|
بَابُ نَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَالْبَهَائِمِ
تَجِبُ، أَوْ تَتِمَّتُهَا لأَبَوْيهِ وَإِنْ عَلَوْا، وَلِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ حَتَّى ذَوِي الأَرْحَامِ مِنْهُمْ،.....
هذا الباب يذكر فيه نفقة الأقارب والمماليك، وبيان السببية؛ لأنه سبق لنا أن سبب وجوب النفقة ثلاثة:
الأول: الزوجية.
الثاني: القرابة.
الثالث: الملك.
والفرق بين هذه الأسباب أن سبب الزوجية معاوضة، فالنفقة في مقابلة الاستمتاع، ولهذا لا تسقط بإعسار الزوج، ولا تسقط بمضي الزمان، بخلاف نفقة الأقارب والمماليك.
الأقارب: أصول وفروع وحواشٍ، فالأصول مَنْ تفرعت منهم من آباء وأمهات، والفروع مَنْ تفرعوا منك من أبناء وبنات، والحواشي مَنْ تفرعوا مِنْ أصولك، فيدخل فيهم الأعمام والأخوال.
قوله: «تجب» أي: تجب كل النفقة إذا كان المُنْفَق عليه لا يجد شيئاً.
قوله: «أو تتمتها» وهذا إذا كان المُنْفَق عليه يجد البعض.
قوله: «لأبويه وإن علوَا» أي: الأصول.
قوله: «ولولده وإن سفل» أي: الفروع.
واعلم أن هذا الباب كباب تحريم النكاح، لا يفرق فيه بين جهة الأبوة وجهة الأمومة، فالأصول والفروع سواء كانوا من ذوي الأرحام، أو عصبة، أو أصحاب فرض، تجب النفقة لهم لكن بشروط.
قوله: «حتى ذوي الأرحام منهم» «حتى» إشارة خلاف، وغالباً إذا قالوا: «ولو» فالخلاف قوي، وإذا قالوا: «وإن» فالخلاف وسط، وإذا قالوا: «حتى» فالخلاف ضعيف، لكن هذه غير مطَّردة.
وقوله: «ذوي الأرحام» وهم من الأصول كل ذكر بينه وبين المنفِق أنثى، أو من أدلى بهذا الذكر، فأبو الأم من ذوي الأرحام، وأم أبي الأم من ذوي الأرحام؛ لأنها أدلت بهذا الذكر، وأبو أبي الأم كذلك.
وذوو الأرحام من الفروع هم كل من بينه وبين المنفِق أنثى، فمثلاً: ابن البنت من ذوي الأرحام؛ لأن بينه وبين الميت أنثى، وكذلك بنت البنت.
فذوو الأرحام من الأصول والفروع تجب لهم النفقة، والدليل قالوا: لقوة صلتهم بالمنفق؛ لأن فروعه جزء منه، وأصوله هو جزء منهم، فهو بضعة من أصوله، وفروعه بضعة منه، وعلى هذا فابن بنتك إذا كان فقيراً وأنت غني فعليك أن تنفق عليه، فإن قلت: هو اسمه محمد بن علي آل مقبل، وأنا اسمي عبد الله بن صالح آل بسام، فنقول: لكنه ابن بنتك، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال في الحسن رضي الله عنه: «إن ابني هذا سيد» [(228)]، فسمَّاه ابناً.
حَجَبَهُ مُعْسِرٌ أَوْ لا، وَلِكُلِّ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ، أَوْ تَعْصِيبٍ لاَ بِرَحِمٍ، سِوَى عَمُودَيْ نَسَبِهِ، سَوَاءٌ وَرِثَهُ الآخَرُ، كَأَخٍ أَوْ لاَ، كَعَمَّةٍ وَعَتِيقٍ، بِمَعْرُوفٍ، مَعَ فَقْرِ مَنْ تَجِبُ لَهُ، وَعَجْزِهِ عَنْ تَكَسُّبٍ، .....
قوله: «حجبه معسرٌ أو لا» «حجبه» الضمير «الهاء» يعود على المنفق، يعني أنه لا يشترط التوارث، فحتى لو كان المنفق محجوباً بمعسر تجب النفقة.
مثاله : رجل عنده أب فقير، وجدٌّ فقير، فيجب أن ينفق على أبيه؛ لأنه ابنه ووارثه، ويجب أن ينفق على جده مع أنه لا يرثه في هذه الصورة.
وقوله: «أَوْ لا» أي: أو لم يحجبه معسر، مثاله: رجل له أبٌ رقيق، وجدٌّ حرٌّ، فهذا الأب لا يحجب الابن، بل ابن الابن يرث؛ لأن الأب رقيق لا يرث، والمحجوب بالوصف لا يَحجب، وعليه فيجب عليه الإنفاق على جده.
وكذلك لو فرض أن له جداً وليس له أب، فيجب عليه الإنفاق؛ لأنه ليس محجوباً.
قوله: «ولكل من يرثه بفرض أو تعصيب» أي: وتجب النفقة أو تتمتها لكل من يرث بفرض أو تعصيب، والورثة إما ذو فرض، أو تعصيب، أو رحم، وقد يجمع الإنسان بين الفرض والتعصيب، إمّا بسببين مختلفين، أو بسبب ذي وجهين:
مثال السببين: كما لو تزوج ابنة عمه، وليس لها عاصب سواه، فهنا يرث بالفرض باعتبار الزوجية، وبالتعصيب باعتبار النسب.
ومثال السبب الواحد ذي وجهين: كما لو مات عن أخيه من أمه وهو ابن عمه، يعني بعد أن مات أبوه تزوج عمُّه أمَّه، فأتت بولد، فهذا الولد ابن عم وأخ من أم، فإذا مات هذا الولد فيرثه بسبب واحد وهو النسب، وهو سبب ذو وجهين وهما: الفرض والتعصيب، والكلام هنا على نفقة الأقارب؛ حتى لا يقول قائل: هل تنفق الزوجة على زوجها إذا كان فقيراً؟ الجواب: لا، فكلامنا هنا على الذين تجب نفقتهم بسبب القرابة.
مثال الذي يرث بالفرض: أخوه من أمه، ومثال الذي يرث بالتعصيب: أخوه الشقيق، فإذا كان أخ من أمٍ غنياً، وأخوه فقير وجب على الغني الإنفاق على الفقير، وإذا كان أخٌ شقيق غنياً وأخوه فقير وجبت النفقة على الغني.
قوله: «لا برحم» يعني لا من يرثه برحم، أي: لا من كان من ذوي الأرحام، كالعمة بالنسبة لابن أخيها، والخالة، والخال، وما أشبه ذلك؛ فإنه لا نفقة لهم وإن ماتوا جوعاً، إلاّ على سبيل إنقاذ المعصوم من الهلاك، فخالك والرجل الذي لا صلة لك به على حد سواء، لا يجب عليك الإنفاق عليه؛ لأنه يرثه بالرحم، لا بالفرض ولا بالتعصيب، هذا المذهب.
قوله: «سوى عمودي نسبه» وهما الأصول والفروع، فهؤلاء تجب نفقتهما وإن كانوا يرثون بالرحم، فأبو الأم إذا كان غنياً وابن البنت فقيراً وجب عليه أن ينفق على ابن ابنته، كذلك العكس ابن البنت إذا كان غنياً يجب عليه أن ينفق على أبي أمه الفقير.
فيشترط أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض أو تعصيب، إلاّ في عمودي النسب فلا يشترط، والدليل على اشتراط الإرث قوله تعالى: {{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}} [البقرة: 233] فلم يقل: وعلى القريب، فدل ذلك على اعتبار صفة الإرث، وأنه لا بد من أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه، لكن إذا قلنا: إنه لا يجب الإنفاق عليهم، فليس معنى ذلك أنه لا تجب صلتهم، فالصلة شي والإنفاق شيء آخر، فلا بد من صلتهم بما يعدُّه الناس صلة بالقول والفعل والمال.
وقوله: «لا برحم» الصواب أنها تجب النفقة حتى لمن يرثه بالرحم من غير عمودي النسب؛ لعموم الآية، وما دام أن القرآن قيد الحكم بعلة موجودة في ذي الرحم، فما الذي يخرج ذلك؟! فإذا كان يرثه بالرحم فإنه يجب عليه الإنفاق عليه لدخوله في عموم قوله تعالى: {{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}}، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
مثاله: ابن أختٍ غني له خال فقير، وهذا الخال ليس له أحد يرثه سوى ابن أخته، فهل تجب نفقته عليه؟ أما على المذهب فلا؛ لأنه من ذوي الأرحام، وأما على القول الصحيح فإنه يجب الإنفاق عليه.
أمثلة :
الأول: رجل غني، له أخ فقير له أبناء، فهل يجب على الأخ الغني النفقة على أخيه الفقير؟ لا يجب على المذهب؛ لأن هذا الأخ الغني لا يرث أخاه الفقير، بل يحجبه أبناؤه، وكذلك لا يجب عليه الإنفاق على أبناء أخيه؛ لأنه لا يرثهم إذ يحجبه أبوهم.
الثاني: رجل غني له ابن عمٍ فقير، وليس هناك غيرهما من القرابة فتجب عليه النفقة؛ لأنه يرثه بالتعصيب.
الثالث : أخ من أم غني، وأخوه من أمه فقير، وليس ثَمَّ غيرهما فتجب عليه النفقة؛ لأنه يرثه بالفرض.
الرابع : ابن أخت غني وخاله فقير، فعلى المذهب لا يجب عليه النفقة، وأما على الراجح تجب النفقة؛ لأن كلاًّ منهما يرث الآخر.
فصارت القاعدة عندنا: أنه يشترط أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض، أو تعصيب، أو رحم، إلاّ عمودي النسب فلا يشترط الإرث.
قوله: «سواء ورثه الآخر كأخ أو لا» أي: يجب على الوارث أن ينفِق سواء كان المنفق وارثاً أو لا؛ مثال ذلك : أخ شقيق مع أخ شقيق، فهذان الأخوان يتوارثان، فلو مات أحدهما عن الآخر لورثه، فلو وُجِد أخ شقيق غني وله أخ شقيق فقير والغني يرث أخاه، يعني ليس محجوباً بابنٍ ولا بأبٍ للأخ، فإنه يجب عليه أن ينفق عليه.
قوله: «كعمة» مثاله: ابن أخ غني، وعمة فقيرة، فهنا ابن الأخ يرثها بالتعصيب؛ لأنه ابن أخ، ولا ترثه هي بالتعصيب؛ لأنها عمة من ذوي الأرحام، فإذا وُجد ابن أخ غني وعمة فقيرة قلنا: يجب عليك أن تنفق عليها؛ لأنك ترثها، وإذا وجد عمة غنية وابن أخ فقير فإنه لا يجب عليها أن تنفق عليه؛ لأنها ترثه بالرحم، لا بفرض ولا تعصيب.
قوله: «وعتيق» العتيق يرثه المعتِق، وهو لا يرث المعتِق، كرجل عنده عبد، فأعتقه، ثم صار العبد يبيع ويشتري فأغناه الله، وكان سيده فقيراً، فهل يجب على العبد أن ينفق على سيده؟ لا؛ لأنه لا يرثه، ولو كان الأمر بالعكس، بأن افتقر العتيق، والسيد غني، فإنه يجب على السيد أن ينفق عليه؛ لأنه يرثه بالتعصيب.
قوله: «بمعروف» فالإنفاق يرجع في قدره إلى العرف؛ لقوله تعالى: {{وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} [البقرة: 233] ، ثم قال سبحانه: {{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}} [البقرة: 233] .
قوله: «مع فقر من تجب له» هذا هو الشرط الثاني، أن يكون من تجب له النفقة فقيراً، والفقر معناه الخلو، وهو متفق مع القفر للمكان الخالي، في الاشتقاق الأكبر؛ لأن الحروف متفقة مع اختلاف الترتيب، وهو نوعان: فقر مالٍ، وفقر عمل، ففقر المال ألا يجد مالاً، وفقر العمل ألاّ يجد كسباً، إما لكونه ضعيفاً لا يستطيع العمل، وإما لكونه لا يجد عملاً، أمَّا إن كان غنياً بماله أو بكسبه فإنه لا نفقة له؛ لأنه إن كان غنياً بماله فالمال عنده، وإن كان غنياً بكسبه فإننا نلزمه بأن يكتسب.
قوله: «وعجزه عن تكسب» هذا داخل في الفقر، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجب الإنفاق على قادر على التكسب حتى ولو كان التكسب بالنسبة لمثله مزرياً، فلو فرض أن إنساناً غنياً وعنده أم فقيرة تستطيع أن تخدم عند الناس وتتكسب، فجاءت إلى ابنها، وقالت: أعطني نفقة، فقال لها: لا، أنت تستطيعين التكسب، بأن تشتغلي خادمة، فهل له ذلك؟
ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجب عليه الإنفاق عليها؛ لأنه اشترط في حاجة المنفَق عليه عجزه عن التكسب، لكن في هذا نظراً؛ لأن جميع الناس يقولون: إن مثل هذا الفعل ليس براً بالوالدة، فليس من البر بالوالدة أن تدعها تكنس عند الناس، وتخدم وتغسل ثيابهم، وتحلب مواشيهم، وأنت راكن في النعمة، هذا لا يقبله العقل السليم، فضلاً عن الصراط المستقيم!
إِذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِ نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى مِنْ حَاصِلٍ أَوْ مُتَحَصِّلٍ، لاَ مِنْ رَأْسِ مَالٍ وَثَمَنِ مُلْكٍ، وَآلَةِ صَنْعَةٍ، وَمَنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ أَبٍ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ، فَعَلَى الأُمِّ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ عَلَى الْجَدِّ، ....................................
قوله: «إذا فضل عن قوت نفسه، وزوجته، ورقيقه يومه وليلته» هذا الشرط الثالث، وهو أن يكون المنفِق غنياً، والغنى يختلف باختلاف الأبواب، فالغني في باب الزكاة من ملك نصاباً، والغني هنا يقول المؤلف:
«إذا فضل عن قوت نفسه، وزوجته، ورقيقه، يومه وليلته» «نفسه» أي: المنفِق، «وزوجتِه» أي: زوجة المنفِق؛ لأنها من حاجاته، ولا بد أن تبقى عنده، و «رقيقه» أي: الرقيق الذي يستخدمه؛ لأن رقيقه الذي في البيت لخدمته لا يستغنى عنه، فإذا كان عنده ما يزيد على قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليله، فإنه يجب عليه أن ينفقه على قريبه؛ لأنه زائد.
قوله: «وكسوة، وسكنى» فلا بد أن يكون عنده فاضل عن كسوة نفسه، وزوجته، ورقيقه، وسكنى نفسه، وزوجته، ورقيقه. لكن من أين يكون هذا الفاضل؟ قال المؤلف:
«من حاصل» أي: شيء في يده الآن.
قوله: «متحصل» أي: يحصله بالصنعة، والحرفة، وما أشبه ذلك، مثاله : رجل يحترف ويكتسب ما يكفيه هو وزوجته، ورقيقه يومه وليلته، فعليه أن ينفق الفاضل.
قوله: «لا من رأس مال» المراد برأس المال هنا رأس المال الذي يحتاج إليه في التكسب لمعاشه، كرجل عنده عشرة آلاف ريال يكتسب بها ببيع وشراء، لكن نماؤها وربحها الذي يحصله يكفيه لقوته، وزوجته، ورقيقه يومه وليلته فقط، فهل لقريبه أن يطالبه بأن ينفق عليه من هذه عشرة الآلاف؟ الجواب: ليس له ذلك؛ لأنه سيقول: إذا أعطيته من رأس مالي نقص ربحي، وإذا نقص ربحي نقصت كفايتي فيحصل ضرر، والضرر لا يزال بالضرر.
قوله: «وثمن ملك» الملك يشمل الملك الذي يسكنه، فلو قال له قريبه: أنت عندك بيت، بِعْه وأنفق علي واستأجر لنفسك، فنقول: لا يلزمه؛ لأنه محتاج إلى هذا الملك، وكذلك لو كان شخص ليس عنده رأس مال لكن عنده ملك يُدِرُّ عليه، إما مزرعة، وإما بيت يؤجره فيكفي قوته وقوت زوجته ورقيقه، فهل نقول: بعِ الملك وأنفق على القريب؟ لا.
أو رجل عنده سيارة فخمة فقال له قريبه: بِعْها واشترِ سيارة قديمة، فهل نلزمه بذلك؟ لا، لاسيما إذا كان هذا الرجل ممن جرت عادته بركوب مثل هذه السيارة الفخمة.
والحاصل أن كل ما يحتاجه الإنسان لنفسه فلا يلزم ببيعه.
قوله: «وآلة صنعة» كرجل صانع، عنده مكينة يشتغل فيها، نجارة أو حدادة، أو ما أشبه ذلك، فقال له قريبه: بعها وأنفق عليَّ، فهل يبيعها؟ لا؛ لأن هذا يضرُّه، والدليل على هذا كله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» [(229)]، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ابدأ بنفسك» [(230)]، وهذا من حاجات نفسه.
قوله: «ومن له وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم» هذا إنما ينطبق على غير الأصول والفروع؛ لأن الأصول والفروع لا يشترط فيهم الإرث، فإذا وُجد أب أو جد أو ابن أو ابن ابن غني وجب عليه أن ينفق على أصله وفرعه بكل حال، لكن من له وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم؛لأن الله ـ تعالى ـ علق وجوب النفقة بالإرث، والحكم يدور مع علته، فبقدر الإرث يُلزم بالنفقة.
قوله: «فعلى الأم الثلث والثلثان على الجد» مثال ذلك: رجل فقير له أم موسرة، وجدٌّ موسر، فهنا يكون على الأم الثلث، وعلى الجد الباقي، وهو الثلثان؛ لأنه لو مات ميت عن أمه وجدِّه من قِبل أبيه لورثاه كذلك، وكيف ينفقان؟ نقول: إمَّا أن تنفق هي يوماً والجد يومين، وإما أن يجتمعا مدى الدهر، فتسلم هي عشرة، وهو عشرين على حسب ما يكون أصلح وأنفع للمنفق عليه.
وقوله: «الجد» أي: الجد من أب، احترازاً من الجد من أم؛ لأنه لو كان له أم وجدٌّ من قبلها، أي: أبوها، وكلاهما غني، والولد فقير، فالنفقة هنا على الأم وحدها؛ لأنها هي التي ترثه فقط فرضاً وردّاً، أما أبو الأم فلا يرث شيئاً في هذه الصورة، فلا نفقة عليه.
ولو كانت الأم فقيرة وأبوها غنياً، فهل يجب عليه النفقة؟ نعم؛ لأن الأصول والفروع لا يشترط فيهما التوارث.
وَعَلَى الْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي عَلَى الأَخِ، وَالأَبُ يَنْفَرِدُ بِنَفَقَةِ وَلَدِهِ، وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ فَلاَ نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَمَنْ أُمُّهُ فَقِيرَةٌ، وَجَدَّتُهُ مُوسِرَةٌ، فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْجَدَّةِ، وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ زَيْدٍ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ كَظِئْرٍ لِحَوْلَيْنِ،............................
قوله: «وعلى الجدة السدس والباقي على الأخ» لأنه مبني على الميراث، فلو هلك هالك عن جدة وأخ شقيق، فللجدة السدس والباقي للأخ، فنقول: على الجدة السدس، والباقي على الأخ.
ولو كان أخ لأم وجدة فعليهما الإنفاق بالسوية؛ لأن الأخ لأم يرث السدس، واحداً، وترث الجدة السدس، واحداً، فتكون المسألة من ستة ثم ترد إلى اثنين.
وقال بعض أصحابنا في هذه المسألة: لا يجب على الأخ لأم إلاّ السدس؛ لأنه لا يرث بالفرض إلاّ السدس، والرد ليس إرثاً بالفرض بل هو بالرد، وتكون خمسة الأسداس على الجدة؛ لأن الأصول لا يشترط فيهم التوارث، وأنا أتوقف في هذه المسألة لأن لكل منهما وجهاً.
قوله: «والأب ينفرد بنفقة ولده» المراد بالأب هنا الأب الأدنى، وليس المراد به الجد، فإذا وجد أم غنية وأب غني، ولهما ولد فالنفقة تكون على الأب، والدليل قوله تعالى: {{وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} [البقرة: 233] ولم يجعل على الأم شيئاً، وقوله صلّى الله عليه وسلّم لهند رضي الله عنها: «خذي ما يكفيك ويكفي بنيك بالمعروف» [(231)]، فدل القرآن والسنة على أن الأب ينفرد بنفقة الولد.
ولكن هاهنا مسألة: لو كان رجل فقير، وله أب غني وابن غني، فهل ينفرد الأب بالنفقة؟ أو نقول: إنها على الابن، أو نقول: إن على الأب السدس والباقي على الابن؛ لأنهما يرثان كذلك؟
أمَّا المذهب فظاهر كلامهم في هذه الصورة أن النفقة على الأب، لعموم قوله تعالى: {{وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}}.
والقول الثاني: اختاره ابن عقيل من أصحابنا، أن النفقة على الابن.
والقول الثالث : أن على الأب السدس، والباقي على الابن.
ويمكن أن نجيب على القول الأول بأن الآية في الرضيع، والرضيع ليس له ولد، والله ـ تعالى ـ يقول في الرضيع: {{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} {وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ}}، فالآية ليست شاملة، إنما هي حكم في صورة معيَّنة، وهي أمٌّ ترضع طفلاً لشخص، فعليه أن ينفق عليه، أما الصورة التي ذكرناها فلا تدخل في الآية.
والراجح في المسألة أن يقال: إنها تجب على الابن فقط؛ وذلك لأن الابن مأمورٌ بِبِرِّ أبيه أكثر من أمر الأب ببرِّ ابنه؛ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» [(232)]، ويقول: «أنت ومالك لأبيك» [(233)]، ويقول في فاطمة رضي الله عنها: «إنها بضعة مني» [(234)]، فالإنسان جزء من أبيه.
فإن قلت: الآية تقول: {{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}}، فلماذا لا تعلِّقها بحسب الإرث؟ قلنا: إن هذا في إرضاع الطفل لا في النفقة.
قوله: «ومن له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما» لا نفقة له على الأخ؛ لأن الأخ لا يرثه؛ لأنه محجوب بالابن، ولا نفقة على الابن؛ لأنه فقير، فإن قال الابن لعمِّه: أنفق عليَّ، فهل له ذلك؟ لا؛ لأن العم لا يرثه بل هو محجوب بالأب، وهذا بناءً على القاعدة التي أصَّلها المؤلف بأنه يشترط في غير الأصول والفروع أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض أو تعصيب.
قوله: «ومن أمه فقيرة وجدته موسرة فنفقته على الجدة» لأنها غنية، وإن كانت غير وارثة؛ لأن الأصول والفروع لا يشترط فيهم التوارث، فإن كان له أم فقيرة وأم أب غنية، فتجب النفقة على أم الأب.
ومثله لو كان له جدة غنية وأب فقير، فتجب النفقة على الجدة وإن كانت لا ترثه؛ لأن نفقة الأصول والفروع لا يشترط فيها التوارث.
قوله: «ومن عليه نفقة زيد فعليه نفقة زوجته» لأن نفقة زوجته من الإنفاق عليه؛ لأن الزوجة إذا لم تجد النفقة فستقول لزوجها: أنفق، أو طلِّق، فإن قال: ما عندي شيء، نقول: يجب على من تلزمه نفقتك أن ينفق على زوجتك.
وهل يلزمه أن يزوِّجه؟ نعم؛ لأن الزواج من النفقة؛ ولهذا جاز أن نعطي الإنسان من الزكاة إذا كان محتاجاً إلى زواج، فإن زَوَّجَهُ امرأة، وقال: لا تكفيني واحدة، فهل يزوِّجه الثانية؟ نعم، فإن قال: لا تكفي، فثالثة، فإن قال: لا تكفي فرابعة.
قوله: «كظئر لحولين» الظئر المرضِع، أي: كما يجب الإنفاق على الظئر لمدة حولين.
مثاله : رجل غني له أخ رضيع، وليس عند الرضيع مال، وهو يحتاج إلى مرضع، فيجب على الأخ الغني الإنفاق على هذا المرضع، بأن يدفع أجرة رضاعته، لكن قال المؤلف: «لحولين» .
وظاهر كلام المؤلف ولو احتاج الرضيع إلى أكثر، ودليله قوله تعالى: {{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} [البقرة: 233] .
والصحيح في هذه المسألة أن يقال: كظئر لحاجة الطفل، لا لحولين؛ لأن بعض الأطفال لا يكفيه الرضاع لمدة الحولين، وبعضهم يكفيه الرضاع لمدة حول ونصف، فيختلفون، فالصواب أن الحكم هنا منوط بحاجة الرضيع، فما دام الرضيع محتاجاً إلى ظئرٍ وجب على من تلزمه نفقته أن ينفق على هذا الطفل، إما بأجرة أو بإنفاق.
وَلاَ نَفَقَةَ مَعَ اخْتِلاَفِ دِينٍ إِلاَّ بِالْوَلاَءِ، وَعلَى الأَبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهِ وَيُؤَدِّيَ الأُجْرَةَ، وَلاَ يَمْنَعُ أُمَّهُ إِرْضَاعَهُ، وَلاَ يَلْزَمُهَا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَخَوْفِ تَلَفِهِ، وَلَهَا طَلَبُ أُجْرَةِ المِثْلِ، وَلَوْ أَرضَعَهُ غَيْرُهَا مَجَّاناً، بَائِناً كَانَتْ أَوْ تَحْتَهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ آخَرَ فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ إِرْضَاعِ وَلَدِ الأَوَّلِ مَا لَمْ يُضْطرَّ إِلَيْهَا.
قوله: «ولا نفقة» «لا» نافية للجنس «نفقة» اسمها، وخبرها محذوف، والتقدير: «لا نفقة واجبةٌ».
قوله: «مع اختلاف دين» مثل أن يكون أحدهما كافراً والثاني مؤمناً، أو أن يكون أحدهما يهودياً والآخر نصرانياً فإنه لا نفقة؛ لفقد الموالاة والمناصرة بين المسلمين والكافرين؛ لأنه لا يجوز أن يكون المسلم ولياً للكافر، والكافر لن يكون ولياً للمسلم، وربما يستدل له بقوله تعالى: {{أَنْ تَوَلَّوْهُمْ}} [الممتحنة: 9] ، فالإنفاق عليهم لا شك أنه من الولاية، وهذه المسألة مختلف فيها بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه لا نفقة لانقطاع الموالاة والمناصرة، ولعدم التوارث أيضاً، فإنه لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.
ومنهم من قال: إنها تجب لعموم قوله تعالى: {{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}} [الإسراء: 26] ، ولقوله في الوالدين المشركين: {{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}} [لقمان: 15] والصحيح أنها لا تجب، ولكن تجب الصلة، والصلة شيء غير الإنفاق؛ لأن الصلة تحصل بما عدَّه الناس صلة، ولو بالهدايا وما أشبهها، وأما الإنفاق فإنه يلتزم بجميع مؤونة المنفَق عليه.
وقال بعض العلماء: إن اتفاق الدين شرط إلاّ في الأصول والفروع فإنه ليس بشرط، واستدلوا بالآية التي أشرنا إليها {{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}}، ولأن قوة الصلة بين الأصول والفروع أقوى من صلة الحواشي بعضهم مع بعض، ولكن الأقرب ما ذكره المؤلف أنه لا نفقة مع اختلاف الدين، وأما الصلة بحسب ما تقتضيه تلك القرابة فإنها واجبة.
قوله: «إلاّ بالولاء» هذا الاستثناء هل هو متصل أم منقطع؟ منقطع؛ لأننا نتكلم عن نفقة الأقارب، والولاء ليس من القرابة، بل سبب مستقل، وقد يقول قائل: إن عموم قول المؤلف: «ولكل من يرثه بفرض أو تعصيب» يشمل من يرثه بالقرابة والولاء، وحينئذٍ يكون الاستثناء متصلاً، وسواءٌ كان الاستثناء متصلاً أو منفصلاً، فإن اختلاف الدين لا يمنع من وجوب النفقة إذا كان سببها الولاء.
مثاله : أعتق رجلٌ عبداً له، ثم افتقر العبد، وكان العبد نصرانياً، فهل يجب على سيده أن ينفق عليه؟ على المذهب يجب؛ وعلة ذلك قالوا: إنه لا ينقطع التوارث باختلاف الدين في الولاء، وقد سبق أن هذا القول ضعيفٌ جداً، وأن اختلاف الدين حتى في الولاء يمنع من التوارث، واستدلالهم بعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الولاء لمن أعتق» [(235)]، يمكن أن نقول أيضاً: وقد قال تعالى: {{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}} [النساء: 11] ، وقال سبحانه: {{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ}} [النساء: 176] وما أشبه ذلك، فإذا استدلوا بعموم: «إنما الولاء لمن أعتق» استدللنا عليهم بعموم الميراث بالقرابة.
والصواب: أن العمومين، عموم الولاء، وعموم القرابة مخصوصان بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» [(236)]، وإذا كانوا هم مقرين أن الميراث بالولاء متأخر عن الميراث بالنسب، فلماذا يجعل أقوى منه في هذه المسألة؟! فهذا من التناقض أن نجعل الأدنى أقوى من الأعلى، فالصواب أنه مع اختلاف الدين لا نفقة لا بالولاء ولا بالقرابة، وأن اشتراط اتفاق الدين لا يستثنى منه شيء، فتكون شروط النفقة أربعة: اثنان لا استثناء فيهما، واثنان فيهما استثناء، وهي:
الأول: غنى المنفِق.
الثاني: حاجة المنفَق عليه.
الثالث: اتفاق الدين، إلاّ في الولاء.
الرابع: أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض أو تعصيب، إلاّ في عمودي النسب.
وسبق أن الراجح أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض، أو تعصيب، أو رحم.
قوله: «وعلى الأب» «على» تفيد الوجوب كما قال علماء أصول الفقه: إن «على» ظاهرة في الوجوب، وليست نصاً صريحاً فيه، فإذا قيل: عليك أن تفعل، فمعناه أنه واجب.
قوله: «أن يسترضع لولده» والدليل قوله تعالى: {{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}} [الطلاق: 6] ، فالأب عليه أن يسترضع لولده؛ ووجه الدلالة من الآية أن الله جعل إرضاعهن لأب الولد فقال: «{{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}}» إذاً فهُنَّ قائمات عنهم بواجب، ومن جهة التعليل؛ لأن الإنفاق على الطفل يجب على أبيه: {{وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} [البقرة: 233] .
وقوله: «لولده» يشمل الذكر والأنثى؛ لأن «ولد» تشمل الذكر والأنثى.
قوله: «ويؤدي الأجرة» لأن الأجرة هي نفقة الأولاد، والدليل على ذلك أن الأم يزيد لبنها بالتغذي بهذا الرزق الذي يعطيها المولود له، وظاهر كلام المؤلف أن عليه أن يؤدي الأجرة سواء كانت الأم معه، أو بائناً منه، فإذا طلبت الأم من زوجها أن يؤدي الأجرة عن إرضاع الولد، ولو كانت تحته، فعليه أن يؤدي الأجرة، نأخذ ذلك من قول المؤلف: «وعلى الأب أن يسترضع لولده» ولم يقيده بما إذا كانت الأم بائناً، والدليل على ذلك عموم قوله تعالى: {{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}}، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو المشهور من المذهب، وأن الأجرة حق لها.
واختار شيخ الإسلام: أنه إذا كانت المرأة تحت الزوج فليس لها إلاّ الإنفاق فقط، وليس لها طلب الأجرة، وما قاله الشيخ أصح؛ لأن الله قال: {{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}} [الطلاق: 6] وهذا في المطلقات، والمطلقة ليست مع الزوج، وأما التي مع زوجها فقال تعالى: {{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} [البقرة: 233] فإن قلت: إذا كانت زوجة فعلى الزوج النفقة والكسوة بالزوجية، سواء أرضعت أم لم ترضع؟ قلنا: لا مانع من أن يكون للإنفاق سببان، فإذا تخلف أحدهما بقي الآخر، فلو كانت الزوجة في هذه الحال ناشزاً، فليس لها الإنفاق بمقتضى الزوجية، لكن بمقتضى الإرضاع لها نفقة، ومن المعلوم أنك لو استقرأت أحوال الناس من عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى اليوم ما وجدت امرأة من النساء تطالب زوجها بأجرة إرضاع الولد، وهذا هو القول الصحيح.
قوله: «ولا يمنع أمه إرضاعه» قوله: «ولا يمنع» يجوز الرفع على الاستئناف، ويجوز النصب عطفاً على قوله: «أن يسترضع» وعلى هذا التقدير يكون المعنى وعليه ألاّ يمنع أمه إرضاعه، وعلى كلِّ حال فإن الزوج لا يمنع الأم إرضاع الولد؛ لأن لبن الأم أنفع للولد من لبن غيره، ولأن الأم إذا أرضعت الطفل حنَّت عليه وألفها، وهو مأمور أن يبرَّها، فإذا لم ترضعه لم يحصل ذلك.
وقوله: «لا يمنع أمه إرضاعه» لا ينبغي أن يكون على الإطلاق، بل إذا كان في الأم مرض يخشى من تعديه إلى الولد، فإنه في هذه الحال يجب عليه أن يمنعها، كأن يكون في ثدييها جروح، لو رضع منهما لتأثر، ومثل أن يطرأ عليها مرض معدٍ كالسل ونحوه فإن عليه أن يمنعها من إرضاعه.
قوله: «ولا يلزمها إلاّ لضرورة كخوف تلفه» أي: أن الأم لا يلزمها إرضاع الولد إلاّ لضرورة.
وظاهر كلام المؤلف: أن الضرورة تنحصر بخوف التلف، وأما خوف الضرر فليس بضرورة، والصواب أن الضرورة لا تنحصر بخوف التلف، بل إما بخوف التلف أو بخوف الضرر.
مثال خوف التلف : لو لم نجد مرضعة، أو وجدناها ولكن الطفل لم يقبل ثديها.
مثال خوف الضرر : أن نجد مرضعة ويقبلها الصبي، لكن لبنها قليل يعيش به الولد لكنه لا يكفيه، فهنا يلزم الأم أن ترضعه.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يلزمها سواء كانت في عصمة الزوج أو بائناً منه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل إذا كانت في عصمة الزوج فيجب عليها أن ترضعه، وما قاله الشيخ أصح، إلاّ إذا تراضت هي والوالد بأن يرضعه غيرها فلا حرج، أما إذا قال الزوج: لا يرضعه إلاّ أنت فإنه يلزمها، حتى وإن وجدنا من يرضعه، أو وجدنا له لبناً صناعياً يمكنه أن يتغذى به، وقال الزوج: لا بد أن ترضعيه فإنه يلزمها؛ لأن الزوج متكفل بالنفقة، والنفقة كما ذكرنا في مقابل الزوجية والرضاع.
ولو قال الزوج: أنا أحب أن أرضع ابني من اللبن الصناعي؛ لأنه أبعد عن الأمراض وشبهها، وقالت الزوجة: بل أنا سأرضعه، فالحق هنا للزوجة، وليس للزوج أن يمنعها.
قوله: «ولها طلب أجرة المثل» «ولها» الضمير يعود على الأم، فأفادنا المؤلف رحمه الله أن لها أن تطلب أجرة المثل، سواء كانت مع الزوج أو لا، وسواء كان الولد ولدها أو ولد غيرها.
أما إذا كانت في غير حبال الزوج فهو ظاهر القرآن؛ لقوله: {{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}}، أما إذا كانت مع الزوج، فإنه تقدم أن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا أجرة لها؛ ولأن لها على زوجها النفقة، وهي قائمة مقام الأجرة.
وقوله: «أجرة المثل» ظاهره أنه ليس لها أن تطلب أكثر من أجرة المثل، فما الدليل وهي حرة، وهذا عقد، إن شاءت طلبت أجرة المثل، وإن شاءت طلبت أكثر، وإن شاءت طلبت دون ذلك؟ ربما يستدل لذلك بقوله تعالى: {{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}}، ولم يقل: ما طلبنه، فما جرت العادة بأنه أجرها فتعطى إياه، وما كان زائداً فليس لها الحق في طلبه، فإذا طلبت أجرة المثل ألزم الزوج بدفعها، وإن طلبت أكثر وطالب هو بأجرة المثل، فإنه لا يلزمه حينئذٍ أن يدفع أكثر من أجرة المثل، وعلى هذا يتنزَّل قوله تعالى: {{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}} [الطلاق: 6] فإن طلبت دون أجرة المثل وأبى هو إلاّ أجرة المثل، فلا يلزم الزوج قبول التنازل؛ لأنه سيكون فيه مِنَّة عليه ولو في المستقبل، فربما في يوم من الأيام تقول: نعم هذا جزائي، الناس يرضعون بمائة ريال وأنا أرضعت بثمانين ريالاً.
قوله: «ولو أرضعه غيرها مجاناً» أي: أن أم الطفل، سواء قلنا: إنها في حباله على المذهب، أو إنها مطلقة على القول الراجح، إذا وجدنا من يرضعه مجاناً وأبت هي إلا بأجرة المثل، فهنا يجبر الزوج بأن ترضعه أمه ويدفع لها الأجرة؛ وعلة ذلك أن لبن الأم أنفع من لبن غيرها، ولأن حنوَّ الأم على ولدها أشد، ولأنه إذا ارتضع منها فإنه يألفها ويحبها، وكل هذه مصالح مقصودة للشرع.
قوله: «بائناً كانت أو تحته» «بائناً» خبر «لكانت» واسمها مستتر، أي سواء كانت في حبال الزوج أو تحته، وعبر المؤلف بقوله: «بائناً» دون قوله: مطلقة؛ لأن المطلقة الرجعية في حكم الزوجات،والبائن هي من كانت في عدة لا رجعة فيها، أو من انتهت عدتها.
وسبق أن شيخ الإسلام رحمه الله يخالف في هذه المسألة، ويقول: إنها إذا كانت تحته فليس لها أجرة.
قوله: «وإن تزوجت آخر فله منعها من إرضاع ولد الأول» مثاله : امرأة طلقها زوجها وهي حامل فوضعت، وبعد انتهاء العدة تزوجت بآخر، وهي ترضع ولدها من الزوج الأول، فللزوج الثاني أن يمنعها من إرضاع الولد؛ لأنها إذا اشتغلت بإرضاعه اشتغلت عن حقوق الزوج الثاني، فهو يقول: أنا لا أريد أن تشتغل بهذا الطفل الذي ليس مني عن حقوقي، فله الحق في منعها إلا في حال ذكرها المؤلف، وحال لم يذكرها، الحال التي ذكرها قال:
«ما لم يضطر إليها» أصل يضطر ـ يضترَّ ـ فقلبت التاء طاءً، فصارت يضطر، فإن اضطر إليها بحيث لم يقبل ثدي غيرها، أو لم يوجد من يرضعه فليس للزوج الثاني أن يمنع؛ لأن هذا من باب إنقاذ المعصوم من الهلكة، وهو أمر واجب.
الحال الثانية: إذا اشترطته عليه عند العقد قالت: أشترط عليك أن أرضع ابني من زوجي الأول، فليس له منعها؛ لأن ذلك شُرِط عليه، وقد قال تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] فأمر الله بالوفاء بالعقد، والوفاء بالعقد يشمل الوفاء بأصل العقد، والوفاء بصفة العقد، والشروط في العقود صفات فيها، والدليل الآخر: قوله تعالى: {{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}} [الإسراء: 34] والشروط عهد؛ لأن المشروط عليه متعهد بهذا الشرط، ودليله من السنة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» [(237)]، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم إلاّ شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» [(238)]، فإذا كانت هذه الزوجة قد اشترطت على الزوج الثاني أن ترضع ولدها من الزوج الأول فليس للزوج الثاني أن يمنع.
تنبيه: هل نقول: «اضطَّر» أو «اضطُّر» ؟
الصواب بالضم اضطُّر، وقول بعض الطلبة: «اضطَّر إلى أكل الميتة» خطأ؛ لأن اضطَّر يعني اضطر غيره، أي: ألجأ غيره إلى كذا وكذا، لكن «اضطُّر» هو مُلجأ إلى هذا الشيء.
* * *
فَصْلٌ
وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ طَعَاماً، وَكِسْوَةً، وَسُكْنَى، وَأَنْ لاَ يُكَلِّفَهُ مُشِقّاً كَثِيراً، وَإِنِ اِتَّفَقَا عَلَى المُخَارَجَةِ جَازَ، وَيُريحُهُ وَقْتَ الْقَائِلَةِ، وَالنَّوْمِ، وَالصَّلاَةِ، وَيُرْكِبُهُ في السَّفَر عُقْبَةً، وَإِنْ طَلَبَ نِكَاحاً زَوَّجَهُ، أَوْ بَاعَهُ، وَإِنْ طَلَبَتْهُ أَمَةٌ وَطِئَهَا، أَوْ زَوَّجَهَا، أَوْ بَاعَهَا.
قوله: «وعليه» أي: على المالك السيد.
قوله: «نفقة رقيقه» أي: المملوك من ذكر وأنثى، والرق له أسباب منها الكفر، فالكفار إذا حاربناهم وسبيناهم، فمن كان من أهل القتال خير الإمام فيه، ومن لم يكن من أهل القتال فهو رقيق.
وإذا تزوج الحر بالرقيقة صار أولاده أرقاء يباعون؛ ولهذا قال الإمام أحمد: إذا تزوج الحر رقيقة رَقَّ نصفُه؛ لأن الأولاد يكونون أرقاء، إلا إذا شرط أنهم أحرار فهم أحرار.
قوله: «طعاماً» عليه أن يوفر لرقيقه طعاماً مطبوخاً، وكذلك شراباً، ولم يذكره المؤلف؛ لأنه داخل في الطعام.
قوله: «وكسوة وسكنى» بالمعروف، أي: بما جرى به العرف، وليس بلازم أن يسكنه كما يسكن نفسه، أو يلبسه كما يلبس نفسه، وإنما الواجب بالمعروف، ولا شك أن الكمال أن يكون مما اكتسى، ومما سكن.
قوله: «وأن لا يكلفه» يعني وعليه ألاَّ يكلفه، وكيف نقدر «أن» المصدرية هنا؟ التقدير وعدمُ تكليفه؛ لأنهم يقولون: إن حرف النفي يقدر بـ (عدم) فإذا دخل حرف مصدري على حرف نفي، فإذا أردت أن تحوّله إلى مصدر فقدر بدلاً عن أداة النفي (عدم) أي: عدم تكليفه.
قوله: «مشقاً» المُشق هو الذي يبلغ به المشقة والتعب، ولكن قال:
«كثيراً» وأما أصل المشقة فلا بد منها، لكن أن يكون مشقاً كثيراً لا يطيقه ويتعب منه، فهذا لا يجوز، والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق» [(239)]، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ولا يكلف» يجوز الرفع على الاستئناف، ويجوز بالنصب بتقدير (أن).
وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق» دليل على أنه يجوز أن يكلفه من العمل ما يطيق، فلو أمره أن يفعل شيئاً، كأن يكلفه أن يحرث مثلاً، فقال المملوك: لن أفعل، أنا لا أعرف إلاّ الخياطة، تريدني أن أخيط سأفعل، أما أن أحرث فلا، فهل له أن يلزمه؟ نعم، فإن قال له: خُطْ، وهو لا يعرف إلاّ الحراثة، فهنا يجب عليه أن يخيط، والمسؤولية على السيد، فإن خاط خياطة سيئة فلا شيء عليه.
قوله: «وإن اتفقا على المخارجة جاز» المخارجة مأخوذة من الخراج، ويقال: الخرج، وهو الرزق، قال تعالى: {{أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ}} [المؤمنون: 72] ، والمخارجة هي أن يتفق السيد والرقيق على شيء معلوم، يدفعه الرقيق كل يوم، أو كل أسبوع، أو كل شهر لسيده، فهذا جائز، ولكن بشرط أن يكون ذلك القدر من كسبه فأقل، فإذا كان هذا الرقيق يكسب كل يوم عشرة ريالات في الغالب، واتفقا على المخارجة بثمانية فإنه جائز، فإن كان من عادته أن يكتسب عشرة واتفقا على المخارجة باثني عشر فإنه لا يجوز؛ لأنه أكثر مما يتحمل، ويقال: إنه كان للزبير ألف رقيق، وقد اتفق معهم على المخارجة، كل يوم يأتي له كل واحد منهم بدرهم[(240)]، فيأتيه كل يوم ألف درهم، وهو على فراشه.
فما فائدة المخارجة؟ اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إن فائدتها أن الرقيق إذا حصَّل القدر الذي اتفق عليه فهو حُرٌّ في بقية وقته، إن شاء عمل، وإن شاء نام، وإن شاء ذهب مع إخوانه وزملائه، ولنفرض أنهما اتفقا على المخارجة كل يوم عشرة ريالات، وصار هذا الرقيق يحصل عشرة ريالات من الصبح إلى الظهر، فهنا الرقيق حر في بقية يومه من الظهر إلى العصر، إن شاء نام، أو طلب العلم، أو خرج للبَرِّ، ولنفرض أن هذا الرقيق حصَّل في آخر النهار خمسة ريالات، فقال السيد: أعطنيها، أنت ملكي وما ملكتَ، فأخذها منه، فهل يجوز؟
المذهب أنه يجوز، وعلى هذا ففائدة المخارجة على المذهب أنه إذا حصَّل القدر الذي اتفق عليه يرتاح، إن شاء عمل وإن شاء لم يعمل، بينما لو لم يكن بينهما مخارجة لكان السيد يملك أن يشغِّله من الصباح إلى آخر النهار.
وقال بعض أهل العلم: إن فائدة المخارجة أن ما اكتسبه العبد زائداً على القدر الذي اتفق عليه فهو له، وهو حر فيه، فمثلاً هذا العبد الذي اكتسب خمسة ريالات في آخر النهار، وقال السيد: أعطنيها، هي لي، فرفض المملوك، فالمذهب أن المملوك لا يملك ذلك، وأن للسيد أخذها.
والقول الصحيح أنه يملك ذلك، وأن ما كسبه زائداً على القدر المتفق عليه فهو له، ولا يرد على ذلك أن العبد لا يملك؛ لأن ملكه لسيده، فإذا وافق سيده على أن يكون ما ملكه له فإن الحق له وقد أسقطه، لكن لو شاء السيد فيما بعد وأبطل المخارجة فهل يجوز؟ نعم؛ لأنها عقد جائز، وليست عقداً لازماً والعبد مملوك.
قوله: «ويريحه وقت القائلة» القائلة التي تكون في منتصف النهار قبل الظهر، ولكن الظاهر أن مرادهم في الأيام الطويلة دون أيام الشتاء؛ لأن أيام الشتاء قصيرة، والراحة قد حصلت بنوم الليل، ثم ليس هناك تعب ولا مشقة، لكن في أيام الصيف تكون الحاجة ماسة إلى إراحته في وقت القائلة حتى وإن لم يشق عليه، فمثلاً لو كان يتمكن من الشغل في وقت القائلة بدون أن يشق عليه كثيراً فإنه يجب أن يريحه.
قوله: «والنوم» هل المراد نوم الليل أو النهار وقد قال تعالى: {{وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}} [الروم: 23] ؟ لكن سبق أن عماد النوم الليل بلا شك، فيريحه وقت النوم.
قوله: «والصلاة» أي: يريحه أيضاً وقت الصلاة، أي: المفروضة؛ لأن التطوع الحق للسيد، فإن قال: أنا سأصلي التراويح ـ قيام رمضان ـ فللسيد منعه وأمره بأن يشتغل.
قوله: «ويركبه في السفر عقبة» الناس فيما مضى مراكبهم إبل، وحمير، وبغال، وخيل، وهذه الأشياء المركوبة قد لا تحتمل أن يركبها اثنان، فيجب عليه أن يركبه عقبة، والعُقبة أن يتعاقب معه فيركب السيد قليلاً، والعبد قليلاً.
وظاهر كلام المؤلف سواء كان ذلك يشق على الرقيق أو لا يشق، ولكننا إذا نظرنا إلى الحديث السابق: «ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق» [(241)]، قلنا: إذا كان هذا الرقيق نشيطاً لا يهمه أن يمشي فإنه لا يلزمه أن يعقبه، ولكنه على سبيل الأفضل والتواضع.
قوله: «وإن طلب نكاحاً زوَّجه أو باعه» إذا طلب العبد نكاحاً وجب عليه أن يزوجه؛ لأن تزويجه من الإنفاق، أو يبيعه على من يغلب على ظنه أنه يزوجه، أما أن يبيعه على شخص لا يزوجه أو قد يكون أقسى من صاحبه الأول، فهذا لا فائدة في بيعه.
قوله: «وإن طلبته أمة وطئها أو زوَّجها أو باعها» إذا طلبت الأمة الزواج فإنه يتخلص من الواجب عليه في إعفافها بواحد من أمور ثلاثة: إما بأن يطأها، أو يزوجها، أو يبيعها.
وقوله: «أو باعها» ليس على إطلاقه، بل لا بد أن يبيعها على من يمكنه أن يعفها إما بوطئها أو بكونه صاحب تقوى، فعلم أنه إذا لم يقدر على وطئها فإنه لن يتركها هملاً، أما أن يبيعها على من لا يقوم بالواجب فهذا لا يجوز؛ لأنه لا فرق بين أن تبقى عنده مهجورة، أو تباع على رجل يهجرها.
هذا الفصل في نفقة البهائم، والبهائم جمع بهيمة، وهي تقال مطلقة ومقيدة، فيقال: بهائم، ويقال: بهيمة الأنعام، فإذا قيدت ببهيمة الأنعام فتكون من الأصناف الأربعة التي ذكرها الله عزّ وجل في سورة الأنعام، فقال سبحانه: {{وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ}} [الأنعام: 142، 143] الآية، ثم قال سبحانه: {{وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ}} [الأنعام: 144] ، فبهيمة الأنعام عند الإضافة يراد به هذه الأصناف الأربعة.
وأما إذا أطلقت الأنعام فالمراد بها كل الدواب، وسميت بذلك من البُهم؛ لأن هذه البهائم لا تستطيع أن تعبِّر عما في نفسها، فإذا جاعت أو عطشت لا تتكلم، وتقول: أريد ماءً أو علفاً، بل غاية ما عندها أن تمد صوتها، لكن هل لها لغة معروفة فيما بينها؟ نعم، كل البهائم ـ بإذن الله ـ لها لغة معروفة فيما بينها من جنسها، ولهذا قال داود وسليمان عليهما السلام: {{عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ}} [النمل: 16] ، وسبب وجوب النفقة على البهائم هو الملك.
* * *
فَصْلٌ
وَعَلَيْهِ عَلَفُ بَهَائِمِهِ، وَسَقْيُهَا، وَمَا يُصْلِحُهَا، وَأَنْ لاَ يُحَمِّلَهَا مَا تَعْجَزُ عَنْهُ وَلاَ يَحْلِبُ مِنْ لَبَنِهَا مَا يضُرُّ وَلَدَهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، أَوْ إِجَارَتِهَا، أَوْ ذَبْحِهَا، إِنْ أُكِلَتْ.
قوله: «وعليه علف بهائمه، وسقيها، وما يصلحها» أي: يجب عليه العلف والسقي وما يصلحها، ودليله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» [(242)]، وأخبر صلّى الله عليه وسلّم: «أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض» [(243)].
وقوله: «وما يصلحها» أي: ما يقيها الضرر، فيلزمه أن يجعلها تحت سقف يقيها من الحر أو البرد، إذا كانت تتأثر بالحر أو البرد، فإذا كانت لا تتأثر فإنه لا يلزمه.
وقوله: «ما يصلحها» يشمل أيضاً ما إذا كان فيها جرح أو شيء يؤلمها، ويمكنه أن يعالجها فإنه يلزمه، ومن ثم احتاج الناس إلى البياطرة؛ لأنه لا يمكن أن يدعها تتألم وهو يمكن أن يزيل ألمها، فإن حاجتها إلى إزالة ما يؤلمها قد تكون أشد من حاجتها إلى الأكل والشرب.
قوله: «وأن لا يحملها ما تعجز عنه» أي: وعليه أيضاً ألاَّ يحملها ما تعجز عنه؛ لأنه إذا حملها ما تعجز عنه شق عليها ذلك، ولكن كيف نعلم أن ذلك يشق عليها أو تعجز عنه؟ نعلم ذلك من حال البهيمة، فالضأن لا يمكن أن يحمل ما تحمله البقرة، والبقر لا يحمل ما تحمله الإبل، والضعيف منها لا يحمل ما يحمله القوي، وهذا شيء يعرف بظاهر الحال، فيجب عليه أن يرحمها.
وقوله: «ما تعجز عنه» لم يقل: «وألا يحملها ما لم تجرِ العادة بتحميلها إياه»، وعلى هذا فيجوز أن يحمّلها ما لم تجر العادة تحميلها إياه، مثل أن يستعمل البقر في الحمل، ويستعمل الإبل في الحرث، والمعز في ركوب الأطفال، فهذا لا بأس به إذا لم يشق عليها.
فإن قلت: كيف تقول ذلك، وقد ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم: «أن رجلاً كان يسوق بقرة وهو راكبها، فالتفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا» [(244)]؟ فإن هذا يدل على أنه لا يجوز أن تستعمل فيما لم تجرِ العادة به.
والجواب أن يقال: إن قوله تعالى: {{وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ *}} [النحل] ، وقوله: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}}، فهذا كله يدل على أنه يجوز لنا أن ننتفع بها بجميع وجوه الانتفاع، ويُحمل ما جاء في هذا الحديث على أن هذه البقرة قد شق عليها الركوب فلما شق عليها وليس من العادة قالت ذلك.
وقال بعض العلماء: إنه لا تستعمل هذه البهائم إلاّ فيما خلقت له، فيما جرت العادة باستعمالها فيه.
مسألة : هل يجوز أن نجري تجارب على هذه الحيوانات في عقاقير أو غيرها من الأدوية؟ نعم؛ لأنها خلقت لنا، فإذا كان هذا من مصلحتنا، ونحن لم نقصد التعذيب، فإنه لا بأس به، ولهذا فنحن نعذبها أكبر تعذيب، وذلك بذبحها لنأكلها، ومصلحة الأمة بمعرفة ما ينتج عن هذه العقاقير وما أشبه ذلك أكثر من مصلحة الأكل، ولكن يجب في هذه الحال أن يستعمل أقرب وسيلة لإراحتها.
قوله: «ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدها» معنى «يضر» أي: ينقص تغذيته حتى لا يتغذى.
وقوله: «ولا يحلب» هذه جملة تحتمل الكراهة وتحتمل التحريم، ولكن إذا نظرنا إلى المعنى قلنا: إنها على سبيل التحريم، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» [(245)]، ولحديث المرأة التي عذبت في هِرَّة، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض[(246)]، ومن الأفضل ما يفعله كثير من الناس، أن يبدأ أولاً بإرضاع الولد، ثم يأخذ اللبن حتى يجعل لنفسه ما فضل عن حاجة ولدها.
قوله: «فإن عجز عن نفقتها أجبر على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن أكلت» أي: لكونه فقيراً عجز عن نفقتها، فإنه لا يمكن أن نبقي هذه البهيمة عنده تتعذب، بل يجبر على أحد هذه الأمور، والذي يتولى إجباره هو الحاكم أو القاضي، وفي عُرْفِنا الآن القاضي لا يملك إلاّ إصدار الحكم، والذي يلزم به الأمين.
وقوله: «على بيعها» بشرط أن يبيعها على شخص، يغلب على ظنه أنه يقوم بالواجب من النفقة، أما إذا باعها على شخص أفقر منه فإن الأمر لا يزول بهذا البيع، أو باعها على شخص معروف بإيذاء البهائم وعدم الإنفاق عليها، فإن هذا البيع لا فائدة منه.
وقوله: «أو إجارتها» لأن الأجير ربما ينفق عليها، أما إذا قال الأجير: لا نفقة عليَّ، وسأعطيك الأجرة، وهذا يأخذ الأجرة ولا ينفق، فإن الإجارة لا فائدة منها، وعلى هذا فإن القاضي يتدخل، ويخصم من الأجرة مقدار ما يحصل به الواجب.
وقوله: «أو ذبحها إن أكلت» يعني إذا كان يمكن أكلها فإنه يذبحها وجوباً، فلا يقتلها قتلاً؛ لأنه إذا قتلها لم ينتفع بها، فإذا ذبحها ذبحاً شرعياً انتُفع بها، ومعلوم أنه إذا أمكن الحفاظ على ماليتها فإنه واجب.
مسألة : إذا أصاب البهيمة عيب لا يمكن زواله، ولا يمكن الانتفاع بها، فهل نقول: إنه يبقيها ونجبره على أن ينفق عليها ويضيع هذا المال بدون فائدة، أو نقول في هذه الحال: يجوز أن يتلفها؛ لأنه إذا جاز إتلافها لأكلها وهو من الكماليات في الغالب، فإتلافها لدفع ضرر الإنفاق عليها من باب أولى، ونحن إذا أبقيناها ونحن ننفق عليها فهو إضاعة للمال؟ مثل لو أحييت هذه الناقة بكسور في قوائمها الأربعة، فهل يمكن أن تجبر؟ الغالب أنه لا يمكن.
فنقول في هذه الحال: يذبحها وجوباً إذا كان سيضيع ماله، وهي ستؤكل فلن تضيع ماليتها، فإن كان لا ينتفع بها لكونها مريضة أو هزيلة فإنه يذبحها ويرميها، وتسييب البهائم عند اليأس من الانتفاع بها جائز، كما في حديث جابر حين أعيى جمله فأراد أن يسيِّبه ويدعه[(247)]، فإذا قدِّر أن حماراً انكسر، وهم يقولون: إن كسر الحمار لا يجبر، فهنا له أن يقتله، ولكن بأسهل طريقة تريح الحمار، وأسهل شيء كما يقول محمد رشيد رضا رحمه الله هو الصعق الكهربي.
-----------------------
[228] أخرجه البخاري في الصلح/ باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن علي رضي الله عنهما: «ابني هذا سيد...» (2704) عن أبي موسى رضي الله عنه.
[229] سبق تخريجه ص(233).
[230] أخرجه مسلم في الزكاة/ باب الابتداء بالنفقة بالنفس (997) عن جابر رضي الله عنه.
[231] سبق تخريجه ص(495).
[232] أخرجه الإمام أحمد (6/41)، وابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2290)، والترمذي في الأحكام/ باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده (1358)، والنسائي في البيوع/ باب الحث على الكسب (4450) (7/240) عن عائشة رضي الله عنها، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (4261)، وانظر: التلخيص (1665)، والإرواء (1626).
[233] أخرجه ابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2291) عن جابر رضي الله عنه، وصححه البوصيري على شرط البخاري، وصححه ابن حبان (410) إحسان عن عائشة رضي الله عنها، وأخرجه الإمام أحمد (2/179، 204، 214)، وأبو داود في البيوع/ باب الرجل يأكل من مال ولده (3530)، وابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2292)، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحسن إسناده في الإرواء (3/325).
[234] أخرجه البخاري في المناقب/ باب مناقب قرابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم... (3714)، ومسلم في الفضائل/ باب من فضائل فاطمة بنت النبي صلّى الله عليه وسلّم (2449) عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه.
[235] أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا اشترط في البيع شروطاً لا تحل (2168)، ومسلم في العتق/ باب بيان أن الولاء لمن أعتق (1504) (8) عن عائشة رضي الله عنها.
[236] سبق تخريجه ص(204).
[237] أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح (2721) بلفظ: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج»، ومسلم في النكاح/ باب الوفاء بالشروط في النكاح (1418) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.
[238] سبق تخريجه ص(124).
[239] أخرجه مسلم في النذر/ باب إطعام المملوك مما يأكل.. (1662) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[240] ذكره ابن قدامة في المغني (8/203).
[241] سبق تخريجه ص(523)
[242] أخرجه أحمد (2/160)، وأبو داود في الزكاة/ باب في صلة الرحم (1692) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الألباني في الإرواء (3/406).
[243] أخرجه البخاري في المساقاة/ باب فضل سقي الماء (2365)، ومسلم في الحيوان/ باب تحريمه قتل الهرة (2242) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[244] أخرجه البخاري في المزارعة/ باب استعمال البقر للحراثة (2324)، ومسلم في الفضائل/ باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه (2388) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[245] سبق تخريجه ص(233).
[246] سبق تخريجه ص(528).
[247] أخرجه البخاري في الشروط/ باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة... (2718)، ومسلم في المساقاة/ باب بيع البعير واستثناء ركوبه (715) عن جابر رضي الله عنه.
|