المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
بَابُ اسْتِيفَاءِ القِصَاصِ
 

 

بَابُ اسْتِيفَاءِ القِصَاصِ

 

يُشْتَرَطُ لَهُ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: كَوْنُ مُسْتَحِقِّهِ مُكَلَّفاً، فَإِنْ كَانَ صَبِيّاً، أَوْ مَجْنُوناً لَمْ يُسْتَوْفَ، وَحُبِسَ الْجَانِي إِلَى البُلُوغِ وَالإِفَاقَةِ.

عندنا شروط القصاص، وشروط استيفاء القصاص، فشروط القصاص، أي: شروط ثبوته، وشروط استيفاء القصاص شروط تنفيذه واستيفائه، فأيهما يسأل عنها أولاً؟ يسأل عن شروط الثبوت، فإذا قيل: تمت، نسأل عن شروط استيفاء القصاص وتنفيذه، وهو قتل القاتل.

قوله: «يشترط له ثلاثة شروط» أي: يشترط لاستيفاء القصاص ثلاثة شروط.

قوله: «أحدها: كون مستحقه مكلفاً» أي: بالغاً عاقلاً، والذي يستحق القصاص هم ورثة المقتول، فعلى هذا يشترط أن يكون ورثة المقتول مكلفين، سواء كانوا يرثونه بالسبب، أو بالنسب، أو بالرحم بالفرض، أو بالتعصيب.

فالسبب كالزوجية والولاء، والنسب القرابة، وعلى هذا فللزوجة والزوج حق استيفاء القصاص.

قوله: «فإن كان صبياً أو مجنوناً لم يُستوفَ» أي: فإن كان المستحق للقصاص صبياً أو مجنوناً لم يستوف؛ وذلك لعدم التكليف، ولكن ماذا يصنع بالجاني؟ بيَّنه المؤلف فقال:

«وحبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة» فلو كان المستحِق للقصاص صغيراً وله أب، كما لو قتل رجل، وورثه أبوه وابنه الصغير، فليس للأب أن يستوفي القصاص؛ لأن أحد مستحقيه صغير لم يبلغ، والعلة أن القصاص إنما وجب للتشفي من القاتل، وليذهب الإنسان ما في قلبه من الغيظ على هذا القاتل الذي قتل مورِّثه، وهذا لا يمكن أن يقوم به أحد عن أحد؛ لأن التشفي معنى يقوم بالنفس، فأبو الرجل لا يتشفّى عن ابن ابنه، ولهذا يحبس حتى البلوغ أو الإفاقة، وقال في الروض[(25)]: «ولأن معاوية ـ رضي الله عنه ـ حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل[(26)]، وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر»، فعندنا هنا دليل وتعليل.

واستثنى بعض العلماء من هذه المسألة ما إذا كان القتل غيلة ـ أي: أن يقتله على غِرَّة ـ فإنه يقتل القاتل بكل حال، سواء اختار أولياء المقتول القتل أم الدية، فإنه لا خيار لهم في ذلك، وهذا مذهب الإمام مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وبناءً على هذا القول فإنه لا يحبس الجاني حتى يبلغ أولياء المقتول.

وإنما اختار ذلك مالك وشيخ الإسلام؛ لأن قتل الغيلة فيه مفسدة عظيمة، ولأنه لا يمكن التحرز منه، إلاّ أن يكون مَلِكاً أو أميراً له جنود وحاشية يحرسونه فيمكنه التحرز منه، لكن عامة الناس لا يمكنهم التحرز منه.

 

الثَّانِي: اِتِّفاقُ الأَوْلِياءِ المُشْتَرِكينَ فِيهِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ، وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ بَقِيَ غَائِباً، أَوْ صَغِيراً، أَوْ مَجْنُوناً، انْتُظِرَ القُدُومُ، وَالبُلُوغُ، وَالعَقْلُ، الثَّالِثُ: أَنْ يُؤْمَنَ فِي الاسْتِيفَاءِ أَنْ يَتَعَدَّى الْجَانِيَ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَى حَامِلٍ أَوْ حَائِلٍ فَحَمَلَتْ لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ الوَلَدَ وَتُسْقِيَهُ اللَّبَأَ،........................

 قوله «الثاني: اتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه» فإن عفا بعضهم سقط القصاص، حتى لو فرض أن هذا الذي عفا لا يرث إلاّ واحداً من مليون سهم فإنه لا يمكن القصاص؛ لقوله تعالى: {{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}} [البقرة: 178] {{عُفِيَ لَهُ}} أي: القاتل، {{مِنْ أَخِيهِ}} المقتول، و{{شَيْءٍ}} نكرة في سياق الشرط، فتعم أي جزء، فإذا عفي عن القاتل ولو جزءاً يسيراً فإنه لا قصاص؛ لقوله تعالى: {{فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}} فيُتبَع القاتلُ بالمعروف ولا يؤذى، وقوله: {{وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ}} أي: إلى العافي {{بِإِحْسَانٍ}} فالأداء وصف من أوصاف الدية.

وأما التعليل فلأنه إذا عفي عن القاتل جزء من دمه فإن القتل لا يتبعض، فإذا كان الورثة ستة، وعفا واحد منهم، فلا يمكن أن نقتل القاتل خمسة من ستة من القتل، ونبقي واحداً من ستة! فلمَّا كان جزء من القاتل لا بد أن يبقى حياً، وكان لا يمكن حياة هذا الجزء إلاّ بحياة الباقي، كان عفو بعض الورثة مانعاً من القتل.

قوله: «وليس لبعضهم أن ينفرد به» فلو كان المستحقون للقصاص ثلاثة إخوة، فقال أكبرهم: أنا الكبير، وانفرد به وقتل القاتل، فهذا حرام عليه، ولا يجوز، ويجب أن يعزر، فإن قال أولياء المقتول الأول: نحن لا ننتفع بتعزيره، بل نريد الدية، فلهم ذلك، ويرجعون على تركة الجاني بالدية، وورثة الجاني يرجعون على الأخ القاتل بما أُخذ منهم؛ لأنه هو الذي فوَّته عليهم.

قوله: «وإن كان من بقي غائباً أو صغيراً أو مجنوناً انتظر القدوم، والبلوغ، والعقل» هذا في البلاغة يسمى لفاً ونشراً مرتباً، فلو قال: «انتظر البلوغ والعقل والقدوم» فهذا يسمى لفاً ونشراً غير مرتب أو مشوشاً.

فإذا كان بعض الورثة المستحقين للقصاص صغيراً، فليس للبالغين أن يختصوا بالقصاص، بل يجب أن يحبس الجاني إلى بلوغ الصغير، ثم الصغير إن اختار القصاص نفِّذ، وإن اختار الدية سقط القصاص.

قوله: «الثالث» أي: الشرط الثالث.

قوله: «أن يؤمن في الاستيفاء أن يتعدى» أي: الاستيفاءُ.

قوله: «الجاني» مفعول به منصوب.

قوله: «فإذا وجب على حامل أو حائل فحملت لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ» إذا وجب القصاص على حامل فلو اقتصصنا منها قتلناها وما في بطنها، والجنين بريء، فينتظر ولا تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ.

وظاهر كلام المؤلف سواء كان ذلك في ابتداء الحمل، أو بعد نفخ الروح فيه؛ لأنه في ابتداء الحمل سيتكون، ويتطور من نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، إلى إنسان، ولأنَّ لأبيه حقاً في بقائه، فلا يمكن أن يهدر حقه، فإذا وجب على حامل ولو في أول الحمل فإنها تترك حتى تضع.

وقوله: «أو على حائل فحملت» مثاله: امرأة ليست حاملاً، قتلت إنساناً عمداً عدواناً، ولكن قبل أن يحكم عليها بالقصاص حملت، فتترك حتى تضع.

فإن قلت: كيف تترك مع أن الحق سابق على الحمل، والقاعدة أنه يقدم الأسبق فالأسبق؟

فالجواب: أن هذا التأخير لا يُضيع الحق، وغاية ما هنالك أنه يؤجل حتى يزول هذا المانع، فالقصاص يثبت، لكن نظراً إلى أنه سيتعدى لغير الجاني فيجب أن يؤخر.

وقوله: «لم تقتل حتى تضع الولد» هذا باعتبار ما سيكون، وإلاّ فإن الجنين في البطن لا يسمى ولداً حتى يولد.

وقوله: «الولد» يشمل الواحد والأكثر، فالمعنى حتى تضع كل ما في بطنها.

وقوله: «وتسقيه اللبأ» وهو اللبن الذي يكون من الحوامل عند الوضع، وهو ـ بإذن الله ـ من أنفع ما يكون للطفل، ويقولون: إنه لمعدة الطفل كالدباغ للجلد، ففيه نفع عظيم، وهذا اللبأ هو الذي يؤخذ منه الأنفِحَّة التي يكون منها تجبين الأشياء.

 

ثُمَّ إِنْ وُجِدَ مَنْ يُرْضِعُهُ، وِإِلاَّ تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ، وَلاَ يُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الطَّرَفِ حَتَّى تَضَعَ، وَالْحَدُّ فِي ذلِكَ كَالقِصَاصِ.

قوله: «ثم إن وجد من يرضعه، وإلاّ تركت حتى تفطمه» إن وجد من يرضعه أقيم عليها القصاص، وإلاّ تُركت حتى تفطمه.

و «من» للعاقل، أي: إن وجد امرأة ترضعه، وفي وقتنا يمكن أن نعبر فنقول: «إن وجد ما يرضعه» حتى يشمل العاقل وغير العاقل، فإذا كان يتغذى بلبن العلب فإنه يقام عليها الحد، إلاّ إذا قيل: إن غذاءه بلبن أمه أفضل، فهنا يجب مراعاة مصلحة الطفل.

وقوله: «وإلاّ تركت حتى تفطمه» دليل ذلك قصة الغامدية ـ رضي الله عنها ـ التي حصل منها الزنا، فحملت فأجّلها النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ حتى وضعت الولد، فلما وضعته جاءت به إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم تريد أن يقيم عليها الحد، فأجّلها حتى تفطمه، فلما فطمته جاءت به وفي يده كسرة من الخبز يأكلها، فلما رآها عليه الصلاة والسلام أمر بإقامة الحد عليها، فانظر كيف جادت بنفسها ـ رضي الله عنها ـ وجاءت بالطفل ومعه الخبز حتى يتيقن النبي صلّى الله عليه وسلّم بنفسه، ويرى بعينه أنه قد فطم، فلما أقيم عليها الحد كان ممن ضربها خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ فنضح دم من دمها في وجهه، فسبَّها رضي الله عنه، لكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبَّخه، وقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وَجَدْتَ أفضل من أن جادت بنفسها لله عزّ وجل؟!» [(27)].

فهذا دليل على أن من وجب عليها حَدٌّ يؤدي إلى أن يتلف ما في بطنها، أو أنه يحتاج إلى لبن ولم يرضع، فإنه يُنتظر إلى أن يرضع، ويكون هذا من باب دفع أعلى المفسدتين بأدناهما، وارتكاب أدنى المفسدتين؛ لأن تأجيل القصاص، وتأجيل الحد لا شك أن فيه مضرَّة، لكن هذه المضرَّة أهون من مضرة تلف نفس بغير حق.

قوله: «ولا يقتص منها» أي: من الحامل.

قوله: «في الطرف» كاليد، والرِّجْل، والعين، والأنف، واللسان، وما أشبه ذلك، فلا يقتص فيه من الحامل.

قوله: «حتى تضع» لأنه إذا اقتص منها في الطرف يمكن أن ينزف الجرح حتى تموت، أو يتعفن الجرح حتى تموت، وربما يحصل منها فزع عندما تقطع يدها، أو رجلها، أو ما أشبه ذلك، فيسقط الحمل فلهذا لا يقتص منها حتى تضع.

وهل يقتص منها في غير الطرف، كما لو كان في جراح؛ لأن القصاص في الجروح ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ يثبت في كل جرح ينتهي إلى عظم، وعلى القول الراجح في كل جرح يمكن المماثلة فيه؟

فالجواب: أن ظاهر قول المؤلف «في الطرف» أنه يقتص منها في الجراح؛ لأن الجراح أهون من الطرف، وأما مجرَّد الفزع، فالفزع قد يكون حتى لو استدعيت للحق المالي، فلو أرسلنا إليها الشُّرَط، وقلنا لهم: أحضروا فلانة في حق مالي، فيمكن أن تفزع، فمجرد الفزع لا يمكن أن يكون مقياساً، فالظاهر أنه يقتص منها في الجروح، إلاّ إذا كان جرحاً كبيراً واسعاً، كما لو كان يغطي ثلثي الرأس، فهذا ربما نقول: إنه ينتظر فيه.

قوله: «والحد في ذلك كالقصاص» يوجد حد في إتلاف الطرف، وحد في إتلاف الكل، وكلاهما ينتظر فيه حتى تضع الحمل فقط، ولا يشترط الانتظار حتى تسقيه اللبأ، أو تفطمه، بخلاف القصاص في النفس، فهذا ينتظر حتى تسقيه اللبأ وتفطمه، وهذا هو الفرق بين القصاص في النفس، والقصاص في الطرف، فالقصاص في الطرف منتهاه الوضع، والقصاص في النفس منتهاه أن تسقيه اللبأ أو الفطام.

مثال الحد الذي يؤدي إلى قطع الطرف: السرقة تقطع فيها اليد، وقطع الطريق تقطع فيه اليد اليمنى والرجل اليسرى.

مثال الحد الذي فيه القتل: قطع الطريق في بعض الصور، وزنا المحصن.

* * *

فَصْلٌ

 

وَلاَ يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ إِلاَّ بِحَضْرَةِ سُلْطَانٍ أَوْ نَائِبِهِ، وآلَةٍ مَاضِيَةٍ، وَلاَ يُسْتَوْفَى فِي النَّفْسِ إِلاَّ بِضَرْبِ الْعُنُقِ بِسَيْفٍ، وَلَوْ كَانَ الجَانِي قَتَلَهُ بِغَيْرِهِ.

قوله: «لا يستوفى قصاص» أي: من الجاني.

قوله: «إلا بحضرة سلطان» السلطان هو الرئيس الأعلى للدولة.

قوله: «أو نائبه» أي: من ينوب عنه عادة في هذه الأمور، والذي ينوب عنه في عصرنا هو الأمير، فالأمير نائب عن أمير المنطقة، وأمير المنطقة نائب عن وزير الداخلية، ووزير الداخلية نائب عن الرئيس الأعلى للدولة.

فالنائب المباشر لا بد من حضوره، فإن اقتص بدون حضوره فإن القصاص نافذ، ولكن يعزر من اقتص؛ لافتياته على الإمام، وإنما منع القصاص إلاّ بحضرة السلطان، أو نائبه؛ خوفاً من العدوان؛ لأن أولياء المقتول قد امتلأت قلوبهم غيظاً على القاتل، فإذا قدّم للقتل بدون حضور السلطان أو نائبه فربما يعتدون عليه بالتمثيل، أو بسوء القتل، أو بغير ذلك، وهذا أمر لا يجوز.

وأفادنا قوله: «ولا يستوفى قصاص» أن الذي يستوفي القصاص ليس هو الإمام ولا نائبه، وإنما الذي يستوفيه من له الحق، وهم أولياء المقتول، بشرط أن يحسنوا القصاص، فإن لم يحسنوه وجب عليهم أن يَدَعُوا ذلك إما للإمام، أو يوكلوا من يحسن القصاص.

وقوله: «قصاص» عام يشمل القصاص في النفس فما دونها، فيدخل فيه القصاص في اليد، أو الرجل، أو اللسان، أو ما أشبه ذلك، فلا يستوفى إلاّ بحضرة الإمام أو نائبه.

قوله: «وآلة ماضية» أي: لا يستوفى ـ أيضاً ـ إلا بآلة ماضية، أي: حادَّة، احترازاً من الآلة الكالَّة، فإنه لا يجوز أن يقتص بها؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» [(28)]، فإذا اقتصصنا من هذا الجاني بالآلة الكالَّة فإننا لم نحسن إليه، وهذا شرط في جميع الحدود.

قوله: «ولا يستوفى في النفس إلاّ بضرب العنق» دون غيره، فلو ضربه من وسطه فإنه لا يمكّن من ذلك، وكذلك لو ضربه على هامته فلا يمكّن، بل لا بد من ضرب العنق؛ لأنه مجمع العروق، وأريح للمقتول.

قوله: «بسيف» أي: لا بغيره، فلا بد من السيف؛ لأنه أمضى ما يكون من الآلات التي يقتل بها.

قوله: «ولو كان الجاني قتله بغيره» أي: بغير السيف، يعني لو أن الجاني قتله بالرصاص فلا نقتل الجاني بالرصاص، بل نقتله بالسيف، ولو قتله بحجر فلا نقتله بحجر، بل نقتله بالسيف، ولو قتله بصعق كهربائي فلا نقتله بذلك، بل نقتله بالسيف، ولو قتله بالعين أو بالسحر، فلا نقتله بذلك، بل بالسيف، ولو قتله بالسم، فلا نقتله بذلك، بل نقتله بالسيف.

وقوله: «ولو» إشارة خلاف، والخلاف في هذه المسألة أنه يقتل الجاني بمثل ما قتل به؛ لعموم قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}} [البقرة: 178] ، وتمام القصاص أن يفعل بالجاني كما فعل؛ لأنه من القص وهو تتبع الأثر، ولقوله تعالى: {{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}} [البقرة: 194] ، ولقوله تعالى: {{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}} [النحل: 126] ، ولقوله تعالى: {{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}} [الشورى: 40] ، وما أشبه ذلك من الآيات، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم رضَّ رأس الرجل اليهودي بين حجرين؛ لأنه قتل الجارية الأنصارية برض رأسها بين حجرين[(29)]، وهذا دليل خاص، والآيات التي سقناها أدلة عامة، فهذه أدلة من الكتاب والسنة، ومن النظر أيضاً نقول: كيف يمثل هذا الجاني بالمقتول، ويقتله بأبشع قتلة ويمزقه تمزيقاً، ثم نقول له: سنضربك بالسيف؟! فهذا ليس بعدل، والله تعالى يقول: {{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}} [النحل: 90] ، إلاّ إذا قتله بوسيلة محرّمة فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله باللواط والعياذ بالله، أو بالسحر، أو أن يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت فإنه لا يفعل به كذلك.

وقال بعضهم: بل يفعل به ولو كان محرماً، لكننا لا نفعل المحرَّم، فمثلاً لو قتله باللواط وما أشبه ذلك فإننا ندخل في دبره خشبة حتى يموت، وعلى كل حال هذه الصور النادرة يمكن أن تستثنى، أما إذا رض رأسه بين حجرين، أو ذبحه بسكين كالَّة، أو بالصعق الكهربائي، أو أحرقه بالنار، فإن الصواب ـ ولا شك ـ أن يفعل به كما فعل.

 

-------------------

 

[25]   الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (7/196).

[26]   قال في الإرواء (2218): «لم أره»، والقصة استدل بها الموفق كما في المغني (11/577) ت: التركي.

[27]   أخرجه مسلم في الحدود/ باب من اعترف على نفسه بالزنا (1696) (24) عن عمران بن حصين رضي الله عنه.

[28]   أخرجه مسلم في الصيد والذبائح/ باب الأمر بإحسان الذبح والقتل... (1955) عن شداد بن أوس ـ رضي الله عنه ـ.

[29]   سبق تخريجه في ص (41).

 

تاريخ التحديث : Feb 5, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com