المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثالث عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثالث عشر
كِتَابُ اللِّعانِ
 

 

كِتَابُ اللِّعانِ

 

قوله: «اللعان» مصدر لاعن يلاعن بمعنى دعا باللعنة، وهو على وزن فِعال، وفِعَال من المصادر المزدوجة التي لا تكون إلا بين شيئين غالباً، مثل القتال، قاتل يقاتل قتالاً، من جانبين، وجاهد يجاهد جهاداً من جانبين، واللعان ـ أيضاً ـ من جانبين، ومعناه حصول التلاعن بين شخصين، فإذا طبقنا هذه اللفظة على حقيقة اللعان وجدنا أن اللعان ليس من جانب الزوجين، لكنه لعن من جانب الزوج، وغضب من جانب الزوجة، إذ إن الزوج يقول في الخامسة: «وأن لعنة الله عليه» والزوجة تقول: «وأن غضب الله عليها» فما الجواب؟

الجواب: أن هذا من باب التغليب، أي: تغليب أحد الوصفين على الآخر.

والتغليب في اللغة العربية موجود بكثرة، مثل: العُمَرَان يعني أبا بكر وعمر، ومثل: القَمَرَان يعني الشمس والقمر.

واللعن في اللغة الطرد والإبعاد، فإذا وقع من الله فهو الطرد والإبعاد عن رحمته، وإذا دعا به إنسانٌ على شخص، فمعناه أنه يسأل الله أن يطرده ويبعده من رحمته، وإذا وقع من شخص لشخص على سبيل أن هذا الشخص نفسه لعنه، وليس المراد دعا عليه باللعن، فالمراد أنه طرده وأبعده عنه، بحيث لا يكون صاحباً له، ولا رفيقاً له، وما أشبه ذلك.

واللعان في الاصطلاح: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين ـ الزوج والزوجة ـ مقرونة بلعن من الزوج وغضب من الزوجة، وهذه الشهادات عددها أربعة والخامسة من الزوج أن لعنة الله عليه، أو من الزوجة أن غضب الله عليها، ثم نفرق بينهما تفريقاً مؤبداً، فلا تحل له بعد ذلك.

وسبب اللعان أن يقذف الرجل زوجته بالزنا والعياذ بالله، سواء قذفها بمعيَّن، أم بغير معين، مثل أن يقول: يا زانية، أو يقول: زنى بك فلان.

والأصل أن من قذف شخصاً بالزنا أن يقال له: أقم البينة، وإلا جلدناك ثمانين جلدة؛ لأن الأعراض محترمة، فإذا قال شخص لآخر: أنت زانٍ، أو يا زانٍ، أو ما أشبه ذلك، قلنا: أقم البينة وإلا فثمانون جلدة في ظهرك، فإن قال: أنا رأيته بعيني يزني، قلنا له: إن لم تأتِ بالشهداء فأنت كاذب عند الله، ولهذا قال الله تعالى: {{فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ}} [النور: 13] ما قال في حقيقة الأمر، لكن عند الله، أي: في حكمه وشرعه أنه كاذب، وإن كان صادقاً في نفس الواقع، ولو جاء ثلاثة يشهدون على شخص بأنه زانٍ، نقول: إما أن تأتوا بالبينة وإلا جلدناكم، وعلى هذا فنقول: اللعان خرج عن هذا الأصل؛ لأن الرجل إذا قذف زوجته لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن تقر هي، أو يقيم أربعة شهود، أو يلاعن، أما غير الزوج، فإما أن يُقر المقذوف، وإما أن تأتي بأربعة شهود، أما الزوج فنزيد على ذلك بأن يقال: أو تلاعن.

ولما نزلت الآية: {{فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ}} [النور: 13] ، قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: يا رسول الله، أجده على امرأتي، وأذهب لآتي بأربعة شهود!! والله لأضربنه بالسيف غير مصفِّح، يعني أضربه بحد السيف لا بجنبه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا تعجبون من غيرة سعد؟! والله إني لأغير من سعد، والله أغير مني» [(136)]، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن سبحانه وتعالى.

والحكمة في خروج الزوج عن القاعدة أن الزوج لا يمكن أن يقول هذا إلا وهو متأكد؛ لأنه تدنيس لفراشه فصدقه قريب؛ فلهذا شرع في حقه اللعان.

 

يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ، وَمَنْ عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ يَصِحَّ لِعَانُهُ بِغَيْرِهَا،.......

قوله: «يشترط في صحته» أي: لصحة إجراء اللعان.

قوله: «أن يكون بين زوجين» هذا الشرط الأول، يعني بين زوج وزوجته، سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعد الدخول، فإن كان بين أجنبيين فلا لعان فيه، إما حد القذف على القاذف، وإما حد الزنا على المقذوف إذا ثبت ذلك، لقوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ} ...} الآية [النور: 6] .

فإن كان بين أجنبيين ثم تزوج الرجل المرأة التي قذفها فلا يجري اللعان؛ لأنه قذفها قبل أن يتزوجها، وعليه فإذا قذف امرأة قبل أن يتزوجها إن أقرت أقيم عليها الحد، وإن لم تقرر وأتى ببينة أقيم عليها الحد، وإن لم يأتِ ببينة أقيم عليه هو الحد.

قوله: «ومن عرف العربية لم يصح لعانه بغيرها» هذا هو الشرط الثاني، أن يكون باللغة العربية، ولكن إذا كان يحسن العربية، فلو كان رجل يحسن اللغتين العربية وغيرها، وأراد أن يلاعن بغير العربية قلنا: لا يصح، بل لا بد أن يكون باللغة العربية؛ لأنه يتضمن ألفاظاً نص عليها القرآن، فلا بد أن يكون بتلك الألفاظ.

فإن قال قائل: لماذا، وهو ليس من الألفاظ المتعبد بها؟ فالجواب: لأنه لفظ ورد به النص، وهو قادر عليه، فلا يخالفه إلى غيره، وقد تكون الترجمة لا تؤدي المعنى المطلوب على وجه التمام، وهذه ألفاظ خطيرة جداً؛ لأن فيها رفع حد وإثبات حد.

القول الثاني: أنه يصح بلغتهما وإن عرفا العربية، وهذا هو المقطوع به؛ وذلك لأن ألفاظ اللعان ليست ألفاظاً تعبدية حتى نحافظ عليها، إنما هي ألفاظ يعبر بها الإنسان عما في نفسه، فمتى علمت لغته أجزأ اللعان.

قوله: «وإن جهلها فبلغته» يعني إن جهل العربية فبلغته التي يعلم، فإن كان يعرف لغتين غير العربية، فهل نقول: لا بد أن يكون بلغته؛ لأنها الأصل، أو نقول: لما تعذرت اللغة العربية يجوز بكل لغة؟ الظاهر الثاني، وأن الإنسان لا يُلزم بلغته إذا كان لا يعرف اللغة العربية.

 

وَإِنْ جَهِلَهَا فَبلُغَتِهِ، فَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ بالزِّنَا فَلَهُ إِسْقَاطُ الْحَدِّ باللِّعَانِ، فَيَقُولُ قَبْلَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ زَنَتْ زَوْجَتِي هَـذِهِ، وَيُشيرُ إِلَيْهَا، وَمَعَ غَيْبَتِهَا يُسَمِّيهَا وَيَنْسِبُهَا، .....

وقوله: «وإن جهلها فبلغته» بناء على الأغلب، وأن الإنسان إنما ينطق بلغة واحدة، إما بالعربية وإما بغيرها، ولأنه إذا لم يعرف العربية لم يتمكن من الإتيان بها، فصارت بقية اللغات بالنسبة إليه على حد سواء.

قوله: «فإذا قذف امرأته بالزنا» هذا هو الشرط الثالث: أن يكون القذف بصريح الزنا، بأن يقول: زنت، أو زنيت، أو ما أشبه ذلك، فإن قال: أتيت شبهةً، أو قَبَّلك فلان، أو استمتع بك بغير الوطء، فهل يثبت اللعان أو لا؟ لا يثبت؛ لأن هذه لا يثبت بها حد القذف، فلا يثبت بها اللعان.

قوله: «فله إسقاط الحد باللعان» فإذا قذف الرجل امرأته بالزنا، فلا يخلو إما أن تصدقه، أو تكذبه، فإن صدقته فعليها حد الزنا، فإن كانت بكراً ـ بأن عقد عليها ولم يدخل بها ـ تجلد مائة جلدة، وتغرَّب عاماً، وإن كانت ثيباً فإنها ترجم، وإذا كذبته فإما أن يكون له بينة أو لا، فإن كان له بينة فلا حد عليه؛ لقوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}} [النور: 4] فعلم من قوله: {{ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}} أنهم لو أتوا بأربعة شهداء لم يجلدوا، فإذا أتى الزوج بأربعة شهود يشهدون على ما قال فإنه يقام الحد على المرأة، ولا يجب عليه شيء، وإذا لم يأتِ ببينة وجب عليه حد القذف، ولهذا قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «البينة أو حد في ظهرك» [(137)]، فلا بد أن يأتي ببينة وإلا يجلد ثمانين جلدة إن كانت الزوجة محصنة أو يسقطه باللعان.

وقوله: «فله إسقاط الحد باللعان» فيه تسامح، والصواب أن يقال: فله إسقاط الحد أو التعزير؛ لأنها إن كانت محصنة فعليه حد القذف، وإن كانت غير محصنة فعليه التعزير، فيعزر بما دون الحد، والإحصان هنا أن تكون حرة، ومسلمة، وعاقلة، وعفيفة عن الزنا، وملتزمة، ويُجامَع مثلها.

وقوله: «باللعان» «الباء» يحتمل أن تكون للسببية، أي: بسبب اللعان، وأن تكون للتعدية يعني يسقطه بكذا.

والدليل على ذلك قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ}} [النور: 6] ، وكونها أربع شهادات بالله، الحكمة فيها واضحة؛ لأنها مقابل أربعة شهود، وقوله: {{بِاللَّهِ}} أفادت الآية الكريمة أن هذه الشهادة مقرونة بقسم؛ لأنه يقول: أشهد بالله، كأنما قال: أشهد مقسماً بالله، ولهذا سمَّاها الله ـ تعالى ـ شهادة، وسمَّاها النبي صلّى الله عليه وسلّم أيماناً؛ لقوله: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» [(138)].

وعلى هذا فنقول: هذه الشهادة متضمنة للقسم، وقوله: {{وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ}} {{أَنْفُسُهُمْ}} بدل من شهداء؛ لأن الجملة تامة منفية، وخبر {{يَكُنْ}} {{لَهُمْ}}، ويصلح أن تكون {{يَكُنْ}} تامة يعني، ولم يوجد لهم شهداء، وبعضهم قال: {{إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ}} {{إِلاَّ}} صفة بمعنى «غير» كقوله تعالى: {{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}} [الأنبياء: 22] أي: غير الله، وقالوا: إن {{إِلاَّ}} تأتي بمعنى «غير» لكن ينقل إعرابها إلى ما بعدها، فتكون {{إِلاَّ}} صفة لـ {} لكن نقل إعرابها إلى ما بعدها، فظهر عليه، وهذا الخلاف في الإعراب لا يترتب عليه خلاف في الحكم.

والشرط الرابع: تكليف الزوجين، أي: أن يكون الزوجان مكلفين يعني بالغين عاقلين، والدليل على اشتراط التكليف أن الشهادة لا تقبل من غير المكلف.

ومن شرطه ـ أيضاً ـ أن تكذبه الزوجة؛ أي تقول: إنه كاذب، فلو أقرَّت بما رماها به فإنه لا لعان ويقام عليها الحد، إن كانت محصنة رجمت حتى تموت، وإن كانت غير محصنة فإنها تجلد مائة جلدة وتغرَّب عاماً، والدليل على أن من شرطه أن تكذبه الزوجة قوله تعالى: {{وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ *}} [النور] وهي إذا صدقته وأقرت بالزنا ما يدرأ عنها العذاب؛ لأنها يثبت عليها الحد بإقرارها.

قوله: «فيقول قبلها» هذا هو الشرط الخامس، أن يبدأ الزوج قبل الزوجة.

قوله: «أربع مرات» هذا هو الشرط السادس، أن لا تنقص الشهادة عن العدد الذي ذكره الله عزّ وجل، وهو أربع شهادات.

قوله: «أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، ويشير إليها، ومع غيبتها يسميها وينسبها» فيقول: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، إن كانت حاضرة، وإن لم تكن حاضرة يقول: زوجتي فلانة بنت فلان، وينسبها بما تتميز به، ولكن ليس معنى كلامه أن حضور الزوجة وعدم حضورها على حد سواء، بل لا بد أن تحضر حتى يكون اللعان بينها وبين زوجها متوالياً؛ لأن الصورة التي وقعت في عهد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ على هذه الصفة.

 

وَفِي الْخَامِسَةِ: وأَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ تَقُولُ هِيَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ كَذَبَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا، ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ،.......................

قوله: «وفي الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين» إذاً لا بد من خمس مرات أشهد بالله، وفي الخامسة يضيف إليها «أن لعنة الله عليه»، ولكن الضمير هنا ضمير غيبة، إلا أن الزوج يجعله ضمير متكلم، يعني يقول: «أن لعنة الله عليَّ» ولا يقول: عليه، لكن هذا من باب التأدب في اللفظ، أن يعبر بضمير الغَيبة؛ لئلا يضيف المتكلم اللعنة إلى نفسه.

وقوله: «وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين» هذا الدعاء عليه باللعنة علقه بشرط، أن يكون من الكاذبين.

وفهم من هذه الصيغة التي ذكرها الله في القرآن أن مثل هذا في حكم اليمين، يعني لو قال الإنسان مثلاً ـ وهو يريد أن يؤكد شيئاً ـ: لعنة الله عليه إن كان كاذباً، في خبر من الأخبار، يعتبر هذا في حكم اليمين؛ لأن الله سماه شهادة، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ سماه أيماناً.

وقوله: «أشهد بالله لقد زنت» فلو قال: أشهد بالله أن زوجتي هذه زانية فعلى المذهب لا يصح، وقال بعض أهل العلم: إن ذلك يصح؛ لأن الله لم يذكر ذلك في القرآن {{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}}، ولم يذكر الله ـ تعالى ـ زنت، أو أنها زانية، فإذا أتى بما يدل على ذلك سواء بلفظ زنت، أو زانية، المهم أنه صريح بالزنا سواء كان فعلاً أو اسماً فإنه يصح، وهذا هو الصحيح.

قوله: «ثم تقول هي أربع مرات» يعني بعد أن ينتهي الزوج تقول أربع مرات: «أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا» .

لكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك، فلو قالت: «أشهد بالله إنه لمن الكاذبين» فقط لصح على القول الراجح، أما المذهب فلا بد أن تصرح بأنه كاذب فيما رماها به من الزنا، قالوا: إنما اشترطنا ذلك؛ لئلا تتأول، فتقول: أشهد بالله أنه كاذب يعني في شيء آخر غير هذه المسألة، فلا بد أن تقول: فيما رماني به من الزنا، ولكن يجاب عن ذلك فيقال: إن التأويل في مقام الخصومة لا ينفع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» [(139)]، فلا عبرة بالتأويل، وبناء على ذلك لو اقتصرت على اللفظ الوارد في الآية: «أشهد بالله إنه لمن الكاذبين» لكفى، وهذا الذي اختاره ابن القيم رحمه الله؛ لأنه ما دام غير موجود في القرآن، فكيف نلزم به، ونقول: إذا لم يكن هكذا وجب إعادة اللعان، أو إذا لم يكن هكذا لم يترتب عليه حكم اللعان؟! لأن ظاهر كلام المؤلف أنه إذا اختل شرط فإن اللعان لا يمكن أن يجرى بينهما، ولا يثبت له حكمه.

قوله: «ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين» الغضب أشد من اللعن؛ لأن الغضب طرد وزيادة، وإنما ألزمت بما هو أشد؛ لأن زوجها أقرب إلى الصدق منها، ولأنها عالمة بحقيقة الأمر ـ أنها زانية مثلاً ـ فإذا أنكرت ما تعلم استحقت الغضب؛ لأن إنكار الحق مع علمه موجب للغضب؛ ولهذا كان اليهود مغضوباً عليهم؛ لأنهم علموا الحق وجحدوه، فلما كان ذنبها مشبهاً لذنب اليهود صار في حقها الغضب دون اللعن، أما هو فكان في حقه اللعنة؛ لأن تهمته توجب إبعاد الناس عن هذه المرأة، وتركهم إياها ولعنهم لها، فكان من المناسب أن يكون له اللعن، ففي هذا دليل على الحكمة العظيمة في هذه الشريعة.

وفي هذه الصيغة دعاء معلق بشرط: وإن كان من الكاذبين، وإن كان من الصادقين، فهل يجوز أن يدعو الإنسان دعاء معلقاً؟ الجواب: نعم، يجوز عند الاشتباه؛ لأن الله ـ تعالى ـ أعلم، ومن ذلك دعاء الاستخارة؛ لأن المستخير يقول: «اللهم إن كنت تعلم أن هذا خير لي» [(140)]، وهذا تعليق دعاء، إذاً الدعاء المعلق بشرط جائز في الأمور التي تخفى على الإنسان، وقد ذكر ابن القيم ـ رحمه الله ـ عن شيخه ـ شيخ الإسلام ـ أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله إن قوماً يُقَدَّمون إلينا لا ندري أمسلمون هم أم غير مسلمين؟ فهل نصلي عليهم، أو ندع الصلاة عليهم؟

فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: عليك بالشرط، أي: الشرط في الدعاء، يعني قل: اللهم إن كان هذا الرجل مسلماً فاغفر له، والله ـ تعالى ـ يعلم إن كان مسلماً أو غير مسلم.

وهذه الرؤيا هل يعمل بها أم لا؟ من المعلوم أن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمرائي، حتى تعرض هذه الرؤيا على نصوص الشرع؛ فإن وافقت قبلت، وتكون الرؤيا تنبيهاً فقط، وإن لم توافق ردت، وإلا لأمكن كل واحد أن يقول: رأيت الرسول صلّى الله عليه وسلّم البارحة، وقال: يا بني عظّمني، أقم لي ليلة المولد باحتفال عظيم، وما أكثر مثل هذه المنامات عند الصوفية، أهل الصوفة، وليسوا أهل الصفة، فأهل الصفة أولياء وأتقياء، وأما هؤلاء فبدع وخرافات، إذاً إذا رأى الإنسان النبي صلّى الله عليه وسلّم في منامه بصورته المعروفة، وأوصاه بشيء فإنه ليس حكماً شرعياً؛ لأن إبلاغ الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ انتهى بموته.

إذاً لا بد من صيغة اللعان أن تكون على هذه الصيغة التي ذكرها المؤلف، وأن يبدأ الزوج بها قبل الزوجة، وأن يختص كل منهما باللفظ المخصص له، الزوج باللعن والزوجة بالغضب.

واللعان وقع في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فهلال بن أمية ـ رضي الله عنه ـ قذف زوجته بشريك بن سحماء ـ رضي الله عنه ـ، وجاء النبيَّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ يشكو إليه، فقال له: «البينة أو حد في ظهرك» ، فأنزل الله ـ تعالى ـ الآيات في هذا، وأجرى النبي صلّى الله عليه وسلّم بينهما اللعان، ووصف النبي صلّى الله عليه وسلّم الولد الذي حملت به المرأة بأنه إن جاء على وصف كذا فهو لهلال، وإن جاء على الوصف الفلاني فإنه لشريك، فأتت به على النعت المكروه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» [(141)]، ووقعت بعد ذلك قصة أخرى مع عويمر العجلاني وزوجته ـ رضي الله عنهما ـ، فأجرى النبي صلّى الله عليه وسلّم بينهما اللعان[(142)].

فالحاصل أن هذا الأمر ـ نسأل الله العافية ـ قد يقع في أي عصر من العصور وليس أمراً غريباً، ولكن الشأن كله في أن الزوج هل يجب عليه إذا اتهم زوجته أن يلاعن، أو لا يجب، أو يجب عليه الفراق، أو ماذا يفعل؟

يقول العلماء: إن حملت من هذا الرجل الفاجر وجب عليه أن يلاعن؛ من أجل نفي الولد، وإن لم تحمل فإنه لا يجب عليه اللعان، وله أن يستر عليها، ثم إن كان قادراً على حفظها وحمايتها فليبقها عنده، وإلا فليطلقها؛ لئلا يكون ديوثاً يقر أهله بالفاحشة، والظاهر أن الأفضل الستر، خصوصاً إذا ظهر منها التوبة، وكانت ذات أولاد، ويخشى من تفرق العائلة.

 

فَإِنْ بَدَأَتْ بِاللِّعَانِ قَبْلَهُ، أَوْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا شَيْئاً مِنَ الأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ، أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا حَاكِمٌ، أَوْ نَائِبُهُ، أَوْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالإِبْعَادِ، أَوِ الْغَضَبِ بِالسَّخَطِ لَمْ يَصِحَّ.

قوله: «فإن بدأت باللعان قبله» لم يصح اللعان؛ لأنه خلاف القرآن لفظاً ومعنى، أما خلافه لفظاً فلأن الله قال: {{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}} [النور: 6] ، وأما خلافه معنى فلقوله: {{وَيَدْرَأُ} {عَنْهَا الْعَذَابَ}} [النور: 7، 8] ، والعذاب ما يثبت إلا بعد أن يلاعن الزوج، وإذا كان لا يثبت إلا بعد اللعان لزم من ذلك أن يسبق لعانُ الزوج لعانَ المرأة، فإذا بدأت قبله فإنه لا يصح.

وقوله تعالى: {{وَيَدْرَأُ} {عَنْهَا الْعَذَابَ}} قال بعض العلماء: إنه الحد، وبعض العلماء يقول: إنه الحبس، وأنها إذا شهد عليها الزوج ولم تقر فإنها تحبس حتى تلاعن أو تقر، والصواب أن العذاب المذكور في الآية هو الحد؛ لأن شهادة الرجل أو لعان الرجل يعتبر كإقامة البينة، ولهذا قال: {{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ}}.

قوله: «أو نقص أحدهما شيئاً من الألفاظ الخمسة» لم يصح، وهذا داخل في الصيغة.

قوله: «أو لم يحضرهما حاكم أو نائبه» هذا هو الشرط السابع، يعني لا بد من حضور الحاكم أو نائبه، يعني القاضي أو من ينيبه في ذلك؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما أخبره هلال ـ رضي الله عنه ـ بما جرى لأمرأته أمره أن يحضرها، فتلاعنا بحضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم[(143)]، ولأن هذا كالشهادة في الأحكام، والشهادة ما تقبل إلا بحضور الشهود عند الحاكم أو نائبه، فلو تلاعن الزوج وزوجته عند حضرة من الناس لم ينفع، بل لا بد من حضور الحاكم أو نائبه.

قوله: «أو أبدل لفظة أشهد بأقسم أو أحلف» هذا هو الشرط الثامن، فإذا أبدل أحدهما لفظة «أشهد» بـ «أقسم» أو «أحلف» ما صح؛ لأن الله سماه شهادة فقال: {{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ}} فإذا قال: أحلف بالله صارت يميناً فقط، ولو قال: أشهد أن زوجتي زنت، أو قالت هي: أشهد أنه كاذب، ما يصح، فلا يبدل شيئاً من الألفاظ بغيره، ولو كان مرادفاً له.

قوله: «أو لفظة اللعنة بالإبعاد» فالزوج بدلاً من أن يقول: لعنة الله عليّ، قال: وأن طرد الله وإبعاده عن رحمته عليّ، لم يصح، فلا بد أن يكون باللفظ الوارد؛ ولهذا قلنا: لا بد أن يكون بالعربية للقادر عليه، ولو كان يجوز إبدال لفظ بلفظ لجاز بالعربية وغيرها.

قوله: «أو الغضب بالسخط لم يصح» فإذا أبدلت الزوجة لفظ الغضب بالسخط لم يصح، وكذلك يشترط التوالي بين الكلمات والجمل.

* * *

فَصْلٌ

 

وَإِنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ، أَوِ المَجْنُونَةَ عُزِّرَ، وَلاَ لِعَانَ، وَمِنْ شَرْطِهِ قَذْفُهَا بِالزِّنَا لَفْظاً، كَزَنَيْتِ، أَوْ يَا زَانِيَةُ، أَوْ رَأَيْتُكِ تَزْنِينَ فِي قُبُلٍ، أَوْ دُبُرٍ، فَإِنْ قَالَ: وُطِئْتِ بشُبْهَةٍ، أَوْ مُكْرَهَةً، أَوْ نَائِمَةً، ........

قوله: «وإن قذف زوجته» تقدم أن القذف هو الرمي بالزنا أو اللواط، لكن بالنسبة للمرأة ما يتصور اللواط، ويتصور الزنا.

قوله: «الصغيرة» وهي التي دون التسع، يعني التي لا يوطأ مثلها، وليس المراد بالصغيرة من دون البلوغ؛ لأن من دون البلوغ قد توطأ ويتصور منها الزنا، فالمراد بالصغيرة هنا من دون التسع، كما ذكره في الإقناع وغيره.

قوله: «أو المجنونة» ولو كبيرة؛ وذلك لأن الصغيرة التي لا يوطأ مثلها لا يلحقها العار، كما يلحق التي يوطأ مثلها، والمجنونة كذلك لا يلحقها العار كما يلحق العاقلة، فلهذا لا يجب عليه حد القذف، ولهذا قال المؤلف:

«عُزِّر» والتعزير في اللغة يطلق على عدة معانٍ، منها النصرة كما في قوله تعالى: {{لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ}} [الفتح: 9] ، ومنها التأديب وهو المراد هنا، فمعنى «عزر» أُدِّب.

والتعزير على المشهور من المذهب لا يتجاوز به عشر جلدات؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» [(144)].

فعلى هذا يكون التعزير من العشر فأقل، والصحيح أن التعزير ـ كما يدل عليه اسمه ـ ما يحصل به التأديب، سواء كان عشر جلدات أو خمس عشرة جلدة أو عشرين جلدة أو أكثر، إلا أن التعزير إذا كان جنسه فيه حد فإنه لا يبلغ به الحد، فالتعزير على قذف الصغيرة والمجنونة لا يمكن أن يصل إلى ثمانين جلدة؛ لأن حد القذف في الكبيرة العاقلة المحصنة ثمانون فلا يمكن أن يبلغ التعزير إلى غاية الحد؛ لئلا نلحق ما دون الذي يوجب الحد بما يوجب الحد.

قوله: «ولا لعان» يعني لا تلاعن بين الزوج والزوجة فيما إذا كانت صغيرة دون التسع، أو كانت مجنونة؛ لأنه لا يصح اللعان منها، وقد سبق أنه يشترط في اللعان أن يكون الزوجان مكلفين، أي: بالغين، عاقلين.

فإن قذف صغيرة فوق التسع يعني بلغت تسعاً فأكثر، لكن لم تبلغ، فإنهم رحمهم الله يقولون: يرجأ الأمر إلى أن تبلغ ثم تطالب بحقها، فإما أن تقر أو تنكر أو يقيم عليها البينة، أو يلاعن، ولعانها في هذه الحال لا يصح؛ لعدم التكليف، ولا يمكن إهدار حقها من اللعان، فيوقف الأمر حتى تبلغ.

قوله: «ومن شرطه» أي: من شرط اللعان، و «مِن» للتبعيض، فيدل على أن هناك شروطاً أخر، وهو كذلك.

قوله: «قذفها» أي: الزوجة، فهنا المصدر مضاف إلى مفعوله، والفاعل الزوج، يعني قذف الزوج إياها.

قوله: «بالزنا لفظاً، كزنيت أو يا زانية، أو رأيتك تزنين في قبل أو دبر» لا بد أن يصرح بالنطق بقذفها بالزنا، مثل أن يقول: زنيت، أو رأيتك تزنين، أو يا زانية، أو ما أشبه ذلك من ألفاظ القذف، فإن أشار إشارة دون أن يتلفظ فإنه لا لعان.

قوله: «فإن قال: وُطئتِ بشبهة» فهذا ليس بقذف؛ لأن هذا لا يلحقها به عار، وهل يمكن أن توطأ بشبهة؟ نعم يمكن بأن تكون في محل رجل فيطؤها يظنها زوجته.

قوله: «أو مكرهة» يعني وُطِئْتِ مكرهة، فليس هذا بقذف؛ لأنه لا يلحقها العار، وإذا لم يكن ذلك قذفاً فإنه لا لعان بينهما، ولا حد عليه في هذه الحال.

قوله: «أو نائمة» أي: وطئت نائمة، أيضاً هذا ليس بقذف؛ لأن النائم لا يلحقه إثم ولا لوم، وفعل النائم لا ينسب إليه، والدليل قوله ـ تعالى ـ في أصحاب الكهف: {{وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ}} [الكهف: 18] هم يتقلبون، لكن نسب الفعل إلى الله؛ لأنهم لا يحسون به، ولأنهم ليسوا مكلفين في هذه الحال، وكذلك الحديث: «رفع القلم عن ثلاثة» ، ومنهم: «النائم حتى يستيقظ» [(145)].

وإذا قال: إنك وطئت بشبهة أو مكرهة أو نائمة، فهل يلزمه أن يتجنبها حتى تعتد بثلاثة قروء، أو لا يلزمه إلا بحيضة واحدة أو، لا يلزمه مطلقاً؟

هذه ثلاثة احتمالات، أصح هذه الاحتمالات أن لا يجتنبها، بل ينبغي أن يبادر بجماعها حتى لا تلحقه الوساوس فيما بعد، ويقول: إن حملها ليس مني، وإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بأن الولد للفراش وهو الزوج، وللعاهر الحجر[(146)]، فلا يلحقنا حرج.

ومن العلماء من قال: يجب أن تستبرأ بحيضة لاحتمال أن تكون حملت، ولا تلزمها العدة؛ لأن العدة إنما تجب في النكاح.

ومنهم من قال: تلزمها العدة ثلاثة قروء، وإذا كانت تُرضع وقلنا بهذا القول ـ والغالب أن التي ترضع لا تحيض ـ فستبقى سنتين، فالمهم أن أصح الأقوال في ذلك أنها لا تلزمها عدة ولا استبراء، وأننا نحب ونرغب أن يبادر بجماعها.

 

أَوْ قَالَ: لَمْ تَزْنِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هـذَا الْوَلَدُ مِنِّي فَشَهِدَتِ امْرأَةٌ ثِقَةٌ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ لَحِقَهُ نَسَبُهُ وَلاَ لِعَانَ، وَإِذَا تَمَّ سَقَطَ عَنْهُ الحَدُّ، والتَّعْزِيرُ، وَثَبَتَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَحْرِيمٍ مُؤَبَّدٍ.

قوله: «أو قال: لم تَزنِ، ولكن ليس هذا الولد مني» قال الزوج: ما زنت، ولا أتهمها بالزنا، لكن هذا ليس مني، إذ يمكن أن توطأ بشبهة، لكن هو تحرز بقوله: «لم تزنِ» أن يقول: إنها وطئت بشبهة؛ لأنه ما يدري هل وطئت بشبهة أو زنت؟ فإنه لا لعان بينهما، ويكون الولد له حكماً، ولا يمكن أن ينتفي منه، فإن تيقن أنه ليس منه؛ لأنه غائب عنها ومستبرئها، نقول: هو منك قهراً، فإذا أراد أن ينتفي منه يجب أن يقذفها بالزنا ثم يلاعن! هذا هو المذهب، لكن هذا القول ضعيف جداً حتى أن أكثر الأصحاب لا يختارونه.

والصواب أنه يصح أن يلاعن لنفي الولد، فيقول: لم تزن ولا أتهمها بالزنا، ولكن هذا الولد ليس مني أو يقول: أشهد بالله أن هذا الولد ليس مني أربع مرات، وفي الخامسة يقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وهذا القول هو الراجح بل المتعين؛ لأن مثل هذه المسألة قد يبتلى بها الإنسان، وإلحاقنا الولد بهذا الرجل وهو يقول: ليس مني، معناه أنه ينسب إليه، ومعنى ذلك أن أبناءه يكونون إخوة لهذا الولد، ويجري التوارث بينه وبين هذا الولد، والمسألة يتفرع عليها أحكام كثيرة، وهذا الرجل متيقن أنه ليس منه، فكيف نقول: لا بد أن تقول الزور، ثم تلاعن؟! والزور أن يقذفها بالزنا، والرجل يقول: أنا لا أستطيع أن أُحمِّل ذمتي، وألطخ عرضها، ولكن هذا الولد ليس مني؛ ولهذا فهذا القول مَنْ تصوره وتصور نتائجه عرف أنه قول ضعيف جداً، بل باطل، وأن الصواب الذي اختاره أكثر الأصحاب، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ـ رحمهم الله ـ وجماعة من المحققين أنه يجوز اللعان لنفي الولد، وهو الذي تشهد العقول لصحته، وها هنا مسألتان فيهما خلاف:

الأولى : إذا قلنا بصحة اللعان لنفي الولد، فهل يجوز أن ينفيه قبل أن يولد أو لا ينفيه حتى يولد؟

الثانية : هل يشترط أن تلاعن الزوجة فيما إذا كان اللعان لنفي الولد، أو يكتفى بلعان الزوج؟

أما المسألة الأولى: فالمذهب لا يصح نفي الولد إلا بعد وضعه، فينتظر حتى يوضع، قالوا: لأنه يحتمل أن يكون ريحاً وليس بحمل، فلا يرد عليه نفي حتى يوضع؛ لأنه هو الحال التي نتيقن فيها أنه ولد.

والقول الثاني : أنه يصح الانتفاء من الولد قبل وضعه، وهذا هو الصواب؛ لدلالة السنة عليه، ولأنه هو مقتضى القياس.

أما السنة فإن الولد الذي جاءت به امرأة هلال ـ رضي الله عنه ـ بَيَّن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه إن جاءت به على وجه كذا فهو لفلان، وإن جاءت به على وجه كذا فهو لهلال[(147)]، فدل هذا على أنه يمكن أن ينفى قبل الوضع، وإذا قدرنا أنه ليس بولد، فماذا يضيرنا؟! بل إذا لم يكن هذا ولداً صار أحسن، أو كان ولداً ثم مات قبل أن يوضع فلا يتغير الحكم.

وأما المسألة الثانية : وهي أنه هل يكتفى بلعان الزوج وحده؟

فالصحيح أنه يكتفى بذلك؛ لأن الله قال في اللعان: {{وَيَدْرَأُ} {عَنْهَا الْعَذَابَ}}، وفي هذه الحال التي لاعن الزوج من أجل نفي الولد، هل عليها عذاب؟

الجواب: ليس عليها عذاب، لأنه ما قذفها بالزنا حتى يقع عليها العذاب، فالذي لا بد فيه من اللعان بين الزوجين إذا كان قد قذفها بالزنا؛ لأجل أن تبرئ نفسها، وأما رجل يقول: ما زنت، لكن هذا الولد ليس مني، فالصواب أنه لا بأس به، وأنه يثبت انتفاء الولد بمجرد لعان الزوج، فيقول: أشهد بالله أن الولد الذي في بطنها، إن كانت حاملاً أو هذا الولد ـ بعد وضعه ـ ليس مني، يقول ذلك أربع مرات، وفي الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.

قوله: «فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان» الماتن ـ رحمه الله ـ أدخل مسألة في مسألة، فإن قوله: «فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه» هذه الصورة فيما إذا قاله بعد إبانتها، أي: بعد أن أبانها ولدت، فقال: هذا الولد ليس مني، فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه قبل أن يبينها، ولهذا فرضها في «المقنع» الذي هو أصل هذا الكتاب، وكذلك في «الإقناع» و«المنتهى» في هذه الصورة.

وقوله: «امرأة ثقة» هذا ما مشى عليه المؤلف، وهي جادة المذهب في أن الأشياء التي لا يطلع عليها غالباً إلا النساء يكفي فيها شهادة امرأة واحدة، والولادة الغالب أنه ما يطلع عليها إلا النساء، فيكفي فيها شهادة امرأة واحدة، وأصل هذا قصة المرأة التي شهدت أنها أرضعت الرجل وزوجته، فأمره النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يفارقها وقال له: «كيف وقد قيل؟!» [(148)] فأخذ الفقهاء من ذلك أن كل شيء لا يطلع عليه إلا النساء غالباً فإنه يكتفى فيه بشهادة امرأة ثقة؛ لأن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ اعتبر شهادة هذه المرأة، وهي واحدة.

ولكن في النفس من هذا بعض الشيء؛ لأن طرد هذه المسألة في كل شيء قد يكون فيه نظر، فنقول: ما ورد به الشرع في الاكتفاء بامرأة واحدة كالرضاع يكتفى فيه بامرأة واحدة، وغير الرضاع لا يقاس عليه؛ إذ إن الرضاع يحتاط فيه أكثر، بخلاف غيره من الأمور، وإذا كانت الأمور التي لا يطلع عليها إلا الرجال لا بد فيها من شاهدين رجلين، أو رجل وامرأتين، فكيف بالأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء؟! ولهذا فالقول الثاني في هذه المسألة: أنه لا يقبل إلا شهادة امرأتين أنه ولد على فراشه، فإذا شهدتا أنه ولد على فراشه لحقه نسبه.

قوله: «وإذا تم» الضمير يعود على اللعان، فإذا تم بالشهادات الخمس السابقة تفرع عنه عدة أمور:

أولاً: قوله: «سقط عنه الحد والتعزير» سقط عن الزوج الحد والتعزير، و «الواو» هنا بمعنى أو، يعني أو التعزير، فالحد إن كانت الزوجة محصنة، والتعزير إن كانت غير محصنة، فإذا كانت الزوجة محصنة فإنه يثبت عليه حد القذف ثمانون جلدة؛ لقوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}} [النور: 4] ، وإن لم تكن محصنة وجب عليه التعزير، بأن يعزره الإمام بما يردعه عن هذا العمل، حتى لو كان زوجها، والدليل على سقوط الحد عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يحد هلال بن أمية ولا عويمر العجلاني رضي الله عنهما؛ ولأن شهادته بمنزلة البينة.

ثانياً : قوله: «وثبتت الفرقة بينهما» هذا الأمر الثاني مما يترتب على اللعان أنه يفرق بينهما.

وقوله: «ثبتت الفرقة» ظاهره أنها لا تحتاج إلى تفريق الحاكم، يعني ما يحتاج إلى أن يقول الحاكم: فرقت بينكما، بل بمجرد اللعان تثبت الفرقة بين الزوج والزوجة، وهو كذلك.

ثالثاً : قوله: «بتحريم مؤبد» هذا الأمر الثالث مما يترتب على اللعان، أنها تحرم عليه تحريماً مؤبداً، فلا تحل له أبداً، لا بعد زوج ولا بدون زوج؛ للتالي:

أولاً : أن هذا هو مقتضى الأدلة السابقة التي ذكرناها من قبل، أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم فرق بينهما وحرَّمها عليه.

ثانياً : الدليل النظري، فنقول: كيف يمكن أن يلتئم شخصان، أحدهما يقول: إن الآخر زانٍ، والثاني يقول: إن الآخر قاذف وكاذب؟! فلا التئام بينهما.

وفي هذه الحال ـ حال التحريم المؤبد ـ هل يكون مَحْرَماً لها؟ لا؛ مع أن التحريم مؤبد؛ لأنه ليس من الأسباب المباحة؛ لأن الأسباب المباحة التي يَثبت بها التحريم المؤبد تُثْبِتُ المحرميةَ، وهي ثلاثة: النسب، والمصاهرة، والرضاع.

وهل يكون محرماً لبناتها؟ الجواب: يكون محرماً لبناتها إذا كان قد دخل بها؛ لأنهن ربائب، ويكون محرماً لأمهاتها ولو لم يدخل بها؛ لأن أمهات الزوجة يحرمن على الزوج بمجرد العقد، ويكنَّ محارم له.

رابعاً : انتفاء الولد، ولكن هل يشترط أن ينفيه أو لا؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فقيل: إن نفاه ثبت انتفاؤه، وإن لم ينفه فالولد له، واستدل هؤلاء بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الولد للفراش» [(149)]، وهذا ولد على فراشه فيكون له.

وقال بعض العلماء: بل ينتفي الولد بمجرد اللعان وإن لم ينفه، ويكون انتفاء الولد هنا تبعاً للعان، كما أنه لا يحد حدَّ القذف لمن رماها به، بل يسقط حده تبعاً، فكذلك الولد ينتفي تبعاً، وهذا القول هو الصحيح، ولهذا الذين لاعنوا في عهد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يُلحق أولادهم بهم، بل صاروا يدعون لأمهاتهم لا لآبائهم.

مسألة : إذا ألحق الولد بأمه فقط، فكيف ترثه؟ هل ترثه ميراث أم، أو ميراث أم وأب، ويكون لها الفرض والباقي تعصيباً، أو يكون لها الفرض والباقي لأقرب عصبتها؟ في ذلك خلاف بين العلماء، فمن العلماء من يقول: إنها ترثه ميراث أم والباقي ـ إذا لم يكن له عصبة ـ يكون لعصبتها هي، أقربهم إليها عصباً يكون له، وانتبه لقولنا: إذا لم يكن له عصبة، فهل يتصور أن هذا الولد المنفي من جهة أبيه أن يكون له عصبة؟ نعم يتصور إذا كان له أولاد فإنهم يكونون عصبة له.

والصحيح أن الأم ترثه إرث أمٍّ عاصب لحديث: «تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه» [(150)]، وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف لكن يؤيده المعنى؛ لأن عصبتها لا يدلون إلا بها فكيف يكون المدلي أقوى من المدلى به؟! وعلى هذا فإذا مات هذا الولد المنفي وليس له عصبة، فنقول: لأمه الثلث فرضاً والباقي تعصيباً، وعلى القول الثاني ـ وهو المذهب ـ أنها لا ترثه إلا ميراث أم فيكون لها الثلث فرضاً، والباقي لأولى رجل ذكر من عصبتها، فإذا كان لها أب وأخوة فالميراث للأب، وإذا كان لها جد وإخوة فالصحيح أن الميراث للجد، وعلى قول الذين يورثون الإخوة مع الجد يكون على حسب قولهم، لكن الصحيح أن الجد يكون بمنزلة الأب فيحجب الإخوة مطلقاً.

هذا الفصل من أهم الفصول في هذا الباب؛ وذلك أن الأصل فيما ولد على فراش الإنسان أنه ولده، والشُّبَهُ التي تعترض الإنسان في هذا الأمر يجب أن يلغيها، وأن لا يلقي لها بالاً؛ لأن الشرع يحتاط للنسب احتياطاً بالغاً؛ لأن عدم إلحاق الولد بأحد معناه أن يضيع نسبه، ويبقى مُعَيَّراً ممقوتاً بين الناس، ويحصل له من العُقَد النفسية والآلام ما لا يخفى؛ فلهذا كان حرص الشارع كبيراً على إلحاق النسب.

* * *

فَصْلٌ

 

مَنْ وَلَدَتْ زَوْجَتُهُ مَنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ لَحِقَهُ،........................

قوله: «من ولدت زوجته من أمكن كونه منه لحقه» هذه قاعدة عامة.

فقوله: «زوجته» معلوم أنها لا تكون زوجة إلا بعقد صحيح.

وقوله: «من أمكن كونه منه لحقه» ويكون ولداً له، والدليل لذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» [(151)].

وعلم من قوله: «من ولدت زوجته» أنه لو ولدت أنثى غير زوجته، مثل امرأة زنى بها ـ والعياذ بالله ـ فولدت ولداً منه يقيناً، فهل يلحقه أو لا؟ المذهب ـ وهو قول أكثر أهل العلم ـ لا يلحقه؛ لأن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: «للعاهر الحجر» ، والعاهر الزاني.

وإذا استلحقه ولم يدعه أحد، وقال: ولدي وينسب إليّ، فلا يلحقه؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وللعاهر الحجر» ، حتى لو قال الزاني: أنا أريد هذا الولد، انسبوه إليّ، وحتى لو تزوج المزني بها بعد، كما يجري عند بعض الناس، إذا زنى بامرأة وحملت منه، قالوا: نريد أن نستر عليها، فيتزوجها، ويستلحق الولد، ويكون في هذا ستر على الجميع، وتحل المشاكل، ولا تعير الأم، ولا يعير الولد! المهم أن كلام المؤلف واضح أنه ما يمكن أن يلحق به، إلا إذا كان من زوجته، أما إذا كان من امرأة أجنبية فلا يلحق به ولو استلحقه.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه إذا استلحقه ولم يَدَّعِهِ أحدٌ فإنه يلحق به؛ حفظاً لنسب هذا الطفل؛ لئلا يضيع نسبه، ولئلا يعير، وإذا كان الإنسان في باب الإقرار بالميراث ـ كما سبق ـ إذا أقر بأن هذا وارثه، أو أنه ابنه، كإنسان مجهول قال: هذا ابني، فإنه سبق لنا أنه يلحق به، كل ذلك حفظاً للأنساب، فهذا الرجل الذي استلحق هذا الولد بدون أن يدعيه أحد يكون له، وهو مذهب إسحاق بن راهويه، واختاره بعض السلف أيضاً، وقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» جملتان متلازمتان، فيما إذا كان عندنا فراش وعاهر، فلو زنى رجل بمزوجة، وقال: الولد لي، نقول: لا، ويدل لذلك سبب الحديث، فإن سبب الحديث هو أن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ ادعى أن غلاماً كان عهد به إليه أخوه عتبة؛ لأن عتبة فجر بوليدة لزمعة، وزمعة أبو سودة زوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاختصم فيه سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة، أما سعد فقال: يا رسول الله إن هذا ابن أخي عتبة عهد به إلي ـ يعني وصاني عليه ـ وأما عبد بن زمعة فقال: يا رسول الله هذا أخي، ولد على فراش أبي، فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، انظر إلى شبه الولد، فلما نظر وجد أنه يشبه عتبة، ولكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: «الولد لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجر» ، لكن قال لسودة: «واحتجبي منه يا سودة» ، فأمر سودة ـ رضي الله عنها ـ بأن تحتجب منه، فحكم بأنه أخوها وقال: احتجبي منه، لماذا؟

قال بعض العلماء: إن هذا من باب الاحتياط؛ لأنه وجد عندنا أصل وظاهر، الأصل الفراش، والظاهر الشَّبَه البَيِّن بعتبة، فلما اجتمع عندنا أصل وظاهر صار الاحتياط أن نحكم بالأصل والظاهر ونحتاط، فنعمل بهذا وبهذا.

وقال بعض العلماء: إن هذا من باب إعمال الدليلين، وأن هذا ليس حكماً احتياطياً، بل هو حكم واجب، وفرق بينهما، فالحكم الاحتياطي ليس واجباً، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الحكم الاحتياطي لا يدل على الوجوب، لكن القول الثاني أن هذا حكم أصلي، أعمل فيه السببان وهما الأصل والظاهر، فيكون هذا الحكم ليس احتياطياً، لكن يعكر عليه أن الحكم بالسببين يستلزم العمل بالنقيضين وهذا بعيد، والأقرب ـ والله أعلم ـ أن هذا من باب الاحتياط وليس من باب الحكم بالدليلين.

وقوله: «من أمكن» أي: أمكن عقلاً، وإن كان بعيداً عادة.

 

بِأَنْ تَلِدَهُ بَعْدَ نِصْفِ سَنَةٍ مُنْذُ أَمْكَنَ وَطْؤُهُ، أَوْ دُونَ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبانَهَا، وَهُوَ ممَّنْ يُولَدُ لِمِثْلِهِ كَابْنِ عَشْرٍ،..............................

قوله: «بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه، أو دون أربع سنين منذ أبانها، وهو ممن يولد لمثله كابن عشر» اشترط المؤلف شرطين:

الأول : أن يكون الزوج ممن يولد لمثله، وهو ابن عشر سنين، وهذا ممكن لكنه نادر، فإذا كان له تسع سنين وجامع زوجته وجاءت بولد، يقولون: لا يمكن أن يلحق الولد به؛ لأنه ما يمكن أن يولد له، ومَنْ له عشر سنين يمكن أن يولد له، ويقال: إن بين عبد الله بن عمرو بن العاص وأبيه ـ رضي الله عنهما ـ إحدى عشرة سنة، ويقول الشافعي رحمه الله: رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة.

الثاني : أن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه، وإن لم نتحقق أنه وَطِئ، مثل ما لو تزوج امرأة في البلد ولم يدخل عليها وأتت بولد بعد نصف سنة منذ أمكن الوطء، لكنه ما دخل عليها وعاش الولد فإنه يكون للزوج؛ لأنه يمكن أنه اتصل بها فيكون الولد ولداً له.

وإذا ولدته قبل نصف السنة وعاش فلا يكون له؛ لأن أقل مدة الحمل الذي يمكن أن يعيش ستة أشهر، والدليل قوله تعالى: {{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا}} [الأحقاف: 15] ، وقوله: {{وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}} [لقمان: 14] أَسْقِطِ العامين من الثلاثين شهراً يبقى للحمل ستة أشهر، فعلى هذا إذا ولدت لأقل من ستة أشهر وعاش فالولد ليس له، وذكر ابن قتيبة في كتابه «المعارف» أن عبد الملك بن مروان وهو من أعظم الخلفاء ولد لستة أشهر.

وقوله: «وهو» الضمير يعود على الزوج.

وقوله: «ممن يولد لمثله كابن عشر» يعني الذي تم له عشر.

وقوله: «كابن عشر» هذا مثال لأدنى ما يمكن أن يولد لمثله، وهو من تم له عشر سنوات، وهل يمكن أن يولد لمن تم له عشر سنوات؟ قالوا: إنه يمكن، وهذا القول وسط بين قولين آخرين، أنه يمكن أن يولد له وله تسع سنين، وقول ثالث أنه لا يولد إلا وله اثنتا عشرة سنة، ودليل المذهب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» [(152)]، ولأن هذا الأمر قد وقع وإن كان قليلاً.

وقوله: «أو دون أربع سنين» بناء على المشهور من المذهب أن أكثر مدة الحمل أربع سنين، وسيأتينا ـ إن شاء الله ـ في كتاب العِدد، ولا دليل على أكثر الحمل، لكن قالوا: لأن هذا أكثر ما وجد، فنقول: تقييد الحكم بالوجود يحتاج إلى دليل؛ لأنه قد تأتي حالات نادرة غير ما حكمنا به، وهذا هو الواقع، فقد وجد من لم يولد إلا بعد سبع سنين! ولد وقد نبتت أسنانه، ووجد أكثر من هذا، إلى عشر سنين، وهو في بطن أمه حياً، لكن الله ـ عزّ وجل ـ منع نموه، فالصحيح أنه لا حَدَّ لأكثره وأنه خاضع للواقع، فما دمنا علمنا أن الولد الذي في بطنها من زوجها وما جامعها أحد غيره وبقي في بطنها أربع سنين، أو خمس سنين أو عشر سنين فهو لزوجها.

وقوله: «أمكن» فلا يشترط تحقق اجتماع الزوجين، يعني سواء تحققنا أنهما اجتمعا أم لم نتحقق، فما دام الأمر ممكناً فالولد له، وهذا قول بين أقوال ثلاثة، وهو مذهب الحنابلة.

القول الثاني : أنه يلحق به منذ العقد، سواء أمكن اجتماعه بها أم لم يمكن، وعلى هذا القول فإذا تزوج امرأة وهو في أقصى المشرق وهي في أقصى المغرب، ثم ولدت بعد العقد بنصف سنة فإنه يلحق به، ولو لم يسافر، يقولون: لأن المرأة تكون فراشاً بمجرد العقد ولا يشترط إمكان اجتماعهما، وهذا مذهب أبي حنيفة.

القول الثالث : أنها لا تكون فراشاً له حتى يتحقق اجتماعه بها ووطؤه إياها؛ لأنها فراش، وفراش بمعنى مفروش، ولا يمكن أن يفرشها إلا إذا جامعها، وعلى هذا القول إذا عقد عليها ولم يدخل بها، وأتت بولد لأكثر من ستة أشهر فليس ولداً له، وهذا القول هو الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فما تكون فراشاً إلا بحقيقة الوطء وإلا فلا، كما أن الأمة ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ أنها لا تكون فراشاً لمالكها إلا إذا وطئها، وهذا كما أنه مقتضى الدليل اللغوي، هو مقتضى دليل العقل، فكيف يمكن أن نلحقه به، وهو يقول: أنا ما دخلت عليها ولا جئتها؟!

أما القول الثاني الذي يقول: تكون فراشاً له أمكن وطؤه أم لم يمكن، بل بمجرد العقد، فهذا أبعد ما يكون عن المعقول! والعجيب أنه مذهب أبي حنيفة، والأحناف ـ رحمهم الله ـ دائماً تكون مسائلهم الفقهية مبنية على النظر والعقل، لكن في هذه المسألة قولهم بعيد جداً، كيف تكون فراشاً له، وهو في المشرق، وهي في المغرب، ونعلم أنها ما سافرت ولا سافر، أين الفراش؟!

والأمة المملوكة يلحقه ولدها كما سيأتي، والموطوءة بشبهة، سواء كانت الشبهة شبهة اعتقاد أو شبهة عقد ـ أيضاً ـ يلحقه ولدها.

والموطوءة بشبهة اعتقاد أن يظنها زوجته، وبشبهة عقد أن يعقد عليها عقداً فاسداً، أو باطلاً ويظنه صحيحاً.

مثاله: تزوج امرأة وأتت منه بأولاد، ثم ثبت أنها أخته من الرضاع، فما حكم الأولاد؟ الأولاد له، والشبهة هنا شبهة عقد؛ لأنهم ظنوا أن العقد صحيح، وهو باطل.

مثال آخر: تزوج امرأة عقد له عليها أبوها، وكان أحد الشهود أخاها، وأتت بأولاد، فالعقد فاسد لكن الأولاد له؛ لأنه يعتقد صحته، ولا يعرف أن الأخ لا يكون شاهداً على نكاح أخته إذا كان العاقد هو الأب؛ لأنه إذا كان الأب هو العاقد، والشاهدان أحدهما أحد الإخوة، والآخر عمها، فلا يصح العقد على المذهب؛ لأنهم يقولون: لا بد أن يكون الشاهدان ليسا من أصول الزوج ولا من فروعه، ولا من أصول الزوجة ولا من فروعها، ولا من أصول الولي ولا من فروعه.

وهذا القول ليس بصحيح، لكن نحن نحتاط ونتحرى؛ لأنا نخشى لو حصل خلاف بينهم وترافعوا للمحاكم ـ وهم يحكمون بالمذهب ـ فيفسدون النكاح وكل ما يترتب عليه، ولهذا مع اعتقادي أن هذا القول ضعيف فأنا أتحرز.

وقوله: «منذ أبانها» تحصل البينونة بكل فراق لا رجعة فيه، أو بتمام العدة في الطلاق الذي فيه رجعة، مثال ذلك: رجل طلق زوجته آخِرَ ثلاث تطليقات في آخر يوم من ذي الحجة، في عام ألف وأربعمائة، فبانت منه وولدت في يوم ثمانٍ وعشرين من ذي الحجة عام ألف وأربعمائة وأربعة، فيلحقه النسب لأنها ولدت دون أربع سنين منذ أبانها بيوم.

مثال آخر: رجل طلق زوجته في تسع وعشرين من ذي الحجة عام ألف وأربعمائة، وولدت في تسع وعشرين من محرم عام ألف وأربعمائة وخمسة، فينظر في الطلاق فإن كان بائناً، بأن كان آخر ثلاث تطليقات فالولد ليس له؛ لأنه فوق أربع سنين.

أما إذا كانت رجعية فمعروف أن الرجعية عدتها ثلاث حيض، أو تبقى ثلاثة أشهر حسب الحال، فالولد يلحقه؛ لأنها ما تَبِين بالطلاق الرجعي إلا إذا انتهت العدة، ثم تحسب مدة أربع السنوات.

 

وَلاَ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ إِنْ شُكَّ فِيهِ، وَمَنِ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فِي الْفَرْجِ، أَوْ دُونَهُ فَوَلَدَتْ لِنِصْفِ سَنَةٍ، أَوْ أَزْيَدَ لَحِقَهُ وَلَدُهَا، إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ الاسْتِبْرَاءَ وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ، ........

قوله: «ولا يحكم ببلوغه إن شك فيه» كولد له عشر سنوات تزوج، وجامع الزوجة، وجاءت بولد فيكون له، لكن هل يحكم ببلوغه؟ لا يحكم ببلوغه إذا شككنا فيه، كأن تكون عانته ما نبتت، ولم يتم له خمس عشرة سنة، ونشك في إنزاله، فما ندري هل أنزل أو لا؟ فلا نحكم ببلوغه؛ لأن البلوغ يترتب عليه أحكام كثيرة، وإنما ألحقنا الولد به مع الشك احتياطاً للنسب، وحفظاً له من الضياع، فالشارع له تطلع وتشوُّف لثبوت النسب، فيلحق بأدنى شبهة، أما أن نلزمه بالواجبات، أو نجعل حكمه حكم البالغين مع الشك فلا، بل لا بد في البلوغ من اليقين.

وعلى هذا فلو كان له مال، وقال: أعطوني مالي، أنا عندي أولاد، قلنا: لا؛ لأننا نشك في بلوغك، وهذا هو المذهب أنه لا يحكم ببلوغه إذا شككنا فيه؛ لأن الأصل عدمه.

ومن أين خلق الولد؟! قالوا: مسألة خلق الولد ما ترد علينا؛ لأن إلحاق النسب أمر يتطلع له الشرع، فيثبت بأدنى شبهة، ولهذا سبق في الفرائض أن الورثة لو أقروا بأن هذا أخوهم، وُرِّث وثبت نسبه أيضاً، ولو كان أبوهم ما يدري عن هذا الرجل، فما دامت المسألة ممكنة، وليس هناك مدعٍ، ونسبه مجهول، أي: بالشروط المعروفة، فالمذهب أنه يلحق بالميت ويرث.

قوله: «ومن اعترف بوطء أمته في الفرج، أو دونه فولدت لنصف سنة أو أزيد لحقه ولدها» الأمة لا تكون فراشاً إلا بالوطء، وانتبه لهذا الفرق بين الأمة والزوجة، فالزوجة تكون فراشاً بالعقد إذا أمكن الوطء وإن لم نتحققه، وأما الأمة فما تكون فراشاً إلا بالوطء، وبماذا يثبت الوطء؟ يثبت بواحد من أمرين: إما باعترافه، أو بقيام البينة التي تشهد بأنه جامعها، أما مجرد دعواها فلا تقبل؛ لأنها قد تدعي أنه جامعها لأجل أن تكون أم ولد لو أتت بولد وينكر.

والأمة هي المملوكة، والمملوكة ممن أحل الله تعالى وطأها لقوله تعالى: {{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *} {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *}} [المؤمنون] ، والأمة إذا ثبت أنه وطئها سيدها تسمى «سُرِّيَّة»؛ لأن سيدها تسرَّاها، فإذا اعترف وأتت بولد لنصف سنة أو أزيد لحقه، والفائدة من ذلك أن يكون لهذا الولد نسب معلوم، وأنها تصير بذلك أم ولد تعتق بموته.

وقوله: «نصف سنة» يعني وعاش، فإن أتت به لأقل من نصف سنة ولم يعِش فهو ـ أيضاً ـ ولده؛ لأنه بوطئها صارت فراشاً له، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الولد للفراش» [(153)]، فلو قدر أنه جامعها ثم بعد أربعة أشهر أتت بولد مخلق، فإنه يكون له.

أما إذا أتت به بعد أربعة أشهر منذ وطئها وعاش فليس له، وإذا كان له يترتب على هذا أنها تكون أم ولد كما سبق في باب العتق.

وقوله: «في الفرج أو دونه» فيثبت حتى فيما إذا جامعها دون الفرج؛ لأنه ربما تأخذ شيئاً من مائه وتتلقح به، هذه وجهة النظر عندهم.

قوله: «إلا أن يدعي الاستبراء ويحلف عليه» أي: إلا أن يدعي السيد الاستبراء ويحلف عليه، والاستبراء معناه أن تحيض بعد وطئه، فإذا قال: إنه وطئها لكن حاضت بعد وطئه، فهذا هو الاستبراء، وهو مأخوذ من البراءة وهو الخلو، يعني إذا ادعى أنه انتظر حتى حاضت فإنه لا يلحقه الولد؛ لأن الغالب أن المرأة إذا حملت لا تحيض، وأن حيضها دليل على عدم حملها، فإذا قال: إنه وطئها ولكنه استبرأها وحاضت حيضة، وحلف عليه، فإن الولد لا يلحقه، وإذا لم يلحقه فإنه يكون مملوكاً له، فيَسْلم بكونه ليس له من أن تكون أمَتُه أمَّ ولد، يحرم عليه بيعها، وتَعْتِقُ بعد موته، ويحصل له ولد مملوك يبيعه؛ لأن الأمة إذا ولدت ولداً حتى من زوج صحيح، فالولد لسيدها مملوكاً له، إلا إذا اشترط، أو كان هناك غرور؛ يعني خدع، وأظهرت أنها حرة، وغُرَّ بها، فهذا شيء ثانٍ.

 

وَإِنْ قَالَ: وَطِئْتُهَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِيهِ وَلَمْ أُنْزِلْ، أَوْ عَزَلْتُ لَحِقَهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهَا، أَوْ بَاعَهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بوَطْئِهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ نِصْفِ سَنَةٍ لَحِقَهُ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.

قوله: «وإن قال: وطئتها دون الفرج أو فيه ولم أنزل أو عزلت لحقه» يدعي السيد هذه الدعوى؛ لأجل أن لا يكون الولد من مائه، فيقول: وطئتها دون الفرج، ومعلوم أن الوطء دون الفرج ما يحصل به الحمل، أو قال: في الفرج لكن لم أنزل، أيضاً ما يحصل حمل، أو قال: في الفرج وأنزل ولكن عزل، يعني عند الإنزال نزع، وأنزل خارج الفرج، يقول المؤلف: لحقه نسبه؛ لما سبق من أنه إذا جامعها في الفرج أو دونه صارت فراشاً له، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الولد للفراش» [(154)].

قوله: «وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه، والبيع باطل» اعترف أنه وطئ أمته ثم باعها، ولما باعها ومضى خمسة شهور أتت بولد وعاش، فلمن يكون؟ الجواب: للسيد الأول، ولماذا لا يكون للسيد الثاني؟ لأنه لا يمكن أن تأتي بولد لأقل من ستة أشهر ويعيش، فيكون للسيد الأول، ويكون البيع باطلاً؛ لأن بيع أم الولد حرام، وكل بيع حرام فهو باطل، وهذا مبني على القول بأنه يحرم بيع أمهات الأولاد، والمسألة خلافية، وقد كانت أمهات الأولاد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وفي عهد أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وفي أول خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ يبعن، ثم لما رأى عمر ـ رضي الله عنه ـ أن الناس صاروا يفرقون بين المرأة وأولادها منع من ذلك[(155)]، مثل ما صنع في مسألة الطلاق الثلاث، ولهذا بعض العلماء يقولون: إذا أتت أم الولد بولد لسيدها ومات ولدها، فإنه يجوز لسيدها أن يبيعها؛ لأن المحظور الذي من أجله منع عمر رضي الله عنه زال، وهو التفريق بينها وبين ولدها، لكن المذهب أنه متى ما وضعت الأمة من سيدها ما تبين فيه خلق الإنسان، فإنها تكون أم ولد، تعتق بموته، ولا يحل بيعها، وبناء على ذلك إذا باعها على شخص وأتت بولد لأقل من ستة أشهر تبين أنها بيعت وهي أم ولد؛ لأنها ناشئ بولد، وعلى هذا يكون البيع باطلاً، والمشتري يأخذ دراهمه، ويرد الأمة إلى سيدها.

وقوله: «أعتقها أو باعها» فالبيع باطل، ولكن هل العتق باطل أو لا؟ لا يبطل؛ لأنه زادها خيراً، بعد أن كانت لا تعتق إلا بعد موته أصبحت عتيقة، ولهذا لم يقل: العتق باطل.

والخلاصة أن هذا الفصل آخره في حكم الأمة، والبحث فيه في أمور:

أولاً : تكون الأمة فراشاً إذا جامعها سيدها، أما قبل ذلك فليست فراشاً.

ثانياً : إذا كانت فراشاً وولدت لأقل من ستة أشهر منذ جامعها وعاش، فإن الولد لا يلحق بالسيد، ويكون ملكاً له؛ لأنه ولد من مملوكته.

ثالثاً : إذا باعها بعد أن اعترف بوطئها، وأتت بولد لأقل من ستة أشهر، فالولد له نسباً، والبيع باطل.

مسألة: الولد في النسب وفي الولاء يتبع أباه، فيقال: فلان بن فلان، ولا يقال: ابن فلانة، إلا إذا انقطع نسبه من جهة أبيه فينسب إلى أمه كما سبق.

في الولاء إذا أُعتق الأب فإنه يتبع أباه، فيكون ولاؤه لمن أعتق.

في الحرية والملك يتبع أمه، بمعنى أنه إذا كانت أمه حرة كان الولد حراً، ولو كان الأب رقيقاً، فلو تزوج رقيق بحرة فالولد حر، كذلك ـ أيضاً ـ في الملك يتبع أمه فلو تزوج حُرٌّ بأمة لغيره فالولد ملك لسيدها.

وفي الدِّين يتبع خيرهما، فولد المسلم من النصرانية مسلم، وكذلك لو وطئ كافر امرأة مؤمنة بشبهة فإن الولد يكون مسلماً، يتبع أمه؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى.

وفي الطهارة والحل يتبع أخبثهما، فولد الحمار من الفرس ـ وهو البغل ـ حرام نجس.

فهذه النسب التي ذكرها العلماء في هذا الباب، فإذا سئلت هل الولد يتبع أمه أو أباه؟ فعلى هذا التفصيل الذي سبق.

 

-------------------

 

[136] أخرجه البخاري في الحدود/ باب من رأى مع امرأته رجلاً فقتله (6846)، ومسلم في اللعان (1499) عن المغيرة رضي الله عنه.

[137] أخرجه البخاري في الشهادات/ باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة (2671) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

[138]  أخرجه بهذا اللفظ أحمد (1/238)، وأبو داود في الطلاق/ باب في اللعان (2256) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وأخرجه البخاري في التفسير/ باب {{وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ}} (4747) بلفظ: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن».

[139]  سبق تخريجه ص(167).

[140]  أخرجه البخاري في الدعوات/ باب الدعاء عند الاستخارة (6382) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

[141]  سبق تخريجه ص(288).

[142]  أخرجها البخاري في الطلاق/ باب اللعان ومن طلق بعد اللعان (5308)، ومسلم في اللعان (1492) عن سهل بن سعد رضي الله عنه.

[143]  سبق تخريجه ص(294).

[144]  أخرجه البخاري في الحدود/ باب كم التعزير والأدب؟ (6848)، ومسلم في الحدود/ باب قدر أسواط التعزير (1708) عن أبي بُردة رضي الله عنه.

[145]  سبق تخريجه ص(17).

[146]  أخرجه البخاري في البيوع/ باب تفسير المشبهات (2053)، ومسلم في الرضاع/ باب الولد للفراش وتوقي الشبهات (1457) عن عائشة رضي الله عنها.

[147]  سبق تخريجه ص(294).

[148] أخرجه البخاري في العلم/ باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله (88) عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه.

[149] سبق تخريجه ص(299).

[150] أخرجه الإمام أحمد (3/106، 490)، وأبو داود في الفرائض/ باب ميراث ابن الملاعنة (2906)، والترمذي في الفرائض/ باب ما جاء ما يرث النساء من الولاء (2115)، وابن ماجه في الفرائض/ باب تحوز المرأة ثلاثة مواريث (2742)، عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، وصححه الحاكم (4/341)، ووافقه الذهبي، وانظر: فتح الباري (12/32) ط. دار الريان، وضعفه الألباني كما في الإرواء (1576).

[151]  سبق تخريجه ص(299).

[152]  أخرجه أحمد (2/187)، وأبو داود في الصلاة/ باب متى يؤمر الغلام بالصلاة؟ (495) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه في الإرواء (247).

[153]  سبق تخريجه ص(299).

[154]  سبق تخريجه ص(299).

[155]  سبق تخريجه ص(267).

 

تاريخ التحديث : Feb 4, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com