|
كِتَابُ الْعِدَدِ
هذا الكتاب من أهم أبواب الفقه؛ لأنه ينبني عليه مسائل كثيرة من المواريث، وصحة النكاح وغير ذلك.
قوله: «العِدَدَ» جمع عِدَّة بكسر العين، وهو في اللغة مأخوذ من العدد يعني من واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة... إلى آخره.
وفي الشرع: تربص محدود شرعاً بسبب فرقة نكاح، وما ألحق به.
فقولنا: «تربص» يعني انتظار، مأخوذ من قوله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ}} [البقرة: 228] ، وقوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ}} [البقرة: 234] .
وقولنا: «محدود شرعاً» أي: من قبل الشرع.
وقولنا: «بسبب فرقة نكاح، وما ألحق به» كوطء الشبهة مثلاً، فالمرأة إذا وطئت بشبهة عليها أن تعتد، مع أنه ليس ذلك من نكاح، لكنه ملحق به.
أما حكم العدة فواجب؛ لقوله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ}} قال أهل العلم: إن هذا خبر بمعنى الأمر، وإنما جاء بصيغة الخبر لإقراره وتثبيته، كأنه أمر مفروغ منه، وكذلك قوله: {{وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}} [الطلاق: 4] فالعدة واجبة، ولكن لا بد من شروط، فيشترط لوجوب العدة: أن يكون النكاح غير باطل، وإذا كانت مفارَقة حياة أن يحصل وطء، أو خلوة ممن يولد لمثله بمثله.
تَلْزَمُ الْعِدَّةُ كُلَّ امْرأَةٍ فَارَقَتْ زَوْجاً، خَلاَ بِهَا، مطَاوِعَةً، مَعَ عِلْمِهِ بِهَا، وَقُدْرَتِهِ عَلَى وَطْئِهَا، وَلَوْ مَعَ مَا يَمْنَعُهُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا حِسّاً، أَوْ شَرْعاً، أَوْ وَطِئَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا......
قوله: «تلزم العدة كلَّ امرأة فارقت زوجاً» «امرأة» هنا لا يعني أن تكون بالغة، فليس بشرط، بل المراد كل أنثى فارقت زوجها.
وقوله: «فارقت» لم يقل: طلقها؛ لأجل أن يشمل جميع أنواع الفرقة بموت أو حياة، كالفسخ لعيب، أو خلاف شرط، أو إعسار بنفقة على القول به، أو غير ذلك، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في «بدائع الفوائد» أن فرقة النكاح عشرون نوعاً، كلها تسمى فرقة، إنما الضابط هو كل امرأة فارقت زوجها بموت أو حياة، والفراق بالحياة إما طلاق أو فسخ.
قوله: «خلا بها» عن مميز، يعني صار هو وإياها في مكان لم يحضرهما أحد له تمييز.
قوله: «مطاوعة» هذا شرط للخلوة، فلو أكرهت على الخلوة فلا عدة وإن خلا بها، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن الرجل إذا خلا بالمرأة فهو مظنة الجماع، سواء كانت مطاوعة أو غير مطاوعة، فاشتراط أن تكون مطاوعة ضعيف، فلو خلا بها وهي مكرهة فإن احتمال الوطء وارد.
قوله: «مع علمه بها» أي: بأن يخلو بها وهو يعلم أن في المكان امرأة، فإن كان لا يعلم مثل أن يكون أعمى أو يكون أدخل عليها في حجرة ليس فيها إضاءة، فلا عدة؛ لأنه ليس هناك مظنة وطء.
قوله: «وقدرته على وطئها» أي: بأن يكون قادراً من حيث الجسمية على الوطء، فإن خلا بها وهو مُربَّط بالحديد فلا عبرة بهذه الخلوة.
قوله: «ولو مع ما يمنعه» الضمير يعود على الوطء، يعني ولو مع مانع من الوطء.
قوله: «منهما» أي: بأن يكون المانع منهما، مثاله: أن يكون الرجل مجبوباً وهي رتقاء، فالمانع هنا فيهما جميعاً، المجبوب لا ذكر له حتى يجامع، والرتقاء لا يمكن أن يلجها ذكر.
قوله: «أو من أحدهما» أي: بأن يكون المانع من أحدهما، مثل أن يكون هو مجبوباً وهي سليمة، أو هي رتقاء وهو سليم.
قوله: «حساً أو شرعاً» أي: ولو كان أحدهما فيه مانع حسي أو شرعي، الحسي كما مثلنا، وأما المانع الشرعي فكأن يكون أحدهما صائماً أو كلاهما صائماً صوم فريضة، فإن الصائم صوم فريضة لا يحق له الجماع، وكذلك ـ أيضاً ـ لو أدخلوه عليها وهو مُحْرِم أو هي مُحْرِمة، فإن العدة تثبت ولو مع مانع شرعي.
إذاً يشترط في الخلوة أن تكون المرأة مطاوعة، وأن يكون عالماً بها، وأن يكون قادراً على الوطء.
قوله: «أو وطئها» معطوف على قوله «خلا بها» يعني أو امرأة وطئها زوجها ولو بدون خلوة فإنها تجب العدة، وكيف يطؤها بدون خلوة؟ يتصور ذلك لو فرضنا أن مميزاً له عشر سنوات معهما في الحجرة، وجامعها، فهنا ما خلا بها.
قوله: «أو مات عنها» معطوفة ـ أيضاً ـ على «خلا بها» يعني تلزم العدةُ امرأةً مات عنها زوجها ولو بدون خلوة، ولو بدون وطء، فالموت موجب للعدة مطلقاً.
حَتَّى فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فِيهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلاً وِفَاقاً لَمْ تَعْتَدَّ لِلْوَفَاةِ، وَمَنْ فَارَقَهَا حَيّاً قَبْلَ وَطْءٍ وَخَلْوَةٍ، أَوْ بَعْدَهُمَا، أَوْ بَعْدَ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ مِمَّنْ لاَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ، أَوْ تَحمَّلَتْ بِمَاءِ الزَّوْجِ أَوْ قَبَّلَهَا أَو لَمَسَهَا بِلاَ خَلْوَةٍ فَلاَ عِدَّةَ.
قوله: «حتى في نكاح فاسد» يعني تلزم العدة حتى في نكاح فاسد، وبين المؤلف النكاح الفاسد بقوله:
«فيه خلاف» هذا بيان للفاسد، وهي صفة كاشفة كما يقولون، وهذا باب واسع، فالنكاح الذي فيه خلاف ليس مسألة أو مسألتين أو ثلاثاً أو أربعاً، بل هو كثير، فمن النكاح الفاسد أن يتزوجها بلا ولي، فبعض العلماء يقول: إنه يصح، إذا كانت امرأة بالغة عاقلة فلها أن تزوج نفسها، كذلك النكاح بلا شهود، أو بشهود لكن من الأصول أو الفروع، أو يتزوج امرأة رضع من أمها مرة واحدة فقط، أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً؛ فبعض العلماء يقول: يحرم، وبعضهم يقول: المحرِّم عشر رضعات، أو تزوج أخت امرأته وهي في عدة بينونة، أو تزوج أخت زوجته من الرضاع، فشيخ الإسلام يرى أنه لا بأس به ولكنه قول ضعيف، والصواب أن الجمع بين الأختين من الرضاع حرام كما هو رأي الجمهور، والحاصل أن مسائل الخلاف في هذا الباب كثيرة.
وظاهر كلام المؤلف: أن العدة تجب بالنكاح الفاسد، وإن كان يعتقد عدم صحته، مثل لو جاءه أحد بعد أن عقد عليها، وقال: هذا النكاح ما يصح، فقال: هي طالق، فتجب العدة مع أنه يعتقد أنه باطل؛ لأنه ربما يريد أن يخطبها إنسان يرى أن النكاح صحيح فلا يجوز له أن يتزوجها حتى تعتد، ولهذا قلنا: يجب أن تطلق حتى في النكاح المختلف فيه، الذي تعتقد أنت أنه ليس بصحيح.
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة وهو لا يصلي، فالصحيح أن النكاح فاسد، فإن تاب وصلى وجب تجديد العقد وإلا وجب أن يطلِّق وتعتد المرأة؛ لأنه ربما يأتي إنسان يقول: أنا ما أرى كفر تارك الصلاة، فيكون النكاح عنده صحيحاً، فحينئذٍ لا بد من أن يكون هناك طلاق شرعي؛ من أجل أن نفتح الباب لمن أراد أن يخطبها من جديد.
فالمهم أن النكاح الفاسد حكمه حكم الصحيح احتياطاً؛ لأننا لو قلنا: حكمه حكم الباطل، وصارت قضية، ورفع الأمر إلى قاضٍ يحكم بصحته حصل تناقض، ثم إننا إذا فرقنا بينها وبين زوجها في النكاح الفاسد، بقي في قلوبنا شيء، وهو خلاف العلماء الآخرين؛ لأنه ربما يكون الصواب معهم فيكون تفريقنا غلطاً، ولا تحل للأزواج بعد ذلك، ولهذا ألحقنا الفاسد بالصحيح من باب الاحتياط.
قوله: «وإن كان باطلاً وفاقاً لم تعتد للوفاة» إذا كان النكاح باطلاً وفاقاً ـ يعني بالإجماع ـ فهو يسمى نكاحاً باطلاً، والذي فيه خلاف يسمى نكاحاً فاسداً، فإذا كان النكاح باطلاً يقول المؤلف: «لم تعتد للوفاة» لكن لو جامعها وجبت العدة لجماعه ووجب الصداق أيضاً.
وقوله: «لم تعتد للوفاة» وللحياة من باب أولى، وعبارة المؤلف توهم طالب العلم المبتدئ أنها إذا لم تعتد للوفاة فإنها تعتد للحياة! وليس الأمر كذلك؛ لأنها إذا لم تعتد للوفاة فللحياة من باب أولى، ولهذا لو قال المؤلف رحمه الله: فلا عدة عليها، لكان أحسن وأوضح، المهم إذا كان العقد باطلاً فإنها لا تعتد؛ لأن وجود الباطل كعدمه، مثل أن يتزوج امرأة ثم يتبين ـ قبل أن يدخل عليها ـ أنها أخته من الرضاع، فالنكاح باطل لإجماع العلماء على فساده، فتفارقه بدون عدة، وبدون مهر، وبدون أي شيء؛ لأن هذا العقد الباطل وجوده كعدمه لا أثر له، وكذلك لو مات عنها ثم ثبت أنها أخته من الرضاع فإنها ليس عليها عدة؛ لأن هذا النكاح باطل بالإجماع، ولهذا قال: «لم تعتد للوفاة» .
مسألة: نكاح الخامسة باطل أو فاسد؟ فيه خلاف، الرافضة يقولون: له أن يتزوج إلى تسع! ولكن لا يعتد بخلافهم عند أهل العلم، وبعض الصوفية يقول: له أن يتزوج إلى خمسين إذا كان من المشايخ الكبار، ولكن ما يعتد بخلافهم أيضاً، المهم أن نكاح الخامسة باطل؛ لأنه خلاف ما أجمع عليه المسلمون، ونكاح المعتدة باطل لقوله تعالى: {{وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}} [البقرة: 235] وهذا نهي صريح في القرآن.
ثم شرع المؤلف رحمه الله في مفهوم الشروط الماضية فقال: «ومن فارقها حياً» احترازاً مما إذا فارقها بالموت.
قوله: «قبل وطء وخلوة» أي: إذا فارقها حياً قبل وطء وخلوة فلا عدة عليها؛ لأنا ذكرنا أن من الشروط أن يحصل وطء أو خلوة، فإذا تزوجها ثم طلقها قبل أن يخلو بها، فليس عليها عدة لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}} [الأحزاب: 49] .
فإذا قال قائل: الآية يقول الله فيها: {{مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}} فكيف تقولون: الخلوة؟
قلنا: من أخذ بظاهر الآية لم يعتبر الخلوة، ويعلق الحكم بالوطء، وقد قال به بعض أهل العلم، لكن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ حكموا بأن من خلا بها كمن مسها[(156)]، وعللوا ذلك بأن الرجل استباح منها ما لا يباح لغير الزوج، فعلى هذا تكون العدة واجبة عليه، والمسألة في القلب منها شيء؛ لأن الآية الكريمة صريحة {{مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}}، ولأن الخلوة ـ وإن كان الإنسان استباح ما لا يباح لغيره ـ فإنهم يقولون: إن الرجل إذا قبلها بلا خلوة فلا عدة، مع أن التقبيل لا يحل لغير الزوج، فالمسألة في القلب منها شيء، لكن المعروف عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أن من أرخى ستراً أو أغلق باباً فإنه كالذي دخل، فيلزمها العدة.
قوله: «أو بعدهما» أي: بعد الوطء والخلوة.
قوله: «أو بَعْدَ أحدهما» أي: الوطء أو الخلوة.
قوله: «وهو ممن لا يولد لمثله» الذي لا يولد لمثله من دون العشر، مثل رجل زوج ابنه امرأة، وأدخل عليها، لكنه صغير له تسع سنوات، وبقي عندها كل الليل وهو يجامعها، ولما كان في الصباح طلقها، فنقول: لا عدة عليها؛ لأنه لا يولد لمثله، وهذه المسألة ـ أيضاً ـ في النفس منها شيء لقوله تعالى: {{مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}}، وهذا الصبي قد مس وهو زوج، وكوننا نقول: «لا يولد لمثله» ليس هذا هو العلة، ولهذا لو كان عنيناً وجامعها، بل لو خلا بها فعليها العدة؛ وليست المسألة كونها مظنة الحمل أو لا، لكن استمتاع بشهوة من هذا الصبي، فكيف نقول: ليس عليها عدة؟! فعلى الأقل نجعلها كمسألة الخلوة، لكن هذا هو المذهب.
كذلك ـ أيضاً ـ لو كانت هي ممن لا يولد لمثلها، وهي التي دون التسع، كزوجة لها ثمان سنوات دخل عليها زوجها وهو صغير، يمكنه أن يطأها، وجامعها وتلذذ بها، ثم فارقها، يقولون: لا عدة عليها؛ لأنه لا يولد لمثلها، وهذه هي المسألة الثالثة التي في نفسي منها شيء؛ وذلك لأن الآية إنما علقت الحكم بالمسيس، لكن سنأخذ كلام المؤلف لأجل أن نبني عليه ما يأتي.
فصار يشترط أن تكون الخلوة أو الوطء ممن يولد لمثله (وهو الزوج) بمثله (وهي الزوجة).
قوله: «أو تحملت بماء الزوج» أي: طلبت الحمل بماء الزوج، يعني أخذت من منيِّه ووضعته في فرجها، وحملت منه، وهذا جائز؛ لأن الماء ماء زوجها، وهذا يشبه في عصرنا أطفال الأنابيب، فهل يجوز إجراء هذه العملية؛ لأنه أحياناً تكون المرأة عندها ضعف في الرحم، ولا يمكن أن تحمل إلا بهذه الواسطة؟
فيرى بعض العلماء أنه يجوز للمرأة أن تتحمل من ماء الزوج بواسطة أو بغير واسطة، ولكن الفتيا بذلك فيها خطر التلاعب بالأنساب، فربما يأتي إنسان عقيم، منيه غير صالح، فيشتري من شخص منياً، وتحمل به المرأة، وهذا واقع، فالآن يوجد بنوك للحيوانات المنوية، وهذا غير جائز، لذلك نحن لا نفتي بذلك إطلاقاً؛ لأننا نخشى من التلاعب.
المهم أنها إذا تحملت بمائه فلا عدة عليها؛ لأنه ما مسها ولا خلا بها، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: {{مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}} فنقول: ألستم تقولون: إنه إذا جامعها وهو ممن لا يولد لمثله فلا عدة؛ لعدم إمكان الحمل؟! فكأن هذا إشارة منكم إلى أن العبرة بإمكان الحمل، فإذا تحملت بمائه، فلماذا لا تجب عليها العدة؟! ولا شك أن هذا فيه نظر؛ لأن أصل وجوب العدة من أقوى أسبابه العلم ببراءة الرحم، فهنا نعلم أن الرحم مشغول، فكيف يكون لا عدة؟! ولهذا يعتبر قول المؤلف هنا ضعيفاً، والصواب أنه يجب عليها العدة.
لكن لاحظ أننا إذا قلنا: لا تجب عليها العدة، فإنه ما يمكن أن تتزوج وهي حامل من ماء هذا الزوج حتى تضع، فهذا أمر لا بد منه، لكننا لا نقول: معتدة لزوجها، بل من أجل انشغال رحمها فقط، ولهذا فالقول الثاني في هذه المسألة ـ وهو الصواب ـ أنه تجب العدة إذا تحملت بماء الزوج، وهذا هو الواقع؛ لأننا سنمنعها من أن تتزوج، والنسب يلحق الزوج، فإذا كان الولد له وهي ممنوعة من أجل ولده من أن تتزوج فهذه العدة، وهذا هو الصواب حتى على المذهب، لكن المؤلف خالف المذهب في هذه المسألة، وأما الجواب عن الآية أن الله ذكر المسيس؛ فلأنه سبب الحمل.
قوله: «أو قَبَّلها» أي: قبل زوجته.
قوله: «أو لمسها بلا خلوة فلا عدة» قَبَّلها لكن بلا خلوة، بحضور أبيها، أو بحضور أمها، أو لمسها، صافحها مثلاً، ولو بشهوة فإنه لا عدة عليها، والدليل قوله تعالى: {{ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}} فهذا الرجل ما مسها فلا عدة عليها.
خلاصة ما قال المؤلف: أن العدة واجبة في كل نكاح غير باطل؛ لأجل أن يدخل الفاسد، وهذا شرط لوجوب العدة، سواء العدة للوفاة أو للحياة.
ويشترط للعدة في الحياة أن يحصل وطء، أو خلوة ممن يولد لمثله بمثله.
ويشترط في الخلوة أن يكون عالماً بها، قادراً على الوطء، وأن تكون مطاوعة.
والشرط الأساسي الذي لا بد منه أن يكون النكاح غير باطل.
وهذه الشروط لا بد من معرفتها؛ لأنه يترتب عليها جميع ما يأتينا من أحكام العِدد.
مسألة: لو أن شخصاً عقد على امرأة وتوفي عنها قبل الدخول والخلوة فتجب العدة؛ لأنا اشترطنا في عدة الوفاة أن يكون النكاح غير باطل ولم نشترط سوى ذلك، هذا تعليل، وأما الدليل فلعموم قول الله تعالى: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}} [البقرة: 234] .
فإن قال قائل: لماذا لا تقيسون الفرقة بالموت على الفرقة بالحياة؛ لأن الله تعالى ذكر في الطلاق أنه إذا كان قبل المسيس فلا عدة، فلماذا لا تقولون في عدة الوفاة كذلك؟
نقول: الجواب على هذا من وجهين:
أولاً : أنه لا يمكن الإلحاق؛ لأن الاعتداد بفرقة الحياة له أحكام خاصة، فالعدة فيه ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر لمن لا تحيض، بخلاف الفرقة في الوفاة، فيمتنع الإلحاق.
ثانياً : ما أخرجه أهل السنن من حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ في امرأة عقد عليها زوجها، ثم مات قبل الدخول بها، فقال: لها الميراث، وعليها العدة، ولها المهر، فقام رجل فقال: «إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى في بَرْوَع بنت واشق امرأة منا بمثل ما قضيت»[(157)]، فحينئذٍ يكون النقل مانعاً من القياس؛ لأنه من المعلوم عند أهل العلم أنه لا قياس مع النص.
إذا قال قائل: رجل وطئ امرأة بشبهة ـ بدون عقد ـ فهل توجبون عليها العدة؟ المذهب أننا نوجب عليها العدة؛ لأنهم يرون أن الوطء موجب للعدة، سواء كان في زواج، أو في شبهة، أو في زنا، والصحيح أنه لا تجب، وإنما يجب الاستبراء فقط؛ لأن العدة إنما تجب في نكاح غير باطل، أما هذا فليس فيه نكاح أصلاً، فكيف تجب العدة؟! فنقول: إن الواجب في هذا هو الاستبراء فقط، بمعنى أنها إن كانت حاملاً فحتى تضع الحمل، وإن لم تكن حاملاً فبحيضة واحدة فقط، هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة.
والوطء على أربعة أوجه:
الأول: في النكاح، الثاني: الشبهة، الثالث: الزنا، الرابع: الملك، فالنكاح تجب فيه العدة بشروط ذكرناها فيما سبق، ووطء الشبهة ذكرناه فيما سبق، وفيه العدة على المذهب، والملك ليس فيه عدة، ولكن فيه استبراء، فلو أن الرجل جامع أمته فلا يمكن أن يبيعها أو يزوجها إلا بعد أن يستبرئها.
أما الزنا فالمشهور من المذهب أنه كوطء الشبهة فتجب به العدة، إن حملت فبوضع الحمل، وإن لم تحمل فبثلاث حيض، ويعللون ذلك بأنه وطء يحصل به الحمل فوجبت به العدة، كوطء الشبهة، ولكن هذا التعليل عليل جداً؛ لأننا نقول: هذا الواطئ وطئ من ليست زوجة له، لا شرعاً ولا اعتقاداً، ولا يمكن أن يلحق السفاح بالنكاح، فإلحاق هذا بهذا من أضعف ما يكون.
القول الثاني: أن المزني بها ليس عليها عدة، وإنما الواجب الاستبراء وهو قول مالك، وسيأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ في باب الاستبراء كيفية الاستبراء.
القول الثالث: أنها لا عدة عليها ولا استبراء، وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي ـ رضي الله عنهم ـ وهو مذهب الشافعي، وهذا القول أصح الأقوال، لكن إن حملت على هذا القول لم يصح العقد عليها حتى تضع الحمل؛ لأنه لا يمكن أن توطأ في هذه الحال؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «نهى أن توطأ ذات حمل حتى تضع» [(158)]، والفائدة من ذلك أنها إذا كانت ذات زوج ما نقول للزوج: تجنبها إذا زنت مثلاً، بل نقول: لك أن تجامعها، ولا يجب عليك أن تتجنبها، إلا إن ظهر بها حمل فلا تجامعها، أما إذا لم يظهر بها فإنها لك.
فلو قال قائل: ألا يحتمل أن تكون نشأت بحمل من وطء الزنا؟
نقول: هذا الاحتمال وارد، لكن قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» [(159)]، فما دمنا ما تيقنا أنها حملت من الزاني فإن الولد يحكم بأنه للفراش، وإذا حملت من الزاني وقلنا لزوجها: لا تطأها، فإنه يجوز أن يستمتع بها بغير الوطء؛ لأنها زوجته، وإنما منع من الوطء من أجل أن لا يسقي ماءه زرع غيره.
* * *
فَصْلٌ
وَالْمُعْتَدَّاتُ سِتٌّ: الْحَامِلُ، وَعِدَّتُهَا مِن مَوْتٍ وَغَيْرِهِ إِلَى وَضْعِ كُلِّ الْحَمْلِ بِما تَصِيرُ بِهِ أَمَةٌ أُمَّ وَلَدٍ، .....
قوله: «والمعتدات ست» يعني ستة أصناف، وهذا الحصر مأخوذ من التتبع والاستقراء، فالعلماء تتبعوا الكتاب والسنة فوجدوا أنها ست، مثل ما تتبع النحويون كلام العرب فوجدوا أنه لا يخرج عن اسم، وفعل، وحرف.
قوله: «الحامل» وتسمى أم العدات؛ لأنها تقضي على كل عدة، المتوفى عنها زوجها، والمطلقة، والمفسوخة، فمتى كانت المرأة المُفارَقةُ حاملاً فعدتها من الفراق إلى وضع الحمل، ولهذا قال المؤلف:
«وعدتها من موت» بأن يموت عنها الزوج.
قوله: «وغيره» بأن يطلقها، أو يفسخ النكاح، أو ما أشبه ذلك.
قوله: «إلى وضع كل الحمل» فلو خرج بعضه لم تنقضِ العدة، ولو كان توأمين فخرج واحد لم تنقضِ العدة، والدليل قوله تعالى: {{وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}} [الطلاق: 4] «أولات» بمعنى صاحبات، وقوله: «حملهن» مفرد مضاف فيشمل كل حملها، وعلى هذا فلا بد أن تضع جميع الحمل، فقوله: «كل الحمل» الكُلِّيَّة هنا تعود إلى التعدد، بل وإلى الواحد، فلو فرض أن المرأة مات زوجها وهي تطلق وقد ظهر رأس الحمل ثم خرج بقيته فتنقضي العدة؛ لأنه قبل أن يخرج كاملاً لم تكن وضعت حملها.
وقوله: «من موت وغيره» قدم الموت؛ لأن الموت فيه خلاف، فإذا مات عنها زوجها ووضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر، فهل تنتظر حتى تنتهي أربعة الأشهر وعشر، أو تنقضي عدتها بوضع الحمل؟ المؤلف يقول: تنقضي العدة بوضع الحمل، حتى لو كان يموت وهي في الطَّلْق، ولما خرجت روحه خرج حملها انتهت العدة، وتبعها الإحداد، وجاز لها أن تتزوج ولو قبل أن يغسل زوجها، لعموم قوله تعالى: {{وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}} [الطلاق: 4] .
ويرى بعض أهل العلم أن الحامل إذا مات عنها زوجها تعتد بأطول الأجلين، من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشر، يعني تنتظر إلى الأطول، فإذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشر انتظرت حتى تتم أربعة أشهر وعشراً، وإن تمت أربعة أشهر وعشراً قبل أن تضع انتظرت حتى تضع الحمل، وحجة هؤلاء أنه تعارض عندنا عمومان، ولا يمكن العمل بهما إلا على هذا الوجه، والعمومان هما قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}} [البقرة: 234] ، والثاني: {{وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}} [الطلاق: 4] .
فبين الآيتين عموم وخصوص وجهي، كل واحدة أعم من الأخرى من وجه، فآية البقرة خاصة بمن سبب عدتها الوفاة، وعامة في الحوامل وغير الحوامل، وآية الطلاق خاصة في الحوامل عامة في سبب وجوب العدة، فلم يقل: أجلهن من الموت أو من الطلاق، فهي عامة باعتبار سبب وجوب العدة خاصة بالحامل، فهاتان الآيتان بينهما عموم وخصوص وجهي، إذا اتفقتا في صورة فالأمر ظاهر، يعني لو وضعت الحمل عند تمام أربعة أشهر وعشر تنقضي العدة، وتتفق الآيتان.
وإذا لم يحصل اتفاق، ولنفرض أنها وضعت قبل أربعة أشهر وعشر، إن نظرنا إلى آية البقرة قلنا: ما تنقضي العدة؛ لأن الله يقول: {{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}}، وإن نظرنا إلى آية الطلاق قلنا: تنقضي، فما يمكن أن نعمل بهما جميعاً حتى نقول: تنتظر أربعة أشهر وعشراً.
وكذلك لو مضى عليها أربعة أشهر وعشر ولم تضع الحمل، والحمل بقي عليه شهران، فإن نظرنا إلى آية البقرة قلنا: انقضت العدة، وإن نظرنا إلى آية الطلاق قلنا: لم تنقضِ؛ لأنها ما وضعت، إذاً فتبقى حتى تضع، ولهذا ذهب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهم ـ إلى أنها تعتد بأطول الأجلين، وحجتهما ظاهرة؛ لأنه ما يمكن العمل بالآيتين إلا هكذا.
ولكن سنة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ تأبى ذلك، فإن سبيعة الأسلمية ـ رضي الله عنها ـ مات عنها زوجها ونفست بعده بليالٍ معدودة، فأرادت أن تتزوج، فجعلت تتجمل للخُطَّاب، فمر بها أبو السنابل بن بعكك ـ رضي الله عنه ـ فقال: ما لك تتجملين للخُطَّاب؟! لا يمكن أن تفعلي حتى يتم لك أربعة أشهر وعشر، أخذاً بأطول الأجلين، وهذا هو المعقول، لكنها شدت عليها ثيابها ومشت إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وسألته، فقال: «كذب أبو السنابل» ـ يعني أنه أخطأ، فالكذب يراد به الخطأ ـ ثم أذن لها أن تتزوج، ففي هذا الحديث الثابت في الصحيحين[(160)] دليل على أن عموم آية الطلاق مقدم على عموم آية البقرة، ويكون المعتبر وضع الحمل، سواء كان دون أربعة أشهر وعشر، أو فوق أربعة أشهر وعشر، وهذا هو الصحيح أنها تعتد بوضع الحمل طالت المدة أو قصرت.
قوله: «بما تصير به أمةٌ أمَّ ولد» أي: تنقضي العدة بوضع ما تصير به أمةٌ أمَّ ولد، وتصير الأمة أم ولد إذا وضعت ما تبين فيه خلق إنسان، بأن بانت مفاصله، يداه، ورجلاه، ورأسه، ولا عبرة بالخطوط؛ لأن الخطوط بإذن الله تشاهد حتى وهو علقة، لكن الكلام على التميز، فإذا تميز بأن عرف رأسه، وبانت رجلاه، ويداه، ووضعت، فحينئذٍ تنقضي العدة، فإن وضعت من لم يتبين فيه خلق إنسان فلا عبرة بهذا الوضع فلا بد أن تكون مخلقة؛ لأن المضغة قبل ذلك يحتمل أن تكون إنساناً ويحتمل أن تكون قطعة من اللحم، ولا حكم مع الاحتمال، فتعتد بالحيض إن كانت مطلّقة، وبأربعة أشهر وعشر، إن كانت متوفى عنها زوجها.
وقوله: «بما تصير به أمة أم ولد» لماذا لم يقل: إلى وضع كل الحمل إذا كان مخلقاً؛ مع أن هذا أقرب إلى الفهم من قوله: «بما تصير به أمة أم ولد »؟ الجواب على هذا:
أولاً: أن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يتناقلون العبارات، فتجد هذه العبارة تكلم بها أول واحد، وتبعه الناس.
ثانياً: من أجل أن ترتبط العلوم بعضها ببعض، فأنت إذا قرأت: «بما تصير به أمة أم ولد» لزمك أن تراجع ما تصير به أمة أم ولد، فترتبط العلوم بعضها ببعض.
فَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ لِصِغَرِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مَمْسُوحاً، أَوْ وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا وَنَحْوِهِ وَعَاشَ لَمْ تَنْقَضِ بِهِ، وَأَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَأَقَلُّهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَغَالِبُهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَيُبَاحُ إِلْقَاءُ النُّطْفَةِ قَبْلَ أَرْبَعِينَ يَوْماً بِدَوَاءٍ مُبَاحٍ.
قوله: «فإن لم يلحقه لصغره» أي: لم يلحق الزوجَ لصغره، وهو من دون العشر، كزوج جامع زوجته وهو دون العشر، قلنا: لا عبرة بهذا الجماع، ولا بهذه الخلوة؛ لأن الولد لا يلحقه، فما يمكن أن ينزل ماءً يُخلق منه آدمي، وهو دون العشر، حتى لو فرض أن له شهوة وأنزل ماءً فلا يمكن أن يكون له ولد حتى يتم له عشر سنين.
قوله: «أو لكونه ممسوحاً» يعني ليس له ذكر ولا أنثيان، فإن قطعت أنثياه فقط فهو خصي، وإن قطع ذكره فهو مجبوب، سواء كان بأصل الخلقة أو طرأ عليه ذلك، فهذا ما يلحقه الولد.
قوله: «أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكحها» يعني فإنه لا يلحقه، أي بعد أن تزوج امرأة ثم طلقها وهي حامل ثم وضعت الحمل وعاش بعد أن مضى على عقد النكاح عليها خمسة أشهر فلا يلحقه ولا تنقضي العدة به؛ لأن هذا الولد لا ينسب إليه، إذاً بعد وضعه تعتد بثلاث حيض.
قوله: «ونحوه» بأن تأتي به فوق أربع سنين منذ أبانها، بناء على القول بأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، فإذا أتت به لأكثر من أربع سنوات منذ أبانها فإنها لا تنقضي به العدة، ولا ينسب إلى زوجها، مثال ذلك: رجل طلّق زوجته آخر ثلاث تطليقات وهي حامل، وما وضعت إلا فوق أربع سنوات، فالولد ليس له، إذاً لا تنقضي به العدة، وتنتظر حتى تحيض ثلاث حيض.
قوله: «وعاش» يعود على قوله: «لدون ستة أشهر» .
قوله: «لم تنقض به» أي: لا تنقضي به العدة؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يولد جنين دون ستة أشهر ويعيش؛ إذ إن أقل مدة يعيش فيها الحمل ستة أشهر، فإن لم يعش انقضت به العدة، وسبق أنها إذا وضعت ما تبين فيه خلق الإنسان ـ وإن لم تنفخ فيه الروح ـ فإن العدة تنقضي به، لكن إذا عاش وهو لأقل من ستة أشهر علم أنه ليس ولداً له.
واستفدنا من كلام المؤلف رحمه الله أنه يشترط في الحمل الذي تنقضي به العدة:
أولاً: أن يكون منسوباً شرعاً إلى من له العدة.
ثانياً: أن يتبين فيه خلق إنسان.
قوله: «وأكثر مدة الحمل أربع سنين وأقلها ستة أشهر وغالبها تسعة أشهر» الحمل له أقل، وأكثر، وغالب، غالبه تسعة أشهر كما هو معروف، وأقله ستة أشهر بمقتضى دلالة القرآن، فإن الله تعالى يقول: {{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا}} [الأحقاف: 15] ، ويقول: {{وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}} [لقمان: 14] فإذا أخذنا عامين للفصال بقي للحمل ستة أشهر، وهذا واضح.
وقوله: «وأكثر مدة الحمل أربع سنين» لا يوجد دليل لا من القرآن ولا من السنة على هذا، ولذلك اختلف فيها العلماء، فقال بعضهم: أربع سنين، وقال بعضهم: سنتان، وقال بعضهم: ست سنوات، وقال بعضهم: سبع سنوات، وقال آخرون: لا حد لأكثره؛ لأن القرآن دل على أقله ولم يذكر أكثره، ولأن المعنى يقتضي ذلك، فإذا رأينا امرأة حاملاً وما زال الحمل في بطنها، ولم يجامعها أحد، ومضى أربع سنوات، ثم نقول: الحمل ليس لزوجها؟! هذا لا يمكن أن يقال به، والمسألة مبنية على أنه ما وجد أكثر من أربع سنين، وهذا ليس بصحيح، بل وجد أكثر من أربع سنين، وجد إلى سبع سنوات، أو تسع، أو قد يوجد أكثر، فالمسألة معلقة بشيء موجود في البطن يبقى حتى يوضع، فالصواب أنه لا حد لأكثره.
مسألة : ما هو أقل زمن يتبين فيه خلق إنسان؟
الجواب : أقل زمن يتبين فيه خلق إنسان واحد وثمانون يوماً، وغالب زمن يتبين فيه خلق إنسان تسعون يوماً.
قوله: «ويباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً» يعني يحل إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً، والنطفة هي القطرة من المني، يباح إلقاؤها من الرحم، لكن اشترط المؤلف أن تكون قبل أربعين يوماً من ابتداء الحمل؛ وذلك لأنه يبقى بإذن الله كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بنفخ الروح فيه»[(161)].
واشترط المؤلف شرطاً آخر فقال:
«بدواء مباح» فأما بدواء محرم فإنه لا يجوز، وظاهر كلام المؤلف سواء كان ذلك لحاجة أم لم يكن.
وعلم من قوله: «قبل أربعين يوماً» أنه بعد أربعين يوماً لا يباح إلقاؤه ولو لم تنفخ فيه الروح، وهو كذلك على المذهب، والمسألة لها ثلاث حالات:
الأولى : أن يكون قبل أربعين يوماً.
الثانية : أن يكون بعدها وقبل نفخ الروح.
الثالثة : أن يكون بعد نفخ الروح.
أما بعد نفخ الروح فيه فيأتي ـ إن شاء الله ـ التفصيل فيه قريباً.
وأما قبل أربعين يوماً ففيه خلاف بين أهل العلم، فالمشهور من المذهب الجواز، فيجوز للمرأة أن تشرب دواء يُسقط الحمل إذا كان قبل أربعين يوماً، قالوا: لأنه نطفة لم يتحول إلى علقة، فلا يعلم هل تفسد أو لا تفسد؟ ولأن الإنسان يجوز له أن يعزل، وهذا شبيه بالعزل.
وقال بعض العلماء: ما دام تيقنت الحمل فإنه لا يجوز إسقاطه ولو كان نطفة، واستدلوا لذلك بقوله: {} [المرسلات: 21] لا يقدر عليه أحد، فالأصل أنه معصوم من حين أن يقبله الرحم، فلا يجوز إلقاؤه إلا لضرورة، واحتمال الفساد كاحتمال الموت بعد نفخ الروح، فما دام أن الحيوان المنوي علق بالبيضة، فاحتمال أن يفسد وارد، كما أن احتمال أن يموت بعد نفخ الروح فيه وارد أيضاً، لكن الأصل أنه باقٍ، وقياسه على العزل قياس مع الفارق؛ لأن العزل منع، وهذا رفع، فالعزل يمنع الماء أن يدخل في الرحم، وهذا رفع لهذا الماء الذي وصل إلى الرحم وعَلِق به، وابتدأ تكوين إنسان، فبينهما فرق، وعلى هذا القول يكون إلقاؤه حراماً؛ ولهذا كان القول الراجح أن إلقاء النطفة إما مكروه وإما محرم، لكن إذا دعت الحاجة إلى هذا، مثل أن تكون الأم مريضة يخشى عليها زالت الكراهة أو التحريم.
الحال الثانية : إذا كان علقة؟ فالمذهب لا يجوز إلقاؤه؛ لأن العلقة دم، والدم مادة الحياة، فالآن انتقل وتحول وتغير من الماء الذي لا قيمة له إلى دم هو ابتداء خلق الإنسان، ولذلك إذا نزف دم الإنسان فإنه يموت، قالوا: فإذا وصل إلى هذه المرحلة فإنه لا يجوز إلقاؤه.
وقال بعض العلماء: بل يجوز إلقاؤه؛ لأنه دم، والدم لا قيمة له، والله حرم علينا أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، فيكون لا قيمة له، وليس آدمياً محترماً حتى نقول: إنه لا يجوز.
أما بعد نفخ الروح فيه فإنه لا يجوز إلقاؤه، وله حالان:
الأولى : أن يلقى في حال يعيش فيها، مثل إذا أتمت المرأة التاسع، وحصل عليها صعوبة في الوضع، فيجوز إلقاؤه بشرط أن لا يكون في ذلك خطر على حياته، أو على حياة أمه؛ فإن كان في ذلك خطر فهو حرام.
الثانية : أن يلقى قبل أوان نزوله، مثل أن يلقى وله خمسة شهور أو ستة شهور، فهذا يحرم؛ لأن الغالب أنه لا يسلم، اللهم إلا إذا ماتت الأم وهو حي، ورجي بقاؤه لو أُخرج فلا بأس بذلك، بل قد يجب؛ لأن في هذا إنقاذاً لحياة الجنين، فإذا قال قائل: لكن فيه مُثلة للأم التي ماتت، فالجواب: أن لا مُثلة في عهدنا الحاضر؛ لأن شق بطن الحامل وإخراج الجنين أمر لا يعد مُثلة في وقتنا، وهذا ما يسمى عند الناس بالولادة القيصرية.
لو قال قائل: لو أن الحمل قد نفخت فيه الروح وتحرك، لكن لو بقي لكان خطراً على أمه وتموت، وإذا ماتت سيموت، وإذا أخرجناه فستحيا ويموت فهل ننزله أو لا؟
نقول: لنضرب مثلاً، هذا رجل جائع جداً وعنده طفل مملوء لحماً وشحماً، وهو يقول: إذا لم آكل هذا الطفل مِتُّ، فماذا نقول؟ الجواب: لا يجوز له أن يأكله، وهنا نقول: لا يجوز أن نخرجه من بطن أمه، ونحن نعرف أنه سيموت.
فإذا قال قائل: إن أبقيتموه مات هو وأمه، فخسرتم نفسين.
نقول: إذا أبقيناه ومات هو وأمه، فهذا ليس بفعلنا، هذا بفعل الله عزّ وجل، أما إذا نزَّلنا نحن الطفل ومات بفعلنا فنحن الذين قتلناه، ثم نقول: ربما تموت الأم ويكون ـ مثلاً ـ عندنا أجهزة نشق بطنها بسرعة، ونخرج الولد ويسلم، وفي الحال الأولى ربما نظن أنه لو بقي ماتت، ومع المعالجة والمداواة تسلم الأم والابن، فالمهم أنه ليس على كل حال تموت الأم؛ لأنه ربما نقدر أنه لو بقي لماتت الأم ثم لا تموت، والأطباء ليس قولهم وحياً لا يخطئ، بل هم كغيرهم، يخطئون ويصيبون، وأنا أذكر قصة وقعت على من أعلمهم علم اليقين، كان له امرأة حامل فقرر الأطباء أن ولدها مشوَّه وأنه لا بد من إسقاطه، ففزعت الأم وخاف الأب، وأراد الله عزّ وجل، فوضعت الأم فصار هذا الحمل أحسن أولادها، فتبين أن تقرير الأطباء قد يكون خطأ؛ لأنهم غير معصومين، فنحن نتمشى مع الشريعة وما ترتب على ذلك فليس مِنَّا. وبهذا نعرف أن الشرع كله خير، وأن الإنسان لو استحسن شيئاً قد يفوته أشياء، وإلا فإنه في بادئ الأمر نقول: كوننا نقتل نفساً أفضل من أن نقتل نفسين، ولكن نقول: فرق بين فعلنا وفعل الله عزّ وجل.
وعلى هذا فإذا نفخت فيه الروح فإنه لا يجوز إخراجه على وجه لا نأمن سلامته، ويكون عليه خطر فيه، ولذلك أخطأ بعض من أفتى بجواز وضع الحمل بعد نفخ الروح فيه إذا خيف على أمه، نقول: هذا غلط عظيم، وهذا يريد أن يكون بنو آدم كالبهائم، فالبهيمة إذا قدر أنها إن بقي ولدها في بطنها ماتت، وإن أخرج مات ولم تمت، فإننا نخرجه؛ لأنه يجوز لنا قتله، لكن بنو آدم لا، وانتبه لهذه العلة؛ لأن بعض الناس لا سيما المعاصرون يريدون أن يجعلوا بني آدم مشابهين للبهائم، بل تطورت الحال إلى أن يجعلوا بني آدم مشابهين للسيارات، فجعلوا الآدميين يؤخذ منهم قطع الغيار، إنسان فشلت كُلْيته، وآخر كليتاه سليمتان، نقول: بع علينا كلية من كليتيك، يؤخذ من هذا وتوضع في هذا، سبحان الله، أين فضيلة البشر؟! أين احترام البشرية؟! ولهذا نرى أنه لا يحل بأي حال من الأحوال أن يتبرع أحد بعضو من أعضائه، حتى لأبيه وأمه؛ لأن هذا يعني أنك تصرفت بنفسك تصرف مالك السيارة بالسيارة، وقد نص الفقهاء في كتاب الجنائز على أنه يحرم أن يقطع عضو من الميت ولو أوصى به، وسبحان الله، الناس الآن لا يهمهم إلا الدنيا، فنقول لهذا المتبرع: إذا تبرعت بكلية من كليتيك، ثم تعطلت الأخرى فإنه سيهلك، فيكون هو السبب في إهلاك نفسه، وذلك الآخر الذي طلبها إذا تركناه ومات، فقد قتله الله عزّ وجل، وليس لنا فيه شيء، ولا يغرَّنَّك التحسين العقلي؛ لأن التحسين العقلي المخالف للشرع ليس تحسيناً، فكل ما خالف الشرع ليس بحسن، وإن زينه بعض الناس، فلا بد من الرجوع إلى الشرع.
وأما قياس ذلك على أخذ الدم فهو من القياس الفاسد؛ لأن الدم من حين ما يؤخذ يأتي بدله في الحال، والعضو إذا قطع لا يأتي، فهذا قياس مع الفارق.
مسألة : لو أن رجلاً تلفت كليته ورأى ما يسمى ببنك الكلى، فهل يجوز أن يشتري واحدة؟ نعم يجوز؛ لأن هذه الكلى الآن قطعت من أصحابها ولا يمكن أن تعود، فيجوز شراؤها.
وإذا قال قائل: إذا كان بين النطفة ونفخ الروح، مثل أن يكون علقة أو مضغة لكن ما نفخت فيه الروح، واضطررنا إلى تنزيله بحيث أنه لو بقي في بطن أمه لخشي عليها الهلاك فهل ننزِّلُه أو لا؟ نقول: في هذه الحال ننزله؛ لأنه إلى الآن ما نفخت فيه الروح، فإذا قال الأطباء: إنه يمكن أن تموت الأم بنسبة تسعين بالمائة، نقول: هذا لا بأس به؛ لأنه ليس في ذلك قتل نفس، ولهذا فالجنين في هذه المرحلة لو أنه نزل من بطن أمه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، بل يحفر له في أي مكان ويدفن؛ لأنه إلى الآن لم يكن إنساناً، ولا يبعث يوم القيامة؛ وتأمل هذا في قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ *}} [الحج] .
فقوله: {{نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً}} هذا بعد الأطوار السابقة، وفي الآية الأخرى يقول: {{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ}} [المؤمنون: 14] بعد ذكر العلقة والمضغة، فمن حيث الصورة والجسم ما تغير، لكن من حيث إنه صار إنساناً يحس ويدرك جعله الله تعالى خلقاً آخر {{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}} [المؤمنون: 14] .
الخلاصة: إلقاء الحمل حال النطفة، إما مكروه، أو محرم على القول الراجح، وعلى ما مشى عليه المؤلف في الكتاب مباح، وبعد أن يكون علقة فإلقاؤه محرم حتى على كلام المؤلف إلا إذا دعت الضرورة إليه، وإذا كان مضغة مخلقة فإلقاؤه محرم إلا إذا دعت الضرورة إليه، فإذا نفخت فيه الروح فإلقاؤه محرم ولو دعت الضرورة إليه، لأنه قتل نفس.
* *
فَصْلٌ
الثَّانِيةُ : الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِلاَ حَمْلٍ مِنْهُ، قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ،.....
قوله: «الثانية» يعني من المعتدات.
قوله: «المتوفى عنها زوجها» الفرق بين المُتَوفِّي والمُتَوَفَّى، أن الأول اسم فاعل، والثاني اسم مفعول، والصواب اسم المفعول؛ لأن الله تعالى يقول: {{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}} [الزمر: 42] ، فالإنسان مُتَوَفَّى، ويجوز ـ لكنه لغة ضعيفة جداً ـ أن نجعلها اسم فاعل مُتَوَفٍّ أي: متوفٍّ أجله ورزقه، أي قد استوفاه واستكمله، لكن الأول هو الأصح.
قوله: «بلا حمل منه» احتراز من الحامل، والحامل تقدم أن عدتها بوضع الحمل.
قوله: «قبل الدخول أو بعده» وقبل الخلوة أيضاً، وهل يشترط أن تكون ممن يوطأ مثلها، وهو ممن يولد لمثله؟ ما يشترط، ففي عدة الوفاة ما يشترط إلا شرط واحد فقط، وهو أن يكون النكاح غير باطل، ولا يشترط سوى ذلك، فلا يشترط وطء، ولا خلوة، ولا كبر، ولا عقل، ولا شيء، ولهذا نقول: قبل الدخول وبعده، وقبل الخلوة وبعدها، وفي حال الصغر وفي حال الكبر، فلو عُقد له على طفلة لها سنتان ومات عنها تعتد وتحاد، فنجنبها الزينة، والطيب، ولا تخرج من البيت إلا لحاجة، والدليل على ذلك عموم الآية: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}} [البقرة: 234] فما قيدها الله بشيء، بل مجرد كونها زوجة، ولهذا ترث منه ويرث منها.
ومن السنة أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها ثم مات، فقال: عليها العدة ولها الصداق والميراث، فقام رجل فقال: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى في بَرْوَع بنت واشق ـ امرأة منا ـ بمثل ما قضيت[(162)]، فحكم ابن مسعود أن عليها العدة مع أنه لم يدخل بها.
لِلْحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةٌ، وَلِلأَمَةِ نِصْفُهَا، فَإِنْ مَاتَ زَوْجُ رَجْعِيَّةٍ فِي عِدَّةِ طَلاَقٍ سَقَطَتْ، وَابْتَدَأَتْ عِدَّةَ وَفَاةٍ مُنْذُ مَاتَ،......................
: «للحرة أربعة أشهر وعشرة» «عشرة» بالتاء على أن التمييز مذكر، لكن تقدم لنا أن ثلاثة إلى عشرة تؤنث مع المذكر وتذكر مع المؤنث إذا ذُكِرَ المُمَيَّز، أما إذا لم يذكر فيجوز الوجهان، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ} {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}}» ليس عشر ليالٍ ـ كما قاله كثير من العلماء ـ ولكن عشرة أيام؛ لأن «أشهر» للزمان النهاري، فكذلك عشرة أيام، لكنها لم تؤنث لأنه لا يجب تأنيث العدد مع تذكير المعدود إلا إذا كان مذكوراً، فللحرة أربعة أشهر وعشرة أيام، والدليل قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}} [البقرة: 234] .
والحكمة في أنها أربعة أشهر وعشر ـ والله أعلم ـ أنها حماية لحق الزوج الأول، ولهذا لما عظم حق الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ صارت نساؤه حراماً على الأمة كل الحياة، أما غيره فيكتفى بأربعة أشهر وعشرة أيام، ولماذا كانت أربعة أشهر وعشرة؟
الجواب: أن الأربعة ثلث الحول والعشرة ثلث الشهر، وقد جاء في الحديث: «الثلث والثلث كثير» [(163)]، وكانت النساء في الجاهلية يبقين في العدة سنة في أكره بيت، يضعون لها خباء صغيراً في البيت، وتقعد به بالليل والنهار، ولا تغتسل ولا تتنظف، وتبقى سنة كاملة، يمر عليها الصيف والشتاء، فإذا خرجت أَتَوْا لها بعصفور أو دجاجة أو غير ذلك لتتمسح به، ثم تخرج من هذا الخباء المنتن الخبيث، وتأخذ بعرة من الأرض وترمي بها[(164)]، كأنها تقول بلسان الحال: كل الذي مَرَّ عليَّ ما يساوي هذه البعرة! لكن الإسلام ـ الحمد لله ـ جاء بهذه المدة الوجيزة، أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم مع ذلك هل منعها من التنظف؟ لا، تتنظف كما شاءت، وتلبس ما شاءت غير أن لا تتبرج بزينة، ولا تتطيب كما سيأتي.
وهذه المدة سواء حاضت أم لم تحض، فلو كانت ممن تحيض وحاضت ثلاث حيض، فلا أثر لذلك، ولو كانت ممن لا يحيض في الشهرين إلا مرة ولم تحض إلا مرتين فإنها تنتهي عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام.
قوله: «وللأمة نصفها» يعني شهران وخمسة أيام.
فإن قال قائل: حق الزوج لا فرق فيه بين الأَمَة وبين الحرة، وأنتم تقولون: إن أربعة أشهر وعشرة أيام من أجل حماية حق الزوج، فأي فرق بين الأمة والحرة؟! ثم إن الآية عامة.
قلنا: هذا تعليل صحيح، فعندنا عموم الآية وعموم المعنى، عموم الآية هذه امرأة متوفى عنها زوجها، وعموم المعنى أن حماية حق الزوج لا فرق فيه بين أن تكون المتوفى عنها أمة أو حرة، ولكن الجواب على ذلك أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أجمعوا على أن الأمة المطلقة عدتها نصف الحرة على ما نقل عنهم[(165)]، وقاسوا عليها عدة المتوفى عنها زوجها، بل إن بعضهم حكى الإجماع على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت أمة تعتد بشهرين وخمسة أيام، والحقيقة أن الآية لو تمسك أحد بعمومها وبعموم المعنى، لكان له وجه وهو أرجح، فالصواب أنه لا فرق بين الحرة والأمة، إلا إذا منع من ذلك إجماع، ولكن الإجماع لم يمنع منه، فإنه قد نقل عن الأصم وعن الحسن أنهما كانا يريان ذلك.
قوله: «فإن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت، وابتدأت عدة وفاة منذ مات» أي: إذا مات إنسان وزوجته في عدة، فلا تخلو من ثلاث حالات: إما أن تكون رجعية، أو بائناً لا ترث، أو بائناً ترث.
أولاً: الرجعية، يقول المؤلف: «إن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت وابتدأت عدة وفاة منذ مات» مثال ذلك: رجل طلق زوجته طلاقاً رجعياً، وحاضت مرتين وبقيت عليها الحيضة الثالثة ثم مات، تبتدئ عدة وفاة منذ مات، والدليل قوله تعالى في المطلقات: {{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا}} [البقرة: 228] ، وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى سمى المُطَلِّق بعلاً، أي: زوجاً، فإذا ضممت هذه الآية إلى قوله: {{وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}} [البقرة: 234] صارت الرجعيةُ زوجةً متروكةً بعد الوفاة، فيلزمها عدة الوفاة.
ثانياً : البائن التي لا ترث يقول المؤلف:
وَإِنْ مَاتَ فِي عِدَّةِ مَنْ أَبَانَهَا فِي الصِّحَّةِ لَمْ تَنْتَقِلْ، وَتَعْتَدُّ مَنْ أَبَانَهَا في مَرَضِ مَوْتِهِ الأَطْوَلَ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ وَطَلاَق.......................
ٍقوله «وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل» إذا مات في عدة المبانة التي لا ترث فإنها لا تنتقل؛ لأنها أجنبية منه، لا يملك ردها، والبينونة لها طرق كثيرة كما سبق، منها أن تكون هذه الطلقة آخر ثلاث تطليقات، فإذا كانت هذه الطلقة آخر ثلاث تطليقات، ولما مضى حيضتان مات، فإنها لا تستأنف عدة وفاة، بل تكمل العدة؛ وذلك لأنها ليست زوجة، ولا علاقة بينها وبين زوجها بأي شيء من علائق النكاح؛ ولهذا لا يحل لها أن تكشف لزوجها في حال العدة، وله ـ على القول الراجح ـ أن يتزوج الرابعة؛ لأن التي بانت لا تحسب عليه، فلهذا لا تنتقل، ومثلها من طلقها على عوض واعتدت بحيضتين، ثم مات قبل الثالثة، فإنها تكمل العدة وتنتهي؛ لأنها ليست زوجة، وليس بينها وبين زوجها شيء من أحكام النكاح.
ثالثاً : البائن التي ترث، يقول المؤلف:
«وتعتد من أبانها في مرض موته الأطولَ من عدة وفاة وطلاق» إذا أبانها في مرض موته المخوف متهماً بقصد حرمانها من الميراث، ثم مات وهي في العدة، فهل ترث أو ما ترث؟ ترث؛ لأنه متهم، وفي العدة تعتد الأطول من عدة وفاة أو طلاق، عدة الوفاة تبدأ من وفاته، وعدة الطلاق تكميل، وأيهما الأطول؟ لا نستطيع أن نقول: عدة الوفاة؛ لأنها قد لا تحيض في الشهرين إلا مرة، وقد سألتني امرأة تقول: إنه يقعد عنها الحيض أربعة أشهر، لكنه يأتيها شهراً كاملاً ـ سبحان الله ـ من العجائب، كأنه يجتمع في شهر واحد.
مثال ذلك: رجل طلق زوجته في مرض موته المخوف متهماً بقصد حرمانها من الميراث، وفي أثناء العدة مات، ولنفرض أنه مضى حيضتان، فنقول: تعتد الأطول من عدة الوفاة والطلاق، فإن كانت عدة الوفاة أطول اعتدت بها، وإن كانت عدة الطلاق أطول اعتدت بها؛ لأنها زوجة وليست زوجة، فباعتبار أنها ترث زوجة، وباعتبار أنها ليست رجعية، وقطعت العلاقة بينها وبين زوجها ليست بزوجة، فنأخذ بالأحوط، ونقول: تعتد بالأطول؛ لأنها إن كانت زوجة اعتدت عدة وفاة لا غير، وإن كانت غير زوجة أكملت عدة الطلاق لا غير، فإذا كان فيها شائبة من هذه ومن هذه فإننا نقول: لا تخرج من العدة بيقين حتى تعتد بالأطول؛ لأنه هو الأحوط.
مثال آخر: رجل طلق زوجته في مرض موت مخوف متهماً بقصد حرمانها، ولما حاضت مرتين مات، نقول: ننظر أيهما الأطول، فإذا قالت: إنها تحيض بالشهر مرة، فباعتبار الحيض بقي عليها شهر، وباعتبار الموت أربعة أشهر وعشرة أيام، نقول: إذاً ابتدئي العدة من جديد، أربعة أشهر وعشرة أيام، والتزمي فيها الإحداد، فإن قالت: إنها ترضع وبقي على الحيض سنتان؛ لأن الحيض عادة ما يأتي المرضع، فيلزمها أن تنتظر حتى يأتيها الحيض، وتحيض ثلاث مرات؛ فهنا الأطول بلا شك عدة الطلاق.
ولكن هل نقول: إن عليها الإحداد، أو نقول: لا إحداد عليها؛ لأن الإحداد تابع للعدة، والآن العدة عدة طلاق وليست عدة وفاة؟ هذا محل نظر، والظاهر أن الإحداد من توابع العدة، فإذا ألزمناها بعدة الطلاق فلا إحداد، وإذا ألزمناها بعدة الوفاة فعليها الإحداد.
مثال آخر: إذا كانت هذه المرأة المطلقة حاملاً، فعدتها بوضع الحمل مطلقاً؛ لأن الحامل عدتها وضع الحمل، سواء من طلاق أو وفاة، فإذا أبانها وهي حامل فلا نقول: تنتقل، بل عدتها تنقضي بوضع الحمل.
مَا لَمْ تَكُنْ أَمَةً، أَوْ ذِمِّيَّةً، أَوْ جَاءَتْ الْبَيْنُونَةُ مِنْهَا فَلِطَلاَقٍ لاَ غَيْرَ، وَإِنْ طَلَّقَ بَعْضَ نِسَائِهِ مُبْهَمَةً، أَوْ مُعَيَّنَةً ثُمَّ أُنْسِيَها، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ قُرْعَةٍ اعْتَدَّ كُلٌّ مِنْهُنَّ سِوَى حَامِلٍ الأَطْوَلَ مِنْهُمَا،........
قوله: «ما لم تكن أَمَةً أو ذميةً» استثنى المؤلف الأمة والذمية؛ لأن الأمة لا ترث، فلو طلقها في مرض موته المخوف فإنه لا يتهم بقصد حرمانها؛ والذمية إذا كان زوجها مسلماً لا ترث؛ لاختلاف الدين.
قوله: «أو جاءت البينونة منها» مثل أن يعلق طلاقها على فعلٍ لها منه بد، مثل أن يقول: إن خرجت من البيت فأنت طالق، يريد الطلاق، فخرجت في مرض موته المخوف، فهنا ما ترث؛ لأنه لم يكن متهماً بقصد حرمانها من الميراث، وعلى هذا فلا تنتقل بالعدة، بل تبقى على عدة الطلاق؛ لأن البينونة جاءت منها، ولهذا قال:
«فلطلاقٍ لا غير» يعني لا تنتقل.
أما إن علقه على فعل لا بد لها منه، مثل أن يقول: إن ذهبت إلى الحمام فأنت طالق، فذهبت في مرض موته المخوف، ففي هذه الحال تطلق، ولكن ترث وتعتد الأطول من عدة وفاة وطلاق، وعلى هذا فنقول: إذا مات الرجل وقد طلق امرأة وهي في عدة منه، فلها ثلاث حالات:
الأولى: إن كانت رجعية انتقلت إلى عدة الوفاة.
الثانية: إن كانت بائناً لا ترث أكملت عدة الطلاق.
الثالثة: إن كانت بائناً ترث اعتدت الأطول من عدة وفاة وطلاق هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والقول الثاني: أنها تكمل عدة الطلاق؛ لأنه لا علاقة بينه وبينها، بدليل أنه لا يرث منها لو ماتت، وأنها بائنة منه لا يجوز أن يخلو بها، ولا أن يسافر بها، ولا أن تكشف له وجهها، وإنما ورّثناها منه معاملةً له بنقيض قصده، فهنا العلة ليست من قبل الزوجية، ولكن من قبل معاملة الإنسان بنقيض قصده، وهذا القول قوي جداً؛ لأنه ما الذي يخرجها عن العموم؟! ومسألة الإرث غير مسألة العدة، ولذلك ترث منه ولو تمت العدة ما دام متهماً بقصد حرمانها، فدل ذلك على أنه لا علاقة للعدة بباب الميراث، وهذا القول عندما تتأمله تجده أرجح من القول الذي مشى عليه المؤلف؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
قوله: «وإن طلق بعض نسائه مبهمة أو معينة ثم أنسيها» قوله: «وإن طلق» هذا كلام مطلق، ولكن يجب أن يقيد، فيقال: وإن طلق طلاقاً بائناً؛ لأنه لو طلق طلاقاً رجعياً فالمطلقة تنتقل إلى عدة الوفاة، فلا فرق حينئذٍ بين المبهمة أو المعينة، فيتعين هذا التقييد.
وقوله: «مبهمة» مثاله أن يقول: إحداكما طالق، أو قال: هند طالق، وكان اسمهما هنداً.
وقوله: «أو معينة ثم أنسيها» بأن قال: هند طالق، وله زوجة أخرى اسمها زينب، لكن نسي والتبس عليه الأمر.
وقوله: «ثم أنسيها» يجوز ونسيها.
قوله: «ثم مات قبل قرعة» أفادنا المؤلف أنه في مثل هذه الصورة تستعمل القرعة، وقد سبق لنا في باب الشك في الطلاق أنه تستعمل القرعة بينهما، فمن وقعت عليها القرعة فهي الطالق، لكن هذا الرجل مات قبل أن يقرع بينهم.
قوله: «اعتدّ كل منهن» أي: من نسائه.
قوله: «الأطولَ منهما» من عدة الوفاة وعدة الطلاق؛ لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المطلقة، والأخرى غير مطلقة، فغير المطلقة تعتد عدة وفاة والمطلقة تعتد عدة طلاق، وهنا ما ندري أيتهما طَلَّق، هل هي هند أو زينب أو عائشة؟ فما نخرج من التبعة بيقين إلا إذا ألزمنا كل واحدة منهن الأطول من عدة وفاة وطلاق.
وقوله: «سوى حامل» استثنى الحامل؛ لأن عدتها بوضع الحمل، سواء كانت مبانة أو للوفاة، واستثناء الحامل لا وجه له في الواقع؛ لأن الحامل ليس لها أطول وأقصر كما سبق، فعدة الطلاق وضع الحمل، وعدة الوفاة وضع الحمل.
وخلاصة المسألة: أن من طلق واحدة من نسائه مبهمة أو معينة ثم نسيها ثم مات قبل قرعة، فلا يخلو من حالين: إما أن يكون الطلاق رجعياً أو بائناً، فإن كان رجعياً انتقل الجميع إلى عدة الوفاة؛ لأن الرجعية في حكم الزوجة، وإن كان بائناً اعتد الجميع الأطول من عدة وفاة وطلاق.
الثَّالِثَةُ : الْحَائِلُ ذَاتُ الأَقْراءِ ـ وَهِيَ الْحِيَضُ ـ الْمُفَارَقَةُ فِي الْحَياةِ، فَعِدَّتُهَا إِنْ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ مُبَعَّضَةً ثَلاَثَةُ قُرُوءٍ كَامِلَةٌ، وَإِلاَّ قَرْءَانِ،..................
قوله: «الثالثة الحائل» يعني غير الحامل، إذا كانت الوفاة فعدتها أربعة أشهر وعشر، ولهذا فعدة الوفاة هي أسهل شيء، فللمتوفى عنها حالان: حامل أو حائل، الحامل بوضع الحمل، والحائل أربعة أشهر وعشر، لكن المفارقة في الحياة هي التي فيها تفاصيل.
قوله: «ذات الأقراء ـ وهي الحِيَض ـ المفارقة في الحياة» إذاً ثلاثة شروط:
الأول : «الحائل» احتراز من الحامل.
الثاني : «ذات الأقراء» احتراز ممن ليست ذات أقراء.
الثالث : «المُفارَقة في الحياة» احتراز من المفارَقة بالموت، فقد سبق الكلام عليهما.
وقوله: «المفارقة في الحياة» فرقة الحياة طلاق أو فسخ، لكن الفسخ يتنوع.
قوله: «فعدتها إن كانت حرة أو مبعضة ثلاثة قروء كاملة وإلا قرءان» والدليل قوله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}} [البقرة: 228] ، فالآية واضحة صريحة.
وقوله: «قَرْءان» بفتح القاف؛ لأن قروء جمع قَرء بالفتح، تثنيته قرءان.
وقوله: «أو مبعضة» يعني بعضها حر وبعضها رقيق، ويمكن أن يكون ذلك، مثل أمة مشتركة أعتقها أحد الشركاء وهو معسر، فإنه لا يعتق منها إلا ما أعتقه هو، والباقي يكون رقيقاً، والأمة المشتركة لا يجوز لأسيادها أن يطؤوها، لكن يجوز أن يزوجوها؛ لأن كل واحد ما يملكها إنما يملك بعضها، إذاً لا طريق لأن تنال حظها من الاستمتاع إلا بالزواج، فإذا زوجوها وطلقها زوجها فعدتها كالحرة؛ لأن الحيض لا يتبعض.
أما كون الأمة عدتها قَرْءان فإنه وردت بها أحاديث مرفوعة، مجموعها يقضي بأنها حسنة[(166)]، وورد فيها آثار عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ صحيحة على أن عدتها حيضتان[(167)]، فيكون عموم الآية مخصَّصاً بهذه الآثار المرفوعة والموقوفة، فيكون للأمة قرءان.
فإن قيل: لماذا لا نقول: قرء ونصف، تنصيفاً؟ فالجواب: لا نقول ذلك؛ لأن الحيض لا يتبعض، فلهذا جبروه، وقالوا: إن عدتها قرءان، فما هي الأقراء؟
اختلف فيها أهل العلم اختلافاً كثيراً، ولكن القول الصواب في ذلك أنها الحِيَض، كما قال المؤلف، وهذا قول عشرة من الصحابة، منهم الخلفاء الأربعة ـ وإذا جاء قول للخلفاء الأربعة ـ رضي الله عنهم ـ فلا قول لأحد سواهم، إلا إذا كان الكتاب والسنة معه ـ وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وابن عباس رضي الله عنهم وجماعة كثيرون، وهو ظاهر القرآن والسنة؛ لقوله تعالى: {{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}} [البقرة: 228] ، وقال تعالى: {{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}} [الطلاق: 1] ، وابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ طلق في الحيض فغضب الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأمر بأن تطلق طاهراً[(168)]، وهذا دليل على أن القرء هو الحيض؛ لأن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ جعل طلاق ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ طلاقاً لغير العدة، ولو كانت الأقراء هي الأطهار، لكان طلاقه طلاقاً للعدة؛ لأنه يستقبل الطهر إذا طلقها في حال الحيض، ولكن إذا جعلنا الأقراء هي الحيض فما يستقبل الطهر، ثم إن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ورد عنه في المستحاضة أنها تجلس أيام أقرائها[(169)]، ومعلوم أنه لا يريد أيام طهرها، وإنما يريد أيام حيضها، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا شك أن تفسيره هو الحجة؛ لأنه يفسر كلام الله عزّ وجل، وهو ـ أيضاً ـ إمام أهل اللغة، أفصح العرب ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فهو إن فسر ذلك بمقتضى التفسير الشرعي للقرآن فهو تفسير شرعي، وتفسيره ـ عليه الصلاة والسلام ـ أعلى أنواع تفاسير المخلوقين، وإن فسره بمقتضى اللغة العربية فهو أفصح من نطق بالعربية، وعلى هذا فنقول: الصواب أن الأقراء هي الحِيَض، فيكون معنى قوله تعالى: {{ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}} أي ثلاث حيض.
وقوله: «ثلاثة قروء كاملة» فلو طلق أثناء الحيضة، وقلنا بوقوع الطلاق فإن بقية الحيضة لا تحتسب؛ لأنك لو حسبتها وقلت: بعدها حيضتان صارت الأقراء ناقصة، فتصير حيضتين ونصفاً، وإن أخذت نصف الرابعة بعَّضت الحيض، والحيض لا يتبعض، وعلى هذا فإذا طلق في أثناء الحيضة، فإن بقية هذه الحيضة لا تحسب، بناء على القول بأن طلاق الحائض يقع، وقد سبق لنا أن القول الصحيح أن طلاق الحائض لا يقع، لكن بناء على ذلك لا يحسب هذا، ونستفيد عدم حسبانه من قول المؤلف: «ثلاثة قروء كاملة» .
وقوله: «كاملة» هل هو بالرفع أو بالجر؟ يعني هل كاملة نعت لثلاثة أو نعت لقروء؟ الظاهر أنه يصح الوجهان، لكن الأقرب عندي أنها صفة لثلاثة، يعني لا بد أن تكون الثلاثة كاملة.
الرَّابِعَةُ : مَنْ فَارَقَها حَيّاً وَلَمْ تَحِضْ لِصِغَرٍ، أَوْ إِيَاسٍ، فَتَعْتَدُّ حُرَّةٌ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، وأَمَةٌ شَهْرَيْنِ، وَمُبَعَّضَةٌ بِالحِسَابِ، وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ، .........
قوله: «الرابعة: من فارقها حياً» بخلاف من فارقها ميتاً، وقد سبق.
قوله: «ولم تحض لصغر أو إياس» «لم تحض لصغر» هذا التعبير صحيح؛ لأن «لم» حرف نفي وجزم وقلب، لكن لم تحض لإياس، الأَولى أن يقال: لا تحيض؛ لأنها قد حاضت وتوقف الحيض عنها، لكن المؤلف كأنه من باب التغليب عبّر بهذه العبارة.
وقوله: «لم تحض لصغر أو إياس» اللام في قوله: «لصغر» للتعليل، يعني لم تحض؛ لأنها صغيرة، أو لا تحيض؛ لأنها كبرت فهي آيسة.
والصغيرة على المذهب لا تحيض قبل تمام تسع سنين، فلو حاضت ولها ثمان سنين ونصف، فليس بحيض، حتى ولو كانت تحيض حيضاً مطرداً كل شهر، وبمدة معينة محدودة، فلو أن رجلاً تزوج امرأة لها ثمان سنوات وفارقها وهي تحيض هذا الحيض، لكن ما أتمت التسع، فلا عدة عليها على المذهب؛ لأنه لا تجب عدة من مفارقة حياة إلا إذا كان الزوج يطأ مثله، والزوجة يوطأ مثلها، وقلنا: إن الزوج الذي يطأ مثله ابن عشر سنوات، والمرأة التي يوطأ مثلها بنت تسع، فهذا الرجل الذي فارقها وهي بنت ثمان سنوات وتحيض فإنها لا عدة عليها بالحيض على المذهب، لكن على القول الراجح هذه المسألة منوطة بالوجود، فنقول: إذا وجد الحيض المطرد ولها ثمان سنوات، وطُلقت فإنها تعتد بثلاثة قروء؛ لعموم قوله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}} [البقرة: 228].
وقوله: «أو إياس» مصدر أَيِسَ ييأس إياساً، مأخوذ من قوله تعالى: {{وَاللاََّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاََّّئِي لَمْ يَحِضْنَ}} [الطلاق: 4] ، فبماذا يكون اليأس أبالزمن، أم بالحال؟
المذهب أنه بالزمن، فلا حيض بعد خمسين سنة، فإذا بلغت المرأة خمسين سنة فقد أيست، ولو كان الحيض يأتيها مطرداً؛ لأنه لا حيض بعد الخمسين، مثال ذلك: امرأة طلقها زوجها ولها خمسون سنة، وهي تحيض حيضاً مطرداً، كل شهرين مرة منذ بلغت إلى اليوم، فعدتها على المذهب ثلاثة أشهر؛ لأن اليأس عندهم مقيد بزمن، وهو تمام خمسين سنة، فإذا طلقت المرأة ولها خمسون سنة فإنها آيسة، تعتد بثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: {{وَاللاََّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ}} [الطلاق: 4] .
القول الثاني : أن اليأس منوط بالحال لا بالزمن، وأن ذلك يختلف باختلاف النساء، فمن النساء من تبقى إلى ستين سنة، وإلى سبعين سنة، وهي تحيض حيضاً مطرداً، فهذه ليست آيسة، وهذا هو الصواب؛ لأن اليأس في اللغة العربية ضد الرجاء، فمتى صارت المرأة في حال لا ترجو وجود الحيض، إما لكبر في السن، أو ضعف في البنية، أو لأي سبب من الأسباب، فإنها تكون آيسة ولا نقيدها بالسن؛ لأن الله ـ تعالى ـ ما قيدها بالسن، فلو أن امرأة لها خمسون سنة وتحيض في الشهرين مرة، فعلى المذهب إذا تم لها ثلاثة شهور ولو لم تحض إلا مرة يعقد عليها، وعلى القول الصحيح الراجح لا يعقد لها حتى يتم لها ثلاث حيض.
قوله: «فتعتد حُرَّة ثلاثةَ أشهر وأمة شهرين» يعني وتعتد أمة شهرين، يقولون: لأن الله جعل للحرة ثلاثة أشهر، أو ثلاثة قروء، وجعل لمن لا تحيض ثلاثة أشهر، ومعنى هذا أن لكل حيضة شهراً، وهذا هو الغالب، وللأمة حيضتان، فيكون لها عند اليأس أو الصِّغَر شهران؛ لأن البدل له حكم المبدل منه.
قوله: «ومبعضة بالحساب» مع أنه في التي تعتد بالحيض المبعضة كالحرة تعتد بثلاثة قروء، وهذا فيه شيء من التناقض؛ لأنك إذا قلت: الأمة شهران؛ لأن الأشهر مبنية على الحيض، فقل: المبعضة ثلاثة أشهر؛ لأن الأشهر مبنية على الحيض، وقد حكمنا بأن المبعضة تعتد بثلاث حيض، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن عدة المبعضة ثلاثة أشهر، وتعليله بأن الأشهر بدل عن القروء.
وقوله: «ومبعضة بالحساب» عرفنا أن الأمة عدتها شهران فنزيد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، فإذا قدّرنا أن نصفها حر صارت عدتها شهرين ونصفاً؛ لأن المؤلف يقول: «ومبعضة بالحساب» .
وهذه المسألة تؤيد قول من يقول: إن عدة الأمة بالأشهر شهر ونصف، إذا كانت لا تحيض لصغر أو إياس؛ ووجه ذلك أن الحيض لا يتبعض، وأما الأيام فتتبعض؛ ولذلك قالوا في المبعضة: إن عدتها من الشهر الثالث بالحساب، بقدر ما فيها من الحرية، وهذا القول وجيه جداً، لكن الأحوط بلا شك ما مشى عليه المؤلف أن عدة الأمة شهران.
قوله: «ويجبر الكسر» فإذا قدرنا أن ربعها حر، فتكون عدتها سبعة أيام ونصفاً لكن يقول: يجبر الكسر فتكون ثمانية أيام.
الْخَامِسَةُ : مَن ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ تَدْرِ سَبَبَهُ، فَعِدَّتُهَا سَنَةٌ، تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ، وَثَلاَثَةٌ لِلْعِدَّةِ، وَتَنْقُصُ الأَمَةُ شَهْراً، وَعِدَّةُ مَنْ بَلَغَتْ وَلَمْ تَحِضْ، وَالْمُسْتَحَاضَةِ النَّاسِيَةِ، وَالْمُسْتَحَاضَةِ الْمُبْتَدَأَةِ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ، وَالأَمَةُ شَهْرَانِ، وإنْ عَلِمَتْ مَا رَفَعَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، فَلاَ تَزَالُ فِي عِدَّةٍ حَتى يَعُودَ الْحَيضُ، فَتَعْتَدَّ بِهِ، أَوْ تَبْلُغَ سِنَّ الإِيَاسِ فَتَعْتَدَّ عِدَّتَهُ،......................
قوله: «الخامسة: من ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه» أي: هي من ذوات الحيض، ولكنه ارتفع حيضها، وهذه تنقسم إلى قسمين:
الأول : من ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه.
والثاني : من ارتفع حيضها وعلمت سببه.
أما من ارتفع حيضها ولم تدرِ ما سببه فيقول المؤلف:
«فعدتها سنة، تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة» يعني امرأة من ذوات الحيض، عمرها ثلاثون سنة، ما بلغت سن اليأس، ارتفع حيضها، فطلقها زوجها، وهي في هذه الحال، فتعتد سنة؛ لأن ذلك هو الذي روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقضى به بين الصحابة رضي الله عنه ولم ينكر عليه[(170)]، هذا من حيث الاستدلال بالأثر، أما النظر فلاحتمال أنها حامل تعتد تسعة أشهر؛ لأن ذلك غالب الحمل، ولاحتمال أنها آية تعتد ثلاثة أشهر؛ لأن عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فتعتد اثني عشر شهراً من فراق زوجها لها، وهذا من باب الاحتياط.
فإن قال قائل: إذا تبين بعد تسعة خلو الرحم، فلماذا لا نقول تسعة أشهر يكفي، ويدخل فيها ثلاثة أشهر؟
نقول: لأننا لم نحكم بخلو الرحم إلا بعد تسعة أشهر، وحينئذٍ تستأنف العدة ثلاثة أشهر.
فإذا قال قائل: بعد تقدم الطب، ألا يمكن أن يكشف عليها؟ الجواب: بلى، فإذا كشف عليها، وعلمنا أن رحمها خالٍ، فحينئذٍ تعتد بالأشهر، لكن الأولى اتباع السلف في هذه المسألة، وهو أحوط أن تعتد بسنة كاملة، وهذا الحكم لمن فورقت في الحياة، أما المفارقة في الوفاة فقد علمنا فيما سبق أنها ما لها إلا حالان فقط، أن تكون حاملاً فعدتها بوضع الحمل، أو غير حامل فعدتها أربعة أشهر وعشر، لكن كلامنا فيمن فورقت في الحياة وارتفع حيضها، ولم تدرِ ما رفعه، فتعتد سنة كاملة.
قوله: «وتنقص الأمة شهراً» لأن عدتها بالأشهر شهران، فيكون لها تسعة أشهر للحمل وشهران للعدة، ولماذا لا نقول: إنها في الحمل نصف الحرة؟ الجواب: أن الحمل أمر طبيعي، لا يختلف فيه النساء، فالحرائر والإماء كلهن غالب الحمل عندهن تسعة أشهر، والمبعضة تزيد على أحد عشر شهراً بقدر ما فيها من الحرية، ويجبر الكسر على حسب ما مضى، ولنفرض أن المرأة فعلت ذلك واعتدت بسنة، ثم بعد تمام السنة جاءها الحيض، هل تعود إلى الحيض؟ الجواب: لا؛ لأنها انتهت العدة، أما لو عاد الحيض قبل تمام السنة، فإنها تنتقل إليه ابتداء من جديد، فتعتد بثلاث حيض.
فصارت هذه المرأة التي ارتفع حيضها تعتد بسنة، ثم إن عاد الحيض قبل تمام السنة اعتدت به، وإن تمت السنة لم تلتفت إليه، ولو عاد إليها؛ لأن العدة انتهت وبانت من زوجها.
قوله: «وعدة من بلغت ولم تحض» عدة من بلغت ولم تحض ثلاثة أشهر؛ لعموم قوله تعالى: {{وَاللاََّّئِي لَمْ يَحِضْنَ}} [الطلاق: 4] ، فهو عام حتى لو فرض أن هذه المرأة لها ثلاثون سنة، ولم يأتها الحيض فإنها تعتد بثلاثة أشهر، وإن قدر أن لها ثماني سنوات وفارقها زوجها فلا عدة عليها؛ لأنها ليست ممن يوطأ مثلها.
قوله: «والمستحاضة الناسية» أي: فعدتها ثلاثة أشهر، والمستحاضة هي التي أطبق عليها الدم، أو كان لا ينقطع عنها إلا يسيراً، ولهذا لم يقُل: حاضت، بل قيل: استحاضت؛ لأن السين والتاء للمبالغة والزيادة، فهذا الحيض الذي هو سيلان الدم زاد عليها، ولهذا سميناها استحاضة؛ لكثرة الدم وطول مدته، والاستحاضة مرض من الأمراض لكنه يعتاد النساء كثيراً، وهو كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «عرق» [(171)] «وركضة شيطان» [(172)]، قال العلماء: إنه عرق ينبثق من أدنى الرحم، والحيض من قاع الرحم، وركضة من الشيطان؛ لأجل أن يفسد على المرأة عبادتها، ويوقعها في شك وحيرة، وهذا أمر ما نعلمه إلا بطريق الوحي، وهذه الاستحاضة التي تأتي المرأة لا تخلو من ثلاث حالات:
الأولى : أن تكون معتادة، فتجلس عادتها ثم تغتسل وتصلي، وتفعل كما تفعل الطاهرات.
الثانية : أن لا يكون لها عادة أو تنسى عادتها ولكن لها تمييز، فترجع إليه، فينظر إلى علامات دم الحيض، وهي ثلاث ذكرها العلماء، وذكر بعض الأطباء علامة رابعة، فالعلامات الثلاث: هي السواد، والثخونة، والإنتان ـ أي: الرائحة الكريهة ـ فدم الحيض أسود، منتن، ثخين، ودم الاستحاضة أحمر رقيق لا رائحة له، فهذا تمييز بيِّن، والفرق الرابع ذكره بعض الأطباء المعاصرين، قال: إن دم الحيض لا يتجمد ودم الاستحاضة يتجمد، وعلل ذلك بأن دم الحيض كان في الرحم متجمداً ثم انطلق، فلا يعود إليه التجمد مرة أخرى، بخلاف دم الاستحاضة فإنه دم يخرج من العرق فهو كسائر الدماء، والدم الذي يخرج من العروق يتجمد.
فإذا كانت عادتها غير مطردة، أو نسيتها مثلاً، أو جاءتها الاستحاضة من ابتداء الأمر، فإنها تعمل بالتمييز.
وقال بعض العلماء: نقدم التمييز على العادة ولو كانت تعلمها، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه ليس من المستبعد أنه لما جاءتها الاستحاضة تغيرت العادة، والتمييز إن طابق العادة فأمره ظاهر، لكن إن خالف العادة، بأن كانت عادتها من أول الشهر، لكن ما رأت التمييز إلا في نصف الشهر، فحينئذٍ يتعارضان، فهل نقدم التمييز أو نقدم العادة؟ فيه خلاف.
فمن العلماء من قال: نقدم العادة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر الحديث، فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها أن تجلس قدر ما كانت حيضتها تحبسها[(173)]؛ ولأنه أضبط وأسلم للمرأة من الاضطراب؛ لأن التمييز يمكن أن يأتي في هذا الشهر في أوله، وفي الشهر الثاني في وسطه، وفي الشهر الثالث في آخره، وربما يتغير عليها، فإذا قلنا: ارتبطي بالعادة صار ذلك أيسر لها وأسهل، وهذا ترجيحه واضح، وترجيح من يقول: إنه يرجع إلى التمييز ـ أيضاً ـ وجهه قوي؛ لأنه يقول: ما دام عندنا تمييز، فهذا دم ثخين أسود منتن، وهذا دم أحمر رقيق لا رائحة له، فكيف نقول: هذا استحاضة، والأول يُعرف؟!
الثالثة : إذا لم يكن لها عادة ولا تمييز، يعني ابتدأ بها الدم من الأول، واستمر معها على وتيرة احدة، فهذه لا عادة لها ولا تمييز، أو يكون لها عادة لكن نسيتها، وما عندها تمييز، فهذه ترجع إلى عادة النساء، ستة أيام، أو سبعة، من أول وقت أتاها الحيض فيه، فإذا قدر أنه أول ما رأت هذا الدم في الخامس عشر من الشهر، نقول: كلما جاء الخامس عشر من الشهر تجلس ستة أيام، أو سبعة، فإن قالت: نسيت متى أتاني الدم أول مرة، نقول: ترجع إلى أول شهر هلالي، كلما دخل الشهر جلست ستة أيام، أو سبعة، والباقي تصلي.
وذكرنا هذا استطراداً، وإلا فالمقام ليس مقام بحث في الاستحاضة والحيض.
وقوله: «والمستحاضة الناسية» ظاهر كلام المؤلف ولو كان لها تمييز؛ لأنه أطلق، ولكن هذا الظاهر غير مراد، فإن المستحاضة الناسية إذا كان لها تمييز تجلس ثلاثة قروء؛ لأن لها حيضاً صحيحاً، فما دام عندها تمييز فإنها تجلس ثلاثة قروء بحسب تمييزها، ولنفرض أن هذه المستحاضة كان يأتيها الدم المتميز كل شهرين مرة، فتكون عدتها ستة شهور، فقول المؤلف رحمه الله: «والمستحاضة الناسية» ينبغي أن نقول: ما لم يكن تمييز، فإن كان لها تمييز فعدتها ثلاثة قروء كغيرها؛ لأن التمييز يعتبر حيضاً صحيحاً.
وقوله: «والمستحاضة المبتدأة» وهي التي من أول ما جاءها الدم استمر بها؛ لأنها ما لها عادة سابقة فتعتد بثلاثة أشهر.
وقوله: «ثلاثة أشهر» وهي مستحاضة؛ لأن غالب النساء يحضن في كل شهر مرة، وهذه مستحاضة وليس لها حيض صحيح، فترجع إلى غالب النساء، وغالب النساء أن يحضن كل شهر مرة.
قوله: «والأمة شهران» بناء على ما سبق من أن عدتها حيضتان، ولكل حيضة شهر، فتكون عدتها عند عدم الحيض شهرين.
انتهى الكلام على المرأة التي ارتفع حيضها ولم تدرِ سبب الرفع، ثم شرع المؤلف في بيان من ارتفع حيضها وعلمت ما رفعه، فقال:
«وإن علمت ما رفعه من مرض أو رضاع أو غيرهما فلا تزال في عدة حتى يعودَ الحيض فتعتدَّ به، أو تبلغَ سن الإياس فتعتد عدته» امرأة من ذوات الحيض، ارتفع حيضها بسبب الرضاع، والغالب أن المرضع لا تحيض، ثم طلقها زوجها فعدتها ثلاثة قروء، فنقول: انتظري حتى يزول السبب الذي من أجله ارتفع الحيض، وهو الرضاع، فإذا بقيت حتى فطمت الصبي، وما رجع الحيض، فماذا نعمل؟ نقول: تنتظر حتى يعود الحيض، أو تبلغ سن الإياس، وهو على المذهب خمسون سنة، وإذا بلغت خمسين سنة اعتدت عدة آيسة ثلاثة أشهر، فإذا طلقت ـ مثلاً ـ وهي ذات اثنتي عشرة سنة وهي ترضع، وفطمت الصبي ولها أربع عشرة سنة، ما جاءها الدم انتظرت إلى الخامسة عشرة، إلى السادسة عشرة، إلى السابعة عشرة ما جاءها الدم فإلى متى تنتظر؟ إلى خمسين سنة، فإذا كبرت وصارت ما ترغب في النكاح، قلنا: الآن اعتدي لأجل أن تتزوجي! فتبقى إلى تمام خمسين سنة، فإذا تم لها خمسون سنة قلنا: اعتدي بثلاثة أشهر، وكل هذه المدة وزوجها ينفق عليها؛ لأنها رجعية، ولا يتزوج إذا كانت هي الرابعة، ويبقى محبوساً وهي محبوسة إلى أن يتم لها خمسون سنة، ثم تعتد ثلاثة أشهر، هذا هو المشهور من المذهب، وقاله علماء أجلاء، قالوا: لأننا علمنا ما رفع الدم فتنتظر!!
ولكن الحقيقة أن هذا القول لا تأتي بمثله الشريعة؛ لما فيه من الضرر العظيم جداً، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنها تعتد سنة بعد زوال السبب المانع؛ لأنها لما زال المانع صارت مثل التي ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه، والتي ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه تعتد سنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن علته معقولة، ولأنه أبعد عن الحرج والمشقة التي لا تأتي بمثلها الشريعة.
ولكن بقي أن يقال: إن التي علمت ما رفعه ينبغي أن نقسمها إلى قسمين:
الأول : أن تعلم أنه لن يعود الحيض.
الثاني : أن تكون راجية لعود الحيض.
فإن كانت تعلم أنه لن يعود، فهذه ما تعتد سنة، وإنما تعتد ثلاثة أشهر؛ لأنها آيسة، مثل لو علمت أنَّ ارتفاع الحيض لعملية استئصال الرحم فهذه لا أحد يقول: تنتظر إلى خمسين سنة! وحتى لو قيل به فهو قول باطل، فهذه المرأة التي علمت أن الحيض لن يعود نقول: تعتد بثلاثة أشهر؛ لدخولها في قوله تعالى: {{وَاللاََّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ}} [الطلاق: 4] ، وهذه قد أيست إياساً قطعياً فتعتد بثلاثة أشهر.
وإن كانت ترجو أن يعود فهذه تنتظر حتى يزول المانع ثم تعتد بسنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة.
وقيل: تعتد إذا زال المانع بثلاثة أشهر؛ لأن الصحابة إنما حكموا بالسنة لمن لا تعلم سببه، وهنا علمت السبب، فإذا زال السبب ولم يعد فإنها تعتد بثلاثة أشهر، لكن الأحوط أن تعتد بسنة؛ لأنه إذا زال السبب ولم يرجع الحيض فإننا نحكم بعدم رجوعه من زوال السبب، فإذا حكمنا بعدم الرجوع من زوال السبب، كان حكمنا بعدم رجوعه حينئذٍ لغير سبب معلوم، وإذا كان ارتفاعه لغير سبب معلوم كانت المدة سنة كما سبق.
السَّادِسَةُ : امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ تَتَربَّصُ مَا تَقَدَّمَ فِي مِيرَاثِهِ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوفَاةِ، وَأَمَةٌ كَحُرَّةٍ في التَّرَبُّصِ، وَفِي الْعِدَّةِ نِصْفُ عِدَّة الْحُرَّةِ، وَلاَ تَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمِ حاكِمٍ بِضَرْبِ الْمُدَّةِ، وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَقَدِمَ الأَوَّلُ قَبْلَ وَطءِ الثَّانِي فهِيَ للأَوَّلِ، وَبَعْدَهُ لَهُ أَخْذُهَا زَوْجَةً بِالعَقْدِ الأَوَّلِ، وَلَوْ لَمْ يُطَلِّقِ الثَّانِي، وَلاَ يَطَأُ قَبْلَ فَرَاغِ عِدَّةِ الثَّانِي، وَلَهُ تَرْكُهَا مَعَهُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَيأْخُذُ قَدْرَ الصَّدَاقِ الَّذِي أَعْطَاهَا مِنَ الثَّانِي، وَيرْجِعُ الثَّاني عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ.
قوله: «السادسة: امرأة المفقود» يعني زوجة المفقود، والمفقود هو الذي انقطع خبره فلم يعلم له حياة ولا موت، مثل رجل سافر ثم انقطعت أخباره وما يعلم، هل وصل البلد الذي قصد، أو رجع إلى بلده، أو ذهب إلى بلد آخر، أو مات، أو أسر؟
قوله: «تتربص» يعني تنتظر، وظاهر كلامه أن ذلك على سبيل الوجوب، وأنه متى فُقِدَ تربصت، لكنهم ذكروا أنه يجوز أن تصبر إذا شاءت، إلى أن يأتي الله به أو تتيقن موته، وعلى هذا فيكون كلام المؤلف هنا مقيداً بما إذا أرادت أن تتزوج، وأن تتخلص من هذا الزوج المفقود، وأما إذا قالت: سأنتظر حتى أتيقن موته، فما نلزمها بأن تتربص وتعتد.
قوله: «ما تقدم في ميراثه» والذي تقدم في ميراثه ـ على المذهب ـ إن كان ظاهر غيبته الهلاك انتظر به أربع سنين منذ فُقد، وإن كان ظاهر غيبته السلامة انتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد، فإذا فُقد وله تسع وثمانون سنة وظاهر غيبته السلامة ينتظر سنة واحدة، وإن كان ظاهر غيبته الهلاك ينتظر أربع سنين، وكان مقتضى الأمر العكس، لكن هكذا ذكروا، واستندوا إلى آثار وردت عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك[(174)]، والآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك قضايا أعيان، اقتضت الحال أن يقدروا هذا التقدير، وقضايا الأعيان لا تقتضي العموم؛ إذ قد يكون في القضية ما أوجب الحكم ونحن لا نعلم به، بخلاف دلالة الألفاظ فهي على عمومها، وهذه من قواعد أصول الفقه.
فمثلاً لو جاء شخص وسألنا، قال: إن ابني فقد، فقلنا: انتظر خمس سنين، عشر سنين، أربع سنين، فهل هذه القضية تكون عامة لكل عين؟ لا، في هذه العين نفسها فقط؛ لأنه من الجائز أن يكون المفتي نظر لهذا الشخص بعينه، فرأى أنه إذا مضت خمس سنين أو عشر أو أكثر تبين أمره، وربما يكون آخر يتبين أمره بأقل من ذلك، وربما يكون آخر يتبين أمره بما فوق ذلك، حسب حال الرجل، فلو أن وزيراً فُقِد، وعاملاً من العمال الذي يندرس في عامة الناس فُقِد، ولا يعلم عنهما، فبينهما فرق كبير، فالأول يُعرف إذا وصل البلد، أما الثاني فما يُعرف، يمكن أن تمضي سنة أو سنتان وما يُدرى أهو في البلد أم في غيره؟ ولهذا فالصحيح أننا لا نقدِّر ذلك بما ذكر الفقهاء، وأن الأمر في ذلك راجع إلى اجتهاد القاضي في كل قضية بعينها، فربما تكون أربع سنين كثيرة يغلب على الظن أنه مات في أقل من ذلك، وربما تكون قليلة بحسب الحال، فلو أن رجلاً اجترفه الوادي وحمله، فظاهر فقده الهلاك فعلى ما ذكره الفقهاء ننتظر أربع سنين، لكن في وقتنا هذا ما ننتظر أربع سنين؛ لأنه يمكن لطائرة هليوكوبتر أن تمشي على ممر الوادي، وتكشف الأمر، فمثل هذه الأشياء الصواب أنه يرجع فيها إلى اجتهاد القاضي، وهو يختلف باختلاف الأحوال، والأزمان، والأمكنة، والأسباب التي بها فقد، فلا نقيدها بأربع سنوات ولا بتسعين سنة.
قوله: «ثم تعتد للوفاة» أربعة أشهر وعشرة أيام.
قوله: «وأمة كحرة في التربص، وفي العدة نصف عدة الحرة» لماذا كانت كالحرة في التربص؟ لأن التربص معنى يعود إلى الزوج لا إليها؛ لأننا سنبحث عنه، لكن العدة تعود إليها، وعلى هذا نقول: الأمة في التربص كالحرة، وفي العدة نصف عدة الحرة، فتكون عدتها شهرين وخمسة أيام.
وقوله: «ولا تفتقر إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة» يعني لا تحتاج أن تراجع الحاكم، بل هي بنفسها إذا فقدت زوجها تتربص المدة التي أشار إليها المؤلف، ثم بعد ذلك تعتد للوفاة، ثم تتزوج.
وقوله: «ولا تفتقر إلى حكم حاكم» الحاكم عند الفقهاء يعني القاضي وليس الأمير، وهذا الذي ذكره المؤلف من مفردات مذهب الإمام أحمد.
والقول الثاني في المسألة: أنه لا بد من حكم الحاكم؛ لئلا يقع الناس في الفوضى؛ لأننا إذا قلنا: كل امرأة تفقد زوجها تتربص المدة التي يغلب على ظنها أنه مات، ثم تتزوج، صار في هذا فوضى، فيمكن لامرأة إذا أبطأ عنها زوجها، واشتهت زوجاً آخر، قالت: زوجي مفقود، وعملت هذا العمل.
ولهذا فالقول الثاني في المذهب ـ وهو مذهب الأئمة الثلاثة ـ أنه لا بد من مراجعة القاضي، وهو الذي يتولى هذا الأمر، وهذا متعين، لا سيما على القول الراجح، وهو أنه يرجع في الحكم بموته إلى اجتهاد القاضي، إلا أنه ربما نقول: إن عدة الوفاة لا تحتاج إلى حكم الحاكم، فإذا ضرب الحاكم مدة التربص، فلازم ذلك أنها إذا تمت تبتدئ عدة الوفاة، ولا حاجة أن يحكم القاضي.
قوله: «وإن تزوجت» أي: امرأة المفقود، وأفادنا المؤلف بقوله: «إن تزوجت» أن لها أن تتزوج؛ لأنها لما انتهت المدة والعدة حصل الفراق، وحلت للأزواج، لكن هل هي زوجة الثاني ظاهراً، أو ظاهراً وباطناً؟ الصواب أنها زوجته ظاهراً وباطناً؛ لأن الأحكام الشرعية إذا ثبتت ثبتت ظاهراً وباطناً، فعلى هذا لها أن تتزوج زوجاً آخر، وإذا تزوجت وقدم الزوج الأول فحينئذٍ تقع المشكلة، أيهما الزوج، أهو الثاني أم الأول؟
قال المؤلف: «فقدم الأول قبل وطء الثاني» الحكم هنا معلق بالوطء، وليس بالدخول والخلوة.
قوله: «فهي للأول» لأنه لما قدم تبيَّنا أن عقد الثاني باطل؛ حيث كان على امرأة في عصمة زوج، هذه هي العلة، وهي غير مطردة، والعلة إذا لم تكن مطردة فهي باطلة.
وعلى ما عللوا به نقول: إذا قدم الزوج الأول لا يخلو من حالين:
الأولى : أن يقدم قبل وطء الثاني، فإذا قدم قبل وطء الثاني، فهي للأول غصباً عليه حتى لو قال: أنا ما أريدها ما دام أنها تزوجت، نقول: لا، هي زوجتك.
الثانية : قوله: «وبعده» يعني بعد وطء الثاني.
قوله: «له أخذها زوجة بالعقد الأول» لأنه لم يرد عليه ما يبطله، فبقي بحاله، فهو بالخيار إن شاء تركها، وإن شاء أخذها زوجة بالعقد الأول.
قوله: «ولو لم يطلق الثاني» أفادنا المؤلف أن النكاح الثاني صحيح؛ لأن قوله: «ولو لم يطلق» يفيد أنه لو طلق لوقع الطلاق، ولا طلاق إلا بعد نكاح، وبهذا يتبين لنا بطلان العلة السابقة، وهي أنه لما قدم الأول تبينا بطلان العقد الثاني، فما دام أن العلة في بطلان النكاح الثاني كون الزوج الأول موجوداً، فهنا لا فرق بين أن يطأ أو لا يطأ، مع أنهم يقولون: حتى لو خلا بها إذا لم يطأ فهي للأول، مع أنه إذا خلا بها ـ لو كان النكاح صحيحاً ـ لوجبت العدة كما سبق، فإذاً التعليل عليل، ولذلك فالصحيح أن الزوج الأول يخير على كل حال، كما هو الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم[(175)]، وعلى المذهب إذا قدم الزوج الأول بعد وطء الثاني فهو بالخيار، بين أن يأخذها أو يتركها له، فإن أخذها فلا يحتاج إلى عقد جديد؛ لأن أخذه إياها استبقاءٌ لنكاحه الأول، والاستبقاء لا يحتاج إلى ابتداء.
وقوله: «ولو لم يطلق الثاني» لأن الخيار للأول.
قوله: «ولا يطأ قبل فراغ عدة الثاني» لأنه وطئها على أنها زوجته، فتحتاج إلى عدة، لكن يقال: إن العدة فرع عن صحة النكاح، ومعلوم أننا إذا قلنا ببطلان النكاح إذا قدم قبل الوطء ـ لأنه تبين أن زوجها الأول موجود ـ فإن هذه العدة ليست عدة طلاق، ولكن عدة استبراء الرحم، فالصواب أنها تعتد بحيضة واحدة، ثم يطؤها الزوج الأول.
قوله: «وله تركها معه من غير تجديد عقد» هذا الخيار الثاني للزوج الأول، فله ترك الزوجة مع الزوج الثاني من غير تجديد عقد للثاني، ولماذا لا نجدد عقداً؟ لأن تركها معه إمضاء لعقدها من الزوج الثاني، فيكون هذا من باب إجازة العقد بعد تنفيذه، وهذا يعبر عنه بتصرف الفضولي، وقد سبق لنا أن المذهب لا يجوز تصرف الفضولي، إلا في مسائل معدودة، منها هذه المسألة، فإن الصحابة رضي الله عنهم قضوا بأن الزوج الأول له الخيار بين أن يأخذها أو يدعها للزوج الثاني بعقده الأول[(176)].
وإذا اختار أَخْذَها، فهل يضمن للثاني مهره أو لا؟ لا يضمن للثاني؛ لأن الثاني دخل على بصيرة أنها زوجة مفقود، والمفقود من الجائز أن يرجع، فنقول: أنت الذي فرطت وحينئذٍ ليس لك شيء، والدليل على هذا آثار عن الصحابة رضي الله عنهم قالوا في امرأة المفقود: تتزوج، وإذا قدم زوجها فهو بالخيار، والوارد عن الصحابة رضي الله عنهم لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، وهذا هو مقتضى القياس؛ لأننا إن قلنا: إن العقد صار باطلاً بتبين أن زوجها موجود، فلا فرق بين أن يطأها الثاني أو لا يطأها، وإن قلنا: إن العلة أنه لما عقد عليها فإن زوجها قد تطيب بها نفسه للزوج الثاني، إما حياءً منه وإما كراهةً لهذه الزوجة التي تزوجت ولم تنتظر، أو لسبب من الأسباب، فهنا لا فرق ـ أيضاً ـ بين ما قبل الدخول وبين ما بعده، ولهذا كان القياس الصحيح والنظر الصحيح ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم من التخيير مطلقاً؛ لأن الزوج الأول أملك بها؛ لأنها زوجته.
فإذا قيل: لماذا تخيرونه، ولا تبطلون النكاح مطلقاً، كما قال به بعض العلماء، فتكون للأول بكل حال ـ إذا قدم ـ بدون تفصيل؟
نقول: نخيره؛ لأن الحق له، والإنسان إذا جاء وزوجته متزوجة فقد تستنكف نفسه عنها ويأنف منها، يقول: هذه التي أرخصتني، ما أريدها، أو يقول: أنا لي فيها رغبة، لكن هذا الرجل ـ أي: الثاني ـ لما تزوجها تعلقت نفسه بها، وهي ـ أيضاً ـ متعلقة نفسها به في الغالب، فسأتركها، فالصواب أنه يخير مطلقاً، أما مهرها من الزوج الأول فالمؤلف يقول:
«ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني» أي: يأخذ الزوج الأول قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني، مثال ذلك: هذا الرجل المفقود كان قد تزوجها بمائة ريال، وفُقِد، وتزوجت آخر، ثم رجع الأول وقال: أنا لا أريدها، نقول: تبقى للثاني، وللزوج الأول أن يطالب الثاني بمهره الذي أعطاها، وهو مائة ريال؛ لأن مهرها قيمتها، وهو قد فوتها عليه فيضمن القيمة، فيعطيه مائة الريال.
إذاً صار الزوج الأول يخير بين المرأة وبين مهرها، لكن لو قال الزوج الأول: إذا كنتم لن تعطوني إلا مائة ريال، فأنا أريد زوجتي؛ لأن مائة الريال لا تساوي شيئاً الآن، نقول له: لك الخيار، لكن إذا اختار أن تبقى مع الزوج الثاني فليس له إلا مهره، وعلى هذا فلا بد أن يكون الزوج الأول فقيهاً؛ لأنه إذا اختار أن تبقى مع الزوج الثاني، ثم قلنا له: ليس لك إلا مهرك، قال: أريدها، فإنه لا يحصل له؛ لأنه لما اختار أن تبقى مع الزوج الثاني صارت زوجةً له بعقد مُجَازٍ ولو كان في المجلس؛ لأن النكاح ليس فيه خيار المجلس، إذاً يأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني، وهل للزوج الثاني أن يرجع على المرأة؟ يقول المؤلف:
«ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه» أي: يرجع الثاني على الزوجة بما أخذه الزوج الأول منه، إذاً صار الزوج الثاني ما عليه غرم؛ لأن الغرم الذي غرمه للأول يرجع به على الزوجة؛ ووجه ذلك أن الصداق الذي أعطاها الزوج الأول دخل عليها، وإذا كان دخل عليها فلترده.
والصحيح أنه لا يرجع عليها بشيء إلا أن تكون قد غَرَّته، وكيف تغرُّه؟ يعني لم تُعلِمْه أنها زوجة مفقود، فحينئذٍ إذا أخذ الزوج الأول صداقه من الزوج الثاني رجع الثاني عليها، وأما بدون غرور فإنه لا يرجع عليها بشيء؛ لأنه هو الذي فوَّتها على زوجها الأول، وإن كان النكاح لا بد فيه من رضاها، لكن حقيقة الأمر أنه هو الذي صار منه نوع من التعدي على حق الأول.
الخلاصة : أن امرأة المفقود تتربص مدة انتظاره، ثم تعتد للوفاة، ثم إن شاءت تزوجت، فإن بقي زوجها على فقده فالنكاح بحاله، وإن رجع ففيه تفصيل ـ على المذهب ـ إن كان قبل وطء الثاني فهي للأول، وإن كان بعده خُيِّر الأول بين أخذها وتركها، فإن أخذها لم يحتج إلى تجديد عقد، ولكنه لا يطأ حتى تنتهي عدة الثاني، وإن تركها للثاني فالثاني لا يحتاج إلى تجديد عقد، بل يتركها بالعقد الأول، وللأول أن يأخذ من الثاني قدر الصداق الذي أعطاها، ويرجع الثاني عليها بما أخذ.
والصواب في هذه المسألة أن الزوج الأول بالخيار مطلقاً، سواء قبل وطء الثاني أو بعده، فإن أبقاها للثاني فهي له ويأخذ منه صداقه، ولا يرجع الثاني عليها بشيء وإن أخذها فهي له.
* * *
فَصْلٌ
وَمَنْ مَاتَ زَوْجُهَا الْغَائِبُ، أَوْ طَلَّقَهَا اعْتَدَّتْ مُنْذُ الْفُرْقَةِ، وإِن لَمْ تُحِدَّ، وَعِدَّةُ مَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ زِنَا، أَوْ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَمُطَلَّقَةٍ،..................
قوله: «ومن مات زوجها الغائب أو طلقها» يعني زوجها الغائب.
قوله: «اعتدَّت منذ الفُرقة وإن لم تُحِد» يقال: الفُرقة والفِرقة، وبينهما فرق، الفِرقة يعني الطائفة، والفُرقة بالضم الافتراق، فتعتد منذ الفرقة وإن لم تعلم إلا بعد موته بزمان، أو بعد طلاقه بزمان، هذا هو القول الراجح، ودليله قوله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}} [البقرة: 228] وهي يصدق عليها أنها مطلقة من حين فارقها، وإذا كان يصدق عليها أنها مطلقة من حين فارقها، فعدتها منذ الفراق ثلاثة قروء، ولقوله تعالى في المتوفى عنها زوجها: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}} [البقرة: 234] ومتى يذرونهن؟ من بعد الوفاة مباشرة، وعلى هذا فتعتد المطلقة منذ طلقها زوجها، فلو فرض أنه طلقها ولم تعلم وحاضت حيضتين ثم علمت بقي عليها حيضة واحدة، وإن علمت بعد أن حاضت ثلاث مرات فقد انتهت عدتها، وكذلك نقول في المتوفى عنها زوجها، لو لم تعلم بوفاة زوجها إلا بعد مضي شهرين بقي عليها شهران وعشرة أيام، فإن لم تعلم إلا بعد انتهاء المدة فقد انتهت، ولهذا قال: «وإن لم تحد» يعني وإن لم تأت بالإحداد، وهو ترك الزينة وما يدعو إلى جماعها، وهذا فيمن توفي عنها زوجها، فهي التي يلزمها الإحداد، فهنا يسقط الإحداد؛ لأنه تابع للعدة، والعدة قد تبين أنها انتهت بمضي أربعة أشهر وعشر من موته.
قوله: «وعدة موطوءة بشبهة أو زناً أو بعقد فاسد كمطلقة» على حسب التفصيل السابق، بوضع الحمل أو ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر أو سنة، أو حتى يعود الحيض، المهم أن الموطوءة بشبهة عدتها عدة مطلقة؛ لأن الرجل وطئها على أنها زوجة، فهي كمطلقة بناء على اعتقاد الواطئ، والشبهة نوعان: شبهة عقد، وشبهة اعتقاد.
فشبهة العقد تعود إلى العقد الذي استبيح به الوطء، وشبهة الاعتقاد تعود إلى ظن المكلف.
مثال شبهة العقد: أن يتزوجها ولا يدري أنها أخته من الرضاع مثلاً، فيتبين أنها أخته، ومثل أن يتزوجها بغير ولي ظانّاً أن النكاح يصح بدون ولي.
أما شبهة الاعتقاد ، فمثل أن يجامع امرأة ما عقد عليها، لكن يظن أنها زوجته؛ لأنه ما حصل عقد حتى نقول: العقد فيه اشتباه، لكنه أخطأ في ظنه، فظنها زوجته فجامعها، فعدتها كمطلقة، يعني تعتد بما سبق، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أنها لا تعتد كمطلقة، وإنما تستبرأ بحيضة؛ لأن هذه ليست زوجة، ولا مطلقة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكون العدة ثلاثة قروء للزوجة التي طلقها زوجها، ليس لأجل العلم ببراءة الرحم فقط، لكن من أجل ذلك، ومن أجل حقوق الزوج؛ ليمتد له الأجل حتى يراجع إن شاء، والموطوءة بشبهة، هل يكون في حقها ذلك؟ لا؛ لأنه ليس زوجها، حتى يحتاج أن نمد له الأجل لعله يراجع، وإنما المقصود أن نعلم براءة رحمها، وهذا يحصل بحيضة، هذا من جهة التعليل، أما من جهة الدليل فلأن الله إنما أوجب العدة على المطلقة، وهذه ليست مطلقة، قال الله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}} [البقرة: 228] وهذا لا يمكن أن ينطبق على الموطوءة بشبهة.
وقوله: «أو زناً» كذلك ـ أيضاً ـ عدة الموطوءة بزنا كمطلقة، قياساً على المطلقة، وهذا ليس بصحيح، هذا من أبعد الأقيسة، وكيف نقيس وطئاً محرماً سفاحاً على وطء جائز بنكاح صحيح؟! هذا بعيد جداً، ولهذا فالقول الثاني في المسألة أن عليها استبراء، وليس عليها عدة، بل إن القول المروي عن أبي بكر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أن المزني بها لا عدة عليها إطلاقاً ولا تستبرأ، لا سيما إذا كانت ذات زوج؛ لقول الرسول عليه الصلاة السلام: «الولد للفراش» [(177)]، بل ينبغي للإنسان إذا علم أن زوجته زنت ـ والعياذ بالله ـ وتابت أن يجامعها في الحال، حتى لا يبقى في قلبه شك في المستقبل هل حملت من جماع الزنا أو لم تحمل؟ فإذا جامعها في الحال حمل الولد على أنه للزوج وليس للزاني، أما إذا كانت المرأة الزانية ليس لها زوج فلا بد أن تستبرئ بحيضة على القول الراجح.
وقوله: «أو بعقد فاسد» كذلك الموطوءة بعقد فاسد تكون عدتها كمطلقة وهذا صحيح؛ لأن الذي عقده يعتقد أنه صحيح، وأما العقد الباطل فإنها على القول الصحيح لا تعتد كمطلقة؛ لأن العقد الباطل وجوده كعدمه، ولا يؤثر شيئاً، والفرق بين العقد الباطل والفاسد، أن الباطل ما اتفق العلماء على فساده، والفاسد ما اختلفوا فيه.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله في هذا كله أنه لا عدة، وإنما هو استبراء، وهو القول الراجح؛ لأن الله تعالى إنما أوجب ثلاث حيض على المطلقات من أزواجهن، وعليه فلا عدة بالقروء الثلاثة إلا للمطلَّقة فقط.
بقيت المطلقة طلاقاً ثلاثاً فهل تعتد أو تستبرأ؟
جمهور العلماء على أنها تعتد بثلاث حيض؛ لعموم قوله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}}، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال: إن كان أحد قال بالاستبراء فهو أصح، وقال: إن سياق الآية {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}} يدل على أن المراد المطلقات طلاقاً رجعياً؛ لقوله في آخرها: {{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}} وهذا ليس له حق الرجعة، فليس بعلاً، وقد ذكروا عن ابن اللبان ـ وهو من السلف القدماء ـ أنه يرى أنه لا تعتد وإنما تستبرأ، ولكن لا شك أن الأحوط أن تعتد للعموم، وقد مر علينا قاعدة: أنه إذا جاء لفظ عام، ثم أعيد حكم ينطبق على بعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص، وهذه المسألة من هذا الباب.
وَإِنْ وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوَّلِ، وَلاَ يُحْتَسَبُ مِنْهَا مُقَامُهَا عِنْدَ الثَّانِي، ثُمَّ اعتَدَّتْ لِلثَّانِي، وَتَحِلُّ لَهُ بِعَقْدٍ بَعْدَ انْقِضَاءِ العِدَّتَيْنِ، ....
قوله: «وإن وطئت معتدة بشبهة، أو نكاح فاسد، فُرِّقَ بينهما» يريد بالشبهة هنا شبهة الاعتقاد؛ لأن شبهة العقد داخلة في قوله: «أو نكاح فاسد» .
وقوله: «وإن وطئت معتدة بشبهة» صورتها أنه طلق زوجته وشرعت في العدة، فجاء شخص آخر فوطئها بشبهة، وهذا الوطء يحتاج إلى عدة كما هو المذهب، والمؤلف يفرّع على المذهب.
وقوله: «أو نكاح فاسد» النكاح الفاسد يريد به هنا النكاح الباطل في الحقيقة؛ لأن المعتدة نكاحها باطل إذا كان المتزوج غير زوجها؛ لأن العلماء أجمعوا على أن المرأة المعتدة لو عقد عليها فالنكاح باطل، أما إذا عقد عليها زوجها لكن بدون ولي ـ مثلاً ـ صار النكاح فاسداً لا باطلاً، وعلى هذا فقول المؤلف: «أو نكاح فاسد» نقول: إن كان من الزوج فهو فاسد، وإن كان من غيره فهو باطل، كما لو طلقها على عوض، فهنا العدة تثبت والطلاق بائن، لكن له أن يتزوجها بعقد، فلو تزوجها بدون ولي فالنكاح فاسد، وسياق كلامه يدل على أنه من غير الزوج.
وقوله: «فُرِّق بينهما» بين الواطئ والزوجة المعتدة، وكلام المؤلف يدل على أن الواطئ هنا غير زوجها، ولهذا قال:
«وأتمت عدة الأول ولا يُحتسب منها مقامها عند الثاني ثم اعتدت للثاني» كامرأةٍ مطلقة حاضت حيضتين، ثم جاء رجل فتزوجها أو وطئها بشبهة، فبقي عليها للأول حيضة، لكن هي بقيت عند الثاني حتى حاضت هذه الحيضة، فصار لها ثلاث حيض، لكن الحيضة التي كانت وهي عند الثاني لا تحسب؛ لأن المؤلف يقول: «ولا يحتسب منها مقامها عند الثاني» فتكمل للأول بعد أن يُفرَّق بينها وبين الثاني، ولنفرض أنه عُقد لها بعد الحيضة الثانية، وبقيت عند الزوج الثاني حتى حاضت، وبعد طهرها تبينا الأمر، ففسخنا النكاح، وفسخه واجب؛ لأنه غير صحيح؛ ولهذا يقول المؤلف: «فُرِّقَ بينهما» ولم يقل: فسخ النكاح؛ لأن العقد باطل هنا بالإجماع، لقول الله تعالى: {{وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}} [البقرة: 235] ، وفرَّقنا بينهما، لكن بقي عليها للزوج الأول حيضة واحدة فتحيض حيضة واحدة، وتنتهي من عدة الأول، ثم تستأنف العدة للثاني ثلاث حيض.
ولو قلنا بأنها تعتد للثاني، ثم تكمل عدة الأول، فتحيض ثلاث حيض للثاني، ثم بعدها تعود وتعتد بحيضة للأول، فربما يعتريها بعد ثلاث حيض ـ مثلاً ـ ارتفاع الحيض على وجه لا تدري سببه، أو على وجه تدري سببه، فتطول العدة على الأول.
وإذا قلنا بالتداخل نقول: إذا فارقت الثاني تعتد بثلاث حيض فقط، وتدخل بقية عدة الأول في عدة الثاني، وعلى ما مشى عليه المؤلف نقول: تكمل عدة الأول بعد التفريق، ثم تستأنف العدة للثاني.
قوله: «وتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين» لأن لم يوجد فيها ما يوجب التحريم عليه، مثاله: رجل تزوج امرأة معتدة، ودخل عليها، وجامعها، فالواجب أن نفرق بينهما، فإذا فرقنا بينهما وأتمت عدة الأول، ثم اعتدّت للثاني وأتمت العدة، فهل تحل للثاني أو لا؟ يقول المؤلف: «تحل له بعقد بعد انقضاء العدتين» أي: عدة الأول والثاني.
وظاهر كلام المؤلف: أنها لا تحل له بعد انقضاء عدة الأول وإن كانت العدة الثانية له، وظاهره ـ أيضاً ـ بل صريحه أنها تحل للثاني ولا تحرم عليه، فعندنا ثلاثة احتمالات:
هل تحل للثاني الذي وطئها في العدة في حال النكاح بعد انقضاء العدتين أو ما تحل؟ الجواب: تحل، والدليل عموم قوله تعالى: {{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}} [النساء: 24] وهذا الرجل ليس بينه وبين هذه المرأة محرمية، فإذا تمت الشروط صح النكاح.
وقال بعض العلماء: لا تحل له أبداً، وهذا مروي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه[(178)] عقوبةً له على فعله، حيث نكحها وهي في العدة، وقد قال الله تعالى: {{وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}}، والقاعدة الفقهية عند أهل الفقه: «من تعجَّل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه»، فهذا الرجل تعجَّل الزواج من هذه المرأة المعتدة فيعاقب بأن يحرم إياها.
وقال بعض العلماء: تحل له إذا شرعت في عدته، فإذا انقضت عدة الأول حلت للثاني؛ لأن العدة له والماء ماؤه فتحل له، وقد سبق في المحرمات في النكاح أن المعتدة من شخص والمستبرأة منه، إذا كان اعتدادها من وطء يلحق فيه النسب بالواطئ فإنها تحل له.
وعندي أن هذه المسألة ينبغي أن يرجع فيها إلى اجتهاد القاضي، ما دام رويت عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وهو معروف بسياسته، فإذا رأى القاضي أن يمنعه منعاً مؤبداً عقوبةً له وردعاً لغيره فلا حرج عليه كأن يكون تعمد فعل المحرم بأن تزوجها في العدة، ويكون هذا من باب التعزير، والتعزير يجوز بأن يُتلف على المرء ما يحبه المرء كالتعزير بالمال، وكما عزَّر عمر رضي الله عنه المطلقين ثلاثاً بإمضاء الثلاثة عليهم[(179)].
فصارت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة:
الأول : أنها تحل لواطئها بعد انقضاء عدة الأول.
الثاني : تحل للواطئ بعد انقضاء العدتين.
الثالث : لا تحل له أبداً.
والمذهب وسط في هذه الأقوال، فتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين، ولكن من حيث القواعد الراجح القول الأول أنها تحل له بعقد بعد انقضاء عدة الأول، لا سيما إذا تاب إلى الله عزّ وجل وأناب؛ لأن العدة له، لكن إذا رأى الإمام أو الحاكم الشرعي أن يمنعه منها مطلقاً على حد ما روي عن عمر رضي الله عنه فإن له ذلك.
وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا لَمْ تَنْقَطِعْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا، فَإِذَا فَارَقَهَا بَنَتْ عَلَى عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ مِنَ الثَّانِي، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا انْقَضَتْ مِنْهُ عِدَّتُهَا بِهِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ لِلآخَرِ، وَمَنْ وَطِئَ مُعْتَدَّتَهُ البَائِنَ بِشُبْهَةٍ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ بِوَطْئِهِ، وَدَخَلَتْ فِيهَا بَقِيَّةُ الأُولَى، .................
قوله: «وإن تزوجت في عدتها لم تنقطع» إن تزوجت المعتدة في عدتها لم تنقطع العدة؛ لكن قد يقول قائل: إنها لما تزوجت به صارت ذات زوجين، فيجب أن نقطع عدة الأول.
والجواب : أن هذا العقد غير صحيح ولا أثر له إطلاقاً، فهي إذاً ليست ذات زوجين، فإذا كانت امرأة في عدةٍ، وجاء رجل فتزوجها، إما جاهلاً أو متعمداً، فلا تنقطع العدة؛ لأن هذا العقد باطل فلا أثر له.
لكن متى تنقطع؟ يقول المؤلف:
«حتى يدخل بها» والمراد حتى يطأها الزوج الثاني؛ لأن الوطء هو الذي يقطع العدة، فإذا وطئها نفرق بينهما، فلو فرض أن امرأة معتدة تزوجها رجل آخر في العدة، وقد حاضت حيضتين، ولكنه لم يدخل عليها، ثم بين العقد والدخول حاضت الحيضة الثالثة، فتنتهي عدتها من الأول؛ لأنه لم يطأها، ولا تنقطع العدة بمجرد العقد؛ لأن هذا العقد غير صحيح، بل هو باطل بإجماع العلماء، وإذا كان باطلاً فلا يؤثر، فإذا جامعها الثاني فحينئذٍ يحصل التأثير؛ لاحتمال أن تعلق منه بولد، فلما كان كذلك انقطعت عدة الأول.
قوله: «فإذا فارقها بنت على عدتها من الأول، ثم استأنفت العدة من الثاني» هذا كالتكرار للأول، لكن كرره ليبني عليه ما بعده، وهو قوله:
«وإن أتت بولد من أحدهما انقضت منه عدتها به، ثم اعتدت للآخر» أصل المسألة امرأة تزوجت في عدتها، وجامعها الزوج الثاني، قلنا: يفرق بينهما وتتم عدة الأول، ثم تستأنف العدة للثاني، لكن لو أتت بولد من أحدهما يقيناً فإن العدة له، ثم تكمل للثاني، فلو أنها بعد أن تزوجت الزوج الثاني وجامعها أتت بولد لدون ستة أشهر، وعاش الولد فيكون للأول يقيناً؛ لأنه لا يمكن أن يعيش لأقل من ستة أشهر، وعلى هذا فيكون للأول يقيناً، وتستأنف العدة للثاني.
وإن أتت بولد لأكثر من أربع سنين من فراق الأول فهو للثاني، بناء على أن مدة الحمل لا تزيد على أربع سنين، ثم تكمل عدة الأول.
وقوله: «ثم اعتدّت للآخر» لا تظن أن المعنى استأنفت العدة، بل إن حكمنا بأن الولد للأول فإنها تستأنف العدة للثاني، وإن حكمنا بأن الولد للثاني فإنها تكمل عدة الأول؛ لأنه لم يوجد ما يبطل ما سبق من عدته، فإذا قدر أنها قد حاضت مرتين بعد إبانة الأول، ثم تزوجها الثاني ونشأت منه بحمل، ووضعت لأكثر من أربع سنين منذ أبانها الأول، فالولد للثاني، وانتهت عدتها منه بوضع الحمل، فهل تستأنف العدة للأول أو تكمل عدته؟ تكمل عدته؛ لأنه لم يوجد ما يبطل ما سبق من عدته، وقد سبق من عدته حيضتان فتكمل.
قوله: «ومن وطئ معتدته البائن بشبهة» المرأة تبين بكل فسخ، فجميع الفسوخ بينونة، وبكل طلاق على عوض، وبكل طلاق تم به عدد الطلاق.
إذاً المعتدة البائن هي كل من اعتدت بفسخ، أو بطلاق على عوض، أو بطلاق متمم للعدد، فهذا رجل قد طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، فجاء يوماً، ووجدها على فراشه فظنها زوجته الأخرى وجامعها، هذا الوطء نسميه وطئاً بشبهة، فماذا تصنع؟
يقول المؤلف: «استأنفت العدة بوطئه ودخلت فيها بقية الأولى» فإذا كان قد مضى حيضتان، وجامعها قبل الحيضة الثالثة، نقول: تستأنف العدة، وتدخل الحيضة الباقية في الثلاث، وعلى هذا تعتد بثلاث حيض وتنتهي، ولا نقول: تكمل الثالثة للأول ثم تعتد بثلاث، والفرق بينها وبين ما إذا جامعها رجل آخر أن العدتين هنا لواحد، فدخلت إحداهما في الأخرى، بخلاف ما إذا كانت العدتان لاثنين، فلا تدخل إحداهما في الأخرى.
وَإِنْ نَكَحَ مَنْ أَبَانَهَا فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بَنَتْ.
قوله: «وإن نكح من أبانها في عدتها ثم طلقها قبل الدخول بها بنت» البينونات ثلاث: بينونة فسخ، وطلاق على عوض، وطلاق تم به العدد، والبينونة التي تمكن هنا التي على عوض أو الفسخ، وأما الطلاق الذي تم به العدد فما يمكن؛ لأنها لا تحل له إلا بعد زوج.
فهذا رجل طلق زوجته على عوض فتبِينُ منه، لكنه أحب أن يرجع إليها، نقول: ما تحل لك إلا بعقد جديد، فعقد عليها، لكن الرجل بعد أن عقد عليها ـ في العدة ـ طلقها قبل أن يدخل بها، يقول المؤلف: تبني على العدة الأولى، فإذا كانت قد حاضت حيضتين وتزوجها، ولكن طلقها قبل أن يطأها نقول: بقي حيضة واحدة، فتكملها وتنتهي، والعقد الجديد لا يحتاج إلى عدة؛ لأنه ما وجد سبب العدة؛ لأن من شرط العدة أن يحصل وطء أو خلوة، وهنا ما حصل وطء ولا خلوة.
مثال ثانٍ: امرأة وجد زوجها بها عيباً ففسخها لعيبها، ثم بعد أن فسخها تراجع وتزوجها وهي في العدة، ثم طلقها قبل أن يطأها فتبني على العدة الأولى؛ لأنه ما وجد سبب لعدة جديدة.
أما لو كان الطلاق رجعياً بأن طلق رجل زوجته طلاقاً رجعياً فراجعها، ثم طلقها قبل أن يدخل عليها، فهل تبني على عدتها أو تستأنف؟
الجواب : تستأنف العدة، فتعتد بثلاث حيض غير الأُولى؛ لأنه لما راجعها أعادها على النكاح الأول، والرجعة ليست عقداً جديداً، بل هي إعادة إلى النكاح الأول، والنكاح الأول فيه دخول، ولهذا هي معتدة من النكاح الأول، ولما أعادها على النكاح الأول أعادها على نكاح مدخول فيه، فإذا طلقها طلق امرأة مدخولاً بها فتستأنف العدة.
وهذه مسألة يغلط فيها بعض الطلبة ما يفهم الفرق بين هذه وهذه، ولكن الفرق بينهما واضح، ففي المسألة الأولى كانت بائناً منه، فعقد عليها عقداً جديداً، ثم طلقها قبل الدخول والخلوة، فكان طلاقاً لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}} [الأحزاب: 49] ، وهذا نكحها وما مسَّها ولا خلا بها.
أما المسألة الثانية فإنها إعادة امرأة إلى نكاح سابق حصل فيه دخول، فلما أعادها إلى النكاح الأول صارت هذه الإعادة مبنية على ما سبق، فإذا فارقها بعد هذه الإعادة تستأنف؛ لأنها مطلقة من نكاح مدخول فيه.
مسألة : هل العدة لمجرد العلم ببراءة الرحم؟
لا، هذه من جملة الحكم، لكن أعظم شيء أن فيها حقاً للزوج، وإمهالاً له لعله يراجع؛ ولهذا لما كان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ له على أمته من الحقوق ما هو من أعظم الحقوق لبشر حرم على الأمة أن تتزوج نساءه من بعده، فكانت عدة زوجات الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى الأبد {{وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا}} [الأحزاب: 53] فإذن ليست العلة هي العلم ببراءة الرحم فقط.
فإن قلت: إذا جعلت العلة حق الزوج، فلماذا لا يكون على المطلقة قبل الدخول عدة؟
الجواب على هذا من وجهين:
أحدهما : أننا نقول: ليست العلة مجرد حق الزوج، ولا مجرد العلم ببراءة الرحم، ولهذا لا يمكن أن تعيَّن علة وجوب العدة بحق الزوج فقط، أو بالعلم ببراءة الرحم فقط، بل هناك حكم متعددة.
الثاني : أن نقول: إن الرجل إذا لم يدخل بها فإن نفسه لا تتعلق بها كثيراً، ولهذا طلقها قبل الدخول، بخلاف ما إذا دخل بها.
* * *
فَصْلٌ
يَلْزَمُ الإِحدَادُ ..............................
قوله: «يلزم الإحداد» الإحداد مصدر أَحَدَّ يُحِدُّ، وأما مصدر حَدَّ يَحُدُّ فهو حَدٌّ، والحد في اللغة: المنع، ومنه حدود البيت، وحدود الدار، وما أشبه ذلك، أما الإحداد في الشرع: فهو أن تمتنع المرأة عن كل ما يدعو إلى جماعها، ويرغب في النظر إليها، كثياب الزينة والحلي والتجمل بالكحل، وتحسين الوجه بالمكياج أو غيره.
والإحداد منه واجب، ومنه جائز، ومنه ممنوع، فالواجب على المتوفى عنها، والجائز على من مات له صديق أو قريب لمدة ثلاثة أيام، والممنوع ما زاد على ذلك؛ كأربعة أيام أو خمسة أو أكثر.
وقوله: «يلزم» معناه أنه واجب، والدليل استنبطه بعض أهل العلم من قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} [البقرة: 234] ، فإن قوله: {{فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} دليل على أن الإحداد ينافي هذه الرخصة، وأنه لا بد أن يكون هذا التربص تربصاً عن أشياء جائزة، ولولا ذلك لما كان فائدة في قوله: {{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}}.
وكذلك من قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ حينما شكوا إليه امرأة توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، قالوا: أفنكحلها؟ قال: «لا» ، فأعادوا عليه، قال: «لا» ، ثم قال: «قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر» [(180)]، فهذا دليل ـ أيضاً ـ على الوجوب، وأيضاً الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى المتوفى عنها زوجها أن تلبس ثوباً فيه زينة وأن تتطيب، إلا ما استثني من قُسط أو أظفار، إذا طهرت من الحيض، تتبخر به[(181)]، تتبع به أثر الدم، وإلا فلا يجوز لها أن تفعل، كما سيأتي إن شاء الله.
وهل يمكن أن نستدل لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» [(182)]؟ بعض العلماء قال: يمكن أن يستدل به؛ لأن قوله: «لا يحل» معناه أنه حرام، والحرام لا يستباح إلا بواجب.
وبعض العلماء قال: لا يدل على الوجوب؛ لأن نفي الحل لا يدل على الوجوب، بل يدل على انتفاء التحريم، فصار هذا الدليل فيه خلاف في صحة الاستدلال به، ووجه الخلاف أن نفي الحل في قوله: «لا يحل» لا يقتضي الوجوب، وهذا صحيح، لكن أولئك استدلوا بوجه آخر، قالوا: نفي الحل لا يدل على الوجوب، لكن معناه التحريم، والتحريم لا يستباح إلا بواجب، كما استدلوا على أن الختان واجب بمثل هذا الاستدلال، قالوا: لأن قطع شيء من الإنسان حرام، والحرام لا يستباح إلا بواجب، وكما استدل بعضهم على وجوب تحية المسجد بأمر النبي عليه الصلاة والسلام بها في حال الخطبة[(183)]، قالوا: فإن استماع الخطبة واجب، ولا يشتغل عن الواجب إلا بواجب.
على كل حال إن انشرح صدر الإنسان للاستدلال بهذا الحديث، مع تأييده بالأدلة الأخرى فلا بأس، وإلا فما دام عندنا دليل واضح فلا حاجة إلى المناقشة في دليل خفي؛ لأن من آداب المناظرة أنه إذا كان هناك دليل واضح فإننا لا نلجأ إلى المشتبه الذي يحتمل الجدال، ولهذا فإن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما قال للذي أنكر الرب: {{رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}} {{قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}}، هذا فيه تلبيس ليس بصحيح، فقال له إبراهيم: {{فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ}} [البقرة: 258] وهذا ليس فيه جدال.
مُدَّةَ الْعِدَّةِ كُلَّ مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ ذِمِّيَّةً،.........
قوله: «مدة العدة» «مدة» ظرف، يعني زمن العدة سواء طالت أم قصرت، فإذا كانت حائلاً فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإحدادها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإذا كانت حاملاً فعدتها إلى وضع الحمل، فإحدادها إلى وضع الحمل،وإذا لم تعلم بموت زوجها إلا بعد تمام العدة فلا إحداد؛ لأنه تابع للعدة.
قوله: «كل متوفًّى عنها زوجها» «متوفًّى» اسم مفعول؛ لأنه مقبوض، وليس «متوفٍّ»؛ لأنها بمعنى قابض، وقد سبق أن بعضهم أجاز «متوفٍّ».
قوله: «في نكاح صحيح» وقد سبق أنه لا يشترط لوجوب العدة صحة النكاح، وإنما الذي يشترط لوجوب العدة عدم بطلان النكاح؛ فالنكاح بلا ولي ليس بباطل ولكنه فاسد، فلو مات زوج امرأة تزوجها بلا ولي وجب عليها العدة، ولا يجب عليها الإحداد؛ لأنه قال: «في نكاح صحيح» بهذه النقطة فقط افترقت العدة والإحداد، فتجب العدة ولا يجب الإحداد إذا كان النكاح فاسداً.
ولكن ما ذهب إليه المؤلف ليس بصحيح، والصواب أنه تجب العدة ويجب الإحداد لمن يعتقد صحته، أما من لا يعتقد صحته فلا عدة، لكن إن حصل وطء وجب إما الاستبراء أو العدة، بحسب ما تقدم من الخلاف، فالمهم أنه على المذهب يفرقون في باب الإحداد وباب العدة بين النكاح الصحيح والفاسد، ففي الفاسد يقولون: تجب العدة ولا يجب الإحداد، قالوا: والدليل قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}} [البقرة: 234] ومن نكاحها فاسد ليست بزوجة، فكما أنها لا تدخل في قوله تعالى: {{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}} [النساء: 12] فكذلك لا تدخل في قوله: {{وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}}.
ولأن العقد الذي ليس بصحيح شرعاً لا يطلق عليه اسم ذلك العقد، فكل عقد فاسد لا يتناوله الاسم الشرعي؛ لأن الاسم الشرعي إنما يتعلق بالشيء الصحيح، ولهذا لو قال: والله لا أبيع، فباع دخاناً، لا يحنث؛ لأن البيع غير صحيح، فالأشياء التي لها مدلول شرعي إنما تحمل على مدلولها الشرعي، فنقول: هذا الدليل صحيح، والاستدلال صحيح، ولكن من اعتقد النكاح صحيحاً فله حكمه، كما لو كان ممن يرون أنه لا يجب الولي في النكاح، ومن اعتقده فاسداً فحكمه حكم الباطل.
قوله: «ولو ذمية» «لو» هذه إشارة خلاف، والذمية هي من عقدت لها الذمة من الكفار، فقوله: «ولو ذمية» فيه تساهل، والصواب أن يقال: «ولو كتابية» لأنه لا يشترط في جواز نكاح الكتابية أن تكون ذمية، ولأن الذمة تعقد لغير أهل الكتاب، كالمجوس، ومع ذلك لا يحل نكاح المجوسية، فهذا التعبير فيه نظر طرداً وعكساً، فالمراد اليهودية أو النصرانية، وهل يمكن أن يتوفى شخص مسلم عن زوجة يهودية أو نصرانية؟ نعم؛ لأن اليهودية والنصرانية حلال للمسلمين، فلو مات عن امرأة غير مسلمة ـ يعني يهودية أو نصرانية ـ وجبت عليها العدة؛ لأنها زوجة، ووجب عليها الإحداد؛ لأن الإحداد تابع للعدة.
فإن قلت: ما الدليل؟ قلنا: الدليل عموم قوله تعالى: {{وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}} وهذه زوجة، وعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إلا على زوج» [(184)].
فلو قال قائل: الذمية لا يجب عليها إحداد؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوج... إلخ» ، والذمية لا تؤمن بالله ولا اليوم الآخر الإيمانَ الذي يقتضي الإذعان والقبول، فليس الإيمان مجرد أن يقول: أنا أؤمن بالله وأؤمن بأني سأبعث، بل لا بد أن يقبل ويذعن، ولهذا فهم غير مؤمنين، وإن قالوا: نؤمن بالله لقلنا: كذبتم، لو آمنتم بالله لآمنتم برسوله محمد عليه الصلاة والسلام.
فنقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها إذا كانت كتابية فإنه لا إحداد عليها، واستدلوا بالحديث، وبأن الكفار لا يخاطبون بفروع الإسلام مخاطبة فعل، وإن كانوا يخاطبون بها مخاطبة عقوبة؛ فلا تقل للكافر: لا تُرَابِ؛ لأن الربا حرام، بل قل له: أسلم أولاً، ولا تقل له: لا تلبس خاتم ذهب؛ لأنه حرام، وإنما قل له: أسلم، وكذلك ما نقول له: صلِّ، بل نقول: أسلم، فهم لا يخاطبون بفروع الإسلام مخاطبة فعل، إنما مخاطبة عقوبة؛ ولهذا قال الله تعالى: {{إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ *} {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ الْمُجْرِمِينَ *مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *}} [المدثر] ، فذكروا هذه الأشياء، ولولا أن لها أثراً في عقوبتهم ما ذكروها.
فما الجواب عن هذا الاستدلال؟
الجواب كالتالي:
أما الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوج» فالمراد بذلك الحث والإغراء، أي: إغراء المرأة على الفعل، وليس قيداً يخرج ما عداه، كما تقول: لا يمكن للكريم أن يهين ضيفه، قصدك بهذا أن تحثه على إكرام الضيف، وكذلك أيضاً قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» [(185)]، فالمقصود بهذا الإغراء والحث، وليس قيداً يخرج به ما سوى الموصوف، حتى نقول: إنه يخرج به من لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
وهذه قاعدة ينبغي أن يتنبه لها الإنسان، فكل وصف محمود ذكر في مقام التحذير فالمقصود به الإغراء، كأنه يقول: إن كنت كريماً حقاً فهذا لا يمكن أن يقع منك، إن كنت مؤمناً بالله واليوم الآخر فهذا لا يمكن أن يقع منك.
وأما الجواب عن قولهم: إن غير المسلم لا يخاطب بفروع الإسلام خطاب فعل؛ نقول: هذا صحيح، لكن هذا في غير حق الآدمي، والإحداد من حقوق الزوج كالعدة، فهو تابع لها فلذلك وجب، ولهذا لو أن الزوج أجبر زوجته الذمية على غسل الجنابة، فقد سبق لنا أن القول الراجح أن له إجبارها، كما أنه يجبرها على قص الأظافر، وعلى نتف الإبط وما أشبه ذلك؛ لأن هذه من حقوقه.
أَوْ أَمَةً، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ، وَيُبَاحُ لِبَائِنٍ مِنْ حَيٍّ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى رَجْعِيَّةٍ وَمَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ زِناً، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ بَاطِلٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ،........
قوله: «أو أمة» يعني يلزم الإحداد على المتوفى عنها زوجها ولو كانت أمة، وتكون أمة إذا كان زوجها رقيقاً، أو كان حراً ممن يجوز له نكاح الإماء، فتلزمها العدة والإحداد.
فإن قال قائل: في إلزامها بالإحداد ضرر على سيدها.
فالجواب: أن هذا الضرر قد التزم به سيدها؛ لأن تزويجه إياها التزام بما يجب لذلك العقد، فيكون هو الذي أوجب على نفسه ذلك.
وأما قول من يقول: إنها ليس عليها شيء؛ لأنها ليست وارثة، فيقال: المسألة ليست مبنية على الإرث، بل مبنية على حق الزوج، وهي فرع وتبع للعدة.
وأيضاً يقولون: إنه لما مات الزوج تعلق بها حق السيد، فنقول: ما دامت في العدة فلا حق للسيد فيها، ولهذا لو أراد أن يستمتع بها سيدها في العدة مُنع من ذلك.
قوله: «أو غير مكلفة» وهي الصغيرةُ والمجنونةُ، فلو مات شخص عن زوجة مجنونة فإنه تجب عليها العدة؛ لأنها زوجة، ويجب عليها الإحداد فيَلْزمُ وليَّها أن يجنبها ما تتجنبه المحادة والصغيرة ولو كانت في المهد، كبنت صغيرة في المهد مات عنها زوجها فيجب أن تُحِدَّ، فلا تلبس لباس الزينة، ولا حلي الذهب، ولا يُخرج بها من البيت، كما سيأتي في الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله.
فإذا قال قائل: كيف تلزمونها بالإحداد وهي غير مكلفة؟!
نقول: لأن هذا من حقوق الزوج، وليس من باب العبادات، فالعبادات مرفوعة عنها بلا شك، لكن هذا من حقوق الزوجية، فكما نلزمها بالعدة نلزمها كذلك بالإحداد؛ لأنه تابع لها.
قوله: «ويباح لبائن من حي» أي: ويباح الإحداد لبائن من حي ولا يجب، والبائن هي التي كان فراقها بواحد من ثلاثة أمور كما سبق وهي: الفسخ، والطلاق على عوض، والطلاق المتمم للعدد، فلا يملك زوجها أن يرجع إليها بلا عقد.
وإنما قال المؤلف: «يباح» لأن بعض أهل العلم قال: يجب على البائن أن تحد قياساً على المتوفى عنها زوجها؛ لأن كل واحدة منهما عدتها بينونة، فما يثبت للمتوفى عنها يثبت للبائن.
ولكن المذهب أنه يباح لها فقط، قالوا: والقياس مقابل للنص؛ لأن الحديث صريح: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوج» [(186)]، أي: على زوج ميت، وليس على زوج مطلقاً؛ لأن المستثنى من جنس المستثنى منه، فالراجح أنها لا تحد.
فإن قال قائل: قد تتكدر على زوجها الذي فارقها فراقاً بائناً أكثر من تكدرها لموت زوجها عنها.
فيقال: هذا لا عبرة به.
قوله: «ولا يجب على رجعية» الضمير في قوله: «ولا يجب» يعود على الإحداد، أي: لا يجب على رجعية الإحداد.
وقوله: «رجعية» يعني التي لزوجها أن يراجعها، وهي التي طُلِّقَتْ بعد الدخول على غير عوض دون ما يملك من العدد، يعني دون استكمال العدد، وإنما قال المؤلف: «لا يجب» دفعاً لقول من يقول: إنه يجب أن تحد الرجعية؛ لأن الله يقول: {{لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يُخْرَجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}} [الطلاق: 1] ، فهل الاستدلال بهذه الآية صحيح؟
نقول: ليس بصحيح؛ لأن الله ـ تعالى ـ نهى أن نُخرجها، ونهى أن تَخْرج، وليس المعنى أن تلزم الإحداد، ولا تتطيب، ولا تتجمل، ولا تتشرف لزوجها.
ثم إن قوله: {{لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يُخْرَجْنَ} ...} ليس المراد به أننا نلزمها البيت، فما تخرج ولا لزيارة أهلها، ولكن المعنى لا تخرجوهن من السكنى، أما خروجها المعتاد الذي كان لها قبل أن تطلق فهو مباح لها على القول الراجح، وإن كان المذهب يرون أنها تلزم البيت كما تلزمه المتوفى عنها زوجها.
تنبيه:
ليس معنى قول المؤلف: «ولا يجب على رجعية» أنه لو مات عنها وهي في عدتها أنها ما يجب عليها الإحداد، المعنى لو طلقها طلاقاً رجعياً فإنه لا يجب عليها الإحداد وهو حي، أما لو مات عنها وهي مطلقة طلاقاً رجعياً، فقد سبق أنها تنتقل إلى عدة الوفاة ويلزمها الإحداد.
قوله: «وموطوءة بشبهة» يعني أن الإنسان إذا وطئ امرأة بشبهة فقد تقدم أنه تجب عليها العدة، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: إنها استبراء، فهذه لا يجب عليها أن تحد، حتى لو قلنا بأن عليها العدة كمطلقة كما هو المذهب.
قوله: «أو زناً» أي: ولا يجب الإحداد على موطوءة بزنا من باب أولى.
قوله: «أو في نكاح فاسد» أي: لا يجب الإحداد على موطوءة في نكاح فاسد مختلف فيه، ولكن العدة تجب في النكاح الفاسد.
قوله: «أو باطل، أو ملك يمين» أي: لا يجب على موطوءة بنكاح باطل أو ملك يمين الإحداد، والعلة أنهما ليستا زوجتين متوفى عنهما.
إذاً التي يجب عليها الإحداد كل امرأة متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح، فإن اختل شرط لم يجب الإحداد.
تنبيه: المؤلف رحمه الله ما بين الإحداد على غير الزوج، والإحداد على غير الزوج لا يجوز إلا في ثلاثة أيام فأقل، فهو جائز وليس بواجب، ولا ينبغي أيضاً، لكن رخص فيه الشرع؛ لأن النفس بطبيعتها مع شدة الصدمة لا شك أنه يتغير مزاج الإنسان، ولا يحب الانطلاق في الملاذ وفي الملابس وفي غيره، فيجوز أن يحد في خلال ثلاثة أيام فقط، فلو مات أبو المرأة حرم عليها أن تحد فوق ثلاثة أيام، ولو مات زوجها وجب عليها أن تحد مدة العدة.
وَالإِحْدَادُ: اجْتِنَابُ مَا يَدْعُو إِلى جِمَاعِهَا وَيُرَغِّبُ فِي النَّظرِ إِلَيْهَا، ........
قوله: «والإحداد: اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها» هذا تعريف الإحداد شرعاً، وسبق بيان الإحداد لغة.
فقوله: «ما» هذه اسم موصول، والأسماء الموصولة من قبيل المبهم، فيحتاج إلى بيان، والبيان قوله:
«من الزينة والطيب» فهذا تفسير وبيان لكلمة «ما» أي: والذي يدعو إلى جماعها الزينة والطيب... إلخ.
الزِّينَةِ، وَالطِّيبِ، وَالتَّحْسِينِ، وَالْحِنَّاءِ، وَمَا صُبِـغَ لِلزِّينَةِ، وَحُلِيٍّ، وَكُحْلٍ أَسْوَدَ، لاَ تُوتِيَا وَنَحْوِهَا وَلاَ نِقَابٍ، وَأَبْيَضَ، وَلَوْ كَانَ حَسَناً.
فقوله: «من الزينة» أي: الثياب التي يتزين بها، فإن قيل: هذا الثوب ثوب بذلة ـ يعني ثوب عادة ـ لم يجب اجتنابه، سواء كان فيه تشجير أو تلوين أو لم يكن فيه، وإذا قيل: هذا ثوب زينة، يعني أن المرأة تعتبر متزينة، فهذا يجب اجتنابه، هذه هي القاعدة.
إذاً كل ثياب تتزين بها المرأة عادة فإنه يجب عليها اجتنابها، سواء كانت الثياب شاملة لجميع الجسم، كالدرع، والملحفة، والعباءة، وما أشبهها أو مختصة ببعضه، كالسراويل، والصداري التي على الصدر فقط، فكل ما يعد تجملاً من الثياب فإنه يجب اجتنابه، هذه واحدة.
الثانية : قوله: «والطيب» فالطيب بجميع أنواعه، سواء كان دهناً أو بخوراً، فإنه يجب عليها أن تتجنبه كالريحان، والورد، والعود، أما الصابون المُمسَّك والشامبو فلا يدخل في ذلك؛ لأنه لا يتخذ للتطيب، إنما هو لنكهته ورائحته، أما إذا ادهنت بالشامبو أو غسلت بالصابون وظهرت الرائحة بحيث لا تمر من عند الرجال إلا يشمون رائحتها، فهنا نمنعها لأجل الفتنة، وأما شم الطيب فلا يضر؛ لأن هذا ما يلصق ببدنها ولا يعلق بها، فلو أرادت أن تشتري طيباً وشمته فلا حرج عليها.
واستثنى الشارع إذا طهرت من الحيض فإنه لا بأس أن تتبخر، فتتبع أثر الحيض بشيء من القسط أو الأظفار[(187)]، وهما نوعان من الطيب يتبخر بهما، وهما دون العود المعروف، يعني أقل رائحة لأجل طرد ما يحصل من نتن بعد أثر الحيض.
الثالثة : قوله: «والتحسين» يعني التجميل بالحناء، أو بالورد، أو بالحمرة، أو بالكحل، أو بغير ذلك، كل ما فيه التحسين لبدنها فإنها ممنوعة منه، وعلامة ذلك أن يقال: إذا رئيت المرأة قيل: هذه المرأة متجملة، حتى لو كان التحسين في أظافرها كالتي يسمونها المناكير، فما تتجمل بها.
قوله: «والحناء» هذا تابع للتحسين.
قوله: «وما صبغ للزينة» تابع للزينة، يعني ما صبغ للزينة من الثياب، واحترز المؤلف في قوله: «ما صبغ للزينة» بما صبغ لتوقي الوسخ، مثل الكحلي، والأحمر، والأصفر، وما أشبهها، فهذا لا بأس به، ولهذا قيده المؤلف بـ «ما صبغ للزينة» .
الرابعة: قوله: «وحلي» وهو معطوف على قوله: «من الزينة» يعني ومن الحلي، سواء كان في الأذنين، أو في الرأس، أو في الرقبة، أو في اليد، أو في الرجل، أو على الصدر، فالساعة ـ مثلاً ـ تمنع منها؛ لأن المرأة تتحلى بها، وعليه فإذا احتاجت إلى الساعة تجعلها في الجيب، أو كان في الأسنان فإنه لا يجوز أن تلبسه، فلو أرادت أن تتجمل بوضع سِنٍّ من الذهب، فلا يجوز.
فإذا كان الحلي عليها حين موت الزوج هل تزيله أو نقول: إن الاستدامة أقوى من الابتداء؟
نقول: تخلعه، وكذلك السن إذا كان يمكن خلعه، ولكن الغالب أنه ما يمكن خلعه، فإنها لا تخلعه لكن تحرص على أن لا يبين.
فإن كان الحلي من غير الذهب والفضة، كما لو كان من الزمرد، أو اللؤلؤ، أو الماس فإنه مثل الذهب والفضة، بل قد يكون أعظم.
قوله: «وكحل أسود» الكحل ممكن أن يلحق بالتحسين، فالكحل الأسود لا يجوز أن تستعمله لا في الليل ولا في النهار.
وقال بعض أهل العلم: تستعمله ليلاً عند الحاجة، وتمسحه في النهار.
والصحيح أنه لا يجوز مطلقاً؛ لأن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ استؤذن في ذلك، فقالوا له: أنكحلها؟ قال: «لا» ، فقيل له ذلك ثلاث مرات، ولكنه أبى عليه الصلاة والسلام[(188)]، فدل هذا على أنه لا يجوز مطلقاً.
وغير الكحل مثل القطرة والدواء وما أشبهه، فهذا ليس فيه زينة، ولهذا قال المؤلف:
«لا توتيا» ويسمى عندنا في اللغة العامية التوت بدون ياء، وهو معدن معروف تكحل به العين عن الرمد وغير الرمد، يخلط بدواء العين، وكان الناس في الأول قبل أن يظهر الطب الحديث يستعملونه، فهذا لا بأس به؛ لأنه ليس له لون، فما فيه إلا الاستشفاء فقط، وكذلك القطرات التي تقطر في العين فإنها جائزة؛ حتى لو فرض أنها وسَّعت العين، وأزالت حمرتها فلا بأس؛ لأن هذا لا يحصل به التحسين الذي يحصل بالكحل.
قوله: «ونحوها» أي: مما لا يظهر له لون كالصَّبِر، وهو معروف أنه تُداوى به العين، لكن بمقياس معلوم، وهنا يجب التحرز من زيادته؛ لأنه إذا زاد ربما يعمي العين.
قوله: «ولا نقاب» أي: ما يحرم عليها النقاب؛ لأن النقاب ليس زينة، وإنما هو لباس عادي، كالقفازين.
ونص المؤلف على نفيه؛ لأن بعض أهل العلم ـ رحمهم الله ـ يقولون: إنها لا تنتقب، قياساً على المحرمة، وهذا القياس ليس بصحيح؛ لأنه ليس هناك علة جامعة بينهما، ولذلك يحرم على المحرمة ما لا يحرم على المحادة، ويحرم على المحادة ما لا يحرم على المحرمة، فالمرأة المحرمة لها أن تتحلى، ولها أن تكتحل، ولها أن تلبس ثياباً جميلة، إذا لم يكن أَمامَ الرجال، وما أشبه ذلك، والمحادة ليس لها ذلك، كما أن المحادة يجوز لها أن تقص أظفارها، وأن تتنظف، وأن تقص الشعر المأمور بإزالته، وما أشبه ذلك، والمحرمة لا تفعل ذلك، فالمهم أن هذا قياس مع الفارق العظيم.
أما البرقع فإنه ليس مثل النقاب؛ لأن البرقع يعتبر من التجمل؛ لأنه أجمل من النقاب، فالنقاب هو الغطاء، يُنْقَب للعين فقط، لكن البرقع يزخرف ويحسن ويوشى بالتلوين، فهو من باب الجمال.
قوله: «وأبيض» أي: لا يجب عليها اجتناب الأبيض.
قوله: «ولو كان حسناً» «لو» إشارة خلاف، فإن بعض أهل العلم يقول: إذا كان الأبيض حسناً فإنه يجب اجتنابه، والمذهب يقولون: الأبيض لا يجب اجتنابه، ولو كان حسناً، فلو لبست إبريسم أبيض من أحسن ما يكون من أنواع الإبريسم، يكسر العين بجماله، فعلى المذهب يجوز، قالوا: لأن بياضه بأصل طبيعته فلم يدخل عليه شيء يزينه.
فنقول لهم: ليس التكحل في العينين كالكَحَلِ، إذا كان حسناً بطبيعته فهو أحسن من الذي حُسِّنَ بما أضيف إليه، فالصواب بلا شك أن الأبيض لا يجوز للمحادة لبسه إذا عُد للزينة، وهو الموافق لقاعدة المذهب السابقة في قولهم: «من الزينة» أما إذا كان من غير الزينة فلا بأس.
مسألة: هذه الأشياء المحرمة كالثياب الجميلة مثلاً لو لبستها، ولبست عليها ثياباً غير جميلة، فهل يحرم لأنها لبست ما كان محظوراً، أو لا يحرم اعتباراً بما يظهر منها؟
الظاهر أن الأول أحوط، صحيح أن هذه الأنواع من الألبسة ما حرمت لذاتها، بل لأنها زينة تدعو إلى جماعها، والمرأة لو لبست شيئاً جميلاً تحت ثيابها، وخرجت للناس بثياب غير جميلة لا تلفت النظر، لكن نقول: الذي ينبغي اجتنابها، حتى ولو كانت تحت الثياب غير الجميلة، وإلا لقائل أن يقول: هذه الثياب ليست محرمة بذاتها، بدليل أنه قد يكون الثوب هذا في زمن من الأزمان ثوب زينة، وفي زمن آخر ثوب بِذلة، يعني إذا كان الناس فقراء تكون ثيابهم الجميلة ثيابَ المتوسطين في أناس أغنى منهم، وكذلك المتوسطون تكون ثيابهم الجميلة بالنسبة للأغنياء والأثرياء ليست ثياب جمال، فبناء على ذلك ما دام أن هذا الثوب لا يحرم على المحادة لذاته، نقول: إنها إذا لبست فوقه ما يستره فإنه لا يحرم عليها، ولكني أقول: إن الأحوط أن تُمنع من ذلك مطلقاً؛ لأنه ربما ينكشف الثوب الأعلى ويتبين الأسفل، وربما يأتي أحد يقتدي بها ولا يدري، فهذا هو الأولى.
فإن قلت: ما الحكمة من هذا التضييق على المرأة في عدة الوفاة؟
قلنا: الحكمة في ذلك هو احترام حق الزوج وعدته، وأنها لا ترغب الأزواج، وتبتعد عن كل شيء يدعو إلى خطبتها؛ حتى لا يطمع أحد في نكاحها وتتعلق بها نفسه في هذه المدة، وليس ذلك بواجب في عدة الحياة؛ لأن زوجها حي، ولو أراد أحد أن يعتدي عليها في عدته ويخطبها لدافع عنها.
تنبيه: اعتاد بعض النساء أن يلبسن الأسود، وأن لا يخرجن إلى فناء البيت، وأن لا يصعدن السطح، ولا يشاهدن القمر ليلة البدر، ولا تكلِّمُ أحداً من الرجال، ولا تتكلم بالهاتف، وإذا قُرع الباب لا تكلم الذي عند الباب، وأشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فكل هذه خرافة، ليس لها أصل.
* * *
فَصْلٌ
وَتَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الْمَنْزِلِ حَيْثُ وَجَبَتْ، فَإِنْ تَحَوَّلَتْ خَوْفاً، أَوْ قَهْراً، أَوْ بِحَقٍّ، انْتَقَلَتْ حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَهَا الْخُرُوجُ لِحَاجَتِهَا نَهَاراً لاَ لَيْلاً، وَإِنْ ترَكَتِ الإِحْدَادَ أَثِمَتْ، وَتَمَّتْ عِدَّتُهَا بِمُضِيِّ زَمَانِهَا.
قوله: «وتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت» هذا ـ أيضاً ـ مما يتعلق بالمرأة المحادة، وهو الأمر الخامس مما يلزمها وهو لزوم المنزل.
وقوله: «حيث وجبت» «حيث» ظرف مكان متعلق بمحذوف، حال من المنزل، أي: في المنزل الذي هي نازلة فيه، حيث وجبت العدة.
أو نقول: إنها بدل من قوله: «المنزل» يعني وتجب عدة الوفاة حيث وجبت العدة وهذا أقرب، المهم أنه إذا وجبت عدة الوفاة وهي في منزل وجب عليها أن تعتد فيه، فما تخرج منه.
وتجب عدة الوفاة بموت الزوج، فإذا مات زوجها وهي ساكنة في بيت تكمّل العدة في هذا البيت.
وقوله: «في المنزل حيث وجبت» إذا مات وهي في منزل أهلها، لكن ذهبت إليهم لزيارة لا للسكنى فإنها ترجع إلى بيت زوجها، كذلك لو كان زوجها في المستشفى ومات وهي عنده في المستشفى، فإنها لا تعتد في المستشفى؛ لأنه ليس منزلاً لها، إنما تعتد في المنزل الذي هو سكناها، وكذلك لو مات وهي عند جيرانها مثلاً لزيارة لهم فإنها ترجع إلى بيت الزوج.
فإن مات زوجها وقد سافرت معه، فهل تبقى في البلد الذي كانت فيه أو ترجع إلى بلده الأصلي؟ قال العلماء: إن كانت لم تتجاوز مسافة القصر عادت إلى منزلها الأصلي، وإن تجاوزت القصر خيرت بين أن تبقى في البلد الذي سافرت إليه، أو ترجع إلى بلدها الأصلي.
قوله: «فإن تحولت خوفاً أو قهراً أو بحق انتقلت حيث شاءت» فقوله: «خوفاً» يعني ما أمكنها أن تبقى في المنزل، فتحولت عنه خوفاً على نفسها من أن يسطو عليها أحد لفعل الفاحشة مثلاً، أو لكونها امرأة عندها شيء من الوحشة ـ وهذا يكون، فقد تكون صغيرة تتوحش ـ أو خوفاً على مالها فلها أن تنتقل.
وقوله: «أو قهراً» مثال ذلك: امرأة ساكنة في بيت زوجها، فقيل لها: البيت سيهدم لمصلحة الشارع، فهذا قهر، فتخرج وتسكن حيث شاءت، ولو فرض أنها حُوِّلت قهراً إلى بلد، بأن قالت الدولة: بيتكم سيهدم، ولكن خذوا هذا البيت بدله، فهل يلزمها أن تتحول إلى البيت الجديد؟ في ظني أنه يجب أن تنتقل إلى هذا البيت فهذا ليس كالأول؛ لأن هذا جعل بدلاً عن هذا، فهذه لو قيل: إنه يجب أن تتحول إليه، لكان له وجه.
وقوله: «أو بحق» مثال ذلك: البيت مستأجر لمدة سنة، تمت السنة في أثناء العدة، وقد مضى منها شهران، وبقي شهران وعشرة أيام، قال صاحب البيت: الإجارة تمت، اخرجوا عن البيت، فهنا تحولت بحق؛ وذلك لأن الوجوب يتعلق بعين المكان، وقد تعذر سكناه، فتعتد حيث شاءت.
قوله: «انتقلت حيث شاءت» وقال بعض العلماء: تنتقل إلى أقرب مكان آمن من بيتها، ولكن الصحيح المذهب في هذا أنها تنتقل حيث شاءت، فمثلاً لزوجها بيتان، بيت هي ساكنته، وبيت آخر ساكنته زوجة أخرى، والزوجة الأولى تخاف على نفسها، فهل نقول: يجب أن تنتقل إلى البيت القريب، أو لها أن تنتقل عند أهلها ولو كانوا بعيدين؟ نقول: لها أن تنتقل إلى بيت أهلها ولو كانوا بعيدين؛ لأنه لما تعذر المكان الأصلي سقط الوجوب، والوجوب معلق بنفس البيت الذي مات وهي ساكنة فيه، فلما تعذر ولم يمكن سكناه قلنا: تعتد حيث شاءت، مثل ما لو أن أحداً قطعت يده من المرفق، فإذا أراد أن يتوضأ لا نقول له: اغسل العضد بدلاً عن المرفق؛ لأن مكان الوجوب زال، ومثل ما لو أن أحداً أصلع ليس له شعر اعتمر أو حج، والحج والعمرة يجب فيهما الحلق أو التقصير، فما نقول له: احلق؛ لأنه ما له شعر، وليس عليه أن يُمر الموسى على رأسه، كما قاله بعض العلماء؛ فإن هذا عبث، وهذا القول مثل ما قالوا: إن الأخرس في الصلاة يحرك شفتيه ولسانه، وهذا عبث، والحاصل أن الصحيح المذهب في هذه المسألة.
قوله: «ولها الخروج لحاجتها نهاراً لا ليلاً» الانتقال من المنزل لا يجوز، لكن الخروج مع البقاء في المنزل، هل يجوز أو لا؟
نقول: هذا لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون لضرورة، أو لحاجة، أو لغير ضرورة ولا حاجة.
الحال الأولى: إذا كان لغير ضرورة ولا حاجة، فإنه لا يجوز، مثل لو قالت: أريد أن أخرج للنزهة، أو للعمرة، فإنه لا يجوز؛ لأنه ليس لحاجة ولا لضرورة.
الحال الثانية : أن يكون الخروج من البيت للضرورة، فهذا جائز ليلاً ونهاراً، مثلاً حصل مطر، وخشيت على نفسها أن يسقط البيت فإنها تخرج للضرورة، لكن إذا وقف المطر وصُلِّح البيت ترجع، ومثل ذلك لو شبت نار في البيت.
الحال الثالثة : أن يكون لحاجة، مثل لو ذهبت تشتري مثلاً عصيراً؛ أو تشتري شاياً، ومنها أن تكون مدرِّسة فتخرج للتدريس في النهار، ومنها أن تكون دارسة فتخرج للدراسة في النهار لا في الليل، ومنها أنها إذا ضاق صدرها فإنها تخرج إلى جارتها في البيت لتستأنس بها في النهار فقط؛ لأن أزمة ضيق الصدر قد تتطور إلى مرض نفسي، ومنها أن تخرج لتزور أباها المريض، فهي حاجة من جهة الأب، ومن جهتها هي، أما هي فستكون قلقة؛ حيث لم ترَ بعينها حال أبيها، وأما أبوها فإن قلب الوالد يحن إلى ولده، فنقول: لا بأس أن تخرج لتعود أباها إذا مرض، أو أمها، أو أحداً من أقاربها، فلها أن تخرج نهاراً لا ليلاً؛ ووجه التفريق بين الليل والنهار أن الناس في النهار في الخارج والأمن عليها أكثر، وبالليل الناس مختفون والخوف عليها أشد.
قوله: «وإن تركت الإحداد أثمت» يعني إن تركت ما يلزمها من الإحداد، مثل أن تتطيب، أو تتحسن، أو تلبس الحلي، أو الزينة، فإنها تأثم؛ لأنها تركت الواجب.
وقوله: «أثمت» أي: استحقت ذلك، ولا يلزم أن يصيبها الإثم كتعبير بعضهم الواجب ما أثيب فاعله وعوقب تاركه، يريدون بذلك أنه استحق أن يعاقب، ولكن ليس بلازم؛ لجواز أن يعفو الله عنه؛ لأن الله يقول: {{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}} [النساء: 48].
وهل لهذا الإثم من دواء؟ نعم دواؤه التوبة إلى الله عزّ وجل، أن تندم على ما مضى، وأن تعزم على أن لا تعود في المستقبل.
قوله: «وتمت عدتها بمضي زمانها» لأن الإحداد ليس بشرط لها، وإنما هو واجب، ولهذا لو أنها تركت الإحداد فإنها تنتهي العدة إذا مضى زمانها.
-----------------------
[156] سبق تخريجه ص(183).
[157] أخرجه الإمام أحمد (1/430، 447)، وأبو داود في النكاح/ باب فيمن تزوج ومات (2114)، والترمذي في النكاح/ باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها... (1145)، والنسائي في الطلاق/ باب عدة المتوفى عنها... (6/198)، وابن ماجه في النكاح/ باب الرجل يتزوج ولا يفرض... (1891)، وابن حبان (4098)، والحاكم (2/180) عن معقل بن سنان رضي الله عنه. قال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه ابن حبان، والحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
[158] أخرجه أحمد (3/62)، وأبو داود في النكاح/ باب في وطء السبايا (2157)، والدارمي في الطلاق/ باب في استبراء الأمة (2295) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه الحاكم (2/195)، على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في التلخيص (1/171)، وصححه في الإرواء (187).
[159]سبق تخريجه ص(299).
[160] أخرجه البخاري في المغازي/ باب فضل من شهد بدراً (3991)، ومسلم في الطلاق/ باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها... (1484)، وقوله: «كذب أبو السنابل»، أخرجه الشافعي (1/244)، وأحمد (1/447)، وعبد الرزاق (11723)، وسعيد بن منصور (1/395).
[161] أخرجه البخاري في بدء الخلق/ باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم (3208)، ومسلم في القدر/ باب كيفية خلق الآدمي... (2643) عن ابن مسعود رضي الله عنه.
[162] سبق تخريجه ص(331).
[163] أخرجه البخاري في الوصايا/ باب الوصية بالثلث (2744)، ومسلم في الوصية/ باب الوصية بالثلث (1628) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
[164] أخرجه البخاري في الطلاق/ باب تحد المتوفى عنها أربعة أشهر وعشراً (5337)، ومسلم في الطلاق/ باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة... (1489).
[165] انظر: المحلى (10/307)، والمغني (8/84).
[166] أخرجه أبو داود في الطلاق/ باب في سنة طلاق العبد (2189)، والترمذي في الطلاق واللعان/ باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان (1182)، وابن ماجه في الطلاق/ باب في طلاق الأمة وعدتها (2079)، والدارمي في الطلاق/ باب في طلاق الأمة (2192) بألفاظ مختلفة عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم، انظر: التلخيص (3/212)، والإرواء (7/201).
[167] أخرجها مالك في الموطأ (1217)، وعبد الرزاق في مصنفه (7/221)، وابن أبي شيبة (4/146)، والدارقطني (4/38)، والبيهقي (7/425) عن عمر وابن عمر وعلي رضي الله عنهم، وهو المروي عن سعيد بن المسيب، وإبراهيم، والشعبي، وعطاء رحمهم الله.
[168]سبق تخريجه ص(48).
[169]أخرجه أبو داود في الطهارة/ باب من قال: تغتسل من طهر إلى طهر (297)، والترمذي في الطهارة/ باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة (126)، وابن ماجه في الطهارة وسننها/ باب ما جاء في المستحاضة... (625)، والحديث صححه الألباني في الإرواء (7/199).
[170] أخرجه ابن حزم في المحلى (10/270).
[171]أخرجه البخاري في الحيض/ باب عرق الاستحاضة (327)، ومسلم في الحيض/ باب المستحاضة وغسلها وصلاتها (334) عن عائشة رضي الله عنها.
[172]أخرجه أحمد (6/464)، والترمذي في الطهارة/ باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين (128)، والدارمي في الطهارة/ باب الكدرة إذا كانت بعد الحيض (861)، والدارقطني (1/216)، والطبراني في الأوسط (1/159)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وحسنه الألباني في الإرواء (1/202).
[173]أخرجه مسلم في الحيض/ باب المستحاضة وغسلها وصلاتها (334) عن عائشة رضي الله عنها.
[174] من ذلك ما أخرجه مالك في الموطأ (2/575) عن عمر رضي الله عنه قال: أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو، فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشراً ثم تحل، وأخرجه ابن أبي شيبة (4/237)، وعبد الرزاق (12317) عن عمر وعثمان رضي الله عنهما، وأخرج سعيد بن منصور في سننه (1756)، والبيهقي (7/445) عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم مثل ذلك، وصحح أسانيدها الحافظ في الفتح (9/340) ط. الريان.
[175]وهو مروي عن عمر وعلي والحسن وابن الزبير رضي الله عنهم، أخرجه الشافعي في مسنده (304)، وابن أبي شيبة (3/522)، والبيهقي (7/444).
[176]سبق تخريجه ص(376).
[177] سبق تخريجه ص(299).
[178] أورده ابن حزم في المحلى (9/478).
[179]سبق تخريجه ص(20).
[180]سبق تخريجه ص(349).
[181]أخرجه البخاري في الحيض/ باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض (313)، ومسلم في الطلاق/ باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة... (66) (938) عن أم عطية رضي الله عنها.
[182]أخرجه البخاري في الجنائز/ باب إحداد المرأة على غير زوجها (1280)، ومسلم في الطلاق/ باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة... (1486) عن أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم.
[183]أخرجه البخاري في الجمعة/ باب من جاء والإمام يخطب... (931)، ومسلم في الجمعة/ باب التحية والإمام يخطب (875) عن جابر رضي الله عنه.
[184]سبق تخريجه ص(394).
[185]أخرجه مسلم في الحج/ باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (1339) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[186]سبق تخريجه ص(394).
[187]سبق تخريجه ص(394).
[188]أخرجه البخاري في الطلاق/ باب تحد المتوفى عنها أربعة أشهر وعشراً (5336)، ومسلم في الطلاق/ باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة... (1488) عن أم سلمة رضي الله عنها.
|