذه الحال، أو تكون في وقت صلاة ضاق وقتها فيطؤها في هذه الحال، فإنها تحل للزوج الأول.

والصحيح في هذا: أنه لا فرق بين الصورتين، وأنها تحل للزوج الأول بالوطء المحرم، بالحيض، والنفاس، والإحرام وصيام الفرض، وضيق وقت الصلاة، والمرض، وغير ذلك؛ وذلك لأن الحديث عام.

قوله: «ومن ادعت مطلقته المحرمة وقد غابت» المطلقة المحرمة هي المطلقة ثلاثاً.

قوله: «نكاح من أحلها» أي: ادعت أنها تزوجت زوجاً جامعها بنكاح صحيح حصل فيه وطء بانتشار.

قوله: «وانقضاء عدتها منه» قالت: إنه طلقها بعد أن وطئها وطئاً محللاً، وانقضت عدتها.

قوله: «فله نكاحها» أي: فإنها تحل للزوج الأول، لكن بثلاثة شروط:

الأول : قوله: «إن صدقها» فإن لم يصدقها فلا تحل؛ لأنه لو أقدم عليها مع عدم تصديقه لها لأقدم على نكاح لا يعلم صحته، وهل له أن يصدقها وإن كانت ممن لا يوثق بخبرها؟ لا، لكن إذا صدقها وهي محل للتصديق، أما إذا كان لا يثق بها فإنه لا يجوز أن يصدقها.

الثاني : قوله: «وأمكن» بمعنى أنه مضى زمن يمكن انقضاء عدتها منه، وأن تتزوج الثاني ويطلقها، وتنقضي عدتها منه، ومقدار المدة الممكنة شهران فما زاد؛ لأن الفقهاء يقولون: إن ادعت انقضاء العدة في أقل من تسعة وعشرين يوماً ما تسمع دعواها، وفي تسعة وعشرين يوماً ولحظة إلى شهر تقبل ببينة، وفيما زاد على ذلك تقبل بلا بينة.

إذاً لا بد من شهرين فما زاد، إلا إذا كانت حاملاً فهذه ربما تنقضي بأقل، فيمكن أن تضع حملها يوم يفارقها زوجها الأول، وتتزوج زوجاً ثانياً ثم يطلقها وتعتدُّ ثلاثين يوماً منه، وإذا كانت من غير ذوات الحيض فعدتها ثلاثة شهور، فالمهم أن الإمكان هنا ما يمكن أن يتحدد بشيء معين، بل ينظر في ذلك إلى نوع العدة حتى نعرف ما هو الإمكان، وما عدم الإمكان؟

الثالث : قوله: «وقد غابت» فإن لم تكن غائبة فإن الغالب أن النكاح يشتهر، لا سيما إذا كنا في بلد يشتهر فيه النكاح فإننا ما نقبل كلامها.

 

--------------------------

 

[97] أخرجه مالك عن عمر رضي الله عنه في الموطأ (2/528)، وأخرجه عن عمر وعلي رضي الله عنهما ابن أبي شيبة (4/234)، والبيهقي (7/255 ـ 256)، وانظر: التلخيص (1555)، والإرواء (1937).

[98] سبق تخريجه ص(17).

[99] منظومة أصول الفقه وقواعده لفضيلة شيخنا الشارح ـ رحمه الله ـ ص(6).

[100] سبق تخريجه ص(124).

[101]الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (6/606).

[102] أخرج هذه الآثار عبد الرزاق في المصنف (6/315، 318، 319)، وسعيد بن منصور (1/332)، وابن أبي شيبة (4/158، 159)، والبيهقي (7/417). وهو مروي عن أبي بكر وعثمان وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأبي موسى رضي الله عنهم.

[103] أخرجه البخاري في بدء الخلق/ باب ذكر الملائكة... (3208)، ومسلم في القدر/ باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه... (2643).

[104] علَّقه البخاري في كتاب الحيض دون قوله: «قالون»، وأخرجه الدارمي في الطهارة/ باب في أقل الطهر (843)، وسعيد بن منصور في سننه (1/351)، وابن أبي شيبة في المصنف (4/200)، ووصله الحافظ في التغليق (2/179).

[105] أخرجه البخاري في الطلاق/ باب من جوّز الطلاق الثلاث.... (5260)، ومسلم في النكاح/ باب لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح... (1433) عن عائشة رضي الله عنها.

[106] أخرجه البخاري في الفرائض/ باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (6764)، ومسلم في الفرائض/ باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر والمسلم (1614) عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

[107] سبق تخريجه ص(204).

 

تاريخ التحديث : Feb 4, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com