|
بَابُ شُرُوطِ القِصَاصِ
................................
قوله: «شروط القصاص» أي: شروط ثبوت القصاص.
واعلم أن القصاص لغة: تتبع الأثر كالقصص.
وأما في الشرع فهو أن يفعل بالجاني كما فعل، إن قَتَل قُتِل، وإن قطع طرفاً قُطِع طرفه، وهكذا.
وقد رخص الله لهذه الأمة ثلاث مراتب: القصاص، وأخذ الدية، والعفو، فأيهما أفضل؟ ينظر للمصلحة، إذا كانت المصلحة تقتضي القصاص فالقصاص أفضل، وإذا كانت المصلحة تقتضي أخذ الدية فأخذ الدية أفضل، وإذا كانت المصلحة تقتضي العفو فالعفو أفضل.
وهذا يجب على الإنسان فيه أن يأخذ بالعقل، لا بالعاطفة؛ لأن بعض الناس تأخذهم العاطفة فيعفون، وهذا ليس بصحيح؛ لأننا لسنا أحق بالعفو من الله تعالى، والله قد أوجب القصاص فقال: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}} [البقرة: 178] وكذلك أوجب حد الزاني، وقطع السارق، وما أشبه ذلك.
وكان اليهود من شريعتهم ـ حسب ما ذكره أهل العلم ـ أنه لا بد من القصاص، وأنه لا سبيل إلى العفو، ولا إلى أخذ الدية، والنصارى شريعتهم عدم القصاص، وجاءت هذه الشريعة وسطاً بين الشريعتين، فجمعت بين الحزم والفضل؛ لأن ترك القاتل دون أن يقتل يفتح علينا مفسدة عظيمة، وهي التجرؤ على القتل وعدم المبالاة به، وقد تقتضي المصلحة عدم القصاص، فجاءت هذه الشريعة بين الحزم والفضل، كاملة عادلة.
والقصاص ليس كما يزعم أهل الإلحاد والزندقة، حينما يقولون: إن القصاص زيادة في القتل؛ لأنه إذا قتل القاتل شخصاً، ثم قتلنا القاتل يكون فات شخصان، وإذا لم نقتل القاتل لم يفت إلاّ شخص واحد، إذاً فالقصاص خطأ.
لكن نقول لهؤلاء الجماعة: هذا مما أعمى الله به بصائركم، فإن القصاص حياة، كما قال الله تعالى: {{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}} [البقرة: 179] ؛ لأن القاتل إذا علم أنه سيُقتل فإنه لن يقدم على القتل، فإذا اقتصصنا من زيد لقتله عمراً؛ فإن خالداً لا يقتل بكراً، لكن لو تركناه تعدد القتل.
وقد اشتهر في الجاهلية عبارة يكتبونها ـ كما يقولون ـ بماء الذهب، وهي قولهم: القتل أنفى للقتل، أي: أنك إذا قتلت انتفى القتل، فهذه عبارة جيدة وبليغة، لكن عبارة القرآن أعظم بكثير، ونحن لا نريد أن نقارن بين كلام الله تعالى وكلام البشر، لكن نريد أن نبين أن القرآن في غاية ما يكون من البلاغة، ففي القرآن إثبات وفي هذه العبارة نفي، والإثبات أحق بالقبول من النفي، أيضاً الآية تشير إلى العدل في قوله تعالى: {{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ}}، وفي عبارة العرب لا توجد إشارة للعدل، أيضاً الآية ليس فيها ذكر للقتل بل فيها ذكر القصاص وهو العدل والحياة، وهي ضد الموت، وهذه العبارة فيها ذكر القتل مرتين، أيضاً الآية فيها إثبات أن القاتل يُقتل بمثل ما قتل به؛ لأنه تعالى جعلها قصاصاً، وعبارة العرب لا تدل على هذا، أيضاً في الآية قوله: {{لَكُمُ}} أي: إثبات أن هذا من مصلحتنا ومنفعتنا، وعبارة العرب لا يوجد فيها نسبة لأحد.
والحاصل أن الآية الكريمة تفيد معاني عظيمة، كلها تدل على أن القصاص خير للأمة، فما هي شروط القصاص؟
الجواب:
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: عِصْمَةُ المَقْتُولِ، فَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ حَرْبِيّاً أَوْ مُرْتَدّاً لَمْ يَضْمَنْهُ بِقِصَاصٍ وَلاَ دِيَةٍ،..............................
قوله: «وهي أربعة: عصمة المقتول» أي: شروط القصاص أربعة: الأول: عصمة المقتول، أي أن يكون المقتول معصوماً، أي: معصوم الدم، لا معصوماً في رأيه، إذا قال شيئاً لم يخطئ، كما يقول أئمة الروافض.
والمعصومون أربعة أصناف: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن.
فالمسلم واضح، والذمي هو الذي عقد له ذمة، يعيش بين المسلمين ويبذل الجزية، والمعاهد الذي بيننا وبينهم عهد وهم في بلادهم، والمستأمِن الذي أمَّناه في بلادنا لتجارةٍ، سواء كانت جلباً أو أخذاً، كما قال تعالى: {{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}} [التوبة: 6] .
قوله: «فلو قتل مسلم أو ذمي حربياً أو مرتداً لم يضمنه بقصاص ولا دية» الحربي هو الكافر الذي بيننا وبينه حرب، وليس بيننا وبينه عهد، مثل اليهود الذين احتلوا فلسطين، فهؤلاء ليس بيننا وبينهم عهد.
فإن قال قائل: إن بيننا وبينهم عهداً، وهو العهد العام في هيئة الأمم المتَّحدة، فنقول: هم نقضوا العهد؛ لأنهم يعتدون علينا.
وقوله: «أو مرتداً» أي: إن قتل مرتداً لم يضمنه ولا يقتل به؛ لأنه غير معصوم الدم، لكنه يعاقب على قتله، فيعزره الإمام؛ لأنه ليس لأحد أن يفتات على الإمام، أو نائبه.
والرّدة أسبابها كثيرة، منها: أن يستهزئ بالله، أو برسوله صلّى الله عليه وسلّم، أو يجحد فريضة معلومة من فرائض الإسلام، أو يترك الصلاة تركاً مطلقاً، أو ما أشبه ذلك، والمرتد غير معصوم الدم، بل يجب على ولي أمر المسلمين أن يدعوه إلى الإسلام، فإن تاب وإلاّ وجب عليه أن يقتله؛ لأن وجود المرتدين بين المسلمين إفساد كبير في الأرض، فهو أعظم من ذنوب كثيرة، ولهذا لو أن ولاة أمور المسلمين قضوا على المرتدين، إما بتوبة منهم، وإما بإعدام، لقلَّ المرتدون.
ولو أن شخصاً قتل زانياً محصناً لم يضمنه؛ لأن الزاني المحصن غير معصوم الدم.
الثَّانِي: التَّكْلِيفُ، فَلاَ قِصَاصَ عَلَى صغِيرٍ وَلاَ مَجْنُونٍ،............
قوله: «الثاني: التكليف» أي: تكليف القاتل.
قوله: «فلا قصاص على صغير ولا مجنون» لأنه لا يتصور منهما عمد، وقد سبق لنا أن عمد الصبي والمجنون خطأ، فلمّا لم يتصور العمد منهما صار لا قصاص عليهما، قال في المغني: «بلا خلاف بين أهل العلم».
وحد الصِّغر هو ما دون البلوغ، فلو أن رجلاً ولد في الساعة الثانية عشرة عند منتصف النهار، وقتل شخصاً في أول النهار وهو في الرابعة عشرة من عمره، وقتل آخَرَ آخِر النهار، فالأول لا يقتل به؛ لأنه لم يبلغ بعد، ويُقتل بالآخر؛ لأنه قتله بعد بلوغه، وإذا كان الرجل يُجَنُّ أحياناً ويعقل أحياناً، فإن قتل في حال جنونه لا يقتل، وإن قتل في حال عقله يقتل.
ولو زال عقله بغير الجنون كالكِبَر وهو الهرم الذي بلغ الهذيان وسقط تمييزه، وخرج يوماً من بيته، وسيفه بيده، فرأى شخصاً فضربه على رأسه، فلا يُقتل به.
ولو أن رجلاً خرج من بيته سكراناً ـ والعياذ بالله ـ ومعه السيف، فقابله رجل فجبَّ رأسه، فهذا على المذهب يقتل؛ لأنه زال عقله بأمر لا يعذر به، بل بأمر محرم.
الثَّالِثُ: الْمُكَافَأَةُ، بِأَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الدِّينِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ، فَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَعَكْسُهُ يُقْتَلُ، وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالأُنْثَى، وَالأُنْثَى بِالذَّكَرِ،............
قوله: «الثالث: المكافأة، بأن يساويه في الدين، والحرية، والرق» أي: يساوي القاتلُ المقتولَ في هذه الأمور.
فقوله: «في الدين» بأن يكون مسلماً يقتل مسلماً.
وقوله: «والحرية» بأن يكون حراً يقتل حراً.
وقوله: «والرق» المراد بالرق في كلام المؤلف الملك؛ لأن الرق داخل في كلمة الحرية؛ لأنه عند التساوي في الحرية يكون حر مع حر، وعند عدم التساوي يكون حر مع عبد، أو العكس.
والمراد بالمساواة في كلام المؤلف ألاّ يكون القاتل أفضل من المقتول.
وكلام المؤلف ـ رحمه الله ـ في المساواة فيه نظر، والصواب: أن يقال: أَلاَّ يفضل القاتلُ المقتول في الدين، والحرية، والملك.
فلا يقتل مسلم بكافر؛ لأن القاتل أفضل من المقتول في الدين، ولا يقتل حر بعبد؛ لأن القاتل أفضل من المقتول في الحرية، ولا يقتل مكاتَب بعبده، مع أن كليهما عبد، لكن المكاتب أفضل؛ لأنه مالك له؛ ولهذا قلنا: إن صواب العبارة «في الحرية والملك».
والمكاتب هو الذي اشترى نفسه من سيده، وإذا اشترى نفسه من سيده فقد ملك الكسب.
قوله: «فلا يقتل مسلم بكافر» دليله ما في الصحيح من حديث علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «وأن لا يقتل مسلم بكافر» [(17)]، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» [(18)]، فيدل هذا على أن غير المؤمنين لا يكافئ المؤمنين في الدماء، ومن جهة المعنى أن المسلم أعلى وأكرم عند الله من الكافر، والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، فهذه أدلة أثرية ونظرية في أن المسلم لا يقتل بالكافر.
قوله: «ولا حر بعبد» أي: لا يقتل الحر بالعبد، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فالمذهب أن الحر لا يقتل بالعبد؛ لأن الحر أكمل من العبد، إذ إن العبد يباع ويشترى، وديته قيمته، فلا يمكن أن يكون ما يباع ويشترى مكافئاً للحر، ولهم أحاديث لكنها ضعيفة منها: «لا يقتل حر بعبد»[(19)].
ولهذا ذهب أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن أحمد، إلى أن الحر يقتل بالعبد؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم» [(20)] وهذا القول هو الصواب.
قوله: «وعكسه يقتل» فيقتل الكافر بالمسلم؛ لعموم الأدلة الدالة على ثبوت القصاص، وكذلك يقتل العبد بالحر؛ لعموم الأدلة، وإذا كان العبد يقتل بالعبد بنص القرآن: {{وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ}} [البقرة: 178] فقتله بالحر من باب أولى، وكذلك يقتل المملوك بالمالك، فالعبد المملوك للمكاتَب إذا قتل سيده فإنه يقتل به؛ لأنه دونه.
قوله: «ويقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر» لعموم قوله تعالى: {{أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}} [المائدة: 45] ، وعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: النفس بالنفس» [(21)]، وعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» [(22)]، وخصوص قتل النبي صلّى الله عليه وسلّم اليهودي بالمرأة، فإنه صلّى الله عليه وسلّم قتل يهودياً بامرأة، رضَّ اليهودي رأسها بين حجرين، على أوضاح لها، فقيل لها: من قتلك؟ أهو فلان أم فلان؟ حتى ذكر لها اليهودي، فأومأت برأسها أن نعم، فأُتي باليهودي فاعترف، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يُرضَّ رأسه بين حجرين[(23)].
فإن قلت: ألا يحتمل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قتله لنقضه العهد؟ فالجواب: لا؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لو كان قتله لنقضه للعهد لقتله بالسيف، ولكنه قتله قصاصاً؛ لأنه رضَّ رأسه بين حجرين.
فإن قلت: ألا يقال: إن فضل هذا الرجل في الرجولة نَقَصَ لكونه كافراً، والأنثى مسلمةً، وأنه لو كان مسلماً ما قتل بها؟
فالجواب: أنه ما دام قُتِل من باب القصاص، فإنه يقتضي أن العلة هي المقاصة، فمجرّد أنه قتل عمداً فإنه يقتل.
فإن قلت: أليس الذكر أفضل؟
فالجواب: بلى، لكن هذه الفضيلة لم يعتبرها الشرع.
فإن قلت: أليست دية الرجل ضعف دية المرأة، فكيف يُقتل بها وهو أكثر منها دية؟!
فالجواب: أن الدية ليست من باب التقويم حتى نقول: إنه فَضَلها، بل هي من باب التقدير الشرعي، الذي لا مناص لنا عنه.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقتل الذكر بالأنثى؛ لأنه أشرف.
وذهب آخرون إلى أنه يقتل بها، ولكن يدفع إلى ورثته نصف الدية، فجعلوا ذلك من باب التقويم، وكل هذا ليس بصحيح، والصواب أنه يقتل مطلقاً.
فإن قلت: ما الجواب عن قوله تعالى: {{الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى}} فإن مفهومها أن الذكر لا يقتل بالأنثى؟
فالجواب: أن هذا من باب دلالة المفهوم، وجاءت السنة بقتل الذكر بالأنثى، فدل هذا على أن المفهوم لا عبرة به، وأن الذكر يقتل بالأنثى.
وهل تقتل الأنثى بالذكر؟ نعم؛ لأنه إذا كانت الأنثى تقتل بالأنثى فقتلها بالذكر من باب أولى.
الرَّابِعُ: عَدَمُ الْوِلاَدَةِ، فَلاَ يُقْتَلُ أَحَدُ الأَْبَوَيْنِ وَإِنْ عَلاَ بِالْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
قوله: «الرابع: عدم الولادة» أي: بأن لا يكون القاتل والداً للمقتول، سواء كان من جهة الأبوة، أم من جهة الأمومة، فإنه لا يقتل به، ولهذا قال المؤلف:
«فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل» المراد بالأبوين الأب والأم، وغلب الأب؛ لأنه ذكر، والذكر أفضل.
وهل يمكننا أن نجعلها من باب التركيب فنقول: الأَبَمَان؟ لا؛ لأن العرب ما قالوها، ولم يقولوا في الشمس والقمر: قمشان، بل قالوا: القمران، وقالوا في أبي بكر وعمر: العمران.
فلا يقتل الأب أو الأم وإن علوا بالولد وإن نزل.
مثاله: رجل ـ والعياذ بالله ـ حنق على ولده، وصار في قلبه حقد عليه، فجاء يوماً من الأيام وقتله عمداً فهل يقتل؟ لا.
مثال آخر: أبو أم «جد» قال لابن ابنته: أعطني ألف ريال؛ لأنني محتاج، فرفض ابن البنت، فغضب الجد فقتله، فهل يقتل؟ لا.
والدليل الحديث المشهور: «لا يقتل والد بولده» [(24)] هذا من الأثر، ومن النظر أن الوالد سببٌ في إيجاد الولد، فلا ينبغي أن يكون الولد سبباً في إعدامه.
ولننظر في هذه الأدلة، أما الحديث فقد ضعفه كثير من أهل العلم، فلا يقاوم العمومات الدالة على وجوب القصاص، وأما تعليلهم النظري فالجواب عنه أن الابن ليس هو السبب في إعدام أبيه، بل الوالد هو السبب في إعدام نفسه بفعله جناية القتل.
والصواب: أنه يقتل بالولد، والإمام مالك ـ رحمه الله ـ اختار ذلك، إلاّ أنه قيده بما إذا كان عمداً، لا شبهة فيه إطلاقاً، بأن جاء بالولد وأضجعه وأخذ سكيناً وذبحه، فهذا أمر لا يتطرق إليه الاحتمال، بخلاف ما إذا كان الأمر يتطرق إليه الاحتمال فإنه لا يقتص منه، قال: لأن قتل الوالد ولده أمر بعيد، فلا يمكن أن نقتص منه إلاّ إذا علمنا علم اليقين أنه أراد قتله.
والراجح في هذه المسألة: أن الوالد يقتل بالولد، والأدلة التي استدلوا بها ضعيفة لا تقاوم النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على العموم، ثم إنه لو تهاون الناس بهذا لكان كل واحد يحمل على ولده، لا سيما إذا كان والداً بعيداً، كالجد من الأم، أو ما أشبه ذلك ويقتله ما دام أنه لن يقتص منه.
قوله: «ويقتل الولد بكل منهما» يعني لو قتل الولد والده فإنه يقتل لعمومات الأدلة، ولأن هذا قطع رحمه بالقتل فيقطع بالقتل، وابن البنت هل يقتل بجده من أمِّه؟ نعم.
فهذه أربعة شروط، وهناك شرط خامس وهو أن تكون الجناية عمداً وعدواناً.
واشترط بعضهم شرطاً آخر، وهو ألا يكون القاتل هو السلطان، فإن كان القاتل هو السلطان فإنه لا يقتل؛ لأن قتل السلطان فيه مفسدة عظيمة، وهي الفوضى وضياع الأمة، وإنما يقال لهذا السلطان الذي قتل عمداً وعدواناً: إن جزاءك جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليك، ولعنك، وأعد لك جهنم وساءت مصيراً، أما ما يتعلق بدنيانا فإننا لا نفسد دنيانا من أجل فرد من الناس.
وهذا التعليل قد يكون فيه حكمة؛ ولأن من ولاة الأمور فيما سبق من الزمان من يقتلون الناس عمداً، ومع ذلك ما قُتلوا، وما أظن أن أحداً سكت عن المطالبة بالقصاص لو حصل له، ولكني أرى أن تعليلهم عليل؛ لأن النصوص الواردة عامة، ولو فتح الباب للسلاطين الظلمة لاعتدوا على الناس يقتلونهم عمداً وعدواناً، وبدون أي سبب، وبكل جرأة على الله وعلى خلقه والعياذ بالله، والمسألة تحتاج إلى نظر دقيق.
---------------------
[17] أخرجه البخاري في الديات/ باب العاقلة (6903).
[18] أخرجه أحمد (1/119)، والنسائي في القسامة/ باب سقوط القود من المسلم للكافر (8/23) عن علي رضي الله عنه، وأخرجه أبو داود في الجهاد/ باب في السرية ترد على العسكر (2751)، وابن ماجه في الديات/ باب المسلمون تتكافأ دماؤهم (2685) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وصححه الألباني في الإرواء (7/265).
[19] أخرجه الدارقطني (3300)، والبيهقي (8/35) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وأخرجه الدارقطني (3302)، والبيهقي (8/34) عن علي ـ رضي الله عنه ـ بلفظ: «من السنة ألا يقتل حر بعبد» وضعفهما الحافظ في التلخيص (1686)، والألباني في الإرواء (2211).
[20] تقدم تخريجه ص(39).
[21] أخرجه البخاري في الديات/ باب قوله تعالى: {{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ}} (6878)، ومسلم في القسامة/ باب ما يباح به دم المسلم (25/1676) عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ.
[22] تقدم تخريجه ص(39).
[23] أخرجه البخاري في الخصومات/ باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود (2413)، ومسلم في القسامة والمحاربين والقصاص والديات/ باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره... (1672) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
[24] أخرجه أحمد (1/22)، والترمذي في الديات/ باب ما جاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا؟ (1400)، وابن ماجه في الديات/ باب لا يقتل والد بولده (2662) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.انظر: نصب الراية (4/339)، والتلخيص (1687)، والإرواء (2214).
|