المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
بَابُ الْقَسَامَةِ
 

 

بَابُ الْقَسَامَةِ

 

وَهِيَ أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ. مِنْ شَرْطِهَا اللَّوْثُ،....

 قوله: «القسامة» : مأخوذة من القسم وهو اليمين.

وأصل القسامة أن عبد الله بن سهل بن زيد الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ خرج هو ومُحَيِّصة بن مسعود بن زيد الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ في جماعة إلى خيبر بعد أن فتحت، يمتارون ـ أي: يشترون ـ التمر، فتفرقوا وكلٌّ ذهب إلى حائط ونخل، فوجد محيصةُ عبدَ الله بن سهل يتشحَّط في دمه قتيلاً، فقال لليهود: قتلتم صاحبنا، فقالوا: ما قتلناه، فرفع الأمر إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: أتحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم؟

وفي رواية: تحلفون على رجل منهم أنه قتله، فقالوا: يا رسول الله كيف نحلف ونحن لم نر ولم نشهد؟! فأخبرهم أن اليهود يحلفون خمسين يميناً، فقالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فوداه النبي صلّى الله عليه وسلّم من عنده[(77)]، وهذا دليل على أنهم لو حلفوا لملكوا قتله.

وقد كانت القسامة معروفة في الجاهلية، فأقرها النبي صلّى الله عليه وسلّم على ما كانت عليه في الجاهلية[(78)]، وهذا دليل على أن المعاملات التي عند الكفار إذا كانت موافقة للشرع فإنه يؤخذ بها، كما أن المضاربة في الأموال كانت معروفة في الجاهلية وأقرها الإسلام.

قوله: «وهي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم» صفة القسامة أن يدعي قومٌ أن مورِّثَهم قتله فلان، ويحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان، فإذا فعلوا ذلك وتمت شروط القسامة أُعطي المدَّعَى عليه لهؤلاء يقتلونه، فليس فيها بيِّنة، وإنما فيها هذه الأيمان فقط.

ويظهر تعريفها بالمثال:

ادعى ورثة زيد على شخص بأنه هو الذي قتل مورثهم، فقال الشخص: لم أقتله، وقالوا: بل أنت القاتل، ثم تحاكموا إلى القاضي، فقال لهم: أتحلفون على هذا أنّه قتل مُورِّثكم؟ قالوا: نعم، نحلف، فإذا حلفوا خمسين يميناً على هذا الرجل أنه قاتل مورثهم، أُخذ وقتل.

والقسامة في الحقيقة فيها مخالفة لغيرها من الدعاوِي من وجوه ثلاثة:

الأول: قبول قول المدَّعِي فيها وجعل اليمين في جانبه.

الثاني: تكرار الأيمان فيها.

الثالث: حَلِفُ المدَّعِي على شيء لم يره، ومع ذلك فإنها حكم شرعي.

أما الوجه الأول وهو أنه أخذ فيه بقول المُدَّعِي وجعل اليمين في جانبه، فإنها لم تخالف الأصول عند التأمل؛ لأنّك إذا تأملت الأصول وجدت أن اليمين إنما تشرع في الجانب الأقوى، يعني في جانب أقوى المتداعيين، فليست دائماً في جانب المدَّعَى عليه، فأحياناً تكون في جانب المدَّعَى عليه، وأحياناً تكون في جانب المدَّعِي، فينظر للأقوى من الجانبين وتشرع في حقه، بدليل أن أهل العلم قالوا: لو تنازع الرجل والمرأة في أواني البيت، فقالت المرأة: هذه لي، وقال الرجل: هذه لي، فالذي يصلح للرجل يكون له بيمينه، فمثلاً دلة القهوة لو قال الرجل: هي لي، وقالت المرأة: هي لي، فإنه يقبل قول الرجل «المدعي» حتى لو كانت الدلّة في يد المرأة، فنقول للرجل: احلف أنها لك وخذها؛ لأن جانبه أقوى.

مثال آخر: لو أنّ رجلاً ذا وقارٍ وهيئة، وعليه مشلح، وثوب، وغترة، وبيده مسحاة عاملٍ، وإلى جانبه عامل رافع ثوبه متحزِّم، وعليه ثوب غير نظيف، ويظهر من مظهره أنه عامل، ويقول: المسحاة لي، فقال الآخر: بل لي وهي بيدي، فهنا المدعي هو العامل، لكن في هذه الحال نغلب جانب العامل، فنقول له: احلف أنها لك وخذها.

مثال ثالث: لو كان رجلان ببلدٍ من عادتهم أن يستروا رؤوسهم بالشماغ، فوجدنا رجلاً حاسر الرأس ليس عليه شماغ، ورجلاً آخر عليه شماغ، وبيده شماغ، والرجل الحاسر يقول لهذا الذي بيده الشماغ: أعطني شماغي، هذا لي، والرجل الثاني يقول: هذا بيدي فهو لي، وأنت مدعٍ، فهنا الرجل المدعي الذي ليس عليه شيء أقوى جانباً، فنقول له: احلف وخذه.

فتبين أن القسامة ليست شاذة عن أصول الدعاوي؛ لأن في الدعاوي ما يشهد لها، والقسامة فيها قرائن ترجح جانب المدعين، وهو اللَّوْث، أي: العداوة الظاهرة، كما سيأتي في كلام المؤلف.

وأما الوجه الثاني من المخالفة: وهو تكرار الأيمان، وغيرُها من الدعاوي يمين واحد تكفي، فالقسامة إنما تكرر فيها الأيمان لعظم شأن الدماء، حيث إذا أقدم هؤلاء على اليمين وحلفوا خمسين يميناً أُعطوا الرجل وقتلوه، وهذا أبلغ ما يكون من الخطر؛ فمن أجل ذلك كررت بخمسين يميناً.

وأما كونها خمسين يميناً، ولم تجعل عشرة مثلاً، فهذا ليس إلينا، كما أن هذا لا يرِد على أن صلاة الظهر أربع ركعات، ولم تجعل ثماني ركعات مثلاً.

وأما الوجه الثالث: وهو حلف الإنسان على شيء لم يره، فنقول: للإنسان أن يحلف على شيء لم يره اعتماداً على القرائن، وغلبة الظن، والدليل على هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقرَّ الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، حين قال: «والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني»[(79)]، فأقره النبي صلّى الله عليه وسلّم لأن عنده غلبة ظن، ولم يقل له: لا تحلف، فإنك لا تدري.

وقوله: «في دعوى» فُهِمَ منه أن الذي يحلف هو المدعِي؛ لأنه لم يقل: في رفع دعوى، ولا قال: في قتل، بل قال: في دعوى، ولذلك كانت في جانب المدعي.

وقوله: «في دعوى قتل» أفادنا المؤلف أن القسامة لا تكون في دعوى جَرح، ولا في دعوى مال، وإنما تكون في دعوى قتل فقط، فالمال وما دون القتل ليس فيه قسامة كالجروح والأعضاء وما أشبه ذلك.

فلو أن رجلاً ادعى على عدوِّه أنه قَطَعَ يدَه، والعداوة بينهما ظاهرة بيِّنة، فإنَّنا لا نجري القسامة في ذلك؛ لأن القسامة إنما جاءت في القتل، وأما الأعضاء، والأطراف، والجروح فليس فيها قسامة، ولكننا نقول لهذا المدعي: هل لك بيِّنة؟ أو يُقر المدًّعَى عليه، أو يحلف، وينتهي الأمر.

والدليل على امتناع القسامة في دعوى الأعضاء والجروح تعليل، وهو أن القسامة إنما وردت في دعوى القتل، وهي خارجة عن الأصول والقياس، وما خرج عن الأصول والقياس فلا يقاس عليه، وإنما يقتصر فيه على ما ورد؛ لأنه لا مدخل للعقل فيه، وهذا هو المذهب.

وقال بعض أهل العلم: بل تجرى القسامة في دعوى قطع الأعضاء، والجروح، وعللوا ذلك بأنه لمَّا جرت القسامة في القتل، وهو أعظم من قطع العضو أو الجرح، كان جريانها فيما دون ذلك من باب أولى.

وليست القسامة خارجة عن الأصول، بل الأصول تشهد لها؛ لأننا لو لم نعمل بالقسامة لضاعت الدماء، وهتكت النفوس، فالأصول تشهد لها؛ لأن لدينا لَوْثاً، وهو القرينة الظاهرة التي تؤيِّد دعوى المدَّعِي، فلا فرق إذاً بين النفس وما دونها.

وقوله: «معصوم» علم منه أن دعوى قتل غير المعصوم لا تُسمع أصلاً، فلو أن أحداً من الكفار الحربيين ادعى أن مورِّثه الحربي قتله المسلمون فلا تسمع الدعوى؛ لأنه وإن ثبت أنهم قاتِلوه فلا شيء عليهم؛ لأنه حربي غير معصوم.

وكذلك لو كان مباح الدم لردَّتِه، أو مباح الدم لزناه وهو محصَن، أو لوجوب قتله في حد قطع الطريق مثلاً، فإن هذا غير معصوم، فلا تسمع الدعوى في قتله؛ لأنه وإن ثبت القتل فهو غير مضمون، فيكون تشكيل الدعوى وسماعها من باب اللغو الذي لا فائدة فيه.

قوله: «من شرطها اللوث» كلمة «من شرطها» قد تشكل على الطالب، فهل المعنى أن اللوث بعض شرط؛ لأن «من» للتبعيض؟

والجواب على هذا: أن «شرط» مفرد مضاف فيفيد العموم، فكأنه قال: من شروطها.

 

وَهُوَ العَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ، كَالْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضاً بِالثَّأْرِ، فَمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ مِنْ غَيْرِ لَوْثٍ حَلَفَ يَمِيناً وَاحِدَةً وَبَرِئَ،....

وقوله: «اللوث» مصدر لاث يلوث، وبينه المؤلف بقوله:

«وهو العداوة الظاهرة» أي: بين القاتل والمقتول، سواء كانت بين القبائل، أو بين الأفراد، ولكن لا بد أن تكون العداوة ظاهرة؛ بخلاف العداوة الخفية فهذه لا تكون لوثاً، ثم ضرب لذلك مثلاً فقال:

«كالقبائل التي يطلب بعضها بعضاً بالثأر» أي: إذا وُجد قتيل من قبيلة عند قبيلة أخرى معادية لها، فإن هذا يسمى لوثاً.

وقال بعض العلماء: إن اللوث كل ما يغلب على الظن القتل به، أي: بسببه، فكل شيء يَغْلُب على الظن وقوع القتل به فإنه من اللوث، سواء ما كان بين القبائل، أو لو وجدنا قتيلاً وعنده رجل بيده سيف مُلطّخ بالدم، فهذا قرينة ظاهرة على أنه هو القاتل، مع احتمال أنه غيره.

وكذلك لو كان القتيل فيه رمق، وقال: إن قاتله فلان فإنه قرينة تدل على أنه هو القاتل فيؤخذ بذلك، وتجرى القسامة بهذه الصورة؛ لأن لدينا ما يغلب على الظنّ أنه قتله.

ومن الغرائب أن بعض العلماء استدل على هذه الصورة بقصة البقرة، ولكن ليس في القصة دليل، والاستدلال بها بعيد؛ لأن قصة البقرة لما ضربوا القتيل ببعضها، قام وقال: الذي قتلني فلان، فإذا وُجِد آية على هذا النحو لا تجرى فيها القسامة، ولهذا ما أجري فيها قسامة.

وعلى كل حال الرأي الذي يقول: إن اللَّوْث كل ما يَغْلُب على الظن القتل بسببه هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ؛ لأن علة القسامة معلومة، وهي غلبة الظن بوقوع القتل، وما دام أنه قد ثبتت غلبة الظن بالقتل فإنه يؤخذ بها.

وأولياء المقتول هل يجوز لهم أن يحلفوا، وهم لم يشهدوا ولم يروا؟

الجواب: إذا غلب على ظنهم ذلك فلهم أن يشهدوا، ولكن يجب عليهم التثبت حتى لا يقعوا في اليمين الغموس؛ لأن اليمين الغموس هي التي يحلف الإنسان وهو فاجر فيها؛ يقتطع بها مال امرئ مسلم، فكيف بمن يقتطع بها نفس امرئ مسلم؟! ولذلك على أولياء المقتول أن يتثبتوا غاية التثبت، حتى إذا كانت القرينة عندهم مثل الشمس حلفوا.

قوله: «فمن ادعي عليه القتلُ من غير لوث حلف يميناً واحدة وبرئ» كسائر الدعاوي، مثاله: رجل ادعى أن فلاناً قتل مورِّثه، وليس هناك لوث، فقال المدعى عليه: ما قتلت، فنقول للمدعي: هل لك بينة؟ فإن قال: نعم، قلنا: أحضرها، وعملنا بما تقتضيه البينة، وإن قال: لا، قلنا للمدعى عليه: احلف مرة واحدة، والله ما قتلت هذا الرجل، ثم يبرأ، فإن أبى المدَّعَى عليه أن يحلف فهل يُحكم عليه، أو لا يُحكم؟

الجواب: إن كان موجَب الجناية المال قُضي عليه بالنكول، وإن كان موجَب الجناية قصاصاً لم يُقْضَ عليه بالنكول.

فإذا قال: إنه قتله عمداً، فالجناية عمداً توجب القصاص، وقال المدعى عليه: لم أقتله، قلنا له: احلف، قال: لا أحلف فنقول: لا نقضي عليك بشيء؛ لأن الجناية توجب القصاص، والقصاص لا يقضى فيه بالنكول؛ لأننا لو قضينا فيه بالنكول لقتلنا هذا الناكل؛ لأن معنى القضاء عليه بالنكول أننا نأخذ منه المدَّعَى به، فهنا لو قضينا عليه بالنكول لقتلناه، والنفس محترمة عظيمة لا يمكن أن تقتل بالنكول، لا سيما أن بعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، فيقول: لا أحلف، إما أن يأتي ببينة وإلا لن أحلف، ويكون صادقاً في نفي الدعوى، فلو قتلناه لاقترفنا جرماً عظيماً، ولكن هل نخلي سبيله ونتركه؟ الفقهاء يقولون: يُخلى سبيله، ولكن الصحيح أننا نلزمه بالدية؛ لأن الدية مال، وأَمَّا أن يذهب هكذا فالمسألة خطيرة.

وأما إذا كانت الجناية لا توجب القصاص، وإنما توجب المال فإنه إذا نكل حكمنا عليه بالنكول.

مثال ذلك: رجل ادعى أن صاحب السيارة هو الذي دعس مورِّثه، وهذا في الغالب خطأ، فقال صاحب السيارة: الذي دعسه شخص آخر، وليس أنا، فنقول لصاحب السيارة: احلف؛ لأن المدَّعِي ليس عنده بينة، فقال: لا أحلف؛ فنقول له: نقضي عليك بالنكول، فنُلزمك بالدية؛ لأن الدعوى هنا توجب مالاً، فإذا كانت توجب مالاً فإن المال يُقضى فيه بالنكول.

قوله: «ويُبدأ بأيمان الرجال من ورثة الدم فيحلفون خمسين يميناً» هل المعتبر عدد الأيمان أو عدد الحالفين؟ يعني هل نلزم أولياء المقتول بأن يحلف منهم خمسون رجلاً، أو أن المقصود خمسون يميناً ولو من رجل واحد؟

المؤلف يرى ـ وهو المذهب ـ أن المقصود خمسون يميناً، ولو من رجلٍ واحدٍ، فإذا كان لا يرث المقتول إلا هذا الرجل، فيحلف خمسين يميناً ويستحق.

 

وَيُبْدَأُ بِأَيْمَانِ الرِّجَالِ مِنْ وَرَثَةِ الدَّمِ، فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً، فَإِنْ نَكَلَ الْوَرَثَةُ، أَوْ كَانُوا نِسَاءً حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِيناً وَبَرِئَ.

وقوله: «ويبدأ بأيمان الرجال» هذه العبارة موهمة جداً؛ لأن ظاهرها أن الرجال والنساء يحلفون، لكن يبدأ بأيمان الرجال، والأمر ليس كذلك، فالنساء لا مدخل لهن في القسامة، وينفي هذا الوهم قوله: «فيحلفون خمسين يميناً» والضمير ضمير ذكور.

فمثلاً: إذا كان الميت المقتول يرثه ابنان وبنت، فمسألتهم من خمسة، عليها عشرة أيمان، وعليهما أربعون، فهل نقول: يحلف كل ابن خمساً وعشرين يميناً، أو يحلف كل ابن عشرين يميناً؟

الجواب: الأول، ولهذا قال: «فيحلفون» أي: الذكور، وأما النساء فلا مدخل لهن.

ولو كان المقتول له ابن وعشر بنات، فيحلف الابن فقط خمسين يميناً، لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «يحلف خمسون رجلاً منكم» [(80)].

وإذا كان المقتول له ثلاثة أبناء فيحلف كل منهم ست عشرة يميناً ويجبر الكسر إذ لا يمكن تبعُّض اليمين، وعلى هذا فيكون مجموع أيمانهم إحدى وخمسين يميناً، ولا حرج.

فإن قال قائل: لماذا لا تحلِّفون اثنين منهم بالقرعة؟

فالجواب: أن الأيمان لا تدخلها القرعة، فلا مناص من جبر الكسر.

هذا ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب، أن الأيمان الخمسين توزَّع على الذكور من الورثة، وأنه لو لم يكن إلا واحد حلف الخمسين كلها.

والقول الثاني في المسألة: إنه لا بد من خمسين رجلاً، يحلف كل واحد يميناً واحدة؛ لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «يحلف خمسون رجلاً منكم» ولم يقل: تحلفون خمسين يميناً؛ ولأن هذا أحوط وأبلغ، لأن هؤلاء الجماعة، أو القبيلة إذا علموا أنه لا بد أن يحلف خمسون منهم، قد ينصح بعضهم بعضاً، ويقول: اتق الله ولا تؤثمنا مثلاً، وحينئذٍ يكون فيه فائدة ومصلحة.

وهذا القول أقرب إلى ظاهر الأدلة، أنه لا بد من حَلِف خمسين رجلاً.

ولكن كيف يكون حلف هؤلاء الرجال؟ نقول: ننظُر للأقرب فالأقرب، فيبدأ بالورثة، ثم بمن يكون وارثاً بعدهم، ثم بمن يكون وارثاً بعد الآخرين، الأول فالأول.

فمثلاً لو كان عندنا أبناء، وأب، وإخوة، وبنو إخوة، وأعمام، وكانت الخمسون يميناً تكمل بأبناء الإخوة، فهنا لا نحلِّف الأعمام.

قوله: «فإن نكل الورثة أو كانوا نساءً حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ» أي: قال الورثة: لا نحلف على شيء لم نره، فتوجه اليمين إلى المدّعى عليه، كما في الحديث، ويقال: احلف خمسين يميناً.

فإذا قال الورثة: نحن لا نرضى بأيمان من ادعينا عليه؛ لأن الذي يتجرأ على القتل يتجرأ على اليمين، ولا يبالي.

نقول: إنه في هذه الحال تؤدَّى ديته من بيت المال، كما فعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم لمَّا قال أولياء المقتول: لا نرضى بأيمان اليهود، وهم كفار، فوداه النبي صلّى الله عليه وسلّم من عنده[(81)]، فإن حلف المدعى عليه ورضي المدعون فإنه يبرأ.

وقوله: «حلف المدعى عليه» هل المدعى عليه هنا عام يشمل الواحد، والمتعدد؟ نعم، هو كذلك، لكنه عام أريد به الخاص؛ لأن القسامة لا تصح إلا على واحد، فلا يمكن أن ندعي على اثنين، ونقول: هذان قتلا مورثنا؛ لأن لفظ الحديث: «على رجل منهم» فالقسامة لا تجرى إلا إذا كان المدعى عليه واحداً.

والعجيب أن بعض أهل العلم قالوا: لا تجرى القسامة إلا إذا كان المدعى عليه أكثر من واحد، عكس هذه المسألة، قالوا: لأن القسامة بين القبائل، فإذا ادعى على واحد، قلنا: لا قسامة كسائر الدعاوى.

ولو قال قائل: نجعلها كغيرها من الدعاوِي، بمعنى إن ادعى على واحد أجرينا عليه القسامة، وإن ادعى على اثنين فأكثر أجرينا عليهم القسامة؛ لأنه من الممكن أن يدعي المدعون أن شخصين قتلاه مع التواطؤ.

وقوله: «أو كانوا نساءً» أي: فإن كان الورثة نساء، كأن يهلك هالك عن بنت وأخت شقيقة، وادعيا أن مورثهما قتله فلان، فلا تجرى القسامة؛ لأنه لا مدخل للنساء في القسامة، حتى لو ادعى العصبة الآخرون، وقالوا: إذا كنتم لا تقبلون دعوى النساء فنحن ندعي، كما لو ادعى عم البنت وأخو الأخت فلا يقبل؛ لأنه لا يرث.

وهذه المسأله تحتاج إلى تحرير؛ لأن في قصة عبد الله بن سهل ـ رضي الله عنه ـ لما جاء أخوه وابنا عمه حويصة ومحيِّصة، قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «كبِّرْ» فبدأ حويصة بالكلام، وهذا يدل على أن العصبة لهم حق؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم خاطبهم، وقال: «تحلفون» [(82)]، والحاصل أن هذه المسألة تحتاج إلى تحرير؛ لأنه ربما تكون البنت والأخت الشقيقة لا مدخل لهما في القسامة، لكن العار يلحق هؤلاء بين الناس، فيقال: قُتِلَ صاحبكم، ولا أخذتم بالثأر.

فهذا شيء لو تُرك لحصل فيه مفسدة عظيمة، فيمكن أن يقتلوا بهذا الواحد عشرة، لا سيما إذا كانت هذه القبيلة أقوى من تلك.

 

-------------------

 

[77]   أخرجه البخاري في الجزية والموادعة باب إذا قالوا: صبأنا... (3173)، ومسلم في القسامة والمحاربين والقصاص والديات باب القسامة (1669) عن سهل بن أبي حثمة ـ رضي الله عنه ـ.

[78]   أخرجه مسلم في الحدود باب القسامة (1670) عن رجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم.

[79]   أخرجه البخاري في الصوم باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر (1936)، ومسلم في الصيام باب تحريم الجماع في شهر رمضان... (1111) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[80]   سبق تخريجه ص(192).

[81]   سبق تخريجه ص(192).

[82]   تقدم تخريجه ص(192).

 

تاريخ التحديث : Feb 5, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com