المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
بَابُ العَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُ
 

 

بَابُ العَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُ

 

هذا الباب يشتمل على موضوعين: الموضوع الأول العاقلة، والموضوع الثاني ما تحمله العاقلة.

العاقلة: اسم فاعل على الأصل من العقل، وليس مصدراً بمعنى اسم الفاعل؛ لأننا لا نلجأ إلى جعل اسم الفاعل بمعنى المصدر، إلا إذا لم يصح أن يكون اسم فاعل، مثل العاقبة، والعافية وما أشبههما.

وهل العقل مأخوذ من الدية؛ لأنهم يؤدونها عن قريبهم؟ أو من العقل وهو المنع؛ لأن العاقلة يمنعون قريبهم من أن يعتدى عليه، أو أن يذهب مذهباً يسيء إلى سمعتهم؟

الجواب: أنه شامل للجميع؛ لأن هذه المعاني لا تتناقض.

 

عَاقِلَةُ الإِنْسَانِ عَصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ مِنَ النَّسَبِ وَالوَلاَءِ، قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ حَاضِرُهُمْ وَغَائِبُهُمْ، حَتَّى عَمُودَيْ نَسَبِهِ،...

قوله: «عاقلة الإنسان عصباته كلهم من النسب» عصباته من النسب كل ذكر لم يدلِ بأنثى، فخرج به الزوج فليس منهم؛ لأنه ليس بعاصب، والأخ من الأم كذلك ليس منهم؛ لأنه مدلٍ بأم، وأيضاً ليس بعاصب، ودخل فيه الإخوة، والأعمام، وأبناء الإخوة، وأبناء الأعمام، وما أشبه ذلك.

قوله: «والولاء» العصبات من الولاء كالمعتِق، وأبناء المعتِق، وآباء المعتِق، وإخوة المعتِق؛ لأن الولاء كما جاء في الحديث «لُحمة كلُحمة النسب» [(66)]، يورث به.

فلو فرض أن عبداً أُعتق، وجنى خطأ، وليس له أقارب من النسب، فالذي يحمل عقله سيده إن كان موجوداً، أو عصباته.

قوله: «قريبهم وبعيدهم» يحتمل أن المعنى أن القريب والبعيد يشتركون في العقل، ولا نظر إلى الحجب.

ويحتمل أن المعنى أن العصبات وإن بعدوا فإنهم من العاقلة، وتحميلهم على حسب إرثهم.

ولكن المعنى الأول هو المراد، وهو أن قريبهم وبعيدهم كلهم عاقلة، يعقلون ويؤدُّون، ولكن لا يحمّل البعيد إذا أمكن تحميل القريب، وهذا هو الفرق بينه وبين الإرث؛ لأن الإرث لا يرث البعيد مع القريب، ولكن هذا لا يحمَّل إذا أمكن تحميل القريب، فإن لم يمكن حُمِّل، كما لو كان له أعمام فقراء، وأبناء عم أغنياء، فأبناء العم لا يرثون، ولكن يحمَّلون مع العاقلة؛ لأنهم عصبة من حيث الجملة.

قوله: «حاضرهم وغائبهم» أي: حتى الغائب يراسل ويطلب منه أن يؤدي ما حمِّل من الدية، وإلا لكان كلٌّ يغيب ويدع الحمل.

قوله: «حتى عمودي نسبه» الصواب «عمودا» لأنها معطوفة على «عصباته» وهي خبر مبتدأ، وليست «حتى» هنا غائية حتى تكون جارَّة، بل هي عاطفة، ولا تصلح أن تكون غائية؛ لأن ما بعدها ليس غاية لما قبلها، أو يقدر لها عامل مناسب، والتقدير: حتى من عمودي نسبه، فتكون منصوبة بنزع الخافض.

وعمودا نسبه من ينتسبون إليه، أو يُنسب إليهم، فالذين ينتسبون إليه: فروعه، والذين ينتسب إليهم: أصوله.

وإنما نصَّ المؤلف على عمودي النسب مع دخولهم في عموم قوله: «عصباته كلهم» ؛ لأن في المسألة خلافاً، وأهل العلم لا ينصُّون على شيء داخلٍ في عموم إلا لوجود خلافٍ، أو لـرفـع تـوهُّـمٍ، أو ما أشبه ذلك، فلا بد أن يكون له فائدة، وهنا الفائدة الإشارة إلى الخلاف.

فالقول الثاني: أن عمودي النسب لا عقل عليهم، وإنما العقل على الكلالة ـ أي: الحواشي ـ من الإخوة والأعمام ومن تفرع منهم.

والقول الثالث: أن الفرع لا عقل عليه، بخلاف الأصل

والقول الرابع: أن الأصول والفروع يعقلون، إلا أن الفرع لا عقل عليه إن كان من قبيلة أخرى، مثل أبناء المرأة، فإذا كانت المرأة من آل فلان، وتزوجها رجل من آل فلان، صار أبناؤها من غير قبيلتها، فذهب بعض أهل العلم إلى أنهم لا يؤدُّون شيئاً من العقل؛ لأن العقل مبني على النصرة، والدفاع، والحماية، ومن كان من قبيلة أخرى فليس من أهل النصرة، والدفاع، والحماية.

والمشهور من المذهب: أن عمودي النسب يعقلون؛ وذلك أنه كما أنهم غانمون بالإرث، فهم غارمون بالعقل.

وكيف نجعلهم غانمين ونورِّثهم، ثم لا يساعدون مورِّثهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك بالعقل؟!

إذاً فالأقوال في عمودي النسب أربعة:

القول الأول: أنهم كغيرهم من العصبات.

القول الثاني: أنهم لا يعقلون مطلقاً.

القول الثالث: أنه يعقل الأصول دون الفروع.

القول الرابع: أنه يعقل الأصول والفروع، إلا من كان من الفروع من غير القبيلة، مثل أبناء المرأة إذا كانوا من غير قبيلتها.

والصحيح العموم؛ لأن أولادها وإن كانوا من غير قبيلتها فقد وجب عليهم نصرها.

فإذا قال قائل: العاقلة ماذا عليهم؟

الجواب: عليهم أن يؤدُّوا الدية عن القاتل، وهذا بالنص والإجماع في الخطأ، واختلف العلماء في شبه العمد والصحيح أنه كالخطأ، أي: أن العاقلة تحمله.

 

وَلاَ عَقْلَ عَلَى رَقِيقٍ وَغَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَلاَ فَقِيرٍ، وَلاَ أُنْثَى، وَلاَ مُخَالِفٍ لِدِينِ الْجَانِي، وَلاَ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْداً مَحْضاً، وَلاَ عَبْداً، وَلاَ صُلْحاً، وَلاَ اعْتِرَافاً لَمْ تُصَدِّقْهُ بِهِ، وَلاَ مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ التَّامَّةِ.

قوله: «ولا عقل على رقيق» يعني لو كان للجاني قريب رقيق فإنه لا عقل عليه؛ لوجهين:

الأول: أنه ليس من أهل النصرة في العادة؛ لأنه مملوك.

الثاني: أنه لا مال له؛ لأن مال المملوك لسيده، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه، إلاّ أن يشترط المبتاع» [(67)] فجعل المال للذي باع.

فيؤخذ من قول المؤلف: «ولا عقل على رقيق» أنه يشترط لتحميل العاقلة أن يكون العاقل حراً.

قوله: «وغير مكلف» أي: لا عقل على غير مكلف، وغير المكلف الصغير والمجنون؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» [(68)]، فلا يُحمّل الصغير ولو كان عنده مال كثير، ولا يحمَّل المجنون ولو كان عنده مال كثير؛ لأنهما ليسا من أهل النصرة غالباً، ويؤخذ من هذا الشرط الثاني وهو التكليف.

قوله: «ولا فقير» هذه الكلمة مأخوذة من الفقر وهو الخلو؛ وهو موافق للقفر أي: المكان الخالي، وهذا يسمى الاشتقاق الأصغر، يعني أن الكلمتين تتوافقان في الحروف، وتختلفان في الترتيب.

فالفقير وهو الذي لا يجد شيئاً، ولو كان قريباً من الجاني لا يحمَّل شيئاً؛ لأنه ليس عنده مال، ولا يقال: إنه يجب في ذمته حتى يغنيه الله؛ لأن المسألة مبنية على النصرة والحماية، ومن كان فقيراً مُعدماً كيف نلزمه بالمال؟!

ويؤخذ منه الشرط الثالث وهو أن يكون غنياً.

وما هو الفقر المانع، وما هو الغِنَى؟

يجب أن نعرف أنَّ الفقر في كل موضع بحسبه، فمثلاً في باب إيجاب الزكاة الغَنِيُّ من يملك نصاباً، وفي باب إعطاء الزكاة الغني مَنْ عنده قوته وقوت عائلته لمدة سنة.

وفي باب النفقات الفقير من يعجز عن التكسب، وليس عنده مال.

وفي هذا الباب يقول في الروض في تعريف الفقير[(69)]: «لا يملك نصاب زكاة عند حلول الحول فاضلاً عنه».

ومعنى هذا أن الفقير هو الذي لا يملك نصاباً عند وجوب دفع الدية، فاضلاً عن كفايته وكفاية عياله.

قوله: «ولا أنثى» أي: لا يجب العقل على أنثى، ولو كانت عاصبة، فلو وُجد أنثى عندها مال كثير جداً، وقَتَل أخوها رجلاً خطأ، فلا نحملها من الدية، حتى لو كانت أمه أو ابنته أو أخته؛ لأن الأنثى ليست من أهل النصرة، ويؤخذ من هذا الشرط الرابع وهو أن يكون العاقل ذكراً.

قوله: «ولا مخالفٍ لدين الجاني» بأن يكون الجاني مسلماً والآخر كافراً، أو العكس؛ لأنه ليس من أهل النصرة؛ لأن الفصل بين المسلم والكافر ـ ولو كان أقرب قريب ـ ثابت شرعاً وعقلاً، قال تعالى لنوح لمَّا قال: {{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}} قال الله له: {{إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}} [هود: 45، 46] .

وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» [(70)]، وإذا انقطع التوارث انقطع التعاون والتناصر، فلا يحمل المخالف في الدين شيئاً من العقل، ويؤخذ من هذا الشرط الخامس وهو اتفاق الدين.

وظاهر كلام المؤلف حتى في الولاء، خلافاً لما قالوه في باب الفرائض حيث قالوا: إن اختلاف الدين لا يمنع التوارث في الولاء، والصواب أن اختلاف الدين يمنع التوارث حتى في الولاء.

قوله: «ولا تَحْمِل العاقلة عمداً محضاً» هذا هو الشرط السادس، وهو أن تكون الجناية خطأ، أو شبه عمد.

فبقوله: «عمداً» خرج الخطأ.

وبقوله: «محضاً» خرج شبه العمد.

والدليل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل الدية في المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل على العاقلة، وهذا في شبه العمد، وفيه خلاف، والصحيح أنها تحمله، وأما الخطأ فبإجماع العلماء أن العاقلة تحمله.

فإن قلت: لماذا نحمل العاقلة الدية مع أن الجاني غيرها؟

فالجواب على ذلك من وجهين:

الأول: أن هذا حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فيجب علينا الاستسلام له؛ لأن حقيقة الإسلام لا تتم إلا بالاستسلام لما حكم به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، قال الله ـ عزّ وجل ـ: {{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }} [النساء:65] .

فإن قال قائل: سلَّمنا لأمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولكن كيف نجيب عن قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ: {{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}} [فاطر: 18]

والجواب: أن هذا في الذنوب والآثام، وأما في النصرة والمساعدة والمعاونة فذاك شيء آخر، فإيجاب الدية على العاقلة من باب النصرة والمعاونة، كما أوجبنا على الغني الإنفاق على قريبه الفقير.

وقال تعالى: {{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى }} [النجم:39] ، وقد أجمع العلماء على أنَّ الرَّجل لو وهب لإنسان شيئاً من ماله الذي حصله بكسبه وكدِّه فذلك جائز، وهو ليس من سعي المُعطى، فدل ذلك على أن المراد بالآية أنه ليس للإنسان من الثواب، إلا ثواب ما سعى وما عمل.

الثاني: أن الخطأ يقع كثيراً من الإنسان، ولو حمّلناه كل خطأ يقع منه لاستنفدنا ماله، فكان من الحكمة أن يُناصر ويعاون.

فإن قلت: هذه الحكمة موجودة في عهد الصحابة، وفي زمن مضى، لكن لها عاقبة سلبية في وقتنا الحاضر، وهو أن الإنسان إذا علم أن عاقلته سوف تحمل الدية عنه صار يتهور، ولا يبالي، أقتل نفساً أم لم يقتل، فما الجواب عن هذا؟

الجواب: أن الواجب أن نتمشى على الشرع، والذي يظهر منه أمارة التهوُّر وعدم المبالاة فإنه يُعزر بما يراه الإمام، فقد يكون تعزيره ـ مثلاً ـ بسحب رخصته، أو سيارته.

مسألة: إذا لم يكن للجاني عاقلة تحمل لكونهم إناثاً، أو فقراء، أو ما أشبه ذلك فعلى من تجب الدية؟

قالوا: على بيت المال، وإن كان غير مسلم ففي مال الجاني.

قال العلماء: وإذا تعذر بيت المال سقطت الدية.

والصحيح أنه إذا لم يكن له عاقلة فعليه، فإن لم يكن هو واجداً أخذنا من بيت المال؛ وذلك لأن الأصل أن الجناية على الجاني، وحُمِّلَت العاقلة من باب المعاونة والمساعدة.

قوله: «ولا عبداً» فلو أن شخصاً قتل عبداً خطأً، أو شبه عمد فإن العاقلة لا تحمله؛ لأن ضمان العبد يجري مجرى ضمان الأموال، ودية العبد قيمته بالغة ما بلغت، وإذا كان كذلك فإن ضمانه يكون على القاتل، كما لو قتل الإنسان بهيمة، وكما لو رمى شخص صيداً فأصاب بعيراً فإن ضمانها على القاتل، فكذلك العبد.

وقال بعض العلماء: إن دية العبد مضمونة على العاقلة؛ لأنه إنسان، ولأنه تجب الكفارة في قتله، فإذا وجبت الكفارة وجبت الدية، وإذا وجبت الدية فهي على العاقلة.

ولكن القول الأول أصح؛ لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة أن تكون الدية على العاقلة.

إذاً يضاف شرط إلى الشروط السابقة، وهو ألاّ يكون ضمان المقتول جارياً مجرى الأموال كالعبد، فإذا كان جارياً مجرى الأموال فإن العاقلة لا تحمله.

قوله: «ولا صُلحاً» أي: لا تحمل العاقلة صلحاً؛ أي: صلحاً عن دعوى قتل أنكره المدعى عليه.

مثاله: ادعى جماعة على شخص أنه قتل مورثهم، وهو لم يقتله، فقالوا: إما أن تسلم الدية، وإما أن نشكوك، فصالحهم عن هذه الدعوى بمبلغ من المال، فهل تحمل العاقلة هذا الصلح؟

الجواب: لا؛ لأنه لم يثبت لا ببينة، ولا باعتراف الذي ادُّعِيَ عليه القتل، وإنما هو صلح عن دعوى لا دخل للعاقلة بها.

فإن قيل: إن هذا قد صالح؟ قلنا: هذا الرجل صالح عن دعوى عليه، وبإمكانه أن يُصرَّ على الإنكار، ثم يحاكم إلى القاضي، وإذا حوكم إلى القاضي تبين الحق.

قوله: «ولا اعترافاً» أي: لا تحمل العاقلة اعترافاً من المدعى عليه.

قوله: «لم تصدقه به» أي: بهذا الاعتراف.

مثاله: أن يُدَّعى على شخص أنه قاتِل، فيعترف بأنه هو القاتل، ولكن العاقلة قالوا: لا نصدِّق، فهل نلزمهم؟

الجواب: لا نلزمهم؛ لأنه ما ثبت ببينة، والدية تكون على الجاني الذي أقر، وعلى هذا فلا يلزم العاقلة ما لم تصدق به أو يثبت ببينة.

ولأننا لو ألزمنا العاقلة بذلك لفتحنا باباً لأهل الحيل، فيتفقون مع شخص على أنهم هم الجناة، ويحملون العاقلة الدية، وتكون الدية بينهم أنصافاً.

فإن قال قائل: هل الأولى للعاقلة أن تصدق، أو الأولى أن تُنكر؟ وهل إنكارها مقبول؟

الجواب: أنه يجب أن تنظر العاقلة إلى القرائن، فإن دلَّت القرائن على صدق المقر وجب عليها أن تصدق؛ لتبرئ ذمتها مما يجب عليها، وإن لم يغلب على ظنها صدقه فلها أن تنكر.

وإذا اعترف ولم تصدقه العاقلة ثبتت الدية عليه، وعليه الكفارة، ولكن بينه وبين الله، إن كان صادقاً في اعترافه وأنه هو القاتل لزمته، وإلا فلا.

قوله: «ولا ما دون ثلث الدية التامة» أي: لا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية التامة، وهي دية الحر الذكر المسلم، وهي مائة بعير.

فلو أن رجلاً قطع ثلاث أصابع من ذكر مسلم حر خطأ، فلا تحمل العاقلة الدية، وإذا قطع أربعة حملته العاقلة؛ لأن الأربعة فيها أربعون وهي فوق الثلث.

والمأمومة الجائفة فيها ثلث الدية فتحملها العاقلة، وأما الموضحة والهاشمة والمنقلة فلا تحملهما العاقلة؛ لأن ديتها دون الثلث، والدليل أن ذلك هو المروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه[(71)] ـ ولا ريب أن عمر ـ رضي الله عنه ـ أحد الخلفاء الذين أمرنا باتباعهم، وهذا في الغالب لا يصدر عن اجتهاد، فقد يكون فيها نص حكم به ـ رضي الله عنه ـ ولم يروِهِ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وأما التعليل فلأن ما دون الثلث قليل لا يشق على الجاني أن يقوم به، ولا يحتاج أن يحمَّل غيره إياه للمواساة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الثلث والثلث كثير» [(72)]، وعلى هذا فما دون الثلث لا تحمله، والثلث فما فوق تحمله.

مسألة: لو أن مسلماً قتل مجوسياً فهل تحمل العاقلة الدية؟

الجواب: لا تحملها العاقلة؛ لأنها أقل من ثلث الدية؛ لأن ديته ثمانمائة درهم.

وقال بعض العلماء: إن العاقلة تحملها؛ لأنها دية كاملة، ولكن المشهور من المذهب أنها لا تحملها؛ لأنها قليلة، ولا تحتاج إلى المساعدة والمساندة.

* * *

فَصْلٌ

 

مَنْ قَتَلَ نَفْساً مُحَرَّمَةً خَطَأً مُبَاشَرَةً، أَوْ تَسَبُّباً بِغَيْرِ حَقٍّ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.

هذا الفصل في كفارة القتل، واعلم أن كفارة القتل من الكفارات المغلظة، ويشاركها في ذلك نوعان من الجريمة وهما: الظهار، والوطء في نهار رمضان لمن يلزمه الصوم، إلا أن هاتين الجريمتين تخالف كفارتهما كفارة القتل بأن فيهما إطعاماً، وليس في كفارة القتل إطعام.

ودليل ذلك قوله تعالى: {{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا *}} [النساء:92] .

قوله: «من قتل نفساً محرمة خطأ مباشرة، أو تسبباً بغير حق فعليه الكفارة» .

قوله: «من» اسم شرط، وأسماء الشرط للعموم، فيشمل كل قاتل، حتى الصغير، والمجنون، والحر، والعبد، والذكر، والأنثى.

أما إذا كان بالغاً عاقلاً فلا ريب أن الكفارة تلزمه؛ لقوله تعالى: {{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ...} إلخ.

وإما إذا كان غير بالغ ولا عاقل فإن في المسألة خلافاً بين أهل العلم.

فذهب أبو حنيفة وجماعة من العلماء: إلى أنه لا كفارة على الصغير والمجنون، قالوا: لأن الكفارة حق لله، وليست حقاً مالياً محضاً؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رفع القلم عن ثلاثة» [(73)] ومنهم الصغير والمجنون، فلا تلزمهما الكفارة؛ لأنهما ليسا من أهل التكليف.

وهل النائم مثل الصغير والمجنون؟ بمعنى أنه لو نامت امرأة على طفلها، ولم تشعر به فمات، فهل عليها كفارة؟

الجواب: نعم، عليها الكفارة، وإن كانت مرفوعاً عنها القلم؛ لأنها من أهل التكليف، والنوم مانع، وليس فوات شرط، بخلاف الصغير والمجنون فإن الصفة فيهما فوات شرط، وأما الصفة في النائمة فهي وجود مانع، وإلا فهي من أهل التكليف.

وما ذهب إليه أبو حنيفة أقرب إلى الصواب مما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وإن كان قولهم له حظ من النظر؛ لأنهم يقولون: إن الله أوجب الكفارة في الخطأ فدل ذلك على عدم اشتراط القصد، وإنما يشترط التكليف في العبادات من أجل القصد الصحيح، والصغير والمجنون لا قصد لهما فلا تجب عليهما العبادات، ووجوب الكفارة في القتل ليس من شرطها القصد بدليل وجوبها على المخطئ.

وهذا القول وجيه جداً، ولكن يُقال: إن أصل التكليف ليس بلازم لمن ليس بمكلف، وهذا التعليل عندي أقوى من تعليل الجمهور.

وهل نقول: من لزمته دية إنسان وجبت عليه كفارته؟

والجواب: نقول كما قال المؤلف: «من قتل» لأن الدية قد تجب بدون قتل، ففي ذهاب السمع دية كاملة، وكذلك البصر، فالتعبير بالقتل لا بد منه، ودليله القرآن قال تعالى: {{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً}}.

وقوله: «نفساً» هذه نكرة في سياق الشرط فتكون عامة، لكنها خصصت بأوصاف تمنع القول بالعموم.

وقوله: «من قتل نفساً» هذا يشمل حتى لو قتل نفسه، فلو أن شخصاً كان يعبث بسلاح ثم ثار به وقتله فإنّ عليه الكفارة، وليس عليه الدية، لعموم قوله تعالى: {{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً}} وهو مؤمن ويسمَّى قاتلاً؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قتل نفسه بحديدة عذب بها» [(74)] فهو قاتل لنفس مؤمنة فيلزمه الكفارة، وهذا هو المشهور من المذهب، وجزموا به، وقالوا: إنه يجب أن تؤدَّى الكفارة مِنْ تَرِكَتِه، لعموم الآية.

والقول الثاني: أن الكفارة لا تجب على من قتل نفسه، واستدلوا بقصة عامر بن الأكوع ـ رضي الله عنه ـ في غزوة خيبر حين تقدم عامر ليبارز مَرْحَبا اليهودي، فلما أراد عامر أن يطعنه من الأسفل، كان سيفه قصيراً فعاد السيف وضرب عين ركبة عامر فنزف الدم ومات، فلما مات شك الناس فيه، وقالوا: بطل أجر عامر، حتى إن بعضهم توقف عن الدعاء له، قال سلمة بن الأكوع ـ رضي الله عنه ـ: فبينما أنا مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم وجدني ساكتاً، شاحباً ـ كأنه مغموم ـ فقال له: ما لَكَ؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنهم يقولون: بطل أجر عامر، قتل نفسه! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كذب من قاله، إن له الأجر مرتين، إنه لجَاهِدٌ مجاهد، قلَّ عربي مشى بها مثله»[(75)].

فالرسول صلّى الله عليه وسلّم ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور:

أولاً: كذب من قال: إنه بطل أجره، قال العلماء: والكذب هنا بمعنى الخطأ؛ لأن قولهم لم يطابق الواقع؛ لأنهم لم يخبروا عن شيء حدث، إنما قالوا شيئاً ظنُّوه، فكلامهم هذا إنشاء وليس خبراً، وهذا أحد المواضع التي يستشهد بها على أن الكذب يأتي بمعنى الخطأ.

ثانياً: قوله: «إنه لجاهد مجاهد» قيل: إن الكلمتين من باب التوكيد، كما يقال: شعرٌ شاعر، أي: شعر جيد جداً، وجاهد مجاهد، يعني أنه جاهد جداً.

وقيل: بل معنى «الجاهد» الجاد في الأمور، و«المجاهد» أي في سبيل الله، وهذا التفسير أحسن؛ لأنه إذا دار الأمر بين كون الكلام تأسيساً أو توكيداً حُمِلَ على أنه تأسيس؛ لأننا إذا حملناه على التوكيد ألغينا مدلول الكلمتين، وإذا حملناه على التأسيس عملنا بمدلول الكلمتين، ويكون النبي صلّى الله عليه وسلّم أثنى عليه من جهتين: من جهة العمل والجد فيه، ومن جهة الإخلاص.

ثالثاً: قوله: «له الأجر مرتين» ، لأن الرجل بارز، وهذا أجر، وقتل نفسه في سبيل الله، وهذا أجر آخر.

ودعا له الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولم يقل: إن عليه الكفارة، ولو كانت الكفارة واجبة عليه لبيَّنها النبي صلّى الله عليه وسلّم لدعاء الحاجة إلى بيانها.

ثم إنك إذا قرأت الآية ظهر لك أنَّ المراد غير قاتل نفسه؛ لأن الله تعالى قال: {{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا}}، ولا تجتمع الدية مع الكفارة إلا فيما إذا كان المقتول غير نفسه، أما إذا قتل نفسه فإنه لا تجب الدية بالاتفاق، فسياق الآية يدل على أن المراد من قتل غيره، وهذا القول أرجح، لكن ليس من جهة الآية؛ لأن الآية قد ينازع فيها منازع، ولكن من جهة قصة عامر بن الأكوع ـ رضي الله عنه ـ.

وقوله: «محرمة» أي: محرَّم قتلها، وهي المعصومة، والمعصوم أربعة أصناف من الناس المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، فلو قتل حربياً فليس بمضمون لا بِكفارة ولا دِية؛ لأنه غير معصوم.

وقوله: «بغير حق» احترازاً مما إذا قتلها بحق.

وقوله: «مباشرة أو تسبباً» أي: أن يقتلها بمباشرة أو تسبب، فالمباشرة أن يباشر القتل هو بنفسه، مثل ما إذا أراد أن يرمي صيداً فأصاب إنساناً، أو ضربه بعصا صغيرة فمات.

والتسبب مثل أن يحفر بئراً في محل، لا يجوز له حفره فيه، فيسقط فيه إنسان، فهو لم يباشر القتل، ولكنه فعل ما يكون سبباً في القتل، فعليه الكفارة؛ لأن المتسبب كالمباشر في الضمان، فلزم أن يكون كالمباشر في وجوب الكفارة، وهذا هو القول الراجح.

وذهب بعض أهل العلم: إلى أنَّ المتسبب لا كفارة عليه، وأن الكفارة إنما هي على المباشر؛ لأن المتسبب لا يسمى قاتلاً، ولكن الصحيح أن المتسبب كالمباشر، فكل من تسبب بقتل شخص فعليه الكفارة.

قال في الروض[(76)]: «أو شارك في قتلها» إذا شارك في القتل فعليه الكفارة، وعليه وعلى شريكه دية واحدة، فالدية واحدة والكفارة متعددة.

فإذا اشترك اثنان في قتل شخص فعليهما دية واحدة، وعلى كل واحد منهما كفارة، وهذا كثير، يصطدم اثنان بسيارتيهما وكلاهما مخطئ، ويموت رجل بينهما، فعليهما دية واحدة وكفارتان، ولو مات شخصان فعليهما ديتان وأربع كفارات، فإذا قال أحدهما: لماذا لا أكفر أنا عن شخص، والآخر يكفر عن الشخص الثاني؟ قلنا: لا؛ لأن الكفارة لا تتبعض، وكل واحد منكما شارك في قتل كل واحد منهما.

وإذا كان التعليل أن الكفارة لا تتبعض، فإنه يقال: إذا كان التكفير بالعتق فيمكن تبعضه، بأن يشتركا في شراء رقبة ويعتقاها، وهذا ممكن، ولكنه في نظر من قال: إن الكفارة لا تتبعض يقول: هذا غير ممكن؛ لأن حقيقة الأمر أن كل واحد منهما أعتق نصف رقبة فقط، وكل واحد منهما قاتِل بالمشاركة.

فالمذهب: أنه إذا شارك ولو في جزء واحد من مائة جزء فعليه كفارة، ولهذا لو اجتمع مائة على قتل شخص فعليهم مائة كفارة، على كل واحد كفارة.

وهناك وجه آخر لأصحاب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أنهم يشتركون في الكفارة.

وهذا القول في الحقيقة بالنسبة للعتق قد يقال: إنه ممكن، ولكن بالنسبة للصيام فغير ممكن؛ لأنه إذا صام شهراً، والآخر شهراً، لم يكن كل واحد منهما صام شهرين كفارة القتل.

وأما العتق فقد يقول قائل: إن مبناه على التحرير، ويعتمد على المال أكثر، بخلاف الصوم فهو عبادة بدنية محضة.

وعلى كل حال الاحتياط هو المذهب في هذه المسألة، وأنه يلزم كل واحد كفارة، ولو كثر المشتركون.

والكفارة عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ودليلها قول الله تعالى: {{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا *}} [النساء:92] .

ذكر الله في الآية ثلاثة أصناف: مؤمن، ومعاهَد، ومِنْ قوم عدو لنا وهو مؤمن، فالمؤمن قال الله فيه: {{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}}، فيجب فيه أمران: تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله.

والثاني: مؤمن من قوم عدوٍّ لنا، فيه الكفارة دون الدية.

لكن مَنْ هذا الرجل الذي مِنْ قوم عدو لنا، وهو مؤمن؟

قال بعض العلماء صورة ذلك: أن يقف رجُل من المؤمنين في صف الكفار فنقتله، ففي هذه الحال لا تجب له دية؛ لأنه هو الذي فرَّط في نفسه، ولكن علينا الكفارة.

وقال بعض العلماء: صورته أن يكون الرجل مؤمناً، لكن ورثته كفار، وهذا هو الصحيح وهو المتعين، فهو رجل مؤمن وورثته كفار أعداء لنا، فهذا يجب فيه الكفارة؛ لأنه مؤمن، ولا تجب الدية؛ لأننا إذا دفعناها لأهله صاروا يستعينون بها على قتال المسلمين، فلا ندفعها إليهم.

والثالث: من ذكره الله في قوله: {{وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}} أي: إذا كان المقتول كافراً معَاهَداً، ففيه الدية والكفارة، وهذا موجودٌ في عهدنا، فهؤلاء العمال الكفار لو أن أحداً قتل أحدهم خطأ، وجب فيه الدية والكفارة.

مسألة: هل في قتل العمد كفارة؟

قال بعض العلماء: في العمد كفارة؛ لأنه إذا وجبت الكفارة في الخطأ فالعمد من باب أولى؛ لأن العمد أشد إثماً، فإذا أوجب الله ـ عزّ وجل ـ الكفارة في الخطأ، فهو إشارة وإيماءٌ إلى وجوب الكفارة في العمد.

وقال بعض العلماء: إنه لا كفارة في العمد، واستدلوا بأن الله تعالى شرط لوجوب الكفارة أن يكون خطأ فقال: {{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً}} ثم أتى بعد ذلك بقوله: {{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ}} [النساء: 93] فلم يجعل له شيئاً يقيه من النار.

وقالوا أيضاً: إن العمد أعظم جرماً من أن تدخله الكفارة، وليس فيه إلا هذا الوعيد الشديد، وهذا القول أصح.

 

-----------------------

 

[66]   أخرجه الشافعي في «المسند» (237)، وابن حبان (4950) إحسان، والحاكم (4/341)، والبيهقي (10/292) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وله شواهد تقويه، وقد صححه ابن التركماني في «الجوهر النقي» (10/292)، والحافظ في «التلخيص» (2151)، والألباني في «الإرواء» (5/109).

[67]   أخرجه البخاري في المساقاة باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط (2379)، ومسلم في البيوع باب من باع نخلاً عليها تمر (1543) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[68]   سبق تخريجه ص(21).

[69]   الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (7/282).

[70]   أخرجه البخاري في الفرائض باب لا يرث المسلم الكافر... (6764)، ومسلم في الفرائض باب لا يرث المسلم الكافر... (1614) عن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ.

[71]   أخرجه ابن حزم في المحلى معلقاً من طريق ابن وهب (11/51).

وانظر: المصنف لابن أبي شيبة (6/408).

وقال عبد الرزاق عن ابن جريج ومعمر عن عبيد الله بن عمر قال: إنهم مجتمعون، أو قال: كدنا أن نجتمع أن ما دون الثلث في ماله خاصة. المصنف (9/410).

[72]   أخرجه البخاري في الوصايا باب الوصية بالثلث (2744)، ومسلم في الوصية باب الوصية بالثلث (1628) عن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ.

[73]   سبق تخريجه ص(21).

[74]   أخرجه البخاري في الجنائز باب ما جاء في قاتل النفس (1363)، ومسلم في الإيمان باب غلظ قتل الإنسان نفسه... (110) عن ثابت بن الضحاك ـ رضي الله عنه ـ.

[75]   أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر (4196)، ومسلم في المغازي باب غزوة خيبر (1802) عن سلمة بن الأكوع ـ رضي الله عنه ـ.

[76]   الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (7/289).

 

تاريخ التحديث : Feb 5, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com